← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وهذا هو الذي عرف قدر النعمة وعرف المنعم وأقر بنعمته وصرفها في مرضاته. اقتضت حكمة الرب وجوده وكرمه وإحسانه أن بذر في هذا القلب نور الإيمان والمعرفة وسقاه بالعلم النافع والعمل الصالح وأطلع عليه من نوره شمس الهداية وصرف عنه الآفات المانعة من حصول الثمرة. فأنبتت أرضه الزاكية من كل زوج كريم فمن لم ينبت قلبه شيئًا من الخير البتة فهذا من أشقى الأشقياء. فصلوات الله وسلامه على من الهدى والبيان والشفاء والعصمة في كلامه وفي أمثاله. والمقصود أن الله سبحانه أعلم بمواقع فضله ورحمته وتوفيقه ومن يصلح لها ومن لا يصلح وأن حكمته تأبى أن يضع ذلك عند غير أهله كما تأبى أن يمنعه من يصلح له. وهو سبحانه الذي جعل المحل صالحًا وجعله أهلاً وقابلاً فمنه الإعداد والإمداد ومنه السبب والمسبب. وقال ﵀ كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من إحدى جهتين إما أن تكون طبيعته يابسة غير لينة ولا منقادة ولا قابلة لما به كمالها وفلاحها. وإما أن تكون لينة منقادة سلسلة القيادة لكنها غير ثابتة على ذلك بل سريعة الانتقال عنه كثيرة التقلب. فمتى رزق العبد انقيادًا للحق وثباتًا عليه فليبشر فقد بشر بكل خير وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وقال: صدق التأهب للقاء الله من أنفع ما للعبد وأبلغه في حصول استقامته فإن من استعد للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا وما فيها ومطالبها

стр. 1507

وخمدت من نفسه نيران الشهوات وأخبت قلبه إلى الله وعكفت همته على الله وعلى محبته وإيثار مرضاته. واستحدثت همة أخرى وعلومًا أخر وولد أخرى نسبة قلبه فيها إلى الدار الآخرة كنسبة جسمه إلى هذه الدار بعد أن كان في بطن أمه فيولد قلبه ولادة حقيقة وكما أن بطن أمه حجابًا لجسمه عن هذه الدار فهكذا نفسه وهواه حجاب لقلبه عن الدار الآخرة. فخروج قلبه عن نفسه بارزًا إلى الدار الآخرة كخروج جسمه عن بطن أمه بارزًا إلى هذه الدار، وهذا معنى ما يذكر عن المسيح أن قال: يا بني إسرائيل إنكم لن تلجوا من ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين. ولما كان أكثر الناس لم يولدوا هذه الولادة الثانية ولا تصوروها فضلاً عن أن يصدقوا بها فيقول القائل كيف يولد الرجل الكبير أو كيف يولد القلب لم يكن لهم إليها همة ولا عزيمة إذا كيف يعزم على الشيء من لا يعرفه ولا يصدقه ولكن إذا كشف حجاب الغفلة عن القلب صدق بذلك وعلم أنه لم يولد قلبه بعد. والمقصود أن صدق التأهب لقاء الله هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة والأحوال الإيمانية مقامات السالكين إلى الله ومنازل السائرين إليه من اليقظة والتوبة والإنابة والمحبة والرجاء والخشية والتفويض والتسليم وسائر أعماله القلوب والجوارح. فمفتاح ذلك كله صدق التأهب والاستعداد للقاء الله المفتاح بيد الفتاح العليم لا إله غيره ولا رب سواه شِعْرًا: وَأَهْوَى مِنَ الشُّبَّانِ كُلَّ مُجَنَّبٍ ... عَنِ اللَّهْوِ مِقْدَمًا عَلَى كُلِّ طَاعَةِ لَهُ عِفَّةٌ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مُحَرَّمٌ ... وَذَوُ رَغْبَةٍ فِيمَا يَقُودُ لِجَنَّةِ

стр. 1508

تَمَسَّكَ بِهِ أَنْ تَلْقَهُ يَا أَخَا لِتَلْقَى ... تَمْسُّكَ ذِي بُخْلٍ بِتِبْرٍ وفضَّةِ وصل الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين (فَصْلٌ) وقال ﵀: طوبى لمن أنصف فأقر له بالجهل في علمه، والآفات في عمله، والعيوب في نفسه، والتفريط في حقه، والظلم في معاملته. فإن أخذه بذنوبه رأى عدله، وإن لم يؤخذه رأى فضله. وإن عمل حسنة رآها من منته عليه، فإن قبلها فمنه وصدقة ثانية، وإن ردها فلكون مثلها لا يصلح أن يواجه به. وإن عمل سيئة رآها من تخليه عنه، وخذلان له، وإمساك عصمته، وذلك من عدله فيه. فيرى في ذلك فقره إلى ربه وظلمه في نفسه، فإن غفر له فبمحض إحسانه وجوده وكرمه. ونكتة المسألة وسرها أنه لا يرى ربه إلا محسنًا ولا يرى نفسه إلا مسيئًا ومفرطًا أو مقصّرًا. فيرى كل ما يسره من فضل ربه عليه وإحسانه إليه، وكل ما يسوءه من ذنوبه. وقال من لم يعرف نفسه كيف يعرف خالقه؟ فاعلم أن الله خلق في صدرك بيتًا وهو القلب. ووضع في صدره عرشًا لمعرفته يستوي عليه المثل الأعلى، فهو مستو على سرير القلب، وعلى سرير بساط من الرضا. ووضع عن يمينه وشماله مرافق شرائعه وأوامره، وفتح إليه بابًا من جنة رحمته، والأنس به، والشوق إلى لقائه. وأمطره من وابل كلامه ما أنبت فيه من أصناف الرياحين والأشجار

стр. 1509

المثمرة، من أنواع الطاعات والتهليل وللتسبيح والتحميد والتقديس. وجعل في وسط البستان شجرة معرفته، فهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها من المحبة والإنابة، والخشية والفرح به، والابتهاج بقربه، وأجرى إلى تلك الشجرة، ما يسقيها من تدبر كلامه وفهمه، والعمل بوصاياه. وعلق في ذلك البيت قنديلاً أسرجه بضياء معرفته، وإيمان به وتوحيده، فهو يستمد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار. ثم أحاط عليه حائطًا يمنعه من دخول الآفات والمفسدين ومن يؤذي البستان، فلا يلحقه أذاهم، وأقام عليه حرسًا من الملائكة يحفظونه في يقظته ومنامه. ثم أعلم صاحب البيت والبستان بالساكن فيه فهو دائمًا همه إصلاح السكن ولَمَّ شعثه ليرضاه الساكن منزلاً. وإذا أحس بأدنى شعث في السكن بادر إلى إصلاحه ولمه، خشية انتقال الساكن منه، فنعم الساكن، ونعم المسكن فسبحان الله رب العالمين. كم بين هذا البيت وبيت قد استولى عليه الخراب، وصار مأوى للحشرات والهوام، ومحلاً لإلقاء الأنتان، والقاذورات فيه. فمن أراد التخلي وقضاء الحاجة وجد خربة لا ساكن ولا حافظ لها. وهي معدة لقضاء الحاجة، مظلمة الأرجاء، منتة الرائحة، وقد عمها الخراب، وملأتها القاذورات. فلا يأنس بها ولا ينزل فيها إلا من يناسبه سكناها من الحشرات والديدان والهوام.

стр. 1510

الشيطان جالس على سريرها وعلى السرير بساط الجهل وتخفق فيه الأهواء، وعن يمينه وشماله مرافق الشهوات. وقد فتح إليه باب من حقل الخذلان والوحشة، والركون إلى الدنيا، والطمأنينة بها، والزهد في الآخرة. وأمطر من وابل الجهل والهوى والشرك والبدع، ما أنبت فيه أصناف الشوك والحنظل، والأشجار المثمرة بأنواع المعاصي والمخالفات، من الزوائد والانتدابات، والنوادر والهزليات والمضحكات، والأشعار الغزليات، والخمريات التي تهيج على ارتكاب المحرمات، وتزهد في الطاعات. وجعل في وسط الحقل شجرة الجهل به والإعراض عنه، فهي تؤتي أكلها كل حين من الفسوق والمعاصي واللهو واللعب والمجون، والذهاب مع كل ريح، وإتباع كل شهوة. ومن ثمرها الهموم والغموم، والأحزان والآلام، ولكنها متوارية باشتغال النفس بلهوها ولعبها. فإذا أفاقت من سكرها أحضرت كل هم وغم وحزن وقلق، ومعيشة ضنك. وأجري إلى هذه الشجرة ما يسقيها من إتباع الهوى، وطول الأمل والغرور. ثم ترك ذلك البيت وظلماته وخراب حيطانه بحيث لا يمنع منه مفسد ولا حيوان، ولا مؤذ ولا قذر. فسبحان خالق هذا البيت وذلك البيت، فمن عرف بيته وقدر الساكن فيه، وقدر ما فيه من الكنوز والذخائر والآلات انتفع بحياته ونفسه

стр. 1511

ومن جهل ذلك، جهل نفسه وأضاع سعادته. والله الموفق. وقال: أقام الله سبحانه هذا الخلق بين الأمر والنهي والعطاء والمنع فاقترفوا فرقة قابلت أمره بالترك، ونهيه بالارتكاب، وعطاءه بالغفلة عن الشكر، ومنعه بالسخط، وهؤلاء أعداؤه، وفيهم من العداوة بحسب ما فيهم من ذلك. وقسم قالوا: إنما نحن عبيدك فإن أمرتنا سارعنا إلى الإجابة، وإن نهيتنا أمسكنا نفوسنا وكففناها عما نهيتنا عنه، وإن أعطيتنا حمدناك وشكرناك، وإن منعتنا تضرعنا إليك وذكرناك. فليس بين هؤلاء وبين الجنة إلا ستر الحياة الدنيا، فإذا مزقه عليهم الموت، صاروا على النعيم المقيم، وقرة الأعين كما أن أولئك ليس بينهم وبين النار إلا ستر الحياة الدنيا. فإذا مزقه الموت صاروا إلى الحسرة والألم. فإذا تصادمت جيوش الدنيا والآخرة في قلبك وأردت أن تعلم من أي الفريقين أنت فانظر مع من تميل منهما، ومن تقابل؛ إذ لا يمكنك الوقوف بين الجيشين، فأنت مع أحدهما لا محالة. فقسم استغشوا الهوى فخالفوه، واستنصحوا العقل فشاوروه وفرغوا قلوبهم للفكر فيما خلقوا وجوارحهم للعمل بما أمروا به، وأوقاتهم لعمارتها بما يعمر منازلهم في الآخرة. واستظهروا على سرعة الأجل بالمبادرة إلى الأعمال وسكنوا الدينا وقلوبهم مسافرة عنها. واستوطنوا الآخرة قبل انتقالهم إليها، واهتموا بالله وطاعته على قدر حاجتهم إليه، وتزودوا للآخرة على قدر مقامهم فيها.

стр. 1512

فجعل لهم سبحانه من نعيم الجنة وروحها، أن آنسهم بنفسه، وأقبل بقلوبهم إليه، وجمعها على محبته، وشوقهم على لقائه، ونعمهم بقربه. وفرغ قلوبهم مما ملأ به قلوب غيرهم من محبة الدنيا والهم والحزن على فوتها، والغم من خوف ذهابها. فاستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدانهم، والملأ الأعلى بأرواحهم. فائدة: قال ﵀: إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده تحمل الله سبحانه حوائجه كلها وحمل عنه كل ما أهمه وفرغ قلبه لمحبته ولسانه لذكره وجوارحه لطاعته. وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله على نفسه. فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق ولسانه عن ذكره بذكرهم وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم. فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره. فكل من أعرض عن عبوديته الله وطاعته ومحبته بُلِيَ بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته. قال تعالى ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ . قال سفيان بن عيينة: لا تأتون بمثل مشهور للعرب إلا جئتكم به من القرآن.

стр. 1513

فقال له قائل فأين في القرآن أعط أخاك تمرة فإن أبى فجمرة. فقال في قوله تعالى ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ الآية. شِعْرًا: وَفِي السِّقَمِ وَالآفَاتِ أَعْظَمُ حِكْمَةٍ مُيَقَّظَةٍ ذَا اللُّبِّ عِنْدَ التَّفَقُّدِ يُنَادِي لِسَانُ الْحَالِ جِدُّوا لِتَرْحَلُوا عَنِ الْمَنْزِلِ الْغَثِّ الْكَثِيرِ التَّنَكُّدِ أَتَاكَ نَذِيرُ الشَّيْبِ بِالسِّقَمِ مُخْبِرًا بِأَنَّكَ تَتْلُو الْقَوْم فِي الْيَوْمِ أَو غَدِ فَخُذْ أُهْبَةً فِي الزَّادِ فَالْمَوْتُ كَائِنٌ فَمَا مِنْهُ مِنْ مَنْجَا وَلا عَنْهُ عُنْدَدِ فَمَا دَارُكُمْ هَذِهِ بِدَارِ إِقَامَةِ وَلَكِنَّهَا دَارُ ابْتِلا وَتَزَوُّدِ أَمَا جَاءَكُمِ مِنْ رَبِّكُمْ وَتَزَوَّدُوا فَمَا عُذْرُ مَنْ وَافَاه غَيْرَ مُزَوَّدِ وَمَا هَذِهِ الأَيَّامُ إِلا مَرَاحِلٌ تُقَرِّبُ مِنْ دَارِ اللِّقَا كُلّ مُبْعَدِ وَمَنْ سَارَ نَحْوَ الدَّارِ سِتِّينَ حِجَّةً فَقَدْ حَانَ مِنْهُ الْمُلْتَقَى وَكَأَنَ قَدْ وَمَا النَّاسُ إِلا مِثْلَ سَفْرٍ تَتَابَعُوا مُقِيمٌ لِتَهْوِيمٍ عَلَى إثْرِ مُغْتَدِي

стр. 1514

وَمَنْ يَكُ عِزْرَائِيلُ كَافِلَ رُوحِهِ فَإِنْ فَاتَهُ فِي الْيَوْمِ لَمْ يَنْجُ مِنْ غَدِ وَمَنْ رُوحُهُ فِي الْجِسْمِ مِنْهُ وَدِيعَةٌ فَهَيْهاتَ أَمْنٌ يُرْتَجَى مِن مُرَدِّدِ فَمَا حَقُّ ذِي لُبٍّ يَبِيتُ بِلَيْلَةٍ بِلا كَتْبِ إِيصَاءِ وَإِشْهَادِ شُهَّدِ وَوَاجِبُ الإِيصَا عَلَى الْمَرْءِ إِنْ يَكُنْ عَلَيْهِ حُقُوقٌ وَاجِبَاتُ التَّرَدُّدِ وَلا بَأْسَ أَنْ يَخْبَا الْفَتَى كَفَنًا لَهُ لِحِلٍّ وَآثَارِ الرِّضَى وَالتَّعَبُّدِ فَبَادِرْ هُجُومَ الْمَوْتِ فِي كَسْبِ مَا بِهِ تَفُوزُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاجْهَدِ فَكَمْ غَبْنُ مَغْبُونٍ بِنَعْمَةِ صِحَّةِ وَنِعْمَةِ إِمْكانِ اكْتِسَابُ التَّعَبُّدِ فَنَفْسُكَ فَاجْعَلْهَا وَصِيَّكَ مُكْثِرًا لِسَفْرَةِ يَوْمِ الْحَشْرِ طِيبَ التَّزَوُّدِ وَمِثْلُ وُرُودِ الْقَبْرِ مَهْمَا رَأَيْتُهُ لِنَفْسِكَ نَفَّاعًا فَقَدِّمْهُ تَسْعَدِ فَمَا نَفَعَ الإِنْسَانُ مِثْلُ اكْتِسَابِهِ بِيَوْمٍ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ كُلِّ مُحْتَدِ كَفَى زَاجِرًا لِلْمَرْءِ مَوْتٌ مُحَتَّمٌ وَقَبْرٌ وَأَهْوَالٌ تُشَاهَدُ فِي غَدِ

стр. 1515

وَنَارٌ تَلَظَّى أَوْعَدَ اللهُ مَنْ عَصَى فَمِنْ خَارِجٍ بَعْدَ الشَّقَا وَمُخَلَّدِ وَيُسْأَلُ فِي الْقَبْرِ الْفَتَى عَنْ نَبِيِّهِ وَعَنْ رَبِّهِ وَالدِّينِ فِعْلَ مُهَدِّدِ فَمَنْ ثَبَّتَ اللهُ اسْتَجَابَ مُوَحِّدًا وَمَنْ لَمْ يُثَبَّتْ فَهُوَ غَيْرَ مُوَحِّدِ وَتِلْكَ لَعَمْرِي آخِرُ الْفِتَنِ الَّتِي مَتَى تَنْجُو مِنْهَا فُزْتَ فَوْزَ مُخَلَّدِ فَنَسْأَلُهُ التَّثْبِيتَ دُنْيَا وَآخِرًا وَخَاتِمَةَ تَقْضِي بِفَوْزٍ مُؤَبَّدِ اللهم ألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا لطاعتك وامتثال أمرك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) في الحياء الحياء هو انقباض النفس عن القبائح وهو صفة من صفات النفس الممدوحة لن اشمئزاز النفس عن القبائح يستلزم تركها والانصراف عنها وهو من أفضل صفات النفس وأجلها قدرًا. وسئل بعضهم عن الحياء فقال: شيء يتولد بين رؤية النعماء ورؤية التقصير. وقال الفضيل: علامة الشقاوة خمسة، قلة الحياء، وقسوة

стр. 1516

القلب، وجمود العين، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل. أ. هـ. فالحياء خلق الكرام وسمة أهل المروءة والشرف، وعنوان الفضل والنبل، ولقد صدق أهل اللغة حيث قالوا الاستحياء من الحياة، واستحياء الرجل من قوة الحياة فيه لشدة علمه بمواقع العيب والذم. والحياء باعثه إحساس رقيق، وشعور دقيق في العين مظهره وعلى الوجه أثره، ومن حرمه حرم الخير كله، ومن تحلى به ظفر بالعزة والكرامة، ونال الخير أجمع وهو زينة النفوس يصدها عن فعل ما يشينها ويحملها على التحلي بجميل الخصال فهو أبدًا لا يأتي إلا بخير، وكفى خيرًا أن يكون على الخير دليلاً وكفى بضده البذاء أن يكون على الشر دليلاً وإليه سبيلاً ومن الحكم قولهم: من كساه الحياء ثوبه لم يرى الناس عيبه: وَرُبَّ قَبِيحَةٍ مَا حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ رُكُوبِهَا إِلا الْحَيَاءُ ويقول الآخر: وَعَقْلُ الْمَرْءِ أَحْسَنُ حِلْيَتَيْهِ وَزِينُ الْمَرْءِ فِي الدُّنْيَا الْحَيَاءُ آخر: وَإِنِّي لأَسْتَحِي مِنَ اللهِ أَنْ أُرَى ... حَلِيفَ غَوَانٍ أَوْ أَلِيفَ أَغَانِي إِذَا مَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ عَقْلٌ ... وَلا أَدَبُ فَذَاكَ هُوَ الْحِمَارُ تَرَاهُ فِي ذَوِي الأَلْبَابِ ضَجْرًا ... وَمُلْتَجِئًا إِلَى جَنْبِ الْجِدَارِ أما انقباض النفس عن الفضائل فلا يسمى حياء بل هو خور وجبن فإذا كان الإنسان عند أحد العظماء من الناس الذين يتركون الصلاة ويأتون المنكرات، أو عند من يتركون صلاة الجماعة وانقبضت نفسه عن

стр. 1517

فعل الخير وانبسط معهم لفعل الشر مجازاة ومطايبة لهم كان فعله جنبًا وخورًا ومداهنة ونفاقًا لا حياء ومثل ذلك ما يفعله بعض الناس من مجاملة بعضهم بعضًا في سماع المنكرات ورؤيتها وسماع الغيبة ونحوها فهذا جبن مذموم كل الذم وصاحبه شريك في الإثم عن لم ينكر أو يفارقهم. والحياء أمارة صادقة على طبيعة الإنسان فهو يكشف عن قيمة إيمانه ومقدار أدبه فعندما ترى الإنسان يشمئز ويتحرج من فعل ما لا ينبغي أو ترى حمرة الخجل في وجهه صابغة إذا بدر منه ما لا يليق فاعلم أنه حي الضمير نقي المعدن زكي العنصر وإذا رأيت الرجل لا يكترث ولا يبالي فيما يبدر منه فهو امرؤ لا خير فيه وليس وازع يمنعه من ارتكاب الجرائم، واقترف الآثام الدنايا. وينقسم الحياء على قسمين حياء من الله لما روى ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: «استحيوا من الله حق الحياء» . قالوا: إنَّا نستحي يا نبي الله والحمد لله. قال: «ليس كذلك ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى وليحفظ البطن وما وعى وليذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» . رواه أحمد والترمذي وقال: هذا حديث غريب. والقسم الثاني: الحياء من الناس وهو بقسيمه رأس الفضائل وأساس مكارم الأخلاق لأنه يترتب عليه ما يترتب على العدل والعفة ولذا ورد عن عمران بن حصين ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الحياء لا يأتي إلا بخير» . متفق عليه. وفي رواية لمسلم: «الحياء خير

стр. 1518

كله» . أو قال: «الحياء كله خير» . وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال ﷺ : «دعه فإن الحياء من الإيمان» . متفق عليه. وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» . متفق عليه. وكان ﷺ أرق الناس طبعًا وأنبلهم سيرة وأعمقهم شعورًا بالواجب ونفورًا عن المحارم. فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه. متفق عليه. وعن زيد بن طلحة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لكل دين خلقًا وخلق الإسلام الحياء» . رواه مالك مرسلاً ورواه ابن ماجة والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس وابن عباس. وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «الحياء والإيمان قرناء جميعًا فإذا رفع أحدهما رفع الآخر» . وفي رواية ابن عباس: «فإذا سلب أحدهما تبعه الآخر» . رواه البيهقي في شعب الإيمان. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إنا مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت رواه البخاري.

стр. 1519

وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار» . رواه أحمد والترمذي. وقال ﷺ : «الحياء والعي من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق» . رواه أحمد والترمذي وقال ﷺ : «الحياء نظام الإيمان» . هذا بعض ما قاله ﷺ في الحياء وهو كما ترى يتضمن وعد من اتصف بالحياء بالجنة ووعيد من اتصف بضده من البذاء والجفاء بالنار. ولا شك في أن ذلك من أجل الحكم وأفضل المواعظ فما من أحد يستمسك بالحياء ولا يحيد عنه إلا عاش في دنياه عيشة سعيدة حميدة راضية مرضية وظفر في آخرته بالسعادة الدائمة إذا وفقه الله لذلك. وقد علمت أن الحياء ينقسم إلى قسمين حياء من الناس فأما الحياء من الله فإنه يترتب عليه كل الفضائل، التي يسعد بها الناس في دنياهم وآخرتهم فإن الذي يستحي من الله لا يفعل المعاصي بل يحفظ جوارحه كلها عنها ولا يترك واجبًا ما دام يؤمن بأن الله مطلع عليه لا تخفى عليه خافية من أمره. وأنه لا بد أن يجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته كما قال تعالى ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ وأنه سبحانه هو الذي خلق الإنسان وسواه كما قال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ وأنه الذي أمده بنعمه كما قال تعالى ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾

стр. 1520

وقال ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ وقال ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ . وأنه الذي فضله على كثير من خلقه كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ وأنه مدين لله في وجوده وبقائه وفنائه وبعثه وأنه محتاج إلى الله في جميع حركاته وسكناته بل مضطر إليه ضرورة مستمرة. وأنه إذا فكر في نفسه وأدرك ما انطوت عليه من دقيق الصنع وبديع التركيب كما أشار إليه قوله: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ وعلم أنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فلا بد أن يستحي من عصيان ذلك الخالق العظيم الحكيم ولا بد أن يفعل ما أمره الله به وينتهي عما نهاه عنه وذلك هو الخير كله كما قال ﷺ في الحديث السابق. وهذا واضح لأن الذي يطيع الله فيما أمر يقوم بالواجبات، ويمتنع عن المحرمات فلا يظلم ولا يتكبر ولا ينافق ولا يكذب ولا يرابي ولا يرائي ولا يخون ويتجنب جميع سفساف الأمور، ويعمل بمعالي الأخلاق من العدل والتواضع والحلم والصدق والصبر والعفة ونحو ذلك. ومن يفعل ذلك فهو ذو فضل عظيم وخير كثير على نفسه وعلى غيره يعيش في هذه الدنيا عيشة راضية ويحيا حياة هنية طيبة في الدنيا والآخرة، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ . وقال صالح بن عبدوس:

стр. 1521

إِذَا قَلَّ مَاءُ الْوَجْهِ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَلا خَيْرَ فِي وَجْهٍ إِذَا قَلّ مَاؤُهُ حَيَاؤُكَ فَاحْفَظْ عَلَيْكَ فَإِنَّمَا يَدُلّ عَلَى فِعْلَ الْكَرِيمِ حَيَاؤُهُ اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيننا وبين الصدق والنية الصالحة والإخلاص والخشوع والمراقبة واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) وأما الحياء من الناس فهو قسمان: الأول أن يستحي المرء من الناس وهو جازم بأنه لا يأتي هذا المنكر ولا يفعل هذه الرذيلة خوفًا من الله تعالى وحياء منه أيضًا ولو لم يطلع عليه أحد من خلق الله وهذا هو الحازم الذي عرف كيف يستفيد من صفة الحياء، ويأخذ أجرها كاملاً لأن الحياء إنما يمدح من جميع جهاته إذا ترتب عليه الكف عن القبائح التي لا يرضاها الدين الإسلامي في جميع الأحوال. وروي أن حذيفة بن اليماني أتى الجمعة فوجد الناس قد انصرفوا فتنكب الطريق عن الناس وقال لا خير فيمن لا يستحي من الناس. إِذَا لَمْ تَصُنْ عِرْضًا وَلَمْ تَخْشَ خَالِقًا وَتَسْتَحِي مَخْلُوقًا فَمَا شِئْتَ فَاصْنَعْ ويقال خمسة أشياء تقبح في خمسة أصناف قلة الحياء في ذوي الأحساب والحدة في السلطان، والبخل في ذوي الأموال، والفتوة في

стр. 1522

الشيوخ، والحرص في العلماء والقراء. الثاني: أن يترك القبيح حياء من الناس بحيث لو لم يطلع عليه أحد لفعله، وهذا يحتاج إلى علاج لأنه ما دام عنده شيء من الحياء وهو حياؤه من الناس فقط فما دام لا يفعل القبائح بينهم فإنه يسهل تذكيره بعظمة ربه وجلاله وأنه أحق أن يستحيا منه لأنه القادر المطلع الذي بيده ملكوت كل شيء ويبين له لنه لا يليق بالمؤمن أن يستحي من الناس ولا يستحي من الله وليس من العقل ولا من المروءة أن يضيع ثواب ترك القبيح بانصرافه عن ملاحظة خالقه ومراقبة ربه. أما الذي يجاهر بالمعاصي ولا يستحي من الله ولا من الناس، فهو من شر ما منيت به الفضيلة لأن المعاصي داء الانتقال لا تلبث أن تسري إلى النفوس الضعيفة فيعم شر معصية المجاهر ويتفاقم خطبها ويصعب علاجها فضلاً عما في المجاهرة من انتهاك حرمة الفضيلة والقضاء عليها فشره على نفسه وعلى الناس عظيم وخطره على الفضائل كبير. شِعْرًا: ... إِذَا مَا ذَكَرْتَ النَّاسَ فَاتْرُكْ عُيُوبَهَمْ ... فَلا عَيْبَ إِلا دُونَ مَا مِنْكَ تُذْكَرُ مَتَى تَلْتَمِسْ لِلنَّاسِ عَيْبًا تَجِدْ بِهِمْ ... عُيُوبًا وَلَكن رُبَّمَا فِيكَ أَكْثَرُ شِعْرًا: ... إِذَا حَرَّمَ الْمَرْءُ الْحَيَاءَ فَإِنَّهُ ... بِكُلِّ قَبِيحٍ مِنْهُ كَانَ جَدِير لَهُ قِحْة فِي كُلِّ أَمْرٍ وَسِرُّهُ ... مُبَاح وَخِدنَاهُ خنًا وغرُورُ يَرَى الشَّتْمَ مَدْحًا وَالدَّنَاءَةَ رِفْعَةً ... وَلِلسَّمْعِ مِنْهُ فِي الْعَطَاءِ نُفُورُ فَرَجِ الْفَتَى مَا دَامَ حَيًّا فَإِنَّهُ ... إِلَى خَيْرِ حَالاتِ الْمَبِيتِ يَصِيرُ آخر: ... إِذَا لَمْ تَخْشَ عَاقِبَةَ اللَّيَالِي ... وَلَمْ تَسْتَحِيي فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ فَلا وَاللهِ مَا فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ ... وَلا الدُّنْيَا إِذَا ذَهَبَ الْحَيَاءُ ُ يَعِيشُ الْمَرْءُ مَا اسْتَحْيَا بَخَيْرٍ ... وَيَبْقَى الْعَوْد مَا بَقي الْحَيَاءُ

стр. 1523

آخر: ... إِذَا الْمَرْءُ وَافَى الأَرْبَعِين وَلَمْ يَكُنْ لَهُ دُونَ مَا يَهْوَى حَيَاء وَلا سِتْرُ فَدَعْهُ وَلا تنفس عَلَيْهِ الَّذِي أَتَى وَإِنْ جَرَّ أَسْبَابَ الْحَيَاةِ لَهُ الدَّهْرِ ومن الناس من يتلذذون بذكر فسوقهم ومعاصيهم ويتبجحون بتعداد جرائمهم وجناياتهم فيذيعون لجلسائهم ما ستره الله عليهم فيعرضون أنفسهم لعقوبة الدنيا وللحرمان من عفو الله ورحمته، وفي هؤلاء وأمثالهم يقول ﷺ كل أمتي معافي إلا المجاهرون فيجب أن لا يتركوا أولئك الذين يجاهرون بارتكاب الموبقات يعيشون بينهم بل يجب على كل واحد أن يبذل مجهودًا في ردهم عن غيهم بكل ما يستطيع من النصيحة والإرشاد وغيرها. وخير علاج للقضاء على هؤلاء مقاطعتهم وعدم مخالتطهم وعدم إجابة دعوتهم والابتعاد عنهم واحتقارهم في مجالسهم والانصراف عن حديثهم عن ابتلى بهم حتى يرجعوا عن غيهم ويكفوا عن المجاهرة بجرائمهم. ومن الأسف أن المجاهرة بالمعاصي قد فشت في زماننا بدون حياء من الله ولا من الناس فلا شاب ينزجر ولا شيخ يرعوي ولا رجل تدركه الغيرة ولا امرأة يغلب عليها الحياء فتتحفظ وتتستر، وهذا مؤذن بعقوبة، والله أعلم لأن الأمم تحيا حياة طيبة بالتمسك بالفضائل، وتعيش عيشة سعيدة باجتناب الرذائل فإذا انتهكت المحارم، وغلبت الشهوات، وضاع الحياء فماذا يرتجى بعد ذلك من عيش وراءه سخط الله وعقابه ومقته وعذابه فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. شِعْرًا: ... فَشَرُّ الْعَالَمِينَ ذَوُو نِفَاقٍ ... وَإِشْرَاكٌ بِرَبِّ الْعَالَمِينَا وَخَيْرُ النَّاسِ ذَوُ دِينٍ مَتِينٍ ... وَتَعْظِيمٍ لِرَبِّ الْعَالَمِينَا

стр. 1524

موعظة عباد الله إن الحياء كما علمتم من الإيمان وإنه لا يأتي إلا بخير وأنه خلق الإسلام وذلك أنه يجر إلى الكمالات وإلى الفضائل فمن لم يكن من أهل الحياء حقيقة فليقتدي بهم وليتشبه بهم لأنهم خاصة الفضلاء. فذو الحياء الخلقي يمنعه حياؤه من العدوان على المخلوقات ذو الحياء لا تبدر بادرة بينها وبين الفضائل تنافي ذو الحياء لا يقدم على الزنا بل ولا على مغازلة النساء التي هي مفتاح الفسوق ولا يقدم على معاملة في الربا لعلمه أن متعاطي الربى العالم بتحريمه محارب لله ورسوله. ذو الحياء لا يغش أخاه المؤمن لعلمه بتحريم الغش وأن من غشنا فليس منا، ذو الحياء لا يعثو في لحوم الغوافل، ذو الحياء لا ينقل كلام مؤمن على أخيه لقصد الإفساد بينهم، ذو الحياء لا يعق والديه ولا يقطع ما أمر الله به أن يوصل ولا يشهد بالزور ولا يؤذ جيرانه. صاحب الحياء يبتعد عن أكل الحرام وعن المجاهرة بالمعاصي فلا يحلق لحيته لأنه يعلم أنه بذلك عاص لله ولرسوله ولا يخنفس ولا يجعل تواليت لعلمه أن ذلك تشبه بالإفرنج ولا يستعمل الملاهي بأنواعها من تلفزيون أو سينما أو مذياع أو كرة أو بكم أو عود أو فيديو أو نحو ذلك من البدع المحرمات التي حدثت في زماننا كالمذكورات. صاحب الحياء لا يشرب الدخان أو إن بلي به فلا يشربه في

стр. 1525

الأسواق ومجامع الناس لعلمه أنه إذا جاهر به في ذلك ازداد إثمه وعظم جرمه، ذو الحياء لا يخلو بأمره لا محرم معها لا في بيت ولا في سيارة ولا في أي محل لعلمه أن خلوة بالأجنبية محرم للأحاديث الواردة في ذلك. صاحب الحياء لا يبيع ويشتري في صور ذوات الأرواح مجسدة أو غير مجسدة ولا يبيع آلات اللهو كالتلفزيون والسينما والمذياع لعلمه أن ذلك محرم وأنه بتعاطيه ذلك يكون معينًا على نشر المعاصي في أرض الله بل ولا يصلحها لأن ذلك مساعدة على المعاصي. والأجرة حرام التي تأتي مقابل تصليح آلات اللهو والفسوق وقس على ذلك باقي المحرمات فصاحب الحياء الخلقي يستحي من الله، ومن استحيا من الله لم يغضبه. صاحب الدين والحياء لا يعمر قصور للأعراس ولا يشارك في عمارتها لعلمه أن ذلك يصادم تخفيف الصداق الذي هو سبب لتكثير أمة محمد ﷺ ، نسأل الله أن يعصمنا وإخواننا المسلمين عن عمارتها والمشاركة فيها اللهم صلى على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقال ﷺ : «إذا أراد الله أن يهلك عبدًا نزع منه الحياء؛ فإذا نزع منه الحياء لم تلفه إلا مقيتًا ممقتًا، فإذا لم تلفه إلا مقيتًا ممقتًا نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلفه إلا خائنًا مخونًا، فإذا لم تلفه إلا خائنًا مخونًا نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلفه إلا رجيمًا ملعنًا نزعت منه رِبْقَةِ الإسلام. رواه ابن ماجه. قال العلماء على هذا الحديث: وهذا ترتيب دقيق في وصفه لأمراض النفوس وتتبعه لأطوارها وكيف تسلم كل مرحلة خبيثة على أخرى أشد نُكرًا فإن الرجل إذا مزق جلباب الحياء عن وجهه ولم يتهيب على علمه حسابًا ولم يخش في سلوكه لومة لائم مد يد الأذى للناس

стр. 1526

وطغى على كل من يقع في سلطانه. ومثل هذا الشخص الشرس لن تجد له قلبًا يعطف عليه بل يغرس الضغائن في القلوب وينميها وأي شخص جريء على الله وعلى الناس ولا يرده عن الآثام حياء فإذا صار الشخص بهذه المثابة لم يؤتمن على شيء قط إذ كيف يؤتمن على أموال لا يخجل من أكلها أو على أعراض لا يستحي من فضحها أو على موعد لا يهمه أن يخلفه أو على واجب لا يبالي أن يفرط فيه أو على بضاعة لا يتنزه عن الغش فيها. فإذا فقد الشخص حياءه وفقد أمانته أصبح وحشيًا كاسرًا ينطلق معربدًا وراء شهواته ويدوس في سبيلها أزكى العواطف فهو يغتال أموال الفقراء غير شاعر نحوهم برقة وينظر إلى المنكوبين والمستضعفين فلا يهتز فؤاده بشفقة فهو لا يعرف إلا ما يغويه ويغريه بالمزيد. ويوم يبلغ امرؤ هذا الحضيض فقد أفلت من قيود الدين وانخلع من ربقة الإسلام، وللحياء مواضع يستحب فيها، فالحياء في الكلام يتطلب من المسلم أن يطهر فمه من الفحش وأن ينزه لسانه عن العيب وأن يخجل من ذكر العورات فإن من سوء الأدب أن تفلت الألفاظ البذيئة من المرء غير عابئ بمواقعها وآثارها ومن الحياء أن يقتصد المسلم في الكلام في تحدثه في المجالس. انتهى. شِعْرًا: هذه قصيدة مملوءة حكمًا رائعة لا يستغني عنها اللبيب: أَحْسِنْ جَنَى الْحَمْد تَغْنَمُ لَذَّةَ الْعُمْرِ وَذَاكَ فِي بَاهِرِ الأَخْلاقِ وَالسِّيَرِ

стр. 1527

ج همُ الْفَتَى الْمَاجِدُ الْغَطْرِيفِ مَكْرمةٌ يَضُوع نَادِي الْمَلا مِنْ نَشْرِهَا الْعِطْر وَحِلْيَة الْمَرْءِ فَي كَسْبِ الْمَحَامِد لا فَي نَظْمِ عَقْدٍ مِنَ الْعِقْيَانِ وَالدُّرَرِِ تَكْسُو الْمَحَامِدُ وَجْه الْمَرْءِ بَهْجَتهَا كَمَا اكْتَسَى الزَّهْرُ زَهْرَ الرَّوْضِ بِالْمَطَرِ يَخْلُدُ الذِّكْر حَمْدًا طَابَ مَنْشؤه وَلَيْسَ يَمْحُو الْمَزَايا سَالِفَ الْعَصْرِ تَميز النَّاس بِالْفَضْلِ الْمُبِينِ كَمَا تَمَيَّزُوا بَيْنَهُمْ فِي خَلْقِهِ الصُّورِ بِقَدْرِ مَعْرِفَةِ الإِنْسَان قِيمَتُهُ وَبِالْفَضْلِ كَانَ الْفَرْقُ فِي الْبَشَرِ مَا الْفَضْلُ فِي بَزّةِ تَزْهُو بِرَوْنَقِهَا وَأَيُّ فَضْلٍ لا برِيزٍ عَلَى مَدَرِ وَإِنَّمَا الْفَضْلُ فِي عِلْمٍ وَفِي أَدَبٍ وَفِي مَكَارِمٍ تَجْلُو صِدْق مُفْتَخَرِ فَلا تَسَاو بِأَخْلاقٍ مُهَذَّبَة أَخْلاق سُوءٍ أَتَتْ مِنْ سَارِحِ الْبَقَرِ وَخُذْ بِمَنْهَجِ مَنْ يَعْصِي هَوَاهُ وَقَدْ أَطَاعَ أَهْلَ الْحِجَا فِي كُلِّ مُؤْتَمَرِ إِنَّ الْهَوَى يُفْسِدُ الْعَقْلَ السَّلِيمِ وَمَنْ يَعْصِي الْهَوَى عَاشَ فِي أَمْنٍ مِنَ الضَّرَرِ

стр. 1528

وَجَاهِدِ النَّفْسَ فِي غَيٍ يُلَمُّ بِهَا كَيْلا تُمَاثِل نَذْلاً غَيْر مُعْتَبَرٍ وَفِي مُعَاشَرَةِ الأَنْذَالِ مَنْقَصَةٌ بِهَا يَعُمُّ الصَّدَا مِرْآة ذِي فِكْرٍ وَلَيْسَ يَبْلُغُ كُنْهَ الْمَجْد غَيْرَ فَتَى يَرَى اكْتِسَابَ الْمَعَالِي خَيْرَ مُتَّجَرِ إِنَّ الْكَرِيمَ يَرَى حَمْلَ الْمَشَقَّة فِي نَيْلِ الْعُلَى مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ فَاصْطَبِرِ فَالصَّبْرُ عَوْنُ الْفَتَى فِيمَا تَجَشَّمَهُ إِنَّ السِّيَادَةَ نَهْجٌ وَاضِحُ الْوَعِرِ وَأَفْضَلُ الصَّبْرِ صَبْرَ عَنْ مُهْيَأَةٍ مِنَ الْمَعَاصِي لِخَوْفِ اللهِ فَازْدَجِرِ وَاصْبِرْ عَلَى نَصْبِ الطَّاعَاتِ تُحْظَ بِمَا أَمَّلْتَهُ مِنْ عَظِيمِ الصَّفْحِ مُغْتَفَرٍ نَيْفٌ وَسَبْعُونَ مِنْ آيِ الْكِتَاب أَتَتْ فِي الصَّبْرِ فَاعْمَلْ بِهَا طُوبَى لِمُصْطَبَرِ وَعِشْ مَحَلاً بِأَخْلاقٍ مَحَاسِنُهَا تُجْلِي عَلَى أَوْجُهِ الأَيَّامَ كَالْغُرَرِ دِينٌ بِهِ عِصْمَةٌ مِنْ كُلِّ فَاحِشَة وَكُلّ مَا اسْتَطَعْتَ مِنْ بِرٍّ فَلا تَذَرِ إِنَّ الْعَفَافَ حِمَى لِلنَّسْلِ صُنْهُ بِهِ إِذَا أَضعت الْحِمَى يَرْعَاهُ كُلَّ جَرِي

стр. 1529

قَدْ قِيلَ عُفُّوا تَعُفنَّ النِّسَاء وَفِي مِثْقَالِ خَيْرٍ فَشَرّ أَوْضَحُ النّذرِ وَمِنْ جَمَالِ الْفَتَى صِدْقُ الْعَفَافِ فَكُنْ بِهِ مُحَلًّى خَلِيقًا مُنْتَهى الْعُمْرِ وَالْزَمْ فَوَائِد تَقْوَى اللهِ تَعْلُ بِهَا إِنِّي سَأُورِدُهَا عَنْ مُحْكَمِ الزّبر فَبِالتُّقَى مَخْرَجُ مِنْ كُلِّ حَادِثَةٍ وَالْحِفْظِ مِنْ صَوْلَةِ الأَعْدَا مَعَ الظَّفَر وَالرِّزْق فِي دِعَةِ بِالْحِلّ مُقْتَرِن وَحُسْنُ عَاقِبَة فِي خَيْر مُدَّخَر وَجَاءَ نُورٌ بِهِ تَمْشِي وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الذُّنُوبِ وَمَنْجَاةٌ مِنَ الْحَذَر بِهِ الْبُشَارَة فِي الدُّنْيَا وَضُرَتُهَا بِهِ النَّجَاة مِنَ الأَهْوَالِ وَالشَّرَرِ وَرَحْمَةُ اللهِ تَغْشَى الْمُتَقِي وَلَهُ قُبُولُهُ وَلَهُ الإِكْرَامُ فَاعْتَبِر وَبِالتُّقَى تَغْنَمْ الإِصْلاحُ فِي عَمَلٍ وَتَسْتَفِيدُ بِهِ عِلْمًا بِلا سَهَرْ وَنَفْعُ ذَلِكَ لا يُحْصَى لَهُ عَدَدٌ وَنَصُّ ذَلِكَ فِي آيِ الْكِتَابِ قُري وَخَيْرُ مَا يَقْتَنِي الإِنْسَانُ إِنْ كَرُمَتْ أَخْلاقُهُ وَاسْتَفَادَتْ رِقَةُ السّحرِ

стр. 1530

وَمِنْ مَكَارِمِهَا عَشْرٌ عَلَيْكَ بِهَا فَإِنَّهَا حِكَمٌ تُرْوَى عَنِ الأَثَرِ صِدْقُ الْحَدِيثِ فَلا تَعْدِلْ بِهِ خُلُقًا تَبْلُغُ مِنَ الْمَجْدِ أَبْهَى بَاذِخُ السُّرَرِ وَكُنْ خَلِيقًا بِصِدْقِ الْبَأْسِ يَوْم وَغَى فَشَرُّ عَيْبِ الْفَتَى بِالْجبْنِ وَالْخُورِ أَجِبْ مُنَادِي الْعُلَى فِي خَوْضِ غَمْرَتِهَا فَالْعِزّ تَحْتَ ظِلالِ الْبِيضِ وَالسّمرِ بِالصَّبْرِ يَكْتَسِبُ الْمِقْدَامُ نُصْرَتُهُ وَيَلْبِسُ الضِّدَّ مِنْهُ ثَوب مُنْذَعِرِ وَلا يُدْنِّي لَهُ الإِقْدَامُ مِنْ أَجَلٍ يَكْفِي حِرَاسَتُهُ مُسْتَأْخِرُ الْقَدَرِ وَاحْرِصْ عَلَى عَمَلِ الْمَعْرُوفِ مُجْتَهِدًا فَإِنَّ ذَلِكَ أَرْجَى كُلّ مُنْتَظِر وَلَيْسَ مِنْ حَالَةْ تَبْقَى كَهَيْئَتِهَا فَاغْنَمْ زَمَان الصَّفَاء خَوْفًا مِنَ الْكَدَرِ وَلا يَضِيعُ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ بِهِ مَعْرُوف مُسْتَبْصِرٍ أُنْثَى أَوْ الذَّكَرِ إِنْ لَمْ تُصَادِفْ لَهُ أَهْلاً فَأَنْتَ إِذًا كُنْ أَهْلُهُ وَاصْطَنِعْهُ غَيْر مُقْتَصَر أَغِثْ بِإِمْكَانِكَ الْمَلْهُوفِ حَيْثُ أَتَى بِالْكَسْرِ فَاللهُ يَرْعَى حَالَ مُنْكَسِر

стр. 1531

وَكَافِئْنَ ذَوِي الْمَعْرُوفِ مَا صَنَعُوا إِنَّ الصَّنَائِعَ بِالأَحْرَارِ كَالْمَطَر وَلا تَكُنْ سَبخًا لَمْ يِجِدْ مَاطِرَهُ وَكُنْ كَرَوْضٍ أَتَى بِالزَّهْرِ وَالثَّمَرِ وَاذْكُرْ صَنِيعةَ حُرٍّ حَازَ عَنْكَ غِنَى وَقَدْ تَقَاضَيْتَهُ فِي زِيّ مُفْتَقَرِ وَاحْفَظْ ذِمَام صَدِيقٍ كُنْتَ تَأْلَفُهُ وَذِمَّةَ الْجَارِ صُنْهَا عَنْ يَدِ الْغَيْرِ وَصْلْ أَخا رَحِمٍ تَكْسَبْ مَوَدَّتُهُ وَفَي الْخُطُوبِ تَرَاهُ خَيْر مُنْتَصِر وَوَصْلُهُ قَدْ يَجُرُّ الْوَصْلَ فِي عَقِبٍ وَقَدْ يَزْادُ بِهِ فِي مُدَّةِ الْعُمُرِ وَجُدْ عَلَى سَائِلٍ وَافَى بِذِلَّتِهِ وَلَوْ بِشَيْءٍ قَلِيلِ النَّفْع مُحْتَقَر وَاحْفَظْ أَمَانَة مَنْ أَبْدَى سَرِيرَتُهُ مَالاً وَحَالاً لِحُسْنِ الظَّنِ وَالنَّظَرِ وَاقرِ الضُّيُوفَ وَكُنْ عَبْدًا لِخِدْمَتِهِمْ وَهُشُّ بِشَّ وَلا تَسْأَلْ عَنِ السَّفَرِ وَبَادِرْنَ إِلَيْهِمْ بِالَّذِي اقْتَرَحُوا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ بِلا مَنٍّ وَلا كَدَرِ وَخُضْ بِهِمْ فِي فُنُونٍ يَأْنَسُونَ بِهَا مِنْ كُلِّ مَا طَابَ لِلأَسْمَاعِ فِي السَّمَر

стр. 1532

لِكُلِّ قَوْمٍ مَقَامٍ فِي الْخِطَابِ فَلا تَجْعَلْ مُحَادَثَةَ الأَعْرَابِ كَالْحَضَرِ وَاعْرِفْ حُقُوقَ ذَوِي الْهَيْئَاتِ إِذَ وَرَدُوا وَلِلصَّعَالِيكَ فَاحْذَرْ حَالَةَ الضَّجَرِ وَالْزَمْ لِدَى الأَكْلِ آدَابًا سَأُورِدُهَا تَعِشْ حَمِيدَ الْمَسَاعِي عِنْدَ كُلَّ سَرِي كُنْ أَنْتَ أَوَّلُ بَادٍ بِامْتِدَادِ يَدٍ إِلَى الطَّعَامِ وَسَمِّ اللهَ وَابْتَدِرَا وَاشْرَعْ بِأَصْفَى حَدِيثٍ فِي مُنَاسَبَةٍ بِالزَّادِ أُنْسًا وَتَرْغِيبًا بِلا هَذَرِ لا تُؤْثِرَنَّ بِشَيْءٍ لَذَّ مَطْعَمُهُ نَفْسًا وَلا وَلَدًا فَالضَّيْفُ فِيهِ حَرِي وَكُنْ إِذَا قَامَ كُلُّ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ وَغُضَّ عَنْ مَدِ أَيْدِي الْقَومَ بِالبَّصَرِ وَمَنْ أَقَامَكَ أَهْلاً لِلضِّيَافَةَ قُمْ بِشُكْرِهِ وَاسْتَزِدْ إِنْعَامَ مُقْتَدِرِ وَرَأْسُ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ الْحَيَاءِ فَكُنْ مِنَ الْحَيَاءِ بِأَوْفَى بَاهِرِ الْحِبَرِ لا دِينَ إِلا لِمَنْ كَانَ الْحَيَاءُ لَهُ إِلْفًا قَرِينًا فَيَسْمُو كُلّ مُسْتَتِرِ فَاسْتَحِي مِنْ خَالِقٍ يَرْعَاكَ فِي مَلأٍ وَفِي خَلاءٍ وَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرِ

стр. 1533

وَالْعَاقِلُ الشَّهْمُ مَنْ يَأَبَى الرَّذَائِلُ بَلْ يَخْتَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَطْيَبَ الْخَبَرِ بِالْعَقْلِ تُدْرِكُ غَايَاتِ الْكَمَالِ كَمَا بِهِ تُمَيِّزُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ لَوْلاهُ لَمْ نَعْرِفُ اللهَ الْكَرِيمَ وَلا نَمْتَازُ يَوْمًا عَنِ الأَنْعَامِ فِي الْفِطْرِ فَاسْتَعْمِلِ الْعَقْلَ فِي كُلِّ الأُمُورِ وَلا تَكُنْ كَحَاطِبِ لَيْلٍ أَعْمَشَ الْبَصَرِ دَلِيلُ عَقْلِ الْفَتَى بَادِي مُرُوَءَتِهِ فَمَنْ تَجَنَّبَهَا فَالْعَقْلُ مِنْهُ بَرِي عَارِي الْمُرُوءَةِ نَكْسٌ لا خَلاقَ لَهُ وَذُو الْمُرُوءَةِ مَحْبُوبٌ لَدَى الْبَشَرِ أَخُو الْمُرُوءَةِ يَأْبَى أَنْ يَرُدَّ ذَوِي ال آمَالِ مِنْ فِضْلِهِ فِي حَالِ مُنْكَسِرِ والْجُودُ أَشْرَفُ مَا تَسْمُو الرِّجَالُ بِهِ وَقَدْ يَنَالُ بِهِ مُسْتَجْمَعُ الْفَخْرِ وَبِالسَّخَاءِ لِحِفْظِ النِّعْمَةِ اعْتَمَدُوا يَا حَبَّذَا عَمَلٍ بِالْحِفْظِ صَارَ حَرِي لا يَصْلُحُ الدِّينُ إِلا بِالسَّخَاءِ أَتَى إِنَّ السَّخَاءَ مِنَ الإِيمَانِ فَاعْتَبِرِ وَالْجُودُ مِنْ شَجَرِ الْجَنَّاتِ فَاحْظَ بِهِ وَخُذْ بَغِصْنٍ أَتَى مِنْ ذَلِكَ الشَّجَرُ

стр. 1534

يُحِبُّ مَوْلاكَ حُسْنُ الْخُلُقِ مُقْتَرِنًا بِالْجُودِ لَمْ يَبْقِيَا لِلذَّنْبِ مِنْ أَثَرِ إِنَّ السَّخِيَّ حَبِيبٌ لِلإِلَهِ لَهُ قُرْبٌ مِنَ اللهِ هَذَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ وَلا تَرُحْ بِلَئِيمٍ سَرْحَ عَارِضَةٍ تَرِدْ بِهِ فِي ظَمَا مِنْ حَافَةِ النَّهْرِ وَلا تَغُرَّنْكَ مِنْهُ طُولَ مِكْنَتِهِ حَلْفَاءَ عَارٍ بِلا ظِلٍّ وَلا ثَمَرِ بَذْلُ النَّفِيسِ عَلَى نَفْسِ الْخَسِيسِ عَنًا فِعْلُ الْجَمِيلِ لَدَيْهُ مُوجِبُ الضَّرَرِ وَمَنْ يَؤُمُّ لَئِيمًا عِنْدَ حَاجَتِهِ يَعُضُّ كَفَّيْهِ كَالْكُسْعِي وَسْطَ قرِي وَاسْلُكْ سَبِيلَ كِرَامٍ أَصْفِيَاءٍ مَضَوْا بِكُلِّ حَمْدٍ عَلَى الآفَاقِ مُنْتَشِرِ وَاحْذَر طَبَائِعَ أَهْلِ اللَّوْمِ إِنَّ لَهُمْ ذَمًا يُدُومُ عَلَى الآصَالِ وَالْبُكْرِ وَاغْنَمْ مَكَارِمَ تُبْقِيهَا مُخَلَّدَةٌ فِي أَلْسُنِ النَّاسِ مِنْ بَدْوٍ وَمِنْ حَضَرِ فَخَيْرُ فِعْلِ الْفَتَى فِعْلٌ يُبَلِّغُهُ مِنَ الْمَحَامِدِِ مَا يُبْقَى عَلَى الأَثَرِ فَالْمَرْءُ يَفْنَى وَيَبْقَى الذِّكْرُ مِنْ حَسَنٍ وَمِنْ قَبِيحٍ فَخُذْ مَا شِئْتَهُ وَذَرِ

стр. 1535

وَهَذِهِ حِكَمٌ بِالنُّصْحِ كَافِلَةٌ بِالنَّقْلِ جَاءَتْ وَعَنْ مَصْقُولَةِ الْفِكَرِ اللهم أنظمنا في سلك عبادك المخلصين ووفقنا للقيام بأركان دينك القويم ونجنا من لفحات الجحيم وأسكنا في جنات النعيم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) قال في مختصر منهاج القاصدين: واعلم أنا قد ذكرنا جملة من نعم الله على خلقه ونعمة البدن واحدة من النعم الواقعة في الرتبة الثانية فلو أردنا أن نستقصي الأسباب التي بها تمت هذه النعمة لم نقدر عليها ولكن الأكل أحد أسباب الصحة، فلنذكر شيئًا من الأسباب التي يتم بها الأكل على سبيل التدريج لا على سبيل الاستقصاء. فنقول: من جملة نعم الله عليك أن خلق لك آلة الإحساس وآلة الحركة في طلب الغذاء فانظر إلى ترتيب حكمة الله تعالى في الحواس الخمس التي هي آلة للإدراك. فأولها حاسة اللمس وهو أول حس يخلق للحيوان وأنقص دراجات الحس أن يحس بما يلاصقه فإن الإحساس بما يبعد منه أتم لا محالة فافتقرت إلى حس تدرك به ما بعد عنك فخلق لك الشم تدرك به الرائحة من بعد ولكن لا تدري من أي ناحية جاءت الرائحة فتحتاج أن تطوف أي تدور كثيرًا، حتى تعثر على الذي شممت رائحته وربما لم تعثر عليه. فخلق لك البصر لتدرك به ما بعد عنك وتدرك جهته فتقصدها

стр. 1536

بعينها إلا أنه لو لم يخلق لك إلا هذا لكنت ناقصًا إذ لا تدرك بذلك ما وراء الجدار والحجاب فربما قصدك عدو بينك وبينه حجاب وقرب منك قبل أن ينكشف الحجاب فتعجز عن الهرب فخلق لك السمع حتى تدرك به الأصوات من الحجرات عند جريات الحركات ولا يكفي ذلك لو لم يكن لك حسن ذوق إذ به تعلم ما يوافقك وما يضرك بخلاف الشجرة فإنه يصب في أصلها كل مائع ولا ذوق لها فتجذبه وربما يكون ذلك سبب جفافها وتلافها. ثم أكرمك تعالى بصفة أخرى هي أشرف من الكل وهو العقل فبه تدرك الأطعمة ومنفعتها وما يضر في المال وبه تدرك طبخ الأطعمة وتأليفها وإعداد أسبابها فتنتفع به في الأكل الذي هو سبب صحتك وهي أدنى فوائد العقل والحكمة الكبرى فيه معرفة الله تعالى. وما ذكرنا من الحواس الخمس الظاهرة فهي بعض الإدراكات ولا تظن أننا استوفينا شيئًا من ذلك فإن البصر واحد من الحواس والعين آلة له وقد ركبت العين من عشر طبقات مختلفة بعضها رطوبات وبعضها أغشية مختلفة. ولكل واحدة من الطبقات العشر صفة وصورة وشكل وهيئة وتدبير وتركيب لو اختلفت طبقة واحدة منها أو صفة واحدة لاختل البصر، وعجز عنه الأطباء كلهم فهذا في حس واحد وقس حاسة السمع وسائر الحواس ولا يمكن أن يستوفى ذلك في مجلدات فكيف في جميع البدن. ثم انظر بعد ذلك في خلق الإرادة والقدرة وآلات الحركة من أصناف النعم وذلك أنه لو خلق لك البصر حتى تدرك به

стр. 1537

الطعام ولم يخلق لك في الطبع شوقًا إليه وشهوة له تستحثك على الحركة لكان البصر معطلاً فكم من مريض يرى الطعام وهو أنفع الأشياء له ولا يقدر على تناوله لعدم الشهوة له فخلق الله لك شهوة الطعام وسلطها عليك كالمتقاضي الذي يضطر إلى تناول الغذاء. ثم هذه الشهوة لو لم تكن عند أخذ مقدار الحاجة من الطعام لأسرفت وأهلكت نفسك فخلق لك الكراهة عند الشبع لتترك الأكل بها، وكذلك القوة في الشهوة للوقاع لحكمة بقاء النسل. ثم خلق لك الأعضاء التي هي آلات الحركة في تناول الغذاء وغيره، منها اليدان وهما مشتملتان على مفاصل كثيرة لتتحرك في الجهات وتمتد وتنثني ولا تكون كخشبة منصوبة. ثم جعل رأس اليد عريضًا وهو الكف وقسمة خمسة أقسام وهي الأصابع وتمد الأصابع وجعلها مختلفة في الطول والقصر ووضعها في صفين بحيث يكون الإبهام في جانب ويدور على الأصابع البواقي ولو كانت مجتمعة متراكمة لم يحصل تمام الغرض. ثم خلق لها أظفارًا وأسند إليها رؤوس الأصابع لتقوى بها ولتلتقط بها الأشياء الدقيقة التي لا تحويها إلا الأصابع ثم هب أنك أخذت الطعام باليد فلا يكفيك حتى يصل إلى باطنك فجعل لك الفم واللحيين خلقهما من عظمين وركب فيهما الأسنان وقسمها بحسب ما يحتاج إليه الطعام فبعضهما قواطع كالرباعيات وبعضها يصلح للكسر كأنياب وبعضها طواحن كالأضراس. وجعل اللحي الأسفل متحركًا حركة دورية واللحي الأعلى ثابتًا لا يتحرك فانظر على عجيب صنع الله تعالى الذي أتقن كل شيء وأن كل رحى صنعها الخلق يثبت منها الحجر الأسفل ويدور الأعلى إلا هذه الرحى التي هي صنع الله فإنه يدور منها الأسفل على الأعلى إذ لو دار الأعلى خوطر بالأعضاء الشريفة التي يحتوي عليها. ثم انظر كيف أنعم عليك بخلق اللسان فإنه يطوف في جوانب الفم ويرد الطعام من الوسط إلى الأسنان بحسب الحاجة كالمجرفة التي ترد الطعام إلى الرحى هذا مع ما فيه من عجائب

стр. 1538

قوة النطق ثم هب أنك قطعت الطعام وعجنته فما تقدر على الابتلاع إلا بأن يتزلق على الحلق بنوع رطوبة فانظر كيف خلق الله تعالى تحت اللسان عينًا يفيض منها اللعاب وينصب بقدر الحاجة حتى ينعجن به الطعام. ثم هذا الطعام المطحون المعجون من يوصله إلى المعدة وهو في الفم فإنه لا يمكن إيصاله باليد فهيأ لك المريء والحنجرة وجعل رأسها طبقات ينفتح لأخذ الطعام ثم ينطبق وينضغط حتى يقلب الطعام فيهوي في دهليز المريء على المعدة فإذا ورد الطعام على المعدة وهو خبز وفاكهة مقطعة فلا يصلح أن يصير لحمًا وعظمًا ودمًا على هذه الهيئة حتى يطبخ طبخًا تمامًا فجعل الله المعدة على هيئة قدر يقع فيه الطعام فتحتوي عليه وتغلق عليه الأبواب وينضج بالحرارة التي تتعدى إليها من الأعضاء الأربعة. وهي الكبد من جانبها الأيمن والطحال من جانبها الأيسر والثرب من أمامها ولحم الصلب من خلفها فينضح الطعام بإذن الله ويصير مائعًا متشبهًا يصلح للنفوذ في تجاويف العروق ثم ينصب الطعام من العروق

стр. 1539

إلى الكبد فيستقر فيها ريثما يصلح له نضج آخر ثم يتفرق في الأعضاء ويبقى منه ثفل ثم يندفع. فانظر إلى نعم الله عليك لتقوى على الشكر فإنك لا تعرف من نعمة الله تعالى إلا نعمة الأكل وهي أبسطها ثم لا تعرفه منها إلا أنك تجوع فتأكل والبهيمة أيضًا تعرف أنها تجوع وتأكل وتتعب فتنام وتشتهي فتجامع وإذا لم تعرف أنت من نفسك إلا ما يعرف الحمار فكيف تقوم بشكر الله تعالى. قال: واعلم أن الأطعمة كثيرة مختلفة ولله تعالى في خلقها عجائب لا تحصى وهي تنقسم إلى أغذية وأدوية وفواكه وغيرها فنتكلم على بعض الأغذية فنقول إذا كان عندك شيء من الحنطة فلو أكلتها لفنيت وبقيت جائعًا فما أحوجك إلى عمل ينمو به حب الحنطة ويتضاعف حتى يفيء بتمام حاجتك وهو زرعها وهو أن تجعل في أرض فيها ماء يمتزج ماؤها فيصير طينًا. ثم لا يكفي الماء والتراب إذ لو تركت في أرض ندية صلبة لم تنبت لفقد الهواء فيحتاج إلى تركها في أرض متخلخلة يتغلغل الهواء فيها، ثم الهواء لا يتحرك إليها بنفسه فيحتاج إلى ريح يحرك الهواء ويصرفه بقهر على الأرض حتى ينفذ فيها ثم كل ذلك وحده لا يغني فيحتاج على حرارة الربيع والصيف فإنه لو كان في البرد المفرط لم ينبت. ثم انظر إلى الماء الذي تحتاج إليه هذه الزارعة كيف خلقه الله تعالى فجر العيون وأجرى منها الأنهار ولما كان بعض الأرض مرتفعًا لا يناله

стр. 1540

الماء أرسل إليه الغيوم وسلط عليها الرياح لتسوقها بإذنه إلى أقطار العالم وهي سحب ثقال ثم يرسله على الأرض مدرارًا في وقت الحاجة. وانظر كيف خلق الله الجبال حافظة للماء تتفجر منها العيون تدريجًا، فلو خرجت دفعة واحدة لغرقت البلاد وهلك الزرع وغيره، وانظر كيف سخر الشمس وخلقها مع بعدها عن الأرض مسخنة لها في وقت دون وقت ليحصل البرد عند الحاجة إليه والحر عند الحاجة إليه، وخلق القمر وجعل من خاصيته الترطيب، فهو ينضج الفواكه بتقدير الحكيم الخبير، وكل كوكب خلق في السماء فهو لنوع فائدة. ولما كانت كل الأطعمة لا توجد في كل مكان، سخر الله تعالى التجار وسلط عليهم الحرص على جمع المال مع أنه لا يغنيهم في غالب الأمر شيء بل يجمعون الأموال فإما أن تغرق بها السفن أو تنتهبها قطاع الطريق أو يموتون في بعض البلاد فتأخذها السلاطين وأحسن أحوالهم أن يأخذها ورثتهم وهم أشد أعدائهم لو عرفوا. فانظر كيف سلط الله عليهم الأمل والغفلة حتى يقاسوا الشدائد في طلب الربح في ركوب البحار وركوب الأخطار فيحملون الأطعمة وأنواع الحوائج من أقصى الشرق والغرب إليك فأكثر من حمد الله وشكره. سَيْرُ الْمَنَايَا إِلَى أَعْمَارِنَا خَبَبٌ ... فَمَا تَبيْنُ ولا يَعْتَاقهَا نَصَبُ كَيْفَ النَّجَاءُ وَأَيْدِيهَا مُصَمَّمَتٌ ... بِذَبْحِنَا بِمُدًّى لَيْسَتْ لَهَا نُصُبُ وَهَلْ يُؤْمَلُ نَيْلَ الشَّمْلِ مُلْتَئِمًا ... سَفَرٌ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ رِحْلَةٌ عَجَبُ وَمَا إِقَامَتُنَا فِي مَنْزِلٍ هَتَفَتْ ... فِيهِ بِنَا مُذْ سَكَنا رِبْعةُ نُوَبُ وَآذَنَتْنَا وَقَدْ تَمَّتْ عِمَارَتُهُ ... بِأَنَّهُ عَنْ قَرِيبٍ دَاثِرٌ خَرِبُ أَزَرْتَ بِنَا هَذِهِ الدُّنْيَا فَمَا أَمَلٌ ... إلا لِرَيْبِ الْمَنَايَا عِنْدَهُ أَرَبُ هَذَا وَلَيْسَتْ سِهَامُ الْمَوْتِ طَائِشَةٌ ... وَهَلْ تَطِيشُ سِهَامٌ كُلُّهُ نُصُبُ وَنَحْنُ أَغْرَاضُ أَنْوَاعَ الْبَلاءِ بِهَا ... قَبْلَ الْمَمَاتِ فَمَرْمِيٌّ وَمُرْتَقِبُ أَيْنَ الَّذِينَ تَنَاهَوْا فِي ابْتِنَائِهِمْ ... صَاحَتْ بِهِمْ نَائِبَاتُ الدَّهْرِ فَانْقَلَبُوا

стр. 1541

اللهم نور قلوبنا بنور الإيمان وثبتها على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة واجعلنا هداة مهتدين وتوفنا مسلمين. وألحقنا بعبادك الصالحين يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) واعلم أن الخلق لم يقصروا عن شكر نعمة الله إلا للجهل والغفلة فإنهم منعوا بذلك عن معرفة النعم ولا يتصور شكر النعمة بدون معرفتها ثم إن عرفوا نعمة ظنوا أن الشكر عليها أن يقول أحدهم بلسانه الحمد لله والشكر لله ولم يعرفوا أن معنى الشكر أن تستعمل النعمة في إتمام الحكم التي أريدت بها وهي طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ . شِعْرًا: ... تَعَلَّمْتُ فِعْلَ الْخَيْرِ مِنْ قَوْلِ رَبِّنَا ... وَقَوْلِ رَسُولِ اللهِ أَعْنِي مُحَمَّدًا آخر: ... (وَلَوْ أَنَّ لِي فِي كُلِّ عُضْوٍ وَشَعْرَةٍ ... لِسَانًا يُؤَدِّي الشُّكْر للهِ قَصَّرَا) آخر: ... دَعِينِي أَجُدُ السَّعْيَ فِي شُكْرِ مَنْ لَهُ ... عَلَيَّ بِأَصْنَافِ النَّعِيم تَفَضُّلا أما الغفلة عن النعم فلها أسباب: أحدها أن الناس لجهلهم لا يعدون ما يعم الخلق في جميع أحوالهم نعمة فلذلك لا يشكرون على جملة ما ذكر من نعم الله التي تفضل بها على خلقه لأنها عامة للخلق مبذولة لهم في جميع أحوالهم فلا يرى منهم اختصاصًا به فلا يعده نعمة. ولذلك لا تجدهم يشكرون الله على روح الهوا ولو أخذ بمخنقهم لحظة حتى انقطع الهواء عنهم ماتوا ولو حبسوا في بئر أو حمام ماتوا غمًا

стр. 1542

فإن ابتلى أحدهم بشيء من ذلك ثم نجا قدر ذلك نعمة يشكر الله عليها. وهذا غاية الجهل إذ صار شكرهم موقوفًا على أن تسلب عنهم النعمة ثم ترد إليهم في بعض الأحوال فالنعم في جميع الأحوال أولى بالشكر فلا ترى البصير يشكر نعمة البصر وصحته إلا أن يعمى فإذا أعيد بصره أحس بالنعمة وشكرها وعدها نعمة وهو مثل عبد السوء يضرب دائمًا فإذا ترك ضربه ساعة شكر وتقلد ذلك منه وإن ترك ضربه أصلاً غلبه البطر وترك الشكر فصار الناس لا يشكرون إلا المال الذي يتطرق الاختصاص إليه من حيث الكثرة والقلة وينسون جميع نعم الله عليهم. شِعْرًا: إِذَا شِئْتَ أَنْ تَبْقَى من الله نِعْمَة ... عَلَيْكَ فَأَكْثِرْ حَمْدَهُ مَعَ شُكْرِهِ وَلا تَعْصِيَنَّ اللهَ فِيمَا رَزَقْتُهُ ... فَيَنْزِعْ عَنْكَ اللهُ وَاسِعَ رِزْقَهُ آخر: مَا أَحْسَنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالُهَا ... إِذَا أَطَاعَ اللهَ مَنْ نَالَهَا مَنْ لَمْ يُؤَالِي شُكْرَ إِلَهَهُ ... عَرَّضَ لِلإِدْبَارِ إِقْبَالَهَا فَاحْذَرْ زَوَالَ الْفَضْلِ يَا مَانِعًا ... زَكَاةَ أَمْوَالٍ لَهُ نَالَهَا كما روي أن بعضهم شكا فقره إلى بعض أرباب البصيرة وأظهر شدة اغتمامه بذلك فقال له: أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم قال لا قال أيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف قال لا قال أيسرك أنك أقطع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفًا قال لا قال أيسرك أنك ومجنون ولك عشرة آلاف درهم قال: لا قال أما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك عروض بخمسين ألفًا. ودخل ابن السماك على الرشيد في عظة فبكى ودعا بماء في قدح فقال: يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة إلا بالدنيا وما فيها أكنت

стр. 1543

تفديها قال: نعم. قال: فاشرب ريًا بارك الله فيك فلما شرب قال له يا أمير المؤمنين. أرأيت لو منعت أخراج هذه الشربة منك إلا بالدنيا وما فيها أكنت تفتدي ذلك قال نعم قال فما تصنع بشيء شربة ماء خير منه. وهذا يبين أن نعمة الله تعالى على العبد في شربة عند العطش أعظم من ملك الأرض ثم تسهيل خروج الحدث من أعظم النعم، وهذه إشارة وجيزة إلى النعم الخاصة. ثم اعلم أنه ما من عبد إلا إذا أمعن النظر رأى عليه من نعم الله نعمًا كثيرة لا يشاركه فيها عموم الناس بل قد يشاركه في ذلك يسير منهم من ذلك العقل فما من عبد إلا وهو راض عن الله سبحانه في عقله يعتقد أنه أعقل الناس وقلما يسأل الله العقل وإذا كان ذلك اعتقاده فيجب عليه أن يشكر الله تعالى على ذلك. ومن ذلك الخلق فإنه ما من عبد إلا ويرى من غيره عيوبًا يكرهها وأخلاقا يذمها ويرى نفسه بريئًا منها فينبغي أن يشكر الله على ذلك حيث أحسن خلقه وابتلى غيره. شِعْرًا: أَيَا ابْنُ آدَمَ وَالآلاء سَابِغَةٌ ... وَمُزْنَهُ الْجُودِ لا تَنْفَكُّ عَنْ دِيَمِ هَلْ أَنْتَ ذَاكِرٌ مَا أُولِيتَ مِنْ حَسَنٍ ... وَشَاكِرٌ كُلَّ خُوِّلْتَ مِنْ نِعَمِ بَرَاكَ بَارِئُ هَذَا الْخَلْق مِنْ عَدَمٍ ... بَحْتٍ وَلَوْلاهُ لَمْ تَخْرُجْ مِنَ الْعَدَمِ أَنْشَأَكَ مِنْ حَمَأ وَلا حِرَاكَ بِهِ ... فَجِئْتَ مُنْتَصِبًا تُمْسِي عَلَى قَدَمِ مُكَمَّلُ الأَدَوَاتِ آيَةً عَجَبًا ... مُوَفَّرَ الْعَقْلِ مِنْ حَظٍّ وَمِنْ فَهْمِ تَرَى وَتَسْمَعْ كُلا قَدْ حُبِيتَ بِهِ ... فَضْلاً وَتَنْطِقُ بِالتَّبْيِينِ وَالْكَلم هَدَاكَ بِالْعِلْمِ سُبُلَ الصَّالِحِينَ لَهُ ... وَكُنْتُ مِنْ غَمَرَاتِ الْجَهْلِ فِي ظلمِ مَاذَا عَلَيْكَ مِنْ نِعْمَةٍ غَمَرَتْ ... كُلَّ الْجِهَاتِ وَلَمْ تَبْرَحْ وَلَمْ تَرِمِ غَرَّاءُ كَالشَّمْسِ قَدْ أَلْقَتْ أَشِعَّتهَا ... حَتَى لَيُبْصِرهَا عَلَيْكَ كُلُّ عَمِيْ

стр. 1544

فَاشْكُرْ وَلَسْتَ مُطِيقًا شُكْرهَا أَبَدًا ... وَلَوْ جَهِدْتَ فَسدِّدْ وَيْكَ وَالْتَزِمِ رِزْقٌ وَأَمْن وَإِيمَانٌ وَعَافِيَةٌ ... مَتَى تَقُومُ بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ آخر: ... إِلَهِي لَكَ الْحَمْدُ الَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ عَلَى نِعَمٍ مِنْهَا الْهِدَايَةُ لِلْحَمْدِ صَحِيحًا خَلَقْتَ الْجِسْمَ مِنِّي مُسَلَّمًا وَلُطْفُكَ بِي مَا زَالَ مُذْ كُنْتُ فِي الْمَهْدِ وَكُنْتُ يَتِيمًا قَدْ أَحَاطَ بِي الرَّدَى فَأَوَيْتَ وَاسْتَنْقَذْتَ مِنْ كُلِّ مَا يُرْدِي وَهَبْتَ لِي الْعَقْلَ الَّذِي بِضِيَائِهِ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ يَهْتَدِي طَالِبُ الرُّشْدِ وَوَفَّقْتَ لِلإِسْلامِ قَلْبِي وَمَنْطِقِي فَيَا نِعْمَةً قَدْ جَلَّ مَوْقِعُهَا عِنْدِي وَلَوْ رُمْتُ جُهْدِي أَنْ أُجَازِي فَضِيلَةً فَضَلْتَ بِهَا لَمْ يَجُزْ أَطْرَافُهَا جَهْدِي أَلَسْتَ الَّذِي أَرْجُو حَنَانَكَ عِنْدَمَا يُخَلِّفُونَ الأَهْلُونَ وَحْدِي فِي لَحْدِي فَجُدْ لِي بِلُطْفِكَ مِنْكَ يَهْدِي سَرِيرَتِي وَقَلْبِي وَيُدْنِينِي إِلَيْكَ بِلا بُعْدِ ومن ذلك أنه ما من أحد إلا وهو يعرف من بواطن أمور نفسه وخفايا أركانها ما هو منفرد به ولو كشف الغطاء عنه حتى اطلع عليه أحد

стр. 1545

من الخلق لا افتضح فكيف لو اطلع عليه الناس كافة فَلِمَ لا يشكر الله على ستر مساويه أظهر الجميل وستر القبيح. وأيضًا ما من عبد إلا وقد رزقه الله في صورته وأخلاقه أو صفاته أو جاهه أو أهله أو ولده أو مسكنه أو بلده أو سائر محابه أمورًا لو سلب ذلك منه وأعطى ما خصص به من ذلك غيره لكان لا يرضى وذلك مثل أن الله جعله مؤمنًا لا كافرًا وحيًا لا ميتًا وإنسانًا لا بهيمة وذكرًا لا أنثى وصحيحًا لا مريضًا وعاقلاً لا مجنونًا وسليمًا لا معيبًا فإن هذه خصائص فعليه أن يشكر الله جل وعلا في كل ساعة ولا يغفل. شِعْرًا: إَذَا أَنَا لَمْ أَشْكُرْ لِرَبِي دَائِمًا ... وَلَمْ أُصْفِ مِنْ قَلْبِي لَهُ الْوُدَّ أَجْمَعَا فَلا سَلَمَتْ نَفْسِي مِنَ السُّوءِ سَاعَة ... وَلا نَظَرَتْ عَيْنِي مِنَ الشَّمْسِ مَطْلَعَا شِعْرًا: تَبَارَكَ مَنْ لا يَعْلَمُ الْغَيْبَ غَيْرُهُ وَمَنْ لَمْ يَزَلْ يُثْنِي عَلَيْهِ وَيُذْكَرُ عَلا فِي السَّمَواتِ الْعُلَى فَوْقَ عَرْشِهِ إِلَى خَلْقِهِ فِي الْبِرِّ وَالْبَحْرِ يَنْظُرُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ قَادِرٌ وَمُدَبِّرٌ وَمَنْ دُونُهُ عَبْدٌ ذَلِيلٌ مُدَبَّرُ يَدَاهُ لَنَا مَبْسُوطَتِانِ كِلاهُمَا يَسِحَّانِ وَالأَيْدِي مِنَ الْخَلْقِ تَقْتُرُ وَإِنْ فِيهِ فَكَّرْنَا اسْتَحَالَتْ عُقُولُنَا وَأُبْنَا حَيَارَى وَاضْمَحَلَّ التَّفْكُّرُ
следующие страницы →