Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
.. وَقُولِي إِذَا أَخْشَى عَلَيْهِ مُلِمَّةً
أَلا اسْلَمْ فِدَاكَ الْخَالُ ذُوْ الْعَقْدِ وَالْعَمُ
وَصَبْرِي على أَشْيَارَ مِنْه تُرِيْبُنِي
وَكَظْمِ على غَيْظِي وَقَدْ يَنْفَعُ الْكَظْمُ
لأَسْتَلَّ مِنْ الظَّعْنَ حَتَّى اسْتَلَلْتُهُ
وَقَدْ كَانَ ذَا ضِغْنٍ يَضِيْقُ بِهِ الْجَرْمُ
رَأَيْتُ إِنْثَلامًا بَيْنَنَا فَرَقَعْتُهُ
بِرِفْقِي وَإِحْيَائِي وَقَدْ يُرْقَعُ الثَّلْمُ
وَأَبْرَأْتُ غِلَّ الصَّدْرِ مِنْهُ تَوَسُّعًا
بِحِلْمِي كَمَا يُشْفَى بِالأَدْوِيَةِ الْكَلْمُ
فَدَوَايْتُهُ حَتَى ارْفَأَنَّ نِفَارُهُ
فَعُدْنَا كَأَنَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا جُرْمُ
وَأطْفَأَ نَارَ الْحَرْبِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ
فَأَصْبَحَ بَعْدَ الْحَرْبِ وَهُوَ لَنَا سِلْمُ
والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وسلم.
(فَصْلٌ) : وأخرج الأمام أحمد أيضًا بإسناد رواته ثقات والبزار عن سعيد بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن من أربى الربا الاستطالة فِي عرض المسلم بغير حق، وإن هذه الرحم شجنة من الرحمن فمن قطعها حرم الله عليه الجنة» .
وأخرج البزار بإسناد حسن عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «الرحم شجنة متمسكة بالعرش تكلم بلسان ذلق اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني فيقول الله ﵎ أنا الرحمن الرحيم وإني شققت الرحم من اسمي فمن وصلها وصلته ومن بكتها بكته) .
стр. 1612
شِعْرًا: ... إِنِي لَيَمْنَعُنِي مِنْ قَطْعِ ذِي رَحِمٍ ... مَا جَاءَ فِي الذِّكْرِ مَعْ مَا جَاءَ فِي السُّنَنِ
إِنْ لانَ لِنْتُ وَإِنْ دَبَّتُ عَقَارِبُهُ ... إِلَيَّ جَازَيْتُهُ بِالصَّفْحِ لا الظَّغْنِ
إِذَا هَجَرُوا عِزًا وَصَلْنَا تَذَلُلاً
وَإِنْ بَعُدُوا يَأْسًا قَرَبْنَا تَعَلُلا
وَإِنْ أَغْلَقُوا بِالْهَجْرِ أَبْوَابَ وَصْلِهِمْ
وَقَالُوا أُبْعُدُوا عَنَّا طَلَبْنَا التَّوَصَلا
وَإنْ مَنَعُونا أنْ نجُوزَ بأَرْضِهِم
وَلم يَسْمَعُوا الشكوى وَرَدُّوا التَّوَسُّلاَ
أَشَرْنا بِتَسْلِيمٍ وَإنْ بَعُدَ المَدَى
إلَيْهِمْ وَهَذا مُنْتَهَى الوَصْل أكْمَلاَ
وأخرج الطبراني وابن خزيمة فِي صحيحه والحاكم وقال: على شرط مسلم عن أم كلثوم بنت عقبة ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» . يعني أفضل الصدقة على ذي الرحم المضمر العداوة وهو فِي معنى قوله ﷺ : «وتصل من قطعك» .
قال الناظم:
وَكُنْ وَاصِلَ الأَرْحَامِ حَتَّى لِكَاشِحِ
تُوَفَّرُ فِي عُمٍْر وَرِزْقٍ وَتَسْعَدُ
وَلاَ تَقْطِعِ الأَرْحَامَ أنَّ َقِطِيعَةً
لِذِي رَحِمٍ كُبْرَى مِنْ اللهِ تُبْعِدُ
فَلاَ تَغْشَى قَوْمًا رَحْمَةُ اللهِ فَيهِمُ
ثَوَى قَاطِعِ قَدْ جَاءَ ذَا بِتَوَعُّدِ
стр. 1613
وأخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عن عقبة بن عامر ﵁ قال: لقيت رسول الله ﷺ فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله أخبرني بفواصل الأعمال فقال: «يا عقبة صل من قطعك وأعط من حرمك وأعرض عمن ظلمك» . وفي لفظ: «واعف عمن ظلمك» .
وأخرج الطبراني عن علي رضوان الله عليه قال: قال النبي ﷺ : «ألا أدلك على أكرم أخلاق الدنيا والآخرة؟ أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك وأن تعفو عمن ظلمك» . ورواه البزار عن عبادة بن الصامت مرفوعًا بلفظ: «ألا أدلكم على مَا يرفع الله به الدرجات» ؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «تحلم على من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك» .
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب أن يبسط له رزقه وينسأ له فِي أثره، فليصل رحمه» . وللبخاري عن أبي هريرة: «من سره أن يبسط له فِي رزقه، وينسأ له فِي أثره، فليصل رحمه» .
ورواه الترمذي بلفظ: «تعلموا من أنسابكم مَا تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة فِي الأهل، مثراة فِي المال منساة فِي الأثر» . ومعنى (مثراة فِي المال) أي زيادة فيه ومعنى (منسأة فِي الأثر) النسأ أي زيادة فِي عمره أي يؤخر له فِي أثره وهو الذكر الحسن فيه يكتسب صاحبه حسنات وهو فِي القبر بالدعاء الصالح له أو الإقتداء به فِي صالح عمله.
ذِكْرُ الفَتَى عُمْرهُ الثانِي وحَاجَتُهُ ... ما قَاتَهُ وفُضُولُ العَيْشِ أَشْغَالُ
آخر: ... دَقَّاتُ قَلْبِ المَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ ... إنَّ الحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِي
فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ بَعدْ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا ... فَالذِّكْرُ لِلإِنْسَانِ عُمْرٌ ثَانِي
стр. 1614
وأخرج عبد الله بن الإمام أحمد فِي زوائده والبزار بإسناد جيد والحاكم عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من سره أن يمد له فِي عمره، ويوسع له فِي رزقه، ويدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه» .
وأخرج البزار بإسناد لا بأس به والحاكم وصححه عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «مكتوب فِي التوراة من أحب أن يزاد فِي عمره، ويزاد فِي رزقه فليصل رحمه» .
وأخرج الطبراني بإسناد حسن والحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليعمر بالقوم الديار ويثمر لهم الأموال، وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضًا لهم» . قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «بصلتهم لأرحامهم» .
اللهم ثبت قلوبنا على دينك وألهمنا ذكرك وشكرك واختم لنا بخاتمة السعادة واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
فَصْلٌ: ثم اعلم أن لصلة الرحم فوائد جمة وثمرات محققة ونتائج حسنة فِي حياة المسلم ويعد وفاته وَقَدْ رتب النبي ﷺ على صلة الرحم أمرين محققين هما بسط الرزق وسعته والإنساء فِي الأثر ومساعدة ذوي القربى وصلتهم واجب ديني ندب الله إليه وجاءت الأحاديث مبينة أنه من آكد واجبات المرء فِي حياته يدعوك له الشفقة والحنان والعطف والرحمة على ذوي قرباك.
وليس من البر مساعدة الخامل الكسلان وتشجيعه على البطالة والكسل وإنما البر والصلة فِي مساعدة من فقد أسباب العمل ولم تتهيأ له طرق المكاسب وعليك أن تعاملهم معاملة الرفق واللين فتحترم كبيرهم وتجله وتحسن إِلَى صغيرهم وتتجاوز عن هفواتهم وتغض الطرف عن زلاتهم وتقابل المسيء مِنْهُمْ بالإحسان لا بالاستكبار والاستنقاص لأنهم أقاربك وأولى الناس بمودتك وعطفك ورحمتك ومما يولد المحبة والحنان الهدايا قال بعضهم:
هَدَايَا الناسِ بَعْضُهُمُ لِبَعْضٍ ... تُوُلِّدُ فِي قُلُوبِهِمُ الوِصَالاَ
стр. 1615
.. وتَزْرَعُ فِي الضَّمِيرِ هَوَي وَوُدًا ... وَتَكْسُوكَ المَهَابَةَ والجَلاَلاَ
آخر: ... فَلاتَكُ مِنَّانًا بِخَيْرٍ فَعَلْتَهُ ... فَقَدْ يُفْسِدُ المَعْرُوفَ بِاْلمَّنِ صَاحِبُهْ
وهم لأقرب الناس بعد أصولك وفروعك وحواشيك يتمنون سعادتك هناءك ويرجون لك الخيرات فجدير بك أن تسارع إِلَى مواساتهم وعيادتهم إذا مرضوا والسلام على من قدم مِنْهُمْ وتوديعه إذا سافر ومشاركتهم فِي أفراحهم وإظهار السرور لهم ومشاطرتهم فِي أتراحهم وتخفيف آلام الحزن عنهم والإسراع فِي قضاء حوائجهم ونحو ذلك من الأعمال الطيبة والمظاهر الشريفة تضيف قوتك على قوتهم فيسرعون على إجابتك ودفع الأذى عنك فِي ملماتك. أ. هـ.
وأخرج ابن ماجة وابن حبان فِي صحيحه والحاكم وقال: صحيح الإسناد عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد فِي العمر إلا البر» .
وروى الإمام أحمد عن عائشة مرفوعًا: «صلة الرحم، وحسن الجوار، أو حسن الخلق، يعمران الديار، ويزيدان فِي الأعمار» .
وأخرج الطبراني وابن حبان فِي صحيحه عن أبي ذر ﵁ قال: أوصاني خليلي ﷺ بخصال من الخير أوصاني أن لا انظر إِلَى من هو فوقي، وأن انظر إِلَى من هو دوني، وأوصاني بحب المساكين والدنو مِنْهم، وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت، وأوصاني أن لا أخاف فِي الله لومة لائم، وأوصاني أن أقول الحق وإن كَانَ مرًا، وأوصاني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة.
شِعْرًا:
الذِّكْرُ أَصْدَقُ مِنْ سَيْف ومِنْ كُتُبِ ... فاعْمَلْ بِهِ تُحْرِزْ الأعَلَى من الرُّتَبِ
فيه جَمِيعُ الذِي يَحْتَاجُه البَشَرُ ... وَسُنّةُ المُصْطَفَى من بَعْدِه تُصِبِ
стр. 1616
آخر: ... العِلْم فيما أَتَى بِالذِكرِ مَطْلَبُهُ ... وَمَا عن المُصْطَفَى قَدْ جَاءَ فِي الكُتُبِ
وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» .
وعن أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة فِي الدنيا مع مَا يدخر له فِي الآخرة من البغي وقطيعة الرحم» . رواه ابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن صحيح والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
وعن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق بالسحر» . رواه ابن حبان وغيره.
وروي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أسرع الخير ثوابًا البر وصلة الحم، وأسرع الشر عقوبة البغي وقطيعة الرحم» . رواه ابن ماجة.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: «إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم» . رواه أحمد ورواته ثقات.
وروي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن مجتمعون فقال: «يا معشر المسلمين اتقوا الله وصلوا أرحماكم فإنه ليس ثواب أسرع من صلة الرحم وإياكم والبغي فإنه ليس من عقوبة أسرع من عقوبة بغي وإياكم وعقوق
стр. 1617
الوالدين، فإن ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام، والله لا يجدها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جار أزاره خيلاء، إنما الكبرياء لله رب العالمين» .
شِعْرًا:
خَفِّضْ هُمُومَكَ فَالحَيَاةُ غَرُورُ
وَرَحَى المَنُونِ على الأنَامِ تَدُورُ
وَالْمَرْءِ فِي دَارِ الفَنَاءِ مُكَلَّفٌ
((لاَ مُهْمَلٌ فِيْهَا وَلاَ مَعْذُورُ))
وَالنَّاسُ فِي الدُّنْيَا كَظِلٍّ زَائِلِ
كُلُّ إِلَى حُكْمِ الْفَنَاءِ يَصِيرُ
فَالنَّكْسُ وَالمَلِكُ المُتَوَّجُ وَاحِدٌ
لا آمِرٌ يَبْقَى وَلاَ مَأْمُورُ
عَجَبًا لِمَنْ تَرَكَ التَّذَكُّرَ وَانْثَنَى
في الأمْرِ وَهُوَ بِعَيْشِهِ مَغْرُورُ
وَإِذَا الْقَضَاءُ جَرَى بَأَمْرٍ نَافِذِ
غَلِطَ الطَّبِيبُ وَأَخْطَأَ التَّدْبِيرُ
إِنْ لُمْتُ صَرْفَ الدَّهْرِ فيه أجَابَنِي
أبَتِ النُّهَى أنْ يُعْتَبَ الْمَقْدُورُ
أَوْ قُلْتَ لَهْ أيَنْ المُؤْيَّدُ قَالَ لِي
أَيْنَ الْمُظفَّرُ قَبْلَ وَالمَنْصُورُ
стр. 1618
أَمْ أَيْنَ كِسْرَى أَزْدَ شِيرُ وَقَيْصَرٌ
وَالهُرْمُزَانُ وَقَبْلَهُمْ سَابُورُ
أَيْنَ ابْنُ دَاوُدَ سُلَيْمَانُ الذِي
كَانَتْ بِجَحْفَلِهِ الْجِبَالُ تَمُورُ
وَالرِّيحُ تَجْرِي حَيْثُ شَاءَ بأَمْرهِ
مُْنَقادَةً وَبِهِ البِسَاطُ يَسِيرُ
فَتَكَتْ بِهِمْ أَيْدِي الْمَنُونِ وَلَمْ تَزَلْ
خَيْلُ الْمَنُونِ على الأَنَامِ تُغِيرُ
لَوْ كَانَ يَخْلُدُ بالفَضَائِل مَاجِدٌ
مَا ضَمَّتِ الرُّسُلَ الكِرَامَ قُبُورُ
إِنَي لأَعْلَمُ وَاللَّبِيبُ خَبِيرُ
أَنَّ الحَيَاة وَإنْ حَرِصْتَ غَرُورُ
وَرَأَيْتُ كُلاًماً يُعَلِّلُ نَفْسَهُ
بِتَعِلَّةِ وَإلى الفَنَاءِ يَصِيرُ
والله أعلم. وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه وسلم.
موعظة
عباد الله إن النصيحة غالية ذات أهمية عظيمة عند ذوي الألباب والفهوم لأنها إرشاد إلى الصواب وتوجيه نحو العمل الصالح والأخلاق الفاضلة والسيرة الحسنة وهداية إِلَى مَا يعود نفعه وفائدته على المنصوح. بالسعادة والعز والنصيحة تبصير بالمضار حتى لا يقع فيها من لا يعرفها.
стр. 1619
ولذلك ينبغي أن الناصح ذا رأي ثاقب وعقل راجح قَدْ جرب الأمور وعركته الأيام والليالي وذاق حلوها ومرها وانتفع بما رآه فيها من عسر ويسر وفرح وسرور وخلص قلبه من هم قاطع وغم شاغل ليسلم رأيه وتخلص نصيحته من الشوائب المكدرة.
فيا عباد الله إن الدين هو النصيحة يسدها المؤمن لإخوانه بل يبغي عليها جزاء ولا شكورَا إلا من ربه وخالقه يبذلها خالصة لوجه الله قاصدًا بها نفع عباد الله والأخذ بأيديهم إِلَى طرق السداد سار على ذلك الأنبياء والمؤمنون والاتقاء.
قال تعالى إخبارًا عن نوح ﵇: ﴿وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾ وعن هود: ﴿وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ وعن صالح: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ وعن شعيب: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ وعن مؤمن آل فرعون ينصح قومه: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ الآيات فالنصيحة علامة الحب والإخلاص والوقار.
فإذا علمت أن شرًا سينزل بمؤمن غافل عنه فواجب عليك أن تنبهه وتحذره ليأخذ حذره من الكائدين وأسرع بأخباره كما حذر رجل موسى ﵇ قال تعالى: ﴿وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ .
وإن رأيت إنسانًا تردى فِي المعاصي وانغمس فِي الموبقات وأتبع شيطانه وهواه وركب رأسه وخالف مولاه فخذ بيده على طريق الرشاد
стр. 1620
وادعه بالتي هي أحسن إِلَى المتاب وطاعة رب العباد وذكره بالموت وسكراته والقبر والحساب ومناقشاته والصراط وعثراته والنار وعذابها وما أعد الله لأهلها من ألوان العذاب وذكره بالضريع والزقوم وويل وغساق وغسلين.
وذكره بالجنة ونعيمها وما أعد الله لأهلها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فلعل الله أن يهديه بسببك.
وان استنصحك أخوك المسلم فِي زواج من كنت تعرف فوضح له وبين مَا تعرف من العيوب فإن كتمت العيوب وأظهرت المحاسن فأنت من الخائنين وان استنصحك فِي مساهمة أو شراء عقار أو بيت أو شراء سلعة فأحب له مَا تحب لنفسك وشر عليه بما تحب أن يشار عليك به لو كنت فِي مكانه.
فان غررت به فأنت من المنافقين. وإن طلب منك مشورة فِي دين أو دنيًا فرجح له مَا ترى فيه الصلاح ولا تنتظر حتى يطلب منك النصح فإذا رأيت فِي خطأ فوجهه وابذل النصيحة لكل مسلم.
ابذله للأب كما فعل الخليل ابذله لأبنائك وكن كما كَانَ لقمان الحكيم لابنه وقل له مثل مَا قاله له: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾
انصحهم عن قرناء السوء وعن مجالس اللهو والفسوق والعصيان كمجالس التلفزيون والسينما والكورة ومجالس الغيبة والكذب والسخرية
стр. 1621
والاستماع إِلَى الغناء من المذياع والبكمات والمطربين والمطربات وانصحهم عن تعاطيها وشراء وأجرة وإعارة وحذرهم من مخالطة متعاطيها ومقاربته ومجاورته ومشاركته ومصاهرته.
شِعْرًا:
احْفَظْ نَصِيحَةَ مَنْ بَدَا لَكَ نُصْحُهُ
وِلرَأْي أَهْلِ الخَيْرِ جَهْدَكَ فاقْبَلِ
والله أعلم. وصلى الله على محمد وعَلَى آله وسلم
(فَصْلٌ)
فِي الإحسان إِلَى اليتيم والأرملة والمسكين
اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين أن فِي كفالة اليتيم والإحسان إليه والسعي على الأرملة والمسكين فضل عظيم يجده من وفقه الله للقيام به ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾ ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ .
واليتيم هو من مات أبوه ولم يبلغ، والجمع أيتام وهم الذين فقدوا أباهم الذي كَانَ يرعاهم بنفسه وماله ويحبهم من أعماق قلبه ويؤثر مصلحتهم على مصلحته.
وإن مما يذرف الدمع من العين ساخنًا ساعة الموت صبية صغارًا وذرية ضعفاء يخلفهم الميت وراءه يخشى عليهم من مصائب الدنيا وصروفها ويتمنى وصيًّا مرشدًا يقوم مقامه يرعاهم كرعايته ويسوسهم كسياسة يعزيهم بره ولطفه عن أبيهم الراحل ويجدون عنده من العناية والقيام بمصالحهم مَا يكون بإذن الله سببًا لإخراجهم رجالاً فِي الحياة
стр. 1622
يملئون العيون ويشرحون الصدور.
فالذي يكفل اليتيم ويتعهده ويلاحظه ويؤدبه ويهذب نفسه وتطمئن قلوب أقاربه إذا رأوه وكأن والده حي لا يفقد من والده إلا جسمه، فلا غرو أن كَانَ مكانه عند الله عظيمَا، وكان حريًّا أن يكون لرسول الله ﷺ صاحبًا فِي الجنة يتمتع بما فيها من النعيم المقيم، كما قام بما وفقه الله له من رعاية اليتيم.
ففي هذا ترغيب فِي كفالة الأيتام والعناية بأمورهم فلهم حق على المسلمين سواء كَانَوا أقارب أو غيرهم، يكون ذلك بكفالتهم وبرهم وجبر قلوبهم وتأديبهم أحسن تربية فِي مصالح دينهم ودنياهم.
ولذلك أوصى جل وعلا بالإحسان إليهم ليصيروا كمن لَمْ يفقد والديه، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من مسح رأس يتيم لَمْ يمسحه إلا لله كَانَ بكل شعرة تمر عليها يده حسنات» .
وأما الأرملة فهي التي مات زوجها، فهي فِي حاجة إِلَى الملاحظة لأنها ضعيفة وحاجات النساء كثيرة دقيقة وجليلة يرفعها المسكن والمأكل والملبس وهناك أشياء كثيرة من ذلك الدهن والطيب والمشط والمكحلة وأواني لشؤونها فِي حال طبخها وفي حال الحلي وأمور أخرى يطول ذكرها وتعدادها.
والمهم أن الذي يكدح وينصب ليكفي تلك الأرملة حاجاتها أو بعضها بعد أن فقدت زوجها الذي كَانَ يرعاها ويؤنسها وينفق عليها
стр. 1623
ويسكنها معه، فهو بذلك الإحسان يخفف عنها من ألم المصيبة، ويسلبها عن الفجيعة، ويكف يدها عن السؤال والنظر لما فِي أيدي الناس، ويصون وجهها، فهذا كالمجاهد فِي سبيل الله، له أجر عظيم عند الله .
وكذلك الساعي على المساكين، وهم الذين أسكنتهم الحاجة فلا يجدون مَا يكفيهم فِي قوتهم وكسوتهم وسكناهم، إما لفقد المال، وإما لعجز عن الكسب لمرض أو لصغر أو لزمانة أو لعمى، أو الذي تقطعت به الأسباب، وأظلمت على عينه الدنيا وانغلقت فِي وجهه الأبواب، يستحف السعي عليه ممن وفقه الله لذلك، والأخذ بيد.
ويعان على العمل بالقرض والإيجار أو مَا يستعين به على نفقة نفسه وأهله بأي عمل يحسنه من تعليم أو صنعة أو زراعة أو تجارة أو وظيفة يكف بها وجهه، وَقَدْ يكون المسكين من الأقارب أو ذا رحم يجب وصلها فيعظم حقه، ويكون السعي عليه برًا وصلة يكتب أجره عند الله أضعافًا مضاعفة، وهذه فرصة ثمينة لمن وفقه الله للقيام بها!
والخلاصة:
أن الذي يجمع المال بعرق جبينه لا لينفقه فِي السرف والبذخ واللذة والسمعة، ولكن ليسد به جوعة المسكين واليتيم ويغنيه عن السؤال فيحفظ على وجهه ماء الحيا وعَلَى نفسه خلق العفاف يكون حريًّا بمرتبة المجاهدين ومنزلة المقربين، فاخدم بمالك ووقتك وقوتك وسعيك وجاهك ذوي الحاجات وأرباب العاهات تنل بإذن الله المنزلة العالية الخالدة. تنبه: بشرط أن يكونوا من المؤمنين بالله.
ذَكَرَ الوَعِيدَ فَطرفُهُ لا يَهْجَعُ ... وجَفَا الرُقاَدَ فَبَان عَنْهُ المُضْجَعُ
مُتَفَرّدًا بِقَلِيلهِ يَشْكُو الَذِي ... مِلْءَ الجَوَانِحِ وَالحَشَا يَسْتَوْجِعُ
لَمَّا ئَيْقَّنَ صِدقَ مَا جَاءَتْ بِهِ الَ ... آياتُ صَارَ إِلَى الإِنَابِة يُسْرِعُ
стр. 1624
ج
فَجَفَا الأَحِبَّةُ فِي مَحَبَةِ رَبِّهِ ... وَسَما إِليهِ بِهِمَّةٍ مَا يُقْلِعُ
وَتَمَتَّعَتْ بِودَادِهِ أَعْضَاؤُهُ ... إِذَ خَصَّهَا مِنْهُ بِوِدِ يَنفَعُ
كَمْ فِي الظَّلامِ لَهُ إِذَا نَامَ الوَرَى ... مِنْ زَفْرُةٍ فِي إِثْرِهَا يَتَوَجَّعُ
وَيقُولُ فِي دَعَوَاتِهِ يَا سَيّدِي ... العُيْنُ يُسْعِدُهَا دَمُوعٌ رُجَّعُ
إِنّي فَزِعْتُ إليكَ فارْحَمْ عَبْرَتِي ... وَإِليكَ مِن ذُلِّ الْخَطِيئَةِ أَفْزَعُ
مَنْ ذَا سِوَاكَ يُجِيْرُنِي مِن زَلّتِي ... يَا مَنْ لِعزَّتِهِ أَذِلُّّّّّّّّّّّّ وَأَخْضَعُ
فَامْنُنْ عَلِيَّ بتَوْبَةً أَحْيَا بِهَا ... إِنّي بِمَا اجْتَرَأَتْ يَدَاي ََمُرَدَّعُ
موعظة: عباد الله - الدنيا ملأى بالمصائب والآلام، والأحزان والأسقام غناها فقر وعزها ذل. والآجال فيها معدودة والأعمار محدودة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ .
نعيمها إِلَى فناء وعيشها إلى انقضاء متاعها قليل، وحسابها طويل - الخلود فيها لا يكون لإنسان والبقاء الدائم لا يكون إلا للديان الذي يقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ .
فالسعيد من استعد ليوم الرحيل، وجهز نفسه بالعمل الصالح لسفر طويل، وتفكر فيمن سبقوه إِلَى دار القرار، وعلم أنه لا حق بهم مهما حاول الفرار، والأمر بعد ذلك إما نعيم مقيم أو شقاوة وعذاب أليم.
فيا من بنيت الآمال وقصرت فِي الصالح من الأعمال، تنبه للموت، فإن نسيانه ضلال مبين، كم من صديق لك مات فِي ريعان شبابه، وكم شيعت إِلَى الدار الآخرة من أحبابه، تذكر يا مغرور ساعة الاحتضار وخروج الروح.
والأولاد حولك يبكون والنساء تنوح، يناديك ولدك، أبتي إني بعدك مسكين، وتصرخ الزوجة يا زوجي إِلَى أين الرحيل وهل من رجعة أو غيابك طويل.
فتغرغر عيناك بالدموع ويلجم منك اللسان، وتحاول النطق فيعتذر
стр. 1625
عليك الكلام، وتطلب النجاة ولكن ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ .
إذا علمت هذا يا أخا الإسلام، فكيف يكون حال أبنائك من بعدك. ذل بعد عز، وحرمان بعد حنان ينظرون إِلَى الأبناء مع آبائهم فيحزنون، ويذكرون عطف أبيهم فيبكون، ليلهم نهار، ونهارهم ليل.
أعيادهم أتراح وأحزان، وأفراحهم هموم وأشجان، يتلفتون على أحباب أبيهم وأصدقائه، علهم يجدون عندهم الحنان ويشتهون ضمة أو قبلة كما يفعل الآباء بالغلمان والوالدان.
فإن كنتم يا مسلم فِي حياتك بارًا بمن فقدوا آبائهم، عطوفًا على اليتامى تمسح دموعهم بخيرك، وتعاملهم كولدك تدخل السرور على قلوبهم الحزينة بما تقدمه لهم من الهدايا والإحسان، وما تظهره لهم من حب وعطف ورعاية وحنان، إن فعلت هذا فِي حياتك فأبشر.
فإن أولادك بعدك فِي أمان، تحنوا عليهم القلوب، ويرعاهم علام الغيوب. قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ .
أيها المسلمون: إن رعاية اليتيم من واجبات الدين، وإن إهمال شأنه وإذلاله وقهره مَا ينبغي للإنسان وأكل ماله يغضب الديان، ويوجب الحرمان. قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ .
إن من رعاية اليتيم تنمية ماله، وإصلاح حاله بالتربية والتعليم والتهذيب والتقويم قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ .
стр. 1626
وإن احتاج اليتيم أو الأرملة إِلَى مساعدة تعود على مصلحته فينبغي لوليه أن يستعين بأهل الفضل والكرم ممن لهم قدم ثابت فِي ذلك وعرق أصيل لألانهم أحرى من غيرهم فِي النفع. واحذر اللئام والبخلاء.
شِعْرًا: ... وَإِنِّي لأَرْثِي لِلْكَرِيمِ إِذَا غَدَا ... عَلَى حَاجَةٍ عِنْدَ اللَّئِيمِ يُطَالِبُهْ
وَأَرْثِي لَهُ مِنْ وَقْفَةٍ عِنْدَ بَابِهِ ... كَمَرِّ سَنِّي وَالْعِلْجُ رَاكِبُهْ
شِعْرًا: ... سَلِ الفَضْلَ أَهْلَ الفضلِ قِدْمًا ولا تَسَلْ
عَلَى مَنْ نَشَأَ فِي الفقرِ ُثمَّ تَمَوَّلاَ
فَلَو مَلَكَ الدُّنْيَا جَمِيعًا بأسْرِها
تُذَكِّرُهُ الأَيَامُ مَا كَانَ أَوَّلا
آخر: ... بَعْضُ الرِّجَال كَقَبْرِ المَيْتِ تَمَنَحُهُ ... أعَزَّ شَيَءٍ وَلا يُعْطِيكَ تَعْوِيضَا
آخر: ... تَجَنَّبْ بُيُوتَا شُبِّعَتْ بَعد جُوعِهَا
فإنَّ بَقَاءَ الجُوعِ فيها مُخَمَّرُ
وَآوِي بُيُوتًا جُوِّعَتْ بَعْدَ شِبْعِهَا
فإنَّ كَرِيمَ الأَصْلِ لاَ يَتَغَيَّرُ
آخر: ... إيَّاكَ إيَّاكَ أَنَ تَرجُو امْرًأ حَسُنَتْ ... أَحْوَالُهُ بَعْدَ ضُرِّ كَانَ قَاسَاهُ
فَنَفْسُهُ تِبْكَ مَا زَادَتْ ومَا نَقَصَتْ ... وذلِكِ الفقرُ فَقْرٌ َما تَنَاسَاهُ
قال فِي الفتح: قال شيخنا فِي شرح الترمذي: لعل الحكمة فِي كون كافل اليتيم يشبه فِي دخوله الجنة أو شبهت منزلته فِي دخول الجنة بالقرب من منزلة النبي لكون النبي شأنه أن يبعث إِلَى قوم لا يعقلون أمر دينهم، فيكون كافلاً لهم ومعلمًا ومرشدًا.
وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه بل ولا دنياه
стр. 1627
ويرشده ويعلمه ويحسن أدبه. انتهى. قلت: وكثيرًا مَا يفعل بعض الناس ذلك الإحسان زمنًا ويتركه ولا يتمم إحسانه وبعضهم يرحب بذلك أول الأمر ولا يثبت على ذلك وقليل من يتمم كلامه ويثبت على جميله وإحسانه والتوفيق بيد الله وقديمًا قيل:
وَمَا كُلُّ هَاوٍ لِلْجِمْيلِ بِفَاعِلٍ ... وَمَا كُلُّ فَعَّالٍ لَهُ بِمُتَمِّمِ
آخر:
فأكْثَرُ مَنْ تَلْقَى يَسُرُكَ قوله ... وَلَكِنْ قليلٌ مَنْ يُسُركَ فِعْلُهُ
آخر:
وَفي النَّاسٍ مَنْ أَعْطَى الجَمِيلَ بَدِيهَةً ... وَظَنَّ بِفِعْلِ الخَيْرِ لَمَّا تَفَكَّرَا
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: النبي ﷺ : «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد فِي سبيل الله» . رواه البخاري ومالك وغيرهما وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه» . متفق عليه.
وروي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من عال ثلاثة من الأيتام كَانَ قام ليلة وصام نهاره وغدا وراح شاهرًا سيفه فِي سبيل الله، وكنت أنا وهو فِي الجنة أخوين كما أن هاتين أختان» . وألصق أصبعيه السبابة والوسطى رواه ابن ماجة.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلا شكا إِلَى رسول الله ﷺ قسوة قلبه فقال: «امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين» . رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
стр. 1628
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو كهاتين فِي الجنة» . وأشار مالك بالسبابة والوسطى. رواه مسلم ورواه مالك عن صفوان بن مسلم مرسلاً.
ورواه البزار متصلاً ولفظه قال: «من كفل يتيمًا له ذا قرابة أو لا قرابة له فأنا وهو فِي الجنة كهاتين» . وضم إصبعه «ومن سعى على ثلاث بنات فهو فِي الجنة وكان له كأجر المجاهد فِي سبيل الله صائمًا قائمًا» .
والله أعلم. وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه وسلم.
موعظة
عباد الله لقد تفضل الله علينا ورزقنا من الطيبات، وجعلنا آمنين مطمئنين، وأغنانا عن الحاجة، وصان وجوهنا عن المسألة التي وقع فيها الكثير من الناس، فالواجب علينا إذا إزاء هذه النعم العظام أن نكثر شكره وحمده والثناء عليه.
وبذلك يحفظ عليكم نعمته ويزيدكم مِنْهَا ويبارك لكم فيها قال تعالى وهو أصدق قائل وأوفى واعد. ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ وليس الشكر قول اللسان فقط، وإنما الشكر مع ذلك امتثال أوامر الله بالطاعة والإحسان فِي عبادة الله وإلى عباد الله البؤساء من يتيم ومسكين وأرملة ممن أصابتهم الشدة والفقراء من أرباب العيال المتعففين الذين لا يسألون ولا يفطن لهم فيتصدق عليهم.
وفي الدرجة الأولى من ليس لهم موارد أصلاً لا أولاد يدرسون ولا أولاد موظفين يدرون عليهم ولا عقار ولا غيره، وأن من القسوة أن يمنع الإنسان رفده ومعونته عن إخوانه المحتاجين.
شِعْرًا:
أحْسِنْ إذا كَانَ إِمْكَانٌ وَمَقْدِرَةٌ ... فَلَنْ يَدُومَ عَلَى الإِحْسَانِ إمْكَانُ
стр. 1629
أمن الرحمة والشفقة أن يكون الإنسان فِي رغد من العيش ورفاهية تامة وسعة من الرزق وإخوانه من المسلمين فِي ضنك وبؤس لا يعلم به إلا الله أو من أعلمه الله بحاله، أمن المروءة أن يتمتع الإنسان بأصناف المآكل والمشارب والملابس وأخوه المسلم المدقع فقرًا يتألم من الجوع ويتألم من البرد.
فالذي يرى من هذه صفتهم ولا يتألم ويتوجع لهم ويعمل مَا فِي وسعه لهم قاسي القلب خال من الشفقة والرحمة والرأفة نسأل الله أن يمن علينا بإتباع طريقة النبي ﷺ والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين قال الله عنهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ونسأله أن يغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمته إنه أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا وكافل اليتيم فِي الجنة هكذا» . وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما. رواه البخاري وأبو داود والترمذي.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قبض يتيمًا من بين المسلمين إِلَى طعامه وشرابه أدخله الله الجنة إلا أن يعمل ذنبًا لا يغفر» . رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وروي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خير بيت فِي المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر بيت فِي المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه» . رواه ابن ماجة.
стр. 1630
وروي عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة» . وأومأ بيده يزيد بن زريع الوسطى والسبابة «امرأة آمت زوجها ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها #حتى بانوا أو ماتوا» . رواه أبو داود.
وعن أنس ﵁ رفعه إِلَى النبي ﷺ : «أن رجلاً قال ليعقوب ﵇: مَا الذي أذهب بصرك وحنى ظهرك؟ قال: أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف، وأما الذي حنى ظهري فالحزن على أخيه بنيامين فآتاه جبريل ﵇ فقال: أتشكو الله ؟ قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ قال جبريل ﵇: الله أعلم بما قلت منك.
قال: ثم انطلق جبريل ﵇ ودخل يعقوب ﵇ بيته فقال: أي رب أما ترحم الشيخ الكبير أذهبت بصري وحنيت ظهري، فاردد عليّ ريحانتي فأشمهما شمة واحدة ثم اصنع بي بعد مَا شئت، فأتاه جبريل فقال: يا يعقوب إن الله يقرئك السلام ويقول: أبشر فإنهما لو كَانَ ميتين لنشرتهما لك لأقر بهما عينك.
ويقول لك: يا يعقوب أتدري لَمْ أذهبت بصرك وحنيت ظهرك؟ ولم فعل إخوة يوسف بيوسف مَا فعلوه؟ قال: لا. قال: إنه أتاك يتيم، مسكين وهو صائم جائع وذبحت أنت وأهلك شاة فأكلتموها ولم تطعموه.
ويقول: إني لَمْ أحب شيئًا من خلقي حبي اليتامى والمساكين فاصنع طعامًا وادع المساكين» . قال أنس: قال رسول الله ﷺ : «فكان يعقوب كلما أمسى نادى مناديه من كَانَ صائمًا فليحضر طعام ...
стр. 1631
يعقوب وإذا أصبح نادى مناديه من كَانَ مفطرًا فليفطر على طعام يعقوب» . رواه الحاكم والبيهقي والأصبهاني واللفظ له.
شِعْرًا: ... أَلَمْ تَرَ أنَّ النَّفْسَ يُرْدِيكَ شَرُّهَا ... وَأَنَّكَ مَأْخوُذُ بِمَا كُنَتَ سَاعِيَا
فَمَنْ ذا يُرِيُد اليومَ لِلنَّفْسِ حِكْمَةً ... وعِلْمًا يَزِيدُ العقلَ لِلصَّدرِ شَافِيا
هَلُمَ إِليَّ الآنَ إنْ كُنْتَ طَالِبًا ... سَبِيْلَ الهُدَى أوْ كُنْتَ لِلْحقِ باغِيا
فعندي مِن الأنباءِ عِلمٌ مجرَّبٌ ... فَمِنه بإلهامٍ ومِنهُ سَمَاعِيا
أخَبِرُ أخْبارًا تَقَادَمَ عَهْدُها ... وكَيفَ بَدأ الإسلام إذْ كانَ بادِيًا
وكَيفَ نَمىَ حتَّى اسْتَتَمَّ كَمالُه ... وكَيفَ ذَوَى إذْ كالثَّوبِ بَالِيَا
ومِن بعدِ ذا عندي مِنَ الِعلمِ جَوْهرٌ ... يُفيِدُك عِلْمًا إنْ وَعَيْتَ كَلامِيَا
فأحْوَجُ مَا كُنَّا إلى وَصِفْ دِيِننَا ... وَوَصْف دَلالاتِ العُقُولِ زَمَانِيَا
فَقَدْ نَدَبَ الإسلامُ أحْمدَ نَدْبَهً ... كَمَا نَدَبَ الأمواتَ ذُو الشَّجْوِ شِاجيَا
فأولُ مَا أبْدأُ فِبالحَمْدِ لِلَّذِي ... بَرَانى للإسلامِ إذْ كَانَ بَارِيَا
وصَيَّرِني إذْ شَاءَ مِن نَسْلِ آدمَ ... ولَمْ أكُ شَيطانًا مِن الجِنَّ عَاتِيَا
ولو شاءَ مِن إبليسَ صَيَّر مَخْرَجِي ... فَكُنتُ مُضِلاً جَاحِدَ الحقَّ طَاغِيَا
ولَكِنَّهُ قَدْ كَانَ بَاللُّطِف سَابِقًا ... وإذا لَمْ أكُنْ حَيًا على الأرضِ مَاشِيَا
وصَيَّرني مِنْ بَعْدُ فِي دِينِ أحمدَ ... وعَلَّمَنِي مَا غَابَ عنْهُ سُؤَالِيَا
وَفَهَّمَنِي نُورًا وَعِلْمًا وَحِكْمَةً ... فَشُكْرِي لَهُ فِي الشَّاكِرِينَ مُوَازِيَا
فَمِنْ أَجْلِ ذَا أَرْجُوهُ إِذْ كَانَ نَاظِرًا ... لِضَعْفِي وَجَهْلِي فِي الْمَلاِئِم حَالِيَا
وَمِنْ أَجْلِ إِذَا أَرْجُوهُ إِذَا كَانَ غَافِرًا ... وَمِنْ أَجْلِ ذَا قَدْ صَحَّ مِنِّي رَجَائِيَا
وَلَوْ كُنْتُ ذَا عَقْلٍ لَمَا قَدْ رَجَوْتُهُ ... لَقَدْ كُنْتُ ذَا خَوْفٍ وَشُكْرِي مُحَاذِيَا
وَلَوْ كُنْتُ أَرْجُوهُ لِحُسْنِ صَنِيعِهِ ... شَكَرْتُ فَصَحَّ الآنَ مِنِّي حَيَائِيَا
فَشُكْرِي لَهُ إذْ صَبِرْتُ بِالْحَقِّ عَالِمًا ... وَلِلشَّرِّ وَصَّافًا وَلِلْخَيْرِ وَاصِيَا
стр. 1632
.. وَمِنْ بَعْدِ ذَا وَصفِي لِنَفْسِي وَطَبْعِهَا ... وَوَصْفِي غَيْرِي إِذْ عَرَفْتُ ابْتِدَائِيَا
فَهَذَا مِنَ الأَنْبَاء وَصْفُ غَرَائِبٍ ... فَمَنْ كَانَ وَصْف لَكَانَ يجَالِيَا
وَذَاكَ لأَنَّ النَّاسَ قَدْ آثَرُوا الْهَوَى ... عَلَى الْحَقِّ سِرًّا ثُمَّ جَهْرًا عَلانِيَا
فَهَذَا زَمَانُ الشَّرِّ فَاحْذَرْ سَبِيلَهُ ... فَإِنَّ سَبِيلَ الشَّرِّ يُرْدِي الْمَهَاوِيَا
سَيَأْتِيكَ مِنْ أَنْبَائِهِ وَصْفُ خَابِرٍ ... كَلامٌ بِتَحْبِيرٍ وَوَصْفُ قَوَافِيَا
يَقُولُونَ لِي اهْجُرْ هَوَاكَ وَإِنَّمَا ... أَكدُّ وَأَسْعَى أَنْ أُقِيمَ هَوَائِيَا
وَنَفْسَكَ جَاهِدْهَا وَإِنِّي لَمَائِلٌ ... إِلَيْهَا فَمَا أَنْ دَارَ أَلا تَنَائِيَا
وَكَيْفَ أَطِيقُ الْهَوَى أَنْ أَهْجُرَ الْهَوَى ... وَقَدْ مَلَّكَتْهُ النَّفْسُ مِنِّي زِمَامِيَا
تَقُودُنِي الأَيَّامُ فِي كُلِّ مُحْنَةٍ ... لَدَى طَبْعٍ يَبْدُو يَهِيجُ ذَاتِيَا
فَأَصْبَحْتُ مَأْسُورًا لَدَى النَّفْسِي وَالْهَوَى ... يَشُدَّانِ مِنِّي مَا اسْتَطَاعَا وَثَاقِيَا
اللهم اعصمنا عن المعاصي والزلات ووفقنا للعمل بالباقيات الصالحات واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء مِنْهُمْ والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
(فائدة جليلة)
إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده يحمل الله سبحانه حوائجه كلها وحمل عنه كل مَا أهمه، وفرغ قلبه لمحبته ولسانه لذكره وجوارحه لطاعته وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله إِلَى نفسه فشغل محبته بمحبة الخلق ولسانه عن ذكره بذكرهم وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم.
فهو يكدح كدح الوحش فِي خدمة غيره كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه فِي نفع غيره فكل من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بلي بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ . أ. هـ.
دَارك فَمَا عُمْرُكَ بِالْوَانِي ... وَلا تَثِقْ بِالْعُمْرِ الْفَانِي
стр. 1633
.. يَأْتِي لَكَ الْيَوْمُ بِمَا تَشْتَهِي ... فِيهِ وَلا يَأْتِي لَكَ الثَّانِي
وَيَأْمَلُ الْبَانِي بَقَاءَ الَّذِي ... يَبْنِي وَقَدْ يُخْتَلِسُ الْبَانِي
تَصْبَحُ فِي شَأْنِ بِمَا تَقْتَنِي الآ ... مَالُ وَالأَيَّامُ فِي شَانِ
فَانْظُرْ بِعَيْنِ الْحَقِّ مُسْتَبْصِرًا ... إِنْ كُنْتَ ذَا عَقْلٍ وَعُرْفَانِ
هَلْ نَالَ مَنْ جَمَّعَ أَمْوَالَهُ ... يَوْمًا سِوَى قَبْرٍ وَأَكْفَانِ
أَلَيْسَ كِسْرَى بَعْدَ مَا نَالَهُ ... زُحْزِحَ عَنْ قَصْرٍ وَإِيوَانِ
وَعَادَ فِي حُفْرَتِهِ خَالِيًا ... بِتُرْبَةٍ يُبْلَى وَدِيدَانِ
كَمْ تَلْعَبُ الدُّنْيَا بِأَبْنَائِهَا ... تَلاعُبَ الْخَمْر بِنَشْوَانِ
والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وسلم.
(موعظة)
عباد الله إن الشفقة والرأفة على خلق الله وخصوصًا اليتيم والمسكين والأرملة أثر من آثار الرحمة التي يجعلها الله فِي قلوب بعض عباده، فقل لي أيها الأخ مَا الذي عندك مِنْهَا فإن كنت رحيمًا بعباد الله فلك البشرى والهناء بهذا الخلق الكريم الذي هو سبب لسعادتك فِي يوم الحسرة والندامة، ذلك أن الرحيم يعامله المولى جل وعلا برحمته قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ فالراحمون يرحمهم الله.
وقال ﷺ : «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» . وقال ﷺ : «من لا يرحم لا يرحم» . وإن كنت قاسيًا عوملت بالقسوة ﴿جَزَاء وِفَاقاً﴾ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ والله لا يغفل عن أعمال عباده، وتظهر دلائل رحمتك فِي معاملتك لليتيم والمسكين والأرملة، وفي معاملتك مع أهلك، فإنهم يعيشون طول حياتهم عندك أن كنت رحيمًا أو قاسيًا.
وتظهر رحمتك أيضًا فِي معاملتك إخوانك فإنهم يجدونك إن كنت رحيمًا لين الجانب سهلاً بشوشًا لحوائجهم وتظهر فِي معاملتك لبهائمك
стр. 1634
فِي عدم تكليفها فوق الطاقة وفي ملاحظتها دائمًا فِي طعامها وشرابها ومكانها فِي الشتاء والصيف.
وتظهر رحمتك فِي معاملتك مع الخلق كلهم فِي حسن الخلق والصدق والحنو عليهم وزيارتهم وعيادتهم وقضاء مَا سهل عليك من حوائجهم، أما من قسا على الخلق وعاملهم معاملة ليس فيها شيء من الحنان والشفقة فهذا هو الجبار القاسي الذي لا يعامله مولاه إلا بما يناسب معاملته من الجبروت.
وكم فِي الدنيا من جبابرة نزعت الرحمة من صدورهم لا يعرفون معاملة الخلق بالرحمة بل بالقسوة والشدة والغلظة، لا فرق عندهم بين الآدمي والكلب العقور وغيره.
ومثل أولئك لو سمعوا كلمة لا تعجبهم ربما أعدموا القائل وأيتموا أولاده وأيموا نساءه، ولو رأوا من فِي أشد المصائب مَا بالوا ولا اهتموا وكأنه شيء عادي، وترى أحدهم يخرج مع الجنائز لتعزية رفيقه فِي مصائبه وهو يضحك ويتفكه.
ولو رأى إنسانًا مصدومًا أو ساقطًا فِي محل يريد إنقاذه تركه ولا همة له إلا فيما يتعلق بنفسه فقط ومثل أولئك تنشب بينهم وبين البهائم كل يوم حروب لأنها عملت عملاً في نظرهم أنه إجرام وربما قتلوا البهائم أو قريبًا من الهلاك.
فأين هؤلاء من الرحمة، بينهم وبينها بون، كما بين الحركة والسكون، ومن هؤلاء من ليس له إلا امرأة واحدة وهو جبار عليها كل مَا بين حين وحين يجلدها جلد الزاني، وبعضهم تجد أخته أو ابنته أو ربيبته كل يوم تشتكي من سوء معاملته لها. وربما حصل مِنْه على أبيه أو أمه أو كلاهما أذية.
стр. 1635
وفي الأرض كثير من هذه البليات، فعود نفسك الرحمة أيها المؤمن، فإنك فِي حاجة شديدة إِلَى رحمة الله، وعالج نفسك فِي تهذيبها وتمرينها على الرحمة وإذهاب القسوة، واحرص على مقارنة الرحماء لتكسب مِنْهُمْ هذه الصفة وتسلم من ضدها قال ﷺ : «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» .
الرَّاحِمُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمُهمْ
مَنْ فِي السَّمَاءِ كَذَا عَنْ سَيِّدِ الرُّسُلِ
فَارْحَمْ بِقَلْبِكَ خَلْق اللهِ وَارْعَهُمُ
بِهِ تَنَالُ الرِّضَا وَالْعَفْوُ عَنْ زَلَلِ
اللهم وفقنا لسلوك سبيل أهل الطاعة وارزقنا الثبات عليه والاستقامة وعافنا من موجبات الحسرة والندامة وأمنا من فزع يوم القيامة واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه من الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة أن الرحمة بالناس بل وبالحيوان عاطفة نبيلة وخلق شريف من أفضل الأعمال وأزكاها وأرفعها وأعلاها وناهيك بها أنها خلق الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين.
ولقد مدح الله بها رسوله ﷺ فقال سبحانه فِي وصف رسوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ وضدها القسوة التي عاقب الله بها اليهود لما نقضوا العهود إذ يقول جل وعلا: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ .
стр. 1636
فالرحمة فضيلة والقسوة رذيلة، فكان مجيء النبي ﷺ برسالته من عند الله رحمة لناس يتخبطون فِي بحر الأوهام والجهالات ومساوئ الأخلاق وسيء العادات وقبيح الأعمال يعبدون الأصنام والأشجار والأحجار والأوثان والشمس والقمر، آلهتهم شتى وأربابهم متفرقة.
وَقَدْ فشي وعم الفساد وأظلم الجو وشمل الظلم العباد فالقوي يأكل الضعيف ولا مراقب له ولا مخيف، يئدون البنات ويقتلون الأولاد، جاءهم النبي ﷺ فأنقذهم الله به وأخرجهم به من الظلمات إِلَى النور من عبادة الأصنام وتعظيمها إِلَى معرفة الله وتوحيده، والتفكير فِي الإله وتمجيده وتقديسه.
وانتشلتم من أوهامهم وجهالاتهم وضلالاتهم ومساوئهم إِلَى الاهتداء بنور القرآن وتعاليمه ﵊ فبعد أن كَانَوا قابعين فِي عقر دارهم قانعين فِي جزيرتهم إذا بهم يحملون إِلَى العالم أجمع رسالة النور والأمان والحق والسلام فيفتحون البلاد ويسوسون العباد بفضل مَا وهبهم الله من مَا تمكن فِي نفوسهم وقوي فِي أفئدتهم من حب الرحمة وابتغاء للرأفة بخلق الله ورغبته فِي العدل.
فكان مولده ﷺ نعمة وبعثته رحمة لا تدانيها رحمة والرحمة صفة من صفات الله الذاتية الفعلية فهو رحمن الدنيا والآخرة وحدث جل وعلا عن رحمته فِي كتابه فقال ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية.
والنبي ﷺ يرغبنا فِي الرحمة واللين والرفق والمسامحة بقوله وفعله فهو يقول: «من لا يرحم لا يرحم» . وهو القائل: «لا
стр. 1637
تنزع الرحمة إلا من شقي» . أي ولا تسكن إلا فِي قلب تقي فالرحمة فضيلة والقسوة والغلظة رذيلة وعمل منكر والرحمة لا تختص بالإنسان بل تعم الحيوان وكل ذي روح وإحساس.
فمن آثارها مَا يجده الوالد لولده وآثرها تقبيله ومعانقته وشمه وضمه وحنوه عليه كما صنع الله عليه وسلم بالحسين والحسن ﵄ ومن أثرها تأديبه وتربيته وإجابة رغائبه مَا دامت فِي سبيل المصلحة وإبعاده من الشر.
وتكون الرحمة بالآباء والأمهات وأثرها اللطف بهما والعطف عليهما والقول الكريم لهما وصنع الجميل فيهما والذب عنهما والحنو عليهما والشفقة عليهما وإظهار البشر لهما قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ .
ومن آثارها جريان الدمع مع العين وذرفها عند المصيبة كما كَانَ ﷺ حال وفاة ولده جعلت عيناه تذرفان الدمع فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» .
ولذا أجاب الأعرابي الذي قال: أتقبلون صبيانكم فما نقبلهم قال له: «أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك» ومن آثار الرحمة بالقريب والصديق أن تخصه بمزيد من البر والإحسان فتنفس كربه وتخفف ألمه وتفرج همه وتسعى لإزالة الشحناء ورفع البغضاء ويواسي فقره ويرشده عند الحيرة وينبهه عند الغفلة وينصحه إذا استنصحه ويعين العاجز ويعود
стр. 1638
المريض وينفس له فِي أجله ويشيع جنازته ونحو ذلك من الأعمال الصالحة النافعة والطريقة المجدية.
وتكون الرحمة بالأقرباء وأثرها وصلتهم وزيارتهم ومودتهم والسعي فِي مصالحهم ودفع مَا يضرهم وتكون الرحمة بين الزوجين وأثرها المعاشرة بالمعروف والإخلاص والوفاة المتبادل وأن لا ترهقه بالطلبات ولا يكلفها بالمرهقات بل يعاون على شؤون المنزل وتربية الأولاد بنفسه أو ماله أن كَانَ ذا سعة.
وتكون الرحمة بأهل دينك ترشدهم إِلَى الخير وتعلمهم مَا تقدر عليه مما ينفعهم وتأخذ بهم عن اللمم إِلَى سبيل الأمم وتعمل لعزهم ودفع المذلة عنهم وتكون رحيمًا بالمؤمنين جميعًا فتحب لهم مَا تحب لنفسك وتكره لهم مَا تكره لها.
ومن أثرها بالحيوان مَا جاء فِي حديث مسلم عن أبي يعلى شداد بن أوس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذ ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» .
وذلك بأن يرفق بها ولا يصرعها ويزعجها بغتة ولا يجرها من موضع إِلَى موضع بسرعة ترهقها وترهبها بل بلطف ولا يسرع بقطع الرأس ويسرع بقطع الحلقوم والمري والودجين ويتركها إِلَى أن تبرد لتخفيف ألمها بقدر الاستطاعة.
ومن الرحمة مَا يحدثنا به ﷺ قال: «بينما رجل
стр. 1639
يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئرًا فشرب مِنْهَا ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له» . قالوا: يا رسول الله وإن لنا فِي البهائم أجر؟ قال: «فِي كل كبد رطبة أجر» . والله أعلم. وصلى الله على محمد.
(فَصْلٌ)
اعلم وفقنا الله وإياك لما يحبه ويرضاه أن للجار على جاره حق عظيم فِي الأديان كلها والشرائع والأوضاع كافة، والعرب كَانَوا يعظمون حق الجار ويحترمون الجوار فِي الجاهلية قبل الإسلام، ويعتزون بثناء الجار عليهم ويفخرون بذلك، والضعيف إذا جاور القوي صار قويًّا بإذن الله، له مَا لهم وعليه مَا عليهم، وحين جاء الإسلام أعزه الله وأكد حق الجوار وحث عليه وجعله بعد القرابة وكاد يورثه.
والجار يطلق ويراد به الداخل فِي الجوار ويطلق على المجاور فِي الدار، وعَلَى الساكن مع الإنسان فِي البلد، وعَلَى أربعين دارًا من كل جانب وورد عن النبي ﷺ : «الجيران ثلاثة جار له حق واحد وهو المشرك له حق الجوار، وجار له حقان وهو المسلم له حق الجوار والإسلام، وجار له ثلاثة حقوق وهو المسلم القريب، له حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم» .
إذا عرفت ذلك فتعلم أن من توفيق الإنسان وسعادته أن يكون فِي بيته يشعر بالعطف واللطف عليه والتقدير له والمحبة له، ومن قلة توفيقه
стр. 1640
أن يكون بين جيران يضمرون الشر له والعداوة، ويدبرون له المكائد ويذمرون عليه خصومه.
فالشخص الذي بجانبه جيران سوء يعملون للإضرار به فِي نفسه أو ماله أو عرضه، ويحوكون له العظائم والدواهي، منغص عيشه، لا يهنأ له بال، غير مرتاح، تجده قلقًا مِنْهُمْ إن دخل أو خرج، ولا ينعم بمال، تراه مقطب الوجه، محزون النفس مكلوم الفؤاد.
وتجد أهله معهم فِي لجاج، كل ذلك من جار السوء، إما من قبل التسلط على أهله أو على أولاده، وإما بوضع أذية فِي طريقه أو فِي بيته، وأبتعد على ملكه أو بتجسس عليه بدون مبرر وإما بنظر وتطلع عليهم من نافذة أو باب أو سطح أو رمي حصا ونحوه عليهم أو نحو ذلك من أنواع الأذايا.
وربما اضطر إِلَى بيع منزله من أجل جار السوء، كما ذكر بعض من ابتلى بجار سوء اضطره إِلَى بيع ملكه قال فِي ذلك:
يَلُومُونَنِي إِنْ بِعْتُ بِالرُّخْصِ مَنْزِلِي ... وَلَمْ يَعْلَمُوا جَارًا هُنَاكَ يُنَغَّصُ
فَقُلْتُ لَهُمْ كُفُّوا الْمَلامَ فَإِنَّمَا ... بِجِيرَانِهَا تَغْلُوا الدِّيَارُ وَتَرْخُصُ
آخر:
أَرَى دَارَ جَارِي عَنْ تَغَيَّب حُقْبَةً ... عَليَّ حَرَامًا بَعْدَهُ إِنْ دَخَلْتُهَا
قَلِيلٌ سَؤَالِي جَارَتِي عَنْ شُؤونِهَا ... إِذَا غَابَ رَبُّ الْبَيْتِ عَنْهَا هَجَرْتُهَا
أَلَيْسَ قَبِيحًا أَنْ يُخَبَّرَ أَنَّنِي ... إِذَا غَابَ عَنْهَا شَاحِطَ الدَّارِ زرْتُهَا
آخر:
اطْلُبْ لِنَفْسِكَ جِيرَانًا تُسَرُّ بِهِمْ ... لا تَصْلُحُ الدَّارُ حَتَّى يَصْلُحَ الْجَارُ
آخر:
شِرَى جَارَتِي سِتْرًا فُضُول لأَنَّنِي ... جَعَلْتُ جُفُونِي مَا حَيِيتُ لَهَا سِتْرَا
стр. 1641
وَمَا جَارَتِي إِلا كَأُمِّي وَإِنَّنِي ... لأَحْفَظُهَا سِرًّا وَاحْفَظُهَا جَهْرَا
بَعَثْتُ إِلَيْهَا انْعَمِي وَتَنَعَّمِي ... فَلَسْتُ مُحِلاً مِنْكِ وَجْهًا وَلا شَعْرَا
ويقول الآخر:
دَارِ جَارَ السُّوءِ بِالصَّبْرِ وَإِنْ
لَمْ تَجِدْ صَبْرًا فَمَا أَحْلَى النُّقَلْ
آخر: ... إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَخْلُصْ عِبَادَةَ رَبِّهِ ... فَلا خَيْرَ فِيهِ وَابْتَعِدْ عَنْ جِوَارِهِ
وبعض الجيران يكون فيه خير وشر فهذا ربما تقابل منافعه مضاره وتتحمل مِنْه ذلك النقص لما فيه من الكمال وأما الآخر فهو شر مضرة بلا منفعة ونقصان بلا فائدة فكيف يعذر وهو بهذه الحالة.
عَذَرْنَا النَّخْلَ فِي إِبْدَاءِ شَوْكٍ ... يَرِدْ بِهِ الأَنَامِلَ عَنْ جَنَاهُ
فَمَا لِلْعَوْسَجِ الْمَذْمومِ يُبْدِي ... لَنَا شَوْكًا بِلا ثَمَرٍ نَرَاهُ
آخر: ... مَرِضْتُ وَلِي جِيرَة كُلُّهُمْ ... عَنِ الرُّشْدِ فِي صُحْبَتِي حَائِدُ
فَأَصْبَحْتُ فِي النَّقْصِ مِثْلَ الَّذِي ... وَلا صِلَةَ لِي وَلا عَائِدُ
آخر: ... وَلَمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ لا عَهْدَ عِنْدَهُمْ ... صَدَفتُ وَرَبِّ الْخَلْقِ صُحْبَة النَّاسِ
وَصِرْتُ جَلِيسُ الْكُتُبِ مَا عِشْتُ فِيهِمُ ... وَأَعْمَلْتُ حُسْنَ الصَّبْرِ عَنْهُمْ مَعَ الْيَأْسِ
آخر: ... وَزَهَّدَنِي فِي النَّاسِ مَعْرَفَتِي بِهِمْ ... وَطُولُ اخْتِبَارِي صَاحِبًا بَعْدَ صَاحِبِ
فَلَمْ أَرَى فِي الأَيَّامِ خَلا تَسُرُّنِي ... بِوَادِيهِ إِلا سَاءَنِي فِي الْعَوَاقِبِ
وَلا قُلْتُ أَرْجُوهُ لِدَفْعِ مُلِمَّةٍ ... أَتَتْنِي إِلا كَانَ إِحْدَى الْمَصَائِبِ
آخر: ... أَنْتَ فِي مَعْشَرٍ إِذَا غِبْتَ عَنْهُمْ ... جَعَلُوا كُلَّ مَا يَزِينُكَ شِينَا
وَإِذَا أَمَا رَأَوْكَ قَالُوا جَمِعيًا ... أَنْتَ مِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ عَلَيْنَا
стр. 1642
وعن أبي شريح قال: قال النبي ﷺ : «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن» . قيل من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه» . رواه البخاري ومسلم فبين ﷺ أن من هذا خلقه، وتلك دخيلته مع جاره غير مؤمن، وأكد ذلك بالحلف والتكرار ثلاث مرات.
وهل المؤمن إلا من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم وهل الإيمان إلا من الأمن؟ فإذا كَانَ الجار لجاره حربًا وعليه ضدا فكيف يكون من المؤمنين الذين أخلصوا دينهم لله لقد كَانَ الواجب عليه أن يتفقد أمور جاره، ويساعده بكل مَا استطاع، ويعمل على جلب الخير له ودفع مَا يضره، حتى يكون فِي عيشة راضية وحياة طيبة، كما يعمل بعض الجيران المحسنين الذين يألفون ويؤلفون.
فقد يأنس الإنسان بجاره القريب أكثر مما يأنس بالنسيب فيحسن التعاون بينهما، وتكون الرحمة والإحسان بينهما، فإذا لَمْ يحسن أحدهما لصاحبه فلا خير فيهما لسائر الناس.
أَعِينُ أَخِي أَوْ صَاحِبِي فِي بَلائِهِ ... أَقُومُ إِذَا عَضَّ الزَّمَانُ وَأَقْعُدُ
وَمَنْ يُفْرِدُ الإِخْوَانَ فِيمَا يَنْوبُهُمْ ... تَنْبِهُ اللَّيَالِي مَرَّةً وَهُوَ مُفْرَدُ
فينبغي للجار أن يتعاهد جاره بإهداء مَا تيسر والصدقة والدعوة واللطافة به وإعانته والتوسيع عليه فِي معاملته وإقراضه، وعيادته وتعزيته عند المصيبة وتهنئته بما يفرحه، ويستر مَا انكشف له من عورة، ويغض بصره عن محارمه ويمنع أولاده وأهله من أذية أولاد جاره وأهلهم.
وإن بدا لهم حاجة قام بها، ولا يرفع على المذياع أو التلفزيون إن كَانَ يضرهم ويسهرهم وهو ممن ابتلى بهذا المنكر المحرم، ويعمل
стр. 1643
كل مَا فيه لهم ويقدر عليه ويدفع عنهم مَا يضرهم مَا استطاع فبهذه الأشياء تقع بإذن الله الألفة والمحبة.
وبها تحصل المودة، ويصبح المرء بين جيرانه محبوبًا موقرًا يتفقدونه إذا غاب ويسألون عنه ويعدونه إذا حضر مرغوبًا مرموقًا بالعناية مِنْهُمْ آمنًا مِنْهُمْ مطمئنًا إليهم يتبادلون المنافع.
روي أن إبراهيم بن حذيفة باع داره فلما أراد المشتري أن يشهد عليه قال: لست أشهد عليَّ ولا أسلمها حتى يشتروا مني جوار سعيد بن العاص وتزايدوا فِي الثمن قالوا: وهل رأيت أحدًا يشتري جوار أو يبيعه قال: ألا تشتري جوار من إن أسأت إليه أحسن وإن جهلت عليه حلم وإن أعسرت وهب لا حاجة لي فِي بيعكم ردوا عليَّ داري.
فبلغ ذلك سعيد بن العاص فبعث غليه بمائة ألف درهم وروى المدائني أنه باع جار لفيروز داره بأربعة آلاف درهم فجيء بها فقال البائع: هذا ثمن داري فأين ثمن جاري قال: ولجارك ثمن قال: لا أنقصه والله عن أربعة آلاف درهم.
فبلغ ذلك الفيروز فأرسل إليه بثمانية آلاف درهم وقال: هذا ثمن دارك وجارك وألزم دارك لا تبعها. أين هؤلاء من أكثر جيران زمننا لا تكاد تهدأ أذيتهم وشتائمهم وسبهم وهجرانهم ومشاجرتهم وتقاطعهم وكيد بعضهم لبعض رجالاً ونساءً وأولادًا كَأنَهم فِي معزل عن الآيات والأحاديث الواردة فِي الجوار وحقوقه ولبعضهم ممن بلي بجاره السوء:
أَلا مَنْ يَشْتَرِي جَارًا نَؤُومًا ... بِجَارٍ لا يَنَامُ وَلا يُنِيمُ
وَيَلْبِسُ بِالنَّهَارِ ثِيَابَ نُسْكٍ ... وَشَطْرُ اللَّيْلِ شَيْطَانٌ رَجِيمُ
وقيل ابن المقفع كَانَ بجوار داره دار صغيرة وكان يرغب فِي شرائها
стр. 1644
ليضيفها إِلَى داره وكان جاره يمتنع من بيعها ثم ركبه دين فاضطر إِلَى بيعها وعرضها على جاره بن المقفع فقال: مَا لي بها حاجة. فقيل له: ألست طلبت مِنْه شرائها. فقال: لو اشتريتها الآن مَا قمت بحرمة الجوار لأنه الآن يريد بيعها من الفقر ثم دفع إِلَى جاره ثمن الدار وقال: ابق بدارك وأوف دينك لله دره.
قال علي بن أبي طالب للعباس: مَا بقي من كرم إخوانك قال: الأفضال على الإخوان وترك أذى الجيران قال الشاعر:
شِعْرًا: ... سَقْيًا وَرَعْيًا لِجِيرَانٍ نَزَلْتُ بِهِمْ ... كَأَنَّ دَارَ اغْتِرَابِي عِنْدَهُمْ وَطَنِي
إِذَا تَأَمَّلْتُ مِنْ أَخْلاقِهِمْ خُلُقًا ... عَلِمْتُ أَنَّهُمُوا مِنْ حِلْيَةِ الزَّمَنِ
آخر: ... إِذَا خِفْتَ الْمَوَّدَةَ وَاسْتَقَامَتْ ... فَلا تَجْزَعَ وَإِنَّ بَعْدَ اللِّقَاءُ
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبِعَادُ أَغَابَ وَجْهِي ... فَلَمْ تَغِبْ الْمَوَدَّةُ وَالصَّفَاءُ
وَلَمْ يَزَلْ الثَّنَاءُ عَلَيْكَ مِنِّي ... مَعَ السَّاعَاتِ يَتْبَعُهُ الدُّعَاءُ
آخر: ... أَحْبَابُنَا مَا غِبْتُمْ مُذْ بِنْتُمُوا ... فَأَبُثُّكُمْ شَوْقِي وَأَسْأَلُ عَنْكُمْ
بِنْتُمْ على حُكْمِ الْمَجَازِ وَلَيْسَ فِي ... حُكْمِ الْحَقِيقَةِ أَنَّكُمْ قَدْ بِنْتُمُوا
أَنْتَمْ إِذَا اطَّرَدَ الْقِيَاسُ أَنَا وَإِنْ ... عُكِسَ الْقِيَاسُ فَإِنَّنِي أَنَا أَنْتُمُوا
آخر: ... تَطَاوَلَ لَيْلِي بِالرِّيَاضِ وَلَمْ يَكُنْ ... عَلَى بحَارَاتِ الْقَصِيمِ يَطُولُ
فَهَلْ لِي إِلَى أَرْضِ الْقَصِيمِ بِرَجْعَةٍ ... أُقِيمُ بِهَا قَبْلَ الْمَمَاتِ قَلِيلُ
وَلاسِيَّمَا فِي حَارَةٍ قَدْ سَكَنْتُهَا ... ثَلاثِينَ عَامًا أَوْ تَزِيدُ قَلِيلُ
آخر: ... إِذَا أَنَا لا أَشْتَاقُ أَوَّلَ مَنْزِلٍ ... غُذِيتُ بِخَفْضٍ فِي ذُرَاهُ وَلِينِ
مِنَ الْعَقْلِ أَنْ اشْتَاقُ أَوَّل مَنْزِلٍ ... غُذِيتُ بِخَفْضٍ فِي ذُرَاهُ وَلِينِ
آخر: ... يَقِيمُ الرِّجَّالُ الْمُوسِرُونَ بِأَرْضِهِمْ ... وَتَرْمِي النَّوَى بِالْمُفْتَرِين الرَّامِيَا
وَمَا تَرَكُوا أَوْطَانَهُمْ عَنْ مَلالَةٍ ... وَلَكنْ حِذَارًا مِنْ شَمَاتِ الأَعادِيَا
يَا مَنْ تَحَوَّلَ عَنَّا وَهُوَ يَأْلَفُنَا ... بَعُدْتَ عَنَّا أَبَعْدَ الآنَ تَلْقَاَنَا
стр. 1645
.. فَاعْلَمْ بِأَنَّكَ مُذْ فَارَقْتَ جِيرَنَنَا ... بُدِلْتَ جَارًا وَمَا بُدِّلْتَ جِيرَانَا
فكتب إليه جاره:
بَعُدْتُ عَنْكُمْ بِدَارِي دُونَ خَالِصَتِي ... وَمَحْضُ وُدِّي وَعَهْدِي كَالَّذِي كَانَا
وَمَا تَبَدَّلَتُ مُذْ فَارَقْتُ قُرْبُكُمْ ... إِلا هُمُومًا أُعَانِيهَا وَأَحْزَانَا
وَهَلْ يُسَرُّ بِسُكْنَى دَارِهِ أَحَدٌ ... وَلَيْسَ أَحْبَابُهُ لِلدَّارِ جِيرَانَا
آخر: ... أَقُولُ لِجَارِي إِذْ أَتَانِي أَحَدٌ ... وَلَيْسَ أَحْبَابُهُ لِلدَّارَ جَيرَانَا
إِذَا لَمْ يَصَلْ خَيْرِي وَأَنْتَ مُخَاصِمًا ... يَدُلُّ بِحَقّ أَوْ يَدل بِبَاطِلِ
إِذَا لَمْ يَصَلْ خَيْرِي وَأَنْتَ مُجَاوِرِي ... إِلَيْكَ فَمَا شَرِّي إِلَيْكَ بِوَاصِلِ
آخر: ... إِنِّي لأَحْسِدُ جَارَكُمْ لِجِوَارِكُمْ ... طُوبَى لِمَنْ أَمْسَى لِدَارِكَ جَارَا
يَا لَيْتَ جَارَكَ بَاعَنِي مِنْ دَارِهِ ... شِبْرًا فَأُعْطِيهِ بِشِبْرٍ دَارَا
آخر: ... يَا حَبَّذَا وَطَنُ كُتَّابِهِ زَمَنًا ... فِيهِ السُّرُورُ على يُسْرٍ وَإِعْسَارِ
وَحَبَّذَا نَاعِم مِنْ تُرْبِه عَبِقٌ ... هَبَّتْ عَلَيْهِ رِيَاحُ غِبَّ أَمْطَارِ
أَحِبُّهُ وَبِلادُ اللهِ وَاسِعَةٌ ... حُبَّ الْبَخِيلِ غِنَاهُ بَعْدَ إِقْتَارِ
وَلَسْتُ أَوَّلَ مُشْتَاقٍ إِلَى وَطَنٍ ... مَعَ الأَقَارِبَ وَالأَصْحَابِ وَالْجَارِ
آخر: ... سَقَى اللهُ نَجْدًا وَالْقَصِيمَ أَخُصُّهُ ... سَحَابَ غَوَادٍ خَالِيَاتٍ مِنَ الرَّعْدِ
آخر: ... يَا حَبَّذَا أَزَمُنٌ فِي مَنْزِل سَلَفْتَ ... مَا أَقْصَرَ وَقْتَهَا عُمْرًا وَأَحْلاهَا
أَوْقَاتُ أُنْس قَضَيْنَاهَا فَمَا ذُكِرَتْ ... إِلا وَقَطَّعَ قَلْبَ الْمَرْءِ ذِكْرَاهَا
آخر: ... وَمِنْ مَذْهَبِي حُبُّ الدِّيَا الَّتِي بِهَا ... وُلِدتُ وَحُبُّ الْمُتَّقِينَ بِأَرْضِهَا
آخر: ... إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْعَ الْعُهُودَ الَّتِي مَضَتْ ... فَلَسْتَ بِرَاع عَهْدَ أَهْلِ الْمَنَازِلِ
وَلاسِيَّمَا دَارًا وُلِدَتَ بِرَبْعِهَا ... وَكُنْتُ بِهَا جَدْلا فِي خَيْرِ آهِلِ يُرِيدُ الْقَصِيمِ
آخر: ... إِذَا زُرْتَ أَرْضِي بَعْدَ طُولِ تَغَرُّبٍ ... فَقَدْتُ صَدِيقِي وَالْبِلادُ كَمَا هِيَا
فَأَكْرِمْ أَخَاكَ الْمُخْلِصَ الْوِدَّ إِنَّمَا ... كَفَى بِالْمَمَاتِ فُرْقَةً وَتَنَائِيَا
стр. 1646
آخر: ... بِذَيَّالِكَ الْمَنْزِلْ أَهِيمُ وَلَمْ أَقُلْ ... بِذَيَّالِكَ الْمَنْزِلْ وَذَيَّاكَ مِنْ زُهْدِ
وَلَكِنْ إِذَا مَا حَبَّ شَيْء تَوَلَّعَتْ ... بِهِ أَحْرُفُ التَّصْغِيرِ مِنْ شِدَّةِ الْوَجْدِ
سَقَى اللهُ نَجْدًا وَالْقَصِيمَ أَخُصُّهُ ... سِحَابُ غَوَادٍ خَالِيَاتٍ مِنَ الرَعْدِ
آخر: ... بِلادٌ بِهَا كُنَّا وَنَحْنُ نُحِبُّهَا ... إِذَا النَّاسُ نَاسٌ وَالْبِلادُ بِلادُ
آخر من يهوى التنقل تبع المصالح الدنيوية:
نَقْلِ رِكَابَكَ فِي الْفَلا ... وَدَعِ الْغَوَانِي فِي الْقُصُورْ
لَوْلا التَّغَرُّبُ مَا ارْتَقَى ... درَرُ الْبُحُورِ إِلَى النُّحُورْ
فَمُحَا لِفُوا أَوْطَانِهِمْ ... أَمْثَالُ سُكَّانِ الْقُبُورْ
آخر: ... كُلُّ الْمَنَازِلِ وَالْبِلادِ عَزِيزَةً ... عِنْدِي وَلا كَمَوَاطِنِي وَبِلادِي
آخر: ... مَا مِنْ غَرِيبٍ وَلَنْ أَبْدَى ... تَجَلَّدَهُ إِلا تَذَكَّر عِنْدَ الْغُرْبَةِ الْوَطَنَا
آخر: ... إِنَّ الْوَدَاع مِنَ الأَحْبَابُ نَافلة ... لِلظَّاعِنِينَ إِذَا مَا يَمَّمُوا بَلَدَا
وَلَسْتُ أَدْرِي إِذَا شَطَّ الْمَزَارُ بِهِمْ ... هَلْ تَجْمَعُ الدَّارُ أَمْ لا نَلْتَقِي أَبَدَا
دَارُ سَكَنَا بِهَا مُذْ كَانَ نَشَأَتُنَا ... فِيهَا الْقَرِيبُ وَأَصْحَابُ لَنَا سَنَدَا
آخر: ... كَمْ مَنْزِلٍ فِي الأَرْضِ يَأْلَفُه الفْتَى ... وَحَنِينُهُ أَبَدًا لأَوَّلِ مَنْزِلِ
آخر: ... وَلا تَيْأَسَا أَنْ يَجْمَع اللهَ بَيْنَنَا ... كَأَحْسَنِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ تَصَافِيَا
فَقَدْ يَجْمَعُ اللهَ الشَّتْيتينِ بَعْدَمَا ... يَظُنَّانِ كُلُّ الظَّنِّ أَنْ لا تَلاقِيَا
قال ابن عبد البر: ثلاث إذا كن فِي الرجل لَمْ يشك فِي عقله وفضله إذا حمده جاره وقرابته ورفيقه وإليك طرف فِي الحث على الإحسان إِلَى الجار والبعد عن أذيته.
وَقَدْ جاء فِي الحديث النبوية التحذير من إيذاء الجار، والترغيب فِي الإحسان إليه، فعن ابن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت انه سيورثه» . متفق عليه.
стр. 1647
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» . متفق عليه.
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك» . رواه مسلم.
وفي رواية له عن أبي ذر قال إن خليلي ﷺ أوصاني: «إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم مِنْهَا بمعروف» .
وعن المقداد بن الأسود ﵁ قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «مَا تقولون فِي الزنا» ؟ قالوا: حرام، حرمه الله ورسوله، فهو حرام إِلَى يوم القيامة. قال فقال رسول الله ﷺ : «لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره» .
قال «مَا تقولون فِي السرقة» ؟ قالوا: حرمها الله ورسوله فهي حرام. قال: «لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات، أيسر عليه من أن يسرق من جاره» . رواه أحمد واللفظ له، ورواته ثقات والطبراني فِي الكبير والأوسط.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن من أمنه الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السوء، والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبد لا يأمن جاره بوائقه» . رواه أحمد وأبو يعلى والبزار وإسناد أحمد جيد.
لِلْجَارِ حَقُّ إِذَا أَدَّيْتَ وَاجِبَهُ ... جَازَاكَ رَبُّكَ بِالإِحْسَانِ إِحْسَانَا
فَأَوَّلْ بِالْخَيْرِ خَيْرًا وَاثْنِينَّ بِهِ ... وَإِنْ أَتَى سَبَّهُ جَازَيْتَ غُفْرَانَا
آخر: ... وَاغْضُضْ جُفُونَكَ عَنْ عَوْرَاتِ مَنْزِلِهِ ... وَأَوْلِهِ مِنْكَ لُطْفًا حَيْثُمَا كَانَا
جَارِي أَرَى حِفْظَهُ حَقًّا وَنُصْرَتَهُ ... فَلَسْتُ أُسْلِمُ جَارِي عَزَّ أَوْهَانَا
إِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِيمَا بَيْنَنَا نَزَحَتْ ... فَأَنْتُمُوا فِي سُوَيْدَا الْقَلْبِ سُكَّانُ
وَاللهِ مَا غَيَّرَتْنِي سَلْوةً عَرَضَتْ ... وَلا انْطَوَى لِي على الْهجْرَان جُثْمَانُ
وَكَيْفَ أَنْسَاكُمْ وَالْقَلْبُ عِنْدَكُمْ ... وَفِي الْحَشَا مِنْكُمْ وَجْدَ وَأَشْجَانُ
لا تَهْجُروا وَافِيًا يَرْعَى ذِمَامَكُمْ ... فَيَبْلُغُ الْغَرضَ الْحُسَّادُ لا كَانَوا
стр. 1648
قال بعضهم على لسان من فارقه من يألفه ويحبه:
كََيْفَ السَّبِيلُ وَقَدْ شَطَّتْ بِنَا الدَّارُ ... أَمْ كَيْفَ أَصْبرُ وَالأَحْبَابُ قَدْ سَارُوا
وَمَنْزِلُ الأُنْسُ أَضْحَى بَعْدَ سَاكِنِهِ ... مُسْتَوْحِشًا حِينَ غَابَتْ عَنْهُ أَقْمَارُ
مَا كَانَ أَحْسَنَنَا وَالدَّارُ تَجْمَعُنَا ... وَالْعَيْشُ مُتَّصِلٌّ وَالْوَصْلُ مِدْرَارُ
يَا سَاكِنِينَ بِقَلْبِي أَيْنَمَا رَحَلُوا ... وَرَاحِلِينَ بِقَلْبِي أَيْنَمَا سَارُوا
غِبْتُمْ فَأَظْلَمَتِ الدُّنْيَا لِغَيْبَتِكُمْ ... وَضَاقَ مِنْ بَعْدِكُمْ رَحْبٌ وَأَقْطَارُ
لَيْتَ الْغَرَابُ الَّذِي نَادَى بِفْرِقَتِكُمْ ... عَارٍ مِن الرِّيشِ لا تَحْوِيهِ أَوْكَارُ
بَعْدَ النَّعِيمِ بَعُدْنَا عَنْ مَنَازِلِنَا ... وَبَعْدَ أَحْبَابِنَا شَطَّتْ بِنَا الدَّارُ
وقال آخر:
دَعُونِي على الأَحْبَابَ أَبْكِي وَأَنْدُبُ ... فَفِي الْقَلْبِ مِنْ نَارِ الْفُرَاقِ تَلَهُّبُ
وَلا تَعْتِبُونِي إِنْ جَرَتْ أَدْمُعِي دَمًا ... فَلَيْسَ لِقَلْبٍ فَارَقَ الإِلْفَ مَعْتَبُ
دَعُونِي على الأَحْبَابَ أَبْكِي وَأَنْدُبُ ... فَفِي الْقَلْبِ مِنْ نَارِ الْفُرَاقِ تَلَهُّبُ
وَلا تَعْتِبُونِي إِنْ جَرَتْ أَدْمُعِي دَمًا ... فَلَيْسَ لِقَلْبٍ فَارَقَ الإِلْفَ مَعْتَبُ
لَقَدْ جَرَحَ التَّفْرِيقُ قَلْبِي بِنَبْلِهِ ... فَمِنْ دَمِّهِ دَمْعِي على الْخَدِّ يَسْكُبُ
أَأَحْبَابُنَا مَا بِاخْتِيَارِي فُرَاقُكُمْ ... وَلَكِنْ قَضَاءَ اللهِ مَا مِنْه مَهْرَبُ
وَمَا كَانَ ظَنِّي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَنَا ... وَسُرْعَةَ هَذَا الْبَيْنِ مَا كُنْتُ أَحْسِبُ
أَجُولِ بِطَرْفِي بَعْدَكُمْ فِي دِيَارِكُمْ ... فَارْجَعْ وَالنِّيرَانِ فِي الْقَلْبِ تَلْهَبُ
آخر: ... بَكَيْتُ عَلَى الأَحِبَّةِ حِينَ سَارُوا ... وَأَزْعَجَنِي الرَّحِيلُ فَلا قَرَارُ
أُنَادِيهِمْ بِصَوْتِي أَيْنَ حَلُّوا ... وَفِي قَلْبِي مِنَ الأَشْوَاقِ نَارُ
يَقُولُ لِي الْعَذُولُ وَقَدْ رَآنِي ... وَفِي حَالِي لِمَنْ عَشَقَ اعْتِبَارُ
أَتَجْهَرُ مَنْ تُحِبُّ وَأَنْتَ جَارُ ... وَتَطْلُبُهُ وَقَدْ شَطَّ الْمَزَارُ
وَتَبْكِي عِنْدَ فُرْقَتِهِ اشْتِيَاقا ... وَتَسْأَلُ فِي الْمَنَازِلِ أَيْنَ سَارُوا
стр. 1649
.. لِنَفْسِكَ لَمْ وَلا تَلم الْمَطَايَا ... وَمُتْ كَمَدًا فَلَيْسَ لَكَ اعْتِذَارُ
موعظة: عباد الله لقد تباعدت القلوب فِي هذا الزمان تباعدًا ينبغي أن يبكي له أشد البكاء، وأصبحنا بهذا التباعد لا أخاء بيننا، والسبب الوحيد فِي ذلك أن عشقنا الدنيا قضى نهائيًا على كل محبوب، وأصبح الهدف الوحيد هو الحصول عليها من أي طريق كَانَ، فالقلب واللسان والجوارح مشغولة ليلاً ونهارًا فِي طلب الدنيا، فهي المنتهى والمشتهى على حد قول الشاعر فيها وهي تلقب أم دفر والدفر النتن:
أَبَى الْقَلْبُ إِلا أُمَّ دَفْرٍ كَمَا أَبَى ... سِوَى أُمَّ عَمْروٍ مُوجَعُ الْقَلْبِ هَائِمُ
هِيَ الْمُنْتَهَى وَالْمَشْتَهَى وَمَعَ السُّهَى ... أَمَانِي مِنْهَا دُونُهُنَّ الْعَظَائِمُ
وَلَمْ تَلْقَنَا إِلا وَفِينَا تَحَاسُدٌ ... عَلَيْهَا وَإِلا فِي الصُّدُورِ سَخَائِمُ
آخر: ... نَعَمْ إِنَّهَا الدُّنْيَا إِلَى الْغَدْرِ دَعْوَةً ... أَجَابَ إِلَيْهَا عَالِمٌ وَجَهُولُ
فَفَارَقَ عَمْرُو بن الزُّبَيْرِ شَقِيقَهُ ... وَخَلَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَقِيلُ
آخر: ... عَجِبْتُ مِنَ الدُّنْيَا وَذَمِّي نَعِيمَهَا ... وَحُبِّي لَهَا فِي مُضْمَرِ الْقَلْبِ بَاطِنُ
وَقَوْلِي أَعِذْنِي رَبِّ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ ... وَأُكْلَفُ مِنْهَا بِالَّذِي هُوَ فَاتِنُ
آخر: ... أَرَى أَشْقِيَاءَ النَّاسِ لا يَسْأَمُونَهَا ... عَلَى أَنَّهُمْ فِيهَا عُرَاةٌ وَجُوَّعُ
أَرَاهَا وَإِنْ كَانَت تُحَبّ كَأَنَّهَا ... سَحَابَةُ صَيْفٍ عَنْ قَرِيب تَقَشَّعُ
آخر: ... لِسَانُكَ لِلدُّنْيَا عَدُوٌ مُشَاحِنٌ ... وَقَلْبُكَ فِيهَا لِلسَانِ مُبَايِنُ
وَمَا ضَرَّهَا مَا كَانَ مِنْكَ وَقَدْ صَفَا ... لَهَا مِنْكَ وَدٌ فِي فَؤُادِكَ كَامِنُ
فللدنيا يعق الولد أباه ويقاطع أخاه، وهو يعرف تمامًا أنه شقيقه وللدنيا المشاغبات بين الجيران والمتعاملين فللدنيا مكانة اليوم أنست الخلق خالقهم ورازقهم فإن حضروا للصلاة فالأبدان حاضرة والقلوب مع الدنيا، فعلت الدنيا بالناس اليوم أفاعيل كنت تخطر على البال، ومن أجل الدنيا ترى الخلق فِي قلاقل وأهوال.
زر المحاكم وانظر ترى العجب العجاب، كل ذلك وأعظم مِنْه
стр. 1650
سببه حب الدنيا والانهماك فيها فأين نحن من سلفنا الصالح الذين قال الله تعالى فِي وصفهم: ﴿أَشِدَّاء على الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ فانظر شهادة الله لهم أنهم رحماء بينهم وهل تقتضي الرحمة إلا عطفًا مِنْهُمْ على إخوانهم وإحسانًا، وانظر إِلَى قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
هكذا يكون المؤمنين، لذلك كَانَت هيبتهم فِي نفوس أعدائهم ترتعد مِنْهَا فرائض الشجعان وكانوا سادة الدنيا يشهد بذلك العدو قبل الصديق، فإن كنت فِي شك مما ذكرنا لك فانظر إلى مَا ذكره المحققون من المؤرخين.
اللهم اجمع قلوب المؤمنين على محبتك وطاعتك، وأزل عنهم مَا حدث من المنكرات، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه» .
قلت: يا رسول الله وما بوائقه؟ قال: «غشمه وظلمه ولا يكسب مالا ًمن حرام فينفق مِنْه فيبارك فيه، ولا يتصدق به فيقبل مِنْه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كَانَ زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ
следующие страницы →