← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

اللهم نور قلوبنا بنور الإيمان وثبتها على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة واجعلنا هداة مهتدين وتوفنا مسلمين. وألحقنا بعبادك الصالحين يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) واعلم أن الخلق لم يقصروا عن شكر نعمة الله إلا للجهل والغفلة فإنهم منعوا بذلك عن معرفة النعم ولا يتصور شكر النعمة بدون معرفتها ثم إن عرفوا نعمة ظنوا أن الشكر عليها أن يقول أحدهم بلسانه الحمد لله والشكر لله ولم يعرفوا أن معنى الشكر أن تستعمل النعمة في إتمام الحكم التي أريدت بها وهي طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ . شِعْرًا: ... تَعَلَّمْتُ فِعْلَ الْخَيْرِ مِنْ قَوْلِ رَبِّنَا ... وَقَوْلِ رَسُولِ اللهِ أَعْنِي مُحَمَّدًا آخر: ... (وَلَوْ أَنَّ لِي فِي كُلِّ عُضْوٍ وَشَعْرَةٍ ... لِسَانًا يُؤَدِّي الشُّكْر للهِ قَصَّرَا) آخر: ... دَعِينِي أَجُدُ السَّعْيَ فِي شُكْرِ مَنْ لَهُ ... عَلَيَّ بِأَصْنَافِ النَّعِيم تَفَضُّلا أما الغفلة عن النعم فلها أسباب: أحدها أن الناس لجهلهم لا يعدون ما يعم الخلق في جميع أحوالهم نعمة فلذلك لا يشكرون على جملة ما ذكر من نعم الله التي تفضل بها على خلقه لأنها عامة للخلق مبذولة لهم في جميع أحوالهم فلا يرى منهم اختصاصًا به فلا يعده نعمة. ولذلك لا تجدهم يشكرون الله على روح الهوا ولو أخذ بمخنقهم لحظة حتى انقطع الهواء عنهم ماتوا ولو حبسوا في بئر أو حمام ماتوا غمًا

стр. 1542

فإن ابتلى أحدهم بشيء من ذلك ثم نجا قدر ذلك نعمة يشكر الله عليها. وهذا غاية الجهل إذ صار شكرهم موقوفًا على أن تسلب عنهم النعمة ثم ترد إليهم في بعض الأحوال فالنعم في جميع الأحوال أولى بالشكر فلا ترى البصير يشكر نعمة البصر وصحته إلا أن يعمى فإذا أعيد بصره أحس بالنعمة وشكرها وعدها نعمة وهو مثل عبد السوء يضرب دائمًا فإذا ترك ضربه ساعة شكر وتقلد ذلك منه وإن ترك ضربه أصلاً غلبه البطر وترك الشكر فصار الناس لا يشكرون إلا المال الذي يتطرق الاختصاص إليه من حيث الكثرة والقلة وينسون جميع نعم الله عليهم. شِعْرًا: إِذَا شِئْتَ أَنْ تَبْقَى من الله نِعْمَة ... عَلَيْكَ فَأَكْثِرْ حَمْدَهُ مَعَ شُكْرِهِ وَلا تَعْصِيَنَّ اللهَ فِيمَا رَزَقْتُهُ ... فَيَنْزِعْ عَنْكَ اللهُ وَاسِعَ رِزْقَهُ آخر: مَا أَحْسَنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالُهَا ... إِذَا أَطَاعَ اللهَ مَنْ نَالَهَا مَنْ لَمْ يُؤَالِي شُكْرَ إِلَهَهُ ... عَرَّضَ لِلإِدْبَارِ إِقْبَالَهَا فَاحْذَرْ زَوَالَ الْفَضْلِ يَا مَانِعًا ... زَكَاةَ أَمْوَالٍ لَهُ نَالَهَا كما روي أن بعضهم شكا فقره إلى بعض أرباب البصيرة وأظهر شدة اغتمامه بذلك فقال له: أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم قال لا قال أيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف قال لا قال أيسرك أنك أقطع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفًا قال لا قال أيسرك أنك ومجنون ولك عشرة آلاف درهم قال: لا قال أما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك عروض بخمسين ألفًا. ودخل ابن السماك على الرشيد في عظة فبكى ودعا بماء في قدح فقال: يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة إلا بالدنيا وما فيها أكنت

стр. 1543

تفديها قال: نعم. قال: فاشرب ريًا بارك الله فيك فلما شرب قال له يا أمير المؤمنين. أرأيت لو منعت أخراج هذه الشربة منك إلا بالدنيا وما فيها أكنت تفتدي ذلك قال نعم قال فما تصنع بشيء شربة ماء خير منه. وهذا يبين أن نعمة الله تعالى على العبد في شربة عند العطش أعظم من ملك الأرض ثم تسهيل خروج الحدث من أعظم النعم، وهذه إشارة وجيزة إلى النعم الخاصة. ثم اعلم أنه ما من عبد إلا إذا أمعن النظر رأى عليه من نعم الله نعمًا كثيرة لا يشاركه فيها عموم الناس بل قد يشاركه في ذلك يسير منهم من ذلك العقل فما من عبد إلا وهو راض عن الله سبحانه في عقله يعتقد أنه أعقل الناس وقلما يسأل الله العقل وإذا كان ذلك اعتقاده فيجب عليه أن يشكر الله تعالى على ذلك. ومن ذلك الخلق فإنه ما من عبد إلا ويرى من غيره عيوبًا يكرهها وأخلاقا يذمها ويرى نفسه بريئًا منها فينبغي أن يشكر الله على ذلك حيث أحسن خلقه وابتلى غيره. شِعْرًا: أَيَا ابْنُ آدَمَ وَالآلاء سَابِغَةٌ ... وَمُزْنَهُ الْجُودِ لا تَنْفَكُّ عَنْ دِيَمِ هَلْ أَنْتَ ذَاكِرٌ مَا أُولِيتَ مِنْ حَسَنٍ ... وَشَاكِرٌ كُلَّ خُوِّلْتَ مِنْ نِعَمِ بَرَاكَ بَارِئُ هَذَا الْخَلْق مِنْ عَدَمٍ ... بَحْتٍ وَلَوْلاهُ لَمْ تَخْرُجْ مِنَ الْعَدَمِ أَنْشَأَكَ مِنْ حَمَأ وَلا حِرَاكَ بِهِ ... فَجِئْتَ مُنْتَصِبًا تُمْسِي عَلَى قَدَمِ مُكَمَّلُ الأَدَوَاتِ آيَةً عَجَبًا ... مُوَفَّرَ الْعَقْلِ مِنْ حَظٍّ وَمِنْ فَهْمِ تَرَى وَتَسْمَعْ كُلا قَدْ حُبِيتَ بِهِ ... فَضْلاً وَتَنْطِقُ بِالتَّبْيِينِ وَالْكَلم هَدَاكَ بِالْعِلْمِ سُبُلَ الصَّالِحِينَ لَهُ ... وَكُنْتُ مِنْ غَمَرَاتِ الْجَهْلِ فِي ظلمِ مَاذَا عَلَيْكَ مِنْ نِعْمَةٍ غَمَرَتْ ... كُلَّ الْجِهَاتِ وَلَمْ تَبْرَحْ وَلَمْ تَرِمِ غَرَّاءُ كَالشَّمْسِ قَدْ أَلْقَتْ أَشِعَّتهَا ... حَتَى لَيُبْصِرهَا عَلَيْكَ كُلُّ عَمِيْ

стр. 1544

فَاشْكُرْ وَلَسْتَ مُطِيقًا شُكْرهَا أَبَدًا ... وَلَوْ جَهِدْتَ فَسدِّدْ وَيْكَ وَالْتَزِمِ رِزْقٌ وَأَمْن وَإِيمَانٌ وَعَافِيَةٌ ... مَتَى تَقُومُ بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ آخر: ... إِلَهِي لَكَ الْحَمْدُ الَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ عَلَى نِعَمٍ مِنْهَا الْهِدَايَةُ لِلْحَمْدِ صَحِيحًا خَلَقْتَ الْجِسْمَ مِنِّي مُسَلَّمًا وَلُطْفُكَ بِي مَا زَالَ مُذْ كُنْتُ فِي الْمَهْدِ وَكُنْتُ يَتِيمًا قَدْ أَحَاطَ بِي الرَّدَى فَأَوَيْتَ وَاسْتَنْقَذْتَ مِنْ كُلِّ مَا يُرْدِي وَهَبْتَ لِي الْعَقْلَ الَّذِي بِضِيَائِهِ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ يَهْتَدِي طَالِبُ الرُّشْدِ وَوَفَّقْتَ لِلإِسْلامِ قَلْبِي وَمَنْطِقِي فَيَا نِعْمَةً قَدْ جَلَّ مَوْقِعُهَا عِنْدِي وَلَوْ رُمْتُ جُهْدِي أَنْ أُجَازِي فَضِيلَةً فَضَلْتَ بِهَا لَمْ يَجُزْ أَطْرَافُهَا جَهْدِي أَلَسْتَ الَّذِي أَرْجُو حَنَانَكَ عِنْدَمَا يُخَلِّفُونَ الأَهْلُونَ وَحْدِي فِي لَحْدِي فَجُدْ لِي بِلُطْفِكَ مِنْكَ يَهْدِي سَرِيرَتِي وَقَلْبِي وَيُدْنِينِي إِلَيْكَ بِلا بُعْدِ ومن ذلك أنه ما من أحد إلا وهو يعرف من بواطن أمور نفسه وخفايا أركانها ما هو منفرد به ولو كشف الغطاء عنه حتى اطلع عليه أحد

стр. 1545

من الخلق لا افتضح فكيف لو اطلع عليه الناس كافة فَلِمَ لا يشكر الله على ستر مساويه أظهر الجميل وستر القبيح. وأيضًا ما من عبد إلا وقد رزقه الله في صورته وأخلاقه أو صفاته أو جاهه أو أهله أو ولده أو مسكنه أو بلده أو سائر محابه أمورًا لو سلب ذلك منه وأعطى ما خصص به من ذلك غيره لكان لا يرضى وذلك مثل أن الله جعله مؤمنًا لا كافرًا وحيًا لا ميتًا وإنسانًا لا بهيمة وذكرًا لا أنثى وصحيحًا لا مريضًا وعاقلاً لا مجنونًا وسليمًا لا معيبًا فإن هذه خصائص فعليه أن يشكر الله جل وعلا في كل ساعة ولا يغفل. شِعْرًا: إَذَا أَنَا لَمْ أَشْكُرْ لِرَبِي دَائِمًا ... وَلَمْ أُصْفِ مِنْ قَلْبِي لَهُ الْوُدَّ أَجْمَعَا فَلا سَلَمَتْ نَفْسِي مِنَ السُّوءِ سَاعَة ... وَلا نَظَرَتْ عَيْنِي مِنَ الشَّمْسِ مَطْلَعَا شِعْرًا: تَبَارَكَ مَنْ لا يَعْلَمُ الْغَيْبَ غَيْرُهُ وَمَنْ لَمْ يَزَلْ يُثْنِي عَلَيْهِ وَيُذْكَرُ عَلا فِي السَّمَواتِ الْعُلَى فَوْقَ عَرْشِهِ إِلَى خَلْقِهِ فِي الْبِرِّ وَالْبَحْرِ يَنْظُرُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ قَادِرٌ وَمُدَبِّرٌ وَمَنْ دُونُهُ عَبْدٌ ذَلِيلٌ مُدَبَّرُ يَدَاهُ لَنَا مَبْسُوطَتِانِ كِلاهُمَا يَسِحَّانِ وَالأَيْدِي مِنَ الْخَلْقِ تَقْتُرُ وَإِنْ فِيهِ فَكَّرْنَا اسْتَحَالَتْ عُقُولُنَا وَأُبْنَا حَيَارَى وَاضْمَحَلَّ التَّفْكُّرُ

стр. 1546

وَإِنْ نُقِرُ الْمَخْلُوقَ عَنْ عِلْمِ ذَاتِهِ وَعَنْ كَيْفَ كَانَ الأَمْرُ تَاه الْمُنَقِّرُ وَلَوْ وَصَفَ النَّاسُ الْبَعُوضَةَ وَحْدَهَا بِعِلْمِهُمُوا لَمْ يُحْكِمُوهَا وَقَصَّرُوا فَكَيْفَ بِمَنْ لا يَقْدِرُ الْخَلْقُ قَدْرُهُ وَمَنْ هُوَ لا يَفْنَى وَلا يَتَغَيَّرُ اللهم اسلك بنا سبيل عبادك الأبرار ووفقنا للتوبة والاستغفار واحطط عنا ثقل الأوزار وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار يا عزيز يا غفار واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) وقال في كتاب التوحيد المسمى الأدلة على الحكمة والتدبير: تأمل هذه القوى التي في النفس وموقعها في الإنسان أعني الفكر والوهم والعقل والحفظ وغير ذلك أفرأيت لو نقص الإنسان من هذه الحفظ وحده كيف تكون حاله وكم من خلل يدخل عليه في أموره ومعاشه وتجارته إذا لم يحفظ ماله وما عليه وما أخذه وما أعطى وما رأى وما سمع وما قال وما قيل له ولم يذكر من أحسن إليه ممن أساء به وما نفعه مما ضره ثم كان لا يهتدي لطريق لو سلكه ما لا يحصى ولا يحفظ علمًا ولو درسه عمره ولا يعتقد دينًا ولا ينتفع بتجربة ولا يستطيع أن يعتبر شيئًا على ما مضى بل كان حقيقًا خليقًا أن ينسلخ من الإنسانية فانظر إلى الإنسان في هذه الخلال وكيف موقع الواحدة منها دون الجميع. وأعظم من النعمة على الإنسان في الحفظ النعمة في النسيان فلولاه لما سلا أحد عن مصيبة ولا تَقَضَّتْ له حسرة ولا مات له حقد ولا

стр. 1547

استمتع بشيء من متاع الدنيا مع تذكر الآفات ولا رجا غفلة من سلطان ولا فترة من حاسد أفلا ترى كيف جعل في الإنسان الحفظ والنسيان وهما مختلفان متضادان وجعل في كل واحد منها قسمًا من المصلحة. ثم انظر إلى ما خص به الإنسان دون جميع الحيوان من هذا الخلق الجليل قدره العظيم غناؤه أعنى الحياء فلولا هذا الحياء الذي خص الله به الإنسان لم يقر ضيفًا ولم يوف بالعدة ولم تقض الحوائج ولم ينجز الجميل ولم ينكب القبيح في شيء من الأشياء حتى إن كثيرًا من الأمور المفروضة أيضًا إنما تفعل للحياء فإن من الناس من لولا الحياء لم يرع حق والديه ولم يصل ذا رحم ولم يؤد أمانة ولم يعف عن فاحشة أفلا ترى كيف وفي الإنسان جميع الخلال التي فيها صلاحه وتمام أمره. وتأمل ما أنعم الله جل وعلا وتقدست أسماؤه على الإنسان به من هذا المنطلق الذي يعبر به عمَّا في ضميره وما يخطر بباله وفي قلبه وينتجه فكره به يفهم عن غيره ما في نفسه ولولا ذلك كان بمنزلة البهائم المهملة التي لا تخبر عن نفسها بشيء ولا تفهم عن مخبر شيئًا. وكذلك الكتابة التي بها تعيد أخبار الماضين للباقين وأخبار الباقين للآتين وبها تخلد الكتب في العلوم والآداب وبها يحفظ الإنسان ذكر ما يجري بينه وبين غيره من المعاملات ولولاها لانقطع بعض الأزمنة عن بعض وأخبار الغائبين عن أوطانهم ودرست العلوم وضاعت الآداب وعظم ما يدخل على الناس من الخلل في أمورهم ومعاملاتهم وما يحتاجون إلى النظر فيه من أمر دينهم وما روي لهم مما لا يسعهم جهله. وانظر لو لم يكن للإنسان لسان مهيأ للكلام وذهن يهتدي به للأمور

стр. 1548

لم يكن ليتكلم أبدًا ولو لم يكن له كف مهيأة وأصابع للكتابة لم يكن ليكتب أبدًا واعتبر ذلك من البهائم التي لا كلام لها ولا كتابة فأصل ذلك فطرة الباري جل وعلا وما تفضل به على خلقه فمن شكر أثيب ومن كفر إن الله غني عن العالمين. وفكر فيما أعطي الإنسان علمه وما منع منه فإنه أعطى علم ما فيه صلاح دينه ودنياه فأما صلاح دينه فهو معرفة الخالق ﵎ بالدلائل والشواهد القائمة وزكاة وصيام وحج ومن العدل بين الناس كافة وبر الوالدين وصلة الأرحام وأداء الأمانة ومواساة أهل الخلة وأشباه ذلك. وكذلك أعطي ما فيه صلاح دنياه كالزراعة والغراسة واستخراج ما في الأرضيين واقتناء الأغنام والأنعام واستنباط الماء ومعرفة العقاقير التي يستشفي بها بإذن الله من ضروب الأسقام والمعادن التي يستخرج منها أنواع الجواهر وركوب السفن والغوص في البحر وضروب الحيل في صيد الوحش والطير والحيتان والتصرف في الصناعات ووجوه المتاجر والمكاسب وغير ذلك مما يطول شرحه ويكثر تعداده مما فيه صلاح أمره في هذه الدار. فأعطي علم ما يصلح به دينه ودنياه ومنع ما سوى ذلك مما ليس في شأنه ولا طاقته أن يعلم كعلم الغيب وعلم ما في السماء وما تحت البحار وأقطار العالم وما في قلوب الناس وما في الأرحام وأشباه هذا مما حجب على الناس علمه فانظر كيف أعطى علم جميع ما يحتاج إليه لدينه ودنياه وحجب عنه ما سوى ذلك ليعرف قدره ونقصه وكلا الأمرين فيه صلاحه. ثم تأمل ما ستر عنه علمه من مدة حياته فأنه لو عرف مقدار عمره وكان قصير العمر لم يتهنأ بالعيش مع رقب الموت وتوقعه لوقت قد عرفه

стр. 1549

وأيقن به وإن كان طويل العمر وعرف ذلك وثق بالبقاء وانهمك في اللذات والمعاصي وعمد أن يبلغ من شهوته ثم يتوب في آخر عمره وهذا مذهب لا يرضاه الله من عباده ولا يقبله. قلت: ومما يستعان به على معرفة قدر نعم الله على العبد التفكر فيها وبالتفكر في حال نفسه قبل وجودها فينظر إذا كان غنيًا إلى حال فقره المتقدم حسًا أو معنًى وينظر إذا كان صحيحًا إلى حاله حينما كان مريضًا وينظر إذا كان مطيعًا لله وقت عصيانه لله حيث من الله عليه بضد تلك الحالة. وينظر إذا كان ذاكرًا لله على الدوام أيام كان غافلاً لاهيًا وينظر إذا كان قارئًا أيام أن كان لا يقرأ ولينظر إذا كان عالمًا إلى وقت جهله وينظر إذا كان له أولاد صالحين أيام إن لم يكن له أولاد وينظر إذا كان في مسكن واسع مناسب أيام أن كان يستأجر أو في بيت ضيق لا يرتضيه. وهكذا كل نعمة ينظر إلى وجود ضدها الذي كان موجودًا قبل ذلك فلا شك أن من عمل بهذا يعرف قدرها فيشكرها فتدوم عليه بإذن الله تعالى لأن الله جل وعلا يقول وهو أصدق قائل ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ فمن شكر نعمة الله زاده الله منها وقيل الشكر قيد الموجود وصيد المفقود. شِعْرًا: ... تَعْصِي الإلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ... هَذَا مُحَالٌ فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَهُ ... إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَبْتَدِيكَ بِنَعْمَةٍ ... مِنْهُ وَأَنْتَ لِشُكْرِ ذَاكَ مُضَيِّعُ وفي أثر إلهي: يقول الله أهل ذكري أهل مجالسي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم

стр. 1550

من رحمتي إن تأبوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ابتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعائب وقيل من كتم نعمة فقد كفرها ومن أظهرها ونشرها فقد شكرها وهذا مأخوذ من قوله ﷺ : «إن الله إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يرى أثر نعمته على عبده» . قلت: وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يحب الناسك النظيف» . فالله يحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر كما يحب أن يرى عليه الجمال الباطن بالتقوى ونظافة الظاهر مع نظافة الباطن نور على نور قال بعضهم لمن انتقده في تحسين ثيابه: حَسِّنْ ثِيَابَكَ مَا اسْتَطَعْتَ فَإِنَّهَا زِينُ الرِّجَالٍ بِهَا تَعُزُّ وَتُكْرَمُ فَرَثَاثُ ثَوْبِكَ لا يَزِيدَكَ رِفْعَةً عِنْدَ الإِلَهِ وَأَنْتَ عَبْدٌ مُجْرِمُ وَجَدِيدُ ثَوْبِكَ لا يَضُرُّكَ بَعْدَ أَنْ تَخْشَى الإِلَهَ وَتَتَّقِي مَا يَحْرُمُ آخر: تَجَمَّلْ بِالثِّيَابِ تَعِشْ حَمِيدًا فَإِنَّ الْعَيْنَ قَبْلَ الاخْتِبَارِ فَلَوْ لَبِسَ الْحِمَارُ ثِيَابَ خَزٍّ لَقَالَ النَّاسُ يَا لَكَ مِنْ حِمَارِ وتأمل حكمة عدم تشابه الناس بخلاف سائر الحيوان فإنك ترى السرب من الظباء والقطا يتشابه حتى لا يفرق بين واحد منها وبين الآخر وترى الناس مختلفة صورهم وخلقهم حتى لا يكاد اثنان منهم يجتمعان في صورة واحدة والعلة في ذلك أن الناس محتاجون إلى أن يتعارفوا

стр. 1551

بأعيانهم وحُلاهم لما يجري بينهم من المعاملات وليس يجري بين البهائم مثل ذلك فيحتاج إلى معرفة كل واحد منها بعينه. ألا ترى أن التشابه في الطير والوحش لا يضرها شيئًا وليس كذلك الإنسان فإنه ربما تشابه التوأمان تشابهًا شديدًا فتعظم المؤنة على الناس في معاملتها حتى يؤخذ أحدهما بذنب الآخر فتبارك الله أحسن الخالقين. وتأمل لو كان الإنسان لا يصيبه ألم ولا وجع بم كان يرتدع عن الفواحش ويتواضع لله ويتعطف على الناس أما ترى الإنسان إذا عرض له وجع خضع واستكان ورغب إلى ربه في العافية وبسط يده في الصدقة. انتهى. اللهم طهر قلوبنا من الحسد والحقد والبغض لعبادك المؤمنين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. موعظة: عباد الله لقد أنعم الله علينا بنعم كثيرة، وجاد علينا بخيرات وفيرة غفلنا عنها، وعن ضدها، وجهلنا حكمتها، أعطانا جل وعلا العقل، وميزنا به عن الحيوانات، وأرسل إلينا الرسل، يرشدوننا للحق وخالص الإيمان، منحنا القوة والعافية، وصحة البدن، وسلامة الأعضاء. وجعل لنا السمع، والبصر، واللسان، والشفتين، وعلمنا البيان والإفصاح، عن ما نقصد بالكلام، خلقنا في أحسن تقويم، وجعل لنا الأرض فراشًا، والسماء بناء، وأنبت لنا في الأرض النخيل، والأعناب والزرع وسائر ما نحتاج إليه من الثمار، ونستخرج منها المعادن، والخامات. وأجرى لنا فيها الأنهار، وأنبع لنا الماء الزلال، وخلق الشمس والقمر، والنجوم، مسخرات بأمره تمدنا بالأنوار، والمنافع، للأبدان

стр. 1552

والثمار، والنباتات، وفيها من الإتقان، والجمال، والاتزان فِي سيرها مدى الليالي والأيام، مَا تشهد لله بالوحدانية، والحكمة، والقدرة الباهرة، والعلم، وسائر صفات الكمال. ولله نعم أخرى لا تعد، ولا تحصى، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ إذًا يجب علينا شكره تعالى عَلَى نعمه، وهو الغني الحميد، غني عن العالمين، والخلق هم الفقراء إليه، كما قال جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ، وليس لله فِي شكرنا منفعة تعود إليه، وليس فِي كفر نعمه ضرر عليه، إنما تعود منفعة الشكر إِلَى الشاكر كما قال تعالى: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ . إنما الذي ينتظر الشكر مخلوق مثلنا وأنت إذا شكرت الله إنما تبرهن عَلَى فهمك لنعمة الله، وتقديرك له إن شكرت فقد وجهت النعمة وجهة الخير، والنفع، واستعملتها فيما يسعدك فِي الدنيا والآخرة، وإن كفرت فقد برهنت على سوء فهمك، وعدم تقديرك لربك، وعَلَى تعمقك فِي اللؤم والرداءة. وإذا تأملت الكثير من الناس وجدته مهملاً للشكر الذي هو صرف النعم فيما خلقت له، واستعمالها فيما شرعت لأجله، لتظهر فائدتها وتتم حكمتها، ويجني العباد منافعها، فالشاكر بلسانه وقلبه، وعمله من الفائزين، ولكنه قليل، كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ الأكثر كما تقدم صروفها فيما يعود عليهم، وعَلَى أولادهم، وأهلهم، وأمتهم بالضرر. أنعم عليهم بالمال فقسم خزنوه ومنعوا حقوقه فلم يخرجوا زكاته،

стр. 1553

ولم يساهموا فِي مشاريع دينية، كبناء مساجد، وقضاء دين عن مدين ومساعدة فقير، وإجراء مياه للمسلمين، والمساعدة على نشر الإسلام وطباعة مصاحف طباعة جيدة وتوزيعها عَلَى التالين لكتاب الله، وطباعة الكتب الدينية المقوية للشريعة المحمدية، وبناء بيوت لمن لا مساكن لهم، ونحو ذلك. وقسم أنفقوا المال فِي الملاذ والملاهي، والمنكرات، وسائر المحرمات، أذهبوها فِي الحياة الدنيا، واستمتعوا بها، ولم يراقبوا الله فيها، أنعم عليهم فِي الصحة والفراغ المفروض أن تغتنم فِي طاعة الله. ولكن يا للأسف صرفت فِي السهر، وفي الفساد، وفي المجون والكسل والتكسع، والخمول أو التطاول بالقوة عَلَى الضعفاء، والمساكين، وإعانة الظلمة والفاسقين، ونحو ذلك، من المفاسد والشرور. وقس عَلَى ذلك باقي النعم من السمع والبصر واللسان والرجل فلم يبق نعمة إلا وقلبوها، ولا هبة من الله إلا وجحدوها فنزلوا بعد الرفعة وذلوا بعد العزة فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقال بعضهم فِي مدح اللطيف الخبير جل وعلا وذكر بعض ألطافه: أَحَاطَ بِتَفْصِيلِ الدَّقَائِقِ عِلْمُهُ فَأَتْقَنَهَا صُنْعًا وَأَحْكَمَهَا فِعْلا فَمِنْ لُطْفِهِ حِفْظَ الْجَنِينِ وَصَوْنُهُ بِمُسْتَوْدَعٍ قَدْ مَرَّ فِيهِ وَقَدْ حَلا تَكَنَّفَهُ بِاللُّطْفِ فِي ظُلُمَاتِهِ وَلا مَالَ يُغْنِيهِ هُنَاكَ وَلا أَهْلا

стр. 1554

وَيَأْتِيهِ رِزْقٌ سَابِغٌ مِنْهُ سَائِغٌ يَرُوحُ لَهُ طَوْلاً وَيَغْدُو لَهُ فَضْلا وَمَا هُوَ يَسْتَدْعِي غِذَاءً بِقِيمَةٍ وَلا هُوَ مِمَّنْ يُحْسِنُ الشُّرْبَ وَالأَكْلا جَرَى فِي مَجَارِي عِرْقِهِ بِتَلَطُّفٍ بِلا طَلَبٍ جَرْيًا عَلَى قَدْرِهِ سَهْلا وَأَجْرَى لَهُ فِي الثَّدْيِ لُطْفَ غِذَائِهِ شَرَابًا هَنِيئًا مَا أَلَذَّ وَمَا أَحْلا وَأَلْهَمَهُ مَصًّا بِحِكْمَةِ فَاطِرِ لَهُ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ الْجَزِيلُ بِمَا أَوْلا وَأَخَّرَ خَلْقَ السِّنَّ عَنْهُ لِوَقْتِهَا فَأَبْرَزَهَا عَوْنًا وَجَاءَ بِهَا طَوْلا وَقَسَّمَهَا لِلْقَطْعِ وَالْكَسْرِ قِسْمَةً وَلِلطَّحْنِ أَعْطَى كُلَّ قِسْمِ لَهَا شَكْلا وَصَرَّفَ فِي لَوْكِ الطَّعَامِ لِسَانَهُ يُصَرِّفُهُ عُلْوًا إِذَا شَاءَ أَوْ سُفلا وَلَوْ رَامَ حَصْرًا فِي تَيَسُّرِ لُقْمَةٍ وَأَلْطَافِهِ فِيمَا تَكَنَّفَهَا كَلا فَكَمْ خَادِمٍ فِيهَا وَكَمْ صَانِع لَهَا كَذَلِكَ مَشْرُوبٌ وَمَلْبَسُهُ كلا وَكَمْ لُطْفٍ مِنْ حَيْثُ تَحْذَرُ أَكرَمَتْ وَمَا كُنْتَ تَدْرِي الْفَرْعَ مِنْهَا وَلا الأَصْلا

стр. 1555

وَمِنْ لُطْفِهِ تَكْلِيفُهُ لِعَبَادِهِ يَسِيرًا وَأَعْطَاهُمْ مِن النِّعِمِ الْجَزْلا وَمِنْ لُطْفِهِ تَوْفِيقُهُمْ لإِنَابَةٍ تُوَصَّلُ لِلْخَيْرَاتٍ مِنْ حَبْلِهِمْ حَبْلا وَمِنْ لُطْفِهِ بَعْثُ النَّبِي مُحَمَّدًا لِيَشْفِعَ فِي قَوْمِ وَلَيْسُوا لَهَا أَهْلا وَمِنْ لُطْفِهِ حِفْظُ الْعَقَائِدِ مِنْهُمُوا وَلَوْ خَالَفَ الْعَاصِي الْمُسِيءُ وَإِنْ زَلا وَمِنْ لُطْفِهِ إِخْرَاجُهُ عَسَلاً كَمَا تُشَاهِدُ مِمَّا كَانَ أَوْدَعَهُ النَّحْلا وَإِخْرَاجُهُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ مُجَاوِرٍ دَمًا لَبَنًا صِرْفًا بِلا شَائِبٍ رِسْلا وَإِخْرَاجُهُ مِنْ دُودَةٍ مَلْبَسًا لَهُ رُوَاقًا عَجِيبًا أَحْكَمَتْهُ لَنَا غَزْلا وَأَعْجَبُ مِنْ ذَا خَلْقُهُ الْقَلْبَ عَارِفًا بِهِ شَاهِدًا أَنْ لا شَبِيهِ وَلا مِثْلا وَأَلْطَافُ فِي الْبَحْرِ الْمُحِيطِ فَخُذْ بِمَا بَدَا لَكَ وَأَشْهَدْهَا وَإِيَّاكَ وَالْجَهْلا وَصَلِّ عَلَى الْمُخْتَارِ أَفْضَلَ مُرْسَلٍ على خَالِصِ الْعِرْفَانِ بِاللهِ قَدْ دَلا

стр. 1556

اللهم اختم لنا بخاتمة السعادة واجعلنا ممن كتبت لهم الحسنى وزيادة واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله عَلَى محمد وآله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) في المروءة المروءة بمعنى الإنسانية لأنها مأخوذة من المرء وهي تعاطي مَا يستحسن وتجنب مَا يسترذل قال بعضهم: حد المروءة رعي مساعي البر، ورفع دواعي الضر والطهارة من جميع الأدناس، والتخلص من عوارض الالتباس، حتى لا يتعلق بحاملها لوم، ولا يلحق به ذم. وقيل: هي آداب نفسية تحمل مراعاتها الإنسان عَلَى الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات. وقيل: هي قوة للنفس مبدأ لصدور الأفعال الجميلة عنها المستتبعة للمدح شرعًا وعقلاً وفرعًا وكلها قريبة المعنى. وقيل: هي الصدق والشرق والاستقامة والشجاعة والحمية. وقال بعضهم: المروءة كلمة لفظها كمعناها حلو جميل إن قرعت السمع فعظمة وجلال وإن نفذت عَلَى القلب فنبل وسمو وشعور بالكرامة والكمال ولست أعدل عن الحق إن قلت إن المروءة هي جماع الفضائل ورأس المكارم وعنوان الشرف بها يسمو المرء ويرتفع ذكره وبفقدها يفقد كل كرامة وفضل. فهي ميزان الرجال وأصل الجمال وحد المروءة تجمل النفس بما يزينها وتحصينها مما يشينها بحيث تكون للمحامد أهلاً وعن المذام# بمنأى ولا يكون إلا لمن راض نفسه عَلَى التخلف بالخلق الحسن من الصفات والتجمل بجميل العادات حتى يصبح التطبع جبلة والتعود غريزة وليس يستطيع ذلك إلا من جاهد نفسه ونازع هواه رغبة فِي حسن الأحدوثة والذكرى الجميلة. كما قيل: لَقَدْ أَسْمَعُ الْقَوْلَ الذِّي كَادَ كُلَّمَا ... تُذَكِّرُنِيْهِ النَّفْسُ قَلْبِيْ يُصَدَّعُ فَأُبْدِي لِمَنْ أَبْدَاهُ مِنِّي بَشَاشَةٍ ... كَأَنِّي مَسْرُورٌ بِمَا مِنْه أَسْمَعُ

стр. 1557

ج وَمَا ذَاكَ مِنْ عُجْبٍ بِهِ غَيْرَ أَنَّنِي ... أَرَى أَنْ تَرَكَ الشَّرِ لِلْشَّرِ أَقْطَع آخر: ... وَإِنَّمَا الْمَرْءُ حَدِيْثٌ بَعْدَهُ فَكُنْ حَدَيْثًا حَسَنًا لِمَنْ وَعَى مِنْ كُلِّ مَا نَالَ الْفَتَى قَدْ نِلْتُهُ وَالْمَرْءُ يَبْقَى بَعْدَهُ حُسْنُ الثَّنَا وَقَدْ ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كلمت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته» . وقال ابن القيم ﵀: وحقيقة المروءة تجنب الدنايا والرذائل من الأقوال والأخلاق والأعمال. فمروءة اللسان حلاوته وطيبه ولينه، واجتباه الثمار مِنْه بسهولة ويسر، ومروءة الخلق سعته وبسطه للحبيب والبغيض. ومروءة المال الإصابة ببذله مواقعه المحمودة عقلاً وعرفًا وشرعًا. ومروءة الجاه بذله للمحتاج إليه، ومروءة الإحسان تعجيله وتيسيره وتوفيره وعدم رؤيته حال وقوعه ونسيانه بعد وقوعه، فهذه مروءة البذل. وأما مروءة الترك، فترك الخصام والمعاتبة والممارات، والإغضاء عن عيب مَا يأخذه من حقك وترك الاستقصاء فِي طلبه والتغافل عن عثرات الناس، وإشعارهم أنك لا تعلم لأحد مِنْهُمْ عثرة، والتوقير للكبير، وحفظ حرمة النظير، ورعاية أدب الصغير قال: وهي عَلَى ثلاث درجات الدرجة الأولى مروءة الإنسان مع نفسه، وهي أن يحملها قسرًا عَلَى مَا يجمل ويزين وترك مَا يدنس ويشين، ليصير لها ملكة فِي جهره وعلانيته. شِعْرًا: ... وَهَلْ يَنْفَعُ الْفِتْيَانَ حُسْنُ وُجُوْهِهِمْ ... إِذَا كَانَتِ الأعْرَاضُ غَيْرُ حِسَانِ فَلا تَجْعَلِ الْحُسْنَ الدَّلِيْلَ على الْفَتَى ... فَمَا كُلُّ مَصْقُوْلِ الْحَدِيْدِ يَمَانِي

стр. 1558

آخر: ... كَالثُّوْرِ عَقْلاً وَمِثْلُ التَّيْسِ مَعْرِفَةً ... فَلا يُفْرِّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْفَنَدِ الْجَهْلُ شَخْصُ يُنَادِي فَوْقَ هَامَتِهِ ... لا تَسْألَ الرَّبْعَ مَا فِي الرَّبْعِ مِنْ أحَدِ آخر: ... خَلِيْلَيَّ كَمْ ثَوْبٍ وَكَمْ مِنْ عَبَاءَةٍ ... عَلَى جَسَدٍ مَا فِيهِ عِلْمٌ وَلا عَقْلُ وَكَمْ لِحْيَةٍ طَالَتْ عَلَى خَدِّ جَاهِلٍ ... فَأَزَرَى بِهَا مِنْ بَعْدَمَا طَالَتَ الْجَهْلُ وَكَمْ رَاكِبِ بَغْلاً لَهُ عَقْلُ بَغْلَهِ ... تَأَمَلْ تَرَى بَغْلاً عَلَى ظَهْرِهِ بَغْلُ آخر: ... كُلُّ الأنَامِ بَنُوْأَبٍ لَكِنَّمَا ... بِالْفََضْلِ تَعْرِفُ قِيْمَةُ الإنْسَانِ فلا يكشف عروته فِي الخلوة، ولا يتجشأ بصوت مزعج مَا وجد إِلَى خلافه سبيلا، ولا يخرج الريح بصوت ولا يجشع وينهم عند أكله وحده وبالجملة فلا يفعل خاليًا مات يستحي من فعله فِي الملإ إلا مَا يحظره الشرع والعقل إن وافق الشرع ولا يكون إلا فِي الخلوة كالجماع والتخلي ونحو ذلك. الدرجة الثانية المروءة مع الخلق بأن يستعمل معهم شروط الأدب والحياء والخلق الجميل ولا يظهر لهم مَا يكرهه هو من غيره لنفسه وليتخذ الناس المتمشين مع الشريعة المطهرة فِي أقوالهم وأفعالهم مرآة لنفسه فكل مَا كرهه ونفر عنْه من قول أو فعل أو خلق فليجتنبه وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله. وصاحب هذه البصيرة ينتفع بكل من خالطه وصاحبه من كامل وناقص وسيء الخلق وحسنه، وعديم المروءة وغزيرها، وكثير من الناس يتعلم المروءة ومكارم الأخلاق من الموصوفين بأضدادها كما روي عن بعض الأكابر أنه كان له مملوك سيء الخلق فظ غليظ لا يناسبه فسئل عن ذلك فقال: أدرس عليه مكارم الأخلاق. وكان لآخر زوجة حمقاء بذيئة اللسان تشتمه بل وتلعنه باستمرار وتدعو عليه من دون داع فقيل له: كيف تصبر عليها وهذه سيرتها معك غفر الله لك. فقال: أدرس عليها مكارم الأخلاق وبالأخص الحلم والصبر وأريد أن تبرز زلاتي فأتجنبها وكان كثيرًا مَا يتمثل بهاذين البيتين:

стр. 1559

عُدَاتِيَ لَهُمْ فَضْلٌ عَلَيَّ وَمِنَةٌ ... فَلا أَذْهَبَ الرَّحْمَنُ عَنِّيَ الأعَادِيَا هَمُّوْا بَحَثُوْا عَنْ زُلَتِيْ فَأَجْتَنَبْتُهَا ... وَهَمْ نَافِسُوْنِي فَاكتَسَبْتُ الْمَعَالِيَا وهذا يكون بمعرفة مكارم الأخلاق فِي ضد أخلاقه ويكون بتمرين النفس عَلَى مصاحبته ومعاشرته والصبر عليه ولكن مَا يفعل ذلك إلا القليل الذين قَدْ وطنوا أنفسهم. كما قيل: النَّاسُ مِثْلُ بُيُوتِ الشَّعْرِ كَمْ رَجُلٍ ... مِنْهُمْ بِأَلْفٍ وَكَمْ بَيْتٍ بِدِيوَانِ آخر: وَكَمْ للهِ مِنْ عَبْدٍ سَمِيْنٍ ... كَثِيْرَ اللَحْمُ مَهْزُوْلِ الْمَعَالِي كَشِبْهِ الطَّبْلِ يُسْمَعُ مِنْ بَعِيْدٍ ... وَبَاطِنُهُ مِنْ الْخَيْرَاتِ خَالِي الدرجة الثانية المروءة مع الحق بالاستحياء من نظره إليك وإطلاعه عليك فِي كل لحظة ونفس وإصلاح عيوب نفسك جهد الإمكان إنه قَدْ اشتراها منك وأنت ساع فِي تسليم المبيع وتقاضي الثمن وليس من المروءة تسليمه عَلَى مَا فيه من عيوب وتقاضي الثمن كاملاً أو رؤية منته فِي هذا الإصلاح وأنه المتولي له لا أنت. والاشتغال بإصلاح عيوبك نفسك عن التفاتك إِلَى عيب غيرك وشهود الحقيقة عن رؤية فعلك وصلاحه. أ. هـ. عَلَيْكَ نَفْسَكَ فَتِّشْ عَنْ مَعَايِبِهَا ... وَخَلِّي مِنْ عَثَرَاتِ النَّاسِ لِلنَّاسِ ومما تقدم يتبين لنا أن مراعاة النفس عَلَى أكمل الأحوال وأفضلها هي المروءة وإذا كانت فليس ينقاد لها مع ثقل كلفها إلا من وفقه الله وسهل عليه المشاق ويود كل أحد لو حصلت له المروءة ولكن كما قيل: وَكُلَّ يَرَى طُرُقَ الشَّجَاعَةِ وَالنَّدَى ... وَلَكِنْ طَبْعُ النَّفْسِ لِلنَّفْسِ قَائِدُ

стр. 1560

آخر: ... فَلا تَحْسَبُوْا أَنَّ الْمَعَالِي رَخِيْصِةً ... وَلا أَنَّ إِدْرَاكَ الْعُلَى هَيِّنٌ سَهْلُ فَمَا كُلُّ مَنْ يِسْعَى إِلَى الْمَجْدِ نَالَهُ ... وَلا كُلُّ مِنْ يَهْوَى الْعَلا نَفْسُهُ تَعْلُو قال العلماء: والداعي إِلَى استسهال المشاق شيئان علو الهمة وشرف الله فأما علو الهمة فيدعو إِلَى التقدم وَقَدْ ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يحب معالي الأمور ويكره دنيها وسفسافها» . قال المناوي: معالي الأمور وأشرافها هي الأخلاق الشرعية والخصال الدينية. أ. هـ. وأما سفساف الأمور فهو حقيرها ورديؤها، وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لا تصغرن هممكم فإني لَمْ أر اقعد عن المكرمات من صغر الهمم. حَاوِلْ جَسِيْمَاتِ الأمُوْرِ وَلا تَقُلْ ... إنَّ الْمَحَامِدَ وَالْعُلَى أَرْزَاقُ آخر: ... يَسْتَقْرَبُ الدَّارَ شَوْقًا وَهْيَ نَازِحَةٌ ... مَنْ عَالَجَ الشَّوْقُ لَمْ يَسْتَبْعِدَ الدَّارَا آخر: ... فَإِنَّ عَلِيَّاتِ الأمُوْرِ مَشُوْبَةٌ ... بِمُسْتَوْدَعَاتٍ فِي بُطُوْنِ الأسَاوُدِ آخر: ... بَصُرْتَ بِالْحَالِةِ الْعُلْيَا فَلَمْ تَرْهَا ... نُتَنَالُ إلا عَلَى جَسْرٍ مِنَ التَّعَبِ آخر: ... وَلَمْ أَرَى فِي عُيُوْبٍ النَّاسَ شَيْئًا ... كَنَقْصِ الْقَادِرِيْنَ على التَّمَامِ ويقول: تُرِيْدِيْنَ لُقْيَانَ الْمَعَالِي رَخِيْصَةً ... وَلا بُدَّ دُوْنَ الشَّهْدِ مِنْ إبَرِ النَّحْلِ وقال بعض العلماء: إذا طلب رجلان أمرًا ظفر به أعظمهما مروءة لكثرة وجاهته ووسائطه عند ذوي الأمر، وأما شرف النفس فيدعو إِلَى الشهامة وهي الحرص عَلَى مَا يوجب الذكر الجميل، والاحتمال وهو إتعاب النفس فِي الحسنات كما قيل: وَإِنْ هُوَ لَمْ يَحْمِلْ عَلَى النَّفْسِ ضَيْمَهَا ... فَلَيْسَ إِلَى حُسْنِ الثَّنَاءِ سَبِيْلُ فباتعا بها يكون التأديب واستقرار التقويم والتهذيب لأنها ربما تركت الأفضل وهي به عارفة، ونفرت عن التأنيب وهي له مستحسنة،

стр. 1561

لأنها عليه غير مطبوعة غير ملائمة، وَقَدْ قيل: مَا أكثر من يعرف الحق ولا بطبعه، وإذا شرفت النفس كانت للآداب طالبة، وفي الفضائل راغبة فإذا خالط شرف النفس الآداب صادف طبعًا ملائمًا فنما واستقر بإذن الله تعالى. وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوْسُ كِبَارًا ... تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الأجْسَامُ اللهم احمنا عن الميل والركون إِلَى أعدائك وارزقنا بغضهم وسأعوانهم والمؤيدين لهم اللهم شتت شملهم ودمرهم أجمعين وانصر من نصر الإسلام والمسلمين وأحب فيك وأبغض فيك يا رب العالمين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله عَلَى محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) قال العلماء: وللمروءة شروط فِي نفس المرء وشروط فِي حق غيره فأما شروطها فِي حق نفسه بعد التزام مَا أوجبه الشرع من أحكامه فيكون بثلاثة أمور وهي العفة والنزاهة والصيانة. فأما العفة فنوعان أحدهما العفة عن المحارم، والثاني العفة عن المآثم. شِعْرًا: فَيَا نَفْسُ صَبْرًا إِنَّمَا عِفَّةُ الْفَتَى ... إِذَا عَفَّ عَنْ لَذَّاتِهِ وَهُوَ قَادِرُ فأما العفة عن المحارم فنوعان، أحدهما: ضبط الفرج عن الحرام كالزنا واللواط. والثاني: كف اللسان عن الأعراض كالقذف والسعاية والنميمة والغيبة والكذب والاستهزاء ونحو ذلك. مما قَدْ كثر فِي زماننا بسبب التلفزيون والفيديو والتلفون المذياع فلهذا ينبغي الابتعاد عن الناس إلا لأخذ العلم أو إصلاح قال بعضهم: لِقَاءُ النَّاسِ لَيْسَ يُفِيْدُ شَيْئًا ... سِوَى الْهَذَيَانِ مِنْ قِيْلَ وَقَالَ فَأَقْلِلْ مِنْ لِقَاءِ النَّاسِ إِلا ... لأخْذِ الْعِلْمِ أَوْ إِصْلاحِ حَالِ

стр. 1562

آخر: ... النَّاسِ دَاءٌ دَفِيْنٌ لا دَوِاءَ لَهُ ... الْعَقْلَ قَدْ حَارَ مِنْهُمْ فَهُوَ مُنْذَهِلُ إِنْ كُنْتَ مُنْبَسِطًا سُمِّيتَ مَسْخَرَةً ... أَوْ كُنْتَ مُنْقَبِطًا قَالُوْا بِهِ ثِقَلُ وَإِنْ تُوَاصُلِهُمْ قَالُوا بِهِ طَمَعٌ ... وَإِنْ تُقَاطِعَهُمْ قَالُوْا بِهِ مَلَلُ وَإِنْ تَهَوَّرَ يَلَقُوْهُ بِمَنْقَصَةٍ ... وَإِنْ تَزْهَدْ قَالُوْا زُهْدُهُ حِيَلُ آخر: ... لِقَاءُ أَكْثَرُ مَنْ تَلْقَاهُ أَوْزَارُ ... فَلا تُبَالِ أَصَدُّوا عَنْكَ أَوْزَارُوْا لَهُمْ لَدَيْكَ إِذَا جَاؤُكَ أَوْ طَارُ ... فَإِنْ قَضَوْهَا تَنَحُّوْا عَنْكَ أَوْ طَارُوا فأما ضبط الفرج عن الحارم فلأن عدمه مع وعيد الشرع وزاجر العقل معرة فاضحة وإثم واضح، ولذلك قال النبي ﷺ : «من وقي شر ذبذبة ولقلقة وقبقبة فقد وقي» . وفي رواية: «فقد وجبت له الجنة» . والمراد بالذبذب الفرج وبلقلقه لسانه، وبقبقبة بطنه. والداعي إِلَى الوقوع فِي الحرام شيئان إرسال الطرف والثاني إتباع الشهوة وَقَدْ تقدم الكلام عَلَى النظر المحرم فِي (ص ٢٠٩) : شِعْرًا: ... لَيْسَ الظَّرِيْف بِكَامِلٍ فِي ظُرْفِهِ ... حَتَى يَكُونَ عَنْ الْحَرَامِ عَفِيفَا فَإِذَا تَوَرَّعَ عَنْ مَحَارِمَ رَبِّهِ ... فَهُنَاكَ يُدْعَى فِي الأنَامِ ظَرِيْفَا ومن ذلك ترغيب النفس فِي الحلال عوضًا عن الحرام وإقناعها بالمباح بدلاً من المحرم فإن الله مَا حرم شيئًا إلا وأغنى عنه بمباح ليكون ذلك الإغناء عونًا عَلَى الطاعة، وحاجزًا عن المخالفة، قال عمر ﵁: مَا أمر بشيء إلا وأعان عليه، ولا نهى عن شيء إلا وأغنى عنه. مَا أَقْبَحَ الْعِرْضُ مَدْنُوسًا بِفَاحَشَةٍ ... يَخُطُّهَا اللَّوْحُ أَوْ يَجْرِي بِهَا الْقَلَمُ وَالْحُسْنُ لا حُسْنَ فِي وَجْهٍ تَأَمَّلُهُ ... إِنْ لَمْ تَكُنْ مِثْلَهُ الأخْلاقُ وَالشِّيَمُ وَلِلْشَّبِيْبَةِ بُنْيَانُ تُكَمِّلُهُ ... لَكَ الثَّلاثُوْنَ عَامًا ثُمَّ يَنْهَدِمُ

стр. 1563

ومن ذلك إشعار النفس تقوى الله فِي أوامره، واتقاؤه فِي زواجره وإلزامها مَا ألزم من طاعته، وتحذيرها مَا حذر من معصيته وإعلامها أنه لا يحفى عليه فِي الأرض ولا فِي السماء ولا بينهما كما قال تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ . وأنه يجازي المحسنين بإحسانه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ وأنه يجزي المسيء بما عمل كما قال تعالى: ﴿وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وبذلك نزلت الكتب وبلغت الرسل. وَقَدْ ورد أن آخر مَا نزل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ قال فِي مِنْهاج اليقين شرح أدب الدنيا والدين: فإذا أشعر صاحب الشهوة مَا وصفت من الأمور انقادت أي النفس إِلَى الكف وأذعنت بالاتقاء فسلم دينه من دنس الريبة وظهرت مروءته. وأما كف اللسان عن الوقوع فِي الأعراض، فالوقوع فيها ملاذ السفهاء، وانتقام أهل الغوغاء والسفلة. قلت: وإلى هذا أشار أبو الطيب فِي قوله: مع أنه لَمْ يعمل بقوله فقد اغتاب وقذف الأبرياء. وَأَكْبِرَ نَفْسِي عَنْ جَزَاءٍ بِغِيبَةٍ ... وَكُلُّ اغْتِيَابٍ جُهْدُ مَنْ لا لَهُ جُهْدُ وهو مستسهل الكلف إذا لَمْ يقهر نفسه عنه برادع كاف وزاجر ساد تلبط بمعارة وتخبط بمضاره فهلك وأهلك ولذلك يقول النبي ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» . فجمع النبي ﷺ فِي الحرمة بين سفك الدم، وهتك العرض، لما فيه من إيغار الصدور بالحقد وإبداء الشرور وإظهار البذاء. قال بعض الحكماء: إنما هلك الناس بفضول الكلام وفضول المال.

стр. 1564

وأما العفة عن المأثم فنوعان: أحدهما الكف عن المجاهرة بالظلم والثاني: زجر النفس عن الأسرار بالخيانة فأما المجاهرة بالظلم فعتو مهلك، وطغيان متلف للمجاهر. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تمكروا ولا تعينوا ماكرًا فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ ولا تبغوا ولا تعينوا باغيًا فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾ » . والباعث عَلَى المجاهرة بالظلم الجرأة والقسوة، والصاد عن ذلك رؤية آثار غضب الله تعالى فِي الظالمين، وأن يتصور عواقب ظلمهم وأما الاستسرار بالخيانة فدناءة ولآمة. وأما النزاهة فنوعان أحدهما: النزاهة عن المطامع الدنية. والثاني: زجر النفس عن الإسرار بالخيانة فأما المجاهرة بالظلم فعتو وطغيان. شِعْرًا: عَلَيْكَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ كِلَيْهِمَا وَبِرِّ ذَوِي الْقُرْبَى وَبِرِّ الأبَاعِدِ وَلا تَصْحَبَنْ إِلا تَقِيًّا مُهَذَّبًا عَفِيفًا زَكِيًّا مُنْجِزًا لِلْمَوَاعِدِ وَقَارِنْ إِذَا قَارَنْتَ حُرًّا مُؤْدَّبًا فَتَى مِنْ بَنِي الأحْرَارِ زَيْنِ الْمَشَاهِدِ وَكُفَّ الأذَى وَاحْفَظْ لِسَانَكَ وَاتَقِي فَدِيَّتُكَ فِي وُدِ الْخَلِيْلِ الْمُسَاعِدِ وَغُضَّ عَنْ الْمَكْرُوْهُ طَرْفَكَ وَاجْتَنِبْ أَذَى الْجَارِ وَاسْتَمْسِكْ بِحَبْلِ الْمَحَامِدِ

стр. 1565

ج وَكُنْ وَاثِقًا بِاللهِ فِي كُلِّ حَادِثٍ يَصُنْكَ مَدَى الأيَامِ مِنْ شَرِّ حَاسِدِ وَبِاللهِ فَاسْتَعْصِمْ وَلا تَرْجُ غَيْرَهُ وَلا تَكُ لِلنَّعْمَاءِ عَنْهُ بِجَاحِدِ وَنَافِسْ بِبَذْلِ الْمَالِ فِي طَلَبِ الْعُلَى بِهِمَّةِ مَحْمُودِ الْخَلائِقِ مَاجِدِ وَلا تَبْنِ فِي الدَّنْيَا بِنَاءَ مُؤَمِّلٍ خُلُودًا فَمَا حَيٌّ عَلَيَهَا بخَالِدِ وَكُلُّ صَدِيقٍ لَيْسِ للهِ وُدُّهُ فَنَادِ هَلْ بِهِ مِنْ مُزَايِدِ اللهم استر مَا بدا منا من العيوب وأمنا يوم الشدائد والكروب، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله عَلَى محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) فِي بر الوالدين وتحريم عقوقهما البر: الصلة والحسنة والخير، وفي المطالع فِي قوله ﷺ : «وإن الصدق يهدي إِلَى البر» . البر اسم جامع للخير، وعق الولد أباه إذا آذاه وعصاه وخرج عليه: بر الوالدين فريضة لازمة وعقوقهما حرام، ولا ينكر فضل الوالدين إلا المتوغل فِي النذالة والآمة. ولن يستطيع الأبناء والبنات مجازاة الآباء والأمهات عَلَى مَا قاموا به نحوهم من الطفولة إِلَى الرجولة من عطف ورعاية وتربية وعناية إلا أن يجد الولد الوالد مملوكًا فيشتريه فيعتقه كما فِي حديث أبي هريرة قال

стр. 1566

رسول الله ﷺ : «لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» . رواه مسلم. فشكر المنعم واجب، ولله سبحانه عَلَى العباد نعم، لا تحصى كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ من ذلك نعمة الخلق والإيجاد، وجعل للوالدين نعمة الايلاد والتربية الصالحة، والعناية التامة بالأولاد، وأكبر الخلق وأعظمهم نعمة عَلَى الإنسان بعد رسل الله والده اللذان جعلهما الله سببًا لوجوده واعتنيا به منذ كان حملاً إِلَى أن كبر. فأمه حملته شهورًا تسعًا قي الغالب تعاني به فِي تلك الأشهر مَا تعاني من آلام من مرض ووحم وثقل فإذا آن وقت الوضع وأجاءها المخاض، شاهدت الموت، وقاست من الآلام مَا الله به عليم فتارة تموت، وتارة تنجو ويا ليت الألم والتعب ينتهي بالوضع كان الأمر سهلاً ولكن يكثر النصب ويشتد بعده قال الله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ ثم ترضعه حولين كاملين غالبًا فتقوم به مثقلة وتقعد به مثقلة، تضيق أحشاؤها وقت حمله بالطعام والشراب. وتضعف عند الوضع أعضاؤها. ثم بعد ذلك صياح بالليل يحرم الوالدين النوم، وكذلك بالنهار يقلق به راحتهما، ويتعب قلبيهما، ويذرف دموعهما، ومرض يعتري الولد من وقت لآخر، تنخلع له قلوبهما انخلاعًا وتنهد به أبدانهما هدًّا. وتعهد من الأم لجسمه بالغسل، ولثيابه بالتنظيف، ولإفرازاته بالإزالة، لا يومًا ولا يومين، ولا شهرًا ولا شهرين ولا سنةً ولا سنتين هي به ليلها ونهارها فِي متاعب ومشاق، تصغر بجانبها متاعب المؤبدين فِي الأعمال الشاقة.

стр. 1567

يضاف إِلَى ذلك امتصاصه دمها الذي هو اللبن مدة الرضاع، ولو لك يكن مِنْه لهدم بدنها وإضعافه وإذهاب قوتها إلا هذا الامتصاص لكفى. فإذا شب وبرزت أسنانه، وقويت معدته عَلَى قبول الطعام وهضمه وانفتحت شهواته له، انفتح لوالديه باب الفكر والكد لجلب طعامه وشرابه وسائر شؤونه، وبرما احتملا ألم الغربة والسفر إِلَى بلد بعيد لطلب المعيشة للأولاد. وكثيرًا مَا يضحي الوالدان براحتهما فِي سبيل راحة الأبناء والبنات، والطفل يعرف أمه ويحبها قبل كل أحد فإذا غابت صاح حتى تأتيه وإذا أعرضت عنه دعاها وناحها بما يقدر عليه من كلام أو غيره وإذا أصابه شيء يؤلمه استغاث وناداها، يظن أن الخير كله عندها وأن الشر لا يخلص إليه مَا دامت تضمه عَلَى صدرها وترعاه بعينها وتذب دونه بيديها. ولذلك هي مقدمة فِي الحضانة إذا فراقها زوجها ولم تتزوج حتى يميز ويختار من شاء مِنْهمَا كما فِي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن امرأة قالت: يا رسول الله أن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له جواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينتزعه مني فقال: «أنت أحق به مَا لَمْ تنكحي» . رواه أحمد وأبو داود. ثم الولد لا يحب بعد أمه إلا أباه الذي إذا دخل هش وبش به أن خرج تعلق به وإذا حضر قعد عَلَى حجره، مستندًا عَلَى صدره، وإذا غاب سأل عنه وانتظره، يرى أنه إذا رضي أعطاه مَا يريد وإذا غضب ضربه وأدبه، يخوف من يؤذيه بأبيه، وأي حب واحترام بعد هذا،

стр. 1568

ولكن يا للأسف سرعان مَا ينسى الجميل وينكر المعروف ويلتفت إِلَى زوجته وأولاده. ولذلك لا يحتاج الآباء إِلَى توصية بالأبناء إنما يحتاج الأولاد إِلَى استجاشة وجدانهم بقوة ليذكروا واجب والديهم نحوهم. شِعْرًا: قَضَى اللهُ أَنْ لا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ حَتْمًا فَيَا وَيْحَ شَخْصٍ غَيْرَ خَالِقِهِ أَمَّا وَأَوْصَاكُمُوا بِالْوَالِدَيْنِ فَبَالِغُوا بِبِرِّهِمَا فَالأجْرَ فِي ذَاكَ وَالرَّحْمَا فَكَمْ بَذَلا مِنْ رَأْفَةٍ وَلَطَافَةٍ وَكَمْ مَنَحَا وَقَتْ احْتِيَاجِكَ مِنْ نُعْمَا وَأُمُّكَ كَمْ بَاتَتْ بِثِقْلِكَ تَشْتَكِي تُوَاصِلُ مِمَّا شَقَّهَا الْبُؤْسَ وَالْغَمَّا وَفِي الْوَضْعِ كَمْ قَاسَتْ وَعِنْدَ وِلادِهَا مُشَقًّا يُذِيْبُ الْجِلْدَ وَاللَّحْمَ وَالْعِظْمَا وَكَمْ سَهِرَتْ وِجْدًا عَلَيْكَ جُفُونِهَا وَأَكْبَادُهَا لَهْفًا بِجَمْرِ الأسَا تَحْمَى وَكَمْ غَسَّلَتْ عَنْكَ الأذَى بِيَمِيْنِهَا حُنُوًّا وَإشْفَاقًا وَأَكْثَرَتِ الضَّمَّا فَضَيَّعْتَهَا لَمََّا أَسَنَّتْ جَهَالَةً وَضِقْتَ بِهَا زَرْعًا وَذَوَّقْتُهَا سُمَّا وَبِتَّ قَرِيْرَ الْعَيْنِ رَيَّانَ نَاعِمًا مُكِبًّا عَلَى اللَّذَاتِ لا تَسْمَعُ اللَّوْمَا

стр. 1569

وَأُمُّكَ فِي جُوْعٍ شَدِيْدٍ وَغُرْبَةٍ تَلِيْنُ لَهَا مِمَا بِهَا الصَّخْرَةُ الصَّمَا أَهَذَا جَزَاهَا بَعْدَ طُوْلِ عِنَائِهَا لأَنْتَ لَذُوْ جَهْلِ وَأَنْتَ إِذًا أَعْمَى آخر: ... فَلا تُطِعْ زَوْجَةً فِي قَطْعِ وَالِدَةٍ عَلَيْكَ يَا ابْنَ أَخِيْ قَدْ أَفْنَتِ الْعُمُرَا فَكَيْفَ تُنْكِرُ أُمًّا ثُقْلُكَ احْتَمَلَتْ وَقَدْ تَمَرَّغْتَ فِي أَحْشَائِهَا شُهُرَا وَعَالَجَتْ بِكَ أَوْجَاعَ النِّفَاسِ وَكَمْ سُرَّتْ لَمَّا وَلَدَتْ مَوْلُدِهَا ذَكَرَا وَأَرْضَعَتْكَ إِلَى حَوْلَيْنِ مُكْمِلَةً فِي حَجْرِهَا تَسْتَقِيْ مِنْ ثَدْيِهَا الدُّرَرَا وَمِنْكَ يُنْجِسُهَا مَا أَنْتَ رَاضِعُهُ مِنْهَا وَلا تَشْتَكِي نَتْنًا وَلا قَذَرَا وَقُلْ هُوَ اللهُ بِالآلافِ تَقْرَؤُهَا خَوْفًا عَلَيْكَ وَتُرْخِي دُوْنَكَ السُّتُرَا وَعَامَلَتْكَ بِإِحْسَانٍ وَتَرْبِيَةٍ حَتَى اسْتَوَيْتَ وَحَتَى صِرْتَ كَيْفَ تَرَى فَلا تُفَضِّلْ عَلَيْهَا زَوْجَةً أَبَدًا وَلا تَدَعْ قَلْبُهَا بِالْقَهْرِ مُنْكَسِرَا وَالْوَالِدُ الأصْلُ لا تُنْكِرْ لِتَرْبِيَةٍ وَاحْفَظْهُ لاسِيَّمَا إِنْ أَدْرَكَ الْكِبَرَا

стр. 1570

فَمَا تُؤَدِّيْ لَهُ حَقًّا عَلَيْكَ وَلَوْ على عُيُوْنِكَ حَجُ الْبَيْتِ وَاعْتَمَرَا اللهم وفقنا لحبك وحب من يحبك وحب العمل الذي يقربنا إِلَى حبك وألهمنا ذكرك وشكرك وأعمر أوقاتنا بطاعتك وحل بيننا وبين معاصيك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله عَلَى محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) وَقَدْ أمر الله جل شانه بالإحسان عَلَى الوالدين فِي آيات من القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ وقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ . وَقَدْ فضل مَا يجب من الإحسان إِلَى الوالدين بقوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ﴾ الآيتين المعنى إذا وصل الوالدان أو أحدهما إِلَى الكبر حال الضعف والعجز وصارا عندك فِي آخر العمر كما كنت عندهما فِي أوله وجب عليك أن تحنو عليهما وتشفق عليهما وتلطف لهما وتعاملهما معاملة الشاكر لمن أنعم عليه على أن الفضل للمتقدم. ويتجلى ذلك بأن تتبع معها أمورًا خمسة أولاً تتأفف من شيء تراه وتشمه من أحدهما أو مِنْهمَا مما يتأذى به الناس، ولكن اصبر على ذلك منهما واحتسب الأجر عليه من الله جل وعلا كما صبرا عليك فِي

стр. 1571

صغرك واحذر الضجر والملل القليل والكثير وعليك بالرفق واللين معهما والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. ثانيًا: أن لا تنغض ولا تكدر عليهما بكلام تزجرهما به وفي هذا منع من إظهار المخالفة لهما بالقول عَلَى سبيل الرد عليهما والتكذيب لهما. ثالثًا: أن تقول لهما قولاً كريمًا أي حسنًا طيبًا مقرونًا بالاحترام والتعظيم مما يقتضيه حسن الأدب وترشد إليه المروءة كأن تقول: يا أبتاه أو يا والدي ويا أماه أو يا والدتي ولا تدعهما بأسمائهمَا ولا ترفع صوتك أمامهما ولا تحدق فيهما بنظرك بل يكون نظرك إليهما نظر لطف وعطف وتواضع. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَمْ يتل القرآن من لَمْ يعمل به، ولم يبر والديه من أحد النظر إليهما فِي حال العقوق أولئك برآء مني وأنا مِنْهُمْ بريء» . رواه الدارقطني. وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة فِي قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ قال: إن أغضباك فلا تنظر إليهما شزرًا، فإنه أول مَا يعرف به غضب المرء شدة نظره إِلَى من غضب عليه. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن أنه قيل له: إِلَى مَا ينتهي العقوق؟ قال: أن يحرمهما ويهجرهما ويحد النظر إليهما. واعلم أن النظر إليهما بعين الحنو والعطف والشفقة والتفقد لما يكرهان فهذا لا بأس به كما أن غض الطرف عنهما كراهة عقوق قال الشاعر فِي ابنه:

стр. 1572

يَوَدُّ الرَّدَى لِي مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهِ وَلَوْ مُتُّ بَانَتْ لِلْعَدُوِّ مَقَاتِلُهْ إِذَا مَا رَآنِيْ مُقْبِلاً غَضَّ طَرْفَهُ كَأْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ دُوْنِيْ يُقَابِلُهُ رابعًا: أن تدعو الله أن يرحمهما برحمته الواسعة كفاء رحمتها لك وجميل شفقتهما عليك. خامسًا: أن تتواضع لهما وتذلل وتطيعهما فيما أمراك به مَا لَمْ يكن معصية لله وتشتاق وترتاح إِلَى بذل مَا يطلبان منك من حطام الدنيا الفانية رحمة منك بهما وشفقة عليهما إذ هما قَدْ احتاجا إِلَى من كان أحوج الناس إليهما أيام كان فِي غاية العجز عن أي مصلحة من مصالحه بحيث لو غفل عنه والده قليلاً من الزمن لهلك. وعَلَى الجملة فقد أكد جل وعلا التوصية بهما من وجوه كثيرة، وكفاها أن شفع الإحسان إليهما بتوحيده، ونظمهما فِي سلك القضاء بهما معًا، وَقَدْ ورد فِي بر الوالدين أحاديث كثيرة، من ذلك أن رجلاً جاء إِلَى النبي ﷺ يستأذنه فِي الجهاد معه فقال: «أحيٌّ والداك» ؟ قال: نعم. قال: «ففيهما فجاهد» . ومن ذلك مَا رواه مسلم وغيره لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه ومن ذلك مَا روي عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أحب إِلَى الله ورسوله قال: «الصلاة عَلَى وقتها» . قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» . قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد فِي سبيل الله» .

стр. 1573

وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة» . رواه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: أقبل رجل إِلَى النبي ﷺ فقال: أبايعك عَلَى الهجرة والجهاد ابتغي الأجر من الله تعالى فقال: «فهل من والديك أحد حي» ؟ قال: نعم بل كلاهما. قال: «فتبتغي الأجر من الله تعالى» ؟ قال: نعم. قال: «فارجع إِلَى والديك فأحسن صحبتهما» . متفق عليه. وأخرج ابن ماجة عن أبي أمامة ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول الله مَا حق الوالدين عَلَى ولدهما؟ قال: «هما جنتك ونارك» . وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سره أن يمد له فِي عمره ويزاد فِي رزقه فليبر والديه وليصل رحمه» . رواه أحمد والبيهقي بسند رجاله رجال الصحيح، وأصله فِي الصحيحين باختصار. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: جاء رجل إِلَى رسول الله ﷺ فقال: جئت أبايعك عَلَى الهجرة وتركت أبوي يبكيان فقال: «ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما» . رواه أبو داود. قال الناظم: وَيَحْسُنُ تَحْسِيْنٌ لِخُلْقٍ وَصُحْبَةٍ وَلاسِيَّمَا لِلْوَالِدِ الْمُتَأَكْدِ

стр. 1574

وَلَوْ كَانَ ذَا كُفْرٍ وَأَوْجَبَ طَوْعَهُ سِوَى فِي حَرَامٍ أَوْ لأمْرٍ مُؤَكَّدِ كَتِطْلاب عِلْمٍ لا يَضُرُّهُمَا بِهِ وَتَطْلِيقِ زَوْجَاتٍ بِرَأْيٍ مُجَرَّدِ وَأَحْسِنْ إِلَى أَصْحَابِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَهَذَا بَقَايَا بِرِّهِ الْمُتَعَوَّدِ وقال ﷺ : «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده» . وعن وهب ابن منبه قال: إن الله تعالى أوحى إِلَى موسى صلوات الله وسلامه عليه يا موسى وقر والديك، فإن من وقر والديه مددت فِي عمره، ووهبت له ولدًا يوقره ومن عق والديه قصرت فِي عمره ووهبت له ولدًا يعقه. وذكر فِي الآداب الكبرى عن ابن عباس ﵄ قال: إنما رد الله عقوبة سليمان عن الهدد لبره كان بأمه. وقال عكرمة: إنما صرف سليمان عن ذبح الهدهد إنه كان بارًا بوالديه ينقل إليهما الطعام فيرزقهما. انتهى. وقصة الهدهد على مَا قيل عنها هي أنه لما توعده سليمان بقوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ وذلك أنه لما فقده لأجل الماء، فدعا سليمان عريف الطير وهو النسر فلم يجد عنده علمه.

стр. 1575

ثم قال لسيد الطير وهو العقاب عليَّ به فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل فقصدته فناشدها الله، وقال: بحق الذي قواك وأقدرك عليّ إلا رحمتيني، فتركته وقالت: ثكلتك أمك، إن نبي الله حلف ليعذبنك قال: وما استثنى؟ قالت: بلى. قال: ﴿لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ . فلما قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعًا فلما دنا مِنْه أخذ رأسه فمده إليه، فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله، فارتعد سليمان ﵇ وعفا عنه. انتهى. والله أعلم وصلى الله على محمد وعَلَى آله وسلم. (فَصْلٌ) وبر الأم مقدم على بر الأب لما سيأتي من الأحاديث، وذلك أنها تنفرد عن الأب بأشياء مِنْهَا مشقة الحمل وصعوبة الوضع، وصعوبة الرضاع وكثرة الشفقة والخدمة والحنو. فعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إِلَى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» . قال: ثم من؟ قال: «أمك» . قال: ثم من؟ قال: «أمك» . قال: ثم من؟ قال: «أبوك» . وعن أنس ﵁ قال: أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: إني اشتهي الجهاد ولا أقدر عليه. قال: «هل بقي من والديك أحد» ؟ قال: أمي. قال: «قابل الله فِي برها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد» . رواه أبو يعلى والطبراني فِي الصغير والأوسط وإسناد هما جيد.

стр. 1576

وعن طلحة بن معاوية السلمي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أريد الجهاد فِي سبيل الله قال: «أمك حية» ؟ قلت: نعم. قال النبي ﷺ : «ألزم رجلها فثم الجنة» . رواه الطبراني. وعن معاوية بن جاهمة أن جاهمة جاء إِلَى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو، وَقَدْ جئت أستشيرك، فقال: «هل لك من أم» ؟ قال: نعم. قال: «فألزمها فإن الجنة عند رجلها» . رواه ابن ماجة والنسائي واللفظ له والحاكم وقال: صحيح الإسناد. ورواه الطبراني بإسناد جيد ولفظه قال: أتيت النبي ﷺ أستشيره فِي الجهاد فقال النبي ﷺ : «ألك والدان» ؟ قلت: نعم. قال «ألزمهما فإن الجنة تحت أرجلهما» . وعن أبي الدرداء أن رجلاً أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع هذا الباب أو احفظه» . رواه ابن ماجة والترمذي واللفظ له. وعن ابن عمر ﵄ قال: كان تحتي امرأة أحبها وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلقها فأبيت فأتى عمر رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال لي رسول الله ﷺ : «طلقها» . رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وابن حبان فِي صحيحه وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. شِعْرًا: ... زُرْ وَالَدَيْكَ وَقِفْ لي قَبْرَيْهِمَا ... فَكَأَنَّنِيْ بِكَ قَدْ نُقِلْتَ إِلَيْهِمَا مَا كَانَ ذَنْبَهُمَا إِلَيْكَ فَطَالَمَّا ... مَنَحَاكَ مَحْضَ الْوِدِّ مِنْ نَفْسَيْهِمَا كَانَا إِذَا مَا أَبْصَرَا بِكَ عِلَّةً ... جَزَعًا لِمَا تَشْكُوْهُ شَقَّ عَلَيْهِمَا كَانَا إِذَا سَمِعَا أَنِيْنَكَ أَسْبَلاَ ... دَمْعَيْهِمَا أَسَفًا على خَدَّيْهِمَا

стр. 1577

ج وَتَمَنَّيَا لَوْ صَادَفَا لَكَ رَاحَةً ... بِجَمِيْعِ مَا يَحْوِيِهِ مُلْكُ يَدَيْهِمَا أَنَسِيْتَ حَقَّهُمَا عَشِيَّةَ أُسْكِنَا ... دَارَ الْبَلا وِسَكَنْتَ فِي دَارَيْهِمَا فَلَتَلْحَقَّهُمَا غَدًا أَوْ بَعْدَهُ ... حَتْمًا كَمَا لَحِقَا هُمَا أَبَوَيْهِمَا وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «رضا الله فِي رضا الوالد وسخط الله فِي سخط الوالد» . رواه الترمذي ورجح وقفه وابن حبان فِي صحيحه والحاكم وقالا: صحيح على شرط الشيخين. عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة فِي عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ ، قلت: قدمت عليَّ أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم صلي أمك» . رواه البخاري ومسلم. قال بعضهم: لَئِنْ كَانَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ مُقَدَمًا فَمَا يَسْتَوِيْ فِي بِرِّهِ الأبُ وَالأمُ وَهَلْ يَسْتَوِي الْوَضْعَانِ وَضْعُ مَشَقَةٍ وَوَضْعُ التِّذَاذٍ ذَاكَ بُرْءٌ وَذَا سُقْمُ إِذَا التَّفَتَتْ نَحْوَ السَّمَاءِ بِطَرْفِهَا فَكُنْ حَذِرًا مِنْ أَنْ يُصِبْ قَلْبَكَ السَّهْمُ وَفِي آيَةِ التَّأْفِيفِ لِلْحُرِّ مُقْنِعٌ وَلَكِنَّهُ مَا كُلُّ عَبْدٍ لَهُ فَهْمُ وروى وهب بن منبه فِي حديث طويل أن فتى كان برًا بوالديه وكان يحتطب على ظهره فإذا باعه تصدق بثلثه وأعطى أمه ثلثه، وأبقى لنفسه

стр. 1578

ثلثه، فقالت له أمه: إني ورثت من أبيك بقرة فتركتها فِي البقر على اسم الله، فإذا أتيت البقر فادعها باسم إله إبراهيم. فذهب فصاح بها، فأقبلت فانطقها الله، فقالت: اركبني يا فتى. فقال الفتى: إن أمي لَمْ تأمرني بهذا فقالت: أيها البر بأمه لو ركبتني لَمْ تقدر عليّ فانطلق فلو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله معك لانقلع لبرك بأمك. فلما جاء بها قالت أمه: بعها بثلاثة دنانير على رضىً مني فبعث الله ملكًا فقال: بكم هذه؟ قال بثلاثة دنانير على رضىً من أمي، قال: لك ستة ولا تستأمرها، فأبى وعاد إِلَى أمه فأخبرها فقال: بعها بستة على رضىً مني، فجاء الملك فقال: خذ اثني عشر ولا تستأمرها فأبى وعاد إِلَى أمه فأخبرها فقالت: يا بني ذاك ملك فقل له: بكم تأمرني أن أبيعها؟ فجاء إليه فقال: يا فتى يشتري بقرتك هذه موسى بن عمران لقتيل يقتل فِي بني إسرائيل. وفي رواية فقال له الملك: اذهب إِلَى أمك وقل لها امسكي هذه البقرة فإن موسى بن عمران ﵇ يشتريها منك لقتيل يقتل فِي بني إسرائيل فلا تبعها إلا بملء مسكها دنانير فأمسكها وقدر الله على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها فما زالوا يستوصفونها حتى وصفت لهم تلك البقرة مكافأة على بره بوالدته فضلاً من الله ورحمة. وعن أسير بن جابر ﵄ قال: كان عمر ﵁ إذ أتى أمراء اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى عليه

стр. 1579

فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم. قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم. قال: فكان بك برص فبرأت مِنْه إلا موضع درهم؟ قال: نعم. قال: لك والدة؟ قال: نعم. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرئ مِنْه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» . فاستغفر لي، فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة. قال ألا أكتب لك إِلَى عاملها؟ قال: أكون فِي غبراء الناس أحب إلي. فانظر المنزلة التي بلغها هذا البار بأمه حتى كان من شأنه أن يخبر عنه المصطفى ﷺ وأن يقول لعمر: إن استطعت أن يستغفر لك فافعل إذا أتى» . ثم حرص عمر ﵁ على السؤال عن أويس ليطلب مِنْه الاستغفار له. رأى ابن عمر ﵄ رجلاً قَدْ حمل أمه على رقبته وهو يطوف بها حول الكعبة فقال: يا ابن عمر أتراني جازيتها؟ قال: ولا بطلقة واحدة من طلقاتها ولكن أحسنت والله يثيبك على القليل كثيرًا. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إِلَى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم قال رجل مِنْهم:

стр. 1580

اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً فنأى بي طلب الشجر يومًا فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا مَا نحن فيه من هذه الصخرة. فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج معه قال الآخر: اللهم كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إليّ فأردتها على نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل أن تفض الخاتم إلا بحقه فتحرجت من الوقوع عليها. فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليّ، وتركت الذهب الذي أعطيتها. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا مَا نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج مِنْها، قال النبي ﷺ : وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت مِنْه الأموال فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أد إلّي أجري فقلت: كل مَا ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي فقلت: إني لا استهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك مِنْه شيئًا. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا مَا نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون» . والشاهد من الحديث لما نحن فيه قصة الأول الذي هو البار بوالديه.
следующие страницы →