← Тараджим

Тараджим · id 7467

المجموع في ترجمة العلامة المحدث الشيخ حماد بن محمد الأنصاري (رحمه الله)

عبد الأول بن حماد الأنصاري

Полный текст (857 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

موجودين عندي مكتوب تراجمهم عندي، أنجب أولاداً، وثُمَّ هؤلاء الأولاد بعضهم ذهب إلى المغرب الأقصى، ومن المغرب الأقصى ذهبوا إلى الأندلس، حتى وصلوا إلى طُليطلا، ومن طُليطلا توصلوا إلى (غرناطة) ، فبقوا هناك وأنجبوا هناك. الحاصل: الأسرة موجود عندي الكتابة عنها وأصل وصولهم إلى (غرناطة) ثم رجعوهم من (غرناطة) حتى وصولهم إلى إفريقيا التي أنا وُلدت فيها، هذا كلُّه موجود عندي مكتوب. فهنا من ناحية الأسرة: أن الأسرة من الأنصار بالوثائق، الوثائق موجودة عندي منها العدد الذي فيه إثبات أن أسرتنا من الأنصار. طيب، هنا ننطلق إلى الرحلة، ولكن قبل الرحلة لا بدّ من كلمة حول الدراسة: كيف، لأني أنا ما درستُ إلاّ هناك، دراستي كلها هناك، من الصبا إلى أن جئت هنا، لأني أنا جئت هنا -كما ستسمع- جئت وأنا رجل، جئت وأنا مدرِّس. الشاهد: من ناحية الدراسة تحتاج إلى وقت حتى نعطيك التفاصيل جيداً، ولهذا نؤخر هذه الكلمة وندخل في مسألة الرحلة: أما الرحلة من البلاد من مالي أيام الاستعمار: أنا ارتحلت عند انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة خمسة وستين هجرية في القرن الرابع عشر الذي انقضى، خرجت في هذه السنة باسم (الهجرة) ، خرجت أنا باسم الهجرة أيام الاستعمار الفرنسي -ما زالت فرنسا موجودين في البلاد، وما زال استعمارهم على البلاد-. وسبب خروجي باسم الهجرة: أنه لما انتهت الحرب العالمية الثانية فرضت

стр. 772

علينا فرنسا وضعاً شديداً ما كانوا أولاً يعاملوننا به، وهو أنهم قالوا: لا بد أن ندخل أبناءكم مدارسنا لكي يتعلموا اللغة الفرنسية كما هو الحال في كل المستعمرات، ويقولون: لماذا أنتم لم تدخلوا أولادكم في المدارس مثل أولئك، فنحن كانت عقيدتنا مع الاستعمار الفرنسي: أن الاختلاط بهم لا يجوز لأنهم كفّار، لاسيما دخول مدارسهم هذا عينُ الكفر، هكذا كنا .... فلهذا نحن صمّمنا على أنه لا يدخل أي ابن أو أي بنت من أبنائنا في المدارس، فلما انتهت الحرب العالمية الثانية جاءت فرنسا بجيش أربعمائة جندي مدجّج بالسلاح -بالبنادق-، وجاءونا ونحن نصلِّي المغرب على غفلة، لأنه ما كانت الاتصالات، متوفرة، ولما جاءوا عند باب المسجد وقف الجيش واصطفّ أمام باب المسجد ونحن نصلِّي، فلما صلينا قال المترجِم الذي يترجِم للقائد -قائد الجيش- قال: لا يخرج أحد من المسجد أبدًا، لا يخرج أي أحد، لماذا؟، قالوا: لأن القائد يقول لا يمكن أن يخرج أحد من المسجد إلاّ بعدما توافقون على إدخال أبنائكم في مدارسنا، وإلا فكل من اعترض فدمُه هدر، هكذا، بهذا الشكل. طيب، الناس في المسجد عُزّل، ولا كان أحد عنده علم حتى مثلاً يدافع ولو بخشبة أو حجرًا، ما في، فالحاصل: صارت هذه طامة عظيمة على الناس، فمن هنا قال الكومندي لبعض العسكر: ادخلوا البلد أي ولد تجدونه تمسكونه، وأي أحد اعترض فاقتلوه. هذا ما حصل، وفعلاً أخذوا أولادًا كثيرين منًّا، لأنه لا يوجد أحد يستطيع يقاوم، ما معنا أيُّ شيء نستطيع أن نقاوم به في تلك اللحظة، فأخذوا الأولاد. فلما أخذوهم وذهبوا بهم، وقال الكمندي بعدما أخذوهم، وقد ألقى خطبة قال: نحن نعرف أن سبب امتناعكم من تسليم أولادكم للمدارس عندنا

стр. 773

أنكم تعتقدون أو ترون أنَّ إدخال أولادكم في مدارسنا عبارة عن تكفيرِهم، ولكن –يقول- من باب التطمين لكم ومساعدةً لكم فإنّا نعطيكم عهدًا إذا أردتم أن تبعثوا معنا مدرِّسين تثقون بهم يعلمونهم الإسلام في مدارسنا في جانب اللغة الفرنسية فنحن موافقون. فلما أعطى هذه الكلمة أفادت الناس، لأنه أولاً ظنوا أنهم إذا أخذوا الأولاد هؤلاء فإنهم يذهبون بهم إلى مدرستهم ولا يسمحون لأحد -يعني: مسلم- أن يدرِّس، فلما فتح هذا الباب، قام المسئولون في البلد فعينوا مدرِّسين للتوحيد وللفقه واللغة، وذهبوا معهم.... ثم -أيضًا -تنازل كذلك فقال: إضافة إلى هذا فإنه سنفتح لهم مدرسة عندكم حتى يكونوا تحت رقابتكم. وفعلاً فتح المدرسة عندنا في مركز (مناقة) ، نعم فتحها لأن المدرسة التي نحن ظننا أن الأولاد يذهبون إليها بيننا وبينها سبعة أيام بالجمل -وهذه الأيام لا يوجد شيء إلاّ الجمال، حتى هو راكب على الجمل، جاء هو والجيش يركبون على الجمال، ما كانت توجد سيارات في ذلك الزمان أبدًا ـ. فالحاصل: لما عمل هذه العملية وبنى مدرسة، ودخل، وسمحوا لمدرِّسين منا بالمشاركة في تدريس الأولاد استقرّت المدرسة. فلما استقرّت كان هناك شباب ما هم مقتنعين بما حصل وأنا منهم، قلنا: هؤلاء المجرمون الكفّار حينما يعلمون أولادنا وينصِّرونَهم معنى ذلك يرجعون إلينا لكي ينصرونا أيضًا، فإذًا لا بدّ لنا من طريق ننظر إليه كيف نعمل، فهنا اتفقنا نحن أربعة نَفَرٍ من الشباب، اتفقنا على أننا نخرج من هذه البلاد باسم الهجرة، حتى لا يُدركنا الوضع المرتقب، اتفقنا وخرجنا سنة ١٣٦٥هـ، ونحن أربعة.

стр. 774

خرجنا بدون جواز خرجنا متسلِّلين، لأن فرنسا لا تسمح لأحد لا بالحج ولا بالهجرة. وأنا كتبتُ في ذلك كتاب، هذا هو انظر إليه، هذا بخطِّي في ذلك الوقت، هذا الكتاب: (إعلام الزُّمرة بأحكام الهجرة) ، هذا سبب كتابته وأنا هنا، انظر هذا، هذا بخطِّي لما كنت في البلاد، هذا الكتاب سبب كتابته أن الإخوة لما عزموا على الخروج قالوا: إذًا نريد أن تكتب لنا كلمةً حول الهجرة، لأنه ما كانت الهجرة تُذكر حتى –مثلاً- يعرفون عنها شيئًا كافيًا، فكتبت هذا، نعم، كتبته بخطٍّ غير هذا هناك، ولكن بعدما خرجنا فوصلنا إلى مكة، وكانت منه نسخة منها، هذه النسخة بيضتها، فهذا سبب كتابة الرسالة "إعلام الزمرة بأحكام الهجرة". فخرجنا متسلِّلين بدون جوازات، نسافر ليلاً ونكمُن نهارًا، من (مالي) إلى (النيجر) ، ومن (النيجر) إلى (نيجيريا) ، ومن (نيجيريا) إلى (الكامرون) ، ومن (كامرون) إلى (تُشاد) ، ومن (تُشاد) إلى السودان، ومن السودان إلى جُدة، هكذا الرحلة، ولم نخرج من التسلُّل ومن التفتيش إلا بعدما وصلنا إلى (نيجيريا) -لما وصلنا إلى (نيجيريا) بعد شهرٍ ونصف -على الجمال، هذا كلُّه على الجمال، لما وصلنا إلى (نيجيريا) هناك انتهى الاختفاء وصرنا ظاهرين، لأن (نيجيريا) في ذلك الوقت تحكمها (بريطانيا) . ومن نيجيريا اتصلنا بمدير الجوازات، لأننا سنخرج من نيجيريا إلى الكامرون إلى تشاد، فلما جينا إلى مدير الجوازات في نيجيريا في بلدة تسمى (يروة) -وهي الفاصل بين الكامرون وبين نيجيريا- لما وصلنا إليها وقدمنا لمدير الجوازات -وكان مدير الجوازات هوساوي أو برناوي، لا، برناوي، كان برناوي- دلّنا عليه بعض الإخوان في تلك المدينة، لأنهم قالوا لنا: لا تخرجوا على عادتكم لما كنتم قادمين من فرنسا، لا تخرجوا إلاّ بجواز، لماذا، لأنكم إذا

стр. 775

وصلتم إلى تُشاد، تُشاد في حكم فرنسا -أيام ديجول- قال: إذا وصلتم إلى هناك يردُّونكم، لأن حكم فرنسا واحد، وهم في مالي وهم في تشاد، قلنا: ماذا نعمل؟، قالوا: أحسن تذهبون إلى الجوازات، يعني: مدير الجوازات في هذه المدينة -التي هي (يروى) ـ، ذهبنا إليه واستشرناه، نعم، شاورناه، قلنا له: نحن جئنا من مالي وهي في الاستعمار الفرنسي بدون جواز، والآن نحن مقبلون على تشاد فما هو رأيُك حولنا؟. هذا الرجل تجاوب معنا تجاوبًا جديًّا، قال لنا: اعطوني مبلغًا من المال ونحن معنا فلوس كثيرة، قلنا له: لا بأس، أنت حدِّد، حدِّد الذي تُريد، فحدّد، قال: كل واحد يعطيني عشرين جنيهًا استرلينيًّا، العشرين جنيهًا استرلنيًّا في ذلك الوقت -هذا عند انتهاء الحرب العالمية الثانية -تساوي مبلغًا كبيرًا، وفعلاً أعددنا له المبلغ رأسًا، كل واحد منا أدّى له عشرين جنيهًا استرلينيًّا، وكانت العملة هذه في تلك البلاد -بلاد نيجيريا -ما تسمى جنيه استرليني -الذي هي اسمُها في بريطانيا التي تحكم البلاد-تسمى (الفام) ، اسمها بلغة المواطنين ما يقولون الجنيه يقولون (الفام) ، ويقولون: (سِلي) ، نعم، (فام) هو الجنيه، (سلي) هي التفاريق هذه. فالشاهد لما أعددنا له المبلغ قال: أنا الآن أعطيكم جواز، وفعلاً كتب لنا جوازات بطريقة غير مستقيمة، وهي أنه قال لنا: أنتم من مالي، لا يمكن أعطيكم جوازات باسم مالي، لماذا؟، لأنه لو أعطيتكم جوازات باسم مالي ودخلتم تشاد -تشاد تحكمها فرنساـ، وفرنسا تعرف، هي الحاكمة لمالي إذا نظرت إلى أنّ معكم جوازات من نيجيريا وهي تابعة لبريطانيا تسكت عنكم وأنتم باسم مالي؟، إذًا قلنا: ماذا تعمل؟، قال: أنا أعطيكم جوازات باسم ليبيا، قلنا له: لماذا؟، قال: لأن ليبيا في ذلك الوقت تحكمها إيطاليا، قال: أنتم

стр. 776

أمثالكم في ليبيا كثيرون- ذكر لنا قبائل كذا وكذا، فحينما تحملون جواز ليبي ما في أحد يتعرّض لكم في تشاد، لأن الليبين والتشاديين شيء واحد، وهو كذلك، يعني: هذا يدخل وهذا يخرج. الحاصل: عمل لنا هذه الطريقة، أعطانا جوازات باسم ليبيين، وسافرنا، ولا أحد تعرّض لنا، لأننا ليبيّون، الليبي مع التشادي شيء واحد. بهذه الطريقة وصلنا إلى تشاد، ومن تشاد إلى السودان الفرنسية. ومن هنا سلكنا هذه الطريقة البعيدة التي تساوي في ذلك الوقت تساوي سنتين -سفر سنتين- لولا أن الله منَّ علينا بالسيارات في نيجيريا لا يمكن أن نصل من هذا الطريق إلاّ بعد سنتين لو كنا على الجمال كالعادة. فلهذا آثرنا هذا الطريق لأنها قد نسلم فيها ما لا نسلم لو سلكنا الطريق التي هي أقرب". (ولكن ألم تتعرّضوا لمخاطر؟) "لا توجد مخاطر؛ لأننا كنا نسافر ليلاً ونكمُن نهارًا، لم تقف أمامنا أيُّ مخاطر، حتى إنه لما وصلنا إلى الحدود بين فرنسا وبريطانيا، بريطانيا تحكم نيجيريا، وفرنسا تحكم مالي، وتوجد حدود بينهما، والجيش الفرنسي هو الذي يلينا، والجيش البريطاني هو الذي على الجهة الثانية في الوادي، إذًا لا بدّ من المرور به، مهما كان في الطريق من مخاطر، وقد أحاطوا بنا من كل جهة. فلما جئنا إلى هذا الموقع، هذا الموقع يسمى هناك عندنا (إيّاك وإيّاك) ، يعني: معناها إذا قربت من هذا المكان خذ من الحذر كل ما تستطيع، ولهذا لكثرة الخطر سمّاه الناس هناك (إياك وإياك) . فلما جئنا إلى هناك والجيش الفرنسي هو الذي يلينا، عملوا شيئًا غريبًا:

стр. 777

لما كان الجيش على شاطئ الوادي، على اليمين وعلى اليسار عملوا طريقًا ضيِّقًا حتى إذا جاء الجمال -نحن على الجمال- الجمل ما يستطيع يتحول، لازم يكون الجمل أمام الجمل، جمل خلفَه جمل، ما يمكن غير هذا حتى يتمكنوا من الناس، استقبلنا العسكر وهم راكبون على خيول -لا توجد سيارات في ذلك الوقت-. لما استقبلونا كان من الحظّ كنت أنا أمامَ الإخوة جميعهم، فاستقبلني العسكري الأول -هم كذلك لا بد يكونوا مترتِّبين-، استقبلني رافعًا يديه -وعندهم إذا أقبل عليك سلامه يكون برفع يديه-، وقال كلمة فرنسيّة (بونجور) . وأنا في الحقيقة هذه الكلمة ما أعرف معناها، أول مرّة أسمعها، فالحاصل: استوقفنا وعندهم مترجم، قال المترجم: أنتم من أين؟، ونحن عندنا تعليمات أننا إذا وصلنا إلى هناك لا نقول نحن قادمين من مالي أبدًا، لا بدّ أننا نقول شيئًا آخرًا، وهو أننا نقول أننا من نيجيريا، لأن في هذه الحدود توجد قرى نيجيريّة حولها. فالشاهد: قلنا نحن من نيجيريا، وذكرنا قبيلة تسكن بجنب هذا المكان. فلما ذكرنا هذا قالوا: إذن ادخلوا. فدخلنا، فلما وصلنا إلى مكان آخر تعدينا الخطر فاستقبلنا الجيش البريطاني يصرخون ويرحِّبون، فلما وصلنا عندهم قالوا: الليلة أنتم ضيوفُنا لأنكم تعديتم -تجاوزتم- الخطر، فنزلنا عندهم، وأكرمونا وضيّفونا عند الجيش، وقالوا: ما رأيكم بالمقارنة بيننا وبين الفرنسيين؟، قلنا: هذا شيء ما يحتاج إلى المقارنة، فنحن الليلة كأننا في مكة، فأخذوا يضحكون.

стр. 778

فلما أصبحنا دخلنا في أول مدنية من نيجيريا الشمالية وتسمى (ليلى) ، دخلنا فيها واسترحنا فيها ونحن قاصدون (سكوتوا) عاصمة الشمال، وفي هذه المدينة -سكوتوا- رأيتُ فيها السيارات لأول مرة. هذا من ناحية الرحلة التي لما وصلت إلى نيجيريا حصل فيها أمن، وحصلت فيها بعض الراحة، إلى أن أخذنا الجواز الذي ذكرتُه لك، أخذناه في آخر مدينة، التي إذا تجاوزناها ندخل في بلاد تشاد -والكامرون وفي تشاد ـ، والكامرون ما تعرّض لنا المستعمرون، لأن المدينة التي تسمى (كوسلي) -وهي آخر مدينة من دولة الكامرون جهة تشاد -هذه على البحيرة- على بحيرة فولامي التي تسمى الآن أنجميناـ، هذه البحيرة طرفُها الغربي تبع للكامرون، وطرفها الشرقي تبع لتشاد. هذه المدينة -كوسلي- تابعة للكامرون على الضفة الغربية، جئنا إليها ولا يمكن أن ندخل تشاد حتى نَمُرَّ فأشار إلينا المستعمر قفوا، فختموا لنا على الجواز، فركبنا في العبّارة، لأن البحيرة لا يمكن مجاوزتها إلاّ بالعبارة، فركبنا إلى تشاد. لما وصلنا إلى أنجمينا -التي هي فورلامي سابقًا-كان في طريقنا مركز للتفتيش -يتبع الفرنسيين-، هذا المركز فتّشنا تفتيشًا لم أرَ له نظيرًا في حياتي في الدنيا، وهو أنهم فتشونا حتى إنهم أمرونا بفسخ السراويل، لازم نفسخ السراويل ونفسخ النعال، فهم يفتشون السراويل ويفتشون النعال، ونحن عندنا تعليمات مسبّقًا عن هذا، وبتوفيق من الله وضعنا المال قبل الوصول إليهم في القِرْبة ونشفناها، ولما نشفت هذه القربة أخذنا الفلوس كلها ووضعناها في داخلها، ثم علقناها على جانبٍ من السيارة، وهي ناشفة تمامًا، فلما فتشونا وفتشوا السيارة وهذه القربة لم يفتشوها، حيث لم يأتي على بالهم أنّ بها مالاً.

стр. 779

ثم بعد ذلك انطلقنا من تشاد إلى السودان بالسيارة، والمسافة بين تشاد والسودان في غاية من الوعورة، وهي عبارة عن رمال تغرِّز فيها السيارات كثيرًا ولا يوجد غير هذا، وقطعنا المسافة بين تشاد وجنينا -جنينا هي آخر مدينة سودانية جهة تشاد- قطعنا المسافة في ستّة أيام. ولما وصلنا إلى المركز الفرنسي الذي دون جنينا -وفيه أيضًا تفتيش خطير، تفتيش في غاية من الخطورة، لما وصلنا كانت القربة معلّقة على طرف اللَّوري (١) ، فتشونا وبهدلونا، حتى انتهت هذا المهمّة. ولما وصلنا إلى جنينا سألت عن رئيس القضاة، حيث كانت عندي تعليمات سابقة أننا إذا وصلنا إلى مدينة جنينا فاسألوا عن رئيس القضاة فإنه رجل عظيم، فدلونا عليه، فجئنا عنده وسلمنا عليه، ورحب بنا، وسكّننا في بيت، هنا عرفنا الناس، أول نحن ضائعون، ولكن لما وصلنا إلى السودان عرفنا الناس، وبقينا عنده مدّة، حتى استرحنا. وانطلقنا من مدينة جنينا إلى مدينة (الأبيّض) ، والأبيض والجنينة الطريق بينهما مثل ما بين تشاد وجنينا: رمال وعرة، أخذنا فيها أيضًا ستّة أيّام، حتى وصلنا الأبيض. لما وصلنا مدينة الأبيّض نزلنا عند رجل عظيم يسمى محمد إسماعيل، وهذا رجل عظيم سلفي، وكان الرجل هذا له اتصال قوي بشيخنا الشيخ محمد عبد الله المدني الذي إن شاء الله سأعطيك عنه كلمة، فجئنا عنده ورحّب بنا وأنزلنا -أيضاً- في بيت، وأقمنا عنده مدة تقريبًا أظن نصف شهر.

стр. 780

ثم بعدما عزمنا على السفر إلى الخرطوم -العاصمة المثلثة- رفض أن نسدّد أجرة القطار -لأن هناك القطار لا السيارة-، قال: لا، سفركم من الخرطوم إلى بورسودان، هذا كله على نفقتي، لقد أكرمني إكرامًا ما أستطيع أصفه. فالحاصل: أدخلنا في القطار، وكلُّ شيء على نفقته سواءًا أجرة القطار ونفقة السفر كلّه، واتّصل بالتلفون برئيس أنصار السنة في أم درمان على أنك تستقبل الجماعة في الساعة الفلانية في محطة القطارات في (الخرطوم قِبلِي) ، لأن العاصمة المثلثة هكذا: خرطوم قبلي، شرقي، خرطوم بحري أم درمان، هكذا هي العاصمة، والقطارات التي تأتي من مدينة الأبيّض تقف في خرطوم قبلي. فلما وصلنا إليها من الضحى إلى الضحى فإذا رئيس أنصار السنة هو والإخوان واقفون ينتظرونا، ونزلنا وهم واقفون، ثم أخذونا إلى أم درمان، لأن أم درمان هي البلد فيها مركز أنصار السنة الذي منه إسماعيل طاهر الذي جئنا من عندِه من مدينة الأبيض. ولما وصلنا إلى أم درمان نزّلونا في قصر من الطراز الحديث -قصر في ثلاثة أدوارـ، وهذا القصر الدور الأسفل كلُّه مكتبة للمطالعة، والدور الثاني والذي فوقه هذا للسكنى، نزلونا في هذا القصر على شاطئ النيل جهة أم درمان بقرب بيت عبد الرحمن المهدي. فالشاهد: ضيّفونا في هذا البيت، ولم يتركوا أحدًا يسكن معنا في هذا القصر، القصر تركوه لنا نحن أربعة أنفار مع المكتبة. وهذه المكتبة فيها عرفت كلّ ما يتعلّق بعقيدة السلف، في هذه المكتبة عرفت العقيدة السلفية، وكتب الحديث التي كان حامد فقي يبعثها لأنصار السنة في أم درمان من مصر، لأن هذا الفرع فرعٌ لأنصار السنة في القاهرة.

стр. 781

أخذنا تقريبًا شهرين في هذا القصر، ومنعونا من أن ننفق على أنفسنا، وإنما إذا أردنا أن ننفق شيئًا أنفقنا سرًّا، أما علانية فلا يمكن أن ننفق شيئًا، وأخبرناهم أن عندنا فلوس كثيرة، قالوا: لا، هذه الفلوس أمامَها مسئوليات، أنتم تذهبون إلى الحجاز والحجاز يغلب عليه الفقر -قالوا هذا -في ذلك الوقت. الشاهد: لما أردنا السفر من الخرطوم إلى بورسودان، عفوًا نسيت أن أقول لك: لما أردنا أن نتوجّه إلى تشاد كل واحد منا معه مبلغ من المال، قالوا لنا هذا المبلغ لا تأخذوه معكم، يجب أن تحولونه، قلنا له: ما معنى التحويل؟، هذه أول مرّة نسمع هذه الجملة؟، قالوا لنا: البنك، يوجد بنك تضعون هذه الفلوس في هذا البنك ثم تستلمونها في جدّة، فهذه عملية أول مرة نسمع بها، فوضعنا كميّة كبيرة من الفلوس في ذلك البنك واحتفظنا بالمبلغ الذي وضعناه في القربة. فلما عزمنا على السفر من الخرطوم وسألنا عن التكاليف من بور سودان إلى جدة، وجدنا أن المبلغ الذي معنا والذي بقي ما يكفي لتلك التكاليف، فقلنا لرئيس أنصار السنة طه كردي كيف الحل، فقال لنا: أنا أعمل لكم طريقة، ودلّنا على (علي المرغني) في خرطوم بحري، وهذا رجل عظيم، واتصل به تلفونيًّا وقال له: عندي جماعة من أنصار السنة الآن أمامهم مشكلة وهي أن عندهم شيكات محوّلة من الخرطوم إلى جدّة وهم يحتاجون إلى فلوس فكيف الحل؟، قال علي الميرغني أرسلهم إليَّ -ونحن في أم درمان-، فركبنا العبّارة إلى خرطوم بحري، لما وصلنا خرطوم بحري وجدنا خُدّامًا ينتظرونا، استلمونا وسكّنونا في بيت، فبقينا ثلاثة أيّام في هذا البيت، قال لنا الخدّام: الشيخ سيخرج اليوم لاستقبالكم يوم كذا فأنتم اصبروا فصبرنا، ولما جاء يوم خروجِه -في اليوم الثالث- جاءنا الخادم وقال لنا: استعدوا لمقابلة الشيخ، خرجنا

стр. 782

ولبسنا ومشينا معه، فلما أقدمنا على القصر -قصر كبير- فإذا العسكر محيطون به من كلّ جانب -العسكر البريطاني والعسكر السوداني- فاستغربنا الوضع قلنا ما هذا؟، قال: هذه هي العادة، أنه إذا كان اليوم الذي يخرج لازم يحيط العسكر لقصره، قال لنا: لا تخافوا، فدخلنا عليه وكان الناس عنده ما بين بارك وجاثم على ركبتيه للسلام عليه. فالشاهد: نحن الغرباء ما عملنا شيئًا من هذه الخرافات، مشينا مع الخادم رأسًا وقطعنا هؤلاء حتى وصلنا إليه على دكّة عند مدخل داخل القصر، فلما أقبلنا عليه قام وسلّم علينا، وأخذني أنا على يمينه أنا وواحد، واثنين على شماله. ورحّب بنا، ثم قال: أبلّغني طه كردي عن قضيتكم أبشركم أنكم إن شاء الله ناجحون، ودعونا له بالخير. وكلّم البنك البريطاني بالتليفون ونحن جالسون، قال له سيأتيك جماعة-، وكتب ورقة بأسمائنا مع خادمه -سيأتون إليك، فإذا جاءوا سلمهم المبلغ الذي كتبته لك، ثم سلمنا عليه، وخرجنا مع الخادم إلى الخارج بالسيارة –سيارته- حتى وصلنا إلى البنك، ثم استلمنا المبلغ. وذهبنا إلى مكان منزلنا عند طه كردي وسُرَّ كثيرًا، وشكر للرجل هذا التعاون على البر والتقوى، وقلنا له: الآن نحن نغادر إلى بورسودان. غادرنا بورسودان في القطار إلى الخرطوم قبلي من الضحى إلى الضحى في القطار. وصلنا إلى بورسودان، وبورسودان طبعًا فيها أنصار السنة، ورئيس أنصار السنة في أم درمان اتصل بالفرع الذي في بورسودان، ورئيس الفرع اسمه وكيعة الله، اتصل به وقال له: إنه سيصلكم الإخوة الساعة الفلانية في القطار الفلاني. ما وصلنا إلى بورسودان في القطار إلاّ والإخوان واقفين ينتظرونا، لما نزلنا من القطار أخذونا إلى حارتهم -لهم حارة تسمّى دمشاط في بورسودان- أخذونا إلى هذه الحارة وسكّنونا في بيت.

стр. 783

بقينا في بورسودان مع أنصار السنة حتى أخذنا تقريبًا شهرًا كاملاً معهم وأنا أُلقي دروسًا في الجامع الكبير، وأُلقي دروسًا في مسجد أنصار السنة تارة. هذا ما يتعلّق بمجمل الرحلة. ولما غادرنا بورسودان في الخامس من شهر رمضان سنة ستٍّ وستين، ولما أتينا إلى محل الباخرة -أنا كان عندي صندوقان مملوءان من الكتب الحديثية والعقدية، لما جئنا إلى محلّ الجمرك عند الباخرة، المشرفون على العملية بريطانيون، قال لي البريطاني المشرف على العفش افتح الصندوقين حتى ننظر فيها، ففتحته فقال: افتح الثاني، ففتحته، فقال: أنت تاجر، تحمل الكتب من عندنا إلى الحجاز لكي تبيعَها، قلت: لا، أبدًا، حاشا وكلاّ، قلت له: هذه الكتب للعلم فقط، للتعلُّم، أما التجارة أنت الآن -قلت له- لو أردت أن تشتريها مني الآن بنصف بورسودان ما أعطيك إيّاها، قال لي: هكذا؟، قلت له: نعم، لا يمكن أبدًا أن تشتريها مني ولو بنصف بورسودان، فقال: يا عجبًا هذا الكتب ما هي للبيع؟، أنا الآن لو أعطيك نصف بورسودان الصندوقان هذان لا تسلمها لي، قلت: لن أسلمها لك أبدًا، إلاّ إذا ضمنت لي أنني إذا وصلت إلى الحجاز أجد هذه الكتب، قال: عجيب، ثم قال للعمال: اغلقوها، هذه الكتب ليست للتجارة، وأمروهم أن يرفعوها إلى الباخرة ومشينا. ثم لما وصلنا إلى جدة -ولله الحمد- جاء المسئولون عن الباخرة -ونزّلوا الناس- وهذا في رمضان ونحن صائمونـ، إلا نحن، ثم قالوا لنا أين الجواز، أعطيناهم الجواز الليبي، فلما لما نظروا إليه قالوا: يا عجبًا أنتم لستم ليبيين، لأنّ المكيين والمدنيين يعرفون الناس، جوازاتكم هذه مستعارة، فلذلك لم ننزل من الباخرة، نحن الأربعة فقط بقينا في الباخرة، والباخرة تحمل ألفا نفر، ولم يبقى في هذه الباخرة إلاّ نحن الأربعة.

стр. 784

قلنا لهم: لماذا نحن نبقى؟ إلى متى؟، قالوا: أنتم ما عندكم جوازات، الجوازات التي معكم مستعارة أو مزيّفة، هكذا قالوا. فبقينا ذلك اليوم في الباخرة. وكان أحد المسوؤلين يدور علينا في الباخرة كل يوم، ويقول لنا: أنتم ترجعون، لا بد من رجوعكم لأنكم ما عندكم جواز. فبتنا يومنا ذلك في الباخرة، وفي اليوم التالي جاء إلى الباخرة أحد المسؤولين، فقلت له: يا أخي لماذا نحن مسجونون في البحر؟، قال: ما عندكم جوازات، قلت: إذا كان ما عندنا جوازات تسجنوننا في البحر بعفونته وبكل شيء، قال: هل تعرفون أحد في مكة أو في المدينة؟، قلنا: نعم، ذكرتُ له أننا نحن نعرف الشيخ عبد الملك بن إبراهيم آل الشيخ، تعليمات أخذناها من الشيخ محمد عبد الله المدني عن بعض أهل الحجاز. قال لنا: كيف تتصلون به، قلنا: نحن نريدك أنت تتصل به لأنه هو إذا عرف أننا مسجونون في البحر سيكفلنا حتى نرى ماذا يفعل الله بنا. ثم ذهب واتصل به تلفونيًّا، هذا الرجل ساعدنا كثيرًا، وهذا الرجل من جماعة برهان، هذا المسئول عن الحجاج الذين يأتون من إفريقيا السوداء. اتصل به وذكر له كما قلت أنا له، فقال الشيخ عبد الملك: إذًا الإخوان هؤلاء تُخرجونهم على كفالتي، وفعلاً أخرجونا بعد أن مكثنا أربع وعشرين ساعة في الباخرة. ثم استرحنا يومين أو ثلاث في جدّة، ثم سافرنا إلى مكة في العصر، وفي ذلك الوقت تعرف أنه لا توجد طرق معبّدة للسيارات، ومكثنا بين جدة وبين مكة يومًا كاملاً بالسيارة، وذلك بسبب الرمال.

стр. 785

ثم وصلنا ليلاً إلى مكة ولله الحمد والمنة، ولما انتهينا من العمرة ذهبنا إلى إخوان لنا من السودان تبع مالي يسمون (باجا) ، وهم ساكنون في جرول، ونزلنا عندهم وما شاء الله استقبلونا وكانت المساكن في ذلك الوقت عشش، لا توجد بيوت من اللَّبن ولا من الطين، كانت (جرول) كلها من العشش والصنادق، أنزلونا في عشّة من العشش، وكان هناك عبارة عن عشتين: عشة للسكنى وعشة كمسجد، فصرنا نحن الأربعة مشرفين على المسجد هذا. بقينا هناك في جوارهم وفعلاً جاورونا جوارًا طيِّبًا، وأكرمونا إكرامًا، ودلّونا على ما نجهل، لأنك تعرف أن للقادم دهشة. فالحاصل: أرشدونا ودلّونا، فبقينا في مكة سنة ١٣٦٧هـ في رمضان، وشوّال وذو القعدة وذو الحجة، ثم حجينا ورجعنا من الحج وبقينا المحرّم وصفر، ثم توجهنا إلى المدينة. وفعلاً المدينة ما استطعنا أن نتوجّه إليها رسميًّا، فتوجهنا إليها على طريق غير رسمي، لأننا ما عندنا جوازات، هم كتبوا أنه ما عندنا جوازات وأننا على كفالة الشيخ عبد الملك آل الشيخ. فلما عزمنا على التوجه إلى المدينة النبوية سألنا كيف الطريق؟، قال لنا بعض الإخوان يوجد سائقوا خشبية (١) يمكن يأخذونكم بطريقة غير رسميّة، وذهبنا عند واحد سائق إفريقي قال لنا: أنا آخذكم ولكن كلما اقتربنا من أيّ مركز تفتيش تنزلون وتأتون ماشين، لأنهم إذا وجدوكم مَعِي فإنهم يعاقبوني معكم.

стр. 786

فركبنا معه على هذا الشرط، كلما قربنا من مركز يُنْزِلُنا، وهو ينتظرنا حتى نأتي إليه. وقبل أن نصل إلى ذي الحليفة بمسافة -يعني عند البيضاء ـ، لما وصلنا إلى هناك أنزلنا نحن وعفشنا، أما في المسافات الأخرى يُنْزِلنا نحن دون عفشنا، ونحن كل واحد عنده صندوق فيه كتب. فنزلنا هناك، قال السائق: أنا ما أستطيع آخذكم إلى ذي الحليفة فمركز التفتيش هناك، ولا يمكن أن أُبقيَ عفشي مع عفشكم ونذهب إلى المدينة لأنه يوجد تفتيش شديد، وافقنا رغمًا على أنفنا، وأخذنا صناديقنا، حملناها على ظهورنا إلى ذي الحليفة، هذا في الضحى، وصلنا إلى ذي الحليفة قبل أذان الظهر ماشين، ونزلنا في المسجد، وبقينا حتى صلينا الظهر وصلينا العصر، فلما صلينا العصر حملنا صناديقنا رأسًا إلى المدينة النبوية. والشيء الذي أتعبنا في هذه المشي: وادي العقيق، حيث كانت تغوص فيه أقدامُنا ونحن حاملون الصناديق. فالشاهد: مشينا من العصر حتى وصلنا إلى باب العنبرية إلى المسجد الذي فيها، وصلنا عنده والناس يصلون المغرب، لما وصلنا عنده وجدنا رجلاً واقفاً، قلنا له: ما هذا المكان؟، قال لنا: هذا باب العنبريّة، قلنا: ما هو هذا المسجد؟، قال لنا: هذا المسجد النبوي، قلنا: عجيب هذا المسجد النبوي؟، قال: نعم. فدخلنا المسجد والناس كانوا في آخر ركعة من المغرب سألنا الناس الذين في الصف، قلنا لهم: هذا المسجد هو المسجد النبوي؟، قالوا: لا، المسجد النبوي هناك، هذا غير، هذا مسجد العنبرية، فعرفنا أن الشخص الأول الذي أخبرنا هذا جاهل.

стр. 787

خرجنا من المسجد وأخذنا صناديقنا، مشينا نبحث عن المسجد النبوي، في ليلة مظلمة، ما في كهرباء، يا عجبًا، ولا في قمر نسأل كلما مرّ بنا أيّ أحد من المدينة: نسأله أين المسجد النبوي، وهكذا حتى وصلنا إلى المسجد النبوي من جهة باب المجيدي بعد صلاة المغرب، ما وصلنا إلاّ والناس يصلون العشاء، وكان العسكري واقف عند الباب -أنت تعرف وضع المدينة في ذلك الوقت كلّه دكاكين-, قلنا للعسكري نحن ندخل في الصلاة والصناديق نتركها عندك، قال: أبدًا، ولا يمكن أبدًا، ابحثوا عن محل تضعون فيه صناديقكم فقلنا له: يا أخ العرب نحن غرباء ما نعرف أحد وأنت عسكري مسئول الواجب عليك أنك توافق، رفض رفضًا باتًّا، ونحن لا يمكن أن نرمي صناديقنا، قال لنا العسكري: من تعرفون؟، قلنا له: نعرف الشيخ عبد الرحمن الإفريقي ونعرف الشيخ أبو بكر التنبكتي، قال: أين هؤلاء؟، ما أعرفهم، قلنا: يا عجبًا. وفي أثناء التفاهُم مع هذا العسكري رأينا أحد الأفارقة، قلنا له: تعال نحن الآن في ورطة مع العسكري هذا، العسكري يقول: ما نضع الصناديق، لا بدّ أننا نبحث لنا عن مكان نضعها فيه، ونحن لا نعرف فما العمل؟، قال: أنا أذهب معكم الآن أدلّكم على بيت الشيخ عبد الرحمن الإفريقي. فمشينا معه إلى بيت الشيخ، ولما وصلنا إلى بيت الشيخ، قال: هذا البيت، قلنا له: كيف ندخل؟، قال: لا ما تدخلون، تجلسون على الدرج حتى يجي الشيخ بعدما يأذن لكم الشيخ. قلنا له: وأنت؟، قال: لا، أنا أرشدتكم إلى المكان، مالكم بي أيُّ تعلّق. جلسنا على الدرج وهرب منا، فجلسنا هناك في ليلة مظلمة مدلهمّة في غاية من الإظلام، ونحن جالسون على الدرج. فبينما نحن جالسون فإذا الشيخ عبد الرحمن الإفريقي أقبل علينا، ونظر إلى

стр. 788

الأسودة لأنه لا يوجد نور، عرف أنه يوجد ناس، فقال: من على الباب؟، لما قال: مَن على الباب؟، قلنا له: نحن الجماعة: حماد الأنصاري وفلان قال: أهلاً وسهلاً، فدخل ثم رجع، قال: تفضلوا، قلنا: نحن ما صلينا العشاء يا شيخ، قال: أنتم صلوا هنا الحرم أُغلق، قلنا له: أين القبلة، فأرانا القبلة فصلينا وبتنا تلك الليلة في غاية من الشوق إلى الحرم النبوي، فلو كانت لنا أجنحة نستطيع أن نطير بها حتى ننزل لنزلنا، بقينا تلك الليلة ما نمنا ننتظر الفجر، ورغم هذا جاء الفجر وسمعنا الأذان ومع ذلك ما استطعنا أن نخرج، ما نعرف كيف نخرج. والشيخ ما أدري ما الذي أصابه هل نسينا، طبعًا هو ذهب وصلّى الفجر ولكنه ما مرَّ علينا ولا دلّنا وبقينا محصورين ما نعرف أين نذهب، نسمع الأذان ولكن ما نستطيع نخرج، لأنه لو أردنا أن نخرج كيف نخرج؟. وفعلاً صلينا الفجر في نفس الغرفة، وبقينا وما نمنا أيضًا، هكذا حتى طلعت الشمس، فلما طلعت الشمس جاءنا واحد إفريقي -أرسله الشيخ-، فلما جاء هذا الإفريقي، قلنا له: يا أخي ما نريد منك إلاّ أن تدلنا على منزل الشيخ أبي بكر التنبكتي" (ثم قال الشيخ) : "الشيخ أبو بكر أين كان ساكن؟، تعرف القلعة التي دون قباء؟، هو كان ساكن هناك في بيتٍ منفرد وليس حوله أيّ بيت، هذا بيت أظنُّه لواحد من الناس بناه على الطراز الحديث ولم يجد أحدًا يسكنُه فسكنه الشيخ لأنه ما عنده مأوى. قال لنا الإفريقي بيت الشيخ بعيد، قلت: ولو كان بعيدًا نريدك تدلنا عليه.

стр. 789

وفعلاً مشينا أخذنا صناديقنا ومشينا، فوصلنا إلى الشيخ عند هذه القلعة. الحمد لله عندما وصلنا إلى الشيخ عاد إلينا النفَس الذي تعبنا منه، نحن تعبنا داخل المدينة، لأننا نحن من المغرب والعشاء والفجر ما ندري عن أنفسنا شيء، يعني: كأننا في السجن. استرحنا عند الشيخ، وذكرنا له أننا ما دخلنا الحرم إلى الآن، فلذلك نحن قصدنا الآن أن نصل إليكم ونسلِّم عليكم ثم بعد ذلك نخبركم بماذا نريد أن نفعلَه. وفعلاً رحّب بنا، وقال لنا: أنتم الآن تنزلون عندي، قلنا: ما يمكن ننزل عندك وأنت بهذا البُعد، نحن ما جئنا لك نحن جئنا للحرم، فلا بدّ لنا من السكنى في مكان قريب من الحرم، أما في مكانك فلا، قال، فحاول، ولكن ما استطاع، قلنا له: نحن الذي نريده نترك العفش عندك أما نحن بأشخاصنا نحن في الحرم، وفعلاً، وحاول أننا -مثلاً -يكون الغدا عنده والفطور، قلنا له: لا، مالنا غدا عندك ومالنا فطور عندك، ومالنا عشى، نحن يكفينا أن عفشنا عندك. وفعلاً اشترينا السجاجيد وإذا أُغلق الحرم بعد العشاء نفرش عند الباب في الزحام. هكذا مضى عينا المحرّم وصفر وربيع وربيع، فلما انتهت علينا هذه الأربعة الأشهر هذه اتصل بعض الإخوان من أم درمان، اتصلوا بأهل مكّة، يطلبوني أنا، وفعلاً كتب لي بعض الإخوان الذي اتصلوا به أن فلان -رئيس أنصار السنة- يلحّ عليك بالزيارة، وفعلاً لما بلغني هذا الطلب رأسًا أنا مشيت وتركت الإخوان في مكة، وذهبت أنا رأسًا في الباخرة إلى أم درمان، حتى وصلت بورسودان ومن بورسودان إلى أم درمان، وبقيت هناك جمادى وجمادى

стр. 790

شهرين، ثم بعد ذلك رجعت، من ذلك التاريخ إلى الآن أنا هاهنا في البلاد المقدّسة، هذا سنة ثماني وستين، والوصول سنة سبعة وستين، إلى هذا الوقت. لما رجعت الرجعة الثانية من الخرطوم -أم درمان-جئت مباشرةً إلى المدينة النبوية، نحن عادتنا هكذا، نحن ما نسكن عادة إلاّ في المدينة. لما وصلت المدينة النبوية سكنت في أحد الأربطة، وقد تفرّقنا الإخوان بقوا في مكة، أنا فقط سكنت المدينة في رباط العجم وهو عند باب جبريل، حتى إنك تستطيع لو أمكن أنك تخرج من بابِه تمدّ رجلك في باب جبريل. وبمناسبة أن هناك واحد من جماعة الشيخ الطيب الأنصاري وهو عبد القدوس الأنصاري كان أيضًا ساكن في هذا الرباط، وهو الذي طلب مني أن أسكن معه، وفعلاً سكنتُ معه. وهذا الرباط ضيّق، وجدت منه ضيقًا شديدًا، ذهبت للشيخ أبي بكر في قباء وقلت له: يا شيخ أنا ساكن مع الإخوان في رباط العجم وهو ضيّق وأنت تعرف الناس، وأريد أن تدلّني على مكان يمكن أن أضع فيه كتبي وأجد فيه ولو غرفة واحدة، فخرج معي إلى رباط أمام البقيع، ودلني على غرفة نظيفة مفروشة بخسف فيها مكتبة وأعطاني المفتاح -مفتاح المكتبة -لأن الرباط كله لطلبة العلم، مليء هذا الرباط إلاّ هذه الغرفة. جئت وكأني سكنت في أبهى قصر في الدنيا، سكنت في هذه الغرفة بجانب المكتبة، وإذا جاء وقت المكتبة أخرج من الغرفة إلى غرفة المكتبة أفتحها للطلبة، أنا أطالع فيها، وهذا في سنة ثمانية وستين وتسعة وستين وسبعين (١) -أربع سنوات-.

стр. 791

وكنت في أثناء هذه المدة أدرِّس في المسجد النبوي وكذلك أدرُس في دار العلوم. لماذا؟، لما استقررت في المدينة، سألت الإخوان في هذه الدار -وما شاء الله فيها كمية كبيرة من الطلاّب لاسيما الغرباء- قلت لهم: أنا هل يمكن أن أنضم إليكم؟، قالوا: لا يمكن إلاّ إذا راجعت محمد خيّال -قاضي المستعجلة الأولى-، فسألت عنه حتى عرفت شخصيّتَه، فلما عرفت شخصيته كتبت ورقة صغيرة جئت وسلمت عليه وقلت له: يا شيخ أنا في أمس الحاجة إلى التعاون على البر والتقوى، قال لي: كيف، قلت له: أنا طالب علم ولكن لا يمكن لي أن أطلب العلم إلاّ عن طريق المدارس، قال لي: طيب، ما يمكن نقبلك إلاّ بعد الاختبار، قلت: أنا مستعد للاختبار، ولما جاء وقت الموعد رأسًا أنا حضرت ووجدته جالساً وسلمت عليه، وقال لي: الآن أنت جئت للاختبار؟، قلت: نعم، فاختبرني في التوحيد، واختبرني في الحديث، في مادتين فقط، وكتب أن فلانًا ناجحٌ في مادة التوحيد ومادة الحديث، بناءً على هذا، وقد اختبرني في (صحيح البخاري) ، واختبرني في التوحيد (فتح المجيد) فلذلك كتب: أن فلانًا بمناسبة نجاحه في هاتين المادتين يستحق أن يكون في قسم التخصص على مراحل: الابتدائي، والمتوسطة، والثانوي، والعالي، والتخصص، كتب أن فلانًا يدخل في التخصّص ولكن بشرط أنه بعد صلاة الصبح -لأن محمد خيّال إذا صلى الصبح وصلى الناس الفجر يخرج رأسًا ويدرس في دار العلوم لأنه يلقي درسًا في "كتاب التوحيد" في البخاري -فيقول: بشرط أنه كلما جلست بعد الصبح يحضر يستمع للدرس، وفعلاً أنا التزمتُ بهذا الشرط، فلما وجدني ملتزمًا بها أمر المدير أنه يدعني في الفصل الذي أريد في التخصص، وفعلاً دخلت في التخصص. لما دخلت في التخصص كان الأساتذة هؤلاء -اسمع يا شيخ-: كان عمر بَرّي يدرِّسنا في (صحيح مسلم) ، وفي (الهداية) في المذهب الحنفي، وفي (ديوان المتنبِّي) ، وفي (ألفية ابن مالك) أربع مواد، التخصص.

стр. 792

ومحمد الحافظ (١) الموجود الآن -الشيخ- ذا يدرسنا في (سنن النسائي) . والشيخ محمد الأمين الشنقيطي -لأنه كان من المدرسين- يدرسنا في (ابن كثير) وأصول فقه الروضة – (روضة الناظر) . الحاصل: أنه توزعت الدروس هكذا بين المشايخ. وعمار المغربي -تسمع به؟ -عمار المغربي يدرسنا في (صحيح البخاري) و (جامع الترمذي) . الحاصل: هكذا توزعت الدروس، هذا كله سنة ٦٨-٦٩-٧٠ -ثلاث سنوات-، وسنة واحد وسبعين أيضًا، ولكن واحد وسبعين جاءني طلب من مكة بواسطة الإخوان الذين تركتهم، ألحوا على أني لا بد وأن أرجع إليهم، وفعلاً عملوا هذه الطريقة للرجوع إليهم: وهو أنهم كتبوا للمدرسة الصولتية -لأنهم كانوا يدرِّسون فيها- نريد أن تطلبوا فلانًا من دار العلوم، وفعلاً هم طلبوني من المدرسة الصولتية، وألحّوا عليّ الإخوان أيضًا فانتقلت" (أسماء رفقاءك هؤلاء؟) أنا أذكرهم لك: رفقائي: واحد منهم حي الآن: عمار بن الحسن بن حذيفة الأنصاري، وهذا يشتغل الآن في رئاسة الإشراف على الحرمين الآن، هذا الذي بقي منهم من رفقائي. أما الآخرون لم يبقى منهم إلا إثنان أنا وعمّار بن الحسن بن حذيفة الأنصاري: موجود الآن.

стр. 793

لما وصلنا إلى الصولتية للتدريس سنة واحد وسبعين، حيث إني خرجت من هنا واحد وسبعين، وبقيتُ فيها واحد وسبعين، اثنين وسبعين، وثلاث وسبعين، أربع سنوات، أدرِّس كمتخصص. وفي السنة الرابعة من عملي تعرّفت في أثناء وجودي مع المشايخ: تعرفت على الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد اللطيف آل الشيخ، وأمثالهم من المسئولين في الرياض، فلما عرفوا أني في الصولتية وقد فتحت الكليّات والمعاهد في الرياض طلبوا أن أنتقل إلى الرياض مدرِّسًا، وفعلاً انتقلت سنة ١٣٧٤هـ، بعد انتهائي للاختبارات. أربع وسبعين انتقلت إلى الرياض، وباشرت العمل في الرياض خمسة وسبعين، باشرت العمل في المعهد العلمي، التابع لإدارة العامة للمعاهد والكليّات في ذلك الوقت، اسم العمل هناك، ما هناك جامعة، يقال: المعهد التابع للإدارة العامة للكليات والمعهد. فالشاهد باشرت التدريس في المعهد العلمي، وأسندوا إليَّ المواد التّالية: أسندوا إليّ تدريس (ألفية ابن مالك) ، و (كتاب التوحيد) ، و (روضة الناظر) ، و (بلوغ المرام) ، هذه هي المواد التي أسندوها إليَّ. ولما مضت السنة الخامسة والسبعون ودخلت السنة السادسة انضممتُ إلى الكليّات، نقلوني إلى الكليات، وبقيت في الكليات من سنة ستة وسبعين إلى سنة خمس وثمانين هـ، هنا نقلوني إلى الجامعة الإسلامية، هكذا المراحل هنا. وأرجو أن يتيسر لنا وقت، لأن الوقت الآن ضيق، لأجل أن نعطيكم معلومات عن الدراسة في إفريقيا حتى تعرفوا كيف كان الناس يدرُسون في إفريقيا وكيف يتلقّون العلوم وما هي العلوم التي كانوا يتلّقونها، وفي أثناء ذلك -أيضًا- أعطيكم كلمةً حول وصول الشيخ محمد عبد الله المدني الذي كان

стр. 794

إمامَ المسجد النبوي قبل الشيخ عبد العزيز بن صالح أيام الشيخ صالح الزغيبي، ووصولُه إلينا سنة ألف وثلاثمائة وسبعة وخمسين هجري، لما وصل إلينا في إفريقيا فتح مدرستين: مدرسة في توحيد السلف، ومدرسة في تعليم السنة النبوية. وهذا الرجل في الحقيقة نستطيع أن نقول أنه سبب في نجاح هجرتنا، وأنا عندي الآن كتابة موجودة عن الشيخ وعن رحلتِه إلينا وبقائه عندنا يعلم العقيدة والسنة إلى أن خرجنا وتركناه هناك-، هو الذي أعطانا المعلومات التي قلت لك نحن نجيء كل بلد فنعرفه كأننا قد رأيناه سابقًا، كلها منه، وعندي كتابة الآن هنا لو كان الوقتُ واسعًا نخرجها ونقرأ عليك منها تفاصيل اللقاء وإقامة الشيخ عندنا حتى تعرف كيف كان التعليمُ في تلك البلاد، سواءٌ قبل الشيخ أو بعد الشيخ، والشيخ أصلُه من عندِنا، جاء به أبوه المحمود وهو ابن خمس سنوات، إلى هنا زمن حكم تركيا، وصل إلى هنا سنة سبعة عشر من القرن الذي قد انصرف (١) -القرن الرابع عشر-، وبقي هنا وتعلّم في دار العلوم، لأنه ذلك الوقت لا توجد إلاّ مدارس أهلية، تعلم فيها وبقي هنا حتى جاءت هذه الدولة، وتلقّى العقيدة عن الشيخ عبد الله بن الحسن آل الشيخ، الذي هو المسؤول عن المنطقة الغربية، هو وشيخُه الطيب الأنصاري، والشيخ أبو بكر التنبكتي، هؤلاء كلهم منا، لأن الشيخ الأنصاري ابن عمِّي، أما الشيخ أبو بكر التنبكتي أنا خالُه، وكذلك الشيخ محمد عبد الله أنا خالُه، فلذلك تحتاج مسألة الشيخ إلى وقتٍ أوسع من هذا حتى نعطيكم عنه جملة تستفيدون منها إن شاء الله فيما بعد.

стр. 795

ونسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وهذه مجمل الرحلة، وهذه الرحلة لها تفاصيل، وهذه التفاصيل مكتوبة عندي أيضًا". طبعت؟ "لا ما طبعت، كنانيش، لعلك تعرف معنى كنانيش؟، كُنَّاشات موجودة عندي، إذا حصل لنا وقت نعطيكم منها نبذة غير هذه المقتطفات"

стр. 796

جلسة آخرى "سم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلاّ بالله. أما مشايخي في إفريقيا أولاً، لأنهم هم الذين استفدت منهم كثيرًا: فمشايخي في إفريقيا الغربية التي هي الآن تسمى (مالي) فهم كالتالي: أولاً: خالي: أحمد بن محمد بن تقي الأنصاري: هذا أول شيخٍ لي في الكتاتيب إلى أن بلغتُ خمسة عشر سنة، هذا هو أولُ شيخٍ ربّاني. وبدأت عندَه في المبادي العلمية، وهو رجلٌ عظيم، كان هذا الرجل من مشايخي في ذلك الوقت إلى أن توفي ﵀ ان معتنيًا كثيرًا بتعليم الأطفال، يجمع أطفال الحي ويفتح لهم مدرسة باسم الكتاتيب، واستمرت المدرسة في الكتاتيب إلى أن تخرّج فيها عددٌ لا بأس به في كلّ العلوم، سواء كانت العلوم اللغوية والفقهية والتوحيدية والتفسيرية. والشيخ الثاني: عمي اسمه: محمد أحمد -الملقّب بالبحرـ، وعمي هذا يعدّ هو المقدَّم في التعليم، لأنه ما لُقِّب بالبحر إلاّ لتبحره في علوم كثيرة قلَّ من تبحّر فيها في وقته. وعمي هذا هو الذي درست عنه في الفقه المالكي بجميع المقررات في هذا الفقه التي منها: "مختصر خليل" متنًا، ومنها: (رسالة ابن أبي زيد القيرواني) ، ومنها -أيضًا-: (شروح مختصر خليل) التي من أهمِّها: (الحطّاب على مختصر

стр. 797

خليل) ، والخيرشي) ، و (عبد الباقي) ، و (التيتائي) ، و (الموّاق) ، وهذه الشروح تعتبر من كبريّات شروح (مختصر خليل) . هذا بالإضافة إلى أصول الفقه، ودرست عنه كذلك في أصول الفقه: (الورقات) لإمام الحرمين، وجمع الجوامع) للتاج السبكي بشروحه المعروفة التي منها (البنّائي) والمحلِّي) ، هذه بعض الموادّ التي أملاها علينا؛ لأن التدريس عندنا هناك ليس كالتدريس هنا، التدريس عندنا هناك بالإملاءات، لأنه لا توجد كتب، المشايخ ما عندهم كتب، أغلب الكتب مخطوطات نادرة قليلة، فلذلك هم يُملون علينا في الحلقة، فنكتُب على الألواح هذه الدروس، يُملونها فنكتبها فنحفظها غيبًا، وبعد ذلك يشرحون لنا كل ما يحتاج إلى شرح. هذا الشيخ الثاني الذي يعدّ -كما أشرت إليه- عد في تلك البلاد مفتيًا وقاضيًا، ويحفظ كثيرًا، يعني: من ناحية الحفظ غيبًا يحفظ مقررات -أو كتبًا- همّة قلَّ أحد يحفظها في زمنه، حتى إنه يحفظ متن البخاري، يحفظه بأسانيدِه، هو رجلٌ نادر في تلك البلاد، هذا ثانيًا. وثالثًا: البليغ الكبير الذي هو موسى بن الكسائي، وموسى بن الكسائي هذا رجلٌ عظيم اجتمع فيه علومٌ -أيضًا- نادرة، منها: الأدب، فهو أديب، متخصِّص في الأدب، هو الذي درست عنه الدواوين الستّ التي منها: (ديوان امرئ القيس) ، و (ديوان زُهير) ، و (ديوان علقمة الفحل) ، و (طرفة العبد) ، و (عنترة) ، هذه الدواوين سمعتها من هذا الشيخ الأديب الكبير موسى ابن الكسائي. وكذلك درست عليه في علوم البلاغة: (الجوهر المكنون في الثلاثة الفنون: المعاني، والبيان، والبديع) -هذا مؤلفُه عبد الرحمن الأخضري-، ودرست عليه كذلك: (عقود الجمان) في الفنون الثلاثة أيضًا -في المعاني، والبيان، والبديع- لسيوطي.

стр. 798

هذه هي العلوم التي درست عن هذا الشيخ هناك في إفريقيا. وكذلك أيضًا الشيخ الرابع: حَمُود بن محمود المعروف بالحسن: هذا الشيخ شريفٌ -من الأشراف-، نسبه يعود إلى عليّ بن أبي طالب، وهذا النسب موجود عندي لأني قيّدته عنه فما زال معي منه نسخة إلى الآن. هذا الرجل درست عليه في الفرائض: درست عليه (الرحبية) في الفرائض، لأنه فرضي -يعني: يحسن الفرائض جيّدًا-، واستفدنا منه في هذا العلم استفادة عزيزة، وقلّ شيخ اجتمعنا به في هذا الفن وجدنا منه مثل ما وجدنا عنده من إدراكه لهذا الفن، ولهذا استفدنا كثيرًا، حتى إنني بعدما درست هذا الفن واعتنيت به كدت أن أكون أنا بنفسي متخصصًا فيه. هؤلاء أربعة، وهؤلاء هم الذين لهم الأثر الكبير في تربيتي وفي تعليمي، واستفدت منهم كثيرًا، هؤلاء أشهر مشايخي هنا، وإلاّ عندي في إفريقيا كثيرون، ولكن هؤلاء هم الذين عليهم المدار في التعلم بالنسبة لي أو بالنسبة لغيري. أما مشايخي بعدما جئت إلى هذه البلاد المقدّسة -لأنني لما جئت انخرطت في الحلقات في مكّة المكرمة التي يتقدمها حلقة: حسن مشّاط: المعروف. ثانيًا: علوي مالكي. وثالثًا: التُّبّاني العربي. ورابعًا: أمين الحنفي. وخامسًا: عبد الرزاق حمزة. وكان -أيضًا- من مشايخي هنا في مكة: حامد فقي: رئيس أنصار

стр. 799

السنة –المصري-، كان في ذلك الوقت كلما جاء وقت الحج يأتي في بعثة الحج المصرية، فإذا جاء يَفتح له درسًا عند باب علي في مكة المكرمة في المسجد الحرام، فنجتمع عنده. ومن مشايخي -أيضًا- الذي استفدت منه كثيرًا في مكة: الشيخ عبد الحق العُمَري الهندي. هؤلاء بعض المشايخ الذين استفدت منهم كثيرًا في مكة المكرمة في علوم كثيرة لا سيّما في الحديث. أما في المدينة النبوية لما انتقلت إلى المدينة فقد دخلت في حلقات مشايخ كثيرين كذلك، منهم: عمّار المغربي، ومنهم -أيضًا-: عمر بَرِّي، ومنهم أيضًا: محمد تركي هذا نجدي، وكذلك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب (تفسير أضواء البيان) . كل هؤلاء كانوا يدرِّسون في الحرم النبوي وفي دار العلوم، وأنا أحضر دروسهم سواء في الحرم النبوي وفي دار العلوم الشرعية. هذا فيما يتعلّق بأهم المشايخ في الحرمين الذين جلست إليهم واستمعت منهم واستفدت منهم. أما في نجد: في الرياض فلقد حضرت -أيضًا كذلك -عند مشايخ كثيرين: منهم الشيخ محمد بن إبراهيم الشيخ: المفتي الأكبر في أيّامِه، هذا الشيخ شيخٌ عظيم، وعندَه مشاركة قويّة في علوم عديدة منها: التوحيد، ومنها: التفسير، ومنها: الحديث، كان هذا الرجل النشيط، رغم كوني أدركته في آخر

стр. 800

عمره، كان يجلس بعد صلاة الصبح في المسجد ويلقي درسًا، وهكذا بعد المغرب، وبعد أذان العشاء كذلك يجلس ويلقي درسًا في التفسير، فنحن نحضر في هذه الأوقات لهذه الدروس لأنها دروس مفيدة. وكذلك -أيضًا- أخوه الشيخ عبد اللطيف كذلك فهو فرضي، أعني: في الفرائض ممتاز، وأنا -كما ذكرت سابقًا- درست هذا الفن -هذا العلم- وأنا في إفريقيا، واستفدت من هذا العلم هناك، ولذلك لما كنت أحضر عند الشيخ عبد اللطيف في درسه في الفرائض، لأنه متخصص فيها أفهم أكثر مما يفهمه الحاضرون وأستفيد زيادة على ما أستحضره أنا قبل أن أحضر في هذا الدرس. وكذلك الشيخ عبد الله -أخوهم -وهو أسنُّ منهم، وهذا الشيخ -أيضًا- استفدت منه فيما يتعلّق بالتنجيم مثلاً معلومات كونية في التنجيم المعروف بتنجيم التسيير، وهو عبارة عن معرفة النجوم التي يستدلّ بها على القبلة وكذلك وقت الزراعة، وكذلك -أيضًا -علم بالفصول الأربعة، وغير ذلك مما يتعلق بهذا النوع، استفدت منه لأنني جالسته مرارًا في مناسبات عديدة، وهو يُملي عليّ وأنا أقيِّد. هذا بعض المشايخ. وهناك شيخ يجب أن يكون في المقدمة ولكنني لم أتذكر إلاّ الآن، وهو الشيخ محمد عبد الله المدني، والشيخ محمد عبد الله المدني هذا الرجل أولاً كان من المدينة، وعاش في المدينة أيّام تركيا، وأيّام الشريف، وحتى جاءت دولة الملك عبد العزيز هذه -نصرها الله ، وهذا الرجل درس في دار العلوم الشرعية، ثم لما أدركته هذه الدولة تعلم زيادةً على ما عنده من المعلومات لاسيما في التوحيد والسنة.

стр. 801

هذا الرجل لما وصل إلينا في إفريقيا استفدنا منه، لاسيما فيما يتعلق بالتوحيد وبالحديث وبرجال الحديث، لأن الرجل عنده معلومات قويّة في هذه الفنون ولا سيّما في السيرة النبوية وفي الأدب كذلك، وهو مشارك في هذه العلوم. وهذا الرجل الحقيقة مجيئه إلينا في إفريقيا فتح لأنه قبل أن يأتي لتلك البلاد -مالي- ما كان الناس يعرفون أو يذكرون شيئًا يتعلّق بتوحيد السلف أبدًا، بل إن السائدَ في تلك البلاد فيما يتعلق بالتوحيد: علم الكلام، وهذا العلمُ -الذي هو علم الكلام -لا يصح أن يسمّى علمًا، هذا ينحصر فيما يتعلّق بعقيدة الأشاعرة وأيضًا الأشاعرة الكلاّبية فقط التي لا تؤمن إلاّ ببعض الصفات-، فالشيخ لما جاء صار فتحًا عظيمًا في هذا الباب، حيث اتضح -بعد الله أولاً ثم بمجيئه- أن التوحيد غير ما هو مقرّر في تلك البلاد، فإنما التوحيد هو توحيد السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. وكانت الكتب التي تُقرَّر قبل أن يأتي الشيخ هي: أولاً: (السنوسية الصغرى) – أم البراهين الصغرى) و (أم البراهين الكبرى) ـ، وبجانبها كتيّبات أخرى، وكلّها عبارة عن فلسفة وكلام، ولكن لما جاء الشيخ تبيّن أن هناك كتبًا في العقيدة السلفية لها منهجٌ مخالف لمنهج كتب الفلاسفة والمتكلمين التي كانت مقرّرة قبلَه. ومنها -أي: الكتب التي تبيّنت وظهرت بعد مجيء الشيخ عبد الله المدني- منها: أولاً: كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتب ابن القيم، بل وكتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب. وكذلك -أيضًا- كتب علماء السلف التي اقتبس منها هؤلاء الثلاثة التي منها أولاً: (خلق أفعال العباد) للبخاري، و (كتاب الشريعة) للآجري، و (كتاب التوحيد) لابن خزيمة،

стр. 802

و (كتاب السنة) للإمام أحمد، و (كتاب السنة) لابنه عبد الله، و (كتاب السنة) لابن أبي عاصم النبيل، وغيرُ ذلك كثير من الكتب التي بيّنت وظهر لكثيرين ممّن يرغبون فيها أنّ العقيدة السلفيّة ما زالت موجودة ويقوم بها رجالٌ ينشرونها كثيرًا، فتغيّر الوضعُ عندنا كثيرًا بعد الله ثم بمجيئه فيما يتعلّق بالعقيدة. وهذا الشيخ -الشيخ محمد عبد الله- أنا كتبت عنه بعدما توفي، والكتابة موجودة عندي هنا نسخة منها (١) . وكذلك -أيضًا- من مشايخي في إفريقيا: الأخ عمران بن محمود، هذا الأخ عمران بن محمود كاد أن يكون زميلي ويكون قريني، ولكنه هو أسنُّ مني كثيرًا، فلذلك استفدت منه فيما يتعلّق بالنحو والتصريف، سمعت منه في "الكافية" لابن مالك، و"اللامية" لابن مالك، وكذلك -أيضًا- في شروح "الألفية" كالأشموني والصبّان، والخضري -"حاشية الخضري على ابن عقيل) ، وكذلك (التوضيح) ، و (التصريح) ، وكذلك يس (٢) ، هذه كلها شروح (الألفية) ، وهذه الشروح أغلبها سمعتها من الأخ عمران بن محمود. وهو أخو حَمُود ابن محمود الذي درست عنه في الفرائض. وكذلك -أيضًا- مَلُّول بن محمود: مَلُّول بن محمود هذا رجلٌ عظيم، وكان هذا الرجل يجلس كثيرًا لطلبة العلم ويلقون عليه أسئلة وهو يجاوبهم في علوم كثيرة، منها: في التفسير، وكذلك أيضًا في اللغة، وكذلك أيضًا في السيرة، وقد استفدنا أيضًا من الرجل فيما يتعلّق بهذه العلوم.

стр. 803

ومنهم أيضًا -من مشايخي في إفريقيا، لأن مشايخي في إفريقيا كثيرون، وعندي الآن قائمة لهم، موجودة عندي هناـ، ومنهم: الشيخ عبد الله بن صالح، الشيخ عبد الله بن صالح هذا رجلٌ فتح الله عليه فتحًا فيما يتعلّق بالفقه في الإسلام، فهو فقيه نفسي، بحيث إذا سمع أيَّ مسألة يفتح الله عليه في هذه المسألة ما لا يستحضره أيُّ شيخ أو أيُّ طالب علم حينما يسمعُها، فهو رجلٌ عظيم، لو كان في القرون الوسطى لقُيِّد أنه من أولياء الله؛ لأن الرجل يتكلّم، وكذلك أيضًا إذا سمع فإنه يصدُق عليه ما جاء في الحديث: " رب مبلَّغ أوعى من سامع "، أعني يعي فيما سمعه ما لا يعه الذي بلّغه إيّاه أو سمعه منه. هؤلاء الذين ذكرتهم سواء في إفريقيا الغربية أو في الحجاز أو في نجد، هؤلاء جملة من مشايخي. وكذلك -أيضًا- أخذت إجازات عديدة عن مختلف المشايخ من مختلف الأقطار، فهذه الإجازات موجودة عندي في ثَبَتي حيث عندي ثَبت -سمّيته: (إتحاف القاري بِثَبَت الأنصاري) (١) ، هذا موجود عندي، ويحوي الذين أخذت عنهم إجازة، وكذلك -أيضًا- حتى الذين سمعتُ منهم قيّدتهم فيه. فهذا العدد -فيما أرى- يكفي الآن، فندخُل في مسألة أخرى". حدثنا يا شيخ عن وصايا لم تنسها من هؤلاء المشايخ علّها تكون نبراسًا للطلاب في هذا الوقت هؤلاء المشايخ أخذت عنهم وصايا كثيرة، منها -وهي أهمُّهاـ: من الوصايا التي أخذتها لاسيّما عن الشيخ محمد عبد الله المدني، هذا في الحقيقة

стр. 804

استفدت من وصاياه ما لم أستفد من غيره، وذلك أن الشيخ محمد عبد الله أوّل اجتماعي به بدأ بالتوصية لأنه جاء الاجتماع طارئًا ما كان على موعد، اجتمعنا على غير موعد، فهو بمناسبة ذلك خاف أن نفترق قبل أن يوصيني بما يريد، فلذلك بادرني بالوصية، فقال لي: يا فلان؟، قلت له نعم لبيّك، قال لي: أنا أوصيك وأوصيي نفسي أولاً بتقوى الله في السر والعلانية، ثم أوصيك بالاشتغال بعلم السلف، عليك بأن تهتم وتحرص على علم السلف، وعلم السلف هو كالتالي: أوّلاً: اشتغل بالعقيدة السلفية وتعليمِها، وكذلك -أيضًا -قال لي: اشتغل بالحديث، يعني: لا تعتمد على الآراء، قال لي: لا تعتمد على الآراء إلاّ إذا عرفت الدليل الذي استمدت منه هذه الآراء. قال لي: أما في النقطة الأولى -وهي التوحيد -يقول لي: التوحيد هذه الكلمة لا تُطلق شرعًا ولا في عُرف علماء السلف إلاّ على التوحيد الذي اعتمد على القرآن وعلى السنة النبوية، فلذلك قال لي: أنا أذكر لك الكتب التي ينبغي العناية بها والاشتغال بها حتى تعرف معنى التوحيد، قال لي هكذا، قال لي: أولاً: عليك بكتب الإمام أحمد بن حنبل في التوحيد في العقيدة، وقد ذكرت لك الآن بعضَها: ذكرت لك (كتاب السنة) للإمام أحمد، وكذلك -أيضًا- (كتاب الرد على الزنادقة والجهمية) للإمام أحمد، وكذلك كتاب (الإيمان) للإمام أحمد، وكذلك (كتاب السنة) لابنه عبد الله، وكذلك -أيضًا- (كتاب الشريعة) للآجرّي، وكذلك كتاب (شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة) للحافظ اللآلكائي، وكذلك كتاب (خلق أفعال العباد) للبخاري -كما ذكرتُه سابقًا-، قال لي: هذه الكتب هي التي إذا اعتنيت بها واشتغلت بها فإنك ستتعلم -أو ستعلم- ما معنى التوحيد.

стр. 805

وكذلك -أيضًا- يقول: لا تُغْفِل كتب المشايخ الثلاثة التي هي: كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتب ابن القيم، وكتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وأملى عليّ منها عددًا كبيرًا، في ذلك الوقت ما كنت أعرف عن تلك الكتب، ولكن أنا قيدتها لما أملاها عليّ، نعم ولما رَحَلْتُ إلى هذه البلاد بحثت عن هذه الكتب وقلّ أحد جمع مثلَها، هذه الكتب موجودة عندي الآن، هذه كلُّها هي الكتب التي وصاني الشيخ محمد عبد الله المدني بدراستها وتدريسها والعناية بها وتعليمها للناس، هذه قيّدت أسماءها، ولما أتيت إلى هذه البلاد المقدّسة أوّل ما بحثت عنه هذه الكتب. وبتوفيق من الله قد تحصلت على جملة كبيرة منها قلّ أن توجد عند أحد في هذه البلاد، هذا من فضل الله، ثم من أثر هذه الوصية. وكان هناك من الأسباب بعد هذه الوصية حصولي على هذه الكتب التي لو -مثلاً- نظرت هذه الأدراج تجد شيء قلّ أن يوجد اليوم، هذا من الأسباب أنني لما وصلت بعد هذه الوصية إلى الخرطوم -إلى أم درمان كما قلت لك أمس- ونزلت عند أنصار السنة، وأنا نزلت عند أنصار السنة بوصية منه أيضًا؛ لأنه يعرفهم لما خرج من هذه البلدة إلى إفريقيا مرّ على الخرطوم، فهو بوصيته أولاً بعد الله حصل لي الاتصال بهؤلاء، ولما وصلنا إلى أم درمان أضافونا في عمارة على شاطئ النيل في أم درمان، وكانت هذه العمارة الدور الأرضي كلُّه مكتبة، وهذه المكتبة في الحقيقة قلَّ كتاب تعلّق بالعقيدة السلفية أو يتعلّق بالحديث إلاّ وهو موجود فيها. ولما نزلنا فيه ووجدت في المكتبة كثيرًا مما وصّاني الشيخ به أخذت دفترًا كبيرًا وصرت أكتب أسماءها كلها إضافة إلى ما ذكر لي الشيخ وصرت أكتب طبعاتِها في المكان الفلاني، هكذا حتى جمعت منها دفترًا كبيرًا يحوي شيئين:

стр. 806

أولاً: ما يتعلق بالتوحيد -أسماء الكتب المتعلقة بالتوحيد-، وثانيًا: الكتب المتعلقة بالحديث وعلومه، هذه قيّدت منها عددًا لا يستهان به في تلك المكتبة. ولما جئت إلى هذه البلاد بدأت أبحث عنها، وبتوفيق من الله قد وجدتها كما ترى، من هنا تبدأ إلى هنا، هذا كله حديث، هذه أغلبها بعد الله بوصية الشيخ، ولهذا هذا الذي ترى الآن فقط الحديث متنًا، وهذه أغلبُها بوصية من الشيخ. وثانيًا: هذه علوم الحديث والمصطلح، هذا الركن كله، هذا المصطلح، هذا كله بعد الله بوصيةٍ من الشيخ. وكذلك -أيضًا- مما أوصاني الشيخ قبل أن نفارقه قال لي: أنت حينما تكون هناك -يعني: في الحجاز -فأنت تحتاج إضافة إلى كتب الحديث والعقيدة ستحتاج إلى كتب الرجال، لأن الحديث -يقول لي- لا يمكن أن تعرفه بدون كتب الرجال، ولهذا -أيضًا- لما جئت إلى أم درمان في تلك المكتبة النادرة من جملة ما كنت أقيّده أيضًا: كتب الرجال التي تساعد على هذه الكتب، وقد قيّدت منها جملة، هي هذه، هذا كله رجال، فلهذا انظر الآن كيف كان الوضع، فالحديث شرقًا، والرجال غربًا (١) . فهذا عندي في الحقيقة من أعظم الوصايا التي سمعتها من جميع مشايخي، لماذا صارت هذه من أعظم الوصية؟، لأن مشايخي أغلبهم أشاعرة، أعني: يعنون بالعقيدة الأشعرية الكلاّبية، هذه واحدة، وثانيًا: أغلبهم لا يشتغلون بالحديث، إنما يشتغلون بالفقه -أعني: بالفقه المالكي-، اللهم إلاّ اثنان منهم فقط، وهما:

стр. 807

أولاً: عمي محمد أحمد الملقّب بالبحر، هذا في التوحيد السلفي إمام، هو الذي درست عليه (مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني) ، وهذه المقدّمة من أولها إلى آخرها في العقيدة السلفية، وكذلك خالي محمد أحمد الملقب بأستاذ الأطفال هو كذلك سلفي، ولم يوجد من مشايخي في إفريقيا سلفي إلاّ هذان، نعم، انتبه لذلك، إنهم علماء مشاركون في علوم كثيرة ولكن رغم كونهم علماء لم تكن هناك كتب مقررة في العقيدة السلفية إلاّ قليل. وكذلك -أيضًا- لم يكن من مشايخي في إفريقيا محدِّث يشتغل بالحديث أيضًا كذلك إلاّ قليل، منهم عمي الملقّب بالبحر الذي ذكرت لك أنه غيّب متن "البخاري" في الحقيقة يعدّ إمامًا في علم الحديث وفي الفقه وفي علومٍ كثيرة، فهذا-أقوله بصراحة -لأن السبب كما ذكرت أنه ما كانت توجد الكتب التي تتعلق بالعقيدة السلفية أو تتعلّق بالتعمّق في علم الحديث متوفرة في تلك البلاد، وإلاّ بمجرد ما وصل الشيخ محمد عبد الله المدني وتبيّن أن هذه الكتب موجودة وأنها توجد مطبوعة وأنها منتشرة في العالم بدأوا يبحثون عنها، فلذلك تغير الوضع وصار العلم في تلك البلاد الآن على غير المنهج الذي كان قبل أن يأتي الشيخ محمد عبد الله، قبل أن يأتي المقررات كلها في الفقه المالكي واللغة والأدب والسيرة والتفسير والبلاغة وأصول الفقه وغير ذلك من علوم كثيرة، ولكن بعدما جاء الشيخ محمد عبد الله صار طلبة العلم يبحثون عن الكتب الأصلية التي هي كتب السلف، سواء في التفسير والحديث والعقيدة وغير ذلك. ونسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا بما علّمنا، ويفقهنا فيما علّمنا". نريد منك إجراء مقارنة بين طلاّب العلم في القديم والحديث "ماذا تعني بالقديم والحديث؟ ".

стр. 808

في أيامكم والآن؟ هذه "أعطيتكم إشارة عنها الآن". يعني: هل قصرت همم طلاّب العلم الآن؟ "الآن أنا أعطيتك الإشارة في الكلمة التي أنهيناها الآن أعطيتك الإشارة. إذا كنت تعني بطلاّب العلم في إفريقيا أو بطلاّب العلم في آسيا، ماذا تريد؟ ". بصفة عامّة؟ "بصفة عامة: أنا قد عاصرت طلاّب العلم في القارّتين -سواء في إفريقيا أو في آسيا كما تعرف-: الحقيقة أن المقارنة بين طلاّب العلم في إفريقيا في أيامي هناك وفي آسيا في هذه الأيّام هي كالتالي: أما ما يتعلّق بإفريقيا فهو كما ذكرتُ أن إفريقيا -وخصوصًا مالي بالخصوص-، اعلم: أنَّ إفريقيا تنقسم إلى قسمين: إفريقيا البيضاء وإفريقيا السوداء، وأنا الآن أتكلم عن إفريقيا السوداء لأنه هي التي عشت فيها تلك المدّة القصيرة التي عشتها هناك، وهذه إفريقيا السوداء التي أعنيها أيضًا أخصُّ منها مالي فقط، لأن أفريقيا السوداء بجميع دولها لا يوجد فيها بلد يُعنى بالعلم وبدارسة العلوم إلاّ مالي، أما ما سوى مالي من إفريقيا السوداء فليس عندهم من العلوم ومن الدراسات مثل ما يوجد في مالي، ولذلك جميع إفريقيا السوداء الذين يجاورون مالي يدرسون في مالي، فإذا درسوا في مالي رجعوا إلى بلادهم، ومالي تُعدّ هي القاعدة -هي قاعدة العلم- هي تنبكتوا، وتنبكتوا هذه بلد علم، من حين ما تأسّست في القرن الثامن الميلادي وهي بلد علم إلى أن جاء الاستعمار الفرنسي، ولما جاء الاستعمار الفرنسي نقل العاصمة عن تنبكتوا وجعل العاصمة (قاوا) صارت هذه البلدة خلاف ما كانت عليه سابقًا، انتقل

стр. 809

العلماء إلى (قاوا) ، أولاً كان مركزهم في تنبكتوا، والأثر لهذا النشاط الآن مؤلَّفٌ فيه كتب كثيرة، فمثلاً كتاب عبد الرحمن السعدي عن تنبكتوا وعلمائها، و (فتح الشكور في تاريخ بلاد تكرور) -يعني بتكرور تنبكتواـ، هذه الكتب أعطتنا فكرة عظيمة وكبيرة حول نشاط العلم في تنبكتوا. هذا هو السبب الوحيد بعد الله في أن إفريقيا السوداء الغربية لا يوجد فيها بلدٌ يُعنى بالعلم والتعليم أبدًا إلا نادرًا، وإنما العلمُ قبل الاستعمار وبعد الاستعمار انحصر تعليم العلم بجميع أنواعه وفنونه في هذه المنطقة التي تسمّى (المنطقة الشرقية في مالي) التي عاصمتها الآن (قاوا) ، وعاصمتها في الماضي تنبكتوا. هؤلاء العلماء في تلك المنطقة -مثلما ذكرت سابقًا- العلماء يُعنون بالعلوم التي وجودها في تلك المنطقة التي ذكرتُ لك بعضَها، يعنون باللغة، وهم في علم اللغة أئمّةٌ، سواء في اللغة أو في مفرداتها، وفي الأدب. وكذلك -أيضًا- يُعنون بالتفسير، ولكن هنا ملاحظة: التفسير الذي يعتني به العلماء في تلك المنطقة هو التفسير الذي يُطلق عليه التفسير بالرأي، ما يُعنون بالتفسير المسند، مثلاً: تفاسير الصحابة المسنَدة والتابعين المسنَدة، بل وكذلك التفاسير المرفوعة، ما يُعنون بها، والسبب في ذلك: قلّة الكتب في هذا الموضوع في تلك البلاد. هذا أوّلاً. هكذا كان العلم أن العلماء في تلك البلاد يحرصون على دراسة هذه العلوم التي ذكرتُ بعضَها التي منها: التفسير المجرّد، وكذلك أيضًا اللغة بأنواعها، والأدب، والسيرة، وكذلك أيضًا تجد واحدًا من عشرة يدرُس (الموطأ) . هكذا كان العلم أولاً في تلك البلاد، ولكن تغيّر الوضع -ولله الحمدُ والمنة- وذلك لتيّسر هذه المواصلات التي حصلت من زمن إلى الآن، لما حصلت

стр. 810

هذه المواصلات واتّصل علماء تلك المنطقة بآسيا عرفوا -كما ذكرت- أولاً بوصول الشيخ محمد عبد الله إلى تلك البلاد، وثانيًا بتيسّر المواصلات حتى تمكّن طلبة العلم هناك من الوصول إلى هذه البلاد وإلى مصر وإلى أيّ بلدٍ يريدون في آسيا، هذا كلُّه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تغيّر وضعُ التعليم في منطقة مالي عما كان عليه سابقًا قبل الحرب، صار العلماء بعدما انتهت الحرب صاروا يدرُسون كتب العقيدة السلفية، وصاروا يدرُسون -كذلك -كتب الحديث، وصاروا يدرُسون مصطلح الحديث، وصاروا يدرُسون التفاسير المسنَدة، كـ"تفسير ابن جرير"، و"تفسير البغوي"، وصارت هذه المقرّرات بعد الحرب العالمية الثانية صارت هي العمدة، وصارت هذه الكتب هي التي عليها المدار بعد الحرب الثانية، بخلاف ما كان قبل الحرب حيث إنه كانت العمدة في التفسير عندهم: "تفسير الجلالين" و"تفسير البيضاوي" و"تفسير النسفي" وما إلى ذلك من التفاسير المجرّدة، فلذلك العلم بالنظر إلى التوحيد وإلى التفسير وإلى الحديث في تلك البلاد الآن أحسن من العلم فيما قبل هذا الوقت، وإن كان أولئك الذين قبل الحرب العالمية الثانية عندهم علم، ولكن هذا العلم يُعدّ كوسائل ليس غاية، أما في الوقت الحاضر من الحرب العالمية الثانية إلى الآن العلمُ عند طلبة العلم اشتمل على شيئين: أحدهما: وسائل التي كانت عند أولئك قبل الحرب. وثانيًا: الغايات التي تنقص أولئك في زمنهم. ومن الأسباب في ذلك -كما ذكرتُ- قلّة وجود هذه الكتب بين أيديهم في وقتهم، وإلاّ لو وجدوها في وقتهم لبادروا إليها كما بادروا إليها بعدما وُجدت، هكذا العلمُ في إفريقيا. أما العلمُ في آسيا -المقارنة بين العلماء في آسيا وإفريقيا-: الحقيقة آسيا
следующие страницы →