← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

شِعْرًا: ... حَيَاتُكَ رَأْسُ الْمَالِ وَالدِّينُ رِبْحُهُ ... وَأَخْلاقُ أَشْرَافٍ بِهِنَّ تَصَدَّرُ وَمَوْسِمُكَ الأَيَّام فَلْتَكُ حَازِمًا ... وَإِلا فَذُو التَّفْرِيطِ لا شَكَّ يَخْسَرُ وَمَنْ ضَيَّعَ التَّوْحِيدَ ضَاعَتْ حَيَاتُهُ ... وَعَاشَ بِجَهْل غَارِقٍ لَيْسَ يُعْذَرُ اللهم أرحم عربتنا في القبور وآمنا يوم البعث والنشور واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) أعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين لطاعته...... أن الناس متفاوتون في طول الأمل تفاوتًا كثيرًا فمنهم من يأمل البقاء إلى زمان الهرم ومنهم من لا ينقطع أمله بحالٍ ومنهم من هو قصير الأمل وكلما قص الأمل جاد العمل لأنه يقدر قرب الموت فيستعد استعداد ميت فروي عن علي ﵁ أنه قال إنما يهلك اثنتان الهوى وطول الأمل فأما الهوى فيصد عن الحق. وإما طول الأمل فينسي الآخرة وروي عنه أيضًا أنه قال من ارتقب الموت سارع إلى الخيرت وصدق ﵀ فلو أن غائبين عنك تعتقد أن أحدهما لمجيئه احتمال قوي في ليلتك أو في يومك والآخر يتأخر بعده بشهر أو شهرين للذي تخشى أن يفاجئك قدومه سريعًا ولاسيما إن كان قد أوصاك بوصية نفذتها قبل أن يصل فيلحقك ملامة أو عقوبة وتهيئ له مع ذلك ما تقدر عليه من تحف وما ترى أنه يناسب ويهواه. شِعْرًا: ... تَأَهَّبْ لِلَّذِي وَلا بُدَّ مِنْهُ ... فَإِنَّ الْمَوْتَ مِيعَادُ الْعِبَادِ يَسُرُّكَ أَنْ تَكُون رَفِيقَ قَوْمٍ ... لَهُمْ زَادُ وَأَنْتَ بِغَيْرِ زَادِ (فَصْلٌ) : اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين أن تقصير الأمل دليل على كمال العقل فسبيل العاقل تقصير آماله في الدنيا والتقرب إلى الله جل وعلا بصالح الأعمال.

стр. 1262

قَصِّرْ الآمَالَ فِي الدُّنْيَا تَفُزْ ... فَدَلِيل الْعَقْلِ تَقْصِيرُ الأَمَلْ ومعنى تقصير الأمل استشعار قرب الموت ولهذا قال بعضهم قصر الأمل سبب للزهد لأن من قصر أمله زهد، ويتولد من طول الأمل الكسل عن الطاعة والتسويف بالتوبة والرغبة في الدنيا والنسيان للآخرة والتساهل بتأخير قضاء الديون والقسوة في القلب. شِعْرًا: ... تُخَبِّرُنِي الآمَالَ أَنِّي مُعَمَّرٌ ... وَأَنَّ الَّذِي أَخْشَاهُ عَنِّي مُؤَخَّرُ فَكَيْفَ وَمَرُ الأَرْبَعِينَ قَضِيَّةَ ... عَليَّ بِحُكْمٍ قَاطِعٍ لا يُغَيَّرُ إِذَا الْمَرْءُ جَازَ الأَرْبَعِينَ فَإِنَّهُ ... أَسِيرٌ لأَسْبَابِ الْمَنَايَا وَمَعْبِرُ وقيل من قصر أمله قل همه وتنور قلبه، لأنه إذا استحضر الموت اجتهد في الطاعة ورضي بالقليل وقال ابن الجوزي: الأمل مذمومٌ إلا للعلماء فلولا ما جعل الله فيهم من الأمل لما ألفوا ولا صنفوا. وفي الأمل سر لطيف جعله الله لولاه لما تهنأ أحد بعيش ولا طابت نفسه أن يشرع بعمل من أعمال الدنيا. قال ﷺ : «إنما الأمل رحمة من الله لأمتي ولولا الأمل ما أرضعت أم ولدها ولا غرس غارسٌ شجرًا» . رواه الخطيب. عن أنس ﵁ والمذموم من الأمل الاسترسال فيه وعدم الاستعداد لأمر الآخرة فمن سلم من ذلك لم يكلف بإزالته. وورد في ذم الاسترسال في الأمل حديث أنس رفعه «أربعة من الشقاء جمود العين وقسوة القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا» رواه البزار. وروى علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «أخوف ما أخاف عليكم اثنان طول الأمل وإتباع الهوى فإن طول الأمل ينسي الآخرة وإتباع الهوى يصد عن الحق» .

стр. 1263

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاح هذه الأمة بالزهد واليقين، وهلاك آخرها بالبخل وطول الأمل» ، وقيل أن طول الأمل حجاب على القلب يمنعه من رؤية قرب الموت ومشاهدته ووقر في الأذن يمنع من سماع وجبته ودوي وقعته وبقدر ما يرفع لك من الحجاب ترى وبقدر ما تخفف عن أذنيك من الوقر تستمع. فانظر رحمك الله نظر من رفع الحجاب وفتح له الباب واستمع سماع من أزيل وقره وخوطب سره وبادر قبل أن يبادر بك وينزل عليك وينفذ حكم الله فيك فتطوى صحيفة عملك ويختم على ما في يديك. ويقال لك أجن ما غرست ولأحصد ما زرعت واقرأ كتابك الذي كتبت كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا وبربك ﵎ رقيبا، وعلم أن الأمل يكسل عن العمل ويورث التراخي والتواني، ويعقبه التشاغل والتقاعس، ويخلد إلى الأرض ويميل إلى الهوى. وذا أمر قد شوهد بالعيان فلا يحتاج إلى بيان، ولا يطالب صاحبه ببرهان، كما أن قصر الأمل يبعث على الجد والاجتهاد في العمل، ويحمل على المبادرة، ويحث على المسابقة قال: سأضرب لك في ذلك مثلاً، مثل ملك من الملوك كتب إلى رجل يقول له: افعل كذا وكذا، وانظر كذا وكذا، وأصلح كذا وكذا، وانتظر رسولي فلانًا فإني سأبعثه إليك ليأتيني بك. وإياك ثم إياك أن يأتيك إلا وقد فرغت من أشغالك وتخلصت من أعمالك، ونظرت في زادك، وأخذت ما تحتاج إليه في سفرك. وإلا أحللت بك عقابي وأنزلت عليك سخطي، وأمرته يأتني بك مغلولة يداك مقيدة بجلاك، مشمتًا بك أعداك، مسحوبًا على وجهك إلى دار خزي وهوان وما أعددته لمن عصاني.

стр. 1264

وإن وجدك قد فرغت من أعمالك وقضيت جميع أشغالك أتى بك مكرمًا مرفعًا مرفهًا إلى دار رضواني وكرامتي وما أعددته لمن امتثل أمري وعمل بطاعتي. واحذر أن يخدعك فلان أو فلانة عن امتثال أمري والاشتغال بعملي وكتب إلى رجل آخر بمثل ذلك الكتاب. فأما الرجل الأول فقال هذا كتاب الملك يأمرني فيه بكذا وكذا، وذكر لي رسوله يأتيني ليحملني إليه وأنا لا أمضي إليه حتى يأتيني رسوله، ولعل رسوله لا يأتيني إلا إلى خمسين سنة فأنا على مهلة. وسأنظر فيما أمرني به، ولم يقع الكتاب منه بذلك الموقع، ولم ينزله من نفسه بتلك المنزلة، وقال: والله لقد أتى كتابه إلى خلق كثير بمثل ما أتاني، ولم يأتهم رسوله إلا بعد السنين الكثيرة، والمدد الطويلة، وأنا واحد منهم. ولعل رسوله يتأخر عني كما تأخر عنهم، وجعل الغالب على ظنه أن الرسول لا يأتيه إلا إلى خمسين سنة كما ظن، أو أكثر أو إلى المدة التي جعل لنفسه بزعمه. ثم أقبل على إشغال نفسه مما لا يحتاج إليه ومما كان غنيًا عنه وترك أوامر الملك والشغل الذي كلفه النظر. فيها والاشتغال به. فكلما دخلت عليه سنة قال: أنا مشغول في هذه السنة وسأنظر في السنة المقبلة والمسافة أمامي طويلة والمهل بعيد. وهكذا كلما دخلت عليه سنة قال: أنا مشغول، وسأنظر في الأخرى أو سأنظر في أمري فبينما هو على ذلك من تسويفه، واغتراره، إذ جاءه رسول الملك فكسر بابه وهتك حجابه وحصل معه في قعر بيته. وقال له: أجب الملك. فقال: والله لقد جاءني كتابه يأمرني فيه بأعمال

стр. 1265

أعملها وأشغال أنظر له فيها، وما قضيت منها شغلاً، ولا عملت فيها حتى الآن شيئًا. فقال الرسول له: ويلك وما الذي أبطأك عنها وما الذي حبسك عن الاشتغال بها والنظر فيها. فقال: لم أكن أظن أنك تأتيني في هذا الوقت. فقال له: ويلك ومن أين كان لك هذا الظن ومن أخبرك به ومن أعلمك بأني لا آتيك إلا في الوقت الذي تظن. قال: ظننت وطمعت وسولت لي نفسي وخدعني الشيطان وغرني. فقال له: ألم يحذرك الملك في كتابه منهما وأمرك ألا تسمع لهما، قال: بلى والله لقد فعل ولقد جاءني هذا في كتابه ولكنني خدعت فانخدعت وفتنت فافتتنت وارتبت في وقت مجيئك فتربصت. فقال له: ويلك غرك الغرور وخدعك المخادع أجب الملك لا أم لك، قال: أنشدك إلا تركتني حتى أنظر فيما أمرني به، أو في بعضه أو فيما تيسر منه حتى لا أقدم عليه في جملة المفرطين وعصابة المقصرين. وهذا مال قد كنت جمعته لنفسي، وأعددته لمؤونة زماني، فاتركني حتى آخذ منه زادًا أتزوده ودابة أركبها، فإن الطريق شاقة، والمفازة صعبة، والعقبة كؤود، والمنزل ليس فيه ماء. قال: أتركك حتى أكون عاصيًا مثلك ثم دفعه دفعةً ألقاه على وجهه ثم جمع يديه إلى عنقه وانطلق به يجره من خلفه خزيان ندمان جوعان عطشان، وهو ينشد بلسان الحال: لا كَحُزْنِي إِذَا لَقِيتُ حَزِينَا ... جَلَّ خَطْبِي فَدَيْتُكم أَنْ يَهُونَا ضَاقَ صَدْرِي عَنْ بَعْضِهِ وَاحْتِمَالِي ... فَاسْلُكُوا بِي حَيْثُ أَلْقَى الْمَنُونَا

стр. 1266

مَا تُرِيدُ الْعُدَاةُ مِنِّي وَإِنِّي ... لَبِحَالٍ يَرِقُّ لِي الْمَغْبِضُونَا زَفَرَاتٌ هَتَكْنَ حُجْبَ فُؤَادِي ... وَهُمُومٌ قَطَعْنَ مِنِّي الْوَتِينَا خُنْتُ عَهْدَ الْمَلِيكِ قَوْلاً وَفِعْلا ... وَاتَّخَذْتُ الْخِلافَ شَرْعًا وَدِينَا غَرَسَت فِي الْحَيَاةِ كَفِي شَرًا ... فَاجْتَنَيْتُ الْعِقَابِ مِنْهُ فُنُونَا لَيْتَنِي لَمْ أَكُنْ وَأَيْنَ لِمِثْلِي ... ظَالِمٌ نَفْسَهُ بِأَنْ لا يَكُونَا يَا خَلِيلِي وَلا خَلِيلَ لِي الْيَوْ ... مَ سِوَى حَسْرَةٍ تُدِيمُ الأَنِينَا رَبَحَ الرَّابِحُونَ وَانْقَضَتِ السُّو ... قُ وَخَلَى بِغَبْنِهِ الْمَغْبُونَا فَابْكِينِي إِنْ يَكُنْ بُكَاكَ مُفِيدًا ... أَوْ فَدَعْنِي وَعُصْبَةً يَبْكُونَا اللهم يا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أيقظنا من نوم الغفلة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة ووفقنا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عليه ضمائرنا وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعائب التي تعلمها منا، وامنن علينا يا مولانا في بتوبة تمحو بها عنا كل ذنب، اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار وأسكنا معهم في دار القرار، اللهم وفقنا بحسن الإقبال عليك والإصغاء إليك ووفقنا للتعاون في طاعتك والمبادرة إلى خدمتك وحسن الآداب في معاملتك والتسليم لأمرك والرضا بقضائك والصبر على بلائك والشكر لنعمائك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) وأما الآخر الذي كتب إليه الملك بمثل ما كتب إلى هذا فإنه أخذ كتاب الملك وقبلهن وقرأه وتصفحه وتدبره، وقال: أرى الملك قد كتب إلي بان أعمل له كذا وكذا، وأقضي له كذا وكذا، وأنظر له في كذا وكذا.

стр. 1267

ومن أين سبقت لي هذه السابقة عند الملك، ومن الذي عنى بي عنده، ومن الذي أنزلني منه هذه المنزلة، حتى جعلتني من بعض خدامه، والقائمين بأمره. والله إن هذه لسعادة والله إنها لعناية الحمد لله رب العالمين، ثم نظر في الكتاب وقال: أسمع الملك وقد قال لي في كتابه، وانتظر رسولي فإني سأبعثه إليك ليأتيني بك وأره لم يحد لي الوقت الذي يبعث فيه الرسول إلي ولا سماه لي. ولعلي لا أفرغ من قراءة كتابه إلا ورسوله قد أتاني ونزل علي، والله لا قدمت شغلاً على شغل الملك ولا نظرت في شيء إلا بعد فراغي مما أمرني به الملك، وإعدادي زادًا أتزود به، ومركوبًا أركبه إذا جاءني رسوله وحملني إليه. فتعرض له رجل وقال له: لم هذه المسارعة كلها وفيم هذه المبادرة كلها؟ فقال له: ويحك أما ترى كتاب الملك بما جاءني، أما تسمع ما فيه أما تصدقه، أما تؤمن به، قال لي: سمعت وآمنت وصدقت، ولكن لم يقل لك فيه إن رسوله يأتيك اليوم ولا غدًا ولا وقتًا معلومًا. ولكنه سيأتيك وقد جاء كتابه إلى فلان الذي قد جاءك أنت به، وقد بقي منتظرًا لرسوله أكثر من سبعين سنة، وإلى الآن ما أتاه. وبعد زمان طويل ما جاءه، وفلان أتاه بعد ثمانين سنة، وفلان أتاه بعد مائة سنة، وأنت واحد من المرسل إليهم، فلم هذه العجلة، وفيم هذا الإسراع. فقال: ويحك أما ترى أنت فلانًا قد جاءه كتاب الملك بهذا الذي جاءني وجاءه الرسول في إثر مجيء الكتاب، وفلان قد جاءه بعد سنة.

стр. 1268

فقال: بلى ولكن لا تنظر إلى هؤلاء خاصة وانظر إلى الذين قلت لك ممن تأخر عنه المجيء فقال له: دعني يا هذا فقد شغلتني والله وإني لأخاف أن يأتيني الرسول وأنا أكلمك. ثم أقبل على ما أمره به الملك فامتثله، ونظر فيما حد له، واشتغل بما يجب عليه أن يشتغل به، وأخذ الزاد لسفره، وأخذ الأهبة بطريقه وجعل ينتظر الرسول أن يأتيه وأقبل يلتفت يمينًا وشمالاً ينظر من أين يأتيه ومن أين يقبل عليه. فبينما هو كذلك وإذا برسول الملك قد أتاه فقال: أجب الملك. قال: نعم. قال: الساعة، قال: الساعة، قال: وفرغت مما أمرك به، وعملت ما حد لك أن تعمله، قال: نعم، قال: فانطلق. قال: بسم الله فخلع عليه خلعة الأولياء وكساه كسوة الأصفياء وأعطاه مركبًا يليق به ويجمل بمثله وانطلق به حبور وسرور. فبان لك بهذا المثل وبغيره فضلية قصر الأمل، وفضيلة المبادرة إلى العمل، والاستعداد للموت قبل نزوله، والانتظار قبل حلوله. وقد كثر الحض على هذا وكثرت الأقاويل فيه، ولم يزل المذكرون يذكرون والمنبهون ينهبون لو يجدون سمعًا ووعيًا وقلبًا حافظًا ومحلاً قابلاً فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. انتهى. شِعْرًا: ... مَنْ شَامَ بَرْقَ الشَّيْبَ أَيْقَنَ إِنَّمَا ... وَبْلُ الْمَنِيَّةِ عَقْبَهُ يَتَدَفَّقُ فَأَعِدَّ زَادًا لِلرَّحِيلِ مُبَادِرًا ... أَجَلاً يُفَاجِؤُ ضَحْوَةً أَوْ يَطْرُقُ اللهم إن كنا مقصرين في حفظ حقك، والوفاء بعهدك، فأنت تعلم صدقنا في رجاء رفدك، وخالص ودك، اللهم أنت أعلم بنا منا، فبكمال جودك تجاوز عنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك

стр. 1269

يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شِعْرًا: ... دَوَامُ حَالٍ مِنْ قَضَايَا الْمُحَالْ ... وَاللُّطْفُ مَوْجُودٌ عَلَى كُلِّ حَالْ وَالنَّصْرُ بِالصَّبْرِ مُحَلَّى الظُّبَى ... وَالْجَدُّ بِالْحَدِ مَرِيشَ النِّبَالْ وَعَادَةُ الأَيَّامِ مَعْهُودَةٌ ... حَرْبٌ وَسَلْمٌ وَاللَّيَالِي سِجَالْ وَمَا عَلَى الدَّهْرِ انْتِقَادٌ عَلَى ... حَالٍ فَإِنَّ الْحَالَ ذَاتُ انْتِقَالْ مَنْ لِلَّيَالِي بِائْتِلافٍ وَكَمْ ... مِنْ اعْتِبَارٍ بِاخْتَلافِ اللِّيَالْ أَخْذٌ عَطَاءٌ مِحْنَةٌ مِنْحَةٌ ... تَفُرُّقٌ جَمْعٌ جَلالٌ جَمَالْ حَالُ انْتِظَام وَانْتِثَارٍ مَعًا ... كَأَنَّمَا هَذِي اللَّيَالِي لآلْ وَهَلْ سَنَا الصُّبْحِ وَجُنْحُ الدُّجَى ... لِخَلْقَةِ الأَضْدَادِ إِلا مِثَالْ وَالظُّلْمُ الْحُلْكُ عَلَى نُورِهَا ... تَدُلُّ وَالْعُسْرُ بِيُسْرٍ يُدَالْ وَالسَّيْفُ قَدْ يَصْدَأُ فِي غِمْدِهِ ... ثُمَّ يُجَلِّي صَفْحَتَيْهِ الصِّقَالْ وَالشَّمْسُ بَعْدَ الْغِيمِ تُجْلَى كَمَا ... لِلْغَيْثِ مِنْ بَعْدِ الْقُنُوطِ انْهِمَالْ وَالْفَرَجُ الْمَوْهُوبُ تَجْرِي بِهِ ... لَطَائِفٌ لَمْ تَجْرِ يَوْمًا بِبَالْ فَصَابِرِ الدَّهْرَ بِحَالَيْهِ مِن ... حُلْوٍ وَمُرٍّ وَاعْتِدَا وَاعْتِدَالْ فَمَا لَهُ صَبْرٌ عَلَى حَالَةٍ ... وَإِنَّمَا الصَّبْرُ حُلِيُّ الرِّجَالْ وَلا يَضِيقُ صَدْرُكَ مِنْ أَزْمَةٍ ... ضَاقَتْ فَصُنْعُ اللهِ رَحْبُ الْمَجَالْ وَانْظُرْ بِلُطْفِ الْعَقْلِ كَمْ كُرْبَةٍ ... فَرَّجَهَا لُطْفٌ كَحَلِّ الْعِقَالْ وَكُلُّ إِلَيْهِ كُلَّ حاجٍ فَمَا ... لِذِي حجىً إِلا عَلَيْهِ اتِّكَالْ وَكُل بَدْءٍ فَلَهُ غَايَة ... وَغَايَة الْخَطْبِ الشَّدِيدِ انْحِلالْ وَكُل عَوْدٍ فَلَهُ آيَة ... وَآيَةُ الْعَقْلِ اعْتِبَارُ الْمَآلْ وَفِي مَآلِ الصَّبْرِ عُقْبَى الرِّضَا ... مِنْ فَرَج يُدْنِي وَأَجْر يُنَالْ عَجِبْتُ لِلْعَبْدِ الضَّعِيف الْقُوَى ... يَغُرُّ بِالرَّبِّ الشَّدِيدِ الْمَحَالْ

стр. 1270

.. يَهْوِي مَعَ الآمَالِ مُسْتَرْسِلاً ... طُلُوعُ الْهَوَى حَيْثُ أَمَالَته مَالْ تَخْدَعُهُ النَّفْسَ بِتَخْيِيلِهَا ... وَهَلْ خَيَالُ النَّفْسِ إِلا خَبَالْ يَخَالُ أَنْ الأمْرَ جَارٍ عَلَى ... تَدبِيْرُهُ.. هَيْهَاتَ مِمَّا يَخَالْ وَالْخَلْقَ وَالأمْر لِمَنْ لَمْ يَزَل ... فِي مُلْكِهِ الْمَلْك وَمَا إِنْ يَزَالْ وَالْفِعْلُ وَالتَّرْكُ لُيل عَلَى ... مُرَادِهِ وَالْكُلُّ طَوْعُ انْفِعَالْ يُعْطِي فَلا مَنْعٌ وَيَقْضِي فَلا ... دَفْع وَيُمْضِي حُكْمُهُ لا يُبَالْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَعَنْ أَمْرِهِ ... تَقْدِيرُ مَا فِي الْكَوْنِ سُفْلٍ وَعَالْ يُضِلُّ يَهْدِي حُكْمُهُ أَنْفَذَتَ ... فَضْلاً وَعَدْلاً فِي هُدىً أَوْ ضَلالْ وَحُكْمُهُ الْبَارِئ فِي حُكْمِهِ ... مَا لِمَجَال الْعَقْل فِيهَا مَجَالْ وَالرَّبَ لا يُسْأَلُ عَنْ فِعْلِهِ ... قَدْ قُضِيَ الأَمْرُ فَفِيمَ السُّؤَالْ؟! فَيَا أَخَا الْفِكْرِ اشْتِغَالاً بِمَا ... فِي غَيْرِهِ لِلْفِكْرُ حَقَّ اشْتِغَالْ سَلِّمْ فَفِي التَّسْلِيمِ مِنْ كُلِّ مَا ... يَنْفَذُ تَسْلِيم وَتَنْعِيمُ بَالْ وَارْضِ بِمَا فَاتَكَ أَوْ نِلْتَهُ ... فَعَكْسِهِ مَا لَكَ فِيهِ مَجَالْ وَفَوِّض الأَمْرَ إِلَى الْحَقِّ لا ... تَرْكَنْ مِنَ الدُّنْيَا لِحَال مُحَالْ فَذُو الْحِجَى فِيمَا اتَّقَى وَارْتَجَى ... بِالْعَدْلِ حَالَ وَمِنَ الْعَذْلِ خَالْ يَرْضَى بِقِسْمِ الرَّبِّ كُلَّ الرِّضَا ... فِي كُلِّ حَالٍ مَا عَنِ الْعَهْدِ حَالْ يُرَى خَلالَ الشُّكْرِ وَالصَّبْرُ فِي ... مَا سَرَّ أَوْ سَاءَ أَبَرَّ الْخِلالْ فَهُوَ عَلَى الْحَالَيْنِ قَدْ نَالَ مِنْ ... مُنَاهُ فِي الدَّارَيْنِ أَقْصَى مَنَالْ مَا أَقْصَرَ الدُّنْيَا عَلَى مُرِّهَا ... كَالظِّلِّ مَا أَقْصَرَ مَدَّ الظِّلالْ! فَافْطَن لَهَا حَزمًا فَفِي ظِلِّهَا ... مَا قَالَ يَوْمًا حَازِم حَيْثُ قَالْ مَا يَقَظَاتِ الْعَيْشِ إِلا كَرَىً ... وَلا مَرَائيَ الْعَيْنُ إِلا خَيَالْ يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالْمُنَى عِبْرَة ... وَالشِّعْرُ قَوْلٌ قَدْ يُنَافِي الْفِعَالْ

стр. 1271

.. وَالشَّيْبُ هَلْ يُوقِظُنِي صُبْحُهُ ... فَالنَّوْمُ فِي لَيْلٍ مِنَ اللَّهْوِ طَالْ وَكِسْرَتِي مِنْ عُسْرَتِي هَلْ تَقِي ... وَعَثْرَتِي مِنْ عِبْرَتِي هَلْ تُقَالْ هَذَا زَمَانِي فِي تَوَلٍّ وَفِي ... عَزْمِي تَوَانٍ وَالْهَوَى فِي تَوَالْ حَالُ مَنْ احْتَلَّ بِدَارِ الْبَلا ... وَلَمْ يحدِّثْ نَفْسَهُ بِارْتِحَالْ يَا رَبِّ مَا الْمُخْلِصُ مِنْ زَلَّتِي ... لا عَمَلٌ لا حُجَّةٌ لا احْتِيَالْ يَا رَبِّ مَا يَلْقَاكَ مِثْلِي بِهِ ... عَنْ طَاعَةِ لَمْ أَلْقَهَا بِامْتِثَالْ يَا رَبِّ لا أَحْمِلُ حَرَّ الصَّبَا ... فَكَيْفَ بِالنَّارِ لِضَعْفِي احْتِمَالْ أَمْ كَيْفَ عُذْرِي وَقَدْ أَعْذَرْتَ لِي ... بِأَخْذِ حُذْرِي مِنْ دَوَاعِي النِّكَالْ رَحْمَتَكَ اللَّهُمَّ فَهِيَ الَّتِي ... لَهَا عَلَى الْعَاصِينَ مِثْلِي انْثِيَالْ وَلا تُعَامِلْنَا بِأَعْمَالِنَا ... لَكِنْ رَجَا آمَالِنَا صِلْ وَوَالْ اللهم نور قلوبنا واشرح صدورنا واستر عيوبنا وأَمِّنْ خوفنا واختم بالصالحات أعمالنا واجعلنا من عبادك الصالحين وحزبك المفلحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) : ثم اعلم أن قصر الأمل ديدن العلماء العاملون المتقون الورعون المبعدون عن التكالب على الدنيا الزاهدون في حطامها الفاني وكذلك أرباب القلوب الواعية وإن لم يكونوا علماء يقصرون أملهم ويحتقرون الدنيا ويعلمون أنها زائلة عكس ما عليه أكثر أهل هذا الزمان عبيد الدنيا للبطون والفروج. شِعْرًا: ... لا تَحْسِدَنَّ غَنِيًّا فِي تَنَعُّمِهِ ... قَدْ يَكْثُرُ الْمَالُ مَقْرُونًا بِهِ الْكَدَرُ تَصْفُو الْعُيُونُ إِذَا قَلَّتْ مَوَارِدُهَا ... وَالْْمَاءُ عِنْدَ ازْدِيَادِ النِّيلِ يَعْتَكِرُ آخر: ... تَحَرَّزْ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّ فِنَاءَهَا ... مَحَلُّ فَنَاءٍ لا مَحَلُّ بَقَاءِ فَصَفْوفتهَا مَمْزُوجَةٌ بِكَدْوَرَةٍ ... وَرَاحَتُهَا مَقْرُونَةٌ بِعَنَاءِ آخر: ... دَعِ الْفُؤَادَ عَنِ الدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا ... فَصَفْوُهَا كَدَر وَالْوَصْلُ هُجْرَانُ

стр. 1272

آخر: ... عَيْشَةُ الرَّاغِبِ فِي تَحْصِيلِهَا ... عَيْشَةُ الْقَانِعِ فِيهَا أَوْ أَقَلْ كَمْ جَهُولٍ بَاتَ فِيهَا مُكْثِرًا ... وَعَلِيمٌ بَاتَ مِنْهَا فِي عِلَلْ آخر: ... يُحَبُّ الْفَتَى طُولَ الْبَقَاءِ كَأَنَّهُ ... عَلَى ثِقَةٍ إِنَّ الْبَقَاءَ بَقَاءُ إِذَا مَا طَوَى يَوْمًا طَوِيَ الْيَوْمُ بَعْضَهُ ... وَيَطْوِيهِ إِنْ جَنَّ الْمَسَاءُ مَسَاُء زِيَادَتُهُ فِي الْجِسْمِ نَقْصُ حَيَاتِهِ ... وَأَنِّي عَلَى نَقْصِ الْحَيَاةِ نَمَاءُ قال ﷺ : «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» . رواه مسلم. وعن ابن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ". وكان ابن عمر ﵄ يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك رواه البخاري. ولبعضهم على هذا الحديث: أَيَا صَاحِ كُنْ فِي شَأْنِ دُنْيَاكَ هَذِهِ ... غَرِيبًا كَئِبًا عَابِرًا لِسَبِيلِ وَعُدَّ مِنْ أَهْلِ الْقَبْرِ نَفْسَكَ إِنَّمَا ... بَقَاؤُكَ فِيهَا مِنْ أَقَلِّ قَلِيلِ قالوا في شرح هذا الحديث معناه لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنًا ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا تشتغل فيها إلا بما يشتغل به الغريب فقط الذي يريد الذهاب إلى أهله وأحوال الإنسان ثلاث حال لم يكن فيها شيئًا وهي قبل أن يوجد. وحال أخرى وهي من ساعة موته إلى ما لا نهاية في البقاء السرمدي فإن لنفسك وجود بعد خروج الروح من البدن إما في الجنة وإما في النار وهو الخلود الدائم وبين هاتين الحالتين حالة متوسطة وهي أيام حياته في الدنيا فانظر إلى مقدار ذلك بالنسبة إلى الحالتين يتبين لك أنه أقل من طرفة عين في مقدار عمر الدنيا. ومن رأى الدنيا بهذه الصفة وبهذا التفكير السليم لم يلتفت إليها ولم

стр. 1273

يبالي كيف انقضت أيامه بها في ضرر وضيق أو سعة ورخاء ورفاهية ولهذا لم يضع النبي ﷺ لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة. وقال عيسى ﵇: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها هذا مثل واضح فإن الدنيا معبرا إلى الآخرة والمهد هو الركن الأول على أول القنطرة واللحد هو الركن الثاني على آخر القنطرة. شِعْرًا: ... وَمَا هَذِهِ الأَيَّامُ إِلا مَرَاحِلٌ ... وَمَا النَّاسُ إِلا رَاحِلٌ فَمُقَوِّضُ كَانَ الْفَتَى يَبْنِي أَوَانَ شَبَابِهِ ... وَيَهْدِمُ فِي حَالِ الْمَشِيبِ وَيَنْقُضُ آخر: ... يَا غَافِلَ الْقَلْبِ عَنْ ذِكْرِ الْمَنِيَّاتِ ... عَمَّا قَلِيل سَتُلْقَى بَيْنَ أَمْوَاتِ فَاذْكُرْ مَحَلَّكَ مِنْ قَبْلِ الْحُلُولِ بِهِ ... وَتُبْ إِلَى اللهِ مِنْ لَهْوٍ وَلَذَّاتِ إِنَّ الْحِمَامَ لَهُ وَقْتٌ إِلَى أَجَلٍ ... فَاذْكُرْ مَصَائِبَ أَيَّامٍ وَسَاعَاتِ لا تَطْمَئِنَّ إِلَى الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ... قَدْ آنَ لِلْمَوْتِ يَا ذَا اللُّبِّ أَنْ يَأْتِي وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) ومن الناس من قطع نصف القنطرة ومنهم من قطع ثلثها ومن الناس من قطع الثلثين ومنهم من قطع ثلاثة أرباع المسافة ومنهم من لم يبق له إلا ثمن المسافة ومنهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها وكيف ما كان فلابد من العبور فمن وقف يبني على القنطرة ويزينها وهو يستحث على العبور عليها فهو في غاية الجهل والحمق والسفه. وروي عن الحسن قال بلغني عن رسول الله ﷺ انه قال إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء حتى إذا لم يدروا ما سلكوا

стр. 1274

منها، أو ما بقي أنفذوا الزاد وخسروا الظهر وبقوا بين ظهراني المفازة، لا زاد ولا حمولة فأيقنوا بالهلكة. فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رجل في حلة، يقطر رأسه فقالوا: أن هذا قريب عهد بريفٍ، وما جاء هذا إلا من قريب، فلما انتهى إليهم قال: يا هؤلاء علام أنتم قالوا: على ما ترى قال: أرأيتكم إن هديتكم على ماء رواء ورياض خضر، ما تعملوا قالوا: لا نعصيك شيئًا. قال: عهودكم ومواثيقكم بالله، فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله لا يعصونه شيئًا، قال: فأوردهم ماًء ورياضًا خضراء فمكث فيهم ما شاء الله، ثم قال: يا هؤلاء الرحيل قالوا إلى أين قال: إلى ماء ليس كمائكم، وإلى رياض ليست كرياضكم فقال: أكثر القوم والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لن نجده وما نصنع بعيش خير من هذا. وقالت طائفة: ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله لا تعصوه وقد صدقكم في أول حديثه فوالله ليصدقنكم في آخره. قال: فراح فيمن اتبعه وتخلف بقيتهم فنزل بهم عدو فأصبحوا من بين أسير وقتيل. وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين ألا ووصيته مكتوبة عنه» . متفق عليه. وعن أنس ﵁ قال: خط النبي ﷺ خطًا مربعًا وخط خطًا في الوسط خارجًا منه وخط خططًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه فقال: «هذا الإنسان وهذا أجله محيط به - أو قد أحاط به. وهذا الذي هو خارج أمله وهذه الخطط الصغار الأعراض فأن أخطأه هذا نهشه هذا وان أخطأه هذا نهشه هذا» . رواه البخاري. شِعْرًا: ... الْقَلْبُ نَهَشَهُ مُحْتَرَقٌ وَالدَّمْعُ مُسْتَبِقٌ ... وَالْكَرْبُ مُجْتَمِعٌ وَالصَّبْرُ مُفْتَرِقُ كَيْفَ الْفِرَارُ عَلَى مَنْ لا فِرَارَ لَهُ ... مِمَّا جَنَاهُ الْهَوَى وَالشَّوْقُ وَالْقَلَقُ

стр. 1275

يَا رَبُّ إِنْ كَانَ لِي بِهِ فَرَحٌ ... فَامْنُنْ عَليَّ بِهِ مَا دَامَ بِي رمْقُ آخر: ... وَالْمَرْءُ يُبْلِيه فِي الدُّنْيَا وَيَخْلِقُهُ ... حِرْصٌ طَوِيلٌ وَعُمْرُ فِيهِ تَقْصِيرُ يَطُوقُ النَّحْرَ بِالآمَالِ كَاذِبَةً ... وَلِهَذْمِ الْمَوْتِ دُونَ الطَّوْقِ مَطُرُورُ جَذْلانَ يَبْسِمُ فِي أَشْرَاكِ مَيْتَتِهِ ... إِنْ أَفْلَتَ النَّابُ أَرْدَتْهُ الأَظَافِيرُ وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء» . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقال ﷺ : «ما لي وللدنيا أنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها» . وفي صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد قال: قال رسول الله ﷺ : «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» . وأشار بالسبابة. وفي الترمذي من حديثه قال: كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله ﷺ على السخلة الميتة فقال رسول الله ﷺ : «أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها» . قالوا: ومن هوانها ألقوها يا رسول الله. قال: «فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها» . وفي الترمذي أيضًا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالمًا ومتعلمًا» . هِيَ الدُّنْيَا إِذَا عُشِقَتْ أَذَلَّتْ وَتُكْرِمُ مَنْ يَكُونُ لَهَا مُهِينَا ( « كَظِلَّكَ إِنْ تَرُمْهُ تَجِدْهُ صَعْبًا وَتَتْرِكُهُ فَيَتْبَعُ مُسْتَكِينًا آخر: ... هِيَ الدُّنْيَا تَقُولُ بِمِلْءِ فِيهَا حِذَارَ حِذَار مِنْ بَطْشِي وَفَتْكِي

стр. 1276

فَلا يَغْرُرْكُمْ حُسْنُ ابْتِسَامِي فَقَوْلِي مُضْحِكٌ وَالْفِعْلُ مُبْكِي آخر: ... دَلَّتْ عَلَى عَيْبِهَا وَصَدَّقَهَا ... لِعْبٌ وَلَهْوٌ وَفَخْرٌ فِي مَطَاوِيهَا آخر: ... فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرَنَا ... إِذَا نَحْنُ فِيهَا سَوْقَةٌ لَيْسَ نُنْصَفُ فَأُفِّ لِدُنْيًا لا يَدُومُ نَعِيمُهَا ... تَقَلَّبُ تَارَاتٍ بِنَا وَتَصَرَّفُ آخر: ... وَمَا الْمَرْءُ فِي دُنْيَاهُ إِلا كَهَاجِعِ ... تَرَاءَتْ لَهُ الأَحْلامُ وَهِيَ خَوَادِعُ يُنَعِّمُهُ طَيْفٌ مِنَ اللَّهْوِ بَاطِلٌ ... وَيُوقِظُهُ يَوْمٌ بِهِ الْمَوْتُ فَاجِعُ وليس العجب من انهماك الكفرة في حب الدنيا والمال فإن الدنيا جنتهم وإنما العجب أن يكون المسلمون يصل حب المال والدنيا في قلوبهم إلى حد أن تذهل عقولهم وأن تكون الدنيا هي شغلهم الشاغل ليلاً ونهارًا وهم يعرفون قدر الدنيا من كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ أليس كتاب الله هو الذي فيه ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ . ويقول: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً﴾ . وتقدمت الأحاديث عن النبي ﷺ المبينة لحقارة الدنيا وليس المعنى أن نترك الدنيا ونبقى جياعًا عارين محتاجين بل معناه أن لا نجعلها مقصدًا كما جعلها الكفار بل نجعل الدنيا وما فيها وسيلة إلى تلك الحياة الأبدية فنكون من الفريق الذي يحب المال لأجل الآخرة. وقد كان على هذا المبدء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وكذلك التابعون لهم اتخذوا الدنيا مطية للآخرة فسادوا بها أهل الدنيا ولما تخلفنا عنهم في هذا المبدء وجعلنا المال هو المقصد سكنا على الدنيا وأحببنا الحياة ولذائذها والداهية العظيمة هي أنا ضربنا بالذل.

стр. 1277

ولذلك قال النبي ﷺ : «إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض» . رواه البخاري ومسلم. وقال ﷺ : «فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتكم» . متفق عليه. كَمْ رَأَيْنَا مِنْ أُنَاسٍ هَلَكُوا ... فَبَكَى أَحْبَابُهُمْ ثُمَّ بُكُوا تَرَكُوا الدُّنْيَا لِمَنْ بَعْدَهُمُوا ... وُدُّهُمْ لَوْ قَدَّمُوا مَا تَرَكُوا آخر: ... إِنِّي وَإِنْ كَانَ جَمْعُ الْمَالِ يُعْجِبُنِي ... فَلَيْسَ يَعْدِلُ عِنْدِي صِحَّةَ الْجَسَدِ فِي الْمَالِ زَيْنٌ وَفِي الأَوْلادِ مَكْرُمَةٌ ... وَالسُّقْمُ يُنْسَيْكَ ذِكْرَ الْمَالِ وَالْوَلَدِ والله أعلم. صلى الله على محمد وعلى آله وسلم. موعظة: عن الزهري: سمعت علي بن الحسين يحاسب نفسه ويناجى ربه يا نفس حتام إلى الدنيا سكونك، وإلى عمارتها ركونك، أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك، ومن وارته الأرض من آلافك، ومن فجعت به من إخوانك. ونقل إلى الثرى من أقرابك، فهم في بطون الأرض بعد ظهورها محاسنهم فيها بوال دواثر. خَلَتْ دُورُهمْ مِنْهُمْ وَأَقْوَتْ عَرَاصُهُمْ ... وَسَاقَهُمْ نَحْوَ الْمَنَايَا الْمَقَادِرُ وَخَلَّو عَنِ الدُّنْيَا وَمَا جَمَعُوا لَهَا ... وَضَمَّتْهُمْ تَحْتَ التُّرَابِ الْحَفَائِرُ كم خربت أيدي المنون من قرون بعد قرون وكم غبرت الأرض وغيبت في ترابها ممن عاشرت من صنوف وشيعتهم إلى المهالك ثم رجعت عنهم إلى أهل الإفلاس. وَأَنْتَ عَلَى الدُّنْيَا مُكِبٌّ مُنَافِسٌ ... لِخُطَّابِهَا فِيهَا حَرِيصٌ مُكَاثِرُ عَلَى خَطَرٍ تَمْشِي وَتُصْبِحُ لاهِيًا ... أَتَدْرِي بِمَاذَا لَوْ عَقَلْتَ تُخَاطِرُ وَإِنَّ امْرَأً يَسْعَى لِدُنْيَاهُ دَائِبًا ... وَيَذْهَلُ عَنْ أُخْرَاهُ لا شَكَّ خَاسِرُ فحتام على الدنيا إقبالك وبشهواتها اشتغالك وفد وخطك الشيب

стр. 1278

وأتاك وأنت عما يراد بك ساه وبلذة يومك وغدك لاه وقد رأيت انقلاب أهل الشهوات وعاينت ما حل بهم من المصيبات. أَبَعْدَ اقْتِرَابِ الأَرْبَعِينَ تَرَبُّصٌ ... وَشِيب قَذَالٍ مُنْذِر لِلأَكَابِر كَأَنَّكَ مَعْنَي بِمَا هُوَ ضَائِرٌ ... لِنَفْسِكَ عَمْدًا أَوْ عَنِ الرُّشْدِ حَائِر انظر إلى الأمم الماضية والملوك الفانية كيف اختطفتهم عقبان الأيام ووفاهم الحمام فانمحت من الدنيا آثارهم ويقنت فيها أخبارهم وأضحوا رممًا في التراب إلى يوم الحشر والمآب والحساب. فَأَمْسَوْا رَمِيمًا فِي التُّرَابِ وَعُطِّلَتْ ... مَجَالِسَهُمْ مِنْهُمْ وَأَخْلَى الْمَقَاصِرُ وَحَلُّوا بِدَارٍ لا تزاور بَيْنَهُمْ ... وَأَنَّى لِسُكَّانِ الْقُبُورِ التَّزَاوُرُ فَمَا أَنْ تَرَى إِلا قُبُورًا ثَوَوْا بِهَا ... مُسَطَّحَةً تَسْفِي عَلَيْهَا الأَعَاصِرُ كم من ذي منعة وسلطان وجنود وأعوان تمكن من دنياه ونال فيها ما تمناه، وبنى فيها القصور والدساكر، وجمع فيها الأموال والذخائر، وملح السراري والحرائر. فَمَا صَرَفَتْ عَنْهُ الْمَنِيَّةَ إِذَا أَتَتْ ... مُبَادَرَة تَهْوَى إِلَيْهَا الذَّخَائِرُ وَلا دَفَعَتْ عَنْهُ الْحُصُونُ الَّتِي بَنَى ... وَحَفَّ بِهَا أَنْهَارُهُ وَالدَّسَاكِرُ وَلا قَارَعَتْ عَنْهُ الْمَنِيَّةَ حِيلَةٌ ... وَلا طَمِعَتْ فِي الذَّبِّ عَنْهُ الْعَسَاكِرُ أتاه من الله ما لا يرد ونزل به من قضائه ما لا يصد فتعالى الله الملك الجبار المتكبر العزيز القهار قاصم الجبارين ومبيد المتكبرين الذي ذل لعزه كل سلطان وأباد بقوته كل ديان. مَلِيكُ عَزِيزُ لا يُرَدُّ قَضَاؤُهُ ... حَكِيمٌ عَلِيمٌ نَافِذُ الأَمْرِ قَاهِرُ عَنَى كُلُّ ذِي عِزٍّ لِعِزَّةِ وَجْهِهِ ... فَكَمْ مِنْ عَزِيزٍ لِلْمُهَيْمِنِ صَاغِرُ

стр. 1279

لَقَدْ خَضَعَتْ وَاسْتَسْلَمَتْ وَتَضَأَلَتْ ... لِعِزَّةِ ذِي الْعَرْشِ الملوكُ الْجَبَابِرُ فالبدار البدار والحذار الحذار من الدنيا ومكائدها، وما نصبت لك من مصائدها، وتحلت لك من زينتها، وأبرزت لك من شهواتها وأخفت عنك من قواتلها وهلكاتها. وَفِي دُون مَا عَايَنْتَ مِنْ فَجَعَاتُهَا ... إِلَى دَفْعِهَا دَاعٍ وَبِالزُّهْدِ آمِرُ فَجُدَّ وَلا تَغْفُلْ وَكُنْ مُتَيَقِّظًا ... فَعَمَّا قَلِيلٍ يَتْركُ الدَّارَ عَامِرُ فَشَمِّرْ وَلا تَفْتُرْ فَعُمْركَ زَائِلٌ ... وَأَنْتَ إِلَى دَارِ الإِقَامَةِ صَائِرُ وَلا تَطْلُبَ الدُّنْيَا فَإِنَّ نَعِيمَهَا ... وَإِنْ نِلْتَ مِنْهُ غِبُّهُ لَكَ ضَائِرُ فهل يحرص على الدنيا لبيب، أو يسر بها أريب، وهو على ثقة من فنائها، وغير طامع في بقائها أم كيف تنام عين من يخشى البيات وكيف تسكن نفس من توقع في جميع أموره الممات. أَلا لا وَلَكِنَّا نَغُرُّ نُفُوسَنَا ... وَتَشْغَلُنَا الَّلَذاتُ عَمَّا نُحَاذِرُ وَكَيْفَ يَلَذُّ الْعَيْشَ مَنْ هُوَ مُوقِنٌ ... بِمَوْقِف عَرْضٍ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ كَأَنَّا نَرَى أَنْ لا نُشُورَ وَأَنَّنَا ... سُدى مَا لَنَا بَعْدَ الْمَمَاتِ مَصَادِرُ وما عسى أن ينال صاحب الدنيا لذتها ويتمتع به من بهجتها مع صنوف عجائبها وقوارع فجائعها وكثرة عذابه في مصائبها وفي طلبها وما يكابد من أسقامها وأوصابها وآلامها. أَمَا قَدْ نَرَى فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ... يَرُوحُ عَلَيْنَا صَرْفُهَا وَيُبَاكِرُ تُعَاوِرُنَا آفَاتُهَا وَهُمُومُهَا ... وَكَمْ قَدْ نَرَى يَبْقَى لَهَا الْمُتَعَاوِرُ فَلا هُوَ مَغْبُوطٌ بِدُنْيَاهُ آمِنٌ ... وَلا هُوَ مَنْ تَطْلا بِهَا النَّفْسَ قَاصِرُ كم غرت الدنيا من مخلد إليها، وصرعت من مكب عليها، فلم

стр. 1280

تنعشه من عثرته، ولم تنقذه من صرعته، ولم تشفه من ألمه، ولم تبره من سقمه، ولم تخلصه من وصمة. بَلَى أَوْرَدَتْهُ بَعْدَ عِزٍّ وَمِنْعَةٍ ... مَوَارِدَ سُوءٍ مَا لَهُنَّ مَصَادِرُ فَلَمَّا رَأَى أَنْ لا نَجَاةَ وَأَنَّهُ ... هُوَ الْمَوْتُ لا يُنْجِيهِ مِنْهُ التَّحَاذُرُ تَنَدَّمَ إِذْ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ نَدَامَةٌ ... عَلَيْهِ وَأَبْكَتْهُ الذُّنُوبُ الْكَبَائِرُ إذا بكى على ما سلف من خطاياه، وتحسر على ما خلف من دنياه، واستغفر حتى لا ينفعه الاستغفار، ولا ينجيه الاعتذار، عند هول المنية ونزول البلية. أَحَاطَتْ بِهِ أَحْزَانُهُ وَهُمُومُهُ ... وَأبْلَسَ لَمَّا أَعْجَزَتْهُ الْمَقَادِرُ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ كُرْبَةِ الْمَوْتِ فَارِجٌ ... وَلَيْسَ لَهُ مِمَّا يُحَاذِرُ نَاصِرُ وَقَدْ جَشَأَتْ خَوْفَ الْمَنِيَّةِ نَفْسُهُ ... تُرَدِّدُهَا مِنْهُ اللُّهَا وَالْحَنَاجِرُ هنالك خلف عواده وأسلمه أهله وأولاده وارتفعت البرية بالعويل وقد أيسوا من العليل فغمضوا بأيديهم عينيه ومد عند خروج روحه رجليه وتخلى عنه الصديق والصاحب الشفيق. فَكَمْ مُوجِعٌ يَبْكِي عَلَيْهِ مُفَجَّعٌ ... وَمُسْتَنْجِدٌ صَبْرًا وَمَا هُوَ صَابِرُ وَمُسْتَرْجِعٌ دَاعٍ لَهُ الله مُخْلِصًا ... يُعَدّدُ مِنْهُ كُلَّ مَا هُوَ ذَاكِرُ وَكَمْ شَامِتٌ مُسْتَبْشِرٌ بِوَفَاتِهِ ... وَعَمَّا قَلِيل لِلَّذِي صَارَ صَائِرُ فشقت جيوبها نساؤه، ولطمت خدودها إماؤه، وأعول لفقده جيرانه، وتوجع لرزيته إخوانه، ثم أقبلوا على جهازه وشمروا لإبرازه كأن لم يكن بينهم العزيز المفدى ولا الحبيب المبدَّى. وَحَلَّ أَحَبُّ الْقَوْمِ كَانَ بِقُرْبِهِ ... يَحُثُّ عَلَى تَجْهِيزِهِ وَيُبَادِرُ وَشَمَّرَ مَنْ قَدْ أَحْضَرُوهُ لِغَسْلِهِ ... وَوَجِّه لِمَا فَاضَ لِلْقَبْرِ حَافِرُ

стр. 1281

وَكُفَّنَ فِي ثَوْبَيْنِ وَاجْتَمَعُوا لَهُ ... مُشَيِّعُهُ إِخْوَانُهُ وَالْعَشَائِرُ فلو رأيت الأصغر من أولاده، وقد غلب الحزن على فؤاده، ويخشى من الجزع عليه وقد خضبت الدموع عينيه وهو يندب أباه ويقول: يا ويلاه واحرباه. لَعَايَنْتَ مِنْ قُبْحِ الْمَنِيَّةِ مَنْظَرًا ... يُهَالُ لِمَرْآهُ وَيَرْتَاعُ نَاظِرُ أَكَابِرُ أَوْلادٍ يَهِيج اكْتِئَابِهم ... إِذَا مَا تَنَاسَاهُ الْبَنُونُ الأَصَاغِرُ وَرَبَّةُ نِسْوَان عَلَيْهِ جَوَازِع ... مَدَامِعُهُمْ فَوْقَ الْخُدُودِ غَوَازِرُ ثم أخرج من سعة قصره، إلى مضيق قبره، فلما استقر في اللحد، وهيء عليه اللبن احتوشته أعماله وأحاطت به خطاياه وأوزاره، وضاق ذرعًا بما رآه، ثم حثوا بأيديهم عليه التراب، وأكثروا عليه البكاء والانتحاب، ثم وقفوا ساعة عليه وأيسوا من النظر إليه، وتركوه رهنًا بما كسب وطلب. فَوَلَّوا عَلَيْهِ مُعولِينَ وَكُلُّهُم ... لِمِثْل الَّذِي لاقَى أَخُوهُ مُحَاذِرُ كَشَاءٍ رَعَاءٍ آمِنِينَ بَدَا لَهَا ... بِمُدْيتِهِ بَادِي الذِّرَاعَيْنِ حَاسِرُ فَرِيعَتْ وَلَمْ تَرْعَى قَلِيلاً وَأَجْفَلَتْ ... فَلَمَّا نَأَى عَنْهَا الَّذِي هُوَ جَازِرُ عادت إلى مرعاها، ونسيت ما في أختها دهاها، أفا بأفعال الأنعام اقتدينا أم على عادتها جرينا، عد إلى ذكر المنقول إلى دار البلى، واعتبره بموضعه تحت الثرى، المدفوع إلى هول ما ترى. ثَوَى مُفْرَدًا فِي لَحْدِهِ وَتَوَزَّعَتْ ... مَوَارِيثَهُ أَوْلادُهُ وَالأَصَاهِرُ وَأَحْنَو عَلَى أَمْوَالِهِ يَقْسِمُونَهَا ... فَلا حَامِدٌ مِنْهُمْ عَلَيْهَا وَشَاكِرُ فَيَا عَامِرَ الدُّنْيَا وَيَا سَاعِيًا لَهَا ... وَيَا آمِنًا مِن أَنْ تَدُورَ الدَّوَائِرُ كيف أمنت هذه الحالة، وأنت صائر إليها لا محالة، أم كيف ضيعت حياتك، وهى مطيتك إلى مماتك، أم كيف تشبع من طعامك، وأنت

стр. 1282

منتظر حمامك، أم كيف تهنأ بالشهوات، وهى مطية الآفات. وَلَمْ تَتَزَوَّدْ لِلرَّحِيلِ وَقَدْ دَنَا ... وَأَنْتَ عَلَى حَالٍ وَشِيكٌ مُسَافِرُ فَيَا لَهْفَ قَلْبِي كَمْ أَسوِّفُ تَوْبَتِي ... وَعُمْرِيَ فَانٍ وَالرَّدَى لِيَ نَاظِرُ وَكُلَّ الَّذِي أَسْلَفْتُ فِي الصُّحُفِ مُثْبَتٌ ... يُجَازى عَلَيْهِ عَادِلُ الْحكمِ قَادِرُ فكم ترتع بآخرتك دنياك، وتركب غيك وهواك، أراك ضعيف اليقين، يا مؤثر الدنيا على الدين، أبهذا أمرك الرحمن أم على هذا نزل القرآن أما تذكر ما أمامك من شدة الحساب وشر المآب، أما تذكر حال من جمع وثمر، ورفع البناء وزخرف وعمر، أما صار جمعهم بورًا ومساكنهم قبورًا. تُخَرِّبُ مَا يَبْقَى وَتَعْمُرُ فَانِيَا ... فَلا ذَاكَ مَوْفُورٌ وَلا ذَاكَ عَامِرُ وَهَلْ لَكَ إِنْ وَافَاكَ حَتْفُكَ بَغْتَةً ... وَلَمْ تَكْتَسِبْ خَيْرًا لَدَى اللهِ عَاذِرُ أَتَرْضَى بِأَنْ تَفْنَى الْحَيَاةُ وَتَنْقَضِي ... وَدِينُكَ مَنْقُوصٌ وَمَالُكَ وَافِرُ أ. هـ. ينبغي لن عمر ستين أن يحاسب نفسه ويتخلى للعبادة قبل هجوم هادم اللذات. وَفَّيْتَ سَتِّينَ وَاسْتَكْمِلْتَ عِدَّتَهَا ... فَمَا بَقَاؤُكَ إِذْ وَفَّيْتَ سِتِّينَا فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ يَا مِسْكِينُ فِي مَهَلٍ ... فَكُلُّ يَوْمٍ تَرَى نَاسَا يَمُوتُونَا آخر: ... سِيرُ الْخَطَايَا عِنْدَ بَابِكَ وَاقِفُ بِهِ وَجَلٌ مِمَّا بِهِ أَنْتَ عَارِفُ يَخَافُ ذُنُوبًا لَمْ يَغِبْ عَنْكَ غَيْبُهَا وَيَرْجُوكَ فِيهَا فَهُوَ رَاجٍ وَخَائِفُ فَمَنْ ذَا الَّذِي يُرْجَى سِوَاكَ وَيُتَّقَى وَمَا لَكَ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ مُخَالِفُ

стр. 1283

فَيَا سَيِّدِي لا تُخْزِنِي فِي صَحِيفَتِي إِذَا نُشِرَتْ يَوْمَ الْحِسَابِ الصَّحَائِفُ وَكُنْ مُؤْنِسِي فِي ظُلْمَةِ الْقَبْرِ عِنْدَمَا يُصَدِّدُ ذُو الْقُرْبَى وَيَجْفُوا الْمُؤَآلِفُ لَئِنْ ضَاقَ عَنِّي عَفْوُكَ الْوَاسِعُ الَّذِي أُرَجِيّ لإِسْرَافِي فَإِنِّي لَتَالِفُ آخر: ... غَفَلتُ وَلَيْسَ الْمَوْتُ فِي غَفْلَةٍ عَنِّي وَمَا أَحَدٌ يَجْنِي عَليَّ كَمَا أَجْنِي أُشَيِّدُ بُنْيَانِي وَأَعْلَمُ أَنَّنِي أَزُولُ لِمَنْ شَيَّدتُهُ وَلِمَنْ أَبْنِي كَفَانِي بِالْمَوْتِ الْمُنَغَّصِ وَاعِظًا بِمَا أَبْصَرَتْ عَيْنِي وَمَا سَمِعَتْ أُذُنِي وَكَمْ لِلْمَنَايَا مِنْ فُنُونٍ كَثِيرَة تُمِيتُ وَقَدْ وَطَّنْتُ نَفْسِي عَلَى فَنِّ وَلَوْ طَرَقَتْ مَا اسْتَأْذَنَتْ مَنْ يُحِبني كَمَا أَفْقَدَتْنِي مَنْ أُحِبُّ بِلا إِذْنِ قَدْ كُنْتُ أَفْدِي نَاظِريهِ مِنَ الْقَذَى فَغَطَّيْتُ مَا قَدْ كُنْتُ أُفْدِيهِ بِالْعَيْنِ سَتَسْجُني يَا رَبِّ فِي الْقَبْرِ بُرْهَةً فَلا تَجْعَلَ النِّيرَانَ مِنْ بَعْدِهِ سِجْنِي وَلِي عِنْدَ رَبِّي سَيِّئَاتٌ كَثِيرَةٌ وَلَكِنَّنِي عِبدٌ بِهِ حَسَنُ الظَّنِّ

стр. 1284

عصمنا الله وإياكم من الزلل، ووفقنا لصالح العمل وهدانا بفضله سبيل الرشاد، وطريق السداد إنه جل شأنه نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) وقال ابن القيم ﵀: لا يتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين: نظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها، واضمحلالها ونقصها وخستها، وألم المزاحمة عليها والحرص عليها وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد. وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب ذلك من الحسرة والأسف، فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها، وهم في حال الظفر بها وغم بعد فواتها، فهذا أحد النظرين. (النظر الثاني) النظر في الآخرة واقبالها ومجيئها، ولا بد ودوامها وبقائها، وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات، والتفاوت الذي بينه وبين ما هاهنا، فهي كما قال الله سبحانه ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه خيالات ناقصة، منقطعة مضمحلة. فإذا تم له هذان النظران آثر ما يقتضي العقل إيثاره وزهد، فيما يقتضي الزهد فيه كل احدٍ مطبوع على أن لا يترك النفع العاجل واللذة الحاضرة، إلى النفع الآجل واللذة الغائبة المنتظرة، إلا إذا تبين له فضل الآجل على العاجل، وقويت رغبته في الأعلى الأفضل، فإذا آثر الفاني الناقص، كان ذلك إما لعدم تبين الفضل له وإما لعدهم رغبته في الأفضل.

стр. 1285

وكل واحد من الأمرين يدل على ضعف الأيمان وضعف العقل والبصيرة، فأن الراغب في الدنيا الحريص عليها المؤثر لها، إما أن يصدق أن ما هناك أشرف وأفضل وأبقى، وأما أن لا يصدق فإن لم يصدق بذلك ولم يؤثره كان فاسد العقل سيء الاختيار لنفسه. وهذا تقسيم حاضر ضروري لا ينفك العبد من أحد القسمين منه فإيثار الدنيا على الآخرة إما من فساد في الإيمان، وإما من فساد في العقل، وما أكثر ما يكون منهما ولهذا نبذها رسول الله ﷺ وراء ظهره هو وأصحابه، وصرفوا عنها قلوبهم واطرحوها ولم يألفوها وهجروها ولم يميلوا إليها، وعدوها سجنًا لا جنة فزهدوا فيها حقيقة الزهد ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب ولو صلوا منها إلى كل مرغوب. فقد عرضت عليه مفاتيح كنوزها فردها، وفاضت على أصحابه فأثروا بها ولم يبيعوا بها حظهم من الآخرة بها، وعلموا أنها معبر وممر لا دار مقام ومستقر وأنها دار عبور لا دار سرور، وأنها سحابة صيف تنقشع عن قليل وخيال طيف ما استتم الزيادة حتى آذن بالرحيل. قال النبي ﷺ «ما لي وللدنيا إنما أنا كراكب مال في ظل شجرة ثم راح وتركها» وقال «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» . وقال خالقها سبحانه ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ . شِعْرًا: ... إِذَا مَا أَصَبْنَا كُلَّ يَوْمٍ مُذَيْقَةً ... وَسَبْعُ تُمَيْرَاتٍ صِغَارٍ هَوَامِزِ فَنَحْنُ مُلُوكُ الأَرْضِ خِصْبًا وَنِعْمَةً ... وَنَحْنُ أُسُودُ الْغَابِ وَقْتَ الْهَزَاهِزِ

стр. 1286

آخر: ... لا خَيْرَ فِي طَمَعٍ يُدْنِي لِمَنْقَصَةٍ ... وَحَفْنَةٌ مِنْ كَفَافِ الْعَيْشِ تَكْفِينِي آخر: ... لَعَمْرِي مَنْ أَوْلَيْتَهُ مِنْكَ نِعْمَةً ... وَمَدَّ لَهَا كَفًّا فَأَنْتَ أَمِيرُهُ وَمَنْ كُنْتُ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ فَإِنَّهُ ... أَمِيرُكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنْتَ أَسِيرُهُ وَمَنْ كُنْتَ عَنْهُ ذَا غِنَى وَهُوَ مَالِكٌ ... أَزِمَّةً أَمْوَالٍ فَأَنْتَ نَظِيرُهُ آخر: ... لَعَمْرِكَ مَا الدُّنْيَا بِدَارِ إِقَامَةٍ ... وَلا الْحَيُّ فِي دَارِ السَّلامَةِ آمِنُ تُحَارِبُنَا أَيَّامُنَا وَلَنَا رِضَىً ... بِذَلِكَ لَوْ أَنَّ الْمَنَايَا تُهَادِنُ أَرَى الْحِيرَةَ الْبَيْضَاءَ عَادَتْ قُصُورُهَا ... خَلاءً وَلَمْ تَثْبُتْ لِكِسْرى الْمَدَائِنُ رَكِبْنَا مِنَ الآمَالِ فِي الدَّهْرِ لُجَّةً ... فَمَا صَبَرَتْ لِلْمَوْجِ تِلْكَ السَّفَائِنُ فأخبر عن خسة الدنيا وزهد فيها وأخبر عن دار السلام ودعا إليها وقال تعالى ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ . وقال تعالى ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ . وقال ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ وقال تعالى ﴿وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ﴾ قد توعد سبحانه أعظم الوعيد لمن رضي بالحياة الدنيا واطمأن

стр. 1287

بها وغفل عن آياته ولم يرج لقاءه فقال ﴿إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وعير سبحانه من رضي بالدنيا من المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ . شِعْرًا: ... وَفَّيْتَ سَتِّينَ وَاسْتَكْمِلْتَ عِدَّتَهَا ... فَمَا بَقَاؤُكَ إِذْ وَفَّيْتَ سِتِّينَا فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ يَا مِسْكِينُ فِي مَهَلٍ ... فَكُلُّ يَوْمٍ تَرَى نَاسَا يَمُوتُونَا وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة ويكفي في الزهد في الدنيا قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ وقوله ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ . وقوله ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ . وقوله ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ وقوله ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقوله ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً﴾ . والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 1288

خُلِقْنَا لأَحْدَاثِ اللَّيَالِي فَرَائِسًا تَزَفُّ إِلَى الأَجْدَاثِ مِنَّا عَرَائِسَا تُجََِّز مِنَّا لِلْقُبُورِ عَسَاكِرًا وَتُرْدِفُ أَعْوَادُ الْمَنَايَا فَوَارِسَا إِذَ أَمَلٌ أَرْخَى لَنَا مِنْ عَنَانِهِ غَدَا أَجَلٌ عَمَّا نُحَاوِلُ حَابِسَا أَرَى الْغُصْنَ لَمَّا اجْتُتِّ وَهُوَ بِمَائِهِ رَطِيبًا وَمَا إِنْ أَصْبَحَ الْغِصْنُ يَا بِسَا نَشِيدُ قُصُورَا لِلْخُلُودِ سَفَاهَةً ... وَنَصِبرُ مَا شِئْنَا فُتُورًا دَوَارِسَا وَقَدْ نَعَتِ الدُّنْيَا إِلَيْنَا نُفُوسَنا ... بِمَنْ مَاتَ مِنَّا لَوْ أَصَابَتْ أَكَايِسَا لَقَدْ ضَرَبتْ كِسْرَى الْمُلُوكِ وَتُبَّعا ... وَقَيْصَرَ أَميَالاً فَلَمْ نَرَ قَائِسَا نَرَى مَا نَرَى مِنْهَا جَهَارا وَقَدْ غَدَا ... هَوَاهَا عَلَى نُورِ الْبَصِيرَةِ طَامِسَا وَقَدْ فَضَح الدُّنْيَا لَنَا الْمَوْتُ وَاعِظًا ... وَهَيْهَاتَ مَا نَزْدَادُ إِلا تَقَاعُسَا آخر: ... كَمْ سَالِمٍ أَسْلَمْتَهُ لِلرَّدَى فَقَضَى ... حَتْفًا وَلَمْ يَقْضِ مِنْ لَذَّاتِهَا وَاطَرَا وَمُتْرَفٍ قَلَبَتْ ظَهْرَ الْمِجَنَّ لَهُ ... فَعَادَ بَعْدَ عُلُّوِّ الْقَدْرِ مُحْتَقَرَا فَأَبْعِدَنْهَا وَلا تَحْفَلْ بِزُخْرُفِهَا ... وَغُضَّ طَرْفَكَ عَنْهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَا فَكُلُّ شَيْءٍ تَرَاهُ الْعَيْنُ مِنْ حَسَنٍ ... كَرُ الأَهِلَّةِ لا يُبْقَى لَهُ أَثَرا وَاصْحَبْ وَصَلّ وَوَاصِلْ كُلِّ أونَةٍ ... عَلَى النَّبِيِّ سَلامًا طَيِّبًا عَطَرَا وَصَحْبِهِ وَمَنْ اسْتَهْدَى بِهَدْيِهِمُوا ... فَهُمْ أَئِمَّةُ مَنْ صَلَّى وَمَنْ ذَكَرَا اللهم يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض نسألك أن توفقنا لما فيه صلاح ديننا ودنيانا وأحسن عاقبتنا وأكرم مثوانا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد. وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1289

موعظة: عباد الله إن الناس في هذه الحياة انقسموا قسمين قسم جعلوا غايتهم الكل والشرب والتمتع بملاذ الدنيا من مساكن وملابس وقضاء وطر وليس وراء هذه الغاية عندهم غاية أخرى فهم يقضون أوقاتهم يصرمون أعمارهم ليتمتعوا ما وسعهم التمتع فما بعد نظرهم الكليل الحسير وقلوبهم الميتة إلا العدم والفناء. وهؤلاء هم جند الشيطان شر خلق الله وأشقاهم قال تعالى ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ وقال ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ فهم صاروا كالأنعام لا يختلفون عنها إلا في الصورة والشكل وإلا في دخولهم النار ولذلك قال الله جل وعلا ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ . تلك هي غاية هذا الصنف أما مركزهم بين الناس فهو مركز الإفساد والإضلال ومآلهم جميعًا دخول النار، قال تعالى ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ وقال ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ . الصنف الثاني الذين عرفوا الحقيقة والغاية التي خلقوا لها عرفوا أن الله خلقهم لعبادته كما قال تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أيقنوا بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾ فغايتهم كما تقدم عبادة الله. ومنها الجهاد في سبيل الله والدعوة إليه وعمارة الأرض بفعل الخير وهداية الحيارى إلى الحق وقيادتهم في دروب الحياة الدنيا ووراءها الغاية العظمى والعليا وهي ابتغاء مرضاة الله وحده ﷻ . قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا

стр. 1290

جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . هذه مهمة المسلم وغايته فيها عبادة الله وحده وجهاده في سبيله يجاهد نفسه حتى يحملها على طاعة الله ويبعدها عن المعصية جهده ويجاهد بقلمه ولسانه وماله ويده في سبيل الله حتى تعلو كلمة الله ويستنير البشر بنور الإسلام. وقد اختار الله المسلمين لهذه المهمة دلالة الناس وقيادتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور فلا مجال عن هذه المهمة الشريفة هذه طريقة الرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام قال الله تعالى: ﴿َقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ . وقال ﷺ : «بلغوا عني ولو آية» . فكل واحد من المسلمين عليه على قدر حاله ولا يعذر وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ . فالذي يقول إنه مسلم عليه أن يبلغ ويدعو ويؤدي هذه الشهادة لهذا الدين شهادة تؤيد حق هذا الدين في البقاء ويؤيد الخير الذي يحمله هذا الدين للبشر.

стр. 1291

وهو لا يؤيد هذه الشهادة تمامًا حتى يجعل من نفسه ومن خلقه ومن سلوكه ومن حياته صورة لهذا الدين صورة يراها الناس فيرون فيها مثلاً رفيعًا يشهد لهذا الدين الإسلامي بالأحقية في الوجود بالخيرية وبالأفضلية على سائر ما في الأرض. فالشهادة في النفس أولاً بمجاهدتها حتى تكون ترجمة له ترجمه حية في شعورها وسلوكها حتى صورة الأيمان في هذه النفس فيقولوا ما أطيب هذا الأيمان وما أحسنه وما أزكاه. وهو يصوغ أصحابه على هذا الشكل من الخلق والكمال فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون والشهادة له بدعوة الناس إليه وبيان فضله ومحاسنه ومزيته بعد تمثل هذا الفضل. وهذه المزية في نفس الداعية فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للأيمان في ذات نفسه إذا هو لم يدع إليها الناس وما يكون قد أدى الدعوة والتبليغ والبيان قال تعالى ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقال: ﴿ُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ الآية. ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض منهجًا للجماعة المؤمنة ومنهجًا للبشرية جميعَا والمحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيلة وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة. فإقرار هذا المنهج في حياة البشر هو كبرى الأمانات بعد الأيمان الذاتي ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة ومن ثم فالجهاد ماض إلى يوم القيامة. أ. هـ.

стр. 1292

شِعْرًا: ... لَقَدْ عَفَتْ مِنْ دِيَارِ الْعِلْمِ آثَارُ فَأَصْبَحَ الْعِلْمُ لا أَهْلٌ وَلا دَارُ يَا زَائِرِينَ دِيَارَ الْعِلْمِ لا تَفِدُوا فَمَا بِذَاكَ الْحِمَى وَالدَّارِ دَيَّارُ تَرَحَّلَ الْقَوْمُ عَنْهَا وَاسْتَمَرَّ بِهِمْ مُشَمِّرٌ مِنْ حُدَاةِ الْبَيْنِ سَيَّارُ قَدْ أَوْرَدَ الْقَوْمَ حَادِيهم حِيَاضَ رَدَى فَمَا لَهُمْ بَعْدَ ذَاكَ الْوِرْدِ إصْدَارُ لَهْفِي عَلَى سُرُجِ الدُّنْيَا الَّتِي طَفِئَتْ وَلا يَزَالُ لَهَا فِي النَّاسِ أَنْوَارُ لَهْفِي عَلَيْهِمْ رِجَالاً طَالَمَا صَبَرُوا وَهَكَذَا طَالِبُ الْعَلْيَاءِ صَبَّارُ لَهْفِي عَلَيْهِمْ رِجَالاً طَالَمَا عَدَلُوا بَيْنَ الأَنَامِ وَمَا حَابَوْا وَلا جَارُوا مَالُوا يَمِينًا عَنْ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا لأَنَّهَا فِي عُيُونِ الْقَوْمِ أَقْذَارُ وَصَاحَبُوهَا بِأَجْسَادٍ قُلُوبُهُمْ طَيْرٌ لَهَا فِي ظِلالِ الْعَرْشِ أَوْكَارُ هُم الَّذِينِ رَعَوا لِلْعِلْمِ حُرْمَتَهُ لِلْعِلْمِ بَيْنَهُمْ شَأْنٌ وَمِقْدَارُ صَانُوهُ طَاقَتَهُمْ عَنْ مَا يُدَنِّسُهُ كَمَا يَصُونُ نَفِيسَ الْمَالِ تُجَّارُ

стр. 1293

وَأَحْسَنُوا فِيهِ تَصْرِيفًا لأَنَّهُم لَهُمْ مِن اللهِ تَوْفِيقٌ وَإِقْدَارُ رَأَوْهُ كَالنَّجْمِ بُعْدًا لَيْسَ يُدْرِكُهُ بَاعٌ قَصِيرٌ وَفَهْم فِيهِ إِقْصَارُ فَدَوَّنُوهَا فُرُوعًا مِنْهُ دَانِيَةً لَكُلٍّ جَانٍ تَدَلَّتْ مِنْهُ أَثْمَارُ يَا صَاحِ فَالْزَمْ طَرِيقَ الْقَوْمِ مُتَّبِعًا فَرِيقَهُمْ لَيْسَ بَعْدَ الْيَوْمِ إِنْظَارُ وَوَاجِبٌ قَصْرُكَ الْمَمْدُودَ مِنْ أَمَلٍ مَسَافَةُ فِي دُنْيَاكَ أَشْبَارُ اللهم ثبت محبتك في قلوبنا وقوها وارزقنا القيام بطاعتك وجبنا ما يسخطك وأصلح نياتنا وذرياتنا وأعذنا من شر نفوسنا وسيئات أعمالنا وأعذنا من عدوك واجعل هوانا تبعًا لما جاء به رسولك ﷺ واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) وقال ابن القيم ﵀ في التحذير من إبليس وجنوده وبيان شيء من حيله ومكره وكيده لبني آدم ووصاياه لجنوده كيف يوقعون بني آدم في المعاصي من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون وتوجيه جنوده إلى المداخل إلى قلوب بني آدم ليدمرهم ويهلكهم ويزجهم معه في السعير، وقال ﵀:

стр. 1294

ولما علم سبحانه أن آدم، وبنيه قد بلوا بهذا العدو، وأنه قد سلط عليهم أمدهم بعساكر، وجند يلقونه بها، وأمد عدوهم أيضًا بجند وعساكر يلقاهم بها وأقام سوق الجهاد في هذه الدار في مدة العمر التي هي بالإضافة إلى الآخرة كنفس واحد من أنفاسها. واشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وأخبر أن ذلك وعد مؤكد في أشرف كتبه وهي التوراة، والإنجيل، والقرآن، وأخبر أنه أوفى بعهده منه سبحانه. ثم أمرهم أن يستبشروا بهذه الصفقة التي من أراد أن يعرف قدرها فلينظر إلى المشتري من هو، وإلى الثمن المبذول في هذه السلعة، وإلى من جرى على يديه هذا العقد، فأي فوز أعظم من هذا، وأي تجارة أربح منه. ثم أكد سبحانه هذا بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . ولم يسلط هذا العدو على عبده المؤمن الذي هو أحب أنواع المخلوقات إليه، إلا لأن الجهاد أحب شيء إليه وأهله أرفع الخلق عنده درجات وأقربهم إليه وسيلة.

стр. 1295

فعقد لواء هذا الحرب لخلاصة مخلوقاته، وهو القلب الذي هو محل معرفته، ومحبته، وعبوديته، والإخلاص له والتوكل عليه، والإنابة إليه، فولاه أمر هذا الحرب. وأيده بجنده من الملائكة لا يفارقونه، قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ يثبتونه ويحفظونه، ويأمرونه بالخير، ويخصونه عليه، ويعدونه بكرامة الله، ويصبرونه، ويقولون: إنما هو صبر ساعة وقد استرحت راحة الأبد. ثم أمده بجند آخر من وحيه، وكلامه، فأرسل إليه رسوله ﷺ ، وأنزل إليه كتابه، فازداد قوة إلى قوته، ومدادًا إلى مدده وعدة إلى عدته. وأيده مع ذلك بالعقل وزيرًا له ومدبرًا، وبالمعرفة مشيرة عليه وناصحة له، وبالإيمان مثبتًا له، ومؤيدًا، وناصرًا، وباليقين كاشفًا له عن حقيقة الأمر كأنه يعاين ما وعد الله تعالى به أولياءه وحزبه على جهاد أعدائه. فالعقل يدبر أمر جيشه، والمعرفة تصنع له أمور الحرب وأسبابها ومواضعها اللاحقة بها، والإيمان يثبته ويقويه ويصبره، واليقين يقدم به ويحمل به الحملات الصادقة. ثم أمد سبحانه القائم بهذه الحرب بالقوى الظاهرة والباطنة، فجعل العين طليعته والأذن صاحب خبره، واللسان ترجمان، واليدين والرجلين أعوانه.

стр. 1296

وأقام ملائكته وحملة عرشه يستغفرون له، ويسألون له أن يقيه السيئات، ويدخله الجنات، وتولى سبحانه الدفع عنه والدفاع عنه بنفسه. وقال: هؤلاء حزبي وحزب الله المفلحون، وقال تعالى: ﴿ُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وهؤلاء جندي وجند الله هم الغالبون. وعلم سبحانه عباده كيف هذا الحرب والجهاد فجمعها لهم في أربع كلمات، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . ولا يتم أمر هذا الجهاد إلا بهذه الأمور الأربعة، فلا يتم له الصبر إلا بمصابرة العدو، وهي مقاومته، ومنازلته، فإذا صابر عدوه احتاج إلى أمر آخر وهو المرابطة وهي لزوم ثغر القلب وحراسته لئلا يدخل معه العدو ولزوم ثغر العين، والأذن واللسان، والبطن، واليد، والرجل. فهذه الثغور منها يدخل العدو، فيجوس خلال الديار، ويفسد ما قدر عليه، فالمرابطة لزوم هذه الثغور، ولا يخلى مكانها فيصادف العدو الثغر خاليًا فيدخل منه. فهؤلاء أصحاب رسول الله صلى اله عليه وسلم، خير الخلق بعد النبيين والمرسلين، وأعظمهم حماية، وحراسة من الشيطان، وقد أخلوا المكان الذي أمروا بلزومه يوم أحد، فدخل منه العدو فكان ما كان. وجماع هذه الثلاثة الذي تقوم به هو تقوى الله تعالى فلا ينفع الصبر ولا المصابرة، ولا المرابطة، إلا بالتقوى ولا تقوم التقوى إلا

стр. 1297

على ساق الصبر، فانظر الآن فيك إلى التقاء الجيشين واصطدام العسكريين، وكيف تدال مرة. ويدال عليك مرة أخرى. أقبل ملك الكفرة بجنوده وعساكره، فوجد القلب في حصنه جالسًا على كرسي مملكته، أمره نافذٌ في أعوانه، وجنده قد حفوا به يقاتلون عنه، ويدافعون عن حوزته، فلم يمكنه الهجوم عليه إلا بمخامرة بعض أمرائه وجنده عليه. فسال عن أخص الجند به، وأقربهم منه منزلة، فقيل له هي النفس، فقال لأعوانه ادخلوا عليها من مرادها وانظروا مواقع محبتها، وما هو محبوبها، فعدوها به، ومنوها إياه، وانقشوا صورة المحبوب فيها في يقظتها ومنامها. فإذا اطمأنت إليه وسكنت عنده فاطرحوا عليها كلاليب الشهوة وخطاطيفها، ثم جروها بها إليكم. فإذا خامرت على القلب وصارت معكم عليه ملكتم ثغور العين، والأذن واللسان، والفم واليد، والرجل، فرابطوا على هذه الثغور وكل المرابطة فمتى دخلتم منها إلى القلب فهو قتيلٌ أو أسيرٌ أو جريحٌ مثخن الجراحات. ولا تخلوا هذه الثغور، ولا تمكنوا سرية تدخل فيه إلى القلب فتخرجكم منها، وان غلبتم فاجتهدوا في أضعاف السرية ووهنا، حتى لا تصل إلى القلب وإن وصلت ضعيفة لا تغني عنه شيئًا. فإذا استوليتم على هذه الثغور، فامنعوا ثغر العين أن يكون نظره

стр. 1298

اعتبارًا بل اجعلوا نظره تفرجًا، واستحسانًا، وتلهيًا، فان استرق نظره عبرة، فأفسدوها عليه بنظرة الغفلة، والاستحسان والشهوة، فإنه أقرب غليه، وأعلق بنفسه، وأخف عليه. ودونكم ثغر العين فإن منه تنالون بغيتكم، فإني ما أفسدت بني آدم بشيء مثل النظر، فإني أبذر به القلب بذر الشهوة، ثم اسقيه بماء الأمنية، ثم لا أزال أعده وأمنيه حتى أقوي عزيمته وأقوده بزمام الشهوة، إلى الانخلاع من العصمة. فلا تهملوا أمر هذا الثغر وأفسدوه بحسب استطاعتكم وهونوا عليه أمره وقولوا له مقدار نظرة تدعوك إلى تسبيح الخالق والتأمل لبديع صنعه وحسن هذه الصورة التي إنما خلقت ليستدل بها الناظر عليه وما خلق الله لك العينين سدى وما خلق هذه الصورة ليحجبها عن النظر. ثم امنعوا ثغر الأذن أن يدخل منه ما يفسد عليكم الأمر فاجتهدوا أن لا تدخلوا منه إلا الباطل فإنه خفيف على النفس تستحليه وتستحسنه وتخيروا له أعذب الألفاظ وأسحرها للألباب وامزجوه بما تهوى النفس مزجًا وألقوا الكلمة فان رأيتم منه إصغاء إليها فزجوه بأخواتها وكلما صادفتم منه استحسان شيء فالهجوا له بذكره. وإياكم أن يدخل هذا الثغر شيء من كلام رسوله ﷺ أو كلام النصحاء فإن غلبتم على ذلك ودخل من ذلك شيء فحولوا بينه وبين فهمه وتدبره والتفكر فيه والعظة به إما بإدخال ضده عليه وأما بتهويل ذلك وتعظيمه وان هذا الأمر قد حيل بين النفوس وبينه فلا سبيل لها أليه وهو حمل يثقل عليها لا تستقل به ونحو ذلك.

стр. 1299

وأما بأرخصه على النفوس وأن الاشتغال ينبغي أن يكون بما هو أعلى عند الناس وأعز عليهم واغرب عندهم والقابلون له أكثر وأما الحق فهو مهجور وقائله معرض نفسه للعداوة. والرائج بين الناس أولى بالإيثار ونحو ذلك فيدخلون الباطل عليه في كل قالب يقلبه ويخف عليه وتخرجون له في قالب يكرهه ويثقل عليه. وإذا شئت أن تعرف ذلك انظر إلى إخوانهم من شياطين الأنس كيف يخرجون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في قالب كثرة الفضول وتتبع عثرات الناس والتعرض من البلا لما لا يطيق وإلقاء الفتن بين الناس ونحو ذلك. والمقصود أن الشيطان لزم ثغر الأذن أن يدخل فيها ما يضر العبد ولا ينفعه ويمنع أن يدخل إليها ما ينفعه وأن دخل بغير اختيار أفسده عليه. ثم يقول: قوموا على ثغر اللسان، فإنه الثغر الأعظم، وهو قبالة الملك، فأجروا عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه وامنعوه أن يجري عليه شيء مما ينفعه، من ذكر الله تعالى، واستغفاره، وتلاوة كتابه ونصيحة عباده، والتكلم بالعلم النافع، ويكون في هذا الثغر أمران عظيمان، لا تبالون بأيهما ظفرتم. أحدهما: التكلم بالباطل، فإن المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم ومن اكبر جندكم وأعوانكم. والثاني: السكوت عن الحلق، فإن الساكت عن الحق أخ لكم أخرس، كما أن الأول أخ ناطق، وربما كان الأخ الثاني أنفع أخويكم لكم،

стр. 1300

أما سمعتم قول الناصح «المتكلم بالباطل شيطان ناطق، والساكت عن الحق شيطان أخرس» . فالرباط على هذا الثغر أن يتكلم بحق أو يمسك عن باطل وزينوا له التكلم بالباطل بكل طريق، وخوفوه من التكلم بالحق بكل طريق. واعلموا يا بني أن ثغر اللسان هو الذي أهلك منه بني آدم وأكبهم منه على مناخرهم في النار فكم لي من قتيل وأسير وجريح أخذته من هذا الثغر. وأوصيكم بوصية فاحفظوها، لينطق أحدكم على لسان أخيه من الإنس بالكلمة، ويكون الآخر على لسان السامع، فينطق باستحسانها وتعظيمها والتعجب منها، ويطلب من أخيه إعادتها، وكونوا أعوانًا على الإنس بكل طريقٍ، وادخلوا عليهم من كل بابٍ، واقعدوا لهم كل مرصد. أما سمعتم قسمي الذي أقسمت به لربهم حيث قلت ﴿١٦: ١٧ - فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ أو ما تروني قد قعدت لابن آدم بطرقة كلها، فلا يفوتني من طريق إلا قعدت له بطريق غيره، حتى أصيب منه حاجتي أو بعضها. وقد حذرهم ذلك رسولهم وقال لهم: «إن الشيطان قد قعد لابن آدم بطرقه كلها، وقعد له بطريق الإسلام. فقال أتسلم وتذر دينك ودين آبائك، فخالفه وأسلم. فقعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك، فخالفه وهاجر، فقعد له بطريق الجهاد، فقال: أتجاهد فتقتل فيقسم المال وتنكح الزوجة.
следующие страницы →