← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

صهيب مرفوعًا: " عجبًا لأمر المؤمن إن أمره خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له ". وقال آخر يعزى بعض إخوانه: المأمول فيكم الصبر والاحتساب والتعزي بعزاء الله فقد قال بعض العلماء إنك لن تجد أهل العلم والإيمان إلا وهم أقل الناس انزعاجًا عند المصائب وأحسنهم طمأنينة واقلهم قلقًا عند النوازل وما ذاك إلا لما أتوا مما حرمه الجاهلون. قال الله تعالى ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ . فهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في العاجلة والآجلة فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتها تسلى عن مصيبة لأن العبد وأهله وماله ملك لله يتصرف فيه حيث جعله عند عبده عارية. والمعير مالك قاهر قادر والعبد محفوف بعدمين عدم قبله وعدم بعده وملك العبد متعة معارة الثاني أن مصير العبد ومرجعه ومرده إلى مولاه الحق الذي له الحكم والأمر ولا بد أن يخلف ما خوله في هذه الدار وراء ظهره ويأتي فردًا بلا أهلٍ ولا مالٍ ولا عشيرةٍ ولكن بالحسنات والسيئات. ومن هذا حاله لا يفرح بموجود ولا يأسف على مفقودٍ وإذا علم المؤمن علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه هانت عليه المصيبة وأطمأن بأذن الله وقد قيل: مَا قَدْ قضي يَا نَفْسُ فَاصْطَبِرِي لَهُ ... وَلَكَ الأَمَان مِنَ الَّذِي لَمْ يُقْدَرِ وَتَعَلَّمِي أَنَّ الْمُقَدَّرَ كَائِنٌ ... يَجْرِي عَلَيْكَ عَذِرْتَ أَمْ لَمْ تُعْذَرِ ومن صفات المؤمن أنه عند الزلازل وقور وفي الرخاء شكور ومما يخفف المصائب برد التأسي فانظروا يمينًا وشمالاً وأمام وَوَراء فإنكم لا تجدون إلا من

стр. 1472

قد وقع به ما هو أعظم من مصيبتكم أو مثلها أو قريب منها ولم يبق إلا التفاوت في عوض الفائت أعوذ بالله من الخسران. ولو أمعن البصير في هذا العالم جميعه لم يرى إلا مبتلي إما لفوت محبوبٍ أو حصول مكروهٍ وإن سرور الدنيا أحلام ليلٍ أو كظلٍ زائلٍ إن أضحكت قليلاً أبكت كثيرًا وإن سرت يومًا أساءت دهرًا جمعها على انصداع ووصلها على انقطاع. إقبالها خديعة وإدبارها فجيعة لا تدوم أحوالها ولا يسلم نزالها حالها انتقال وسكونها زوال غرارة خدوع معطية منوع نزوع ويكفي في هوانها على الله أن لا يعصى إلا فيها ولا ينال ما عنده إلا بتركها. مع أن المصائب من حيث هي رحمة للمؤمن وزيادة في درجاته كما قال بعض السلف لو مصائب الدنيا لوردنا الآخرة مفاليس والرب سبحانه لم يرسل البلاء إلى العبد ليهلكه ولا ليعذبه ولكن امتحانًا لصبره ورضاه عنه واختبارًا لإيمانه وليراه طريحًا ببابه لائذًا بجنابة منكسر القلب بين يديه فهذا من حيث المصائب الدنيوية وأما ما جرى عليكم فأنتم به بالتهنئة أجدر من التعزية. ولعمر الله إن من سلم له دينه فالمحن في حقه منح والبلايا عطايا والمكرهات له محبوبات وأما المصيبة العظمى والخطب الأكبر والكسر الذي لا يجبر والعثار التي لا تقال فهي المصيبة في الدين كما قيل: (وَكُلُّ كَسْرٍ فِإِنَّ اللهَ يَجْبِرَهُ ... وَمَا لِكَسْرِ قَنَاةِ الدِّين جُبْرَانُ) آخر: الدِّينُ رَأْسُ الْمَالِ فَاسْتَمْسِكْ بِهِ ... فَضِيَاعُهُ هُوَ أَعْظَمُ الْخُسْرَانِ آخر: لَعَمْرِيَ مَا الرَّزِيَّة فَقْدُ قَصُرٍ ... فَسِيحٍ مُنْيَةٍ لِلسَّاكِينِنَا وَلَكِنَّ الرَّزِيَّةَ فَقْدُ دِين ... يَكُونُ بِفَقْدِهِ مِنْ كَافِرِينَا

стр. 1473

آخر: لَعَمَرْيَ مَا عُمْرٌ يُعَدُّ بِضَائِعِ ... إِذَا كَانَ بِالتَّهْلِيلِ وَالذِّكْرِ يُعْمَرُ آخر: إِذَا الْمَرْء لَمْ يُدْرِكْ رِضَى خَالِقُ الْوَرَى ... فَمَا حَظُّهُ فِي أَنَّ يَطُولَ بِهِ الْعُمْرُ آخر: لِمَنْ تَطْلُبُ الدُّنْيَا إِذَا لَمْ تَرِدْ بِهَا ... رِضَى الْمَلِكِ الْقُدُوس رَبِّ الْبَرِيّةِ آخر: (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ضَيَّعْتُهُ عِوَضٌ ... وَمَا مِنْ الله عَن ضَيْعَتِهِ عِوَضُ) وقد مضت سنة احكم الحاكمين لمن أراد به خيرا أن يقدم الابتلاء بين يديه ومن أسباب السلو عن المصائب وأقوى الأدوية بإذن الله تعالى لفاقد الحبيب العلم بأن الدنيا فانية وزائلة وأنها مخلوقة للذهاب والأفول وأن ما فيها يتغير ويتحول ويضمحل ويفنى لأنها إلى الآخرة طريق وهي مزرعة للآخرة. روي عن أبي الدرداء ﵁ قال كان لسليمان بن داود ﵉ ابن يجد به وجدًا شديدًا فمات الغلام فحزن عليه حزنًا شديدًا وروي ذلك في قضائه ومجلسه فبعث الله إليه ملكين في هيئة البشر فقال: ما أنتما؟ فقالا خصمان قال: اجلسا بمجلس الخصوم فقال أحدهما: إني زرعت زرعًا فأتى هذا فأفسده. قال سليمان ﵇: ما يقول هذا؟ قال: أصلحك الله إنه زرع في الطريق وإني مررت به فنظرت يمينًا فإذا الزرع ونظرت شمالاً فإذا الزرع ونظرت قارعة الطريق فإذا الزرع فركبت قارعة الطريق فكان في ذلك فساد زرعه. فقال سليمان ﵇: ما حملك على أن تزرع بالطريق أما علمت أن الطريق سبيل الناس ولابد للناس أن يسلكوا سبيلهم فقال له أحد الملكين أو ما علمت يا سليمان أن الموت سبيل الناس ولابد للناس من أن يسلكوا سبيلهم. قال: فكأنما كشف عن سليمان الغطاء وهذا من لطيف التعزية لمن حلت به رزية.

стр. 1474

أَرَى الدَّهْرَ أَغْنَى خُطْبَة عَنْ خُطَّابُهُ ... بِوَعْظٍ شَفَى الْبَابَنَا بِلُبَابِهِ لَهُ قَلْبٌ تَهْدِي الْقُلُوب صَوَادِيًا ... إِلَيْهَا وَتَعْمَى عَن وَشِيكِ انْقِلابِهِ هُوَ اللَّيْثُ إِلا أَنَّهُ وَهُوَ خَادِرٌ ... سَطَا فَأَغَابَ اللَّيْثَ عَنْ أَنْسِ غَابِهِ وَهَيْهَاتَ لَمْ تَسْلَمْ حَلاوَةَ شَهْدِهِ ... لِصَابٍ إِلَيْهِ مِنْ مَرَارَةِ صَابِهِ مُبِيدٌ مَبَادِيهِ تَغُرُّ وَإِنَّمَا ... عَوَاقِبَهُ مَخْتُومَةٌ بِعِقَابِهِ أَلَمْ تَرَ مَنْ سَاسَ الْمَمَالِكِ قَادِرًا ... وَسَارَتْ مُلُوكُ الأَرْضِ تَحْتَ رِكَابِهِ وَدَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَكَادَتْ تُحِلُّهُ ... عَلَى شُهْبِهَا لَوْلا خُمُودُ شِهَابِهِ لَقَدْ أَسْلَمْتُهُ حَصْنَهُ وَحُصُونُهُ ... غَدَاة غَدا عَنْ كَسْبِهِ بِاكْتِسَابِهِ فَلا فِضَّةٌ أَنْجَتْهُ عِنْدَ انْفِضَاضِهِ ... وَلا ذَهَبٌ أَغْنَاهُ عِنْدَ ذَهَابِهِ سَلا شَخْصِه وَرَّاثُهُ بِتُرَاثِهِ ... وَأَفْرَدَهُ أَتْرَابَهُ بِتُرَابِهِ والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وسلم. (فَصْلٌ) قيل لرجل: إنك تموت؟ قال: وإلى أين يذهب بي؟ قالوا: إلى الله. قال: ما أكره أن يذهب بي إلى من لم أرى الخير إلا منه ولو قال أنا افرح وأسر وأستبشر بذهاب إلى الله. وعزى رجل آخر بابنٍ له فقال: كان لك من زينة الحياة الدنيا وهو اليوم من الباقيات الصالحات. ولما احتضر المنصور قال: اللهم إن كنت تعلم أني قد ارتكبت الأمور العظام جرأة مني عليك فإنك تعلم أني قد أطعتك في أحب الأشياء إليك شهادة أن لا إله إلا الله مَنًّا منك لا منًّا عليك. ومات عبد الله بن مطرف فخرج مطرف في ثياب حسنة فأنكر عليه

стр. 1475

فقال: أفأستكين لها وقد وعدني عليها ربي ثلاثًا إحداها أحب إلي من الدنيا وما فيها ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ . قيل إنه دخل ملك الموت على داود عليه وعلى نبينا السلام، قال: من أنت؟ قال: الذي لا يهاب الملوك ولا تمنع منه القصور ولا يقبل الرشى. قال: فإذا أنت ملك الموت ولم استعد بعد قال: يا داود أين جارك فلان أين قريبك فلان، قال: مات. قال: أما كان لك في هؤلاء عبرة لتستعد للموت. عن عائشة ﵂ لما مات عثمان بن مظعون كشف النبي ﷺ الثوب عن وجهه فقبل ما بين عينيه وبكى طويلاً: فلما رفع على السرير قال: «طوباك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها» . ودخل على المأمون في مرضه وهو يجود بنفسه فإذا هو قد فرش له جل الدابة وبسط عليه الرماد وهو يتمرغ عليه ويقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه. وقال عمرو بن العاص لابنه حضره الموت من يأخذ هذا المال بما فيه قال: من جدع الله أنفه فقال: احملوه إلى بيت مال المسلمين. ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن التوبة مبسوطة ما لم يغرغر ابن آدم بنفسه» . ثم استقبل القبلة فقال: اللهم إنك أمرتنا فعصينا ونهيتنا فارتكبنا هذا مقام العائذ بك فأهل العفو أنت. وإن تعاقب فبما قدمت يداي «سبحانك لا إله إلا أنت إني كنت من الظالمين» فمات وهو مغلول مقيد فبلغ الحسن بن علي فقال: استسلم الشيخ حين أيقن بالموت ولعلها تنفعه.

стр. 1476

قالت عائشة ﵂: لا أغبط أحدًا بهوان الموت بعد الذي رأيت من رسول الله ﷺ . وسمع أو الدرداء رجلاً يقول في جنازة: من هذا؟ قال: أنت وإن كرهت فأنا. وسمع الحسن امرأة تبكي خلف جنازة وتقول: يا أبتاه مثل يومك لم أره. فقال لها: بل أبوك مثل يومه لم يره. وقيل: إنه لما احتضر إبراهيم ﵇ قال: هل رأيت خليلاً يقبض روح خليله فأوحى الله إليه: هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله. قال: اقبض روحي الساعة. ونعيت إلى ابن عباس بنت له في طريق مكة، فنزل عن دابته فصلى ركعتين ثم رفع يديه وقال: عورة سترها الله، ومؤنة كفاها الله، وأجر ساقه الله. ثم ركب ومضى. وقال رجل لأويس القرني أوصيني. قال: توسد الموت إذا نمت واجعله نصب عينيك إذا قمت. وقال الثوري: ينبغي لمن كان له عقل إذا عقل إذا أتي عليه عمر النبي ﷺ أن يهيئ كفنه. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عمرو بن عبيد يعزيه أما بعد فإنا أناس من أهل الآخرة أسكنا في الدنيا أموات أباء أموات أبناء أموات فالعجب لميت يكتب إلى ميت يعزيه عن ميتٍ. وقيل للحسن فلان في النزع. قال: وما معنى النزع؟ قالوا: القرب. قال: هو في ذلك منذ خلق. وتوفيت أم قاضي بلخ فقال له حاتم الأصم: إن كانت وفاتها عظة لك فعظم الله أجرك على موت أمك وإن لم تتعظ بها فعظم الله أجرك على موت قلبك.

стр. 1477

وقال له: أيها القاضي منذ كم تحكم بين عباد الله؟ قال منذ ثلاثين سنة قال: هل رد الله عليك حكمًا؟ قال: لا قال فإن الله لم يرد عليك أحكامك في ثلاثين وترد حكمًا واحدًا حكم عليك. وعزى آخر بأخيه فقال له: انظر مصيبتك في نفسك تنسك فقد غيرك واذكر قول الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ وخذ بقول الشاعر: تَعز فَكُلُّ سَالِكٍ لِسَبِيلِهِ ... وَكُلُّ امْرِئٍ مِنْ خَشْيَةِ الْمَوْتِ جَازِعٌ وَنَحْنُ سَوَاءٌ فِي الْمُصَابُ وَإِنْ نَأَتْ ... بِنَا الدَّار فَالأَرْحَامُ مِنَّا جَوَامِعُ وَلا شَكَّ مِنَّا بِالتَّعَزِي وَإِنَّمَا ... نُعَزِّيكَ إِذَا جَاءَتْ بِذَاك الشَّرَائِعُ آخر: ... تَفَكَّرْ فَإِنْ كَانَ الْبُكَا رَد هَالِكًا ... عَلَى أَحَدٍ فَاجْهَدْ بُكَاء عَلَى عَمْرو وَلا تَبْكِ مَيِّتًا بَعْدَ مَيِّتٍ أَجِنَّه ... عَلي وَعَبّاس وَآل أَبِي بَكْرٍ آخر: ... وَيَبْكِي عَلَى الْمَوْتَى وَيَتْرُكُ نَفْسَهُ ... وَيَزْعُمُ أَنْ قَدْ قَلَّ عَنْهُمْ عَزَاؤُهُ وَلَوْ كَانَ ذَا عَقْلاً وَرَأْيٍ وَفِطْنَة ... لَكَان عَلَيْهِ لا عَلَيْهُمْ بُكَاؤُهُ شِعْرًا: ... إِلَهِي عَفْوًا مِنْ ذُنُوبٍ تَثَاقَلَتْ ... عَلَى ظَهْرِ عَبْدٍ لا يُطِيقُ لَهَا حِمْلاً عَصَاكَ فَيَا مَوْلاهُ مِنْ دُونِ رَقَبَةٍ ... وَيَخْشَى إِذَا تُبْلَى السَّرَائِرُ أَنْ يُبْلَى فَإِمَّا إِلى نَارٍ وَإِمَّا لِجَنَّةٍ ... وَكُلُّ امْرِئٍ يُجْزَى بِفِعْلَتِهِ قُبُلا وَيَرْكَنُ لِلراحَات قَبْلَ بُلُوغِهَا ... وَكَمْ ضَاحِكٍ كَانَ الْبُكَاءُ بِهِ أَوْلاً فَمَا نَحْنُ فِي الدُّنْيَا لِنَعْصِرَ وَجْهَنَا ... وَلا لِنَرَى غَيْرَ اعْتِبَارٍ بِهَا شُغْلاً فَيَا رَبّ وَفِّقْ للرَّشَادِ مَطَالِبِي ... وَيَسِّرْ لِمَا تَهْوَاهُ لِي مِنْ هُدَى فِعْلاً والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1478

(فَصْلٌ) وكتب ابن السماك إلى هارون الرشيد يعزيه بولده فقال أما بعد فإن استطعت أن يكون شكرك لله حيث قبضه كشكرك له حيث وهبه لك فافعل فإنه حيث قبضه أحرز لك هبته. ولو بقي لم تسلم من فتنة أرأيت جزعك على ذهابه وتلهفك على فراقه أرضيت الدار لنفسك فترضاها لأبيك أما هو فقد خلص من الكدر وبقيت متعلقًا بالخطر والسلام. وان شاء قال إذا كان صغيرًا عظم الله أجرك وجبر مصيبتك وأذهب عنك الحزن وجعله لك فرطًا وذخرًا ووسيلة لاكتساب الأجر في الأخرى وأنت خبير بأن الموت مصير كل العباد قال الله جل وعلا وتقدس لرسول الله ﷺ ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ . ومثلك ولله الحمد لا يحتاج إلى التسلية والنصيحة لأنه ليس بخاف عليك أن الصبر قد حث الله عليه ووعد بكثرة الأجر وأنه أولى ما تمسك به مؤمن واعتصم به محتسب فالتسليم لأمر الله بما قدره وقضاه في سابق علمه يستوجب الثواب الجزيل وحسبنا الله ونعم الوكيل. شِعْرًا: كُلُّ الْمَصَائِبِ قَدْ تَمُرّ عَلَى الْفَتَى ... وَتَهُونُ غَيْر مُصِيبَةِ فِي الدِّينِ آخر: رَأَيْتُ بَنِي الدُّنْيَا كَوَفْدَيْنِ كُلَّمَا ... تَرَحَّلُ وَفْد حَطَّ فِي إِثْرِهِ وَفْدٌ وَكُلٌّ يَحُثُّ السَّيْرَ عَنْهَا وَنَحْوَهَا ... فَيَمْضِي بِذَا نَعْش وَيَأْتِي بِذَا مَهْدُ آخر: وَتَأْكُلُنَا أَيَّامُنَا فَكَأَنَّمَا ... تَمُرُّ بِنَا السَّاعَاتُ وَهِيَ أُسُودُ آخر: وَمَا هَذِهِ الأَيَّامُ إِلا مَرَاحِلُ ... يَحُثُّ بِهَا حَاد مِنَ الْمَوْتُ قَاصِدٌ

стр. 1479

وَأَعْجَبُ شَيْءٍ لَوْ تَأَمَّلْتَ أَنَّهَا ... مَنَازِلُ تُطْوَى وَابْن آدَم قَاعِدُ أو تقول: بلغني وفاة الأخ العزيز تغمده الله في رحمته التي وسعت كل شيء ووفقنا وإياكم للصبر والاحتساب. وعلى كل حال فالأخ أولى من يتلقى أمر الله بالقبول والتسليم ويلقى الخطوب الصادعة بقلب سليم وهو أدرى بأن هذه الدار ليست بدار قرار وأن المفقود نزل في جوار الكريم وشتان بين ذاك الجوار وهذا الجوار. وليس إلا الصبر واحتساب الأجر من المولى الأجل هذا وكل منا يعلم أن الموت منهل لا بد من وروده ومحضر لا بد من شهوده ورسول لا بد منه وأمر لا محيص ولا مفر عنه وما مات أحد قبل أجله الذي قدر له ولا تقدم عنه ولا تأخر قال تعالى ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وقال ﷺ : «إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» . وعن معاوية بن أياس عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ أنه فقد رجلاً من أصحابه فسأل عنه فقالوا يا رسول الله ابنه الذي رأيته هلك. فلقيه النبي ﷺ فسأله عن ابنه فأخبره أنه هلك فعزاه عليه ثم قال: «يا فلان أيما أحب إليك أن تتمتع به عمرك أو لا تأتي غدًا بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك» . فقال: يا نبي الله يسبقني إلى الجنة يفتحها لي هو أحب إلي. قال: «فذلك لك» . فقيل: يا نبي الله هذا له خاصة أم للمسلمين عامة قال: بل للمسلمين عامة. وبلغ الشافعي أن عبد الرحمن بن مهدي مات له ابن فجزع عليه جزعًا شديدًا فبعث إليه الشافعي يقول يا أخي عز نفسك بما تعز به غيرها واستقبح من فعلك ما تستقبحه من فعل غيرك. واعلم أن أمضى المصائب فقد سرور وحرمان أجر فكيف إذا اجتمعا

стр. 1480

مع اكتساب وزر فتناول حظك يا أخي إذا قرب منك أن تطلبه وقد نأى عنك ألهمك الله عند المصائب صبرًا وأحرز لنا ولك بالصبر أجرًا وكتب إليه يقول: إِنِّي مُعَزِّيَكَ لا أَنِّي عَلَى ثِقَةٍ ... مِنَ الْحَيَاةِ وَلَكن سُنَّةُ الدِّينِ لَيْسَ الْمُعَزِي بِبَاقٍ بَعْدَ مَيْتِهِ ... وَلا الْمُعَزِي وَإِنْ عَاشَا إِلَى حِينٍ وَعَزَّى رَجُلٌ عُمر بن عبد العزيز فقال: تَعَزَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ ... لَمَّا قَدْ تَرَى يُفْدى الصَّغِير وَيُولَدُ هَلْ ابْنَكَ مِنْ سُلالَةِ آدَم ... لَكُلّ عَلَى حَوْضِ الْمَنِيَّةِ مُورِدُ فقال: ما عزاني أحد بمثل تعزيتك. وكتب رجل إلى بعض إخوانه يعزيه بابنه: أما بعد فإن الولد على والده ما عاش حزن وفتنة فإذا قدمه فصلاة ورحمة فلا تحزن على ما فاتك من حزنه وفتنته ولا تضيع ما عوضك الله تعالى من صلاته ورحمته. وقال محمد بن المهدي لإبراهيم بن سلمة وعزاه بابنه: أسرك وهو بلية وفتنة وأحزنك وهو صلاة ورحمة واعلم يا أخ إن كل المصائب التي تمر على الإنسان تهون إلا مصيبة الدين لا ينجبر كسرها كما قيل: وَكُلُّ كَسْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَجْبُرُهُ ... وَمَا لِكَسْرِ قَنَاةِ الدِّينِ جُبْرَانٍ وفقنا الله وإياك لما يحبه ويرضاه وألهمنا وإياك الرضا بقضائه وقدره ويحرم الندب وهو تعداد محاسن الميت بلفظ النداء مع زيادة ألف وها في آخره واسيداه واجبلاه وانقطاع ظهراه والنياحة هي رفع الصوت بذلك برنة وهي محرمة أيضًا قالت أم عطية: أخذ علينا النبي ﷺ في البيعة أن لا ننوح. متفق عليه.

стр. 1481

شِعْرًا: إِذَا مَاتَ ابْنَهَا صَرَخَتْ عَلَيْهَ ... وَمَاذَا تَسْتَفِيدُ مِنَ الصُّرَاخِ سَتَتْبَعُهُ كَعَطْفِ الْفَاءِ لَيْسَتْ ... بِمُهْل أَوْ كَثْم عَلَى التَّرَاخِي وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ لعن النائحة والمستمعة ويحرم شق الثوب ونحوه ويحرم لطم الخد والصراخ ونتف الشعر ونشره لما ورد عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» . وعن أبي بردة قال: وجع أبو موسى وجعًا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله فلم يستطيع أن يرد عليها شيئًا فلما أفاق قال: أنا بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. وعن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول إنه: «من ينح عليه يعذب بما نيح عليه» . وفي صحيح البخاري عن النعمان بن بشير قال: أغمى على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكي واجبلاه واكذا واكذا تعدد عليه. فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل أنت كذلك فلما مات لم تبك عليه. وعن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: «الميت يعذب ببكاء الحي إذا قالت النائحة: وا عضداه وا ناصراه وا اكسياه جبذ الميت وقيل له: أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسيها» . رواه أحمد. وسن أن يصلح لأهل الميت طعامًا يبعث به إليهم ويكره لهم فعله للناس لما ورد عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي أبي حين قتل قال النبي ﷺ : «اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم ما يشغلهم» . رواه الخمسة إلا النسائي قال الزبير: فعمدت سلمى مولاة النبي ﷺ إلى شعير وأدمته بزيت جعل عليه وبعثت به إليهم. ويروى عن عبد الله بن أبي بكر أنه قال: فما زالت السنة فينا حتى تركها

стр. 1482

من تركها وسواء كان الميت حاضرًا أو غائبًا وأتاهم نعيه وينوى فعل ذلك لأهل الميت لا لمن يجتمع عندهم فيكره لأنه إعانة على مكروه وهو اجتماع الناس عند أهل الميت نقل المروزي عن أحمد هو من أفعال الجاهلية. يَسُرُّ الْفَتَى بِالْعَيْشِ وَهُوَ مُبِيدُهُ ... وَيَغْتَرُّ بِالدُّنْيَا وَمَا هِيَ دَارَهُ وَفِي عِبَرِ الأَيَّامِ لِلْمَرْءِ وَاعِظٌ ... إِذَا صَحَّ فِيهَا فِكْرهُ وَاعْتِبَارُهُ فَلا تَحْسَبَنَّ يَا غَافِلَ الدَّهْرِ صَامِتًا ... فَأَفْصِحُ شَيْءٍ لَيْلَهُ وَنَهَارُهُ اصْخِ لِمُنَاجَاةِ الزَّماَنِ فَإِنَّهُ ... سَيُغْنِيكَ عَنْ جَهْرِ الْمَقَالِ سِرَارُهُ أَدَارَ عَلَى الْمَاضِينَ كَأْسًا فَكُلُّهُمُ ... أبيحتْ مَغَانِيهُ وَأَقْوَتُ دِيَارِهِ وَلْمْ يَحْمِهِمْ مِنْ أَنْ يَسْقُوا بِكَأسِهِمْ ... تَنَاوُشْ أَطْرَافِ الْقَنَا وَاشْتِجَارِهِ اللهم نور قلوبنا بنور الإيمان ووفقنا لمحبتك ومحبة من يحبك وألهمنا ذكرك وشكرك واجعلنا من عبادك الصالحين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) ويجوز البكاء على الميت لما ورد عن أنس ﵁ قال: شهدت بنتًا للنبي ﷺ تدفن ورسول الله ﷺ جالس عند القبر فرأيت عينيه تدمعان. رواه البخاري. وعن ابن عمر قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود. فلما دخل عليه وجده في غشية فقال: «قد قضي» . فقالوا: لا يا رسول الله ﷺ فبكى رسول الله ﷺ ، فلما رأى القوم بكاءه بكوا فقال: «ألا تستمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا أو يرحم» . وأشار إلى لسانه. متفق عليه.

стр. 1483

وأخبار النهي محمولة على بكاء معه ندب أو نياحة. وعن أسامة بن زيد قال: كنا عند النبي ﷺ فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيًا لها في الموت. فقال رسول الله ﷺ : «ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر وتحتسب» . فعاد الرسول فقال: إنها أقسمت لتأتينها. قال: فقام النبي ﷺ وقام سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل قال: فانطلقت معهم فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها في شنة ففاضت عيناه فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» . متفق عليه. شِعْرًا: إِنْ كُنْتَ تَرْجُو مِنَ الرَّحْمَنِ رَحْمَتُهُ ... فَارْحَمْ ضِعَافَ الْوَرَى يَا صَاحِ مُحْتَرِمًا وَأَقْصِدْ بْذَلِكَ وَجْه اللهِ خَالِقُنَا ... سُبْحَانَهُ مِنْ إِلَهٍ قَدْ بَرَى النَّسَمَا وَاطْلُبْ بِذَلِكَ مِنْ مَوْلاكَ رَحْمته ... فَإِنَّمَا يَرْحَمُ الرَّحْمَنُ مِنْ رَحِمَا آخر: اصْبِرْ لِمُرّ حَوَادِثٍ تَجْرِي ... فَلْتَحْمِدَنَّ مَغَبَّةَ الصَّبْرِ واجْهَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ مَيْتَتِهَا ... وَاذْخَرْ لِيَوْمِ تَفَاضُلَ الذُّخْرِ فَكَأَنَّ أَهْلَكَ قَدْ دَعَوْكَ فَلَمْ ... تَسْمَعْ وَأَنْتَ مُحَشْرِجَ الصَّدْرَ وَكَأَنَّهُمُ قَدْ قَلَّبُوكَ عَلَى ... ظَهْرِ السَّرِيرِ وَأَنْتَ لا تَدْرِي وَكَأَنَّهُمْ قَدْ زَوَدُوَكَ بِمَا ... يَتَزَوَّدُ الْهَلْكَى مِنَ الْعِطْرِ يَا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ أَنْتَ إِذَا ... غُسِلْتَ بِالْكَافُورِ وَالسِّدْرِ أَوْ لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ أَنْتَ عَلَى ... نَبْشِ الضَّرِيحِ وَظُلْمَةِ الْقَبْرِ يَا لَيْتَ شِعْرِي مَا أَقُولُ إِذَا ... وَضِعَ الْكِتَاب صَبِيحَةِ الْحَشْرِ مَا حُجَّتِي فِيمَا أَتَيْتُ عَلَى ... عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ وَمَا عُذْرِي

стр. 1484

ج يَا سَوْأَتَا مِمَّا اكْتَسَبْتُ وَيَا ... أَسَفِي عَلَى مَا فَاتَ مِنْ عُمْرِي أَلا أَكُونُ عَقِلْتُ شَأْنِي فَاسْتَقْبَلْتُ ... مَا اسْتَدْبَرْتُ مِنْ أَمْرِي اللهم ثبت قلوبنا على دينك وألهمنا ذكرك وشكرك واختم لنا بخاتمة السعادة واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) ولما ثقل رسول الله ﷺ جعل يتغشاه الكرب فقالت: فاطمة ﵂: واكرب أبتاه. فقال: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» . فلما مات ﷺ قالت: يا أبتاه أجاب رب دعاه يا أبتاه جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل ننعاه. فلما دفن رسول الله ﷺ قالت: فاطمة ﵂: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب. ولما بلغت أبا بكر وفاة رسول الله ﷺ وكان نائمًا عند ابنه خارجة بالسنخ جاء حتى دخل على رسول الله ﷺ فكشف عن وجهه ووضع فمه بين عينيه ووضع يديه على صدغيه وقال: وانبياه واخليلاه واصفياه وخنقه البكاء ثم خرج للناس وعمر يكلمهم فقال: اجلس يا عمر. قال أبو بكر أما بعد: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ . قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلاها منه الناس كلهم فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها. ويقول حافظ إبراهيم في عمر حول هذه

стр. 1485

الآية وبيعة أبي بكر وإسراع عمر ﵁ في مبايعة أبي بكر يوم السقيفة وَلَمِّهِ شَعَثَ المسلمين عند الاختلاف. وَمَوْقِفٍ لَكَ بَعْد الْمُصْطَفَى افْتَرَقَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ لَمَّا غَابَ هَادِيهَا بَايَعْتُ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ فَبَايَعُهُ عَلَى الْخِلافَةِ قَاصِيهَا وَدَانِيهَا (وَأَطْفَئْتُ فِتْنَة لَوْلا إِلَهُ غَشّتْ) بَيْن الْقَبَائِل وَانْسَابَتْ أَفَاعِيهَا بَاتَ النَّبِيُ مُسَجَّى فِي حَظِيَرِتِهِ وَأَنْتَ مُسْتَعر الأَحْشَاءِ دَامِيهَا تَهِيمُ بَيْنَ عَجِيجِ النَّاسِ فِي دَهَشٍ مِنْ نَبَأة قَدْ سَرَى فِي الأَرْضِ سَارِيَهَا تَصِيحُ مِنْ قَال نَفْس الْمُصْطَفَى قُبِضَتْ عَلَوْتَ هَامَتَهُ بِالسَّيْفِ أَبْرِيهَا أََنْسَاكَ حُبُّكَ طَهَ أَنَّهُ بَشَرٌ يَجْرِي عَلَيْهِ شُؤُونَ الْكَوْنِ مُجْرِيهَا وَأَنَّهُ وَارِدٌ لا بُدَّ مَوْرِدَهُ مِنَ الْمَنِيَّةِ لا يَعْفِيهِ سَاقِيهَا نَسِيتَ فِي حَقِّ طَهَ آيَةً نَزَلَتْ وَقَدْ يُذَّكَرُ بِالآيَاتِ نَاسِيهَا

стр. 1486

ذَهَلْتُ يَوْمًا فَكَانَتْ فِتْنَةً عَمَمٌ وَثَابَ رُشْدُكَ فَانْجَابَتْ دَيَاجِيهَا فَلِسَقِيفَةِ يَوْمًا أَنْتَ صَاحِبُهُ فِيهِ الْخِلافَة قَدْ شِيدَتْ أَوَاسِيهَا مَدَّتْ لَهَا الأَوْسُ كَفًا كَي تَنَاوَلَهَا فَمَدَّتِ الْخَزْرَجُ الأَيْدِي تُبَارِيهَا وَظَنَّ كُلُّ فَرِيقٍ أَنَّ صَاحِبَهُمْ أَوْلَى بِهَا وَأَتَى الشَّحْنَاء آتِيهَا حَتَى انْبَرَتْ لَهُمْ فَارْتَدَّ طَامِعُهُمْ عَنَهَا وَآخَى أَبُو بَكْرٍ أَوَاخِيهَا وَقَوْلُهُ لِعَلِيٍّ قَالَهَا عُمَرُ أَكْرِمْ بِسَامِعِهَا أَعْظِمْ بِمُلْقِيهَا حَرَّقْتَ دَارَكَ لا أُبْقِي عَلَيْكَ بِهَا إِنْ لَمْ تُبَايِعْ وَبِنْت الْمُصْطَفَى فِيهَا مَا كَانَ غَيْرُ أَبِي حَفْصٍ يَفُوهُ بِهَا أَمَامَ فَارِسِ عَدْنَانٍ وَحَامِيهَا كِلاهُمَا فِي سَبِيلِ الْحَقِّ عَزْمَتُهُ لا تَنْثَنِي أَوْ يَكُونُ الْحَقُّ ثَانِيهَا اللهم أعطنا من الخير فوق ما نرجو واصرف عنا من السوء فوق ما نحذر. اللهم علق قلوبنا برجائك واقطع رجاءنا عمن سواك. اللهم إنك تعلم عيوبنا فاسترها وتعلم حاجتنا فاقضها كفى بك وليًا وكفى بك نصيرًا يا رب العالمين. اللهم وفقنا لسلوك سبيل عبادك الأخيار واغفر لنا

стр. 1487

ججولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. موعظة عباد الله إن القلوب إذا قست واستولى عليها حب الدنيا دواؤها النافع بإذن الله ذكر الله جل وعلا وتلاوة كتابه العزيز وزيارة المقابر لترى فيها بعينك ما صار أليه الأكابر والأصاغر ترى فيها الملوك والوزراء والوجهاء والجبابرة والظلمة والمتكبرين والفسقة صرعى في ضيق تلك الحفائر وقد كانت الدنيا على سعتها تضيق عما لهم من آمال وأماني. وترى هناك أحباء الله وأولياءه وعباده الصالحين الكل حكم عليه العزيز الحكيم القهار بالموت فلبوا طائعين أو مكرهين وأصبح الكل منفردًا لا أنس له إلا ما قدمه من الأعمال فالمطيع لله الذي امتثل ما أمر الله به وانتهى عما نهى الله عنه في روضة من رياض الجنة وعنده عمله الصالح. وأما الآخر فلو أنطقه الله لقال لك كلامًا تقطع له القلوب حسرات يقول: إن الحكم العدل جازاني بما استحق وإني بعذاب لا تحتمله الجبال الراسيات وإني مستحق لذلك لأني اغتررت بالدنيا وزخارفها فلم اعبأ بأوامر ربي ولا نواهيه واقتحمت الموبقات لذا صرت إلى ما لو رأيته لصعقت وذهلت وغشي عليك، وملئت رعبًا واشتعل شعرك شيبًا ولم تنتفع بعد قوله بأكل وشرب ورأيت أحداقًا على الخدود سائلة، ورأيت أعظمًا غير متماسكة وأوصالاً متقطعة ورأيت جماجمًا قد علاها الدود

стр. 1488

والخشاش كأنها الأنابيب، ورأيت ما كان مجتمعًا متفرقًا رميمًا ورأيت الصديد والقيح يجري فيا له من منظر ما أفزعه ويا له من سفر ما أطوله. والعجب ممن يزور القبور ويسمع ذلك ويصدق به ويأكل ويشرب وينام مطمئنًا ما كأنه سيساكنهم عن قريب، ماتت القلوب فأصبحت لا تنتفع بالوعظ والتذكير ولا بزاجر الموت وهو أبلغ زاجر للأحياء، فزر يا أخي القبور معتبرًا وانتبه من هذه الغفلة، الموت مهما مد في عمرك لابد أن يأتيك فكن منه على حذر فإنه لا يؤمن أن يفجأك وأنت سارح في أودية الدنيا. وما أكثر موت الفجأة في زمننا بواسطة السيارات والقز والكهرباء والطائرات ونحو ذلك. شِعْرًا: ... تَحُومُ عَلَيْنَا لِلْمَنَايَا حَوَائِمُ كَأَنَّا حُبُوبُ وَالْحَمَامُ حَمَائِمَ وَلَمْ أَرَ كَالدًّنْيَا حِبَالَة صَائِدٍ تَرَى النَّمْلَ فِي إِشْرَاكِهَا وَالضَّرَاغِمُ وَلَوْ عَلِمَتْ مِنْهُ الْبَهَائِمُ عِلْمَنَا إِذَا هَزَلَتْ خَوْف الْمَنُونِ الْبَهَائِمُ حَيَاةٌ وَمَوْتٌ ذَا لِذَاكَ مُبَايِنٌ وَبَيْنَهُمَا لِلنَّائِبَاتِ تَلازُمُ فَيَا صَاحِبِي رَافِقْ رَفِيقًا يَمَانِيًّا فَإِنَّكَ لِلْبَرْقِ الشَّامِي شَائِمُ وَنَادِمْ نَدَامَاكَ التُّقَا وَصِحَابَهُ فَإِنَّكَ يَوْمًا لِلْمَنَايِا مُنَادِمُ

стр. 1489

آخر: هُوَ الْمَوْتُ فَاحْذَرْ أَنْ يَجِيئَكَ بِغْتَةً وَأَنْتَ عَلَى سُوءٍ مِنَ الْفِعْلِ عَاكِفُ وَإِيَّاكَ أَنْ تَتْرَكَ مِنَ الدَّهْرِ سَاعَةً وَلا لَحْظَةً إِلا وَقَلْبُكَ وَاجِفُ وَبَادِرْ بِأَعْمَالٍ يَسُرُّكَ أَنْ تَرَىَ إِذَا نُشِرَتْ يَوْمَ الْحِسَابْ الصَّحَائِفُ آخر: فَمَا مِنْ صَبَاحٍ جَاءَ إِلا مُؤَدِّبًا لأَهْلِ الْعُقُولِ النَّافِذَاتِ الْبَصَائِرُ أُبِيدَتْ قُرُونُ قَبْلُ قَدْ كُنْتَ بَعْدَهَا وَأَنْتَ عَلَى لَهْوِ الْقُرُونِ الأَصَاغِرُ كَأَنَّكَ لَمْ تَدْفِنْ حَمِيمًا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِي حِيَاظِ الْمَوْتِ يَوْمًا بِحَاضِرِ نَسِيتَ لَظَى عِنْدَ ارْتِكَابِكَ لِلْهَوَى وَأَنْتَ تُوَقَّى حَرَّ شَمْسِ الْهَوَاجِرِ آخر: كَأَنَّكَ قَدْ رَحِلْتَ عَنِ الْمَبَانِي ... وَوَارَتْكَ الْجَنَادِلُ وَالصَّعِيدُ وَنَادَاك الْحَبِيبُ فَلَمْ تُجِبْهُ ... وَقُرْبُكَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا بَعِيدُ وَأَصْبَحَ مَالُكُ الْمَجْمُوعُ نَهْبًا ... وَعَطَّلَ بعداك القصر المشيد وَصَارَ بَنُوكَ أَيْتَامًا صِغَارًا ... وَعَانَقَ عِرْسَكَ الْبَعَلُ الْجَدِيدُ وَأَكْبَرَ مِنْهُ أَنَّكَ لَسْتَ تَدْرِي ... شَقِيٌ أَنْتَ وَيْحَكِ أَمْ سَعِيدُ

стр. 1490

اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار واسكنا معهم في دار القرار. اللهم وفقنا بحسن الإقبال عليك والإصغاء إليك ووفقنا للتعاون في طاعتك والمبادرة إلى خدمتك وحسن الآداب في معاملتك والتسليم لأمرك والرضا بقضائك والصبر على بلائك والشكر لنعمائك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وآله أجمعين. (فَصْلٌ) وروي أنه لما قبض أبو بكر ﵁ وسجي عليه ارتجت المدينة بالبكاء فجاء علي بن أبي طالب ﵁ مستعجلاً مسترجعًا حتى وقف على البيت الذي فيه أبو بكر. فقال: رحمك الله يا أبا بكر فلقد كنت ألف رسول ﷺ وأنيسه ومستراحه وثقته وموضع سره، وكنت أول القوم إسلامًا وأخلصهم إيمانًا وأشدهم لله يقينًا وأخوفهم لله وأعظمهم غناء في دين الله وأحوطهم على رسول الله ﷺ . وأحسنهم صحبة وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوابقًا وأرفعهم درجة وأشبههم برسول الله ﷺ خُلُقًا وفضلاً وهديًا وسمتًا وأكرمهم عليه فجزاك الله عن رسوله وعن الإسلام والمسلمين خيرًا. صَدَّقْتَ رسول الله حين كذبه الناس وواسيته حين بخلوا وقمت معه حين قعدوا وكنت عنده بمنزله السمع والبصر وسماك الله في كتابه صديقًا فقال ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ . وصحبته في الشدة أكرم صحبة ثاني اثنين وصاحبه في الغار والمنزل عليه السكينة ورفيقه في الهجرة.

стр. 1491

وخلفته في دين الله وأمته أحسن الخلافة حين ارتدوا فقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي نهضت حين وهن أصحابه وبرزت حين استكانوا وقويت حين ضعفوا. ولزمت منهاج رسول الله ﷺ كنت خليفة رسول الله حقًا لن تنازع ولن تضارع برغم المنافقين وكبت الحاسدين قمت بالأمر حين فشلوا واتبعوك فهدوا كنت أخفضهم صوتًا وأقلهم كلامًا وأصدقهم منطقًا وأبلغهم قولاً وأشجعهم نفسًا وأشرفهم عملاً. كنت للمؤمنين رحيمًا حين صاروا عليك عيالاً، حملت أثقال ما عنه ضعفوا، ورعيت ما أهملوا، وعلمت ما جهلوا، وصبرت إذا جزعوا ورجعوا برأيك رشدهم فظفروا ونالوا برأيك ما لم يحتسبوا. كنت كما قال رسول الله ﷺ أمن الناس عليه في صحبتك وذات يدك وكنت كما قال ضعيفًا في بدنك قويًا في أمر الله متواضعًا في نفسك عظيمًا عند الله جليلاً في أعين الناس كبيرًا في أنفسهم، لم يكن لأحد فيك مغمز ولا لقائل فيك مهمز، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ بحقه، القريب والبعيد عندك سواء. وأقرب الناس عندك أطوعهم لله وأتقاهم، شأنك الحق وبالصدق والرفق اعتدل بك الدين وقوي بك الإيمان فسبقت والله سبقًا بعيد واتعبت من بعدك إتعابًا شديدًا رضينا عن الله قضاءه وقدره وسلمنا له أمره. والله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1492

بمثلك أبدًا، كنت للدين عزًا وحرزًا وكهفًا فألحقك الله بنبيك ﷺ ولا حرمنا أجرك ولا أضلنا بعدك. فسكت الناس حتى قضى كلامه ثم بكوا حتى علت أصواتهم. وقالوا: صدقت يا ختن رسول الله ﷺ ولما مرض أبو بكر ﵁ ترك التطبب تسلمًا لأمر الله تعالى فعاده الصحابة ﵃ فقالوا: ألا ندعوا لك طبيبًا ينظر إليك فقال: نظر إلي. قالوا: وما قال؟ قال: إني فعال لما أريد. واستخلف في مرضه عمر بن الخطاب بمشاورة جماعه من الصحابة. شِعْرًا: لِلْمَوْتِ فَاعْمَلْ بِجِدٍّ أَيُّهَا الرَّجُلُ وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ مِنْ دُنْيَاكَ مُرْتَحِلِ إِلِى مَتَى أَنْتَ فِي لَهْوٍ وَفِي لَعِبٍ تُمْسِي وَتُصْبِحُ فِي اللذَاتِ مُشْتَغِلُ كَأَنَّنِي بِكَ يَا ذَا الشَّيْبِ فِي كُرَبٍ بَيْنَ الأَحِبَّةِ قَدْ أَوْدَى بِكَ الأَجَلُ لَمَّا رَأَوْكَ صَرِيعًا بَيْنَهُمْ جَزَعُوا وَوَدَّعُوكَ وَقَالُوا قَدْ مَضَى الرَّجُلُ فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ يَا مِسْكِينُ فِي مَهَلٍ مَا دَامَ يَنْفَعُكَ التِّذْكَارُ وَالْعَمَلُ إِنَّ التَّقِيَّ جِنَانُ الْخُلْدِ مَسْكَنُهُ يَنَالُ حُورًا عَلَيْهَا التَّاجُ وَالْحُلَلُ

стр. 1493

ج وَالْمُجْرِمِينَ بِنَارٍ لا خُمُودَ لَهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ تَشْتَعِلُ روي أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ﵀ باع دارًا بمأتيين ألف درهم فقيل له لو اتخذت من هذا المال ذخرًا فقال أنا أجعل هذا المال ذخرًا لي عند الله واجعل الله سبحانه ذخرا لولدي ثم تصدق بالمال كله. شِعْرًا: تَغَطَّ بِأَثْوَابِ السَّخَا فِإِنَّنِي ... أَرَى كُلَّ عَيْبٍ وَالسَّخَاءَ غِطَاؤء وَقَارِنْ إِذَا قَارَنْتَ حُرًّا فِإِنَّمَا ... يُزَيِّنُ وَيَزْرِي بِالْفَتَى قناؤه وَيُظْهِرُ عَيْبَ الْمَرُءِ فِي النَّاسِ بُخْلَهُ ... وَيَسْتُرُهُ عَنْهُمْ جَمِيعًا سَخَاؤه آخر: وَقَائِلَةٌ مَا بَالَ مالك نَاقِصًا ... وَأَمْوَال كُلّ الْعَالَمِينَ تَزِيد فَقُلْتُ لَهَا إِنِّي أَجُودُ بِمَا حَوَتْ ... يَدِي وَبَعْضُ النَّاسِ لَيْسَ يَجُودُ آخر: الْمَالُ يَغْشَى رِجَالاً لا سَمَاحَ لَهُمْ ... كَالسَّيْلِ يَغْشَى أُصُولَ الدَّمْدَمِ الْبَالِي أَصُونُ عِرْضِي بِمَالِي لا أُدَنِّسُهُ ... لا بَارَكَ الله بَعْدَ الْعِرْضِ فِي الْمالِ أَحْتَالُ لِلْمَالِ إِنْ أَوْدَى فَأَكْسَبُهُ ... وَلَسْتُ لِلْعِرْضِ إِنْ أَوْدَى بِمُحْتَالٍ جاءت امرأة إلى الليث بن سعد بإناء صغير تطلب منه عسلاً وقالت: إن زوجي مريض فأمر لها بقربة ملآنة عسلاً فقيل له إنها طلبت قدحًا صغيرًا فقال إنما طلبت على قدرها ونحن أعطيناها على قدرنا. وجاء رجل إلى سعيد بن العاص يسأله شيئًا فأمر له بخمسمائة وأطلقه فقال الرجل مستفهمًا من سعيد هذه دنانير أو درهم فقال سعيد ما أردت إلا الدراهم ولكن حيثما ترددت أنت في ذلك فغيرها دنانير فجلس الرجل يبكي فقال سعيد: ما يبكيك. فقال: أبكي على رجل مثلك ينزل تحت التراب.

стр. 1494

اللهم ثبت محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك ويسرنا لليسرى وجنبنا العسرى واغفر لنا لوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) وقال أبو بكر ﵁ نعم الولي عمر أما أنه لا يقوى عليهم غيره، وما هو بخير له أن يلي أمر أمة محمد ﷺ إن عمر رآى لينًا فاشتد ولو كان واليًا للان لأهل اللين ثم دعا بعثمان بن عفان ﵁. فقال له: اكتب هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين أما بعد فإني قد استخلفت عليكم ثم أغمي عليه فكتب عثمان عمر بن الخطاب لما سمع منه قبل ذلك ثم أفاق أبو بكر فقال: اقرأ علي ما كتبت فقرأ عليه ذكر عمر فقال: جزاك الله عن الإسلام وأهله خيرًا. ثم رفع أبو بكر يديه فقال: اللهم إني وليت خيرهم ولم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة وفعلت فيهم ما أنت أعلم وقد حضرني في أمري ما قد حضر فاجتهدت لهم والرأي ووليت عليهم خيرهم، هو أقواهم عليهم وأحرصهم على رشدهم ولم أرد محاباة عمر وأنا خارج من الدنيا وداخل في الآخرة فاخلفني فيهم فهم عبادك ونواصيهم بيدك. أصلح لهم واليهم عمر، واجعله من خلفائك الراشدين يتبع هدي نبيه نبي الرحمة وهدى الصالحين بعده وأصلح له أمر رعيته، وكتب بهذا العهد إلى أمراء الأجناد إني قد وليت عليكم خيركم ولم آل نفسي ولا المسلمين خيرًا

стр. 1495

ثم دعا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني مستخلفك على أصحاب رسول الله ﷺ يا عمر إن لله حقًا في الليل لا يقبله في النهار وحقًا في النهار لا يقبله في الليل وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة بأتباعهم الحق وثقله عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق غدًا أن يكون ثقيلاً. وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفًا، يا عمر إنما نزلت آية الرخاء مع آية الشدة وآية الشدة مع آية الرخاء ليكون المؤمن راغبًا راهبًا فلا ترغب فتتمنى على الله فيها ما ليس لك ولا ترهب رهبة تلقى فيها ما بيدك. يا عمر إنما ذكر الله أهل النار بأسوء أعمالهم ورد عليهم ما كان من حسن فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو أن لا أكون من هؤلاء. وإنما ذكر الله أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه تجاوز لهم ما كان من سيء فإذا ذكرتهم قلت أي عمل من أعمالهم أعمل فإن حفظت وصيتي فلا يكن غائب أحب إليك من الموت، وهو نازل بك وإن ضيعت وصيتي فلا يكن غائب أكره إليك من الموت ولست تعجزه. وكان ﵁ يقول: اعلموا عباد الله إن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم وأخذ على ذلك مواثيقكم واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه ولا يطفئ نوره فصدقوا قوله واستنصحوا كتابه واستضيئوا منه ليوم الظلمة. وقالت أم المؤمنين عائشة ﵂ لما مرض أبو بكر مرضه

стр. 1496

الذي مات فيه قال: انظروا ما زاد في مالي منذ دخلت الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة من بعدي فنظرنا فإذا عبد نوبي يحمل صبيانه وإذا ناضج كان يسقي بستانًا فبعثناهما إلى عمر فبكى عمر. وقال: رحمة الله على أبي بكر الصديق ﵁ وخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن أكيس الكيس التقوى فذكر الحديث وفيه فلما أصبح غدا إلى السوق فقال له عمر ﵁: أين تريد؟ قال: السوق قد جاءك ما يشغلك عن السوق. قال: سبحان الله يشغلني عن عيالي. قال: نفرض بالمعروف. قال: ويح عمر إني أخاف أن لا يسعني أن آكل من هذا المال شيئًا. قال: فانفق في سنتين أخرى ثمانية آلاف درهم. فلما حضره الموت قال: قد كنت قلت لعمر إني أخاف أن لا يسعني أن آكل من هذا المال شيئًا فغلبني فإذا أنا مت فخذوا من مالي ثمانية آلاف درهم وردوها في بيت المال قال فلما أتى عمر قال: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده تعبًا شديدًا. وأخرج بن سعد عن أبي بكر بن حفص بن عمر قال: جاءت عائشة ﵂ إلى أبي بكر ﵁ وهو يعالج ما يعالج الميت ونفسه في صدره فتمثلت بهذا البيت: لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءَ عَنِ الْفَتَى إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ آخر: وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَقْبَلَتْ لَمْ تُثْنِهَا ... خَيْلٌ مُطَهَّمَةٌ وَلا أَمْوَالُ فنظر إليها ثم قال: ليس كذلك يا أم المؤمنين ولكن: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ إني كنت

стр. 1497

نحلتك حائطًا في نفسي منه شيئًا فرديه إلى الميراث. قالت: نعم. فرددته. فقال: إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارًا ولا درهمًا ولكننا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا وليس عندي من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضج وجرد هذه القطيفة فإذا مت فابعثي بهن على عمر وابرئي منهن. ففعلت. فلما جاء الرسول عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض ويقول: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده يا غلام ارفعهن. فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: سبحان الله تسلب عيال أبي بكر حبشيًا وبعيرًا ناضحًا وجرد قطيفة ثمن خمسة دراهم. قال: فما تأمر؟ قال: تردهن على عياله. فقال: لا والذي بعث محمدًا ﷺ بالحق:- أو كما حلف - لا يكون هذا في ولايتي أبدًا ولا خرج أبو بكر منهن عند الموت وأردهن أنا على عياله، الموت أقرب من ذلك آخر: تِلْكَ الرِّجَالُ وَغَبَنٌ أَنْ يُقَالُ لِمَنْ ... لَمْ يَتَّصِفْ بِمَعَالِي وَصْفُهُمْ رَجُلٌ والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه سلم. موعظة ابن آدم كأنك بالموت وقد فجأك وألحقت بمن قد سبقك من الأمم ونقلك من الفلل والعمائر إلى بيت الوحدة والوحشة والظلم ومن ذلك

стр. 1498

إلى عسكر الموتى مخيمة بين الخيم مفرقًا من مالك ما اجتمع ومن شملك ما انتظم وليس لك قدرة فتدفعه بكثرة الأموال ولا بقوة الخدم وندمت على التفريط ولات ساعة ندم. فيا عجبًا لعين تنام وطالبها مجد في طلبها لم ينم، متى تحذر مما توعد وتهدد، ومتى تضرم نار الخوف في قلبك وتتوقد، إلى متى حسناتك تضمحل وسيئاتك تتجدد، وإلى متى لا يهو لك زجرًا الواعظ وإن شدد وإلى متى وأنت بين الفتور والتواني تردد متى تحذر يومًا تنطق فيه الجلود وتشهد ومتى تقبل على ما يبقى وتترك ما يفنى وينفد. متى تهب بك في بحر الوجد ريح الخوف والرجا متى تكون في الليل قائمًا إذا سجى أين الذين عاملوا مولاهم بالإخلاص وانفردوا وقاموا في الدجى فركعوا وسجدوا وقدموا إلى بابه في الأسحار ووفدوا وصاموا هواجر النهار فصبروا واجتهدوا، لقد ساروا وتخلفت وفاتك ما وجدوا وبقيت في أعقابهم وإن لم تسرع وتجتهد بعدوا. فتنبه وتيقظ يا مسكين قبل أن يفاجئك هادم اللذات فلا تقدر على استدراك لما فات، قال الله جلا وعلا ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ . وَمُسْنَدُونَ تَعَاقَرُوا كَأْسَ الرَّدَى ... وَدَعَا بِشُرْبِهِمْ الْحَمَامُ فَأَسْرَعُوا بَرَكَ الزَّمَانُ عَلَيْهِمُوا بِجُرَّانِه ... وَهَفَتْ بِهِمْ رِيحُ الْخُطُوبِ الزَّعْزَعُ خُرْسٌ إِذَا نَادَيْتَ إِلا أَنَّهُمْ ... وَعَظُموا بِمَا يَزعُ اللَّبِيبِ فَأْسَمَعُوا وَالدَّهْر يَفْتِكُ بِالنُّفُوسِ حَمَامُهُ ... فَلِمَنْ تُعَدُّ كَرِيمةٌ أَوْ تُجْمَعُ عَجَبًا لَمَنْ يُبْقِي ذَخَائِرَ مَالَهُ ... وَيَظَلُّ يَحْفَظُهُنَّ وَهُوَ مُضَيِّعُ وَلِغَافِلٍ وَيَرَى بِكُلِّ ثَنِيّةِ ... مُلْقًى لَهُ بَطْنُ الصَّحَائِفِ مَضْجَعُ أَتَرَاهُ يَحْسُبُ أَنَّهُمْ مَا أَسْأَرُوا ... مِنْ كَأْسِهِ أَضْعَافَ مَا يَتَجَرَّعُ اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة في الرشد ونسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك ونسألك قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا ونسألك من خير ما تعلم ونعوذ بك من شر ما تعلم،

стр. 1499

ونستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (فَصْلٌ) وقال ابن القيم: أعظم أسباب شرح الصدر التوحيد، وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه، وقال الله تعالى (٣٩: ٢٢) ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ . وقال ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ . فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر. ومنها النور الذي يقذفه الله في قلب العبد، وهو نور الإيمان، فإنه يشرح الصدر ويوسعه، ويفرح القلب، فإذا فقد هذا النور من القلب ضاق وحرج وصار في أضيق سجن وأصبعه. وقد روى الترمذي في جامعه عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح» . قالوا: وما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله» .

стр. 1500

فنصيب العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور، وكذلك النور الحسي والظلمة الحسية، هذه تشرح الصدر وهذه تضيقه. ومنها العلم فإنه يشرح الصدر ويوسعه، حتى يكون أوسع من الدنيا، والجهل يورثه الضيق والحصر والحبس، فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع. وليس هذا لكل علم بل للعلم الموروث عن الرسول ﷺ وهو العلم النافع، فأهله أشرح الناس صدرًا، وأوسعهم قلوبًا، وأحسنهم وأطيبهم عيشًا. قلت ولله در القائل: اجْعَلْ جَلِيسَكَ دَفْتَرًا فِي نَشْرِهِ لِلْمَيِّتِ مِنْ حُكْمِ الْعُلُومِ نُشُورُ فَكِتَابُ عِلْمِ لِلأَدِيبِ مُؤَآنِسٌ وَمُؤَدَّبٌ وَمُبَشِّرُ وَنَذِيرُ وَمُفِيدَ آدَابَ وَمُؤْنِس وَحْشَة وَإِذَا انْفَرَدْتَ فَصَاحِبٌ وَسَمِيرٌ وَمِنْهَا الإِنَابَة إلى الله تعالى، ومحبته بكل القلب والإقبال عليه، والتنعم بعبادته فلا شيء أشرح لصدر العبد من ذلك حتى ليقول أحيانًا إن كنت في الجنة في مثل هذه الحال فإني إذا في عيش طيب. وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر، وطيب النفس، ونعيم لا يعرفه إلا من له حس به. وكلما كانت المحبة أقوى وأشد، كان الصدر أفسح وأشرح، ولا

стр. 1501

يضيق إلا عند رؤية البطالين الفارغين من هذا الشأن فرؤيتهم قذى عينه، ومخالتطهم حمى روحه. ومن أعظم أسباب ضيق الصدر، الإعراض عن الله تعالى وتعلق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره، ومحبة سواه، فإن من أحب شيئًا غير الله عذب به، وسجن قلبه في محبة ذلك الغير. فما في الأرض أشقى منه، ولا أكسف بالاً، ولا أنكد عيشًا ولا أتعب قلبًا. فهما محبتان محبة هي جنة الدنيا، وسرور النفس، ونعيم الروح وغذاؤها، ودواؤها، بل هي حياتها، وقرة عينها، وهي محبة الله وحده، بكل القلب، وانجذاب قوى الميل، والإرادة، والمحبة كلها إليه. ومحبة هي عذاب الروح وغم النفس وسجن القلب وضيق الصدر وهي سبب الألم والنكد والعناء، وهي محبة ما سوى الله سبحانه. ومن أسباب شرح الصدر دوام ذكره على كل حال، وفي كل موطن فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر، ونعيم القلب، وللغفلة تأثير عجيب في ضيقه، وحبسه وعذابه. ومنها الإحسان على الخلق ونفعهم، بما يمكنه من المال والجاه، والنفع بالبدن وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدرًا، وأطيبهم نفسًا، وأنعمهم قلبًا، والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدرًا وأنكدهم عيشًا وأعظمهم همًا وغمًا. وقد ضرب رسول الله ﷺ في الصحيح مثلاً للبخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد، كلما هم المتصدق بصدقة اتسعت عليه وانبسطت، حتى يجر ثيابه ويعفي أثره

стр. 1502

وكلما هم البخيل بالصدقة لزقت كل حلقة مكانها ولم تتسع عليه. فهذا مثل انشراح صدر المؤمن المتصدق، وانفساح قلبه، ومثل ضيق صدر البخيل، وانحصار قلبه. ومنها الشجاعة، فإن الشجاع منشرح الصدر، واسع البطان، متسع القلب، والجبان، أضيق الناس صدرًا واحصرهم قلبًا، لا فرحة ولا سرور، ولا لذة، ولا نعيم، إلا جنس الحيوان البهيم. ومنها اخراج دغل القلب من الصفات المذمومة، التي توجب ضيقه، وعذابه، وتحول بينه وبين البرء. ومنها ترك فضول النظر، والكلام، والاستماع والمخالطة والأكل والنوم، فإن هذه الفضول تستحيل آلامًا وغمومًا وهمومًا في القلب تحصره، وتحبسه، وتضيقه، ويتعذب بها، بل غالب عذاب الدنيا والآخرة منها. فلا إله إلا الله، ما أضيق صدر من ضرب في كل آفة من هذه الآفات بسهم، وما أنكد عيشه، وما أسوء حاله، وما أشد حصر قلبه، ولا إله إلا الله ما أنعم عيش من ضرب في كل خصلة من تلك المحمودة بسهم، وكانت همته دائرة عليها حائمة حولها. فلهذا نصيب وافر من قوله تعالى (٨٣: ١٣) : ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ ولذلك نصيب وافر من قوله تعالى ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ وبينهما مراتب متفاوتة، ولا يحصيها إلا الله ﵎. والمقصود أن النبي ﷺ أكمل الخلق في كل صفة يحصل بها انشراح الصدر، واتساع القلب وقرة العين، وحياة الروح فهو أكمل الخلق في هذا الشرح وقرة العين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1503

فائدة عظيمة النفع وقال ﵀: ليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها وكونها ذنوبًا تأتي من نفس العبد فإن سبب الذنب الظلم والجهل وهما من نفس العبد كما أن سبب الخير الحمد والعلم والحكمة والغنى. وهي أمور ذاتية للرب وذات الرب سبحانه، مستلزمة للحكمة والخير والجود. وذات العبد مستلزمة للجهل والظلم وما فيه من العلم والعدل فإنما حصل له بفضل الله عليه وهو أمر خارج عن نفسه. فمن أراد الله به خيرًا أعطاه هذا الفضل فصدر منه الإحسان والبر والطاعة. ومن أراد به شرًا أمسكه عنه وخلاه، ودواعي نفسه وطبعه وموجبها فصدر منه موجب الجهل والظلم من كل شر وقبيح. وليس منعه لذلك ظلمًا منه سبحانه فإنه فضله وليس من منع فضله ظالمًا لاسيما إذا منعه عن محل لا يستحقه ولا يليق به. وأيضًا فإن هذا الفضل هو توفيقه وإرادته من نفسه أن يلطف بعبده ويوفقه ويعينه ولا يخلي بينه وبين نفسه وهذا محض فعله وفضله. وهو سبحانه أعلم بالمحل الذي يصلح لهذا الفضل ويليق به ويثمر به ويزكو. وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ الأنعام (٣٥) . فأخبر سبحانه أنه أعلم بمن يعرف قدر النعمة ويشكره عليها فإن أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع والذل

стр. 1504

والمحبة. فمن لم يعرف النعمة. بل كان جاهلاً بها لم يشكرها. ومن عرفها لم يعرف المنعم بها لم يشكرها أيضًا ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر لنعمة المنعم عليه بها فقد كفرها. ومن عرف النعمة والمنعم وأقر بها ولم يجحدها ولكن لم يخضع له ويحبه ويرضي به وعنه لم يشكرها أيضًا. ومن عرفها وعرف المنعم بها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه واستعملها في محابه وطاعته هو الشكر لها. فلا بد في شكر من علم القلب وعمل يتبع العلم وهو الميل على المنعم ومحبته والخضوع له. كما في صحيح البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : «سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها إذا أصبح موقنًا بها فمات من يومه دخل الجنة ومن قالها إذا أمسى موقنًا بها فمات من ليلته دخل الجنة» . فقوله: «أبوء لك بنعمتك علي» . يتضمن الإقرار والإنابة إلى الله بعبوديته. فالعبد يبوء إلى الله بنعمته عليه ويبوء بذنبه ويرجع إليه بالاعتراف بهذا وبهذا رجوع مطمئن إلى ربه منيب إليه ليس رجوع من أقبل عليه ثم أعرض عنه. فهو معبوده وهو مستعانه لا صلاح له إلا بعبادته ولا يمكن أن يعبده إلا بإعانته. ومن العلوم أن أجل نعمه على عبده نعمة الإيمان به ومعرفته ومحبته وطاعته والرضا به والإنابة إليه والتوكل عليه والتزام عبوديته.

стр. 1505

ومن المعلوم أيضًا أن الأرواح منها الخبيث الذي لا أخبث منه ومنها الطيب. وبين ذلك وكذلك القلوب منها القلب الشريف الزكي والقلب الخسيس الخبيث. وهو أعلم بالقلوب الزاكية والأرواح الطيبة التي تصلح لاستقرار هذه النعم وإبداعها عندها ويزكو بذرها فيها فيكون تخصيصه لها بهذه النعمة كتخصيص الأرض الطيبة القابلة للبذر بالبذر. فليس من الحكمة أن يبذر البذر في الصخور والرمال والسباخ وفاعل ذلك غير حكيم فما الظن ببذر الإيمان والقرآن والحكمة ونور المعرفة والبصيرة في المحال التي هي أخبث المحال. فالله أعلم حيث يجعل رسالته أصلاً وميراثًا. فهو أعلم بمن يصلح لتحمل رسالته فيؤديها إلى عباده بالأمانة والنصيحة وتعظيم المرسل والقيام بحقه والصبر على أوامره والشكر لنعمه والتقرب إليه. ومن لا يصلح لذلك. وكذلك هو سبحانه أعلم بمن يصلح من الأمم لوارثة رسله والقيام بخلافتهم وحمل ما بلغوه عن ربهم. فالرب سبحانه إذا علم من محل أهلية لفضله ومحبته وتوحيده حبب إليه ذلك ووضعه فيه وكتبه في قلبه ووفقه له وأعانه عليه ويسر له طرقه وأغلق دونه الأبواب التي تحول بينه وبين ذلك. ثم تولاه بلطفه وتدبيره وتيسيره وتربيته أحسن من تربية الوالد الشفيق الرحيم المحسن لولده الذي هو أحب شيء إليه. فلا يزال يعامله بلطفه ويختصه بفضله ويؤثره برحمته ويمده بمعونته ويؤيده بتوفيقه ويريه مواقع إحسانه إليه وبره به فيزداد العبد به معرفة وله محبة وإليه إنابة وعليه توكلاً. ولا يتولى معه غيره ولا يعبد معه سواه.

стр. 1506

وهذا هو الذي عرف قدر النعمة وعرف المنعم وأقر بنعمته وصرفها في مرضاته. اقتضت حكمة الرب وجوده وكرمه وإحسانه أن بذر في هذا القلب نور الإيمان والمعرفة وسقاه بالعلم النافع والعمل الصالح وأطلع عليه من نوره شمس الهداية وصرف عنه الآفات المانعة من حصول الثمرة. فأنبتت أرضه الزاكية من كل زوج كريم فمن لم ينبت قلبه شيئًا من الخير البتة فهذا من أشقى الأشقياء. فصلوات الله وسلامه على من الهدى والبيان والشفاء والعصمة في كلامه وفي أمثاله. والمقصود أن الله سبحانه أعلم بمواقع فضله ورحمته وتوفيقه ومن يصلح لها ومن لا يصلح وأن حكمته تأبى أن يضع ذلك عند غير أهله كما تأبى أن يمنعه من يصلح له. وهو سبحانه الذي جعل المحل صالحًا وجعله أهلاً وقابلاً فمنه الإعداد والإمداد ومنه السبب والمسبب. وقال ﵀ كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من إحدى جهتين إما أن تكون طبيعته يابسة غير لينة ولا منقادة ولا قابلة لما به كمالها وفلاحها. وإما أن تكون لينة منقادة سلسلة القيادة لكنها غير ثابتة على ذلك بل سريعة الانتقال عنه كثيرة التقلب. فمتى رزق العبد انقيادًا للحق وثباتًا عليه فليبشر فقد بشر بكل خير وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وقال: صدق التأهب للقاء الله من أنفع ما للعبد وأبلغه في حصول استقامته فإن من استعد للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا وما فيها ومطالبها

стр. 1507

وخمدت من نفسه نيران الشهوات وأخبت قلبه إلى الله وعكفت همته على الله وعلى محبته وإيثار مرضاته. واستحدثت همة أخرى وعلومًا أخر وولد أخرى نسبة قلبه فيها إلى الدار الآخرة كنسبة جسمه إلى هذه الدار بعد أن كان في بطن أمه فيولد قلبه ولادة حقيقة وكما أن بطن أمه حجابًا لجسمه عن هذه الدار فهكذا نفسه وهواه حجاب لقلبه عن الدار الآخرة. فخروج قلبه عن نفسه بارزًا إلى الدار الآخرة كخروج جسمه عن بطن أمه بارزًا إلى هذه الدار، وهذا معنى ما يذكر عن المسيح أن قال: يا بني إسرائيل إنكم لن تلجوا من ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين. ولما كان أكثر الناس لم يولدوا هذه الولادة الثانية ولا تصوروها فضلاً عن أن يصدقوا بها فيقول القائل كيف يولد الرجل الكبير أو كيف يولد القلب لم يكن لهم إليها همة ولا عزيمة إذا كيف يعزم على الشيء من لا يعرفه ولا يصدقه ولكن إذا كشف حجاب الغفلة عن القلب صدق بذلك وعلم أنه لم يولد قلبه بعد. والمقصود أن صدق التأهب لقاء الله هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة والأحوال الإيمانية مقامات السالكين إلى الله ومنازل السائرين إليه من اليقظة والتوبة والإنابة والمحبة والرجاء والخشية والتفويض والتسليم وسائر أعماله القلوب والجوارح. فمفتاح ذلك كله صدق التأهب والاستعداد للقاء الله المفتاح بيد الفتاح العليم لا إله غيره ولا رب سواه شِعْرًا: وَأَهْوَى مِنَ الشُّبَّانِ كُلَّ مُجَنَّبٍ ... عَنِ اللَّهْوِ مِقْدَمًا عَلَى كُلِّ طَاعَةِ لَهُ عِفَّةٌ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مُحَرَّمٌ ... وَذَوُ رَغْبَةٍ فِيمَا يَقُودُ لِجَنَّةِ

стр. 1508

تَمَسَّكَ بِهِ أَنْ تَلْقَهُ يَا أَخَا لِتَلْقَى ... تَمْسُّكَ ذِي بُخْلٍ بِتِبْرٍ وفضَّةِ وصل الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين (فَصْلٌ) وقال ﵀: طوبى لمن أنصف فأقر له بالجهل في علمه، والآفات في عمله، والعيوب في نفسه، والتفريط في حقه، والظلم في معاملته. فإن أخذه بذنوبه رأى عدله، وإن لم يؤخذه رأى فضله. وإن عمل حسنة رآها من منته عليه، فإن قبلها فمنه وصدقة ثانية، وإن ردها فلكون مثلها لا يصلح أن يواجه به. وإن عمل سيئة رآها من تخليه عنه، وخذلان له، وإمساك عصمته، وذلك من عدله فيه. فيرى في ذلك فقره إلى ربه وظلمه في نفسه، فإن غفر له فبمحض إحسانه وجوده وكرمه. ونكتة المسألة وسرها أنه لا يرى ربه إلا محسنًا ولا يرى نفسه إلا مسيئًا ومفرطًا أو مقصّرًا. فيرى كل ما يسره من فضل ربه عليه وإحسانه إليه، وكل ما يسوءه من ذنوبه. وقال من لم يعرف نفسه كيف يعرف خالقه؟ فاعلم أن الله خلق في صدرك بيتًا وهو القلب. ووضع في صدره عرشًا لمعرفته يستوي عليه المثل الأعلى، فهو مستو على سرير القلب، وعلى سرير بساط من الرضا. ووضع عن يمينه وشماله مرافق شرائعه وأوامره، وفتح إليه بابًا من جنة رحمته، والأنس به، والشوق إلى لقائه. وأمطره من وابل كلامه ما أنبت فيه من أصناف الرياحين والأشجار

стр. 1509

المثمرة، من أنواع الطاعات والتهليل وللتسبيح والتحميد والتقديس. وجعل في وسط البستان شجرة معرفته، فهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها من المحبة والإنابة، والخشية والفرح به، والابتهاج بقربه، وأجرى إلى تلك الشجرة، ما يسقيها من تدبر كلامه وفهمه، والعمل بوصاياه. وعلق في ذلك البيت قنديلاً أسرجه بضياء معرفته، وإيمان به وتوحيده، فهو يستمد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار. ثم أحاط عليه حائطًا يمنعه من دخول الآفات والمفسدين ومن يؤذي البستان، فلا يلحقه أذاهم، وأقام عليه حرسًا من الملائكة يحفظونه في يقظته ومنامه. ثم أعلم صاحب البيت والبستان بالساكن فيه فهو دائمًا همه إصلاح السكن ولَمَّ شعثه ليرضاه الساكن منزلاً. وإذا أحس بأدنى شعث في السكن بادر إلى إصلاحه ولمه، خشية انتقال الساكن منه، فنعم الساكن، ونعم المسكن فسبحان الله رب العالمين. كم بين هذا البيت وبيت قد استولى عليه الخراب، وصار مأوى للحشرات والهوام، ومحلاً لإلقاء الأنتان، والقاذورات فيه. فمن أراد التخلي وقضاء الحاجة وجد خربة لا ساكن ولا حافظ لها. وهي معدة لقضاء الحاجة، مظلمة الأرجاء، منتة الرائحة، وقد عمها الخراب، وملأتها القاذورات. فلا يأنس بها ولا ينزل فيها إلا من يناسبه سكناها من الحشرات والديدان والهوام.

стр. 1510

الشيطان جالس على سريرها وعلى السرير بساط الجهل وتخفق فيه الأهواء، وعن يمينه وشماله مرافق الشهوات. وقد فتح إليه باب من حقل الخذلان والوحشة، والركون إلى الدنيا، والطمأنينة بها، والزهد في الآخرة. وأمطر من وابل الجهل والهوى والشرك والبدع، ما أنبت فيه أصناف الشوك والحنظل، والأشجار المثمرة بأنواع المعاصي والمخالفات، من الزوائد والانتدابات، والنوادر والهزليات والمضحكات، والأشعار الغزليات، والخمريات التي تهيج على ارتكاب المحرمات، وتزهد في الطاعات. وجعل في وسط الحقل شجرة الجهل به والإعراض عنه، فهي تؤتي أكلها كل حين من الفسوق والمعاصي واللهو واللعب والمجون، والذهاب مع كل ريح، وإتباع كل شهوة. ومن ثمرها الهموم والغموم، والأحزان والآلام، ولكنها متوارية باشتغال النفس بلهوها ولعبها. فإذا أفاقت من سكرها أحضرت كل هم وغم وحزن وقلق، ومعيشة ضنك. وأجري إلى هذه الشجرة ما يسقيها من إتباع الهوى، وطول الأمل والغرور. ثم ترك ذلك البيت وظلماته وخراب حيطانه بحيث لا يمنع منه مفسد ولا حيوان، ولا مؤذ ولا قذر. فسبحان خالق هذا البيت وذلك البيت، فمن عرف بيته وقدر الساكن فيه، وقدر ما فيه من الكنوز والذخائر والآلات انتفع بحياته ونفسه
следующие страницы →