← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وعن طلحة بن معاوية السلمي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أريد الجهاد فِي سبيل الله قال: «أمك حية» ؟ قلت: نعم. قال النبي ﷺ : «ألزم رجلها فثم الجنة» . رواه الطبراني. وعن معاوية بن جاهمة أن جاهمة جاء إِلَى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو، وَقَدْ جئت أستشيرك، فقال: «هل لك من أم» ؟ قال: نعم. قال: «فألزمها فإن الجنة عند رجلها» . رواه ابن ماجة والنسائي واللفظ له والحاكم وقال: صحيح الإسناد. ورواه الطبراني بإسناد جيد ولفظه قال: أتيت النبي ﷺ أستشيره فِي الجهاد فقال النبي ﷺ : «ألك والدان» ؟ قلت: نعم. قال «ألزمهما فإن الجنة تحت أرجلهما» . وعن أبي الدرداء أن رجلاً أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع هذا الباب أو احفظه» . رواه ابن ماجة والترمذي واللفظ له. وعن ابن عمر ﵄ قال: كان تحتي امرأة أحبها وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلقها فأبيت فأتى عمر رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال لي رسول الله ﷺ : «طلقها» . رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وابن حبان فِي صحيحه وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. شِعْرًا: ... زُرْ وَالَدَيْكَ وَقِفْ لي قَبْرَيْهِمَا ... فَكَأَنَّنِيْ بِكَ قَدْ نُقِلْتَ إِلَيْهِمَا مَا كَانَ ذَنْبَهُمَا إِلَيْكَ فَطَالَمَّا ... مَنَحَاكَ مَحْضَ الْوِدِّ مِنْ نَفْسَيْهِمَا كَانَا إِذَا مَا أَبْصَرَا بِكَ عِلَّةً ... جَزَعًا لِمَا تَشْكُوْهُ شَقَّ عَلَيْهِمَا كَانَا إِذَا سَمِعَا أَنِيْنَكَ أَسْبَلاَ ... دَمْعَيْهِمَا أَسَفًا على خَدَّيْهِمَا

стр. 1577

ج وَتَمَنَّيَا لَوْ صَادَفَا لَكَ رَاحَةً ... بِجَمِيْعِ مَا يَحْوِيِهِ مُلْكُ يَدَيْهِمَا أَنَسِيْتَ حَقَّهُمَا عَشِيَّةَ أُسْكِنَا ... دَارَ الْبَلا وِسَكَنْتَ فِي دَارَيْهِمَا فَلَتَلْحَقَّهُمَا غَدًا أَوْ بَعْدَهُ ... حَتْمًا كَمَا لَحِقَا هُمَا أَبَوَيْهِمَا وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «رضا الله فِي رضا الوالد وسخط الله فِي سخط الوالد» . رواه الترمذي ورجح وقفه وابن حبان فِي صحيحه والحاكم وقالا: صحيح على شرط الشيخين. عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة فِي عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ ، قلت: قدمت عليَّ أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم صلي أمك» . رواه البخاري ومسلم. قال بعضهم: لَئِنْ كَانَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ مُقَدَمًا فَمَا يَسْتَوِيْ فِي بِرِّهِ الأبُ وَالأمُ وَهَلْ يَسْتَوِي الْوَضْعَانِ وَضْعُ مَشَقَةٍ وَوَضْعُ التِّذَاذٍ ذَاكَ بُرْءٌ وَذَا سُقْمُ إِذَا التَّفَتَتْ نَحْوَ السَّمَاءِ بِطَرْفِهَا فَكُنْ حَذِرًا مِنْ أَنْ يُصِبْ قَلْبَكَ السَّهْمُ وَفِي آيَةِ التَّأْفِيفِ لِلْحُرِّ مُقْنِعٌ وَلَكِنَّهُ مَا كُلُّ عَبْدٍ لَهُ فَهْمُ وروى وهب بن منبه فِي حديث طويل أن فتى كان برًا بوالديه وكان يحتطب على ظهره فإذا باعه تصدق بثلثه وأعطى أمه ثلثه، وأبقى لنفسه

стр. 1578

ثلثه، فقالت له أمه: إني ورثت من أبيك بقرة فتركتها فِي البقر على اسم الله، فإذا أتيت البقر فادعها باسم إله إبراهيم. فذهب فصاح بها، فأقبلت فانطقها الله، فقالت: اركبني يا فتى. فقال الفتى: إن أمي لَمْ تأمرني بهذا فقالت: أيها البر بأمه لو ركبتني لَمْ تقدر عليّ فانطلق فلو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله معك لانقلع لبرك بأمك. فلما جاء بها قالت أمه: بعها بثلاثة دنانير على رضىً مني فبعث الله ملكًا فقال: بكم هذه؟ قال بثلاثة دنانير على رضىً من أمي، قال: لك ستة ولا تستأمرها، فأبى وعاد إِلَى أمه فأخبرها فقال: بعها بستة على رضىً مني، فجاء الملك فقال: خذ اثني عشر ولا تستأمرها فأبى وعاد إِلَى أمه فأخبرها فقالت: يا بني ذاك ملك فقل له: بكم تأمرني أن أبيعها؟ فجاء إليه فقال: يا فتى يشتري بقرتك هذه موسى بن عمران لقتيل يقتل فِي بني إسرائيل. وفي رواية فقال له الملك: اذهب إِلَى أمك وقل لها امسكي هذه البقرة فإن موسى بن عمران ﵇ يشتريها منك لقتيل يقتل فِي بني إسرائيل فلا تبعها إلا بملء مسكها دنانير فأمسكها وقدر الله على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها فما زالوا يستوصفونها حتى وصفت لهم تلك البقرة مكافأة على بره بوالدته فضلاً من الله ورحمة. وعن أسير بن جابر ﵄ قال: كان عمر ﵁ إذ أتى أمراء اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى عليه

стр. 1579

فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم. قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم. قال: فكان بك برص فبرأت مِنْه إلا موضع درهم؟ قال: نعم. قال: لك والدة؟ قال: نعم. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرئ مِنْه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» . فاستغفر لي، فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة. قال ألا أكتب لك إِلَى عاملها؟ قال: أكون فِي غبراء الناس أحب إلي. فانظر المنزلة التي بلغها هذا البار بأمه حتى كان من شأنه أن يخبر عنه المصطفى ﷺ وأن يقول لعمر: إن استطعت أن يستغفر لك فافعل إذا أتى» . ثم حرص عمر ﵁ على السؤال عن أويس ليطلب مِنْه الاستغفار له. رأى ابن عمر ﵄ رجلاً قَدْ حمل أمه على رقبته وهو يطوف بها حول الكعبة فقال: يا ابن عمر أتراني جازيتها؟ قال: ولا بطلقة واحدة من طلقاتها ولكن أحسنت والله يثيبك على القليل كثيرًا. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إِلَى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم قال رجل مِنْهم:

стр. 1580

اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً فنأى بي طلب الشجر يومًا فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا مَا نحن فيه من هذه الصخرة. فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج معه قال الآخر: اللهم كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إليّ فأردتها على نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل أن تفض الخاتم إلا بحقه فتحرجت من الوقوع عليها. فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليّ، وتركت الذهب الذي أعطيتها. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا مَا نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج مِنْها، قال النبي ﷺ : وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت مِنْه الأموال فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أد إلّي أجري فقلت: كل مَا ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي فقلت: إني لا استهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك مِنْه شيئًا. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا مَا نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون» . والشاهد من الحديث لما نحن فيه قصة الأول الذي هو البار بوالديه.

стр. 1581

قال بعضهم: لأمِّكَ حَقٌّ لَوْ عَلِمْتَ كَبِيْرُ كَثِيْرُكَ يَا هَذَا لَدَيْهِ يَسِيْرُ فَكَمْ لَيْلَةٍ بَاتَتْ بِثُقْلِكَ تَشْتَكِي لَهَا مِنْ جَوَاهَا أَنَّهُ وَزَفِيرُ وَفِي الْوَضْعِ لَوْ تَدْرِي عَلَيْكَ مَشَقَّةٌ فَكَمْ غُصَصٍ مِنْهَا الْفُؤَادُ يَطِيرُ وَكَمْ غَسَّلَتْ عَنْكَ الأذَى بِيَمِينِهَا وَمِنْ ثَدْيِهَا شُرْبٌ لَدَيْكَ نَمِيرُ وَكَمْ مَرَّةٍ جَاعَتْ وَأَعْطَتْكَ قُوْتِهَا حُنُوًّا وَإِشْفَاقًا وَأَنْتَ صَغِيرُ فَضَيَّعْتَهَا لَمَّا أَسَنَّتْ جَهَالَةً وَطَالَ عَلَيْكَ الأَمْرُ وَهُوَ قَصِيرُ فَآهًا لِذِيْ عَقْلٍ وَيَتَّبِعُ الْهَوَى وَوَاهًا لأَعْمَى الْقَلْبِ وَهُوَ بَصِيرُ فَدُوْنَكَ فَارْغَبْ فِي عَمِيْمِ دَعَائِهَا فَأَنْتَ لِمَا تَدْعُوْ إِلَيْهِ فِقِيرُ اللهم علمنا مَا ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ولا تجعل علمنا وبالاً علينا اللهم قوي معرفتنا بك وبأسمائك وصفاتك ونور بصائرنا وتمعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا يا رب العالمين واغفر لنا لوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1582

(فَصْلٌ) وليس بر الوالدين مقصورًا على الحياة فقط فقد ورد عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما. قال: «نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما» . رواه أبو داود وابن حبان فِي صحيحه، وزاد فِي آخره، قال الرجل: ما أكثر هذا يا رسول الله وأطيبه. قال: «فاعمل به» . وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رجلاً من الأعراب لقيه بطريق مكة فسلم عليه عبد الله بن عمر وحمله على حمار كان يركبه وأعطاه عمامة كانت على رأسه، قال ابن دينار: فقلنا له: أصلحك الله إنهم الأعراب وهو يرضون باليسير فقال عبد الله بن عمر: إن أبا هذا كان وُدًّا لعمر بن الخطاب وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه» . رواه مسلم. وعن أبي بردة قال: قدمت المدينة فأتاني عبد الله بن عمر فقال: أتدري لَمْ أتيتك؟ قال: قلت لا. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أحب أن يصل أباه فِي قبره فليصل إخوان أبيه بعده» . وإنه كان بين عمر وبين أبيك إخاء وود فأحببت أن أصل ذاك. رواه ابن حبان فِي صحيحه. وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «دخلت

стр. 1583

الجنة فسمعت فيها قراءة فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان كذلكم البر كذلكم البر» . وكان أبر الناس بأمه. رواه فِي شرح السنة والبيهقي فِي الشعب شعب الإيمان. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصبح مطيعًا لله فِي والديه أصبح له بابان مفتوحان من الجنة وإن كان واحدًا فواحدًا ومن أمسى عاصيًا لله فِي والديه أصبح له بابان مفتوحان من النار وإن كان واحدًا فواحدٌ» . قال رجل: وإن ظلماه؟ قال: «وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه» . وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَا من ولد بار ينظر إِلَى والديه نظر رحمة إلا كتب له بكل نظرة حجة مبرورة» . قالوا: وإن نظر كل يوم مائة مرة؟ قال: «نعم الله أكبر وأطيب» . رواهما البيهقي فِي شعب الإيمان (فوائد) . ولما ماتت أم إياس الذكي القاضي المشهور بكى عليها فقيل له فِي ذلك فقال: كان لي بابان مفتوحان إِلَى الجنة فغلق أحدهما وكان رجل من المتعبدين يقبل كل يوم قدم أمه فأبطأ يومًا على أصحابه فسألوه فقال: كنت أتمرغ فِي رياض الجنة، فقد بلغنا أن الجنة تحت أقدام الأمهات. وقيل لعلي بن الحسين: إنك من أبر الناس ولا تأكل مع أمك فِي صحفة فقال: أخاف أن تسبق يدي يدها إِلَى مَا تسبق إليه عيناها فأكون قَدْ عققتها. ويا للأسف نحن فِي جيل أكثر أهله لا يرى للوالدين حقًّا بل يستهين بهما وينتقصهما وربما شتمها أو مَا هو أعظم من ذلك من فلذلك

стр. 1584

إذا رأيت الوالدين فِي هذا الوقت المظلم ورأيت خدمتها لولدهما رحمتها وربما ذرفت عيناك وتألم قلبك. وتجد هذا المخدوم ربما أنه لا يصلي أصلاً أو لا يشهد الجماعة أو من أهل الفساد والأسكار وشرب الدخان أو ممن يشتبه باليهود والنصارى والمجوس بحلق لحيته أو يجعل خنافس أو تواليت أو ممن يعكف عند المحرمات والملاهي وسائر المنكرات طوال ليله عبد فم وفرج. شِعْرًا: هَذَا الزَّمَانُ الذِّيْ كُنَّا نُحَاذِرُهُ فِي قَوْلِ كَعْبٍ وَفِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُوْدِ دَهْرٌ بِهِ الْحَقُّ مَرْدُوْدٌ بِأَجْمَعِِهِ وِالظُّلْمُ وَالْبَغْيُ فِيهِ غَيْرُ مَرْدُوْدِ إِنْ دَامَ هَذَا وَلَمْ يَحْدُثْ لَهُ غَيْرٌ لَمْ يُبْكِ مَيْتٌ وَلِمْ يَفْرَحْ بِمَوْلُوْدِ آخر: ... إِلَى اللهِ أَشْكُوْ وِحْدَتِي فِي مَصَائِبِي وَهَذَا زَمَانُ الصَّبْرِ لَوْ كُنْتَ حَازِمَا عَلَيْكَ بِالاسْتِرْجَاعِ إِنَّكَ فَاقِدٌ حَيَاةَ الْعُلَى وَابْغِ السُّلُوَّ مُنَادِمَا قال أحمد ﵁: بر الوالدين كفارة الكبائر وكذا ذكر ابن عبد البر عن مكحول، ويشهد لهذا مَا رواه الترمذي واللفظ له وابن حبان فِي صحيحه والحاكم وصححه عن ابن عمر ﵄ قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: إني أذنبت ذنبًا عظيمًا فهل لي

стр. 1585

من توبة؟ فقال: «هل لك من أم» . وفي رواية ابن حبان والحاكم «هل لك والدان» ؟ قال: لا. قال: «فهل لك من خالة» . قال: نعم، قال: «فبرها» . ومن الفوائد أن أبا هريرة رأى رجلاً يمشي خلف رجل فقال: من هذا؟ قال: أبي قال: لا تدعه باسمه، ولا تجلس قبله، ولا تمشي أمامه. وذكر فِي الحديث فِي تفسير قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ عنه ﷺ قال: «المصاحبة بالمعروف أن يطعمهما إذا جاعا ويكسوهما إذا عريا» . ومن حقوقهما خدمتهما إذا احتاجا أو أحدهما على خدمة وإجابة دعوتهما، وامتثال أمرهما مَا لَمْ يكن معصية لله فلا طاعة لمخلوق فِي معصية الخالق. ومن حقوقهما التكلم معهما باللين واللطف، ومن ذلك أن لا يدعوهما باسمهما، وأن يمشي خلفهما، وأن يدعو الله لهما بالمغفرة والرحمة. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم. (موعظة) عباد الله أحسنوا إِلَى الوالدين مَا أمكن لكم الإحسان، وإن حسبتم أنكم كافأتموهم فِي ذلك الإحسان، وكنوا معهما فِي غاية الأدب والاحترام، واحذروا سوء الأدب عندهما وإلا هويتم فِي هوة شقاء مَا لها من قرار وكونوا معهما فِي إجلال واحترام، وتقدير تام وإن حصل منهما لك ظلم. لأنهما اللذان لولا الله ثم لولاهما لَمْ تخرج على هذا الوجود ولأنهما اللذان سخرهما الله لك فصبرًا على مَا رأيا من الأهوال، وسخرهما لتربيتك والعناية بك فِي هذه الحياة. تذكر زمن حمل أمك

стр. 1586

بك وأنت فِي بطنها علة من أكبر العلل، وتذكر وقت أن كانت تلدك وهي مما بها من الأحياء ولا من الأموات وتذكر مَا خرج عقب ولادتك من النزيف الدم الذي هو نفسها. وتذكر أنك تمص دمها مدة الرضاع، وسرورها بك تقصر عن شرحه العبارات. وتذكر تنظيفها لبدنك وملابسك من الأقذار، وتذكر فزعها عندما يعتريك خوف أو مرض أو نحو ذلك، وتذكر دفاعها عنك إذا اعتدى عليك معتدي. وتذكر حرصها الشديد على أن تعيش لها ولو حرمت لذة الطعام والشراب وتذكر سهرها عليك عندما يؤلمك شيء من جسدك، وتذكر كد والدك عليك فِي تحصيل مَا به تحيا بإذن الله، لا يهدؤ عن ذلك والدك مدى الليالي والأيام، وكلما خشِيَ أن تجوع تقحم الشدائد وهام على وجهه في الدنيا لا يرده إلا يرده إلا أن يراك فِي يسارٍ. وتذكر عنايته بك فِي تعليمك وتوجيهك إِلَى مَا فيه صلاح دينك ودنياك وتذكر حياطته ونصحه لك ومقاسات الشدائد لراحتك، وتذكر فرحه واستبشاره بمحبتك ونجاحك، وتذكر دفاعه عنك بيده ولسانه، وتذكر دعاءه لك فِي مظنة أوقات الإجابة أن يصلحك الله ويوفقك. وتذكر قلقهما والأدلاج فِي البحث عنك إذا تأخرت عن وقت المجيء، وتأمل وتذكر بشاشتها فيمن يعز عليك لسرورهما بما يسرك، من أجل ذلك أكد الله وشدد عليك بالوصية بهما. وأخبر نبينا ﷺ أنهما جنتك ونارك، وقدم برهما

стр. 1587

على الجهاد، ودعا أن يرغم أنف من أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخل الجنة، وأخبر بأكبر الكبائر فذكر عقوقهما بعد الإشراك بالله. شِعْرًا: فَكَمْ وَلَدٍ لِلْوَالِدَيْنِ مُضَيَّعٌ يُجَازِيْهِمَا بُخْلاً بِمَا نَحْلاهُ طَوَى عَنْهُمَا الْقُوتَ الزَّهِيدَ نَفَاسَةً وَجَرَّاهُ سَارَا الْحُزْنَ وَارْتَحَلاهُ وَلامَهُمَا عَنْ فَرْطِ حُبِّهِمَا لَهُ وَفِي بُغْضِهِ إِيَاهُمَا عَذْلاهُ أَسَاءَ فَلَمْ يَعْدِلْهُمَا بِشِرَاكِهِ وَكَانَا بِأَنْوَارِ الدُّجَى عَدَلاهُ يُعِيْرُهُمَا طَرَفًا مِنْ الْغَيْظِ شَافِنًا كَأَنَّهُمَا فِي مَا مَضَى تَبِلاهُ يَنَامُ إِذَا مَا ادْنَفَا وَإِذَا سَرَى لَهُ الشَّكُوْبَاتَ الْغُمْضَ مَا اكْتَحَلاهُ إِن ادَّعَيَا فِي وُدِّهِ الْجُهْدَ صُدِّقَا وَمَا اتُّهِمَا فِيْهِ فَيَنْتَحِلاهُ يَغُشُّهُمَا فِي الأَمْرِ هَانَ وَطَالَمَا أَفَاءَا عَلَيْهِ النُّصْحَ وَانْتَحَلاهُ يَسُرُّهُمَا أَنْ يَهْجُرَ الْقَبْرَ دَهْرَهُ وَأَنَّهُمَا مِنْ قَبْلِهِ نَزَلاهُ

стр. 1588

وَلَوْ بِمُشَارِ الْعَيْنِ يُوْحِيْ إِلَيْهِمَا لَوْ شَكْ اعْتِزَالِ الْعَيْشِ لاعْتَزَلاهُ يَوَدَّانِ إِكْرَامًا لَوْ انْتَعَلَ السُّهَا وَإِنْ حَذِيَا السَّلاءَ وَانْتَعَلاهُ يَذُمُّ لِفَرْطِ الْغَيِّ مَا فَعَلا بِهِ وَأَحْسِنْ وَأَجْمِلْ بِالذِّي فَعَلاهُ يَعُدَّانِهِ كَالصَّارِمِ الْعَضْبِ فِي الْعِدَا بِظَنِّهِمَا وَالذَّابِلَ اعْتَقَلاهُ وَيُؤْثِرُ فِي السِّرِّ الْكَنِينِ سَوَاءَهُ فَيَنْقُلُهُ عَنْهُ وَمَا نَقَلاهُ اللهم اعصمنا عن المعاصي والزلات ووفقنا للعمل بالباقيات الصالحات واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء مِنْهُمْ والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) في تحريم العقوق اعلم وفقنا الله وإياك لما يحبه ويرضاه، وجنبنا وإياك متا يسخطه ولا يرضاه، أن العقوق من كبائر الذنوب وحده بعضهم بأنه صدور مَا يتأذى به الوالد من قول أو فعل. وقال بعضهم: ضابط العقوق هو أن يحصل للوالدين أو لأحدهما إيذاء ليس بالهين عرفًا فسبهما وعصيانهما والتلكؤ فِي قضاء شؤونهما،

стр. 1589

ومد اليد بالسوء إليهما، ولعنهما وغيبتهما، والكذب عليهما. كل ذلك عقوق ونكران للجميل، وكذلك نهرهما وقهرهما وتوبيخهما والتأفف منهما والدعاء عليهما، كقوله: أراحنا الله مِنْه، أو أخذه الله أو عجل الله بزوالكم والتكبر عليهما. فعن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ : «شر الناس، ثلاثة متكبر على والديه يحقرهما، ورجل سعى بين الناس بالكذب حتى يتباغضوا، ورجل سعى بين رجل وامرأته بالكذب حتى يغيره عليها بغير حق حتى فرق بينهما ثم يخلفه عليها من بعد» . رواه أبو نعيم. وأخرج البخاري فِي الأدب المفرد قال: حدثنا زياد بن مخراق قال: حدثني طيسلة بن مياس قال: كنت مع النجدات فأصبت ذنوبًا لا أراها إلا من الكبائر فذكر ذلك لابن عمر قال: مَا هي؟ قلت: كذا وكذا. قال: ليس هذه الكبائر هن تسع: الإشراك بالله، وقتل نسمة، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم وإلحاد فِي المسجد، والذي يستسخر، وبكاء الوالدين من العقوق، قال لي ابن عمر: أتفر من النار وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: أي والله. قال: أحي والداك؟ قلت: عندي أمي، قال: فوالله لو ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة مَا اجتنبت الكبائر. وأخرج فيه أيضًا قال: حدثنا موسى حدثنا حماد بن سلمة عن زياد بن مخراق عن طيسلة: أنه سمع ابن عمر يقول: بكاء الوالدين من العقوق والكبائر.

стр. 1590

وبعض الناس لا يكتفي بالتقصير فِي الواجب فِي حق أبويه بل يسمع والديه مَا يسوؤهما، وتضيق به صدورهما، وينكد عليهما معيشتهما، فتجد الوالد يكره معه الحياة، ويتمنى لأجله أنه لَمْ يكن له ولد وربما تمنى أنه كان عقيمَا. فكلام الابن العاق تئن له الفضيلة، ويبكي له المروءة، وتأباه الديانة، ولا يرضى به العاقل فضلاً عن المتدين، لأن فعله منكر عظيم، وَقَدْ لا يسب العاق أباه مباشرة، ولكن يسب أبا هذا وأم هذا، فيسبون أمه وأباه، ويصبون على والديه من اللعنات أضعاف مَا صدر مِنْه، والبادي هو الظالم وما أكثر السب والشتم واللعن فِي وقتنا هذا، وما أسهله عندهم. وما أكثر الاحتقار للآباء والأمهات فِي البيوت والأسواق وفي كل محل، ونسأل الله العافية. ومما جاء فِي العقوق وجرمه وقبحه وإثمه مَا رواه البخاري وغيره عن المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال» . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» ؟ ثلاثًا قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله وعقوق الوالدين» . وكان متكئًا فجلس فقال: «ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور» . فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.

стр. 1591

وللبخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس، واليمين الغموس» . وللبخاري ومسلم والترمذي عن أنس ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر فقال: الشرك بالله وعقوق الوالدين» . متفق عليه. شِعْرًا: إلى اللهِ أُهْدِي مِدْحَتِيْ وَثَنَائِيَا وَقَوْلاً رَصِينَا لا يَنَيْ الدَّهْرَ بَاقِيَا إلى اِلمَلِكِ الأَعَلَى الذي لَيْسَ فَوْقَهُ إِلهٌ ولا رَبٌ يَكُوْنُ مُدَانِيا ألا أَيُّهَا الإنْسَانُ إِيَّاكَ والرَّدَى فَإِنَّكَ لاَ تَخْفَى مِنْ اللهِ خَافِيا وَإِيَّاكَ لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ غَيْرَهُ فَإِنَّ سَبِيلَ الرُّشْدِ أَصْبَحَ بَادِيَا إلى أن قال: وَأَنْتَ الذِي مِنْ فََضْلِ مَنٍّ وَرَحْمَةٍ بَعَثْتَ إِلَى مُوسَى رَسُولاً مُنَادِيَا فَقَلْتَ لَهُ فَاذْهَبْ وَهَارُونَ فَادْعُوا إلى اللهِ فَرْعَوْنُ الَّذِي كَانَ طَاغِيَا وَقُولاَ لَهُ أَأَنْتَ سَوَّيْتَ هَذِهِ بِلاِ وَتَدٍ حَتَّى اطَمَأنَّتْ كَمَا هِيَا

стр. 1592

وَقُولاَ لَهُ أَأَنْتَ رَفَعْتَ هَذه بِلاَ عَمَدٍ أرْفُقْ إِذَا تَكُ بَانِيَا وَقُولاَ لَهُ أَأَنْتَ سَوَّيْتَ وَسْطَهَا مُنِيرًا إِذَا مَا جَنَّهُ اللَّيْلَ هَادِيَا وَقُولاَ لَهُ مَنْ يُرْسِلُ الشَّمْسَ غَدْوَةً فَيُصْبِحُ مَا مَسَّتْ مِنْ الأَرْضَ ضَاحِيَا وَقُولاَ لَهُ مَنْ يَنْبِتُ الحَبَّ فِي الثَّرَى فَيُصْبِحَ مِنْه البَقْلُ يَهْتَزُّ رَابِيَا وَيُخْرِجُ مِنْه حَبَّهُ فِي رُؤُسِه فَفِي ذَاكْ آيَاتُ لِمنْ كَانَ وَاعِيا وَأَنْتَ بِفَضَلِ مِنْكَ نَجَّيْتَ يُونُسَا وَقَدْ بَاتَ فِي بَطْنِ لِحُوتِ لَيَالِيَا اللهم إنا نسألك الثبات فِي الأمر والعزيمة على الرشد ونسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك ونسألك أن تغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) وفي كتاب النبي ﷺ الذي كتبه إِلَى أهل اليمن وبعث به مع عمرو بن حزم «وأن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله وقتل النفس المؤمنة بغير حق والفرار فِي سبيل الله يوم الزحف وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة وتعلم السحر، وأكل الربا،

стр. 1593

وأكل مال اليتيم» . الحديث رواه ابن حبان فِي صحيحه. وأخرج النسائي والبزار واللفظ له بإسناد جيدين والحاكم وقال: صحيح الإسناد عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه ومدمن الخمر، والمنان عطاؤه وثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والديوث والرجلة من النساء» . وأخرج أحمد واللفظ له والنسائي والبزار والحاكم وقال: صحيح الإسناد عن عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة حرم الله ﵎ عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق، والديوث الذي يقر الخبث فِي أهله» . وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يقبل الله مِنْهُمْ صرفًا ولا عدلا، عاق ومنان ومكذب بقدر» . رواه ابن أبي عاصم فِي كتب السنة بإسناد حسن. وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا ينفع معهن عمل الشرك بالله وعقوق الوالدين والفرار من الزحف» . رواه الطبراني فِي الكبير. وعن عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رجل إِلَى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت إذا صليت الصلوات الخمس وصمت رمضان، وأديت الزكاة، وحججت البيت، فماذا لي؟ فقال رسول الله ﷺ : «من فعل ذلك كان مع

стр. 1594

النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إلا أن يعق والديه» . رواه أحمد والطبراني بإسنادين أحدهما صحيح ورواه ابن خزيمة وابن حبان فِي صحيحهما. وعن علي عليه رضوان الله قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله ثم تولى غير مولاه، ولعن الله العاق لوالديه، ولعن الله من نقص منار الأرض» . رواه الحاكم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله سبعة من فوق سبع سمواته وردد اللعنة على واحد مِنْهُمْ ثلاثًا ولعن كل واحد مِنْهُمْ لعنة تكفيه، قال: ملعون من عمل عمَل قوم لوط، ملعون من عمل عمَل قوم لوط، ملعون من عمَل قوم لوط، ملعون من ذبح لغير الله ملعون من عق والديه، ملعون من أتى شيئًا من البهائم، ملعون من جمع بين امرأة وابنتها، ملعون من غير حدود الأرض ملعون من ادعى إِلَى غير مواليه» . رواه الطبراني فِي الأوسط ورجاله رجال الصحيح إلا محرز ويقال محرر بالإهمال ابن هارون أخي محرر، وقال: صحيح الإسناد. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقبل صلاة الساخط عليه أبواه غير ظالمين له» . رواه أبو الحسن ابن معروف فِي كتاب فضائل بني هاشم. وعن أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه

стр. 1595

وسلم: «كل الذنوب يؤخر الله مِنْهَا مَا شاء إِلَى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجله لصاحبه فِي الحياة قبل الممات» . رواه البخاري فِي الأدب المفرد والطبراني فِي الكبير والحاكم فِي المستدرك والأصبهاني فِي الترغيب. وذكر أن شابًا كان مكبًا على اللهو واللعب، لا يفيق عنه، وكان له والد صاحب دين كثيرًا مَا يعظ هذا الابن ويقول له: يا بني احذر هفوات الشباب وعثراته فإن لله سطوات ونقمات مَا هي من الظالمين ببعيد، وكان إذا ألح عليه زاد فِي العقوق، وجار على أبيه، ولما كان يوم من الأيام ألح على ابنه بالنصح على عادته، فمد الولد يده على أبيه، فحلف الأب بالله مجتهدًا ليأتين بيت الله الحرام، فيتعلق بأستار الكعبة، ويدعو على ولده فخرج حتى انتهى إِلَى البيت الحرام فتعلق بأستار الكعبة وانشأ يقول: يَا مَنْ إِلَيْهِ أَتَى الحُجَّاجُ قَدْ قَطَعُوا عَرْضَ المَهَامِهِ مِنْ قُرْبٍ وَمِنْ بُعُدِ إنِّي أَتَيْتُكَ يَا مَنْ لا يُخَيِّبُ مَنْ يَدْعُوهُ مُبْتَهِلاً بالوَاحِدِ الصَّمدِ هَذَا مُنَازِلُ لاَ يَرْتَدُّ مِنْ عَقَقِي فَخُذْ بِحَقِي يَا رَحْمَنُ مِنْ وَلَدِي وَشُلَّ مِنْه بِحَوْلٍ مِنْكَ جَانِبُهُ يَا مَنْ تَقَدَّسَ لَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَلِدِ وقيل: إنه استتم كلامه حتى يبس شق ولده الأيمن. نعوذ بالله

стр. 1596

من العقوق، ومن قساوة القلوب، ومن جميع المعاصي والذنوب وكان يقال: كدر العيش فِي ثلاث الولد العاق والجار السوء والمرأة السيئة الخلق لأنك لا تنفك فِي عناء وشغب وتعب فإن سكن العاق برهة من الزمن مَا سكن الجار السوء وأهله وأولاده وإن سكنا لَمْ تسكن العلة الداخلية المرأة السوء سيئة الخلق فأنت فِي هذه الحال غرض لثلاثة سهام موجهة إليك فِي أربع وعشرين ساعة نسال الله العافية مِنْها. وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: أوصاني رسول الله ﷺ بعشر كلمات «لا تشرك بالله شيئًا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك ولا تتركن صلاة متكوبة متعمدًا فإن من ترك صلاة متكوبة متعمدًا فقد برئت مِنْه ذمة الله، ولا تشربن الخمر فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية فإن المعصية يحل سخط الله، وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس وإذا أصاب الناس موت، وأنت فيهم فاثبت. وأنفق على عيالك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدبًا وأخفهم فِي الله» . رواه أحمد والطبراني فِي الكبير وإسناد أحمد صحيح إلا أن فيه انقطاعًا لأنه من رواية عبد الرحمن ابن جبير عن معاذ وهو لَمْ يسمع مِنْه. وعن عمرو بن ميمون قال: رأى موسى ﵇ رجلاً عند العرش فغبطه بمكانه فسأل عنه، فقالوا: نخبرك بعمله، لا يحسد الناس على مَا آتاهم الله من فضله، ولا يمشي بالنميمة، ولا يعق والديه، قال: أي رب ومن يعق والديه؟ قال: يتسبب لهما حتى يسبا. رواه أحمد فِي الزهد. شِعْرًا: صَافِي الكَرْيَمِ فَخَيْرُ مَنْ صَافَيْتَهُ ... مَنْ كان ذا دَاينٍ وكان عَفِيفَا

стр. 1597

وَاحْذَرْ مُؤاخَاةَ اللَّئْيمِ فإنَّهُ ... يُبْدي الَقبِيحَ وَيُنِكّرُ المَعْرُوفَا آخر: ... تَمسَّكْ بَوَصْلِ الْمُمْسِكِ الدِّينِ واجْتَنِبْ ... وصَالَ سِوَاهُ مِنْ قَرِيبٍ وشاسِعِ فَذُو الدِّينِ أَدْنَى النَاسِ مِنْكَ قَرابةً ... فَصِلْهُ فَمَا وَصْلُ البَعِيدِ بِضَائعِ آخر: ... أَخُو الفِسْقِ لا يَغْرُرْكَ مِنْه تَوَدُدٌ ... فَكُلُ حِبَالُ الفاسِقِينَ مَهِينُ وَصَاحِبْ إِذَا مَا كُنْتَ يَوْمًا مُصَاحبًا ... أَخَا الدِينِ مِن بالغِيْبِ مِنْكَ أَمِينُ آخر: ... وَلَيْسَ خَلِيلِي بالملُولِ ولا الَّذِي ... إِذَا غِبْتُ عَنْهُ باعَنِي بِخَلِيلِ ولكنْ خَلِيلِي مَنْ يِدُومُ وِصَالُهُ ... وَيَحْفَظُ سِرِّي عندْ كُلِّ خَلِيلِ آخر: ... يَمْضِي أَخُوكَ فلا تَلْقَى لَهُ عِوَضٌ ... والمالُ بَعْدَ ذَهَابِ المالِ يُكْتَسَبُ اللهم نجنا برحمتك من النار وعافنا من دار الخزي والبوار وأدخلنا بفضلك الجنة دار القرار وعاملنا بكرمك وجودك يا كريم يا غفار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء مِنْهُمْ والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) وفيما ذكرنا من الأدلة على تحريم العقوق كفاية ولو لَمْ يكن للعاق من العقوق إلا مَا يرى من سوء حاله لكفى فإنك تراه غالبًا فِي أبأس الحالات وآلامها وأشدها وتراهم بعيدين عن عطف القلوب عند من علموا حالهم

стр. 1598

لا يحنو عليهم صديق ولا شفيق ولا قريب، ولا يأخذ بيدهم كريم فِي كربة، ولا يرغبون فِي مصاهرته خشية أن يجذبوا أولادهم فيكونوا مثلهم عاقين. بخلاف البارين فإنك تراهم ونراهم محببين إِلَى القلوب يتمنى كل من يعرفهم ويفهم برهم وصلتهم أن يتقدم إليهم بما يحبون وتجدهم إذا وقعوا فِي شدة يترحم الناس عليهم، ويدعون لهم بالخروج مِنْهَا على أيسر الأحوال وأقربها، هذا حالهم فِي الدنيا التي ليست هي دار الجزاء فكيف فِي الآخرة دار الجزاء؟ ومن أقبح مظاهر العقوق أن يتبرأ الولد من والديه حين يرتفع مستواه الاجتماعي عنهما كأن يكونا فلاحين أو نجارين أو صناعيين وهو يعيش فِي ترف ويتسنم بعض الوظائف الكبار فيخجل من وجودهما فِي بيته عند زملائه برثاثتها وزيهما القديم. وربما سئل بعضهم عن أبيه من هذا الذي يباشر فقال: هذا خادم عندنا مستأجر لشئون البيت لأنه يتوهم أن هذه الهيئة واللباس تتنافى مع وظيفته أو مقامه الاجتماعي الكبير وهذا بلا شك برهان على سخافة عقله وقلة دينه والنفس العظيمة الشريفة تفتخر وتعتز بمنيتها وأصلها أبيها وأمها مهما كانت حياتهما ونشأتهما وبيئتهما وهيئتهما. ولا يبعد أن يوجد من النساء اللاتي يقال لهن متعلمات إذا سئلت عن أمها من هذه أن تقول هذه فراشة عندنا أو طباخة أو خدامة نعوذ بالله من الانتكاس وعمى البصيرة ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. وذكر بعضهم أن رجلاً كان من المياسير بالبصرة يتمنى أن يرزق ولدًا،

стр. 1599

وينذر عليه حتى ولد له فسر به غاية السرور وأحسن تربيته حتى ارتفع عن مبلغ الأطفال إِلَى حد الرجال، ولم يهمه شيء من أمر الدنيا سوى هذا الولد ولم يؤخر ممكنا من الإحسان عنه، فلم يشعر الأب ذات يوم إلا بخنجر خالط جوفه من وراء ظهره. فاستغاث بابنه مرتين فلم يجبه، فالتفت فإذا هو صاحب الضربة فقال الشيخ وهو يضرب من الألم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أستغفر الله، صدق الله أراد بالتهليل أن يلقى الله بالإيمان. وأراد بالاستغفار أن الله تعالى حذره فلم يحذر من ابنه وبقوله: صدق الله قوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ فجمع فِي هذه الكلمات كل مَا يحتاج إليه فِي هذه الحال. قال بعضهم ممن تضرر بأقربائه ومعارفه: جَزَى اللهُ عَنَّا خَيْرَ مِن لَيْسَ بَيْنَنَا ... ولا بَيْنَهُ وَدٌ بِهِ نَتَعرَّفُ فما سَامَنَا ضَيْمًا ولا شَفَّنًا أذَى ... مِن الناس إلاَّ مَن نَوَدُّ وَنأْلَفُ آخر: ... أَرَى أَنَّ الشَّدَائِدَ فِيهَا خَيْرٌ ... أَرَى أَنَّ الشَّدَائِدَ فِيهَا خَيْرٌ وَمَا مَدْحِي لَهَا حُبًّا وَلَكِنْ ... عَرَفْتُ بِهَا عَدْوِّي مِن صَدِيقِي أَرَانِي وقَوْمِي فَرَّقَتْنَا مَذَاهِبُ ... وإنْ جَمَعَتْنَا فِي الأَصُوُّل المَنَاسبُ فأقصَاهُمُ أَقصَاهُم عَنْ مَسَاءَتِي ... وَأَقْرَبُهُمْ مِمَّا كَرِهْتَ الأَقَارِبُ نَسِيبُكَ مَن نَاسَبْتَ بالود قَلْبَهُ ... وجَارُكَ مَن صَافَيْتَهُ لاَ المُصَاقِبُ وأعَظَمُ أَعْدَاء الرِّجَالِ ثِقَاتُهَا ... وأَهْونُ مَن عَادَيْتَهُ مِنْ تُحَاربُ وقال آخر: وما زِلْتُ مُذْ نَمَّ العِذَارُ بِوَجْنَتي ... أُفَتِّشُ عن هَذَا الوَرَى وأُكَشِّفُ فَمَا سَاءَنِي إِلاَّ الَّذِينَ عَرَفْتُهُمْ ... جَزَا الله خَيرَا كُلَّ مَن لَيْسَ نَعْرِفُ وقال بعض الآباء الذين ذاقوا عقوق الأولاد لابن له:

стр. 1600

.. غَذَوْتُكَ مَوْلُودًا وَعِلْيُكَ يَافِعًا ... تُعَلُّ بِمَا أُدْنِي إِلَيْكَ وَتُنْهَلُ إِذَا لَيْلَةٌ نَابَتْكَ بالسُّقْم لَمْ أَبِتْ ... لِذِكْرِكَ إِلاَّ سَاهِرًا أَتَمَلْمَلُ كَأَنِّي أنَا المَطْرُوقُ دُونْكَ بِالَّذِي ... طُرِقْتَ بِهِ دُونِي وَعَيْنِي تُهْمِلُ تَخافُ الرَّدَى نَفْسِي عَلَيْكَ وَإِنَّهَا ... لَتَعْلَمُ أَنَّ المَوْتَ حَتْمٌ مُؤًَجَّلُ فَلَمَّا بَلَغْتَ السِّنَّ وَالغَايَةَ الَّتِي ... إليَها مَدَى مَا كُنتُ فِيكَ أُؤُمِّلُ جَعَلْتَ جَزَائِي مِنْكَ جَبْهًا وَغِلْظَةً ... كَأَنَكَ أَنْتَ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ وَسَمْيَّتَنِي بِاسْمِ المُفَنَّدِ رَأَيُه ... وَفِي رَأْيِكَ التَّفْنِيدُ لَوْ كُنْتُ تَعْقِلُ تَراهُ مُعدًّا لِلْخَلافِ كَأَنَّه ... بردٍّ على أَهْلِ الصَّوَابِ مُوَكَّلُ فَلَيْتَكَ إذْ لَمْ تَرْعَ حقَّ أُبُوَّتِي ... فَعَلْتَ كَمَا الجَارُ المُجَاوِرُ يَفْعَلُ فَأَوَلَيْتَنِي حَقَّ الجِوَارِ وَلَمْ تَكُنْ ... عَليَّ بِمَالِي دُونَ مَالَكَ تَبْخَلُ وقال آخر ممن ذاق وتجرع ألم العقوق: يَوَدُ الرَّدَى لِي مِنْ سَفَاهَةِ رَأيهِ ... وَلو مُتُّ بَانتْ لِلعْدُوِّ مَقَاتِلُه إذَا مَا رَآنِي مُقْبِلاً غَضَّ طَرْفَهُ ... كَانَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ دُوْنِي يُقَابِلُه (مواعظ وفوائد) رب مسرور مغبون يأكل ويشرب ويضحك وَقَدْ حق له فِي كتاب الله أنه من وقود النار. من الغرور ذكر الحسنات ونسيان السيئات. وقال بلال بن سعد: يا أولي الألباب ليتفكر متفكر فيما يبقى له وينفعه. أما مَا وكلكم الله به فتضعونه. وأما مَا تكفل لكم به فتطلبونه مَا هكذا نعت الله عباده المؤمنين. أذووا عقول فِي طلب الدنيا ويله عما خلقتم له فكما ترجون الله بما تؤذون من طاعته فكذلك أشفقوا من عذاب الله بما تنتهكون من معاصيه.

стр. 1601

وقال: عباد الله اعلموا أنكم تعملون فِي أيام قصار لأيام طوال، وفي دار زوال لدار مقام، وفي دار نصب وحزن لدار نعيم وخلد. ومن لَمْ يعمل على اليقين فلا يتعن. عباد الله هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئًا من أعمالكم تقبل منكم أو شيئًا من أعمالكم غفر لكم. قال أبو عمرو الأوزعي: ليس ساعة من ساعات الدنيا إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة يومًا فيومَا وساعةً فساعة. ولا تمر به ساعة لَمْ يذكر الله فيها إلا وتقطعت نفسه عليها حسرات فكيف إذا مرت به ساعة مع ساعة ويوم إِلَى يوم لَمْ يذكر الله فيها فيا لها من حسرة ويا لها من ندامة ويا له من أسف وحزن طويل. ابن آدم اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا الله ثم عمله، وتوكل رجل لا يصيبه إلا مَا كتبه الله له. شِعْرًا: ومن يُنْفِقِ السَّاعَاتِ فِي غَيرِ طَاعَةٍ ... لِخَالِقِهِ فَهْوَ السَّفيه الْمُضِيِّعُ اللهم يا منور قلوب العارفين، يا قاضي حوائج السائلين يا قابل توبة التائبين ويا مفرجًا عن المكروبين والمغمومين، تب علينا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) فِي صلة الرحم الرحم القرابة، سميت بذلك لأنها داعية التراحم بين الأقرباء وصلة الرحم موجبة لرضا الرب عن العبد وموجبة لثواب الله للعبد فِي الآخرة، وَقَدْ ورد أنها سبب لبسط الرزق وتوسيعه وسبب لطول العمر، وهذه الأشياء من الأمور المحبوبة على العبد.

стр. 1602

وذلك حق فإن الله تعالى هو الخالق للأسباب والمسببات، وَقَدْ جعل لكل مطلوب سببًا وطريقًا ينال به، وهذا جار على الأصل الكبير، وأنه من حكمته ورحمته جعل الجزاء من جنس العمل فكما أن الإنسان وصل رحمه بالبر والإحسان، وأدخل على قلوبهم السرور، وصل الله عمره وبسط فِي رزقه ووسعه وفتح له من أبواب الرزق مَا لَمْ يكن له على بال وبارك له. فكم من إنسان وهبه الله قوة فِي جسمه ورزانة فِي عقله ومضاء فِي عزيمته وبركة فِي علمه وعمله كانت حياته حافلة بالأعمال الطيبة، فهذا حياته حياة طويلة وإن كانت فِي الحساب قصيرة، لأن المقياس الحقيقي للحياة المباركة هي جلائل الأعمال، وكثرة الآثار ليس الشهور والأعوام كما قال بعضهم: فَتًى عَاشَ أَعْمَالاً جِسَامًا وَإِنَمَا ... تُقَدَّرُ أَعْمَارُ الرِّجَالِ بِأَعْمَالِ وقال آخر: الْعِلْمُ أَنْفَسُ شَيْءٍ أَنْتَ ذَاخِرُهُ ... مَنْ يَدْرُسُ الْعِلْمَ لَمْ تَدْرُسْ مَفَاخِرُهُ أَقْبِلْ على الْعِلْمُ وَاسْتَقْبِلْ مَبَاحِثَهُ ... فَأَوَّلُ الْعِلْمِ إِقْبَالُ وَآخِرُهُ وانظر إِلَى من مضى من العلماء والمصلحين الذين عاشوا زمنًا قليلا كأنهم لبثوا قرونًا كثيرة لكثرة مَا عملوا وعظم مَا خلفوا بينما ترى آخرين يعيشون زمنًا طويلاً ويذهبون ولا يبقى لهم أثر ولا ذكر كما قيل: كَأَنَّهُمْ قَطُّ مَا كَانُوا وَمَا خُلِقُوا وَمَاتَ ذِكْرُهُمُوا بَيْنَ الْوَرَى وَنُسُوا ومن أسباب البركة فِي العمر والله أعلم التفرغ من الشواغل والشواغب فمن كثرت شواغله، وشواغبه قليل البركة فِي العمر أو معدومها لأنه منع من تصريفه فِي طاعة الله بمتابعة شعواته وملذاته وتحصيل مناه

стр. 1603

من دنياه ومن تفرغ من الشواغل ولم يقبل على طاعة الله فهو أيضًا مخذول ومصروف عن طريقة الاستقامة والهدى ولا بركة فِي عمره. وإذا تأملت أكثر الناس وجدت الذي حبسهم عن طاعة الله والإقبال عليه وتصريف أعمارهم فِي التوجه إليه بأنواع الطاعات هو كثرة أشغالهم فاشتغلت جوارحهم بخدمة الدنيا ليلاً ونهارًا شهورًا وأعوامًا حتى انقرض العمر كله فِي اللهو والبطالة والتقصير. ومن الناس من قلت شواغلهم فِي الظاهر لوجود من قام بها عنهم لكن كثرة علائقهم وتفكراتهم فِي الباطن لكثرة مَا تعلق بهم من الشواغب فهم مستغرقون دائمًا فِي التفكير والتدبير والاختيار والتقديرات والاهتمام بأمور من تعلق بهم من الأنام. لاسيما من كان له جاه ورياسة وخطة أو سياسة فهذا بعيد عن تصريف العمر واستغراقه فِي أنواع طاعة الله والإقبال عليه بقلبه وقالبه والحاصل أن الخير يكون غالبًا بإذن الله فِي التخفيف من الشواغل والعوائق التي تجذبه وتحفظه عن الطاعة إذا هم بها ويكون لا بركة فِي عمره أو قليل البركة فيه. وإنما رتبت البركة فِي العمر على صلة الرحم لأن المرء إذا وصل رحمه أرضى ربه فأجله أقرباؤه واحترموه، فامتلأت نفسه سرورًا وشعر بمكانة عالية من أجل مَا وفقه الله له من صنيعه الذي صنع، والسرور منشط، كما أن الحزن مثبط، والشعور بالتعظيم عن أعمال مجيدة داع للإكثار مِنْهَا، وبذل الجهد فِي سبيلها. وإن لَمْ يفعل لَمْ يحصل له ذلك كما قيل: وَكَيْفَ يَسُودُ الْمَرْءُ مَنْ هُو مِثْلُهُ بِلا مِنْةٍ مِنْه عَلَيْهِ وَلا يَدِ

стр. 1604

آخر: ... أَخُو ثِقَةٍ يُسَرُّ بِحُسْنِ حَالِي ... وَإِنْ لَمْ تُدْنِهِ مِنِّي قَرَابَةْ أَحَبُّ إِلَى مِنْ أَلْفَى قَرِيبٍ ... تَبِيْتُ صُدُورُهُمْ لِي مُسْتَرَايَهْ وقال بعض من تضرر بالأقارب: يَقُولُونَ عِزُّ فِي الأقَارِبِ إِنْ دَنَتْ ... وَمَا الْعِزُّ إِلا فِي فُرَاقِ الأقَارِبِ تَرَاهُمْ جَمِيْعًا بَيْنَ حَاسِدِ نِعْمَةٍ ... وَبَيْنَ أَخِي بُغْضٍ وَآخَرَ عَائِبِ وكما أن الصحة وطيب الهواء وطيب الغذاء واستعمال الأمور المقوية للأبدان والقلوب من أسباب طول العمر، فكذلك صلة الرحم جعلها الله سببًا ربانيًا من أسباب طول العمر. قال البلباني: والمراد بصلة الرحم موالاتهم ومحبتهم أكثر من غيرهم لأجل قرابتهم وتأكيد المبادرة إِلَى صلحهم عند عداوتهم والاجتهاد فِي إيصال كفايتهم بطيب نفس عند فقرهم والإسراع إِلَى مساعدتهم ومعاونته عند حاجتهم. ومراعاة جبر قلوبهم مع التعطف والتلطف بهم وتقديمهم فِي إجابة دعوتهم والتواضع معهم فِي غناه وفقرهم وقوته وضعفهم ومداومة مودتهم ونصحهم فِي كل شؤنهم والبداءة بهم فِي الدعوة والضيافة قبل غيرهم وإيثارهم فِي الإحسان والصدقة والهدية على من سواهم لأن الصدقة عليهم صدقة وصلة. وفي معناها الهدية ونحوها ويتأكد فعل ذلك مع الرحم الكاشح المبغض عساه أن يعود ويرجع عن بغض إِلَى مودة قريبة ومحبته انتهى. وفي النهاية: قَدْ تكرر فِي الحديث صلة الرحم وهي كناية عن الإحسان إِلَى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والتعطف عليهم، والرفق بهم والرعاية لأحوالهم وكذلك إن بعدوا وأساءوا، وقطع الرحم ضد ذلك كله. وفي الفتح قال القرطبي: الرحم التي توصل عامة وخاصة فالعامة رحم الدين، وتجب مواصلتها بالتودد والتناصح والعدل والإنصاف

стр. 1605

والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة، وأما الرحم الخاصة فتزيد النفقة على القريب، وتفقد أحوالهم، والتغافل عن زلاتهم وتتفاوت مراتب استحقاقهم فِي ذلك كما فِي الحديث الأقرب فالأقرب. آخر: ... مَاذَا عَلَيَّ وَإِنْ كُنْتُمْ ذَوِي رَحمِي ... أَنْ لا أحُبُّكُمُوا إنْ لَمْ تُحِبُونِي لا أَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي ظَمَائِرِهُمْ ... مَا فِي ضَمِيرِي لَهُمْ مِنْ ذَاكَ يَكْفِينِي آخر: ... مِنْ النَّاسِ مَنْ يَغْشَى الأبَاعِدَ نَفَعُّهُ ... وَيَشْقَى بِهِ حَتَى الْمَمَاتِ أَقَارِبُهُ فِإِنْ كَانَ خَيْرًا فَالْبَعِيدُ يَنَالُهُ ... وِإِنْ كَانَ شَرًا فَابْنُ عَمِّكَ صَاحَبُهُ آخر: ... وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا ... وَإِذَا يُحَاخسِ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ هَذَا لَعَمْرُ كُمُوا الصِّغَارُ بِعَيْنِهِ ... لا أُمَّ لِي إِنْ كَانَ ذَاكَ وَلا أَبُ وقال ابن أبي جمرة: تكون صلة الرحم بالمال وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر وبطلاقة الوجه، وبالدعاء، والمعنى الجامع إيصال ما أمكن من الخير ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة. وهذا إنما يستمر إذا كان أهل الرحم أهل استقامة فإن كانوا كفارًا أو فجارًا فمقاطعتهم فِي الله هي صلتهم، بشرط بذل الجهد فِي وعظهم ثم إعلامهم إذا أصروا بأن ذلك بسبب تخلفهم عن الحق، ولا يسقط مع ذلك صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب أن يعودوا على الطريق المثلى. شِعْرًا: ... وَلَقَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ ثَمَّ خَبَرْتُهُمْ ... وَعَلِمْتُ مَا مِنْهُمْ مِنْ الأسْبَابِ فَإِذَا الْقَرَابَةُ لا تُقَرِّبُ قَاطِعًا ... وَإِذَا الدِّيَانَةُ أَقْرَبُ الأسْبَابِ ومن اللطائف أن ابن المقري كتب لوالده حين امتنع عن النفقة عليه: لا تَقْطَعَنَّ عَادَةَ بِرٍ وَلا تَجْعَلْ عِتَابَ الْمَرْءِ فِي رِزْقِهِ

стр. 1606

فَِإنْ أَمْرَ الإِفْكِ مِنْ مِسْطَحٍ يَحُطُّ قَدْرَ النَّجْمِ مِنْ أُفْقِهِ وَقَدْ جَرَى مِنْهُ الذِّي قَدْ جَرَى وَعُوتِبَ الصَّدِيقُ فِي حَقِّهِ فأجابه والده مبينًا له السبب لذلك المنع: قَدْ يُمْنَعُ الْمُضْطَرُّ مِنْ مَيْتَةٍ إِذَا عَصَى فِي السِّيْرِ فِي طُرْقِهِ لأَنَهُ يَقْوَى على تَوْبَةٍ تُوْجِِبُ إِيْصَالاً إِلَى رِزْقِهِ لَوْ لَمْ يَتُبْ مِنْ ذَنْبِهِ مِسْطَحٌ مَا عُوتِبَ الصَّدِيقُ فِي حَقَّهِ ومما يدخل فِي صلتهم تعهدهم بالتربية والتوجيه حين يكونون صغارًا محتاجين على توجيههم إِلَى الدين الحنيف والأخلاق الفاضلة ومما يدخل المبادرة فِي علاجهم عندما يمرضون وزيارتهم إذا غابوا عنه، وعيادتهم عندما يمرضون، وإشعارهم أنه معهم دائمًا. اللهم هب لنا مَا وهبته لأوليائك وتوفنا وأنت راض عنا وَقَدْ قبلت اليسير منا واجعلنا يا مولانا من عبادك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) وَقَدْ ورد فِي الحث على صلة الرحم والتحذير عن قطيعتها آيات وأحاديث كثيرة، نذكر طرفًا مِنْهَا، قال الله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ أي قرابتك من أبيك وأمك والمراد بحقهم برهم وصلتهم.

стр. 1607

وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ المراد الرحم والقرابة. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» . وأخرج أبو يعلى بإسناد جيد عن رجل من خثعم قال: أتيت النبي ﷺ وهو فِي نفر من أصحابه فقلت: أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟ قال: «نعم» . قلت: يا رسول الله أي الأعمال أحب إِلَى الله؟ قال: «الإيمان بالله» . قلت: يا رسول الله ثم مه. قال: «ثم صلة الرحم» . قال: قلت يا رسول الله أي الأعمال أبغض إِلَى الله؟ قال: «الإشراك بالله» . قال: يا رسول الله ثم مه؟ قال: «ثم قطيعة الرحم» . قال: قلت ثم مه قال: «الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف» . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي أيوب ﵁ أن أعرابًا عرض لرسول الله ﷺ وهو فِي سفر فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها ثم قال: يا رسول الله أو يا محمد أخبرني بما يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال: فكف النبي ﷺ ثم نظر فِي أصحابه ثم قال: «لقد وفق أو لقد هدي» . قال: كيف قلت؟ قال: فأعادها فقال النبي ﷺ : «تعبد الله لا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم» . وفي رواية: «وتصل ذا رحمك» . فلما أدبر قال رسول الله ﷺ : «إن تمسك بما أمرته دخل الجنة» . وأخرجا أيضًا عن عائشة

стр. 1608

عن النبي ﷺ قال: «الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» . وأخرج أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى خلق خلقًا حتى إذا فرغ مِنْهُمْ قامت الرحم» . زاد رواية البيهقي «فأخذت بحقوَى الرحمن فقال: مه؟ فقالت: هذا مقام العائد بك من القطيعة قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى قال فذاك لك» . ثم قال رسول الله ﷺ اقرؤوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ . وعن أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال: «لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهيرًا عليهم مل دمت على ذلك» . رواه مسلم. وعن أنس قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. فلما نزلت هذه الآية ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبو طلحة إِلَى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله ﵎ يقول: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله فقال رسول الله ﷺ : «بخ ذلك مال رابح، وَقَدْ سمعت مَا قلت، وإني أرى أن تجعلها فِي الأقربين» . فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة فِي أقاربه وبني عمه متفق عليه.

стр. 1609

وعن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث ﵁ أنها أعتقت وليده ولم تستأذن النبي ﷺ فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت: أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي قال: «أو فعلت» ؟ قلت: نعم. قال: «أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» . متفق عليه. وفي حديث أبي سفيان فِي قصة هرقل أنه قال لأبي سفيان مَا يأمركم به يعني النبي ﷺ قلت يقول: «اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة» . متفق عليه. وأخرج الإمام أحمد بإسناد جيد قوي وابن حبان فِي صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرحم شجنة من الرحمن تقول يا رب إني قطعت إني أسيء إليَّ يا رب إني ظلمت يا رب يا رب فيجيبها ألا ترضين أن أصل من وصلك واقطع من قطعك» . وَذِي رَحِمٍ قَلَّمْتُ أَضْفَارَ ضِغْنِهِ بِحِلْمِي عَنْهُ وَهْوَ لَيْسَ لَهُ حُلْمُ يُحَاوِلُ رَغْمِي لا يُحَاوِلُ غَيْرَهُ وَكَالْمَوْتِ عِنْدِي أنْ يَحِلَّ بِهِ الرَّغْمُ فَإِنْ أَعْفُ عَنْهُ أَغْضِ عِيْنًا على قَذَى وَلَيْسَ لَهُ بِالصَّفْحَ عَنْ ذَنْبِهِ عِلْمُ وَإِنْ انْتَصِرْ مِنْه أَكُنْ مِثْلَ رَائِشٍ سِهَامَ عَدُوٍّ يُسْتَهَاضُ بِهَا الْعَظْمُ صَبَرْتُ على مَا كَانَ بَيْنِي وِبَيْنَهُ وَمَا تَسْتَوِي حَرْبُ الأَقَارِبُ وَالسِّلْمُ

стр. 1610

وَبَادَرْتُ مِنْه النَّأَيَ وَالْمَرْءُ قَادِرٌ عَلَى سَهْمِهْ مَا دَامَ فِي كَفِّهِ السَّهْمُ وَيَشْتِمُ عِرْضِي فِي الْمَغَيَّبِ جَاهِدًا وَلَيْسَ لَهُ عِنْدِي هَوَانٌ وَلا شَتْمُ إِذَا سُمْتُهُ وَصْلَ الْقَرَابَةِ سَامَنِي قَطِيعَتَهَا تِلْكَ السَّفَاهَةُ وَالإِثْمُ وَإِنْ أَدْعُهُ لِلنِّصْفِ يَأْبَى وَيَعْصِنِي وَيَدْعُو لِحُكْمِ جَائِر غَيْرُهْ الْحُكْمُ فَلَوْلا اتِّقَاءُ الله وَالرَّحِمِ اللَّتِي رِعَايَتُهَا حَقٌّ وَتَعْطِيلُهَا ظُلْمُ إِذَا لِعُلاهُ بَارِقِي وَخَطْمَتُهُ بِوَسْمِ شِنَارٍ لا يُشَابِهُهُ وَسْمُ وَيَسْعَى إِذَا أَبْنِي لِهَّدْمِ مَصَالِحِي وَلَيْسَ الذِّي يَبْنِي كَمَنْ شَأْنُهُ الْهَدْمُ يَوَدُّ لَوْ أَنِّي مُعْدِمٌ ذُوْ خَصَاصَةٍ وَأَكْرَهُ جُهْدِي إِنْ يُخَالِطَهُ الْعُدْمُ وَيَعْتَدُ غَنْمًا فِي الْحَوَادِثِ نَكْبَتِي وَمَا إِنْ لَهُ فِيْهَا سَنَاءٌ وَلا غُنْمُ وَمَا زِلْتُ فِي لَيْنِي لَهُ وَتَعَطُفِيْ عَلَيْهِ كَمَا تَحْنُو على الْوَلَدُ الأُمُّ وَخَفْضٍ لَهُ مِنِّي الْجَنَاحَ تَأَلُفًا لِتُدْنِيَهُ مِنّي الْقَرَابَةُ وَالرَّحْمُ

стр. 1611

.. وَقُولِي إِذَا أَخْشَى عَلَيْهِ مُلِمَّةً أَلا اسْلَمْ فِدَاكَ الْخَالُ ذُوْ الْعَقْدِ وَالْعَمُ وَصَبْرِي على أَشْيَارَ مِنْه تُرِيْبُنِي وَكَظْمِ على غَيْظِي وَقَدْ يَنْفَعُ الْكَظْمُ لأَسْتَلَّ مِنْ الظَّعْنَ حَتَّى اسْتَلَلْتُهُ وَقَدْ كَانَ ذَا ضِغْنٍ يَضِيْقُ بِهِ الْجَرْمُ رَأَيْتُ إِنْثَلامًا بَيْنَنَا فَرَقَعْتُهُ بِرِفْقِي وَإِحْيَائِي وَقَدْ يُرْقَعُ الثَّلْمُ وَأَبْرَأْتُ غِلَّ الصَّدْرِ مِنْهُ تَوَسُّعًا بِحِلْمِي كَمَا يُشْفَى بِالأَدْوِيَةِ الْكَلْمُ فَدَوَايْتُهُ حَتَى ارْفَأَنَّ نِفَارُهُ فَعُدْنَا كَأَنَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا جُرْمُ وَأطْفَأَ نَارَ الْحَرْبِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَأَصْبَحَ بَعْدَ الْحَرْبِ وَهُوَ لَنَا سِلْمُ والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وسلم. (فَصْلٌ) : وأخرج الأمام أحمد أيضًا بإسناد رواته ثقات والبزار عن سعيد بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن من أربى الربا الاستطالة فِي عرض المسلم بغير حق، وإن هذه الرحم شجنة من الرحمن فمن قطعها حرم الله عليه الجنة» . وأخرج البزار بإسناد حسن عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «الرحم شجنة متمسكة بالعرش تكلم بلسان ذلق اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني فيقول الله ﵎ أنا الرحمن الرحيم وإني شققت الرحم من اسمي فمن وصلها وصلته ومن بكتها بكته) .

стр. 1612

شِعْرًا: ... إِنِي لَيَمْنَعُنِي مِنْ قَطْعِ ذِي رَحِمٍ ... مَا جَاءَ فِي الذِّكْرِ مَعْ مَا جَاءَ فِي السُّنَنِ إِنْ لانَ لِنْتُ وَإِنْ دَبَّتُ عَقَارِبُهُ ... إِلَيَّ جَازَيْتُهُ بِالصَّفْحِ لا الظَّغْنِ إِذَا هَجَرُوا عِزًا وَصَلْنَا تَذَلُلاً وَإِنْ بَعُدُوا يَأْسًا قَرَبْنَا تَعَلُلا وَإِنْ أَغْلَقُوا بِالْهَجْرِ أَبْوَابَ وَصْلِهِمْ وَقَالُوا أُبْعُدُوا عَنَّا طَلَبْنَا التَّوَصَلا وَإنْ مَنَعُونا أنْ نجُوزَ بأَرْضِهِم وَلم يَسْمَعُوا الشكوى وَرَدُّوا التَّوَسُّلاَ أَشَرْنا بِتَسْلِيمٍ وَإنْ بَعُدَ المَدَى إلَيْهِمْ وَهَذا مُنْتَهَى الوَصْل أكْمَلاَ وأخرج الطبراني وابن خزيمة فِي صحيحه والحاكم وقال: على شرط مسلم عن أم كلثوم بنت عقبة ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» . يعني أفضل الصدقة على ذي الرحم المضمر العداوة وهو فِي معنى قوله ﷺ : «وتصل من قطعك» . قال الناظم: وَكُنْ وَاصِلَ الأَرْحَامِ حَتَّى لِكَاشِحِ تُوَفَّرُ فِي عُمٍْر وَرِزْقٍ وَتَسْعَدُ وَلاَ تَقْطِعِ الأَرْحَامَ أنَّ َقِطِيعَةً لِذِي رَحِمٍ كُبْرَى مِنْ اللهِ تُبْعِدُ فَلاَ تَغْشَى قَوْمًا رَحْمَةُ اللهِ فَيهِمُ ثَوَى قَاطِعِ قَدْ جَاءَ ذَا بِتَوَعُّدِ

стр. 1613

وأخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عن عقبة بن عامر ﵁ قال: لقيت رسول الله ﷺ فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله أخبرني بفواصل الأعمال فقال: «يا عقبة صل من قطعك وأعط من حرمك وأعرض عمن ظلمك» . وفي لفظ: «واعف عمن ظلمك» . وأخرج الطبراني عن علي رضوان الله عليه قال: قال النبي ﷺ : «ألا أدلك على أكرم أخلاق الدنيا والآخرة؟ أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك وأن تعفو عمن ظلمك» . ورواه البزار عن عبادة بن الصامت مرفوعًا بلفظ: «ألا أدلكم على مَا يرفع الله به الدرجات» ؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «تحلم على من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك» . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب أن يبسط له رزقه وينسأ له فِي أثره، فليصل رحمه» . وللبخاري عن أبي هريرة: «من سره أن يبسط له فِي رزقه، وينسأ له فِي أثره، فليصل رحمه» . ورواه الترمذي بلفظ: «تعلموا من أنسابكم مَا تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة فِي الأهل، مثراة فِي المال منساة فِي الأثر» . ومعنى (مثراة فِي المال) أي زيادة فيه ومعنى (منسأة فِي الأثر) النسأ أي زيادة فِي عمره أي يؤخر له فِي أثره وهو الذكر الحسن فيه يكتسب صاحبه حسنات وهو فِي القبر بالدعاء الصالح له أو الإقتداء به فِي صالح عمله. ذِكْرُ الفَتَى عُمْرهُ الثانِي وحَاجَتُهُ ... ما قَاتَهُ وفُضُولُ العَيْشِ أَشْغَالُ آخر: ... دَقَّاتُ قَلْبِ المَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ ... إنَّ الحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِي فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ بَعدْ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا ... فَالذِّكْرُ لِلإِنْسَانِ عُمْرٌ ثَانِي

стр. 1614

وأخرج عبد الله بن الإمام أحمد فِي زوائده والبزار بإسناد جيد والحاكم عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من سره أن يمد له فِي عمره، ويوسع له فِي رزقه، ويدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه» . وأخرج البزار بإسناد لا بأس به والحاكم وصححه عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «مكتوب فِي التوراة من أحب أن يزاد فِي عمره، ويزاد فِي رزقه فليصل رحمه» . وأخرج الطبراني بإسناد حسن والحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليعمر بالقوم الديار ويثمر لهم الأموال، وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضًا لهم» . قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «بصلتهم لأرحامهم» . اللهم ثبت قلوبنا على دينك وألهمنا ذكرك وشكرك واختم لنا بخاتمة السعادة واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. فَصْلٌ: ثم اعلم أن لصلة الرحم فوائد جمة وثمرات محققة ونتائج حسنة فِي حياة المسلم ويعد وفاته وَقَدْ رتب النبي ﷺ على صلة الرحم أمرين محققين هما بسط الرزق وسعته والإنساء فِي الأثر ومساعدة ذوي القربى وصلتهم واجب ديني ندب الله إليه وجاءت الأحاديث مبينة أنه من آكد واجبات المرء فِي حياته يدعوك له الشفقة والحنان والعطف والرحمة على ذوي قرباك. وليس من البر مساعدة الخامل الكسلان وتشجيعه على البطالة والكسل وإنما البر والصلة فِي مساعدة من فقد أسباب العمل ولم تتهيأ له طرق المكاسب وعليك أن تعاملهم معاملة الرفق واللين فتحترم كبيرهم وتجله وتحسن إِلَى صغيرهم وتتجاوز عن هفواتهم وتغض الطرف عن زلاتهم وتقابل المسيء مِنْهُمْ بالإحسان لا بالاستكبار والاستنقاص لأنهم أقاربك وأولى الناس بمودتك وعطفك ورحمتك ومما يولد المحبة والحنان الهدايا قال بعضهم: هَدَايَا الناسِ بَعْضُهُمُ لِبَعْضٍ ... تُوُلِّدُ فِي قُلُوبِهِمُ الوِصَالاَ

стр. 1615

.. وتَزْرَعُ فِي الضَّمِيرِ هَوَي وَوُدًا ... وَتَكْسُوكَ المَهَابَةَ والجَلاَلاَ آخر: ... فَلاتَكُ مِنَّانًا بِخَيْرٍ فَعَلْتَهُ ... فَقَدْ يُفْسِدُ المَعْرُوفَ بِاْلمَّنِ صَاحِبُهْ وهم لأقرب الناس بعد أصولك وفروعك وحواشيك يتمنون سعادتك هناءك ويرجون لك الخيرات فجدير بك أن تسارع إِلَى مواساتهم وعيادتهم إذا مرضوا والسلام على من قدم مِنْهُمْ وتوديعه إذا سافر ومشاركتهم فِي أفراحهم وإظهار السرور لهم ومشاطرتهم فِي أتراحهم وتخفيف آلام الحزن عنهم والإسراع فِي قضاء حوائجهم ونحو ذلك من الأعمال الطيبة والمظاهر الشريفة تضيف قوتك على قوتهم فيسرعون على إجابتك ودفع الأذى عنك فِي ملماتك. أ. هـ. وأخرج ابن ماجة وابن حبان فِي صحيحه والحاكم وقال: صحيح الإسناد عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد فِي العمر إلا البر» . وروى الإمام أحمد عن عائشة مرفوعًا: «صلة الرحم، وحسن الجوار، أو حسن الخلق، يعمران الديار، ويزيدان فِي الأعمار» . وأخرج الطبراني وابن حبان فِي صحيحه عن أبي ذر ﵁ قال: أوصاني خليلي ﷺ بخصال من الخير أوصاني أن لا انظر إِلَى من هو فوقي، وأن انظر إِلَى من هو دوني، وأوصاني بحب المساكين والدنو مِنْهم، وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت، وأوصاني أن لا أخاف فِي الله لومة لائم، وأوصاني أن أقول الحق وإن كَانَ مرًا، وأوصاني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة. شِعْرًا: الذِّكْرُ أَصْدَقُ مِنْ سَيْف ومِنْ كُتُبِ ... فاعْمَلْ بِهِ تُحْرِزْ الأعَلَى من الرُّتَبِ فيه جَمِيعُ الذِي يَحْتَاجُه البَشَرُ ... وَسُنّةُ المُصْطَفَى من بَعْدِه تُصِبِ
следующие страницы →