Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
خَرَجَ فِي تِجَارَةٍ فَكَسِبَ مَالاً فَدفَعهُ إلى امْرَأَتِهِ ثُمَّ طَلبَهُ فَذَكرَتْ أنَّهُ سُرِقَ مِنْ البَيْتِ وَلَمْ يَرَ نَقْبَاً وَلا أَمَارَةً فَقَالَ لهُ المَنْصُوْرُ: مُنْذُ كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟ قَالَ: مُنْذُ سَنَةٍ، قَالَ: بِكْراً أو ثَيَّباً؟ قَالَ: ثَيَّباً؟ قَالَ: فَلَهَا وَلَدٌ مِنْ غَيْرِكَ؟ قَالَ: لا.
فَدَعَا لَهُ المَنْصُوْرُ بِقَارُوْرَةٍ طِيْبٍ يَتَّخذُهُ لَهُ حَادُّ الرَّائِحَةِ غَرِيْبُ النَّوعِ فَدَفَعَهُ إِليْهِ وَقَالَ تَطَيَّبْ مِنْ هَذَا الطَّيْبِ فَإنَّهُ يُذْهِبُ غَمَّكَ فَلمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ عِنْدِهِ قالً المنصُورُ لأربَعَةٍ مِنْ ثِقَاتِهِ لِيقْعُدْ مِنْكُمْ كُلُّ واحِدٍ عَلى بَابٍ مِن أبْوَابِ المَدِينَةِ فَمَنْ شَمَّ مِنْكُمْ رَائِحَةَ هَذا الطَّيْبِ مِنْ أحدٍ فَليَأتِ بِهِ، وَخَرَجَ الرَّجُلُ بالطيبِ ودَفَعَهُ إلى امرأتهِ فَلَمَّا شَمَّتْهُ بَعَثَتْ مِنْهُ إلى رَجُلٍ كَانَتْ تُحِبُهُ وقدْ كَانَتْ دَفَعَتْ إليهِ المَالَ.
فَتَطَيَّبَ مِنْهُ وَمَرَّ مُجْتَازاً بِبَعْض أَبْوَابِ المَدِيْنَةِ فَشَمَّ المُوَكَّلُ بِالبَابِ رَائِحةً طيَّبَةً فَأتى به المَنصُورَ فَسَألهُ مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذا الطَّيْبِ؟ فَلَجْلَجَ في كَلامِهِ فَبعَثَ بِه إلى وَالِيْ الشُّرطَةِ فقال: إنْ أَحْضَرَ لك كَذا وكَذا مِنْ المالٍ فَخَلَّ عَنْهُ وَإلا اضْرِبْهُ ألْفَ سَوْطٍ.
فَلَمَّا جُردَ لِلضربِ أَحضَرَ المال على هَيئَتِهِ فدعَا المَنصُورُ صَاحِبَ المَالِ فقالَ " إنْ رَدَدْتُ إليْكَ مالَك تُحَكِمَنِيْ في امْرَأَتِكَ قَالَ: نَعَمْ؟ قالَ: هَذا مَالُكَ وَقَدْ طَلَّقْتُ المَرأَةَ مِنْكَ.
قَالَ وَمِن عَجِيْبِ الفِرَاسَةِ مَا ذُكِرَ عَنْ أَحْمَدِ بْنِ طُوْلُوْنَ أنَّهُ بَيْنَما هُوَ جَالِسٌ في مَجْلِسٍ لَهُ يَتَنَزَّهُ فَيْهِ إذْ رَأى سائلاً في ثَوْبٍ خَلِقِ فَوضعَ لهُ دَجَاجَةً عَلى رَغِيْفٍ وَحَلْوَى وأَمَرَ بَعَضْ الغِلْمَانِ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ فَلَمَّا وَقَعَ في يَدِهِ وَأخذهُ لمْ يَفْرَحْ بِهِ وَلَمْ يَهُشَّ لَهُ وَلَمْ يَعْبَأْ بِهِ.
فَقَالَ لِلغُلامِ: ائْتِنِيْ بالسَّائِلِ. فلمَّا وقَفَ قُدَّامَهُ اسْتَنْطَقَهُ فَأَحْسَنَ الجَوَابَ
стр. 1787
وَلَمْ يَخفْ وَلَمْ يَضْطَرِبَ مِنْ هَيْبَتِهِ فَقَالَ له: هَاتِ الكُتُبَ التِيْ مَعَكَ واصْدُقْنِىْ مِنْ بَعثَكَ فَقَدْ صَحَّ عِنَديْ أنَّكَ صَاحِبَ خَبَرِ وَأحْضَرَ السَّيَاطَ فاعْتَرَفَ.
فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَائِهِ: هَذا وَاللهِ السَّحْرُ! قَالَ: مَا هُو بِسِحْرٍ ولَكِنْ فِرَاسَةٌ صَادِقَةٌ رأَيْتُ سُوْءَ حَالِهِ، فَوجَّهْتُ إليهِ بِطعَامٍ يرْغَبُ أكْلَهُ الشَّبْعَانُ فمَا هَشَّ لَهُ وَلا فَرِحَ وَلا مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ فَأَحْضَرْتُه فَتَلَقَّاني بِقُوَّةِ جَأْشٍ فَلَمَّا رَأيتُ رَثَاثَة حَالِهِ وَقُوَّةَ جَأْشِهِ عَلِمْتُ أنّه صَاحِبُ خَبَرٍ فَكَانَ كَمَا قَالَ.
وَرَأَى يَوْماً حَمَّالاً يَحْمِل صَنّاً – أيْ صُندُوقاً مِنْ خَشَبٍ – وَالحَمَّالُ تَضطرِبُ رجْلاهُ تَحْتَهُ فَقَالَ لَوْ كَانَ هَذا الاضطِرَابُ مِن الثَّقلِ لغَاصَتْ عُنُقُ الحَمَّالِ وَهَذِهِ عُنُقُهُ أُرَاهَا بَارِزَةً وَما أرَى الأَمْرَ إلاَّ مِنْ خَوْفٍ.
فَأَمَرَ بحَطَّ الصَّنَّ فَإذَا فِيْهِ أُنْثَى مَقْتُولَةٌ وَقَدْ قُطّعَتْ فقالَ لِلحَمَّالِ اصْدُقْنِيْ عَنْ حاَلِهَا فَقَالَ هُنَاكَ في الدَّارِ الفُلانِيَّةِ أَرْبَعَةُ نَفَر أَعْطَونِيْ هَذهِ الدَّنانِيرَ وَأَمَرُونِي بحَمْلِ هَذِهِ المَقْتُولَةِ فَضَرَبَهُ لأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ رَأْساً وَأمَرَ بِقَتْلِ الأرْبَعَةِ.
وَكَانَ يَتَنَكَّرُ - أَيْ يُغَيَّرُ لِبْسَتهُ وَهَيْئَتَهُ - وَيَدُوْرُ وَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ أَئِمَّةَ المسَاجِدِ فَدَعَا ثِقَةً وَقَالَ خُذْ هَذِه الدَّنَانِيْرَ وَأَعْطِهَا إمَامَ المَسْجِدِ الفُلاَنِيَّ فَإنَّهُ فَقِيرٌ مَشْغُولُ القَلْبِ فَفَعلَ وَجَلَسَ مَعَ إمَامَ المَسْجِدِ وَبَاسَطهُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ زَوْجَتَهُ قَدْ أَخَذَهَا الطَّلْقُ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يَحْتَاجُ إليهِ فَأخبرهُ فَقَالَ: صَدَقَ عَرَفْتُ شُغْلَ قَلِبهِ بِكَثْرةِ غَلَطِهِ في القراءة.
وكَانَ يَرْكَبُ وحدهُ وَيَطُوفُ ليلاً ونهاراً يُفَتَّشُ ويتفقدُ الرَّعيةَ إلي أنْ مَرَّ يوماً في سُوْقٍ مَسْدُودٍ في بَعْضِ أطرافِ البَلَدِ فَدَخَله فَوَجَدَ مُنْكراً ووَجَدَهُ لا يَنْفُذُ فَرَآى عَلى أحَدِ أَبْوَابِهِ شَوْك سَمَكٍ كَثيرٍ وعِظَام الصُّلبِ.
فَقَالَ لِشَخْصِ: كَمْ يُقَوَّمُ تَقْدِيُر ثمَنَ هَذَا السَّمَكِ الذِيْ هَذِهِ عِظَامُهُ؟ قَالَ:
стр. 1788
دِينارٌ قَالَ أَهْلُ هَذَا الزُقَاقِ – أَىْ السُّوقِ لا تَحْتَمِلُ أَحْوَالُهُمْ مُشْتَرَى مِثْلِ هَذا لأَنَّهُ زُقاقٌ بَيّنُ الاختِلالِ إلى جَانِبِ الصَّحْراءِ لا يَنْزِلُهُ مَنْ مَعَه شَئٌ يَخَافُ عَليهِ أَوْ لَهُ مَالٌ يُنْفِقُ مِنْهُ هذِه النَّفَقَة وَمَا هِي إلاّ بَليَّةٌ يَنْبَغِيْ أنْ يُكْشَفَ عَنْهَا فَاسْتَبعَدَ الرَّجُلُ هَذا وقَالَ هَذا فِكْرٌ بَعِيدٌ.
فَقَالَ: اطْلَبُوُا لِي امْرأةً مِنْ الدَّربِ أُكَلَّمُهَا فَدَقَّ بَاباً غَيْرَ الذي عليهِ الشوكُ وَطَلَبَ مَاء فَخَرجَت عَجُوزٌ ضعيفةٌ فما زالَ يَطْلُبُ شَرْبَةً بَعْدَ شَرْبَةٍ وَهِيَ تَسْقِيهِ وَهُوَ في خِلالِ ذَلِكَ يَسْأَلُ عَن الدَّرْبِ وَأهْلِهِ وَهِي تُخِبرُهُ غَيْرَ عَارِفَةٍ بِعَوَاقِبِ ذَلكَ.
إلى أنْ قَالَ لَها: وَهَذهِ الداُر مَنْ يَسْكُنُهَا؟ وَأشَارَ إلَى التي عِنْدَ بابِها عِظامُ السَّمَكِ فقالَتْ فِيها خَمْسَةُ شَبَابٌ أعفَارٌ كأَنَّهُم تُجَّارٌ وَقَدْ نَزَلُوا مُنْذُ شَهرٍ لاَ نَراهُمْ نَهَاراً إلا فِي مُدّةً طَويلةٍ وَنَري الواحِدَ مِنْهُم يَخرُجُ لِلحَاجَةِ ويعُودُ سَريعاً.
وَهُمْ في طُوْلِ النَّهَارِ يَجْتَمِعُونَ فَيأكُلونَ وَيشْرَبُونَ وَيَلْعَبُونَ بِالشَّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ وَلَهُم صَبِيٌّ يَخْدِمَهُم فإذَا كَانَ اللَّيلُ انْصَرفُوا إلى دَارٍِ لَهُم بالكَرْخِ وَيَدَعُوْنَ الصَّبِيَّ في الدَّارِ يَحْفَظُهَا فَإذَا كَانَ سَحَراً جَاؤا وَنَحْن نِيَامٌ لا نَشْعُرُ بِهِم.
فَقَالَ لِلرَّجُلِ هَذِهِ صِفَةُ لُصُوصٍ أَمْ لاَ قَالَ: بَلَى. فَأَنْفَذَ في الحَالِ فَاسْتَدْعَى عَشَرةً مِنْ الشُّرطِ وَأدْخَلَهُم إلي سَطْحِ الجِيْرَانِ وَدَقَّ هو البَابَ فَجَاءَ الصَّبِيَ فَفَتَحَ فَدَخَلَ الشُّرطُ مَعَهُ فَمَا فَاتَهُ مِن القَومِ أحَدٌ فَكانُوا هُمْ أصْحَابُ الخِيَانَةِ بِعَينهِمْ.
وَمِنْ ذَلِكَ أنَّ بَعْضَ الوُلاَةِ سَمعَ في بَعْضِ لَيالِىْ الشَّتَاءِ صَوْتاً بِدَارٍ
стр. 1789
يَطْلُبُ مَاءً بَارِداً فَأمَرَ بِكَبْسِ الدَّارِ فَأخْرَجُوا رَجُلاً وَامْرَأةً فَقِيْلَ لهُ مِنْ أيْنَ عَلِمْتَ قَالَ الماءُ لا يُبَرَّدُ في الشّتَاءِ إنَّمَا ذَلِكَ عَلامَةٌ بينَ هَذيْنِ.
وَأَحْضَرَ بَعْضُ الوُلاةِ شَخْصَيْن مُتَّهَمَيْنِ بِسَرِقَةٍ فَأَمَرَ أَنْ يُؤْتَى بكُوزٍ مِنْ مَاءٍ فَأَخَذَهُ وَأَلقَاهُ في الأرضِ عَمْدَاً فانْكَسَر فَارْتاعَ أحَدُهُمَا وَثَبَتَ الآخِرُ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَقَالَ للذِيْ انْزَعَجَ اذهَبْ وَقَالَ للآخَرِ أَحْضِرْ العُمْلَةَ.
فَقاَلَ لَهُ مِنْ أَيْنَ عَرَفتَ ذَلِكَ فَقَالَ اللصُّ قَويُ القَلبِ لا يَنْزَعِجُ وَالبَريءُ يُرَي أنّهُ لوْ نَزَلَتْ فِيْ البَيْتِ فَأْرَهُ لأزْعَجَتْه وَمَنَعَتُه مِنَ السَّرِقَةِ.
شِعْراً: ... يَا نَفْسُ قَدْ طَابَ في امْهَالِكِ العَمَلُ
فاسْتدْرِكِي قَبْلَ أنْ يَدْنُو لَكِ الأَجَلُ
إلى مَتَى أنْتِ في لَهْوٍ وفي لَعِبٍ
يَغُرُّكِ الخَادِعَانِ الحِرْصُ وَالأمَلُ
وَأنتِ في سُكر لَهْوٍ لَيْسَ يَدْفَعُهُ
عَنْ قَلْبِكِ النَّاصِحَانِ العُتْبُ وَالْعَذَلُ
فَزَوَّدِيْ لِطَرِيْقٍ أَنْتِ سَالِكه
فِيْهَا فَعَمَّا قليْلٌ يَأْتِكَ المَثَلُ
وَلا يَغُرُّكِ أيَامُ الشَّبَابِ فَفِي
أَعْقَابِهَا المُوبِقَانِ الشَّيْبُ وَالأَجَلُ
يَا نَفْسُ تُوْبِيْ مِنْ العِصْيَانِ واجْتَهِدي
وَلا يَغُرَّنَّكِ الأبْعَادُ وَالمللُ
ثُمَّ احْذَرِيْ مَوْقِفَاً صَعباً لِشِدَّتِهِ
يَغْشَى الوَرَى المُتْلِِفَانِ الحُزْنُ وَالوَجَلُ
стр. 1790
شِعْراً: ... وَيَخْتَمُ الفَمُ وَالأَعْضَاءُ نَاطِقَةٌ
وَيَظْهَرُ المُفْصِحَانِ الخَطُّ وَالخَطَلُ
وَيَحْكُمُ اللهُ بَيْنَ الخَلْقِ مَعْدِلَةً
فتُذْكَرُ الحَالتَانِ البِرُّ وَالزَّلَلُ
اللهُمَّ قَوَّ، إيْمَانَنَا بِكَ وبِمَلائِكَتِكَ وَبِكُتُبِكَ وَبِرُسُلِكَ وَباليَوْمِ الآخِرِ وَبالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِهِ رَبَّنَا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الأخرة حسنةً وقنا عذابَ النّارِ، رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوَبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ وصَلَّى اللهُ على مُحمدٍ وَآلِهِ وَصَحبِه وَسَلَّمَ.
مَوْعِظَةٌ
عِبَادَ اللهِ كُلُّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لا يُخْطِيْ وَلا يَنْحَرِفُ عَنْ طَرِيقِ الحَقَّ بَلْ إنَّ فِيْنَا مِن الغَرائِزِ وَالطّبَاعِ مَا يَمِيْلُ بِنَا إلى الرُّشْدِ وَالغَيّ وَالخَيرِ وَالشَّرَّ وَلَيْسَ كُلُّ إنْسانٍ يَعْرِفُ خَطَأَهُ أو يَهْتَدْيْ إليْهِ.
وَبِذَلِكَ كانَ مِنْ حَقَّ المُسْلِمِ عَلى أَخِيْهِ أَنْ يُبَصَّرَهُ بِعُيُوْبِهِ وَيَنْصَحَ لهُ في أَمْرِهِ وَهَذا مِن التَّواصٍيْ بِالحَقَّ. وَكَما يَجِبُ عَلي مَنْ رَأى الظُّلمَ مِنْ حاكِم ومسئول أنْ يُنْكِرَ عَليْهِ ظُلْمَهُ وَبغْيَهَ وَجَبَ عَلى مَنْ رَأى مُؤْمِناً يَظلِمُ غيرَهُ أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ أنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبْينَ مَنْ يَظْلِمْ إبْقَاءً عَلى حَقَّ الأُخُوَّةِ ودفعاً لِلأَذَي عَنْ المظْلُومِ وَعَن المُجْتمعِ.
قال بَعْضُ العُِلَمَاءِ
النَّصِيْحَةُ عَلى مَرَاتِبَ أولاً أنْ لا يُبَادِرَ الانسَانُ إلَى تَصْدِيْقِ مَا يُقَالُ لَهُ عَنْ قَرِيْبِ أوْ صَدِيقٍ أَوْ جَارٍ أوْ زَمِيْلٍ أو أحدٍ مِنْ النَّاس بَلْ يَتَثَبَّتُ في ذَلِك حتَّى يَسْتَيْقٍنَ لأنّ أكَثَرَ الناس في وَقْتِنَا اعتادُوا إِشَاعَةَ السُّوءَ وَأَكْثَرُ النَّاس إلى الإسَاءَةِ يُسْرِعُونَ، وَيَنْدُرُ مِنْهُم مَنْ يُحْسِنُ الظَّنَّ، فَلا تُصَدَّقْ فَوْراً بكل مَا سَمِعْتَهُ.
стр. 1791
حَتّى تَسْمَعَهُ مِمَّنْ حَضَرَهُ وَشَاهَدَهُ وَتَتَأكّدَ مِنْ ثُبُوتِهِ وَبَراءَتَهِ وَخُلُوّهِ مِنْ الهوَى والأَغْرَاضِ.
وَإذَا رَأَيْتَ أَمْرَاً أَو بَلَغَكَ عَنْ صَدِيقَكَ كَلامٌ يَحْتَمِلُ وَجْهَينْ فاحْمِلْهُ مَحْمَلاً حَسَناً، قَالَتْ بِنْتُ عَبْدِ اللهِ بن مُطِيْعٍ لِزوْجِهَا طَلْحَةَ بْن عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ عَوْفٍ وَكانَ أجْوَدَ الناسِ في زَمَانِهِ مَا رَأَيْتُ قَوْماً ألأمَ مِنْ إخَوانِكَ قَالَ لَهَا وَلَمَ ذَلِكَ قَالتْ أَرَاهُمْ إِذَ أيْسَرْتَ لَزِمُوْكَ وَإذا أعْسَرْتَ تَرَكُوْكَ فَقالَ لَها هَذَا واللهِ مِنْ كَرَم أخْلاقِهم يَأتُوننا في حَالِ قُدْرَتِنَا عَلى إكْرَامِهِمْ وَيَترُكُوْنَنَا في حَالِ عَجْزَنَا عَنْ القِيَام بِحَقّهِمْ.
فَانْظُرْ كَيْفَ حَمَلَ فِعْلَهُم عَلى هَذَا المَحْمَلِ الحَسَنِ، وثَانِياً أنْ يَكُونَ عَلى بَالِكَ مُسْتَحْضَرَاً أنَّ الناسَ ليسُوا مَعْصُومِينَ بَلْ لهُم هَفَواتٌ وَأَخْطَاءٌ وَتَصوَّرْ ذَلِكَ في نفْسِكَ لِتَعْذُرَهُم وَلقَدْ أحْسَنَ القَائِلُ:
مَن الذِى مَا سَاءَ قَطَّ ... وَمَنْ لَهُ الحُسْنَى فَقَطْ
آخر: ... أرَدْتَ لِكَيْمَا لاَ تَرى لِىَ عَثْرَةً ... ومَنْ ذَا الذِي يُعْطَى الكَمالَ فَيَكْمُلُ
آخر: ... وَمَنْ الذِيْ تُرْضى سَجَايَاهُ كُلَّهَا ... كَفَى المَرْءَ نُبْلاً أَنْ تُعَدَّ مَعَائِبُهُ
آخر: ... إِنْ كُنْتَ تَطْلُبُ في الزمانِ مُهَذَّباً ... فَنِيَ الزمانُ وأنْتَ في الطَّلَبَاتِ
خُذْ صَفْوَ أَخْلاقِ الصَّدِيقِ وأعْطِهِ ... صَفْواً ودَعْ أخْلاَقَهُ الكَدٍرَاتِ
ثَالِثاً: أَنْ تَنْظُرَ إلى الأَمْرِ مِنْ وِجْهَةِ نَظَركَ وَمِنْ وِجْهَةِ نَظَر صَاحِبه أَيْضَاً، فَقَدْ يَكُونُ مُجْتَهِداً فِيْمَا أعْتَقَدهُ مِنْ رَأيْ مُتَحَرَّياً لِلْخَيْر فِيْمَا سَلَكَهُ مِنْ سَبِيْلٍ، فَلا تُسَارِعْ إلي الانْكَارِ عَلَيْهِ وَتَخْطِئَتِهِ مَا دَامَ مِنْ المحُتمَل أنْ يَكُونَ لَهُ وَجْهٌ مِن الحقَّ فَإنْ تَأَكَّدْتَ مِنْ الخَطأ والانْحِرَافِ فَتَقَدَّمْ بالنَّصِيْحَة سِرّاً بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، لا عِنْدَ ملأٍ مِنْ الناسِ كَمَا يَفْعَلهُ بَعضُ النَّاسِ، فَإنه أحرى لِقَبُولِ النَّصِيْحَةِ، رَابِعَاً: لاَ يَتَرَتَّبُ عَلى النَّصِيْحَةِ مَا هُوَ شَرٌ مِنْهَا.
стр. 1792
شِعْراً: ... تَعَمَّدِني بِنُصْحٍ في انْفِرَادِ ... وجَنِبّنِي النَّصِيْحَةَ فى الجَمَاعَةْ
فإِنْ النُّصْحَ بين الناسِ ضَرْبَ ... من التَّوْبْيخ لا أَرْضَى اسْتمَاعَهْ
فإِنْ خَالَفْتنِي لِتُرِيْدَ نَقْصِيْ ... فلا تَغْضَبْ إِذا لم تُعطَ طَاعَةْ
وَعِنْدَمَا يُهْمِلُ الصَّدِيْقُ صَدِيْقَهُ وَيُهْمِلُ الأَخُ حَقَّ أَخِيْهِ عَلَيْهِ في النُّصْحِ وَالارْشَادِ تَسُوء عَلائِقُ بَعْضِهمْ مَعَ بَعْضٍ وَتَنْقَلِب الصَّدَاقَةُ عَدَاوَةً وَيُصْبحُ أَمْرُ المجَتمَعِ فَوْضَى يَمُوْجُ بِالشَّرَّ وَالاثْمِ.
وَلَقَدْ أخْبَرَنَا اللهُ في القُرْآنِ الكَريْمِ أنَّ بَنيْ اسْرَائِيلَ اسْتَحَقُّوا اللَّعْنَةَ وَالحِرْمَاَن وَالتَّشْرِيدِ لأَنَّهُمَ كَانُوا لا يَتَناصَحُونَ، قَالَ تَعَالى ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَي لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَي ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾
وَلَيْسَ أَدَلَّ علي رُقِيّ الأمَّةِ وَاستِقَامَةِ ضَمَائِرهَا مِنْ تَمَسُّكِهَا بِخُلُقِ التَّنَاصُحِ فِيْمَا بَيْنِهَا وَالتَّوَاصِيْ بِالحَق، قاَل تَعَالى ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
رُويَ عَنْ الشَّافِعِيّ ﵀ أنّهُ قَالَ لَوْ لَمْ يَنْزِلْ غَيرَ هَذِهِ السُّورَةِ لَكَفَتِ النَّاسِ.
وَكانَ الرَّجُلانِ مِنْ أَصْحَابِ النّبيِ ? إِذَا الْتَقَيا لَمْ يَتَفَرَّقَا حَتّى يَقْرَأَ أَحَدُهُمَا عَلى الآخِر سُوْرَةَ العَصْرِ ثمَّ يُسَلَّمُ أَحَدُهُمَا عَلى الآخَرِ.
قُلْتُ: وَذَلِكَ أَنَّ الأَوَامِرَ وَالنَّوَاهِي كُلُّهَا تَدُوْرُ عَلى التَّوَاصِيْ بِالحَقَّ وَالتّواصِيْ بالصَّبْرِ، فَالتَّواصِيْ بالحَقَّ مِثلُ الايْصَاءِ بِتَوْحِيْدِ اللهِ والإيمَانِ بِهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ وَالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرّهِ.
وَالإيصَاءِ بالصَّلاةِ والزَّكَاةِ وَالصَّيام وَالحَجَّ وبرَّ الوَالِدَيْنَ وَصِلَةِ الأرْحَامِ والإحسَانِ إلى اليَتِيْمِ وَالمِسْكِينِ وَالجَارِ وَابْنِ السَّبِيْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
стр. 1793
وَالتَّواصِي بالابتِعَادِ عَنْ مَا نَهى اللهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ مِن المَعَاصِيْ كُلِّهَا الصَّغَائِر وَالكبَائِر.
وَالتَّواصِي الصَّبْر عَلى الطَّاعَاتِ حَتّى المْمَاتِ، وَالتّواصِيْ بِالصَّبْرِ عَلى المَصَائِبِ، وَالتّوَاصِيْ بِالصَّبر عَن المَعاصِيْ.
وَلكِنْ يَا لَلأَسَفِ صَارَ التَّوَاصِيْ عِنْدَ هَذَا الجِيلِ فِيْمَا يَتَعَلَّقُ بِالدُنْيَا وَحُطَامِهَا فَتَجِدُ الوَاحِدَ يَحُثُّ صَدِيْقَهُ على التَّعَلُّقِ بِهَا وَعِمَارَتِهَا وَكُلَّ مَا يَشْغَلُهُ ويُلهِيْهِ عَن الآخِرَةِ مِنْ مَشاركِة وسلفةٍ ونحو ذلك.
وإذا انتقص بشيء مِما يتعلَّق بها أَقَامَ النّاسَ وَأقْعَدَهُمْ حَتَّى المُنْتَسِبيِنَ إلَى طَلَبِ العِلْمِ.
فَتَجِدُ الوَاحِدَ مِنْهُمْ إِذَا خُصِمَ عَلَيْهِ بَعْضُ الدَّرَجَاتِ أو بَعْضُ الفُلُوس انْفَعَلَ وَتَغَيّرَ مِزَاجُهُ وَصَارَ يَتَكَلَّمُ بِكَلام غَيْر مُتَّزِنٍ.
عَكْس أُمُوْرِ الآخِرةَ فإنَّهُ لا يَهْتَمُّ لها، فَتَفُوتُه تكْبِيرَةُ الإحرَامِ مع الإِمَامِ بل تَفُوتُهُ الصلاةُ مَعَ الجَمَاعَةِ وَلا يُبالىْ بِنَقْصِ خَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ دَرَجَةٍ.
وَتَجِدُ الوَاحِد مِنْهُمْ يُوْصِيْ زَمِيْلَهُ بالدَّرَاسَةِ لِأجْلِ الحُصُوْلِ عَلى شَهَادةٍ في زَعْمِهِ أنّهَا تَأمِينٌ لِلحَيَاةِ مِنْ الفَقْر.
وَهَذا يَدُلُّ عَلى ضَعْفِ التَّوكُّلِ عَلى اللهِ.
وَأمَّا الصَّلاةُ وَسَائِرُ الطَّاعَاتِ وَتَرْكُ المَعاصِيْ التيْ بِهَا بإِذْنِ اللهِ تأمِينُ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ والسَّلامَةُ مِنْ جَهَنّمَ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ فَلا تَجِدُهُ يُوْصِيهِ بِهَا، وَلا يَهْتَمُّ مِنْهَا.
حَتَّى الآبَاءُ دَخل عَلَيْهِمْ النَّقْصُ فَتَجِدُ الأبَ وَالأمَّ يَحْرِصُوْنَ عَلى إيْقَاظ أوْلادِهِمْ للاخْتِبَار يَتَرَدّوُنَ عَليهِم وَلو شَقَّ ذَلِكَ عَليهِم.
أمَّا لِصَلاةِ الفَجْرِ وَسَائِرِ الصَّلوات وَسَاِئِر الطَّاعَاتِ وَالإبتِعَادِ عَن الملاَهِيْ وَالمُنْكَراتِ فلا.
стр. 1794
نَسألُ اللهِ العَظِيمَ أنْ يُوْقَظَ قُلُوبَنا وَيَمْلأَهَا بِالغَيرةِ وَالنَّصِيحَةِ وَأَنْ يُصْلحَ قُلْوبَنَا وَأَوْلاَدَنا وَأَحْوَالَنَا وَجَمْيِعَ المُسلمِينَ.
وَإِذَا خَلاَ المُجْتَمعُ مِن التَّواصِيْ بالحَقَّ وَالصَّبْرِ والتَّناصُحِ أَوْ ضَعُفَ مَظْهرُ العَمَل بِهِ فَقَدْ انتهَت الأمّةُ أسْوءِ حَالاتِا مِن الفَوْضَي وفَسَادِ الأخْلاقِ وَالتَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ وَالعُدْوَانِ وفشُوَّ الشُّرُورِ مِن المُنافِقْينَ والنَّمامِينَ والكَذَّابِينَ وأعوانهم.
وانْظُرَ كَيْفَ تَكُوْنُ الحَالُ فِيْمَا إذَا عُدِمَ الأَمْرُ بِالمَعروفِ وَالنَّهْي عَن المُنْكَرِ وَتَرْكِ التَّواصِيْ بالحَقَّ وَالتَّوَاصِيْ بِالصَّبْرِ وَأُهْمِلتْ النَّصِيْحَةُ.
وَكْيفَ يَجْترئُ الفُسَّاقُ عَلى المعَاصِيْ وَيَصِلُوْنَ فِيْهَا إلَى مَا تَضِجُّ لَهُ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَا فِيْهِمَا مِنْ أَنوَاعِ الشُّرُورِ.
آخر: ... لا شَئَ أبْلَغَ من ذُلّ يُجَرّعُهُ ... أَهلُ الخَسِيسةِ أَهْلَ الدِينِ والحَسَبِ
القائِميْنَ بما جَاء الرَّسُوْلُ به ... والمُبْغِضِينْ لأَهْلِ الزَّيغِ والرَّيبِ
وَإنْ شِئْتَ فَزُرْ أيَّ جَهَةٍ مِن جِهَاتِ العَالَمِ تَري مَا يَتَقَطَّعُ لَهُ قَلبُكَ حَسَراتٍ انْظُرْ آكَدَ أرْكَانِ الإِسلاَمِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ الصَّلاّةَ كَيْفَ تَرَكَهَا الكثيرُ مِن النَّاسِ.
وَانْظُرْ إلَى الزَّكَاةِ التِيْ لَوْ أُخرِجَتْ لَمْ يَبْقَ فَقِيْرٌ وانْظُرْ صِيَامَ رَمَضَانَ كَيْفَ لَمْ يُبَالِ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ النَّاس.
وَانْظُرْ كَيْفَ تَهَاوَنَ النَّاسُ بِالرَّبَا وَالغِشَّ وَسَائِر المُحَرَّمَاتِ كُلّ هَذَا نَتِيجَةُ اهْمَالِ التَواصِيْ بِالحَقَّ واَلتَواصِيْ بِالصَّبِرْ وَإهْمَالِ النّصِيحَةِ وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنّهي عَن المُنْكَرِ.
وَمَا قِيْمَةُ الأَوْطَانِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا ... رِجَالٌ بِدِيْنِ اللهِ قَامُوْا لِيَنْفَعُوْا
آخر: ... وَقَعَنا في الخَطَايا والبَلاَيَا ... وفي زَمَن انْتِقَاضِ واشْتِبَاهِ
تَفَانَى الخَيرُ والصُّلَحَاءُ ذَلُّوْا ... وَعَزَّ بِذُلَّهِمْ أَهْلُ السَّفَاهِ
стр. 1795
وبَاءَ الآمِرُوُنَ بِكُلَّ عُرْفٍ ... فَمَا عَنْ مُنكَرٍ في الناس نَاهِ
فَصَارَ الحُرُ لِلْمَمْلوَكِ عبداً ... فَمَا لِلْحُرَّ مِنْ قَدْرٍ وجَاهِ
فَهَذَا شُغْلُهُ طَمَعٌ وجَمْعٌ ... وَهَذا غَافِلٌ سَكْرانُ لَاهِ
لأَنّ التَّسَاهُلَ بِهَذِهِ الأُمُورِ يَفْتَحُ لِلنُّفُوسِ الخَبِيْثَةِ أبْوَابَ المعاصِىْ فَتَنَفُذُ إلى مَا تَشْتَهِي مِنْ خَبَائِثَ وَتَرى مَوْقِعَ ذلِكَ سَهْلاً عَلى النَّاسِ فَتَنْدَفِعُ إلي كلَّ مَا يَحْلُو لَها مَهْمَا كَانَ عَرِيقاً في بَابِ الرَّذِيْلةِ آمِنَةً مِنْ تَغَيُّرِ وَجْهٍ أوْ انْقِبَاضِ قَلْبٍِ لمَا تَفْعَلُ.
وإِذاً تَنْتَعِشُ الرَذِيلَةُ وَتَشْتَدُّ وَتَزْدَادُ وَيَقْوَي أَهْلُهَا وَهُم الفَسَقَةُ لأنَّ أَهْلَ الجَهْرِ بِالفَاحِشَةِ يَكُونُونَ قُدْوَةً سَيَّئَةً لِغَيْرِهِمْ. وَالنُّفُوسُ مِنْ طَبِيْعَتِهَا التَّقْلِيْدُ وَالمُحَاكَاةِ لِمَا تَرى وتسْمَعُ خُصُوصاً إِذا كَانَ مَا تَراهُ أو تَسْمَعُهُ لَذَّةً وَاطْلاَقَاً.
وَإذَا كَثُرَ جَيْشُ الرَّذِيْلَةِ في قُوَّةِ قَلَّ جَيْشُ الفَضِيْلَةِ في ضَعْفٍ، وَلا تَسْتَبْعِدَ أنْ يَتَغَلَّبَ جَيْشُ الرَّذِيْلةِ فَيُبِيْدَ جَيْشُ الفَضِيْلَةِ أوْ يَجْعَلَه في حُكْمِ المبُادِ وإنْ كَانَ لا يَزالُ بَاقٍ مِنْهُ أَفْرَادٌ.
وإذَا كانَ غَضِبَ اللهُ جَلَّ وَعَلا عَلى عِبَادِهِ فَعَاقَبَهُمْ في الدُّنيَا قَبْلَ الآخِرَةِ ولا يَنْجُوْ مِنْ بَطْشِ الله وَعَذابِهِ إلا مَنْ كَانَ في جانِبِ دِيْنهِ يَتَألَّّمُ لَهُ وَيَغضبُ عَلى مَخالِفيْهِ آمِراً لَهُمْ وَنَاهِياَ مَهْمَا نَالَهُ في سَبِيْلِ ذَلِكَ مِنْ إِيْذَاءٍ.
عَلَّمَنَا ذَلِكَ رَبُّنَا بِقَولِهِ ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ ، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ .
стр. 1796
قَالَ تَعَالى ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ وقال في الآية الأخري ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
إذاً عَاقِبَةُ التَّساهُلِ في الأَمْرِ بالمعَرُوف وَالنَّهْي عَن المُنكرِ شَقَاءُ الدُّنْيَا بما يَنْزِلُ مِنْ آلامٍ لِمَعاصِيهِمْ التِيْ يَقْتَرِفُوْنَها آمِنِيْنَ مِنْ زَجْرٍ عَليهَا وَمَلامٍ وَشَقاءِ الآخِرَةِ بِمَا أعَدّ رَبُّنَا لِلّعُصَاةِ مِنْ عَذَابٍ.
قَالَ بَعْضُهُم:
مَضَي الزَّمَانُ وَعَيْشِيْ عَيْشُ تنكِيدْ
وَالعُمْرُ وَلّى وَلَمْ أَظْفَرْ بِمَقْصُوْدِ
وَالِ اليَقْينَ وَعَادِ الشَّكَ أجْمَعَهُ
عَظِمْ إلَهَكَ لا تَرْكَنْ لِمَنْقودِ
فَالخَطْبُ عَمَّ وَصَارَ النَّاسُ كُلُّهُم
مُعَظّمِيْنَ لِبِدْعِيٍّ وَمَرْدُوْدِ
هَذَا الزَّمَانُ الذِي كُنَّا نُحَاذِرُهُ
في قَوْلِ كَعْبٍ وفي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودِ
فَصَاحِبُ الدَّيْنِ مَمْقُوتٌ وَمُنْكَتِمٌ
وَصَاحِبُ الفِسْقِ فِيْهِم غَيْرُ مَظْهُودِ
كُلٌّ يُقلد في الأهْوَاءِ صَاحِبَهُ
حَتَّى الْبِلادَ لَهَا شَأْنٌ بِتَقْلِيدِ
وَالأَمْرُ بِالعُرْفِ ثمَّ النَّهْيُ عَنْ نُكُرٍ
صَارَا لَدَيْنَا بِلا شَكٍ كَمَفْقُوْدِ
إِذَا نَصَحْتَ لِشَخْصٍ قَالَ أنْتَ كَذَا
فِيْكَ العُيُوْبَ لَدَيْنَا غَيْرُ مَحْمُوْدٍ
стр. 1797
أَضْحَى تَفَاخُرُهُمْ في حُسْنِ بِزَّتِهِمْ
وَمَنْزِلٍ حَسَنٍ عَالٍ بِتَشْيِيْدِ
وَجَمْعِ حُلْيٍ وَخُدَّامٍ وأَمْتِعَةٍ
أيَّامُهمْ فَنِيْتَ في جَمْعِ مَنْقُوْدِ
تَلْقَى الأَمِيْرَ مَعَ المَأمُوْرِ في وَهَنٍ
عَنْ رَفْعِ مَظلَمَةٍ أَوْ نَفْعِ مَنْكُوْدٍ
لِنَيْلِ دُنْيَاهُمُ كَالأُسْدِ ضَارِيَةٍ
وَكُلُّهُم في الهَوَى مُبْدٍ لِمَجْهُودِ
إذَا رَأَوْا صَالَحاً يَدْعُو لِنَيْلِ هُدَي
تَأنَّبُوُهُ بِإيْذَاءٍ وَتَبَعَيْدِ
حُكْمُ القَوَانِيْنِ قَالُوا فِيْهِ مَصْلَحَةٌ
وَفي الرَّبَا سَاعَدَتْ شِيْبٌ لِمَوْلُوْدِ
أَهْلَ الحِجَى وَالنُّهىَ مَالُوا لِمُحْدَثَةٍ
قَالُوا الشَّرِيْعَةَ لا تَكْفِيْ لِمَقْصُودِ
أَبْدَوْا لنَا بِدَعَاً مَا كُنّا نَعْرِفُهَا
وَجَانَبُوا نَهْجٍ تَوْفِيْقٍ وَتَسْدِيدٍ
تَلْقَى الهَوى وَالرَّبَا وَالجَوْرَ مُرْتَكَباً
وَالعِلْم وَالنُّصْحَ فِيْهِمْ غَيْرَ مَوْجُوْدِ
وَالهَرْجَ وَالمَرجَ تَلَقَاهَا مَرُوَّجَةً
وَالدَّيْنَ وَالسَّمْتَ في جِلْبَابِ مَرْدُوْدِ
وَقُلَّدَ الأَمْرَ لِكْعِيُّ أخُو بِدَعٍ
لِجَلِبِ أمْرٍ وَفِكْرٍ غَيْرِ مَحْمُوْدِ
стр. 1798
.. مُحَالِفُ الشَّرَّ لَمْ يَظْفَرْ بِحَاجَتِهِ
لَوْ نَالَ خَيْرَاً قُصَارَاهُ لِتَبْدِيْدِ
البُهْتْ وَالذَّمُّ وَالايْذاءُ قَدْ وُجَدَتْ
لِكُلَّ مُنْتَسِبٍ يَوماً لِتَوْحِيْدِ
فَالدَّيْنُ في غُرْبةٍ وَالنَّاسُ أَكْثَرُهُمْ
بِخُبْثِ طَبعٍ يُوَالي كُلَّ مَطْرُوْدِ
صَارَ الذِيْ كَانَ تَأتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ
وَتَقْتَفِيْهِ بأَمْرٍ غَيْرِ مَعْهُوْدِ
مَنْ كَانَ يَهْجُرُ ذَا بِدْعٍ وَمَظْلَمَةٍ
أَمْسَى يُبَاشِرُهَا مِنْ غَيْرِ تَرْدِيدِ
فَالكُلُّ يَسْرِيْ لِمَا يَهْوَاهُ خَاطِرُهُ
لَمْ يَلْتَفِتْ لِمَرَاضِيْ خَيْرِ مَعْبُودِ
حَقُّ القَرِيْبِ وَحَقُّ الجَارِ أَهْمَلَهُ
مَنْ كَانَ نَعْرِفَهُ بِالدَّيْنِ وَالجُوْدِ
تُجَّارُهُمْ لَمْ تُزَكَّ وَيْلُ أُمَّهِمُ
مِنْ شَرَّ عَاقِبَةٍ في يَوْمِ مَوْعُوْدِ
لاَ يَرْبُ سُحْتٌ كَمَا قَالَ الإِلَهُ لَكُمْ
كَسْبُ الحَرامِ طَرِيْقٌ غَيْرُ مَحْمُودِ
أَيْنَ الفِرَارُ وكَمْ مِنْ بِدْعَةٍ حَدَثَتْ
وَسُنَّةٍ دَرَسَتْ مِنْ غَيْرِ تَعْدِيْدِ
كَمْ مِنْ طَرِائِقِ سُوْءٍ بَانَ مُنْكَرُهَا
وَمَنْهَلُ الحَق أضْحَى غَيْرَ مَوْرُوْدِ
стр. 1799
.. فَمَا الطَّرِيْقَةُ إِلاَّ نَهْجُ أحْمَدَ مَعْ
أَصْحَابِهِ السَّادَةِ الغُرَّ الصَّنَادِيْدِ
فَأَخْلِصْ لِرَبَّكَ وَاتبْعْ نَهْجَ سَيَّدِنا
قَوْلاً وَفِعْلاً تَنَلْ فَوْزاً بِتَسْدِيْدِ
ثَعَالِبُ السُّوْءِ نَادَتْ في أرَانِبِهَا
هَذَا زَمَانُكِ عِيْشِيْ عَيْشَ مَحْمُوْدِ
مَا في الأَنَامِ حمُاَةٌ غَيْرَ مَنْ رَحَلُوا
وَمَنْ بَقِيَ عِنْدَنَا في زِيَّ مَلْحُوْدِ
وَاغُرْبَةَ الدَّيْنِ وَالإيْمَانِ في زَمنٍ
أَهْلُ الهُدى بَيْنَ مَقْهُوْرٍ وَمَظْهُوْدِ
إنْ دَامَ هَذَا وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ غَيْرٌ
لمْ يُبْكَ مَيْتٌ وَلَمْ يُفْرَحْ بِمَوْلُوْدِ
وَفَارِقِ الكُلَّ لا تَلْوِ عَلى أَحَدٍ
أَرضاً بِأَرْضٍ وَخِلاَناً بِمَوْجُوْدِ
مَنْ كَانَ نَأْمَلُهُ في كَشْفِ مُعْضِلةٍ
أَبْدَى بِعُذرٍ وَلا أَجْدَي بِمَقْصُوْدِ
فَأَيُّ أَرْضٍ بِهَا الاسْلامُ في شَرَفٍ
وَسُنَّةُ المُصْطَفَى تَزْهُوْ بِتَجْدِيْدِ
أَيْنَ الفِرَارُ وَأَيُّ الدَّارِ نَلْقَى بِهَا
وُلاتَهَا كُلَّ مَيْمُوْنٍ وَمَحْمُوْدِ
عُمْرِيْ غَدَا بَيْنَ وَاشٍ ثُمَّ مُبْتَدِعٍ
يَا رَبِّ يَسَّرْ بِأنصَارٍ لِتَوْحِيْدِ
стр. 1800
.. يَا صَاحِ مَنْ رَامَ فَوْزاً يَمْشِيَنَ عَلى
طَرِيْقَةِ المُصْطَفَى يُحْظَى بِتَسْعِيْدِ
وَآلِهِ ثُمَّ أَصْحَابٍ لَهُ تَبَعٌ
فَازُوا بِسَبِقٍ وَفَاقُوْنَا بِتَسْدِيدِ
وَقَادَةِ الخَيْرِ كَالنُّعْمَانِ أولِهمْ
وَأَحْمَدَ وَابْنِ ادْرِيسٍ أَخَا الجُوْدِ
وَمَالِكٍ كُلِّهِمْ كَانُوا أَئِمَّتَنَا
أَئِمَّةُ النّاسِ قَدْ جَاؤُوا بِمَقْصُوْدِ
نَوَاقِضُ الدَّيْنِ عَشْرٌ تِلْكَ فَافْهَمَهَا
لِكَيْ تَنَالَ نَعيْماً غَيْرَ مَحْدُوْدِ
وَحُبَّ في اللهِ لا تَرْكَنْ لِمُبتَدِعٍ
وَاهْجُرْ رِجَالَ الخنَا حُبّاً لِمَعْبُودِ
وَلاَزِمِ السُّنةَ الغَرَّاءَ تَنْجُ بِهَا
عِنْدَ الِلّقَاءِ بِفَوْزٍ غَيْرِ مَحْدُوْدِ
وَلاَ تُوَافِقْ لأَهْوَاءٍ تُلَفَّقُهَا
أَقْوَامُ سُوْءٍ بِلاَ شَك وَتَرْدِيْدِ
خَيْرُ الأُمُورِ أَخِيْ مَا كَانَ مَرْجِعُهُ
إلى الرَّسُولِ بِلاَ شَك وَتَرْدِيْدِ
فَامْسِكْ عَلَيْهِ وَجَانِبْ كُل مُنْحَرِفٍ
لِكَيْ تَفُوزَ بِدَارِ الخُلْدِ وَالجُوْدِ
اللهُم افْتَحْ لِدُعَائِنَا بَابَ القَبُولِ وَالإجَابَةِ وَارْزُقْنَا صِدْقَ التَّوْبَةِ وَحُسْنَ الانَابةِ وَيَسَّرْنَا لِلْيُسْرَى وَجَنَّبْنَا العُسْرَى وَآتِنَا في الدُّنيا حَسَنةً وفي
стр. 1801
الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذابَ النَّارِ وَاغْفِرْ لنا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيْعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ وَصَلَّّى اللهُ عَلى نَبِيَّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا عَلِيّ بْنُ أَبي طاَلِبٍ فَإلَيْكَ نَمَاذِجُ مِنْ عَدْلِهِ وَزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ، قَالَ ﵁ في خُطْبِتِهِ عَقِبَ البَيْعَةِ لَهُ: أيُّها النَّاسُ إنَّمَا أنَا رَجُلٌ مِنْكُم لِيْ مَا لَكُمْ وَعَلَيَّ مَا عَلَيْكُم، وإِنّي حَامِلُكُم عَلى مَنْهج نَبِيَّكُمْ وَمُنَفَّذٌ فِيْكُم مَا أُمِرْتُ بِهِ، ألاَ إنَّ كُلَّ قَطِيْعَةٍ أَقْطَعَهَا عُثْمَانُ. وَكُلُّ مَالٍ أَعْطَاهُ مِنْ مَالِ اللهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ في بَيْتِ المَالِ، فإنَّ الحَقَّ لا يُبْطِلُهِ شَئٌ وَلَوْ وَجَدْتُه قَدْ تُزُوَجَ بهِ النَّسَاء وَمُلِكَ الإمَاء وَفُرَّقَ في البُلدَانِ لرَدَدْتُه فإنَّ العَدْلَ سَعَةٌ.
وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الحَقُّ فَالجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ، أَيُّهَا النَّاسُ أَلا لاَ يَقُولَنَّ رِجَالٌ مِنْكُم غَداً قَدْ غَمَرَتْهُم الدُّنْيَا فامْتَلَكُوا العَقَارَ وَفَجَّرُوا الأَنْهارَ وَرَكِبُوا الخَيْلَ وَاتَّخَذُوا الوَصَائِفَ المُرَقَّعَةَ إذَا مَا مَنَعْتُهم مَا كَانُوا يَخُوضُون فِيْهِ وَأَصَرْتُهم إلى حُقُوْقهِمْ التِيْ يَعْلَمُونَ ((حَرَمَنَا ابْنُ أَبِي طَالِبٍ حُقُوقَنَا)) .
أَلاَ وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ المُهَاجِرينَ وَالأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَرى أَنَّ الفَضْلَ لَهُ عَلى سِوَاهُ بِصُحْبَتِهِ فإنَّ الفَضْلَ غَداً عِنْدَ اللهِ وَثَوَابُه وَأَجْرُهُ عَلى اللهِ، ألاَ وَأَيُّمَا رَجُلٍ اسْتَجَابَ لِلّهِ وَلِرَسُوْلِهِ فَصَدَّقَ مِلَّتَنَا وَدَخَلَ دِيْنَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا فَقَد اسْتَوْجَبَ حُقُوقَ الاسْلامِ وَحُدُوْدَهُ.
стр. 1802
فَأَنْتُمْ عِبَادُ اللهِ، وَالمَالُ مَالُ اللهِ، يُقْسَمُ بَيْنَكُمْ بالسَّوِيَّةِ وَلا فَضْل فِيهِ لأَحَدٍ عَلى أَحَدٍ وَلِلْمُتَّقِيْنَ عِنْدَ اللهِ أَحْسَنُ الجَزَاءِ. وَأَخْرَج أَبُو نُعَيْمٍ في الحلْية عَنْ عَلِيّ بْنِ رَبِيْعَة الوَالِى عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبي طَالِبٍ قَالَ جَاءَ ابْنُ النَّبَّاجِ فقالَ يَا أمِيرَ المُؤْمنينَ امْتَلأَ بَيْتُ مَالِ المُسْلِمينَ مِنْ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ فَقالَ اللهُ أكْبَرُ فَقَامَ مُتَوَكِئاً على ابْنِ النَّباجِ حَتَّى قَامَ عَلى بَيْتِ مَالِ المُسلِمِيْنَ فَقَالَ: ... ...
هَذا جَنَايَ وَخِيَارُهُ فِيْهِ
وَكُلُّ جَانٍ يَدُهُ إلى فِيْهِ
يَا ابْنَ النَّباجِ عَلَيَّ بأَشْيَاعِ الكُوْفَةِ قَال: فَنُوديَ في النَّاسِ فَأَعْطَى جَمِيْعَ مَا فِيْ بَيْتِ المُسْلِمِين وَهُوَ يَقُوْلُ: يَا صَفْرَاءُ وَيَا بَيْضَاءُ غُرِيْ غَيْرِي هَا وَهَا حَتَّى مَا بَقيَ مِنْهُ دِيْنَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ ثُمَّ أَمَرَ بِنَضْحِِهِ وَصَلي فِيْهِ رَكْعَتَينِ وَعَنْ مَجْمَع التَّيْمِي قَالَ كَانَ عَلِيّ ﵁ يَكْنِسُ بَيْتَ الَمالِ وَيُصَلَّي فِيْهِ وَيَتَّخِذُهُ مَسْجِداً رَجَاءَ أنْ يَشْهَدَ لهُ يَوْمَ القِيَامَةِ.
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ العَلا عَنْ أَبِيْهِ عَنْ جَدَّهِ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّ بْنَ أَبِيْ طَالبِ ﵁ يَقْوُلُ مَا أصَبْتُ مِنْ فَيْئِكُم غَيْرَ هَذِهِ القَارُوْرَةِ أهْدَاهَا إلَيَّ الدَّهْقَانُ، ثُمَّ نَزَلَ إلى بَيْتِ المال فَفرَّقَ كُلَّ مَا فِيْهِ، وَلَمَّا قَرَّرَ رَسُولُ اللهِ ? الهِجْرَةَ مِنْ بَيْتِهِ الذِيْ أحَاطَ بِهِ المُشْرِكُوْنَ لِيَقتُلُوهُ إثْرَ مَكْرِهمْ بهِ في دَارِ النَّدْوَة وَضَعَ مَكَانَهُ في فِرَاشِهِ ابْن عَمَّهِ أبَا الحَسَنِ عَلِيّاً ﵁.
وَآثَرَ عَلِيٌّ أَنْ يَكُوْنَ الفِدَا لِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَأَنْ
стр. 1803
يُعَرَّضَ نَفْسَهُ لِلسُّيوْفِ سُيُوْفِ المُشْرِكِيْنَ تُقَطَّعُ لَحْمَهُ وَتُزْهِقُ رُوْحَهُ وَبِذَلِكَ فَدَى بِنَفْسِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَفِيْهِ يَقُولُ النّاظِمُ لِلعَقِيْدَةِ:
... ...
وَلاَ تَنْسَ صِهْرَ المُصْطَفَى وَابْنَ عَمَّهِ
فَقَدْ كَانَ حَبْراً لِلْعُلُومِ وَسَيَّدَا
وَفَادَى رَسُولَ اللهِ طَوْعاً بِنَفْسِهِ
عَشِيَّةَ لمَّا بالفِرَاشِ تَوَسَّدَا
وَمَنْ كَانَ مَوْلاَهُ النَّبِيّ فَقَدْ غَدَى
عَلِيُّ لَهُ بِالحَقَّ مَوْلَىً وَمُنْجِدَا
اللَّهُمَّ نَوَّرْ قُلُوْبَنَا بِطَاعَتِكَ وَأَلْهِمْنَا ذكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَارْزُقْنَا الانَابَةَ إليْكَ وَحُسْنَ التَّوَكُّلِ عَلَيْكَ وَآتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيْعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ وصَلى اللهُ عَلى مُحَمَدٍ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
وَرُوِيَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَلِيَّ بَنِ أَبْي طَالِبٍ ﵁ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَوْمَاً فَقالُوا لهُ لَوْ أعْطَيْتَ هَذِهِ الأمْوَالَ، وَصَلْتَ بِهَا هَؤُلاءِ الأشْرَافَ، وَمَنْ تَخَافُ فِرَاقَهُ، حَتَّى إذَا اسْتَتَبَّ لَكَ مَا تُرْيدُه عُدْتَ إلى مَا عَوَّدَكَ اللهُ مِن العَدْلِ في الرَّعِيَّةِ وَالقِسْمَة بِالسَّوِيَّةِ.
فَقَالَ أَتَأْمُرُوْنِيْ أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالجَوْرِ فِيْمَنْ وَلّيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ
стр. 1804
الاسْلاَمِ وَاللهِ لاَ أَفْعَلُ ذَلكَ لَوْ كَانَ هَذَا المالُ لِيْ لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُم فِيْهِ كَيْفَ وَإِنَّمَا هِيَ أَمْوَالُهُم.
وَرُوِيَ أنَّ أخَاهُ عَقِيْلاً سَأَلَهُ شَيْئاً مِنْ بَيْتِ المَالِ فَقَالَ إذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ فَأتِنِيْ، فَأَتَاهُ يَومَ الجُمُعَةِ إلى المَسْجِدِ، وَقَدْ اجْتَمَع فِيْهِ النَّاسُ فَقَالَ ﵁ مَا تَقُوْلُ فِيْمَنْ خَانَ هَؤُلاءِ، فَقَالَ أَقُوْلُ إِنَّهُ رَجُلُ سُوْءٍ، فَقَالَ إنَّكَ سَأَلْتَنِيْ أَنْ أَخُونَهم أوْ كَمَا قَالَ.
وَرْوِيَ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ قَالَ دَخَلْتُ عَلى أَمِيْرِ المُؤمِنينَ عَلِيٍّ بْنِ أَبِيْ طَالِبٍ بَعْدَ مَا صَارَ إلََيْهِ الأَمْرُ فَإذَا هُوَ جَالِسٌ عَلى مُصَلى لَيْسَ في دَارِهِ سِوَاهُ فَقُلْتُ يَا أمِيرَ المُؤمِنينَ أَنْتَ مَلِكُ الاسْلامِ، وَلا أرَى في بَيْتكَ أَثاثاً وَلا مَتَاعاً، سِوَى مُصَلّى أنْتَ جَالِسٌ عَليه فَقالَ يا ابْنَ غَفْلَةَ إنَّ اللَّبِيْبَ لا يَتَأثَّثُ في دَارِ النُّقْلَةِ، وَأمَامَنَا دارٌ هِيَ دَارُ المُقَامِ، وقَدَ نَقْلْنَا إلَيْهَا خَيْرَ مَتَاعٍ وَنَحْنُ إلَيْهَا مُنْتَقِلُونَ.
وَعَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ رَأَيْتُ عَلِيّاً يَطُوْفُ وَبِيَدِهِ الدُّرَّةُ وَعَلَيْهِ إزَارٌ فِيْهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ رُقْعَةً بَعْضُهَا مِنْ جِلْدٍ.
وَمِنْ كَلامِهِ ﵁ ألا وَإن إمَامَكُمْ قَدْ اكْتَفى مِن الدُّنْيَا بِطِمْريْهِ وَمِنْ طَعَامِهِ بِقُرْصَيْهِ، ألا وَإنَّكُمْ لا تَقْوَوْنَ عَلى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَعِيْنُونِيْ بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ، فَوَ اللهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبراً، وَلا أحْرَزْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْرَاً.
إلَى أنْ قَالَ: وَلَوْ شِئْتُ لاهْتَدَيتُ الطَّرِيْقَ إلَى مُصَفَّى هَذَا العَسَلِ، وَلُبَابِ هَذَا القَمْحِ، وَنَسَائِجِ هَذَا القَزَّ، وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِيْ هَوَايَ،
стр. 1805
وَيَقُوْدُنِي جَشَعِي إلَى تَخَيُّرِ الأَطْعِمَةِ.
وَلَعَلَّ بِالحِجَاز وَاليَمَامَةِ مَنْ لاَ يُدْرِكُ القُرْصَ، وَلاَ عَهْدَ لَهُ بِالشَّبَع، أوَ أَبِيْتُ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُوْنٌ غَرْثَى مِن الجُوْعِ، وَأَكْبُدٌ حَرَّاءُ، فأكُونُ كَمَا
قَالَ القائِلُ:
...
وَحَسْبُكَ عَاراً أَنْ تَبِيْتَ بِبِطْنَةٍ
وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلى القِدَّ
وَمِنْ كَلامِ عَلِيٍّ ﵁ في كِتَابِ العَهدِ لِلأَشْتَرِحِيْن وَلاهُ مِصُرَ وَلْيَكُنْ أَحَبُّ الذَّخَائِرِ إلَيْكَ ذَخِيْرَةَ العَمَل الصَّالِحِ فَامْلِكْ هَوَاكَ وَشُحَّ بِنَفْسِكَ عَنْ مَا لا يَحِلُّ لَكَ، فإنَّ الشُّحَّ بالنَّفْسِ بالانْصَافِ مِنْهَا فِيْمَا أَحَبَّتْ وَكَرٍهَتْ. أ. هـ
وَقال غيره: الهوى والنفسُ يُنَتِجَانِ مِن الأخلاقِ قَبائِحَها ويُظْهِرانِ مِن الأفعالِ فضائحها.
إذا ما رَأَيْتَ المَرْءَ يَقْتَاده الهوَى ... فَقَدْ ثَكِلَتُه عِندَ ذَاكَ ثَواكِلُهْ
وما يَرْدَعُ النَفْسُ الحَرُوْنَ عن الهَوَى ... مِن الناسِ إلاّ حازِمُ الرأْيِ كَامِلُهْ
وقد أَشْمَتَ الأعْدَاءَ جَهْلاً بِنفَسهِ ... وقَدْ وَجَدَتْ فِيه مَقَالاً عَوَاذِلُهْ
إذا اشْتَبَهَ الأَمْرَانِ فالخَيرُ في الذي
تَراهُ إذا كَلَّفْتَه النَّفْسَ يَثْقُلُ
فَجَانِبْ هَوَاهَا واطَّرِحْ ما تُرِيْدُهُ
مِن اللَّهْوِ واللذاتِ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ
... ... ... ...
وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ المَحَبَّةَ لِلرَّعِيَّةِ وَالرَّحْمَةِ بِهِمْ وَالرَّفْقَ بِهِمْ وَلاَ تَكُوْنَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعَاً ضَارِيَاً يَغْتَنِمُ أكْلَهُمْ، فَإنَّمَا هُمْ صِنْفَانِ إمَّا أخٌ لَكَ فَي
стр. 1806
الدَّيْنِ أَوْ نَظِيْرٌ لَكَ في الخُلُقِ، يَفْرُطُ مِنْهُم الزَّلَلُ وَتَعْرِضُ لَهُم العِلَلُ وَيَأْتِي عَلَى أَيْدِيْهِم العَمْدُ وَالخَطَأْ.
فأعْطِهُمْ مِنْ عَفْوِكَ، وَصَفْحِكَ، مِثْلَ الذِي تُحِبُّ أَنْ يُعْطِيْك اللهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ فَإنَّكَ فَوْقَهُمْ، وَوَالِيَ الأَمْر عَلَيْكَ فَوْقَكَ وَاللهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ، وَقَدْ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ، وَابْتَلاَك َبِهِمْ.
وَفِيْهِ لاَ تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ وَلاَ تَتَبَجَّحَنَّ بِعُقُوْبَةٍ وَلاَ تَسْرِعَنَّ إلى بَادِرَةٍ وَجَدْتَ عَنْهَا مَندُوْحَةً.
وَلاَ تَقُولَنَّ إِني امْرُؤٌ آمُرُ فَأُطَاعَ، فَإنَّ ذَلِكَ إدْغَالٌ في القَلْبِ وَمَنْهَكَةٌ لِلدَّيْنِ، وَتَقَرُّبٌ مِن الغَيْرِ.
فَإذَا أَحْدثَ لَكَ مَا فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةٌ أو مَخْيَلَةٌ فَانْظُرْ إلى عِظَم مُلْكِ اللهِ فَوْقَكَ، وَقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَى مَا لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ، فَإنَّ ذَلِكَ يُطَامِنُ إلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ.
وَفِيْهِ إِيَّاكَ وَمُسَامَاتِ اللهِ في عَظَمَتِهِ، وَالتَّشَبُّه بِهِ في جَبَرُوتِهِ، فإنَّ اللهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ وَيُهِيْنُ كُلَّ مُخْتَالٍ، أَنْصِف اللهَ، وَانْصِف النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمَنْ خَاصَّةَ أَهْلِكَ، وَمَنْ لكَ فِيْهِ هَوَىً مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإنَّكَ إنْ لَمْ تَفعَلْ ذَلِكَ تَظْلِمْ وَمَنْ ظَلَم عِبَادَ اللهِ كَانَ اللهُ خَصْمَهُ،دُوْنَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ.
وَلْيَكُنَ أَبْعَدُ رَعِيَّتِكَ عَنْكَ وَأَشْنَؤُهُمْ عِنْدَكَ، أَطْلَبَهُمْ لِمَعَائِبِ النَّاسِ فَإنَّ في النَّاس عُيُوبَاً الوَالِي أحَقُّ بِسَتْرِهَا، فَلاَ تَكْشِفَنَّ عَنْ مَا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا فَإنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيْرُ مَا ظَهَر لَكَ، وَاللهُ يَحْكُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْكَ.
стр. 1807
وفيهِ وَلاَ تَعْجَلَنَّ بِتَصْدِيْقِ سَاعٍ فَإنَّ السَّاعِيْ غَاشٌّ وَإنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِيْنَ وَلاَ تُدْخِلَنَّ فِي مَشُوْرَتِكَ بَخِيْلاً يَعْدِلُ بِكَ عَن الفَضْلِ ويَعِدُكَ الفَقْرَ وَلاَ جَبَانَاً يُضْعِفُكَ عَن الأمُورِ وَلاَ حَرِيْصَاً يُزَيَّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالجَوْرِ وَلاَ يَكُوْنُ المُحْسِنُ وَالمُسِيءُ عِنْدَكَ سَوَاءً بِمَنْزِلَةٍ وَاحدَةٍ فَإنَّ في ذَلِكَ تَزْهِيْدَاً لأَهْلِ الإِحْسَانِ في الإِحْسَانِ وَتَدْرِيْباً لأهْلِ الإسَاءَةِ وَألْزِمْ كُلاً مِنْهُمْ مَا ألْزَمَ نَفْسَهُ.
ثُمَّ اللهَ اللهَ في الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنْ النَّاسِ الذِيْنَ لا حِيْلَةَ لَهُمْ وَالمَسَاكِينْ وَالمُحْتَاجِينَ وَالبُؤَسَاءِ وَالزَّمْنَى فَاحْفَظَ اللهَ فِيْهِمَا كَمَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيْهِمْ وَاجْعَلْ لهُمْ قِسْمَاً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ وَسهْمَاً مَنْ غَلَّاتِ صَوَافِي بَلَدِكَ.
وَتَفَقَّدْ أُمَورَ مَنْ لا يَصِلُ إِليْكَ مِنْهَمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ العُيُوْنُ وَتَحْتَقُرُه الرِّجَالُ فَإنَّ هَؤُلاَءِ مِنْ الرَّعِيَّةِ أَحّقُّ بالانْصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ وَتَعَهَّدْ أَهْلَ اليَتِيمِ وَأُولِي الرِّقَّةِ في السِّنِّ مِمَّنْ لا حِيلَةَ لَهُ ولا يَنْصِبُ نَفْسَهُ لِلْمَسْأَلَةِ وَذَلِكَ عَلَى الْوُلاةِ ثَقِيلٌ والْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ.
وَفِيهِ وَلا يَطُولَنَّ احْتِجَابُكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِن الضّيقِ وَقِلَّةُ عِلْمٍ بالأُمُورِ وَالاحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُوْنَهُ فَيَصْغُرُ عِنْدَهُمْ الكَبِيْرُ وَيَعْظُمُ عِنْدَهُمْ الصَّغِيْرُ وَيَقْبُحُ الحَسَنُ وَيَحْسُنُ القَبِيْحُ وَيُشَابُ الحَقُّ بِالبَاطِلِ.
وَفِي كِتَابِهِ ﵀ وَإيَّاكَ وَالدِّمَاءَ وَسَفْكِهَا بِغَيْرِ حِلِّها، فَإنَّهُ لَيْسَ شَئٌ أَدْعَى لِنَقْمَةٍ وَلا أعْظَمَ تَبِعَةٍ وَلاَ أَحْرَى لِزَوَالِ نِعْمَةٍ وَانْقِطَاعِ مُدَّةٍ مِنْ سَفْكِ الدِمَاء بِغَيْرِ حَقِّهَا، فَلاَ تُفَوِّتَنَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ، فَإنَّ
стр. 1808
ذَلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ وَيُوْهِنُهُ، بَلْ يُزِيْلُهُ وَيَنْقُلُهُ وَأخِّرْ السَّطْوَةَ حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الخِيَارَ، وَلَنْ تُحْكِمَ ذَلِكَ حَتَّى تَكْثُرَ هُمُوْمُكَ بِذِكْرِ المَعَادِ إلى ربِّكَ وَالسَّلاَمُ.
وَعَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ: وَجَدَ عَليُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ دِرْعَهُ عِنْدَ رَجُلٍ نَصْرَانِيّ فَأقْبَلَ بِهِ إلى شُرَيْحٍ يُخَاصِمُهُ قَالَ فَجَاءَ عَلِيُّ حَتَّى جَلَسَ إلى جَنْبِ شُرَيْحٍ قَالَ يَا شُرَيْحُ لَوْ كَانَ خَصْمِيْ مُسْلِمَاً مَا جَلَسْتُ إلا مَعَهُ وَلَكِنَّهُ نَصْرَانِيٌّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا كُنْتُمْ وَإيَّاهُمْ في طَرِيْقٍ فَاضْطرُّوْهُمْ إلى مَضَايِقِهِِ وصَغِّرُوْا بِهِمْ كمَا صَغَّرَ اللهُ بِهِم مِنْ غَيْرِ أنْ تَطْغَوْا ثمَّ قَالَ: هَذَا الدِّرْعُ دِرْعِىْ وَلَمْ أَبعْ وَلَمْ أهَبْ.
فَقَالَ شُرَيْحٌ لِِلنَّصْرَانِيّ مَا تَقُولُ فِيمَا يَقُولُ أَمِيرُ المُؤمِنينَ فَقَالَ النَّصْرَانِيّ مَا الدِّرْعُ إلاّ دِرْعِيْ، وَمَا أميْرُ المُؤمِنينَ عِنْدِيْ بِكاذِبٍ فَالْتَفَتَ شُرَيْحٌ إلى أميْرِ المُؤمنينَ عَلَىّ بْنِ أِبيْ طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ هَلْ مِنْ بَيِّنَةٍ فَضَحِكَ عَلِيٌّ ﵁، وَقَالَ أصَابَ شُرَيْحٌ مَالِي فَقَضَى شُرَيْحٌ بِهَا لِلنَّصْرَانِيّ.
قَالَ فَأَخَذَهُ النَّصْرَانِيّ وَمَشىَ خُطاً ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ أمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أنَّ هَذِهِ أَحْكَامُ الأنْبِيَاءِ، أمِيْرُ المُؤمِنِيْنَ يُدْنْيِنْي إلى قَاضِيْهِ يَقْضِيْ عَلَيْهِ.
أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُه، الدِّرْعُ وَاللهِ دِرْعُكَ يَا أَمِيْرَ المُؤمنْينَ اتَّبَعْتُ الجَيْشَ وأنْتَ مُنْطَلِقٌ إلى صِفِينَ فَخَرَجَتْ مِنْ بَعْيِركَ الأَوْرَقِ فَقَالَ أمَّا إذَا أسلَمْتَ فهِيَ لَكَ وَحَمَلَهُ عَلَى فَرَسٍ.
стр. 1809
شِعْراً:
لَعَمْرُكَ مَا تُغْنِي المَغَانِي وَلاَ الغِِنى ... إذَا سَكَنَ المُثْرِي الثَّرَى وَثَوى بِهِ
فَجُدْ في مَرَاضِيْ اللهِ بالمالِ رَاضياً ... بِمَا تَقْتَنِي مِنْ أجْرِهِ وَثَوَابِهِ
وَعَاصِ هَوَى النَّفْسِ الذِي مَا أَطَاعَهُ ... أخُوْ ظَلّةٍ إلا هَوَى مِنْ عُقَابِهِ
وَحَافٍظْ عَلَى تَقْوى الآلَهِ وَخوْفِهِ ... لِتَنْجُو مِمَّا يُتّقَي مِنْ عِقَابِهِ
وَلاَ تَلْهُ عَنْ تِذْكَارِ ذَنْبِكَ وَابلُهُ ... بِدَمْعٍ يُضَاهِيْ المُزْنَ حَالَ مُصَابِهِ
وَمَثِّل لِعَيْنَيْكَ الحِمَامَ وَوَقْعَهُ ... وَرَوْعَةََ مُلْقَاهُ وَمَطْعَمَ صَابِهِ
وَإنَّ قُصَارَى مَنْزِلِ الحَىِّ حُفْرَةٌ ... سَيَنْزِلُهَا مُسْتَنْزَلاَ عَنْ قِبَابِه
فَواهًا لِعَبْدٍ سَاءَهُ سُوْءُ فِعْلِهِ ... وَأَبْدَى التَّلاَفِيْ قَبَلَ إغلاَقِ بَابِهِ
قَالَ عَلِيّ ﵁ لِعَمَّارٍ عَلاَمَ تَتَأَوَّهُ؟ إن ْكَانَ عَلَى الدُّنْيَا فَقَدْ خَسِرَتْ صَفْقَتُكَ، وإنْ كانَ علَى الآخِرَةِ فَقَدْ رَبِحَتْ تِجَارَتُكَ، يَا عَمَّارُ إنَّيْ وَجَدْتُ لَذّاتِ الدُّنْيَا في أَحْقَرِ الأشْيَاءِ:
الطَّعَامِ وَأَفْضَلُهُ العَسَلُ وَهُوَ مِنْ حَشَرَةِ،
المَشْرُوْبَاتِ، وَأَفْضَلْهَا سَائِرَةٌ في الهَوَاءِ.
стр. 1810
المَلْبُوْسَاتُ، وَأَفْضلُهَا الحَرِيْرُ وَهُوَ مِنْ دُوْدِ القَزِّ،
المَشْمُوْمَاتُ وَأَفْضَلُهَا المِسْكُ وَهُوَ مِنْ فَأرَةٍ،
المَسْمُوْعَاتُ وَهِيَ أعْرَاضٌ سَائِرَةٌ في الهَوَاءِ.
النِّكَاحُ وَهُوَ مَبَالٌ في مَبَالٍ وَحَسْبُكَ أَنَّ المَرْأةَ تَتَزَيَّا بأَقْبَحِ شَئٍ فِيْهَا
هَذِهِ العِظَةُ تَكْشِفُ لَنَا عَنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللهِ حَيْثُ جَعَلَ لَذَّاتِهَا في أحْقَرِ الأَشياء والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
فَصْلٌ: ومِنَ الحِكَم المروية عنه ما يلي:
وقال ﵁: ((البخل عار والجبن منقصة والفقر يخرس الفطن عن حجته والمقل غريب في بلدته والعجز آفة والصبر شجاعة والزهد ثروة والورع جنة)) .
وقال: ((نعم القرين الرضى والعلم وراثة كريمة والآداب حلل مجددة والفكر مرآة صافية)) .
وقال: ((صدر العاقل صندوق سره والبشاشة حبل المودة والاحتمال قبر العيوب)) . وقال: ((إذا أقبلت الدنيا علي أحد أعارته محاسن غيره وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفوسه)) .
وقال: ((إذا قدرت علي عدوك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه)) . وقال: ((إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا قصاها بقلة الشكر)) .
وقال: ((من جري في عنان أمله عثر بأجله)) . وقال: ((من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) ويروي هذا عن رسول الله ? ((من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب)) .
وقال: ((يا ابن آدم إذا رأيت ربك سبحانه يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره)) . وقال: ((الحذر الحذر فوالله لقد ستر حتي كأنه غفر)) .
стр. 1811
وقال: ((فاعل الخير خير منه وفاعل الشر شر منه)) . وقال: ((كن سمحاً ولا تكن مبذراً وكن مقدراً ولا تكن مقتراً))
وقال: ((من أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه بما لا يعلمون)) .
وقال: طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب وقنع بالكفاف ورضي عنه الله)) .
وقال: احذروا صولة الكريم إذا جاع وصولة اللئيم إذا شبع)) . وقال: ((أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة)) . وقال: ((القناعة مال لا ينفذ)) .
وقال: ((اللسان سبع إن خلي عنه عقر)) . وقال: ((فوت الحاجة أهون من طلبها إلي غير أهلها)) . وقال: ((لا تستح من إعطاء القليل فإن الحرمان أقل منه)) .
وقال: ((إذا تم العقل نقص الكلام)) . وقال: ((من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره وليكن تأدبيه بسيرته قبل تأديبه بلسانه ومعلم نفسه ومأدبها أحق بالاجلال من معلم الناس ومؤدبيهم)) . وقال: ((قيمة كل امرئ ما يحسنه)) .
وقال: (أوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الابل لكانت لذلك أهلاً لا يرجون أحد منكم إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه ولا يستحين أحد إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم ولا يستحين أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه.
وعليكم بالصبر فان الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ولا خير في جسد بغير رأس ولا في إيمان لا صبر معه)) .
وقال: ((من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس ومن أصلح أمر آخرته أصلح الله له أمر دنياه ومن كان له من نفسه واعظ كان عليه من الله حافظ)) .
стр. 1812
وقال: ((اعقلوا الخير عقل رعاية لا عقل رواية فإن رواة العلم كثير ولكن رعاته قليل)) . وقال: ((لا يترك الناس شيئًا من امر دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو اضر منه)) . وقال: ((إضاعة الفرصة غصة)) .
وقال: ((عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب ويفوته الغنى الذي إياه طلب فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء.
وعجبت للمتكبر الذي كان بالامس نطفة ويكون غداً جيفة.
وعجبت لمن شك في الله وهو يرى خلق الله.
وعجبت لمن نسي الموت وهو يرى الموتى.
وعجبت لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى.
وعجبت لعامر دار الفناء وتارك دار البقاء)) .
فيا عَجَباً مِمَّنْ يُضِيْعُ حَيَاتَهُ ... عَلى حِفْظِ مالٍ وهو لِلْغَيْرِ يَدْخَرُ
ومَنْ تُتَوَفى نَفسُه كُلَّ ليلةٍ ... وتَرْجِعُ فيه كَيْفَ لِلْبعْثِ يُنْكِرُ
بَلَى قَادِرٌ أنْشَأهٌ أَوَّلَ مَرَّةٍ ... عَلَى رَدِّ رُوحٍ منه فى الجِسْمِ أَقْدَرُ
وقال: ((لا يكون الصديق صديقاً حتى يحفظ أخاه في ثلاث في نكبته وغيبته ووفاته)) . وقال: ((تنزل المعونة على قدر المؤنة)) .
وقال: ((المرء مخبوء تحت لسانه)) . وقال: ((لا يعدم الصبور الظفر وان طال به الزمان)) .
وقال: (الراضي بفعل قوم كالداخل معهم وعلى كل داخل في باطل اثمان إثم العمل به وإثم الرضى به)) .
وقال: ((من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها)) .
وقال: ((من كتم سره كانت الخيرة بيده) وقال: ((الاعجاب يمنع الازدياد)) .
стр. 1813
وقال: ((الناس أعداء ما جهلوا)) . وقال: ((زاجر المسيء بثواب المحسن)) . وقال: ((الطمع رق مؤبد)) . وقال: ((لم يذهب من مالك ما وعظك)) .
وقال: ((لا يزهدنك في المعروف من لا يشكر لك فقد يشكرك عليه من لا يستمع به وقد تدرك من شكر الشاكر اكثر مما أضاع الكافر والله يحب المحسنين)) .
وقال: ((بئس الزاد إلي المعاد العدوان على العباد)) . وقال: ((من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه)) .
وقال: ((الكرم أعطف من الرحم)) . وقال: ((من ظن بك خيراً فصدق ظنه)) . وقال: ((الحدة ضرب من الجنون فان صاحبها يندم فان لم يندم فجنونه مستحكم)) . انتهى
اللهُم إِنَّك تَعْلَمُ سِرَّنَا وَعَلاَنِيَتَنَا وتَسْمَعُ كَلاَمَنَا وتَرَى مَكَانَنَا لاَ يخَفْى عَليكَ شئُ مِنْ أَمْرنَا نَحْنُ البُؤَسَاءُ الفُقَراءُ إِليكَ المستغيثون المستجيرونَ بِكَ نَسْأَلُكَ أَنْ تُقَيِّظ لِدِينِكَ مَنْ يَنْصُرُهُ ويُزيلُ مَا حَدَثَ مِنْ البِدَع والمُنْكَراتِ ويُقِيْمُ عَلَمَ الجِهَادِ ويَقْمَعُ أَهلَ الزَّيْغِ والكُفْرِ والعِنَادِ ونَسْأَلُكَ أَنْ تَغْفِرَ لنَا ولِوَالِدِيْنَا وجميعِ الْمُسلمين برحمتِكَ يا أَرْحَم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
مواعظ ونصائح
وعن رجل مِن بني شيبان أن عليَّ بنَ أبِي طَالِبٍ ﵇ خطب فقال ((الحمد لله أحمده وأستعٍينه، وأؤمِنُ بِهِ وأتوكلُ عَليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودِين الحق لِيُزِيْحَ به
стр. 1814
عِلَّتَكُمْ، ولِيُوقِظَ به غَفْلَتَكُم، واعلموا أنكم مَيِتّوُن ومَبْعُوثُون مِن بعد الموت ومَوْقُفُون على أعمالكم ومجَزّيُونَ بها.
فلا تَغُرنّكُم الحَياةُ الدنيا فإنها داٌر بالبلاء مَحفُوفةٌ، وبالفناء معروفة، وبِالغَدر مَوْصُوفَةٌ، كُلُ ما فيها زَوال وهي بينَ أهلِها دُوَلٌ وسِجَال، لا تَدُومُ أهوالُها.
ولن يَسْلَمَ مِن شرِها نُزَّالهُا، بينا أهلِها منها في رَخَاءٍ وسُرور، إِذا هم مِنها في بلاء وغُرُور، أَحْوَالٌ مُخْتَلِفة، وتاراتٌ مُتَصَرّفَةٌ.
العيشُ فيها مَذْمُوم، والرخاءُ فيها لا يَدُوم، وإنما أهلهُا فيها أغراضٌ مُسْتَهْدفَة تَرْمِيهم بسهامِها، وتقصِمُهم بِحِمامِها، حتفُه فيها مَقْدُور وحظُّه فيها مَوْفُور.
واعلموا عِبَادَ اللهِ وما أنتم فيه مِن زهرةِ الدُنيا على سبيل مَن قد مَضَى مِمَّنْ كان أطولَ منكم أعماراً، وأَشَدَّ مِنكم بَطْشاً، وأَعمَرَ دِياراً، وأبعدَ آثاراً.
فأصْبَحَتْ أموالُهم هامِدَةً مِن بعدِ نُقْلَتِهِم، وأَجْسَادُهُم بالِية وَدِيارُهُم خَالِية، وآثارُهُم عافِية.
فاستبدلُوا بالقُصور الْمُشَيَّدَةِ والنمارِقِ الْمُمَّهَدَةِ الصُّخُورَ والأحجارَ في القُبور التي قَدْ بُنيَ على الخراب فِناؤُهَا، وشُيِّدَ بالتراب بِنَاؤُهَا.
فَمَحَلُّهَا مُقْتَرب، وساكنها مُغْتَرب، بينَ أَهْلَ عِمَارَةٍ مُوْحِشِين، وأَهْلِ مَحَلَّةٍ مُتَشَاغِلِين، لا يَسْتأْنِسُونَ بالعُمْران، ولا يَتَواصَلُون تَواصُلَ الجِيران والإِخوان، على مَا بينهُم مِن قُرْبِ الجِوار، ودُّنُوّ الدار.
وكَيْفَ يكونُ بَيْنَهُم تَواصُلٌ وقد طَحَنَهُم بِكَلْكَلِهِ البِلَى وأَظَلَّتْهُمُ الجَنَادِلُ والثرَّى، فَأَصْبَحُوا بعد الحياة أَمْوَاتاً، وبَعْدَ غَضَارَةِ العَيشِ رُفَاتاً.
стр. 1815
فُجِعَ بِهِم الأَحْبَاب، وسَكَنُوا التُراب، وظَعَنُوا فليسَ لهم إِياب، هَيْهَاتَ هَيْهاتَ، ﴿كَلاّ إِنّها كَلمةٌ هو قائلها ومنِ وَرَائِهمْ بَرزَخٌ إلى يومِ يُبْعَثُون﴾ .
وكأن قد صِرْتُم إلى مَا صَارُوا إِليه مِن البِلى، والوَحْدَةِ في دَارِ المَثْوَى، وارْتُهِنْتم في ذلك المَضْجَع، وضَمَّكُم ذلك الْمُسْتَودَع.
فكيف بكم لو قَدْ تَنَاهَت الأُمُور، وبُعثِرتِ القُبور، وحُصّلَ ما في الصُدور، وَوَقَفْتُم لِلَّتحْصِيل، بين يَدَي الملِكِ الجَليلِ.
فَطَارَتِ القُلُُُوبِ، لإِشْفَاقِها مِن سَالفِ الذُنُوبِ، وهُتَكَتْ عَنكُم الحُجُب والأَسْتَار، وظَهَرتْ مِنكم العُيوبُ والأَسْرَار.
هُنَالِكَ ﴿تُجْزى كلُّ نَفْسٍ بِما كسَبتْ﴾ إِن الله يقول ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾
وقال ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَي الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) .
جعلنا الله وإِياكم عاملين بكتابه، مُتّبعين لأوليائه، حتى يُحِلَّنا وإِياكم دَارَ المُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، إِنه حميد مجيد.
عن الحسن، عن عليَّ ﵇، قال: طُوبى لِكُلِّ عبدٍ نُوَمَةٍ عَرَفَ الناسَ ولم يعرفه الناسُ، عَرَفَه اللهُ بِرِضوان.
أولئكَ مَصَابيحُ الهدى يَكْشِفُ اللهُ عنهم كُلَّ فِتنةٍ مُظْلِمة، سيدخلهم الله في رحمته منه، ليسوا بالمَذَايِيْعِ البُذُرِ ولا الجُفَاةِ الْمُرائِين. وعن عاصم بن ضَمْرة عن عليَّ ﵇: " ألا إن الفقيه الذي لا يُقنِّط مِن رحمةِ الله ولا يُؤَمِنُهُم مِن عذابِ الله، ولا يُرَخِّصُ لهم في مَعَاصِي الله.
стр. 1816
ولا يَدَعُ القُرآن رَغْبَةً عنه إِلى غَيرِهِ ولا خَيْرَ في عِبَادَةٍ لا علْمَ فيها ولا خير في علم لا فَهْمَ فيه، ولا خَيْرَ في قِراءةٍ لا تَدَّبُّر فيها)) .
عن الشعبي، أَنَّ علياً ﵇ قال (يا أيها الناس، خُذُوْا عني هؤلاء الكلمات، فلو رَكِبْتُم الْمَطِيَّ حتى تُنْضُوْهَا ما أَصبتمُ مِثْلَها) .
لا يَرْجُوَنَّ عَبْدٌ إِلا ربَّه، ولا يَخَافَنَّ إِلا ذَنْبَه، ولا يَستحِيي - إِذا لم يعَلْمَ - أن يَتَعَلمَّ، ولا يَسْتَحِيي - إِذا سُئل عما لا يعلم - أَنْ يقُولَ: لا أَعْلَم.
واعْلَمُوا أن الصَّبر مِن الإيمان بمنزلة الرأسِ مِن الجسد، ولا خَيْرَ في جَسَدٍ لا رأسَ له.
وعن أبي عبد الرحمن السُّلمَى، عن علي بن أبي طالب، قال: أوحى الله إلى نبي من الأنبياء أنه ليس من أهل بيت ولا أهل دار ولا أهل قرية يكونون لي على ما أحب فيتحولون عن ذلك إلى ما أكره، إِلا تحولت لهم مما يحبونه إلى ما يكرهون.
وليس من أهل بيت ولا أهل دار ولا أهل قرية يكونون لي على ما أكره فيتحولون من ذلك إلى ما أحب إلا تحولت لهم مما يكرهون إلى ما يحبون.
وعن عبد الله بن عباس أنه قال: ما انتفعتُ بكلام أحد بعد رسول الله ? كانتفاعي بكتابٍ كَتَبَ عليّ بن أبى طَالبٍ، فإنه كتب إليَّّ:
((أما بعد فان المرءَ يسوءُهُ فَوْتُ ما لم يكن لِيُدْرِكَه، ويسَرَّه دَرْك ما لم يكن لِيَفُوتَه، فَلْيكُنْ سُرُوْرُكُ بما نِلتَ مِن أمرِ آخرَتكَ وليكُنْ أسَفُك على ما فَاتَكَ منها وما نِلْتَ مِن دُنْيَاكَ فَلا تُكِثرنَّ به فَرَحَاً، وما فَاتكَ مِنها فلا تأسَ عليه حَزَناً وليكن هَمُّكَ فيما بَعدَ الموت)) .
وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، أن علياً ﵁ شيَّع جَنَازَةً، فلما وُضِعَتْ في لَحْدِهَا عَجَّ أهلُها وبَكوْها فقال: ((ما تبكون؟
стр. 1817
أما واللهِ لو عَايَنُوا ما عَاينَ مَيِتُّهُم لأَذهَلَتْهُم مُعَاينَتَهُم عن مَيِّتِهم، وإِن له فيهم لَعَوْدَة، ثم عودة، حتي لا يُبقي منهم أحداً)) . ثم قام فقال:
أوصيكم عِبَادَ اللهِ بتقوى الله الذي ضرب لكم الأمثال، ووقَّتَ لكم الآجال، وجعل لكم أسماعاً تعي ما عَناها، وأبصاراً لتجلو عن غشاها، وأفئدة تَفْهَمُ ما دهاها.
إِن الله لم يخلقكم عبثاً، ولم يضرب عنكم الذكر صفحاً بل اكرمكم بالنعم السوابغ، وأرصد لكم الجزاء، فاتقوا الله عِبَادَ اللهِ وجُدُّوا في الطلب، وبادِروا بالعمل قَبْلَ هادم اللذات.
فان الدنيا لا يَدُوم نعِيمُها، ولا تُؤْمَنُ فَجَائِعهُا، غَرُورٌ حائِل، وسِنادٌ مائِلِ، اتَّعظوا عِبَادَ اللهِ بالعِبر، وازدَجِرُ بِالنُذُر، وانتفعُوا بالمواعظ.
فَكَأَنْ قَدْ عَلِقَتْكُم مَخَالبُ المنية، وضُمِّنْتُم بَيْتَ التُراب، ودهمتكُم مُفْظِعاتُ الأُمور بنفخةِ الصُوْر، وَبَعْثَرةِ القُبور، وسِياقِ المحشرِ، ومَوْقفِ الحساب، بِاحاطةِ قُدْرَةِ الجبار.
كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سَائِقٌ يَسُوقُها لِمَحْشَرِها، وشاهِدٌ يَشْهَد عَليها:
(وأشْرَقتِ الأَرْضُ بِنُورِ ربّها وَوُضِعَ الكتابُ وجئ بالنّبيِّينَ والشهداء وقُضِىَ بينهم بالحقّ وهم لا يُظْلَمون)
ارْتَجَّتْ لِذلك اليوم البِلاد، ونادَى المُنَادِي وحُشِرتِ الوحُوُشُ، وبَدَتِ الأَسْرار، وارتجَّتْ الأَفئِدةُ، وبُرّزتِ الجحيم قد تأجَّجَ جَحِيْمُهَا وغلا حمِيْمُهَا.
عِبَادَ اللهِ، اتقوا الله تُقْيَةَ مَنْ وَجِلَ وَحذرَ وأَبْصَرَ وازْدَجَرَ فاحْتَثَّ طَلَباً وَنَجا هَرَبَاً، وقَدَّمَ لِلْمَعَاد واسْتَظْهَرَ بالزاد.
وكفَى بالله مُنْتَقِماً ونَصِيراً، وكفَى بالكتاب خَصْماً وحَجِيْجاً، وكفَى بالجنة ثواباً، وكفَىَ بالنار وبالاً وعِقاباً، وأسْتَغْفِرُ اللهَ لي ولكم.
شِعْراً: ... خُلِقَتَ جِسْماً ثَرِياً ثم زُرْتَ ثَرى ... وصِرْتَ خطّاً فَطَالَتْ مُدَّةً فَمُحِيْ
стр. 1818
قِفْ بالمنازِلِ من عَادٍ وغَيْرهِمُوا ... فَمَا تَرَي ثَمَّ مِن شَخْصٍ ولا شَبَحِ
كُلٌ مُجَازَى بِما أسْدَاهُ مِن حَسَنٍ ... وسَيِّئٍ فاهْجُرِ السَّؤْآت وَانْتَزِحِ
وعن كُمَيْل بن زياد قال: أخذ عليَّ بن أبي طالب بِيَدِي فأخرجني إِلى ناحية الجبّان، فلما أصْحَرنا جلس، ثم تنفس ثم قال: ((يا كُمَيْل بنَ زِياد، القلوبُ أَوْعِيةٌ فخَيْرُها أَوعَاهَا لِلْعِلْم، احْفَظْ ما أَقُولُ لَكَ.
الناس ثلاثةٌ: عَالِمٌ رباني، ومُتَعِلِّمٌ على سبيل نَجَاة، وهمَجٌ رَعَاعُ اَتْبَاعَ كلِّ نَاعِقٍ، يَميلونَ مَعَ كُلِّ رِيح، ولم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيق.
العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على العمل والمال تنقصه بالنفقة، العلم حاكم والمال محكوم عليه وصنيعة المال تزول بزواله.
ومحبة العالم دين يدان بها العلم يُكْسِبُه الطاعة في حَيَاته وجَمِيْل الأحدوثة بعد مماته، مات خُزّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.
إن ها هنا وأومأ بيده إِلى صدره عِلماً لو أصبت له حَمَلَةً بلى أصبته لَقناً غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر بنعم الله على عباده، وبحججه على كتابه.
أو معانداً لِأَهل الحق لا بصيرة له في إحيائه، ينقدح الشك في قلبه، عارض من شبهة. لا ذا ولا ذاك. أو منهوماً باللذات سلسِ القياد للشهوات، أو مُغْرىً بجمع الأموال والادّخار، ليسا من دعاة الدين في شئ، أقرب شبهاً بهم الأنعام السائمة.
كذلك يموت العلم بموت حامليه، اللهُم بلى، لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة لكي لا تبطُل حُجَج الله وبيّناته أولئك هم الأقلون عدداً الأعظمون عند الله قدراً.
стр. 1819
بهم يحفظ الله حججه حتى يُؤَدوْها إلى نظرائهم ويزرعونها في قلوب أشباههم، هَجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعر المتْرَفُون، وأنسِوا بما استوحش منه الجاهلون.
صحبوا الدنيا بأبدانٍ أروحها معلَّقة في المحلّ الأعلى آه آه شوقاً إلى رُؤيتهم، وأستغفر الله لي ولك إِذا شَئْتَ فَقُمْ))
وَعَنْ أَبِي أَراكة، قال: صليت مع عليّ بن أبِي طالب ﵇ صلاة الفجر، فلما سلّم انفتل عن يمينه، ثم مكث كأن عليه كآبة، حتى إِذَا كانت الشمس على حائط المسجد قِيدَ رمح، قال وقلب يده:
((لقد رأيت أصحاب رسول الله ? فما أرى اليوم شيئاً يشبههم لقد كانوا يصبحون شُعْثاً صُفْراً غُبْراً بين أعينهم أمثال رُكَبِ المِعْزى، قد باتوا لله سُجّداً وقياماً، يتلون كتاب الله يراوحون بين جباههم وأقدامهم.
فإذا أصبحوا فذكروا الله مادَوْا كما تَميد الشجرة في يوم الريح، وهَملت أعينهم حتى تبلّ ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين)) .
ثم نهض فما رئي مفتّرًا يضحك حتى ضربه ابن مُلْجَمٍ، والسلام.
ولا غُرْوَ بالأَشْرَافِ إِنْ ظَفِرتْ بِهِمْ ... كِلاَب الأَعادِىْ مِن فَصِيْحٍ وأَعْجَمِ
فَحَرْبَةُ وَحْشِيٍ سَقَتْ حَمْزةَ الرَّدَى ... ومَوْتُ عَلي مِن حُسَام ابْنِ مُلْجِمِ
شِعْراً: ... وكيف قَرْتْ لأهل العلم أعينُهم ... أو اسْتَلَذُوا لَذٍيِذَ النومِ أو هَجَهُوا
والموتُ يُنْذِرِهُم جَهْراً عَلانِيَةً ... لَوْ كَان لِلْقَومِ أسْمَاعٌ لَقَدْ سَمِعُوا
والنارُ ضَاحِيةُ لا بُدَّ مَوْرِدُهُمْ ... ولَيِس يَدْرُونَ مَن يَنْجُو ومَنْ يَقَعُ
قَدْ أمْسَتِ الطيرُ والأنعامُ آمِنةً ... والنونُ في البَحْرِ لَنْ يَغْتَالُهَا فَزَعُ
والْأَدَمِيُّ بِهَذا الكَسْبِ مُرْتَهنٌ ... لَهُ رَقيبٌ على الأشْرارِ يَطَّلِعُ
حَتَّى يُوافِيهِ يَوْمَ الجَمْعِ مُنْفَرداً ... وخَصْمُهَ الجِلْدُ والأبْصَارُ والسَّمَعُ
إذَا النَّبِيونَ والأشهادُ قَائِمةٌ ... والجنُ والإِنسُ والأَمْلاكُ قد خَشَعُوا
стр. 1820
وطارَتِ الصُحْفُ في الأيديْ مُنشَّرةً ... فِيهَا السَّرَائِرُ وَالأخبارُ تُطَّلعُ
فِكيفَ سَهْوُكَ والأَنباءُ وَاقِعةٌ ... عَمَّا قَلِيْلِ ولا تَدْرِيْ بِمَا يَقَعُ
أَفِي الجِنانِ وفَوْزٍ لا انْقِطَاعَ لَهُ ... أَمِ الجَحِيْم فلا تُبْقِيْ ولا تَدَعُ
تَهْوِيْ بِسَاكِنَهِا طَوْراً وتَرْفَعُهُمْ ... إذا رَجَوْا مَخْرَجاً مِن غَمَّهَا قُمِعُوا
طَالَ البُكَاءُ فَلَمْ يُرْحَمْ تَضَرَعَهَمْ ... هَيْهَاتَ لا رِقَةُ تَغِيْ ولا جَزَعَ
لِيَنْفَع العِلمُ قَبْلَ الموتِ عَالِمُهُ ... قَدْ سَالَ قَومٌ بِهَا الرُجْعَي فما رُجِعُوا
اللهُم ارزقنا أنْفُسًا تَقْنَعُ بِعَطَائِكْ، وتَرْضَى بقَضَائِكْ، وتَصْبِرُ عَلى بَلائِكْ، وتُوْقِنُ بِلقَائكَ وتَشْكُرُ لِنعْمَائِكْ وتحَِبُ أَوْلِيائَكْ وتُبْغِضُ أعْداءَكْ واغفِرْ لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
فَصْل: ضَرَبَ ابنُ رَجَب ﵀ مثلاً جامعاً لأحوالِ الخلقِ كُلِّهم بالنسبةِ إلى دَعوِة الرسول ? وانقسامهم في إجابةِ دعْوَتِه إلى سَابِقٍ، ومُقْتَصِدٍ، وظَالمٍ لِنَفْسِه، وبه يَظْهَر فَضْلُ العُلماءِ الربانيين على غيرهم مِن الناس أَجمعين.
فنقولُ: مَثَلُ ذلك كمثل رَسُولٍ قَدِمَ مِن بَلدِ الملِكِ الأَعظمِ فأدّى رِسالة الملِكِ إلى سَائِر البُلْدانِ، وظَهَرَ لهمِ صِدْقُه في رِسَالتِهِ.
فكانَ مَضَمُونُ الرِسالِة التي أدَّاهَا مِن الملِكِ إلى رَعِيتهِ أنَّ هَذا الملك لا إحْسَانَ أَتَمَّ مِن إحسانِهِ، ولا عَدْلَ أكملَ مِن عَدْلِهِ، ولا بَطْشَ أشدَّ مِن بَطْشِهِ.
وأنه لا بُدَّ أنْ يَستدعِي الرعيةَ كُلَّهم إليه ليُقِيمُوا عنده. فمَن قَدِمَ بإحسانٍ جَزَاهُ بإحسانه أَتَمَّ الجزاءِ، ومَن قَدِمَ عليه بإساءَةٍ جَزَاهُ بإساءَتِهِ أشدَ الجَزَاءِ.
وأنه يُحبُ كَذَا وكَذا، ويَكْرَهُ كَذا وكذا لم يَدَعْ شَيئاً مِمَّا تعْمَلُهُ الرَّعِيةُ إلاَّ أَخْبَرَهَمُ بِما يُحِبُهُ المَلِك منه وما يَكْرَهُ، وأَمَرَهُم بالتَّجَهُز والسير إلى دَارِ الملِكِ، التي فيها الإقامةُ.
стр. 1821
وأَخْبَرَهَمُ بِخَرابِ جمْيِعِ البِلادِ سِوىَ ذلك البلدِ.
وأنَّ مَن لم يَتَجَهزْ لِلسَّيْرِ بَعَثَ إليه الملِكُ مَن يُزْعِجُهُ عن وطنِهِ وَينقلُه مِنْهُ على أَسْوَأِ حَال.
وجعَلَ يَصِفُ صِفاتِ هذا الملك الْحُسنى مِن الجَمَالِ والكَمَالِ والجَلالِ والإِفْضَالِ.
فانقسمَ الناسُ في إِجَابَةِ هذا الرسُولِ الدَّاعِي إلى الملِكِ أَقساماً عَدِيْدَةً فمِنهُم مَن صَدَّقَهُ ولم يَكُنْ لَهُ هَمٌّ إِلَّا السُؤال عَمَّا يُحِبُ هذا الملِكُ مِن الرعِيَة استصحابَه إلى دارِه عندَ السير إليه.
فاشتغلَ بتَخْلِيصِهِ لِنَفْسِهِ وبِدُعَاءِ مَن يُمكِنُهُ دُعَاؤُهُ مِن الخَلِقْ إلى ذلك، وعَمَّا يَكْرَهُهُ هَذَا الملِكُ فاجْتَنَبَهُ.
وأَمَر الناسَ باجتنابِهِ وجَعَل هَمَّهُ الأَعظَمُ السُؤال عن صِفَاتِ الملِكِ وعَظَمَتِهِ وإفْضَالِهِ، فَزَادَ بِذَلِكَ مَحبةً لِهذا الملِكِ وإجلالِهِ والشوقِ إلى لِقائِهِ.
فارتحل إِلى الملِكِ مُسْتَصْحِباً لأَنْفَس ما قَدِرَ عليه مِمَّا يُحبِه الملِكُ ويَرْتَضَيِهْ، واسْتَصْحَبَ مَعَهُ رَكْباً عَظِيْماً على مِثْلِ حَالِهِ سَارَ بهم إلى دَارِ الملِكِ.
وقَدْ عرفَ مِن جِهَةِ ذلكَ الدليلُ الذي هو الرسولُ الصادِقُ أقربَ الطرقِ التي يتوصَّلُ بالسير فِيها إلى الملِكِ، وما يَنْفَعُ مِن التزوُدِ لِلمَسِيرِ فيها. وعَمِلَ بمقتضَى ذلك في السَيْرِ هو ومَن اتبعَهُ.
فهذه صفةُ العُلماءِ الربانيين الذين اهتدوا وهدوا الخلقَ مَعَهُم إلى طريقِ اللهِ.
وهؤلاءِ يَقْدَمُونَ على الملِكِ قُدوم الغائبِ على أهلِهِ المنتظرِين لِقُدومِهِ المشتاقينَ إليه أشدَّ الشوق.
شِعْراً: ... إِذَا خَدَمَ السُّلْطَانَ قَوْمٌ لِيَشْرفُوْا ... بِهِ وَيَنَالُوْا كُلَّ مَا يَتَشَوَّفُوْا
خَدَمْتُ إِلهِي وَاعْتَصَمْتُ بِحَبْلِهِ ... لِيَعْصِمِنَيْ مِنْ كُلِّ مَا أَتَخَوَّفُ
стр. 1822
وَيُكْرِمَنِيْ بالعِلْم والحِلْمِ وَالتُّقَى ... وَيُؤْتِينَي ما لَيْسَ يَفْنَى وَيَتْلَفُ
فَخِدْمَتُ مَنْ يُعْطِي السَّلَاطِيْنَ مُلْكَهُمْ ... وَيَنْزَعَهُ عَنْهُمْ أَجَلُّ وأشْرَفُ
...
وقِسْمُ آخَرُونَ اشتغَلُوا بالتأهّبِ بمسيرِهِم بأنفُسِهِم إلى الملِكِ ولم يَتَفَرَّغُوا لِاسْتِصْحَابِ غَيْرهِمْ مَعَهُم.
وهذهِ صِفَةُ العُبّادِ الذين تَعَلَّموُا ما يَنفعُهُم في خاصةِ أَنفسِهِم واشتغلُوا بالعَمَلِ بمُقْتضَاه.
وقِسْمٌ آخَرُونَ تَشَبهَّوُا بأَحَدِ القِسْمَين وأَظْهَروُا لِلنَّاسِ أَنَّهُم مِنْهُم وأَنَّ قَصدَهُم التَّزوُدَ للِرَّحِيل، وإنما كان قَصدُهم استيطان دارِهِم التي هُمُ بها مُسْتَوطِنُون.
وحَالُ هؤلاءِ عند الملِكِ إذا قدمُوا عليه شَرّ حالٍ، ويقالُ لهم اطْلبُوا جِزَاءَ أَعْمَالِكم مِمَّنْ عَمِلْتُم لهَم، فليسَ لكَم عندنا مِن خَلاقٍ. وهُم أولُ مَن تُسعَّرُ بهُم مِن أهل التوحيد.
وقِسْمٌ آخَرُونَ فَهِمُوا ما أَرَادَهُ الرسولُ مِن رسالةِ الملِكِ لَكِنَّهُم غَلَبَ عَليهم الكَسَلُ والتقاعدُ عن التزود للسفر واستصحاب ما يُحِبُ الملِكِ واجتنابِ ما يَكْرَه.
وهؤلاء العُلماء الذين لا يَعْمَلُونَ بِعِلْمِهِم، وهُمْ على شَفَا هَلكَةٍ، وربما انتفعَ غيرُهُم بمعرفِتهم وَوَصْفِهم لِطَريقِ السَّيرِ، فسارَ المتعلِمُونَ فنجَوَا وانقطعَ مَن تَعلَّموا مِنهم فهلكوا.
وقِسْمٌ آخَرُونَ صَدَّقُوا الرسولَ فِيما دَعَا إليه مِن دعوة الملِكِ لَكِنَّهُم لم يَتَعَلَّمُوا منه طَرِيْقَ السير، ولا مَعْرِفة تفاصيل ما يُحبُه الملِكِ وما يَكَرَهُهُ، فساروا بأنفسِهم وَرَمَوْا أنفسَهم في طَريْقٍ شَاقَّةٍ، ومَخَاوُفَ، وقِفَارٍ وعْرَةٍ فَهَلَكَ أَكْثُرهُم، وانقطعُوا في الطريقِ، ولم يَصِلُوا إلى دَارِ الملِكِ. وهؤلاءِ الذين يَعْمَلُون بِغَير عِلْمٍ.
وقِسْمٌ لم يَهْتَمُّوا بهذِه الرِسالةِ، ولا رَفَعُوا بها رَأْساً، واشتَغَلُوا بمصَالح إقامَتِهم في أوطانِهِم التي أَخبر الرسولُ بخَرابها.
стр. 1823
وهَؤلاءِ منهم مَن كَذَّبَ الرسولَ بالكَلية، ومنهم من صدَّقَه بالقول ولكنَهُ لم يَشْتَغِلْ بمعرفةِ مَا دَلَّ عليه ولا بالعمل بِهِ. وهَؤلاءِ عُمُومُ الخلق المعرِضُونَ عن العِلم والعَمَلِ.
ومنهم الكُفارُ والمنافقونَ ومنهم العُصَاةُ الظالمون لأَنفسِهِم فلا يَشعُرون إِلا وقد طرقَهُم داعِي الملِكِ فأجْلاهم عن أوطانِهمِ واسْتَدعَاهُم إلى الملِكِ فقَدِمُوا عَليهِ قُدُوْمَ الآبقِ على سيدِهِ الغضبانِ عليه.
فإذا تَأَملَّتَ أقسامَ الناسِ المذكوُرة لَم تَجدْ أَشَرفَ ولا أَقْربَ عندَ الملِكِ مِن العُلماء الرَّبانيين. فَهُم أفضَلُ الخلقِ بعد المَرُسَلِين صلواتُ الله وسلامُه عليهِم أجمعين أ. هـ.
خُزَّانُ وَحْي اللهِ لَمْ يُرَى غَيْرُهُم ... أَهْلاً لِحِفْظَ كَلامِهِ المُخْتارِ
لَكِنْ عَلَيْهم أَنْ يَقُومُوْا بالذِي ... فيهِ مِن المَشْرُوْع لِلْأَبْرَار
صِدْقٌ وإِخْلَاصٌ وحُسْنُ عِبَادَةٍ ... وقِيَامُ لَيْلٍ مَعْ صِيَامِ نَهَارِ
وتَوَرُّعٍ وتَزَهُّدٍ وتَعَفُفٍ ... وتَشَبُّهٍ بِخَلائِقِ الأَخْيَارِ
ودِيَانَةٍ وصِيَانَة وأَمَانَةٍ ... وتَجَنُّبٍ لِخَلائِقِ الأَشْرارِ
وأَدَاءِ فَرْضٍ واجْتِنَاب مَحَارِمٍ ... وإِدَامَةٍ لِلْحَمْدِ والأَذْكارِ
يَا حَامِل القُرآنِ إنْ تَكُ هَكَذا ... فَلَكَ الهَنَاءُ بِفوْزِ عُقْبَى الدَّارِ
وَمَتَى أَضَعْتَ حُدُوْدَهُ لم تَنْتَفَِعْ ... بحُرُوْفِهِ وسَكَنْتَ دَارَ بَوَارِ
اللهُمَّ عَلِمّنَا ما يَنْفَعُنَا وانفَعْنَا بما علَّمْتَنَا وَبَارِكْ لنا في عُلُومِنَا وأَعمالِنا وأَعمارِنا وأَصْلحْ نِياتِنَا وذُرّيَاتِنا واغفِرْ لنا ولِوَالِدينا ولجِميع المسلمين برحمْتَِك يا أرحمَ الراحمينَ وصلى اللهُ على محمدٍ وعلى آلِهِ وصحْبِهِ أجمعين.
стр. 1824
(فَصْلٌ)
وقال ابن القيم ﵀ في الكلام على مَرَاحِل العالِمَين وكيفيةِ قَطْعِهمِ إياَّها فْلَنْرجِعْ إليه فنقول أمَّا الأَشْقَياءُ فقطعُوا تِلكَ المراحلَ سَائِرين إلى دارِ الشقاء مُتزودين غضَبَ الربِ سُبْحَانِهِ.
ومُعَاداةَ كُتُبِهِ ورُسُلِهِ، وما بُعِثُوا به ومُعَادَاةَ أوليائِهِ والصَّدَّ عن سبيلِهِ ومحاربةَ مَن يدعو إِلى دينه ومقاتلةَ الذين يأمرون بالقسط من الناس وإقامة دعوة غير دعوة الله التي بَعَثَ بها رُسَلَه لِتَكُونَ الدعوةُ لَهُ وَحْده.
فقطعَ هؤلاءِ الأَشقياءُ مَرَاحِلَ أعمارِهِم في ضِدّ ما يُحِبه اللهُ ويُرَضاه: وأَمَّا السائِرونَ إليه فظالِمُهُم قَطَعَ مَراحِلَ عُمُرِهِ في غفلاتِهِ وايثار شهواته ولَذَّاتِهِ على مَراضِ الرب سبحانه وأوامِرِه مع ايمانه بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر.
لكن نفسه مغلوبة معه مأسورة مع حظه وهواه يعلم سوء حاله ويعترف بتفريطه ويعزم على الرجوع إلى الله فهذا حال المسلم.
وأما من زين له سوء عمله فرآه حسناً وهو غير معترف ولا مقر ولا عازم على الرجوع إلى الله والإِنابة إليه أصلاً.
فهذا لا يكاد إسلامه أن يكون صحيحاً أبداً ولا يكون هذا إلا منسلخ القلب من الإيمان ونعوذ بالله من الخذلان.
وأَما الأَبرار المقتصدون فقَطَعوا مَرَاحِلَ سَفَرهم بالاهتمام بإقامةِ أمْرِ اللهِ وعقدِ القلبِ على تَرْكِ مُخَالَفَتِهِ ومَعَاصِيه فَهمهُم مصرْوُفْةٌ إلى القيامِ بالأَعمالِ الصالحةِ واجتنابِ الأَعمالِ القبيحةِ.
فأَولُ مَا يَسْتَيقِظُ أَحَدُهُم مِن مَنامِهِ يَسْبِقُ إِلى لُبِهِ القِيامُ إلى الوُضُوءِ والصلاة كما أَمَرَهُ اللهُ فإِذا أَدّى فَرْضَ وقْتِهِ اشْتَغَلَ بالتلاوةِ والاَذكارِ إلى حِينِ تطلعُ الشمسُ فيركَعُ الضُحِى.
стр. 1825
ثم يَذْهَبُ إلى ما أقامَهُ اللهُ فيه مِن الأسبابِ فإِذا حَضرَ فرْضُ الظُهرِ بادَرَ إلى التَّطََهُّر والسعي إلى الصف الأولِ مِن المسجدِ فَأدّى فَريْضَتَهُ كما أُمِرَ مُكَمِّلاً لها بِشَرَائِطِهَا وأركانِهِا وسُنَنِها وحَقَائِقِهَا الباطِنةِ مِن الخشوعِ والمُرَاقبةِ والحُضُورِ بين يَدَي الرب.
فَيَنْصرِفُ مِن الصلاةِ وقد أَثَّرَتْ في قلْبه وبَدَنِهِ وسائر أحْوَالِهِ آثاراً تَبْدُو على صَفَحَاتِهِ وِلِسِانِهِ وجَوارِحِهِ ويجَدُ ثَمَرتَهَا في قلبهِ من الإنابة إلى دارِ الخُلود والتجافي عن دار الغرور وقِلَّةِ التكَالبِ والحِرص على الدنيا وعَاجِلها.
قَد نهَتهُ صَلاتُه عَن الفحشاءِ والمنكر وَحَبَّبَتْ إليه لِقاءَ اللهِ ونَفَّرتْهُ عن كُلِّ قَاطِعٍ يَقْطَعُه عن اللهِ فَهُو مَغْمُومٌ مَهْمُومٌ كَأَنَّهُ في سِجْنٍ حتى تحْضُرَ الصلاةُ.
فإِذا حَضَرَتْ قَام إلى نعَيْمِهِ وسُرُورِه وقُرةِ عينه وحَيَاةِ قلبهِ فهو لا تطيبُ له الحياة إلا بالصلاةِ هذا وهُم في ذلك كُلِّهِ مُرَاعُونَ لِحْفِظِ السُنن لا يُخِلُّونَ منها بِشئٍ ما أَمكَنَهُم.
فَيَقْصُدُوْنَ مِن الوُضوءِ أكمله ومِن الوقتِ أَوَّلَه ومِن الصفوف أوَّلَهَا عن يمينِ الإمامِ أو خلفَ ظهره.
ويأتونَ بعد الفريضة بالاذكارِ المشروعةِ كالاستغفارَ ثلاثاً وقولِ اللهُم أنت السلامُ ومنكَ السلامُ تَباركتَ يا ذا الجلالِ والإِكرامِ.
وقول لا إلهَ إلا الله وحدَهُ لا شريكَ لَهُ لَهُ المُلكُ ولَهُ الحمدُ وهو على كل شئ قدير اللهُم لا مانعَ لما أَعْطَيْتَ ولا معطي لما مَنَعتَ ولا ينفعُ ذا الجدِ منكَ الجدُ لا إلهَ إلا اللهُ ولا نعبدُ إلا اياهُ له النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ لا إِله إلا اللهُ مخلصينَ له الدينَ ولو كره الكافرون.
ثم يُسبِحُونَ ويحَمدُون ويُكَبِرونَ تِسعاً وتِسعينَ ويَخْتِمُونَ المائةَ بلا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ وله الحمدُ وهو علي كل شئٍ قدير.
следующие страницы →