القرآن العظيم، وأنتم تعرفون أن القرآن يبحث عن أمور بإيجاز يبحث عن ثلاثة أمور، وبالبسط يبحث عن ستة أمور كلها ترجع إلى الثلاثة، انتبهوا لهذا! فالتفقه في القرآن هو المطلوب وليس المطلوب كثرة الرواية، المطلوب الدراية للرواية، الإمام مالك يقول: "ليس العلمُ بكثرة الرواية، وإنما العلمُ بالدراية"، ما معنى الدراية؟، التفقّه في القرآن والسنة، أما الهذرمة فهذا ليس بعلم، العلم أن: تقرأ الآية وتقف عندها وتتدبرها وتفهم ماذا تشتمل عليه من الفقه كما في حديث معاوية: "من يرد الله به خيرًا يفقّه في الدين".
هذا هو الدراية: الفقه في القرآن، الفقه في السنة، وهذا مفقود الآن في أغلب الناس، سواء كان طالب علم أو غيره، بل إنما يريد أن يستعجل فقط ويقضي الوقت بدون فهم، لا، القرآن ما نزل إلاّ للتفقّه فيه: ﴿أفلا يتدبّرون القرآنَ أم على قلوبٍ أقفالها﴾ الذي لا يتدبّر في القرآن ولا في السنة قد برهن على أنّ على قلبه قفلاً، والقفل إذا كان على الباب بدون مفتاح ما تستطيع أن تدخل أبدًا، إذْ يجب عليك أن يكون معك مفتاح.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: "من يرد الله به خيرًا يفقّه في الدين".
ما هو الدين الذي إذا أراد الله بنا خيرًا فقّهنا فيه؟. أمور الدين ثلاثة لا رابعَ لها هي: الإسلام، والإيمان، والإحسان هذا هو الدين المطلوب التفقّه فيه.
من ماذا أخذناه؟، أخذناه من حديث جبريل ﵇ لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان أجاب النبي ﷺ ، وذهب جبريل، فقال النبي ﷺ لعمر: "أدرك الرجل"، وذهب عمر ليدرك جبريل فلم يدركه، فرجع فقال: ما رأيتُه، فقال: "هذا جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم".
فهذه الكلمة أعطتنا فكرة متكاملة عن معنى الدين والإسلام أركانه
стр. 387
خمسة، والإيمان أركانه ستة، والإحسان مقامتان.
هذا هو الدين الذي علمنا جبريل ﵇ عن طريق النبي ﷺ ، وهذا يجب أن يفهم وأن يعرف ليعمل به.
وإذا لم تفقه القرآن لم تعمل بالقرآن، القرآن رسالة أرسلت إلينا من الله لنقرأها ونتفقّه بها ونعمل بمقتضاها، وإذا خلا شيءٌ من هذا فإنك لعّاب بالقرآن، ما نزل القرآن لتلعب به، نزل لتدرسه وتتفقّه فيه وتعمل بمقتضاه وبدون فهم لن تعمل بمقتضاه، ﴿أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ .
وذكر الله لنا في سورة الأعراف كلمتين ينبغي أن ننتبه لها دائمًا حينما نقرأ القرآن وحينما نقرأ الحديث: قال الله في سورة الأعراف: ﴿المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى﴾ إنذار وتذكير، ما معنى إنذار وتذكير؟، إنذار: ترهيب عن المعاصي، ذكرى: تذكير بامتثال أوامره، لأنّ الله حصر القرآن في ثلاثة أمور من سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس: أولا: التوحيد، ثانيًا: الترغيب، ثالثًا: الترهيب، هذا هو القرآن بالإيجاز.
اقرأ القرآن وتدبّره فإنّك تجد ذلك في غاية من البيان والوضوح أنّ كتاب الله كثيرًا ما يقول: ﴿بسلطان مبين﴾ كلما جاءت حجة يقول: ﴿مبين﴾ ما معنى مبين؟، المعنى واضح، القرآن كلام عربي واضح، الذي يريد أن يفقهه ويفهمه يوفقه الله ، ومن لا يريد ذلك يتّخذه لعبًا فهذا أضرّ بنفسه.
وهذا الحديث الشريف كما سمعتم حديث انحصر في سورة الفاتحة، وهو حديثٌ صحيح.
وما هو الحديث الصحيح؟.
стр. 388
هو الحديث الذي استوفى خمسة شروط لا سادس لها: الحديث الصحيح هو الذي رواه ثقة ضابط، وليس فيه علة قادحة، وليس بشاذ، متّصل السند. إذا وجدت حديثًا اختلّ منه واحد من الخمسة لا تقربه ولا تحتج به ولا تعمل به أبدًا.
يقول الحميدي تلميذ ابن حزم، يقول لتلامذته حينما يدرّس الحديث يوصيهم ويقول لهم: أيها الإخوة الكرام أوصيكم بثلاثة أمور في الحديث، فإنكم إذا حرصتم وعَنِيتُم بهذه الثلاثة تكونون محدّثين تفقهون الحديث، قالوا: ما هي؟، قال لهم:
أولاً: علم العلل.
ثانيًا: المختلف والمؤتلف.
ثالثًا: وفيات الرواة.
قالوا له: وهل فيها كتب نبحث عنها؟، فقال لهم: نعم، فالعلل فيه كتب كثيرة، ولكن لا يوجد فيها كتاب يغني عن تلك الكتب الكثيرة إلاّ واحد وهو "العلل" للدارقطني.
"العلل" للدارقطني لم يؤلف في العلل مثله إلى يومنا هذا، فقال لهم: عليكم بهذا.
٢- "المختلف والمؤتلف": قال لهم هناك كتب لا تحصى ولكن ما فيها كتاب يغني عن الآخر إلاّ واحد إلاّ "الإكمال" لابن ماكولا.
٣- "الوفيات": قال: الوفيات مكتوب فيها كثير، ولكن لا يوجد كتاب يغني عن تلك الكتب إلى الآن، وإنما عليكم أن تبحثوا.
وعلّق الذهبي على هذه الكلمة بهذا التعليق الذي يستحق أن يكتب بماء
стр. 389
الذهب الأبيض والأحمر.
قال الذهبي ﵀ إمامُ عصره في هذا العلم، قال: وهذه الكلمة من الحميدي هي التي جعلتني اهتممت واعتنيت بأنّ ألف في الوفيات كتابًا يغني عن كلّ ما ألف في هذا الموضوع، فألّف كتابَه المشهور: "تاريخ الإسلام الكبير"، وهو ثلاثون مجلّدًا مخطوط.
انظر لتلك الهمم العالية التي وفق لها سلفنا وتخلفنا عنها.
ثلاثون مجلّدًا متى تقرأه؟، كم الوقت الذي يتطلّبه قراءة ثلاثين مجلّدًا؟، الجواب: سيكون وقتًا طويلاً.
ولهذا قال أهل التحقيق في هذا الباب، وهذا هو الذي أيضًا جعل الذهبي ﵀ وأسكنَه جنة الفردوس أن يختصره بـ"سير أعلام النبلاء"، ولم يقف الذهبي عند هذه النقطة.
فاختصر "السير" بـ"العبر في تاريخ مَن غبر".
ولم يقتصر على هذا أيضًا فاختصر "العبر" بـ"الإشارات في الوفيات"، واختصر "الإشارات في الوفيات" بـ"الإعلام لتراجم الأعلام".
انظر لو تتبعت كتب الذهبي من أوّلها إلى آخرها كلها مختصرات أصلها "تاريخ الإسلام الكبير".
"تذكرة الحفّاظ" هذا من "تاريخ الإسلام الكبير".
وهكذا كُتُبُ الذهبي في هذا الموضوع، وكذلك: "ديوان الضعفاء"، وكذلك "المغني في الضعفاء"، وكذلك: "ذيل الديوان"، وكذلك: "ذيل المغني"، وكذلك: "الآثار في الأمصار".
стр. 390
يعني: كُتُبُ الذهبي اليوم لو اشتغلنا بها وبحثنا عنها نجدها كلها، وإذا درسناها ننافس الذهبي وإن لم نصل إلى درجته، فهذا الإمام الكبير يقول عن نفسه: لما جئت حاجًّا إلى مكة وطفت وسعيت شربت ماء زمزم فسألت الله أن أحفظ الحديث وعلومَه، وسأل الله أن يكون مثل الحافظ البرزالي. وجاء الذهبي بعد ذلك فوق البرزالي. وجاء الحافظ ابن حجر الذي حمل العلم بعد الذهبي يقول عن نفسه: أنا لما جئت حاجًّا وطفت وسعيت شربت ماء زمزم نويت أن أكون كالذهبي في حفظ الحديث وعلّق الحافظ على هذه الكلمة بقوله: قد وصلت إلى الذهبي وتمنيت أني لم أتقيّد به فيما كتبت قبل، لأنّ كل المراجع التي اطلع عليها اطلعت عليها وزيادة ا. هـ.
هكذا الهمة.
أما ترى الحبل بتكراره ... في الصخرة الصماء قد أثر
فما علينا إلاّ أن نسأل الله العون والتوفيق، فإننا سننجح بإذن الله كما نجحوا.
هذا فيما يتعلّق بصناعة هذا الحديث الشريف الصحيح الذي ينبغي أن يكون دومًا وأبدًا نصب أعيننا.
هذا الحديث فيه من المعاني ما لم تجده في غيره من الأحاديث يكفيك دليلاً على ذلك أنّه فَصَّل ما تشتمل عليه سورة الفاتحة.
الفاتحة مشتملةٌ على جميع القرآن من سورة البقرة إلى آخر سورة الناس، لأنّ القرآن يبحث عن ثلاثة أشياء: توحيد، ترغيب، ترهيب:
أو توحيد، أمر، نهي، أو توحيد حرام، حلال، إن شئت أن تقول هذه
стр. 391
وإن شئت أن تقول هذه، الجميع بمعنى واحد.
الترغيب والترهيب معناهما: الأمر، والنهي، أو الحلال والحرام.
التوحيد ينقسم إلى أقسام:
أولاً: ينقسم قسمين، ثم ينقسم ثلاثة، ثم ينقسم أربعة، هذا أيضًا ينبغي أن يكون على البال لا سيّما على بال طلبة العلم، لا سيما على بال طلبة الجامعة الإسلامية:
التوحيد أولاً: ينقسم قسمين: توحيد في المعرفة، وتوحيد في القصد والطلب، وكلّ من القسمين ينقسم قسمين:
توحيد في المعرفة والإثبات، ينقسم قسمين:
أولاً: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وأما التوحيد في القصد والطلب فكذلك ينقسم قسمين: توحيد في الألوهية أي العبادة، وتوحيد في المتابعة.
وإذا نحن أعدنا النظرَ في هذا التقسيم يكون أمامَنا تقسيم ثنائي ثم تقسيم ثلاثي، ثم تقسيم رباعي، والجميع في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، وعليه إجماع الصحابة والتابعين ومَن تبعهم إلى يوم الدين.
قد يقول سائل: ما معنى التوحيد في المعرفة والإثبات؟.
معناه: التوحيد الخبري: التوحيد الذي لا يمكن أن تعرفه من تلقاء نفسك، لا بدّ من الخبر عن الله أو الخبر عن رسوله ﷺ .
من أين لك أن تجيء بأسماء الله وصفاته؟، ما عندك كيس يحويها، إذن، كيف تعرفها؟.
стр. 392
تعرفها من كتاب الله العليم بكلِّ شيء، أو من سنة رسوله ﷺ الذي علمه، ولا يمكن أن تتعلم إلا عن طريقهما.
أما التوحيد في القصد والطلب: توحيد العبادة، وتوحيد المتابعة، يسمى التوحيد الإرادي ومعناه: عبادة الله لا يراد بها إلا الله فالذي يعبد الله لا بدّ أن يكون مخلصًا لله في العبادة قال تعالى: ﴿فاعبد الله مخلصًا له الدين﴾ هذا معنى التوحيد الإرادي.
ولقد جرى بحث بيني وبين بعض الناس عن هذا التقسيم، وقالوا: هذا ما سمعناه من مشايخنا، قلت لهم: هل مشايخكم سمعتم منهم كل شيء؟، قالوا: لا، فقلت: الشيء الذي لم تسمعوه من مشايخكم وسمعتموه من غير مشايخكم يجب عليكم أن تحرصوا عليه.
ثم التقيت بأحد المشايخ فقال لي: أنت تقول: التوحيد يصلح أن يقسم إلى ثنائي وثلاثي ورباعي؟، قلت: هذا هو الحقّ، ومن قال غير هذا فهو جاهل لهذا التقسيم يجب أن يتعلمه، فقال: لا أبدًا، قلت: والعياذ بالله تعالى.
اشرح لي لا إله إلا الله محمد رسول الله، ما معنى هذه الكلمة؟، فبُهت لأنّ إنكاره هذا التقسيم الثلاثي الرباعي معناه أنه ينكر أنّ كلمة الإخلاص تشتمل على نوعين من التوحيد:
"لا إله إلا الله" الشق الأول: توحيد العبادة.
"محمد رسول الله" الشق الثاني: توحيد المتابعة.
فقد غفل، وهو لا يُسْتَنكَرُ عليه أن يغفل، ولكن أنكرت عليه ذلك لأنّه أخذ معنا مدة تبلغ عشرين سنة، فمِن هنا أنكرت، وإلاّ لو كان في أول أمرِه لا أُنكِرُ عليه، لأنَّ الأشعريّة الكلاّبية الذين عاش بينَهم والمعتزلة الزيديّة والحنفية
стр. 393
الماتوردية الذين اجتمع معهم لا يعرفون هذا النوعَ من التوحيد، فلهذا أنكرتُ عليه وقلت له: اسمع! يجب عليك أن تدرس هذه المسألة من جديد، والآن فالجامعة أُسِّست لتعليم التوحيد لمن لا يعرفه، فقال: أنظر، قلت: عجيب! تنظر في مسألة دراسة التوحيد؟، الواجب أن تبادر حتى تعرف معنى "لا إله إلا الله، محمد رسول الله".
قلت لكم هذه القصة لكي تنتبهوا، فهناك من لو سمعك تقول إنَّ التوحيد ينقسم ثنائي وثلاثي ورباعي لم يقبل منك.
وأنتم عرفت معنى كون التوحيد ثنائي ومعنى كونه ثلاثي ومعنى كونه رباعي، وهذا كله في أول الفاتحة، وسنعرج على ذلك بتفصيل.
واعلموا: أنّ هذه السورة التي سمّاها الله ﴿القرآن العظيم﴾ بدأها الله بالتوحيد، وجعلها في أول القرآن، هذا لحكمٍ كثيرة ينبغي أن نعرّج على ما تيسّر منها:
منها: أن الله بدأ كتابه بهذه السورة التي بدأها بالتوحيد إشارة إلى أن أول واجب يجب أن يُدَرَّسَ في أي مجال وفي أي احتفال وفي أي ندوة وفي أي مدرسة في الدنيا هو التوحيد، أول مدرسة تفتح هي التوحيد، كما أن المدرسة الأولى التي فتحها الله لنا في كتابه هي مدرسة التوحيد في سورة الفاتحة.
انظر هنا لَمّا بدأ كتابه بالتوحيد وبدأ كتابه بالسورة الشاملة للتوحيد وغيره ختم كتابه بالتوحيد سورة الناس أوَ ليْست هي آخر القرآن؟، بلى، لا يقل أحد نعم، لأنّه إذا قال نعم أخطأ.
بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس﴾
стр. 394
هذه تقسيمات التوحيد الثنائية والثلاثية والرباعية، وفيها إشارتان:
الإشارة الأولى: إلى أنه ختّم القرآن بالتوحيد كما بدأه لنا بالتوحيد إشارة إلى أنّ آخر ما يجب عليك أن تموتَ عليه هو التوحيد ﴿فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ أي: موحِّدون.
فختم الكتاب بنفس التوحيد الذي بدأ به الكتاب.
"ثم قال المحاضر" (١) : أغلب الذين اشتغلوا بعلم البلاغة المفيد المعتزلة الزيديّة والأشعرية الكلاّبية والحنفية الماتوريدية، فكمْ هؤلاء؟، هذه ثلاثية اشتغلوا بهذا العلم، وهو علمٌ مفيد يساعدك على الإطلاع على أسرار القرآن والسنة النبوية، ولكن استغلّه أولئك لأجل جعل ما هم عليه من الخروج عن الجادّة من الإيمان بأسماء الله والإيمان بصفات الله.
فهؤلاء الثلاثة إما معطِّلون بحت، وإما مُؤَوِّلُون قح، وإما منكرون كليةً، هكذا هم، فانتبهوا لهذا.
اعلموا: أنَّ ما كل من سمع هذا التوحيد تقبله، فبيّن الله لنا في آخر هذه السورة من قوله: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ إلى آخر السورة أن الناس لما جاءت هذه السورة وقفوا من هذا التوحيد ثلاثة مواقف:
صنفٌ درسه وعمل بمقتضاه، وهم الذين قال عنهم: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، هذا الصنف الأول ما موقفه من التوحيد المذكور في أول السورة؟، عمل بمقتضاه.
стр. 395
والصنف الثاني: مفهوم قوله: ﴿غير المغضوب عليهم﴾ المغضوب عليهم مثّلهم النبي ﷺ باليهود الملاعين، لأنّ هذا الصنف عرفوا هذا التوحيد ولكنهم لم يعملوا به، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ولكنهم لم يعملوا بمقتضاه، بل العكس أنكروه وأنكروا نبوّة النبي ﷺ ، وقالوا: ﴿عزير بن الله﴾ ، و ﴿المسيح ابن الله﴾ .
فالصنف الأول العلماء العاملون بالتوحيد، والصنف الثاني العلماء غير العالمين بالتوحيد.
والصنف الثالث: مفهوم: ﴿ولا الضالين﴾ الضالين أي: الجاهلين، وهم النصارى.
إذن عرفنا أن هذه السورة العظيمة التي لو وقفنا لشرح ما اشتملت عليه يتطلب منا أن نبدأ بسورة البقرة إلى آخر سورة الناس، فعبد الله بن عمر أخذ في سورة البقرة يحفظها ويتدبّرها ثماني سنوات، وهو أفقه منا بالقرآن، وأما نحن الغافلون الكسالى نأخذ على الأقل خمسين سنة ولا نصل إلى نهاية، انتبهوا إلى هذا.
وهل ابن عمر ﵁ يصعب عليه أن يحفظ سورة البقرة وسورة الفاتحة، ولكن أخذ ثمان سنوات وهو يقرأ لأنهم يقرأون كما تعرفون علمًا وعملاً لا للأغنية لا للتغني ولا للتكسّب، فالقرآن يقرأ للعمل والعلم والسنة كذلك، فحق القرآن عليك أن تتعلمه وتعمل به، وهكذا سنة النبي ﷺ .
وعلى كلِّ حال فقد أكثرتُ عليكم وفوّتكم معنى العنوان الذي هو خلفي الذي أعرف القصد منه، ولكن أردت استغلال الوقت الذي إذا ذهب ما أظنه أنه يعود وإن عاد قد لا يكون كما ينبغي، لأني ضعيف، أكلمكم وأنا ضعيف أكاد أن أسقط، ولكن الحماس الذي تسمعونه هذا لأني أقرأ القرآن.
стр. 396
وأسأل الله رب العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين من الذين يستمعون القولَ فيتّبعون أحسنَه، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
"ثم قال المحاضر": مَن عنده إشكال في مسألة علمية ولا يسأل عن غير العلم، بل يسأل في تفسير آية، أو في تفسير حديث، أو في صحة حديث، أو تضعيف حديث، أو في العقيدة هل هذه العقيدة صحيحة، أو في ترجمة رجل هل هو ثقة أو غير ثقة، أو إعراب كلمة نحوية، أو مفردات لغوية، أو بلاغية، أو أصولية، يطرح سؤاله في أي علم من هذه العلوم، أما في غير هذا فممنوع، وإن سأل عن غير هذا يؤدَّب، انتبهوا لهذا، فهذا تهديد حتى لا تخرجوا عن المطلوب اللازم إلى غير لازم.
"جزئ الله فضيلة الشيخ خير الجزاء وأجزل له الأجر والمثوبة".
ونستعرض فيما بقي بعض الأسئلة التي وردتنا ونعتذر عن بقية الأسئلة لضيق الوقت.
فضيلة الشيخ كيف يفرِّق طالب العلم بين المتابع والشاهد؟.
أنا أريد أسئلة علميّة هكذا حتى أستفيد أنا بنفسي قبلَكم، أما الأسئلة غير ذلك لا تذكر وخاصة في هذا العصر الخطير الذي استغله العدوّ لدفع شبابنا إلى ما لا يصلح لهم ولا يعنيهم.
أيها الإخوة الكرام الأخ الكريم يسأل عن التفرقة بين الشاهد والمتابع.
والأحاديث أولاً تنقسم ثلاثة أقسام عند أهل الحديث: صحيح، حسن، ضعيف، وفي الزمان الأول ينقسم قسمين فقط في أيّام الإمام أحمد وقبله، وهما الصحيح والضعيف، ثم تطوّر على حسب تطوّر المعلومات للتقريب، ليس معنى
стр. 397
ذلك أن الإمام أحمد والإمام مالك قبله والإمام الشافعي لا يعرفونه، فهذا على حسب الوقت، فالوقت يختلف فوقت الإمام مالك مثلاً لا يحتاج إلى البسط لأن الله منحهم من الذّهن ما لم يمنح مَن بعدَهم، ففي الحديث: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، هكذا ترتيب الناس، وهكذا ترتيبهم في الفقه والحفظ، فأيّام المتقدمين الذين قال عنهم ابن مالك في "ألفيته":
ما أصح علم من تقدما
علم من تقدم هو الصحيح، فإذا كان عندنا علمُ من تقدم نستغني عن علم من تأخر، وإذا لم يكن عندنا نأخذ من باب الإفادة.
وهذا التقسيم الثنائي أو الثلاثي منه قسم يلقبونه بالضعيف، والضعيف أنواعٌ كثيرة وشرُّه وأخبثُه: الموضوع.
الموضوع معناه: الكذب، إذا كان الحديث يحمل لقب ضعيف فيه تدليس أو سيء الحفظ، كيف نتعامل معه؟، أبحث عن شاهد أو متابع، الشاهد معناه إذا كان الحديث عن ابن عمر "صحابي" أبحث عن صحابي آخر رواه لكي تتقوّى رواية ابن عمر، فمثلاً وجدنا رواية عن ابن مسعود عندئذ يتقوّى الحديث ما دام السندان مختلفين، وليس في أحدهما كذّاب، فالشاهد إذًا رواية الصحابي دعمت رواية صحابي آخر.
أما المتابِع ينقسم قسمين:
إذا كان الحديث رواه راوي تابعي عن صحابي والتابعي هذا فيه ضعف ليس كذاب ماذا نعمل؟، نبحث ربما نجد تابعيًّا آخر رواه عن ابن عمر كما رواه هو، هذا ما يسمى بالمتابَعة التامة.
أما المتابَعة القاصرة: تكون بين تابع التابعي، فالتامة بين التابعين، والقاصرة:
стр. 398
متابعة تابع التابعي، فهي قاصرة لأنها لم تكن في التابعي وإنما كانت في تابع التابعي.
وهذا العلم علم جيّد.
"ثم قال المحاضر":
والفرق بين التأليف والتصنيف:
أنَّ التأليف: الجمع بين الكلمات.
التصنيف: تقسيم الموضوعات الكبيرة، مثلاً: كتاب الطهارة، كتاب الوضوء.
أما التأليف: الجمع، سواء كان مبوّبًا أو غير مبوّب.
أنواع علوم الحديث على الصحيح خمس وستون نوعًا كما ذكر الحافظ الخطيب وابن الصلاح وغيرهما، ولكن جاء البلقيني وزاد في كتابه "محاسن الاصطلاح" فأوصلَها إلى مائة، معناه: زاد خمسًا وثلاثين، ولكن لما تتبعنا بالدقة وجدنا أن الخمس والثلاثين كلها موجودة في الخمسة والستين، إنما أولئك ذكروها بالإيجاز وهو ذكرها بالإطناب والإطناب يفيد الكسالى لا يفيد المجدين فإنه يملّهم، ولذلك ما جاء بجديد عند أهل التحقيق.
وهذه الخمسة والستون نوعًا الآن توجد المؤلفات فيها عندنا ولله الحمد والسبب في هذه الدولة السعودية التي بقيت للإسلام والعلم، ويجب علينا أن نقول كما يقول الإمام أحمد بن حنبل: "لو كان لي دعوةٌ أعلم بقبولها لصرفتُها للمسؤولين" لماذا؟؛ لأن صلاح المسؤولين هو صلاح الأمة، يجب علينا جميعًا أن نحرص على ما فيه مصلحة دينية ودنيوية لهذه الدولة التي بقيت للإسلام، فلو طرت إلى الشرق إلى الشمال لن تجد مثل هذه الدولة، فيجب
стр. 399
عليك أن تحذر أن تساعد العدو عليها، فالعدو يسهر طول الليل يبحث وهو عاجز، ولكن يعرف أن البيت لا يعرف من بداخله إلا أهله، ولذلك يبحث عنك، لا يجوز لك أن تنقاد للعدو ليذهب بدينك وأمتك، والعدو لا يرحمك: ﴿ودّوا لو تكفرون كما كفروا﴾ .
أقف عند هذه الكلمة. اهـ.
стр. 400
قال الوالد حياته
١- قال الوالد:"حفظت كتاب اللغة للفيّومي (المصباح المنير) ؛ لأنّنا ملتزمون بحفظه في البلاد، وهو سهل.
وأصلُ هذا الكتاب: أن الفيّوميّ أخذ الكلمات الغريبة التي في كتب الفقه وضمّها في كتابه".
٢- سمعته يقول: "أنا مؤرّخ، لم أدخل بلدًا في الدنيا إلا كتبت تاريخَها، والله أعلم".
٣- سمعت الوالد يقول: "محمد بن تركي شيخي درستُ عليه". قلت: يعني: أول مرة.
٤- وسمعته يقول: "دخلتُ الرياض سنة ١٣٧٤هـ".
٥- وسمعته يقول:"كنت أُدَرِّس (مقدمة ابن الصلاح) في الرياض في المعهد".
٦- سمعت الوالد يقول: "كنت كلما رأيتُ مخطوطة نسختُها".
٧- سمعت الوالد يقول: "كنتُ قبل مرض العيون أقرأ المخطوطات بجميع خطوطها".
٨- سمعت الوالد يقول: "العقيدة والتفسير وأصول الفقه والألفيّة كنت أُدرِّسها في الرياض، ويشاركني في التدريس منّاع القطّان".
٩- سمعت الوالد يقول: "دَرَّستُ العلومَ الخمسة في البلاغة".
١٠- سمعت الوالد يقول: "كنا إذا اجتمعنا نحن طلبة العلم في البلاد لقراءة كتاب بصوت مرتفع للتدريب على القراءة الصحيحة بدون لحن نقول لمن أراد أن يقرأ: (إن الأرض مسبعة) أي: اعتبر نفسك غنمة بين سباع".
стр. 401
١١- سمعت الوالد يقول: "كنا نعطل في يوم الأربعاء والخميس والجمعة في البلاد، وكان الطالب يُضمُّ إلى المدرسة أي الحلقات وعمرُه سنتان".
١٢- سمعته يقول: "تمنّيت لو حقّق مختصرا "الكامل" لابن عدي للدمياطي والمقريزي".
قلت: وقد تحققت واحدة من أمنياته، حيث حُقّق وطُبع "مختصر المقريزي" للكامل.
١٣- سمعت الوالد يقول: "كنت أُدِرِّس التفسير في الرياض في المعهد، و"الطحاوية" كذلك".
١٤- سمعت الوالد يقول: "وقفت على عشرين نسخة لكتاب "الكامل" لابن عدي ما منها واحدةٌ كاملة إلاّ النسخة التي عندي، وهي من تركيا، وهذه النسخة اشتريتُها من رجلٍ تركي أتى إلى المدينة وهو يحملها، فعرضها على الجامعة الإسلامية في أوّل افتتاحها، فاعتذرت عن شرائها لارتفاع ثمنها وثمنها ألف ريال، فعلِم الوالدُ بهذا الرجل فقال له: أنا إن شاء الله تعالى أشتريها منك، فذهب الوالد إلى أحد الناس ممن يعرف فاستدان منه ثمن هذه المخطوطة واشتراها من هذا الرجل، وعلمت الجامعة بهذا الفعل العجيب من هذا المحدِّث، فقال له الشيخ ابن باز: عجبًا فردٌ غلب جماعة، فقال الوالد: نعم، لأنّ المسألة مسألة رغبة، وأنا أعلم مدى أهميّة هذا الكتاب، والله أعلم".
١٥- سمعته رحمه الله تعالى يقول: "رأيتُ حاجًّا وناسًا ملتفين حوله، وقد أخذوا عمامته وكانت بيضاء، مزّقوها، وبعضهم يأكلُها، فقلت لأحدهم: لماذا تأكل من هذه؟، فقال هذا الحاج نتبرّك بعمامته، فأردتّ أن أُفهمَه فأبى هو ومَن معه".
стр. 402
١٦- سمعت الوالد يقول: "أيّ مخطوط صغير الحجم كنتُ أنسخه".
١٧- وقال الوالد: "كتاب غير منظوم لا يُنظر فيه في أفريقيا".
١٨- وقال الوالد: "سنة ١٣٦٧هـ كنا نأتي المدينة على الجمال".
١٩- قال الوالد: "قصة رفع اليدين في الدعاء كان عمري آنذاك ١٨ سنة وليس في يدي شعرة".
قلت: يعني قصة حصلت له وكانت سببًا في تأليفه لكتابٍ في أدلة رفع اليدين في الدعاء وهو مطبوع، والقصة مذكورة في مقدمة مؤلّفه هذا.
٢٠- قال الوالد: "تركتُ أفريقيا في سبيل طلب العلم".
٢١- سمعت الوالد يقول: إنه حضر في مجلس فأراد منه أهل المجلس أن يُلقيَ كلمة فقال لهم: قبل الكلمة يقرأُ أحدكم شيئًا من القرآن.
٢٢- سمعت الوالد يقول: "أحفظ "عقود الجمان" و"الجوهر المكنون"".
٢٣- سمعت الوالد يقول: "بيني وبين البلاد ٤٥ سنة أيّام الحرب العالمية الثانية".
٢٤- وسمعتُه يقول: "قال لي بعض الناس: ألا تسافر؟، فقلت: أنا الآن أقول كما قال ذاك الشّاعر:
ألقيت عصا التسيارِ من غير مرية".
قلت: وذلك عام ١٤١٢هـ.
٢٥- وقال: "قدمت إلى الحرمين وعمري تسعة عشر سنة ولا أحمل عندما خرجتُ إلا مصحَفًا، وكانت عندي مكتبةٌ في البلاد كلّها في الفقه المالكي، وهي مفيدة جدًّا، وهي لعمِّي".
стр. 403
٢٦- وقال: "كنت أيّام الشّباب نشيطًا في كتابة العلم والقراءة".
٢٧- وسمعتُه يقول: "صوّرت مخطوط "تاريخ دمشق" بسبعة آلاف ريال".
٢٨- وسمعتُه يقول: "أرسلت كتبي في تسعة صناديق محتوية على كتب العقيدة السلفية والحديث إلى البلاد (مالي) ".
٢٩- وسمعتُه يقول: "كنتُ إذا رأيت مخطوطًا فأعجبني جلست له حتى أنسخَه لنفسي، وقد نسختُ من ذلك كثيرًا".
٣٠- وسمعتُه يقول: "خطِّي مخضرَم". قلت: يعني خط مغربي مشرقي.
٣١- وقال: "من يرى خطِّي الإفريقيّ الأول لا يستطيع قراءته".
٣٢- وكان إذا أراد أن يري أحدًا خطّه القديم أحضر له الدفتر الذي يحوي بين دفّتيه مسائل عن الهجرة، وأعطاه مرّة لأحد الطلاّب فقال له: اقرأ، فما استطاع أن يستمرّ في القراءة، بل كان يتوقّف كثيرًا.
٣٣- وقال: "خطوط أفريقيا متنوعة: خطّ مغربي، وخط نيجيريّ، وخطّ موريتاني".
٣٤- سمعته يقول: "البِيضُ في مالي على قسمين: العرب، والطوارق".
٣٥- وسمعتُه يقول في سنة ١٤١٢هـ: "يصعبّ عليّ قراءة الخطّ المغربي في بعض الأحيان مع أنِّي مغربي".
٣٦- وسمعتُه يقول: "شروح خليل كلها كانت عندي في البلاد".
٣٧- وسمعتُه يقول: "لما كنتُ في السودان نزلتُ على رجلٍ عالم جمع خصالاً كثيرة من الخير، وكنت أساعدُه على القضاء، وكان قاضيًا فقيهًا
стр. 404
مالكيًّا، وكنت أحفظُ الفقهَ المالكي مثل الفاتحة.
ولما أردت السفر والخروج من مدينة جنينه التي كان فيها قال لي: لا تخرج وأقم هنا أزوّجك ابنتي وأعطيك بيتًا، فقلت له: إن هذه البلاد يحكمها الكفّار أي: بريطانيا، وهذا السببُ جعلني أخرج من بلدي، كما أني لا أريد الزواج الآن، فإني خرجتُ لطلب العلم، ثم ودّعتُه وذهبت إلى الحرمين".
٣٨- وسمعتُه يقول: "كان الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ يكنيني بأبي زيد، وكان يقرّبني إليه جدًّا، ويقول لي: إذا أردت أي شيء فأخبرني. وكان المشايخ كلهم هناك يقرّبونني، وكنت أخدمهم".
٣٩- وسمعتُه يقول: "كنت في شبابي أقرأ وأكتب إلى الفجر، ولا أنام إلاّ شيئًا قليلاً من الظهر".
٤٠- وسمعتُه يقول: "ليس لنا في البلاد "مالي" علاقة بالشناقطة لبُعد المسافة بيننا، إذ تقدّر هذه المسافة بخمسين يومًا بالجمل غير المُحَمَّل أما المحمّل فالأيام تطول".
٤١- وسمعتُه يقول: "أرسل إليّ أحدُ الناس وقال: أنت مع الحكومة السعودية ويجب اغتيالُك".
٤٢- وسمعتُه يقول: "سمح لي الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ ﵀ بالتدريس في المسجد الحرام بمكة المكرمة.
ثم قال: وقد أدركته هو وأخاه عمر، وكانا كبيرين في السن، وكان الشيخ عبد الله بن حسن يدور على الدروس في الحرم وهو على عربية يدفعها له بعض خدمه.
وتعامل هذا الشيخ عبد الله بن حسن مع المبتدعة تعاملاً قلّ نظيرُه.
стр. 405
وقد أدّب عبد الله بن حسن العلوي والد العلوي المجود الآن، وقد ضربَه مرّة بالنعال، وكان العلوي هذا أعقلَ من ابنِه".
٤٣- وسمعتُه يقول: "أول ما قدمت إلى هذه البلاد أدّيت الحج مباشرةً، ثم ذهبتُ إلى المدينة، ثم عدّت إلى مكّة".
قلت: يعني: عام ١٣٦٧هـ. كان قدومه اهـ.
٤٤- وسمعتُه يقول: "نحن في أفريقيا نحفظ كلّ شيء".
٤٥- وقال: "حفظت "المصباح في اللغة" الذي في غريب فقه الشافعي أو الغريب في كتب الشافعي وأصحابه".
٤٦- وسمعتُه يقول: "أعطيت الجامعة الإسلامية أربعمائة مخطوط، بعضها بخطِّي".
٤٧- وسمعتُه يقول: "قبل أن تمرض عيني كنت أكتب المخطوط ولولا مرضها ما اشتريت المخطوط إنما أقوم بنسخه".
٤٨- وقال: "من أراد أن يبحث عن المخطوطات فعليه بتركيا وألمانيا فقط".
٤٩- وسمعتُه يقول: "لا أخرج الآن للكلام في العلم، لأنه يوجد مَن هو أعلمُ منِّي، والله المستعان".
٥٠- وسمعتُه يقول: "دخلتُ المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام فرأيتُ حلقة يتكلّم فيها أحد الناس بالعجمية فجاءني أحدُهم فقال لي: تعرف من نحن؟، فقلت: ما أدري، فقال: نحن جماعة التبليغ، عندنا ستّة أصول، فكتبتُها وقال لي: أريد أن تخرج معنا، فقلت له: ماذا أفعل؟، فقال: الذي نفعل، فقلت له: ما جئتُ لأخرج، جئت لهذا البلد للعلم، ثم لما ذهبتُ إلى مكة
стр. 406
عرفت عنهم شيئًا كثيرًا، وذلك من خلال الصولتية لأنها لهم. وخروجهم كله لا خير فيه، فإنهم لا يعلِّمون الناسَ شيئًا".
٥١- وسمعتُه يقول: "لما كنتُ في السودان عند خروجي من "مالي" حصل أن قام علينا الخرافيون هناك يريدون أن يضربونا بالعِصي، ولكن منعهم الله، ولله الحمد.
وقال: ثم طاردونا إلى حيث نسكن، وأمروا من نزلنا عليه بأن يخرج مالنا من العفش إلى الشارع حتى ينفرونا، ولكن ساق الله لنا ناسًا من أنفسهم منعوهم من أذيتنا أخذتهم حميّة الكرم والضيافة".
٥٢- وسمعتُه يقول: "دَرَسْتُ في مدرسة العلوم الشرعية سنة ١٣٦٩هـ".
٥٣- وسمعتُه يقول: "انتقلت من الرياض في سنة ١٣٨٤هـ ثم أقمتُ بمكة سنة واحدة دَرَّسْتُ فيها في الصولتية والمعهد العلمي، ثم انتقلت إلى المدينة أدرس في الجامعة الإسلامية".
٥٤- وسمعتُه يقول: إنّ والدته كانت ماهرة في الطب وخاصة طبّ العيون، فقد جاءها رجلٌ مرّة قد تدلّت إحدى عينيه فأرجعتها وأصبحت سليمة، وقال: إنه قُذف بحجرة فأصابت عينه فعالجته، وكانت هكذا حتى ماتت. وقد تعلّمت هذا الطبّ من بعض نساء الحي".
٥٥- وسمعتُه يقول: "الكتب عندي أفضل من قصور الملوك".
٥٦- وسمعتُه يقول: "أعرف اليمن ولم أدخلها كأنها أمامي".
٥٧- حدثنا الشيخ عمر حيوية الشنقيطي المفسر يعمل في مجمع المصحف أنه يعرف ناسًا صلحت عقيدتهم على يد الوالد، وقال: أعرفهم جيّدًا".
قلت: أي: صَلُحت عقيدتهم، فأصبحت عقيدةً سلفية.
стр. 407
٥٨- وقال الوالد: "إنه هاجر قبل الشيخ إسماعيل الأنصاري بثلاث سنين، ثم لحق بنا، وما عرفتُه إلاّ هنا، ولكن هناك كنت أسمع به".
٥٩- وقال الوالد: "كانت طريقة كتابتي في مؤلفاتي كلها سجع على طريقة المغاربة".
٦٠- وسمعتُه يقول: "لي خطّ قديم وخطّ جديد".
٦١- قال رجل للوالد: لو جمع شعركم لخرج في ديوان، فقال الوالد: نعم.
٦٢- قال الوالد: "ما اشتغلت في الحديث إلا سنة ١٣٧٠هـ وقبلها كنت أُحِبّ طلب الحديث، وعزمت أن أُهاجر وأسافر من إفريقيا من أجلِه".
٦٣- وسمعتُه يقول: "عندما كنتُ في المدينة النبوية ليس في وجهي شعرة، كنت أخرج إلى أطراف المدينة أنا وجماعة قدماء جدًّا في المدينة فأخرج معهم إلى أطرافها للنّزهة ولمعرفة المدينة جيّدًا".
قلت: كان الوالد بالمدينة عام ١٣٦٧هـ وما بعدَها بقليل، وذلك في أول قدومه إليها.
٦٤- قال الوالد: "كان لي عبيدٌ فأعتقتُهم، وأخرجتُ لهم صكوكًا".
٦٥- وقال الوالد: "أنا خادم لمشايخي أهـ..".
٦٦- وسمعتُه يقول: "كان معي كتاب "كنز العمّال" دخلتُ به المطار فلما رأوه مكتوبًا عليه "كنز العمّال" قالوا: هذا كتاب من كتب الشيوعية، فقلت: عجبًا، وأبو أن يعطوني إيّاه، فلما ذهبتُ إلى مكة توسّط لي أحد الوجهاء حتى سلّموني الكتاب".
стр. 408
٦٧- وقال الوالد: دَرَسْتُ "البروتكلات" اليهودية دَرَسْتُها ولخّصتُها لنفسي. ثم قال: أعداؤنا ما أكثرَهم، اللهم اخذلهم وقلِّلهم يا ربّ، آمين.
٦٨- وسمعتُه يقول: دَرَسْتُ السيرة دراسة تفقّهٍ، وأعترف بأنّ هناك صحوة، وهذه الصحوة أتت بعد فتح الجامعات الإسلامية. ثم قال: وهذه الصحوة حُرِمَت من بعض الخير لأنّها لم تُشْغِل نفسها بالعلم في كلّ وقتها إنّما انشغلت بأمورٍ لا تعنيها.
٦٩- وقال الوالد: "اشتغلت بالنّحو في أول عمري، وعهدي به الآن ثلاثين سنة، وأستطيع أن أُعرب القرآن كلّه من ألِفِه إلى يائه أي: إلى آخره".
٧٠- وسمعتُه يقول: ""المنجد" كان عندي في أول مرة فأحرقته عندما قرأت كلامه عن النبي ﷺ وكان كلامًا سيّئًا، ثم اشتريتُه للحاجة إليه".
قلت: "المنجد في اللغة" مؤلِّفُه نصراني من لبنان.
٧١- وسمعتُه يقول: "رأيتُ رجلاً في أفريقيا صوفيًا كبيرًا يأتي إليه الناس فيُقبِّلون رأسَه ويدَه وبطنَه ورجلَه، وحولَه جمهور من الناس، ولما حضرته الصلاة لم يصلي، فسألتُ عنه، فقال لي أصحابُه: هو لا يصلي قد سقطت عنه التكاليف. وهذا الجنسُ من الناس قرأتُ عنهم في الكتب، والآنَ قد رأيتُهم".
٧٢- وسمعتُه يقول: "عندي إجازات في كلّ علم حتى في الهندسة".
٧٣- قال الوالد رحمه الله تعالى: "عندي من المراجع العلمية ما لا يوجدُ عند غيري، والله أعلم".
٧٤- وسمعته يقول: "أدركت أحمد صدِّيق الغماري والكتّاني ولكن منعني أن آخذ عنهما أنّهما كانا مطارَدين، ثم قُتلا على يد ملك المغرب الخامس، وذلك أنّ الكتّاني سُئل لماذا تطلب الحكم ولا تتركه للخامس؟، فقال: لأنه جاهل".
стр. 409
قلت: الكتّاني هو صاحب "فهرست الفهارس"، وقولُه: "آخذ عنهما" يعني: أروي عنهما ما يروونه من كتب الحديث وغيرها.
٧٥- سمعت الوالد يقول: "كثرة النسيان أصابتني بعد مرض أصاب عيني". ثم قال: كل من طعن في السن فهو معرّض للنسيان، وهذا على الغالب، فإنّ عمِّي محمد أحمد الملقّب بالبحر كان يسرد متن البخاري كالفاتحة وهو في سنّ الخامسة والتسعين.
٧٦- سمعت الوالد يقول: الدراسة عندنا في البلاد كالتالي:
نبدأ بالقرآن الكريم، ثم مبادئ في الفقه، والتوحيد، واللغة، والنحو، والتصريف.
ثم بعد هذه المبادئ نرجع إلى الكتب الكبار في التفسير والفقه، وفي الفقه: "مختصر خليل"، و"الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع" في أصول الفقه، ثم المنطق والتنجيم".
ثم قال: "والمنطق والتنجيم ضروريّان، من لا يتعلّمهما لا يُعدُّ هناك شياً، والدواوين الستة نحفظها، ونحفظ "مقصورة ابن دريد"، وآخر مرحلة في الدراسة عندنا: التنجيم، ندرس فيه كتاب السوسي، وكلُّ ما تقدّم حفظتُه، ولكن نسيتُ الآن بعضَه".
٧٧- قال الوالد: "عندما كنت أُدَرِّسُ في المسجد النبوي ما كان يحضر عندي إلاّ العوام، وبعض طلبة العلم"، قلت: وذلك لقلة طلبة العلم ذلك الوقت.
٧٨- وقال الوالد: "أول فهرس لكتاب مستقلّ اقتنيتُه سنة ١٣٧٤هـ".
٧٩- قال الوالد: "نحن من ذريّة سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي".
٨٠- قال الوالد: "سنة ١٣٦٧هـ كانت عندي مكتبةٌ في الحديث
стр. 410
صغيرة جدًّا". ثم قال: "كلها اشتريتها من بور سودان (بدولة السودان) ".
ثم قال: "إنه عندما أراد أن يضعها في الباخرة ليحملها معه إلى الحرمين رآها المستعمر فقال له: أنت تاجر لا يجوز لك أن تخرج بها فتبيعَها، فقال الوالد للمترجم: قل له: لو أعطيتني بور سودان كلها لا أعطيك هذه الصناديق التي فيها هذه الكتب".
٨١- قال الوالد: "لا بدّ لي من قيلولة بعد الغداء".
٨٢- قال الوالد: "كنت أكتب من الفجر إلى الليل ملزَمتين، وهذا كلُّ يوم". ثم قال: "وكنتُ أسهر بعد العشاء وليس معي أحد، أكتب على ضوء صغير، وليس في تلك الأيام كهرباء، والله أعلم".
قلت: هذا الحال عندما كان بمكة المكرمة في حدود سنة ١٣٦٨هـ وما بعدها بزمن.
٨٣- قال الوالد: "كان لي ولدٌ صغير اسمه عبد الغفار، وكان يُمْسك لي رجل الجدع الصغير، وكان عندي غنمتان أحلبهما، فيمسك لي الجدع حتى أنتهي من الحلب".
قلت: عبد الغفار توفي صغيرًا وله سنتان تقريبًا.
٨٤- سمعتُه يقول: "دَرَسْتُ كتاب "الوهم والإيهام" لابن القطّان".
قلت: درَسه وقرأه قراءة خاصّة، لأنّه كتاب عظيم الفائدة.
٨٥- سمعت الوالد يقول: "أدركتُ في وقتي طلبة علم كان أحدهم إذا كتب عرض ما كتبه على كبار طلبة العلم في زمانه فينظر أيُقِرُّونَه فإن لم يُقروه حرق ما كتبَه".
стр. 411
٨٦- قال الوالد: "نحن قحطانيون".
قلت: يعني الوالد نفسهـ، لأن الأنصارَ من الأزد، والأزد من قحطان.
٨٧- وسمعتُه يقول: "مدينة خيبر ذهبت إليها عدّة مرّات".
٨٨- وسمعتُه يقول: "كانت الرياض مركز العلم، وكانوا يلقّبونني خادم الشباب أو حلاّل المشاكل".
٨٩- وسمعتُه يقول: "لم أرحل إلى تركيا".
٩٠- كان الوالدُ إذا أصاب أحد الناس في شيء يقول له: "أحسنت".
٩١- كان الوالدُ أيّام الحرب الثانية يدرّس في سكتو في نيجيريا في مسجد عثمان فوديوا.
٩٢- وسمعته يقول: "في سنة ٧٣هـ أرسلت إلى عمي كتبًا، ومنها: "الإصابة" في ثمانية مجلّدات طبعة بولاق طبعة نفيسة"، فقال أحد الحاضرين للوالد: كيف تفرط بالكتب، فقال له الوالد: "هذا عمي الذي تربّيت عنده، كيف لا أرسلها له؟، وبعد وفاته أرسلوا إليَّ بعضها وهو قليل".
٩٣- وسمعتُه يقول: "تزوجت وعمري أربعون سنة".
٩٤- وسمعتُه يقول: "في أول قدومي إلى المملكة العربية السعودية كنت حاجًّا وكنت أبحث عن طلبة العلم فمررت في أيّام الحج بمخيّم وفيه رجل كبير السن ومعه مذياع يسمع الأخبار وكان في ذلك الوقت حرب اليهود مع العرب".
٩٥- وسمعتُه يقول: "ما جالست الشيخ عبد الله بن المحمود إلاّ خمسة
стр. 412
أيّام وكنت معه إلى الفجر يملي عليّ الحالة التي عاشها مع الجماعة وكتبت كلّ ما أملاه على من أحوال الناس وما رآه".
٩٦- سمعتُه يقول: "طريقة التعلم في البلاد "مالي" كالتالي: يبدأ طالب العلم:
١" حفظ القرآن الكريم.
٢" يحفظ "الرسالة" لابن أبي زيد القيرواني.
٣" ثم يحفظ "الآجرومية" و"ملحة الإعراب".
٤" ثم يحفظ "الألفية" لابن مالك، ثم "الكافية" له، ويحفظ الزوائد على الألفية و"الكافية"، وذلك من خلال كتاب الخضري والأشموني.
٥" ثم يحفظ كتابًا في أصول الفقه الشافعي، حيث لا يوجد منظومات لدينا إلاّ في أصول الفقه الشافعي. أما المالكي فلا يوجد منها شيء.
٦" ثم يحفظ نظم "جمع الجوامع" للسيوطي و"الورقات" بنظم العمريطين، ونظم العمريطي يحفظه قبل نظم جمع الجوامع.
٩٧- سمعته يقول: "كانت كتب العلم تأتينا في البلاد "مالي" من جهتين من مصر، والمغرب.
٩٨- سمعته يقول: "كنت متخصّصًا في علم أصول الفقه".
قلت: يعني: أنه يعرفه معرفة جيّدة، حيث إنه يحفظ فيه منظومات وقرأه على العلماء في البلاد "مالي".
٩٩- سمعته يقول: "اجتهدت في أن أطّلع على المخطوطات التي في اليمن وأستفيد منها، ولكن لم أستطع البتّة".
стр. 413
١٠٠- سمعته يقول: أنا أهتم جدًّا في رحلاتي لجلب المخطوطات بثلاثة فنون من العلم:
١" علم الحديث.
٢" علم رجال الحديث.
٣" العقيدة السلفية وبالذات المسندة.
١٠١- سمعتُه يقول: "عملت على تحقيق "الأحكام الكبرى" لعبد
الحق الإشبيلي ثم توقّفتُ".
١٠٢- سمعته يقول: "كنت أكتب وأقيّد كلّ فائدة علمية أقرؤها".
١٠٣- سمعته يقول: "في سنة ١٣٦٩هـ كنت أُدَرِّس الحديث والفرائض والمنطق في المسجد النبوي، وكلّ علم منها له وقت".
١٠٤- سمعته يقول: "كنت أدرِّس المنطق في المسجد النبوي،
وكان الشيخ الزاحم "الكبير" يطوف على دروس المسجد النبوي يراقب المدرِّسين فيه وذلك عام ١٣٦٩هـ فسألني ماذا أدرِّس؟، فقلت له: المنطق، فنهاني وقال: لا تُدَرِّسه بعد اليوم". قال الوالد: "فلم أدرِّسه لأحدٍ بعد أن نهاني الشيخ الزاحم".
١٠٥- سمعتُه يقول: ""السنن الكبرى" للبيهقي أكثرت القراءة
فيه جدًّا، وذلك على النّسخة الهندية".
١٠٦- سمعته يقول: "جمعنا مكتبةً عامة بالرياض لطلبة العلم،
وذلك أنا وبعض المشايخ، وسميّناها "مكتبة التيسير"، حيث إنه لم يكن يوجد أيّ مكتبة علميّة عامّة ولا مكتبة تجاريّة، إنما توجد مكتبة قرطاسيّة لأحد الهنود، فقدمنا نحن معشر الطلبة بالرياض للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ لتأسيس
стр. 414
مكتبة عامّة فوافق وساهم كلّ واحد منا لتأسيسها، واشترطنا أن لا يدخل هذه المكتبة إلاّ طالب علم، وأنه لا يوضع فيها إلا كتب السلف".
١٠٧- سمعته يقول: "كنت إذا أردت اقتناء بعض المخطوطات لم أستطع الحصول عليها أقوم بإعطاء بعض الناس مالاً من أجل أن يُصَوِّره لي، وقد فعلتُ ذلك في الهند".
١٠٨- وكان الوالد رحمه الله تعالى إذا كان عنده ضيوف ووضع الطعام وكان يتكلّم في شيءٍ من العلم يقول لهم: "إذا حضر الهَرْسُ بطل الدَرْسُ" فيتوقّفُ عن الدرْس.
١٠٩- سمعته يقول: "إن كتاب الخطيب البغدادي "تقييد العلم" كانت قراءتي له سببًا في أن أقيّد كل ما يَمُرُّ بي من الفوائد العلميّة، وجمعتُها في كتاب سمّيتُه "ثمرات المطالعة"".
١١٠- سمعته يقول: "عند حصولي على مخطوطة "التتبع والإلزمات" للإمام الدارقطني على البخاري ومسلم قال لي رجل مصري من أهل العلم: أنتم تنتقدون هذين الإمامين؟ ". قال الوالد: "ظنّ أني أنا الذي أنتقد البخاري، فقلت له إنه الدارقطني، فلم يقتنع، وقال: إن كتابي هذين الإمامين قد جازا القنطرة".
١١١- سمعتُه يقول: "عندما قدمت المدينة النبوية عام ١٣٦٩هـ
سكنت في رباط الأفغانيين عند باب جبريل".
١١٢- وقال الوالد: إنه التقى بالشيخ عبد الله بن المحمود رحمه الله تعالى في مدينة "كانوا" وأخذ عنه علمًا جمًّا.
١١٣- كان الوالد يكثر أن يقول في مجلسه: لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، أو يقول الجزء الأوّل من الكلمة، والله أعلم.
стр. 415
١١٤- كان الوالد رحمه الله تعالى إذا جاءه من يخصّه من طلبة العلم في المكتبة أو من كان من كبار الطلبة فنفض المجلس يصاحبه إلى باب الخروج ثم يعود إلى مجلسه.
١١٥- قال الوالد: "عندما جئت من البلاد "مالي" لم أكن أعرف إلاّ الخط الأندلسي وإلى الآن وأنا عليه".
١١٦- كان الوالد من عادته إذا دخل على أحد من الناس أو جماعة أن يلقي ﵈ كاملاً: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
١١٧- كان الوالد كثيرًا إذا اتّصل به أحدٌ هاتفيًّا وقال: مَن معي؟، يجيبُ الوالد: معك المسكين.
١١٨- ويقول الوالد رحمه الله تعالى: إنه كان في شبابه لا ينسى ما يسمعه وإلى الآن يحفظ كل ما سمعه في شبابه، أمّا الآن بعد أن ذهب شيءٌ كثير من العمر أصبحت أنسى في وقتٍ قصير.
١١٩- قال الوالد ﵀: إن السجع كان يتقنه إلى أعلى درجة، ولكن عندما هاجر تركه نوعًا ما.
١٢٠- قال الوالد رحمه الله تعالى: "كان الطلاب في البلاد "مالي" إذا سمع أحدهم فوائد فخشي أن ينساها نظمها إن كان يستطيع أو يبحث عمن ينظمها له، لأن النظم أسهل حفظًا".
١٢١- وسمعته ينشد ولعلّه له:
صلّى المصلِّي لأمرٍ كان يطلبه ... فلما انقضى لا صلى ولا صاما
стр. 416
١٢٢- وسمعته يقول: "فهرست المكتبة السعودية سنة ١٣٧١هـ أو ١٣٧٢هـ في ثلاثين ألف بطاقة". ثم قال: "وكان ابن قاسم يرسل المخطوطات إليّ بعد العشاء لأفهرسها، وقد قدم العهد بها من ذلك الزمان".
قلت: المكتبة السعودية الآن ضمن مبنى الإفتاء بالرياض.
١٢٣- ذكر الوالد غفر الله تعالى له أنه هو ومَن كان معه من طلبة العلم دَرَسوا أول شيء الفقه حتى أتقنوه، ثم دخلوا في الحديث. لا كما يفعله العوام اليوم. وقد استفدنا كثيرًا من هذه الطريقة، والله أعلم".
قلت: يعني في البلاد "مالي" وفي هذه البلاد.
١٢٤- وقال: "أول ما رأيتُ نسخة الترمذي في "كانوا" بنيجيريا على يدٍ أحد رجالِها، وذلك أثناء هجرتي إلى الحرمين".
١٢٥- وقال: "لما كنتُ شابًّا كانت ذاكرتي قويّة"
١٢٦- وقال: "لَمّا مرضت عيوني ضَعُفَتْ ذاكرتي، وذلك سنة ١٤١١هـ".
أقول: كان الوالد يحفظ منظومةً في الشهور الميلاديّة.
١٢٧- وقال: "لقد استغرقَتْ رحلتي من أفريقيا إلى بلاد الحرمين سنةً كاملةً".
١٢٨- وقال: "كنا في البلاد مالي في صحرائها، وكان لدينا إبلٌ وغنم وبقر، ولكنِّي لم أرع شيئًا منها، وذلك لوجود من يرعها من العبيد وغيرِهم".
١٢٩- قال الوالد: "أولُ ما حفظت "عمدة الأحكام"، ثم
стр. 417
أخذت أحفظ أحاديث "الصحيحين" بغزارة، لكن ذهب حفظي بسبب كثرة الكتب".
١٣٠- كان الوالد إذا ذكر حياتَه مع المشايخ في نجد ينشد هذا البيت:
ذهب الذين يُعاشُ في أكنافهم ... وبقيت في خَلْفٍ كجلد الأجرب
١٣١- وسمعتُه يقول: "الشيخ التويجري يُعدُّ من كبار العلماء في نجد، استفدتُّ منه كثيرًا هو والسعدي، والسعدي من العلماء المحقِّقين". ثم قال: "الشيخ السعدي لم يخرج من القصيم مثله في وقته".
١٣٢- وقال: "سكنت في الرياض في حيٍّ اسمُه "دخنة" يسمى في ذلك الوقت: "مسكن المشايخ"، وقد أدركتُ مشايخ ذلك الزمان عن بكرة أبيهم".
١٣٣- وقال: "الشيخ سالم البليهي والشيخ المطوّع من أكثر مَن استفدتُّ منهما في نجد".
١٣٤- وقال: "لا أذكر الخلافات في شيء مما أكتب وأُلّف؛ لأن الخلافات تبلبل فكر الطالب، إنما ينبغي للطالب أن يعرف شيئًا واحدًا ويعملَ به".
قلت: الخلافات يعني بها الوالد: الخلافات الفقهية وأقوال العلماء من أهل المذاهب وغيرهم.
١٣٥- وسمعته يقول: "يوجد عندي من كتب شيخ الإسلام ما لا يوجد عندَ غيري، فإنّ لي أربعين سنة وأنا أجمعُها.
стр. 418
وتستطيع أن تقول إذا نظرتَ إليها: أنّ أغلبَها عندي. وكنت مَن أول مَن عثَر على كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على الرازي كاملاً، وهذا الكتاب لم يؤلف مثله إلا "منهاج السنة"". يعني كتاب "نقض التأسيس".
١٣٦- وقال: "علمان كنت أهتمُّ بهما: علم النحو، والفرائض".
١٣٧- سمعته يقول: "سكنتُ في مكة سبع سنين، وفي الرياض إحدى عشر سنة، ودخلت المدينة النبوية أوّل مرة عام سنة ١٣٦٧هـ".
١٣٨- سمعته يقول: "لي في التدريس اثنان وأربعون سنة ما غبتُ عن التدريس يومًا واحدًا".
١٣٩- وسمعته يقول: "أتعجّب من الذين يغيبون عن التدريس وهم مطالبون به".
١٤٠- وسمعته يقول: "خرجت من البلاد وعمي البحر على قيد الحياة".
١٤١- وسمعته يقول: "عشت في أفريقيا إلى أن أصبح عمري تسعة عشر عامًا، وأما هنا فالعمر كله، وعمري الآن سبعون سنة".
قلت: قال هذه الكلمة عام ١٤١٣هـ، شهر شعبان، ل٢٤ ليلةً خلت منه.
١٤٢- وقال: "نظمت "جمع الجوامع" في أصول الفقه عندما كنت بأفريقيا".
١٤٣- وقال: "خرجت من أفريقيا ولم أحمل معي ولا ورقة واحدة من مكتبتي".
قلت: وذلك أنه خرج بدون علم جماعته وقومه، وأيضًا خوفًا من المستعمر.
стр. 419
١٤٤- سمعت الوالد يقول: "قضيت عمرًا في علم الآلة مثل النحو، والبلاغة، وغيرهما".
١٤٥- سمعته يقول: "كنت أقرأ أيّ خطّ من خطوط أهل العلم،
وكنت أقرأ خط شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حجر، وهما من الصعب أن أي أحد يقرأ ما يكتبانه لضعف خطهما. وكنتُ إذا حصلت على أي مخطوط أقرأه حتى أعرف مضمونه وأفهرسه كذلك بعد قراءته. وأقرا خط الحافظ الذهبي الرقعة منه والنسخ. وأما الآن فقد ضعف البصر، بل وكَلّ الجسد، وهذا من علامات انتهاء العمر. والله المستعان".
١٤٦- قال الوالد: "كان طالب العلم في أفريقيا إذا مرّت عليه فوائد علمية فخشي أن ينساها ينظمها إذا كان يعرف النظم أو يبحث عمن ينظمها له، وذلك أن النظم أسهل لحفظ الفوائد".
١٤٧- وقال الوالد: "عشت في مكة قبل المدينة، ودرت مكة كلها، وأعرف ما حولها من القرى".
١٤٨- وقال الوالد: "لَمّا وصلت إلى مكان قرب مكة سمّاه الوالد فالتقيت بناس أهل بادية فسألت رئيسهم: ما أركان الإسلام؟، فقال: الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، ونسيت الرابع؟، فقلت للذين عنده: اذكروه يعني: اذكروا الرابع فقالوا: نسينا، فقلت لهم: أحمد، فقالوا كلهم: نعم هو هذا".
ثم قال الوالد: "وذلك عند خروجنا للدعوة سنة ١٣٧٥هـ".
١٤٩- قال الوالد: "لَمّا كنت شابًّا كنتُ لا أنسى".
стр. 420
١٥٠- قال الوالد: "لم أشترِ شيئًا من كتب الفقه على المذاهب منذ أن دخلت هذه البلاد، وما عندي منها كله هدايا".
١٥١- قال الوالد: "أنا من الذين قوّموا كتاب "الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولاحظنا عليها أشياء كتبناها في أربعين ورقة، ولكنها لم تلحق به".
قلت أنا عبد الأول: يعني بالفتاوى التي جمعها ابن قاسم.
ثم قال الوالد: كنت أعمل مع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم وفهرست له مكتبته، وكنت أشتغل فيها من العصر إلى المغرب، لأن هذا الوقت هو الذي كنتُ أتفرّغ فيه.
وهذا الرجل يعني: ابن قاسم كان فاضلاً، عالمًا، وكان يجمع مخطوطات في العلم ويقول للعمال: أعطوها للشيخ يعني الوالد نفسه ينظر فيها ويقرأ.
وقد لازمتُه في بيته إحدى عشرة سنة، وهذا الشيخُ كان عنده ثلاثون ولدًا غير الأحفاد، وكان عند الشيخ قصر كبير بناه له الأمير عبد الرحمن عم الشيخ عبد العزيز آل سعود ﵀، وكان من خاصة الشيخ ابن قاسم، وكان الناس يقولون له: "خوي الأمير عبد الرحمن".
١٥٢- وسمعته يقول: "حضرت المحاضرة التي ألقاها الشيخ السعدي وقال فيها: يا أيها الإخوان عليكم أن تساعدوا المصريين على العدوان الثلاثي. فغضب الناس منه حتى إن بعضهم قال لي: ما تقول في مقالة الشيخ؟، فقلت: ليس فيها شيء، فقال: بل فيها شيء.
стр. 421
وكان لنا مجلس في الرياض كل يوم مع الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ فقال أحد الحاضرين للوالد: كل ليلة، فقال: نعم كل ليلة، ثم قال: وفي ليلة اجتمعنا عند الشيخ، وتكلم بعض الحاضرين عما قال الشيخ السعدي حول معاونة المصريين، فكان الحاضرون ضدّ ما قال الشيخ السعدي".
١٥٣- وسمعته يقول: "من عادتي إذا دخلت الجامعة الإسلامية: أذهب إلى المكتبات التجارية أولاً".
١٥٤- وسمعته يقول أكثر من مرة: "ولدت سنة ١٣٤٤هـ، وهي السنة التي دخل فيها الملك عبد العزيز المدينة النبوية، وعرفت ذلك بسؤال والدتي عند استعدادي للهجرة متى ولدت؟، فقالت لي: سنة دخول أهل نجد المدينة".
١٥٥- قال الوالد: "سكنت في حي الخَنْساء".
١٥٦- وقال الوالد: "لا يوجد لألفية ابن مالك في النحو شرح إلاّ وهو عندي عندما كنتُ في أفريقيا".
١٥٧- وقال أيضًا: "وفي علوم القرآن كان لا يوجد عندي في
أفريقيا إلا "تفسير الجلالين" و"البغوي" و"العكبري" في الإعراب".
١٥٨- قال الوالد: "لقد قمت بفهرسة كتاب "الوهم والإيهام" في وقت دراسته، والسبب في ذلك توثيقًا لنقل نقله منه الحافظ ابن حجر".
١٥٩- وقال الوالد: "مراتب الراتب الذي كنت أتقاضاه من الأعمال الدراسية حتى وصلت إلى أستاذ كرسي هي ثلاثمائة خمسمائة ستمائة ثم عشرة آلاف، فلم أستفد منه إلاّ مائة ريال".
قلت: يعني بقوله: "فلم أستفد..." وما بعدها أي: أنه يصرفه على المعيشة وشراء الكتب.
стр. 422
١٦٠- وقال الوالد: "قطعت السودان من الشرق إلى الغرب".
١٦١- وقال الوالد: "بدأتُ في التدريس في السعودية من سنة ١٣٧١هـ إلى سنة ١٤٠٨هـ، وقد درست في المتوسطة، والثانوية، والجامعة".
قلت: يعني: بدأت في التدريس في المدارس النظامية من عام ١٣٧١هـ.
١٦٢- وقال الوالد: "أخذت التابعية سنة ١٣٧٨هـ، ودخلت الرياض سنة ١٣٧٤هبإشارة من الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ، حيث أرسل إليّ تذكرة للقدوم عليه في الرياض، فذهبت إلى المطار وركبت الطائرة أول مرة".
١٦٣- وقال الوالد: "كنا نقرأ الدروس بالقمر" يعني: على ضوء القمر في البلاد مالي.
١٦٤- وقال الوالد: "حفظت "الكافية" و"الخلاصة" و"ملحة الإعراب" الحريري".
١٦٥- وقال الوالد: "كنت أذهب إلى العيون التي في المدينة فأسبح فيها ثم أعود".
١٦٦- وقال الوالد: "حفظت "ألفية ابن مالك" وأنا ابن خمس عشرة سنة، كنت أحفظها منها أبياتًا كل ليلة".
١٦٧- قال الوالد: "خرجت من البلاد "مالي" سنة ١٣٦٦هـ".
١٦٨- وقال الوالد: "حفظت "الملحة" قبل "الألفية" بكثير، ثم حفظت "الألفية" وأنا قد بدأت بالآجرومية أولاً ثم بالملحة ثم "الألفية"".
стр. 423
قلت أنا عبد الأول: كان الوالد يبدأ في أيّ درس يدرسه بهذه الخطبة وهي:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدْي هدي محمد ﷺ ، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له.
ويختم هذه الخطبة بقوله: "ما شاء الله ولا قوة إلا بالله".
١٦٩- قال الوالد: "كنا في البلاد لا ندرس شيئًا من العلم حتى نحفظه، وممنوع عند مشايخنا الدراسة قبل الحفظ".
١٧٠- قال الوالد: "إن عهدي بالاشتغال بالنحو سنة ١٣٦٤هـ".
١٧١- وقال الوالد: "ونسخة "حاشية الجمل على الجلالين" هذه التي في مكتبتي هي التي كانت عندي في أفريقيا" يعني أرسلت إليه.
١٧٢- قال الوالد: "جئتُ إلى هذه البلاد سنة ١٣٦٧هـ، وإن سنة ١٣٦٩هـ هي زمن العلم، وبقيت في المدينة النبوية سنتين أي من سنة ١٣٦٧هـ إلى سنة ١٣٦٩هـ، ثم رجعت إلى مكة للتدريس بعد أن بقيت في المدينة سنتين فقط".
١٧٣- وقال الوالد: "كنا نرقد على الخصفة ولا نبحث عن الكماليّات".
١٧٤- وقال الوالد: "كنت أسكن في الرياض سنة ١٣٧٥هـ في بيتٍ من بيوتها القديمة أسكنتني فيها الدولة، وقامت بفرشه لنا، وذلك أيّام الملك عبد العزيز ﵀، وكان عبد الله بن خميس هو الذي يدلّ المشايخ على البيوت حتى يختاروا واحدًا منها".
стр. 424
قلت: إن الوالد رحمه الله تعالى كان يحبُّ التحدُّث عن أخبار بلاد أفريقيا والبلاد التي رحلَ إليها.
وكان يكثر من التحدّث في هذا جدًّا، وكان إذا حضر عندَه أحدٌ من الأفارقة أو أحدٌ من البلاد التي رحلَ إليها كمصر مثلاً أخذ يتحدّث عن هذه البلاد ويعرفها، ويذكر أماكن كثيرة زارَها ويصفها أكثرَ من أهلها وقد يخطئ أهلها في بعض الأمور التي شاهدها فيها.
١٧٥- قال الوالد: "أول ما عرفت كتب الحديث في السودان لما دخلتُها".
١٧٦- قال الوالد: "لما كنت شابًّا كنت حافظًا، وكل ما قرأتُه كنتُ أحفظُه".
١٧٧- قال الوالد: "إن قراءة كتب الحديث كالبخاري ومسلم ونحوهما كانت ممنوعة من قبل مشايخنا حتى يبلغ الواحد سنّاً كبيرة".
يعني الوالد بقوله هذا التفقّه من خلال هذه الكتب، والله أعلم.
١٧٨- قال الوالد: "من أسباب خروجي من أفريقيا: عدم تدريس علم الحديث ومنعه".
١٧٩- قال الوالد: "أرادوا تعييني مدرِّسًا في مدارس فرنسا التي في البلاد أدرس العرب المسلمين فلما عرض عليّ هذا الأمر أخذت أفكّر فيه إلى منتصف الليل، ثم قمت إلى بعض أصحابي في آخر الليل أيقظهم من النوم، وقلتُ لهم: أنا عازم على الهروب، قالوا: إلى أين تهرب؟، قلت: إلى آسيا، إلى الحرمين، فقالوا: ونحنُ معك. وكان الوقت وقت الخريف، وذلك وقت كثرة
стр. 425
الإبل، فاخترنا أحسن الإبل وركبناها ونحن ثلاثة فقط أنا الثالث، وكمّمنا فم كل جمل حتى لا يخرج صوتًا.
وخرجنا في ليلة مظلمة في غابات من الشجر، وسرنا سيرًا شديدًا حتى قطعنا مسافة يومين، حيث لو أراد أحدٌ من أهل الحي أن يلحق بنا ما استطاع، حتى وصلنا مكانًا يعرف بقاوى قريب من النيجر، ثم سرنا إلى "كنّي" وهذه تابعةٌ للنيجر أيضًا.
و"كنّي" هذه الذي يصل إليها سيغامر، لأنّ ذلك في أيام الحرب العالمية، والمستعمر له إقامة في هذا المكان وهو "كنّي"، فلما اقتربنا منها صلينا المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا.
ثم أقبلنا على الجيش الفرنسي وكان في الغرب وبريطانيا في الشرق، فلما
أقبلنا على الفرنسين أقبل علينا رجلٌ منهم يركب فرسا أسود ذنبه يصل الأرض، فأشار إلينا إشارة: إلى أين؟، فأشرنا إليه أنا من تلك القرية وهذه القرية التي أشرنا له إليها تتجاوز الحدود "يعني: حدود النيجر".
ثم سرنا حتى أتينا على الجيش البريطاني فتعجبوا منا وقالوا: كيف تخلّصتم من الجيش الفرنسي؟، قلنا: أنجانا الله منهم، فقالوا لنا: تفضّلوا، فأجلسونا في برحة كبيرة، وقالوا لنا: ستبتونا عندنا اليوم ضيوفًا، فقلنا: لا، نحن نريد الليلة منطقة هناك، ثم قال: وكنا كلما مررنا بمدينة كبيرة أكرمنا البريطانيون وينزلونا في بيوت الضيوف، فالفرنسيُّ شرس، وأما البريطاني صبور".
١٨٠- قال الوالد: "أنا من جملة من وضع منهج التدريس للجامعة الإسلامية".
١٨١- قال الوالد: "إن شيخًا لي علّمنا التوحيد من "ألفية النحو" لابن مالك".
قلت: لم يسم الوالد هذا الشيخ.