Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
وأَخْبَرَهَمُ بِخَرابِ جمْيِعِ البِلادِ سِوىَ ذلك البلدِ.
وأنَّ مَن لم يَتَجَهزْ لِلسَّيْرِ بَعَثَ إليه الملِكُ مَن يُزْعِجُهُ عن وطنِهِ وَينقلُه مِنْهُ على أَسْوَأِ حَال.
وجعَلَ يَصِفُ صِفاتِ هذا الملك الْحُسنى مِن الجَمَالِ والكَمَالِ والجَلالِ والإِفْضَالِ.
فانقسمَ الناسُ في إِجَابَةِ هذا الرسُولِ الدَّاعِي إلى الملِكِ أَقساماً عَدِيْدَةً فمِنهُم مَن صَدَّقَهُ ولم يَكُنْ لَهُ هَمٌّ إِلَّا السُؤال عَمَّا يُحِبُ هذا الملِكُ مِن الرعِيَة استصحابَه إلى دارِه عندَ السير إليه.
فاشتغلَ بتَخْلِيصِهِ لِنَفْسِهِ وبِدُعَاءِ مَن يُمكِنُهُ دُعَاؤُهُ مِن الخَلِقْ إلى ذلك، وعَمَّا يَكْرَهُهُ هَذَا الملِكُ فاجْتَنَبَهُ.
وأَمَر الناسَ باجتنابِهِ وجَعَل هَمَّهُ الأَعظَمُ السُؤال عن صِفَاتِ الملِكِ وعَظَمَتِهِ وإفْضَالِهِ، فَزَادَ بِذَلِكَ مَحبةً لِهذا الملِكِ وإجلالِهِ والشوقِ إلى لِقائِهِ.
فارتحل إِلى الملِكِ مُسْتَصْحِباً لأَنْفَس ما قَدِرَ عليه مِمَّا يُحبِه الملِكُ ويَرْتَضَيِهْ، واسْتَصْحَبَ مَعَهُ رَكْباً عَظِيْماً على مِثْلِ حَالِهِ سَارَ بهم إلى دَارِ الملِكِ.
وقَدْ عرفَ مِن جِهَةِ ذلكَ الدليلُ الذي هو الرسولُ الصادِقُ أقربَ الطرقِ التي يتوصَّلُ بالسير فِيها إلى الملِكِ، وما يَنْفَعُ مِن التزوُدِ لِلمَسِيرِ فيها. وعَمِلَ بمقتضَى ذلك في السَيْرِ هو ومَن اتبعَهُ.
فهذه صفةُ العُلماءِ الربانيين الذين اهتدوا وهدوا الخلقَ مَعَهُم إلى طريقِ اللهِ.
وهؤلاءِ يَقْدَمُونَ على الملِكِ قُدوم الغائبِ على أهلِهِ المنتظرِين لِقُدومِهِ المشتاقينَ إليه أشدَّ الشوق.
شِعْراً: ... إِذَا خَدَمَ السُّلْطَانَ قَوْمٌ لِيَشْرفُوْا ... بِهِ وَيَنَالُوْا كُلَّ مَا يَتَشَوَّفُوْا
خَدَمْتُ إِلهِي وَاعْتَصَمْتُ بِحَبْلِهِ ... لِيَعْصِمِنَيْ مِنْ كُلِّ مَا أَتَخَوَّفُ
стр. 1822
وَيُكْرِمَنِيْ بالعِلْم والحِلْمِ وَالتُّقَى ... وَيُؤْتِينَي ما لَيْسَ يَفْنَى وَيَتْلَفُ
فَخِدْمَتُ مَنْ يُعْطِي السَّلَاطِيْنَ مُلْكَهُمْ ... وَيَنْزَعَهُ عَنْهُمْ أَجَلُّ وأشْرَفُ
...
وقِسْمُ آخَرُونَ اشتغَلُوا بالتأهّبِ بمسيرِهِم بأنفُسِهِم إلى الملِكِ ولم يَتَفَرَّغُوا لِاسْتِصْحَابِ غَيْرهِمْ مَعَهُم.
وهذهِ صِفَةُ العُبّادِ الذين تَعَلَّموُا ما يَنفعُهُم في خاصةِ أَنفسِهِم واشتغلُوا بالعَمَلِ بمُقْتضَاه.
وقِسْمٌ آخَرُونَ تَشَبهَّوُا بأَحَدِ القِسْمَين وأَظْهَروُا لِلنَّاسِ أَنَّهُم مِنْهُم وأَنَّ قَصدَهُم التَّزوُدَ للِرَّحِيل، وإنما كان قَصدُهم استيطان دارِهِم التي هُمُ بها مُسْتَوطِنُون.
وحَالُ هؤلاءِ عند الملِكِ إذا قدمُوا عليه شَرّ حالٍ، ويقالُ لهم اطْلبُوا جِزَاءَ أَعْمَالِكم مِمَّنْ عَمِلْتُم لهَم، فليسَ لكَم عندنا مِن خَلاقٍ. وهُم أولُ مَن تُسعَّرُ بهُم مِن أهل التوحيد.
وقِسْمٌ آخَرُونَ فَهِمُوا ما أَرَادَهُ الرسولُ مِن رسالةِ الملِكِ لَكِنَّهُم غَلَبَ عَليهم الكَسَلُ والتقاعدُ عن التزود للسفر واستصحاب ما يُحِبُ الملِكِ واجتنابِ ما يَكْرَه.
وهؤلاء العُلماء الذين لا يَعْمَلُونَ بِعِلْمِهِم، وهُمْ على شَفَا هَلكَةٍ، وربما انتفعَ غيرُهُم بمعرفِتهم وَوَصْفِهم لِطَريقِ السَّيرِ، فسارَ المتعلِمُونَ فنجَوَا وانقطعَ مَن تَعلَّموا مِنهم فهلكوا.
وقِسْمٌ آخَرُونَ صَدَّقُوا الرسولَ فِيما دَعَا إليه مِن دعوة الملِكِ لَكِنَّهُم لم يَتَعَلَّمُوا منه طَرِيْقَ السير، ولا مَعْرِفة تفاصيل ما يُحبُه الملِكِ وما يَكَرَهُهُ، فساروا بأنفسِهم وَرَمَوْا أنفسَهم في طَريْقٍ شَاقَّةٍ، ومَخَاوُفَ، وقِفَارٍ وعْرَةٍ فَهَلَكَ أَكْثُرهُم، وانقطعُوا في الطريقِ، ولم يَصِلُوا إلى دَارِ الملِكِ. وهؤلاءِ الذين يَعْمَلُون بِغَير عِلْمٍ.
وقِسْمٌ لم يَهْتَمُّوا بهذِه الرِسالةِ، ولا رَفَعُوا بها رَأْساً، واشتَغَلُوا بمصَالح إقامَتِهم في أوطانِهِم التي أَخبر الرسولُ بخَرابها.
стр. 1823
وهَؤلاءِ منهم مَن كَذَّبَ الرسولَ بالكَلية، ومنهم من صدَّقَه بالقول ولكنَهُ لم يَشْتَغِلْ بمعرفةِ مَا دَلَّ عليه ولا بالعمل بِهِ. وهَؤلاءِ عُمُومُ الخلق المعرِضُونَ عن العِلم والعَمَلِ.
ومنهم الكُفارُ والمنافقونَ ومنهم العُصَاةُ الظالمون لأَنفسِهِم فلا يَشعُرون إِلا وقد طرقَهُم داعِي الملِكِ فأجْلاهم عن أوطانِهمِ واسْتَدعَاهُم إلى الملِكِ فقَدِمُوا عَليهِ قُدُوْمَ الآبقِ على سيدِهِ الغضبانِ عليه.
فإذا تَأَملَّتَ أقسامَ الناسِ المذكوُرة لَم تَجدْ أَشَرفَ ولا أَقْربَ عندَ الملِكِ مِن العُلماء الرَّبانيين. فَهُم أفضَلُ الخلقِ بعد المَرُسَلِين صلواتُ الله وسلامُه عليهِم أجمعين أ. هـ.
خُزَّانُ وَحْي اللهِ لَمْ يُرَى غَيْرُهُم ... أَهْلاً لِحِفْظَ كَلامِهِ المُخْتارِ
لَكِنْ عَلَيْهم أَنْ يَقُومُوْا بالذِي ... فيهِ مِن المَشْرُوْع لِلْأَبْرَار
صِدْقٌ وإِخْلَاصٌ وحُسْنُ عِبَادَةٍ ... وقِيَامُ لَيْلٍ مَعْ صِيَامِ نَهَارِ
وتَوَرُّعٍ وتَزَهُّدٍ وتَعَفُفٍ ... وتَشَبُّهٍ بِخَلائِقِ الأَخْيَارِ
ودِيَانَةٍ وصِيَانَة وأَمَانَةٍ ... وتَجَنُّبٍ لِخَلائِقِ الأَشْرارِ
وأَدَاءِ فَرْضٍ واجْتِنَاب مَحَارِمٍ ... وإِدَامَةٍ لِلْحَمْدِ والأَذْكارِ
يَا حَامِل القُرآنِ إنْ تَكُ هَكَذا ... فَلَكَ الهَنَاءُ بِفوْزِ عُقْبَى الدَّارِ
وَمَتَى أَضَعْتَ حُدُوْدَهُ لم تَنْتَفَِعْ ... بحُرُوْفِهِ وسَكَنْتَ دَارَ بَوَارِ
اللهُمَّ عَلِمّنَا ما يَنْفَعُنَا وانفَعْنَا بما علَّمْتَنَا وَبَارِكْ لنا في عُلُومِنَا وأَعمالِنا وأَعمارِنا وأَصْلحْ نِياتِنَا وذُرّيَاتِنا واغفِرْ لنا ولِوَالِدينا ولجِميع المسلمين برحمْتَِك يا أرحمَ الراحمينَ وصلى اللهُ على محمدٍ وعلى آلِهِ وصحْبِهِ أجمعين.
стр. 1824
(فَصْلٌ)
وقال ابن القيم ﵀ في الكلام على مَرَاحِل العالِمَين وكيفيةِ قَطْعِهمِ إياَّها فْلَنْرجِعْ إليه فنقول أمَّا الأَشْقَياءُ فقطعُوا تِلكَ المراحلَ سَائِرين إلى دارِ الشقاء مُتزودين غضَبَ الربِ سُبْحَانِهِ.
ومُعَاداةَ كُتُبِهِ ورُسُلِهِ، وما بُعِثُوا به ومُعَادَاةَ أوليائِهِ والصَّدَّ عن سبيلِهِ ومحاربةَ مَن يدعو إِلى دينه ومقاتلةَ الذين يأمرون بالقسط من الناس وإقامة دعوة غير دعوة الله التي بَعَثَ بها رُسَلَه لِتَكُونَ الدعوةُ لَهُ وَحْده.
فقطعَ هؤلاءِ الأَشقياءُ مَرَاحِلَ أعمارِهِم في ضِدّ ما يُحِبه اللهُ ويُرَضاه: وأَمَّا السائِرونَ إليه فظالِمُهُم قَطَعَ مَراحِلَ عُمُرِهِ في غفلاتِهِ وايثار شهواته ولَذَّاتِهِ على مَراضِ الرب سبحانه وأوامِرِه مع ايمانه بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر.
لكن نفسه مغلوبة معه مأسورة مع حظه وهواه يعلم سوء حاله ويعترف بتفريطه ويعزم على الرجوع إلى الله فهذا حال المسلم.
وأما من زين له سوء عمله فرآه حسناً وهو غير معترف ولا مقر ولا عازم على الرجوع إلى الله والإِنابة إليه أصلاً.
فهذا لا يكاد إسلامه أن يكون صحيحاً أبداً ولا يكون هذا إلا منسلخ القلب من الإيمان ونعوذ بالله من الخذلان.
وأَما الأَبرار المقتصدون فقَطَعوا مَرَاحِلَ سَفَرهم بالاهتمام بإقامةِ أمْرِ اللهِ وعقدِ القلبِ على تَرْكِ مُخَالَفَتِهِ ومَعَاصِيه فَهمهُم مصرْوُفْةٌ إلى القيامِ بالأَعمالِ الصالحةِ واجتنابِ الأَعمالِ القبيحةِ.
فأَولُ مَا يَسْتَيقِظُ أَحَدُهُم مِن مَنامِهِ يَسْبِقُ إِلى لُبِهِ القِيامُ إلى الوُضُوءِ والصلاة كما أَمَرَهُ اللهُ فإِذا أَدّى فَرْضَ وقْتِهِ اشْتَغَلَ بالتلاوةِ والاَذكارِ إلى حِينِ تطلعُ الشمسُ فيركَعُ الضُحِى.
стр. 1825
ثم يَذْهَبُ إلى ما أقامَهُ اللهُ فيه مِن الأسبابِ فإِذا حَضرَ فرْضُ الظُهرِ بادَرَ إلى التَّطََهُّر والسعي إلى الصف الأولِ مِن المسجدِ فَأدّى فَريْضَتَهُ كما أُمِرَ مُكَمِّلاً لها بِشَرَائِطِهَا وأركانِهِا وسُنَنِها وحَقَائِقِهَا الباطِنةِ مِن الخشوعِ والمُرَاقبةِ والحُضُورِ بين يَدَي الرب.
فَيَنْصرِفُ مِن الصلاةِ وقد أَثَّرَتْ في قلْبه وبَدَنِهِ وسائر أحْوَالِهِ آثاراً تَبْدُو على صَفَحَاتِهِ وِلِسِانِهِ وجَوارِحِهِ ويجَدُ ثَمَرتَهَا في قلبهِ من الإنابة إلى دارِ الخُلود والتجافي عن دار الغرور وقِلَّةِ التكَالبِ والحِرص على الدنيا وعَاجِلها.
قَد نهَتهُ صَلاتُه عَن الفحشاءِ والمنكر وَحَبَّبَتْ إليه لِقاءَ اللهِ ونَفَّرتْهُ عن كُلِّ قَاطِعٍ يَقْطَعُه عن اللهِ فَهُو مَغْمُومٌ مَهْمُومٌ كَأَنَّهُ في سِجْنٍ حتى تحْضُرَ الصلاةُ.
فإِذا حَضَرَتْ قَام إلى نعَيْمِهِ وسُرُورِه وقُرةِ عينه وحَيَاةِ قلبهِ فهو لا تطيبُ له الحياة إلا بالصلاةِ هذا وهُم في ذلك كُلِّهِ مُرَاعُونَ لِحْفِظِ السُنن لا يُخِلُّونَ منها بِشئٍ ما أَمكَنَهُم.
فَيَقْصُدُوْنَ مِن الوُضوءِ أكمله ومِن الوقتِ أَوَّلَه ومِن الصفوف أوَّلَهَا عن يمينِ الإمامِ أو خلفَ ظهره.
ويأتونَ بعد الفريضة بالاذكارِ المشروعةِ كالاستغفارَ ثلاثاً وقولِ اللهُم أنت السلامُ ومنكَ السلامُ تَباركتَ يا ذا الجلالِ والإِكرامِ.
وقول لا إلهَ إلا الله وحدَهُ لا شريكَ لَهُ لَهُ المُلكُ ولَهُ الحمدُ وهو على كل شئ قدير اللهُم لا مانعَ لما أَعْطَيْتَ ولا معطي لما مَنَعتَ ولا ينفعُ ذا الجدِ منكَ الجدُ لا إلهَ إلا اللهُ ولا نعبدُ إلا اياهُ له النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ لا إِله إلا اللهُ مخلصينَ له الدينَ ولو كره الكافرون.
ثم يُسبِحُونَ ويحَمدُون ويُكَبِرونَ تِسعاً وتِسعينَ ويَخْتِمُونَ المائةَ بلا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ وله الحمدُ وهو علي كل شئٍ قدير.
стр. 1826
ومَن أَرَادَ المزيدَ قَرأَ آيةَ الكُرسيِ والمُعَوِذَتين عَقِبَ كل صلاةٍ فإن فيها أحَادِيْث رواها النسائي وغيرهُ.
ثم يَركَعُونَ السنة على أحْسَنِ الوُجُوهِ هذا دَأبُهُم في كُلّ فَرِيْضَةٍ.
فإذا كان قِبلَ غُروبِ الشمس تَوَفَّرُوْا على أذَكارِ المسَاءِ الوَارِدةِ في السُنَةِ نَظِيْرُ أَذكارِ الصَّباحِ الوَارِدَةِ في أَوَّلِ النهارِ لا يُخِلُّونَ بِها أَبَدَاً.
فإِذا جَاءَ اللَيلُ كَانُوا فِيه على مَنازِلهِم مِن مَواهِبِ الربِ سُبْحَانَهُ التي قَسَّمَها بينَ عِبادِهِ.
فإِذا أَخَذُوا مَضَاجِعَهُم أَتَوا بِأَذْكارِ النَّوْمِ الوَارِدَةِ في السُنةِ وهي كَثيرةٌ تبلغُ نَحْواً من أَربَعِينِ.
فيأتونَ مِنها ما عَلمُوْهُ وما يَقْدِرُوْنَ عليه مِن قِراءَةِ سُوْرَةِ الاخلاص والمُعَوذَتَينِ ثلاثاً ثم يَمْسَحُوْنَ بها رُؤُوسَهُمْ وَوُجُوهَهُم وأجْسَادَهُم ثلاثاً ويَقْرَؤُونَ آيةَ الكُرْسِي وخَوَاتِيم سُورةِ البَقَرةِ ويُسَبّحُونَ ثلاثاً وثلاثين ويَحْمِدُونَ ثلاثاً وثلاثين ويُكَبرُونَ أَرْبعاً وثلاثين.
ثم يَقولُ أَحَدُهم اللَّهُمَّ إِني أسْلَمْتُ نَفِسيْ إليكَ وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إليكَ وفَوَّضْتُ أمْرِى إِليكَ وأَلجأتُ ظَهْرِيْ إِليكَ رَغْبِةً ورَهْبَةً إليك لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنكَ إِلا إِليكَ. آمنْتُ بِكتَابِك الذِي أَنْزَلتَ ونَبّيكَ الذي أَرْسَلْتَ.
وإِنْ شَاءِ قَال باسمك ربِي وَضَعْتُ جنْبِي وبِكَ أرفْعَهُ فإِنْ أَمْسَكْتَ نفسِي فاغْفِرْ لَها وإِنْ أَرْسَلْتَهَا فاحْفَظْها بما تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصالِحين.
وإِن شَاءَ قَال: اللهُمَّ رَبَّ السموات السبع وَرَبَّ العَرشِ العظيمِ رَبي وَرَبَّ كُل شَئِ فالِقَ الحب والنَّوى مُنَزّلَ التوراةِ والانجيل والقرآن أعوُذ بِكَ مِن شركُلَ دابةِ أَنْتَ آخذٌ بِناصِيتِهَا.
أنْتَ الأوَّلُ فليس قَبْلَكَ شئٌ وأنتَ الآخرُ فليْسَ بَعْدَكَ شَئٌ وأَنْتَ
стр. 1827
الظاهِرُ فَليْسَ فَوقَكَ شَئٌ وأنْتَ الباطنُ فَلَيْسَ دُوْنَكَ شَئٌ إقض عني الدينَ وأَغْنِني مِن الفقرِ.
وبالجُملَة فَلا يَزَالُ يَذْكُر الله على فراشِهِ حتى يَغْلِبَهُ النومُ فهذا نَوْمُهُ عِبَادَةٌ وزَيادَةٌ لَه مِن قُربِهِ مِن اللهِ.
فإِذا اسْتَيْقَظَ عاد إِلى عَادتِهِ الأُوْلَى وَمَعَ هذا فَهُوَ قائمٌ بِحقُوقُ العِبادِ مِن عِيادَةِ المَرْضَى وتَشْيِيْعٍ الجنائِز وإِجَابةِ الدَّعْوَةِ والمُعَاوَنَة لهم بالجاه والبدن والنفس والمال وزِيارَتِهِم وتفَقُدِهِم. وقائمٌ بِحِقُوقِ أَهْلِهِ وعِيالِه.
فَهُوَ مُنَتَقلٌ في مَنَازِلِ العُبُودِيةِ كَيفَ نقلَهُ فِيها الأَمْرُ فإِذا وَقَعَ مِنه تَفِرْيطٌ في حَقٍ مِن حُقُوقِ اللهِ بادَرَ إِلى الاعتذارِ والتوبةِ والاستغفارِ ومَحْوِهِ ومُدَاوَاتِهِ بِعَمَلٍ صَالحٍ يُزيلُ أَثَرَهُ فهذا وَظِيفَتُهُ دَائِما.أهـ.
وقال إنَ شُرورَ الدُنْيَا والآخِرَة إِنما هُو الجهلُ بما جاء به الرسول ? والخروجُ عنه.
وهذا بُرهانُ قاطع على أنْ لا نجاةَ لِلْعَبدِ ولا سَعادةَ إلا بالاجتهاد في مَعْرِفَةِ ما جَاءَ به الرسول ? علْماً والقيامِ به عَمَلاً.
وكمالُ هذه السَّعَادَةِ بأَمْرَين أَحَدُهما دعوة الخلق إليه، والثاني صَبْرُهُ واجتهادُهُ عَلى تِلكَ الدعوة.
فانحصَرَ الكمالُ لِلإِنسان على هذه المراتب الأربع.
أَحَدُهَا العلمُ بما جاء به النَّبي ?.
والثانيةُ العملُ به.
والثالثةُ نَشْرُهُ في الناس والدعوة إليه.
والرابعةُ صَبْرُهُ وجهادُهُ في أدَائِهِ ونتنفِيْذهُ ومَن طَلَعَتْ هِمَّتُهُ إلى مَعْرفَةِ ما كان عليه الصحابةُ ﵃ وأرَادَ اتِبَاعهمُ فهذِهِ طريقتُهُم حَقَا.
стр. 1828
اللهُم إنا نسألكَ فِعْلَ الخَيْرَاتِ، وتَرْك المنكرات وحُبَّ المسَاكِيْنِ وإذا أرَدْتَ فِتْنَةً في قوم فَتَوَفَّنَا غَيْرَ مَفْتُنْونِيْنَ.
وقال ﵀ الهجرةُ هِجْرتان: هِجرةٌ بالجسم مِن بلد إلى بلد وهذه أحكامُها معلومةٌ وليس المرادُ الكلامُ فيها.
والهجرةُ الثانيةُ الهجرةُ بالقلب إلى اللهِ ورسوِله وهذِه هِيَ المقصودُ هُنا وهذِهِ الهِجرةُ هِي الهِجرةُ الحِقيقيةُ وهي الأَصل.
وهجرةُ الجسدِ تابعةٌ لها لله وهي هِجرة تتضمنُ (مِن) و (إلىَ) فيها جسرٌ بِقَلْبِهِ مِن مَحبَةِ غير اللهِ إلى مَحَبَّتِهِ، ومِن عُبوديه غيرهِ إلى عُبوديتِهِ ومِن خَوْفِ غَيرهِ ورَجَائِهِ، والتوكَّلِ عليه إلى خوفِ اللهِ ورَجائِهِ والتوكلِ عليه ومن دعاءِ غيرهِ وسؤالِهِ، والخضوعِ له والذل له والاستكانة له إلى دعاء الله وسؤال الله والخضوع له والذل له والاستكانة له.
وهذَا بعَيِنِهِ مَعْنَى الفِرار إليه قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ والتوحيدُ المطلوبُ مِن العبد هُو الفِرَارُ مِن الله إليه.
وتَحْتَ (مِن) و (إلى) في هذا سِرٌّ عظيمٍ من أسرار التوحيد فإنّ الفرارَ إليه سُبْحَانَهُ يَتَضَمَّنُ إِفْرادَهُ بالطلبِ والعبوديةِ فَهُو مُتَضَمِّنٌ لِتَوحِيدِ الإِلهيَّةِ التي اتّفَقَتْ عليها دَعوةُ الرسلِ صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين.
وأمَا الفِرارُ مِنه إليه فَهُو مُتَضَمّنٌ لِتَوحِيدِ الرُبُوبيةِ وإثباتِ القَدَرِ وأنَّ كُلَّ ما في الكونِ مِن المكروهِ والمَحْذُورِ الذي يَفِرُّ مِنْه العبدُ فإنما أَوْجَبَتْهُ مشِيْئةُ اللهِ وحْدَهُ.
فإن ما شاءَ كانَ وَوَجَبَ وجُودُهُ بمشيئتِهِ وما لم يَشأْ لم يَكُن وامتنعَ وجُودُهُ لِعَدمِ مَشِيئتِهِ.
فإذا فَرَّ العبدُ إلى اللهِ فإنمَا يَفِرُّ مِن شئٍ إلي شَئٍ وُجِدَ بمشيئة اللهِ وقَدِرِه فهو في الحقيقةِ فارٌ مِن اللهِ إليه.
стр. 1829
ومِنْ تصوَّرَ هذا حَقَّ تَصَوُرِه فَهِمَ مَعْنى قولِهِ ?: ((وأعُوذُ بِكَ مِنكَ)) وقوله: ((لا مَلْجأَ ولا مَنْجَى مِنكَ إلاَّ إليكَ)) . فإنه ليسَ في الوُجُودِ شئٌ يَفرُّ مِنه ويُسْتَعَاذُ مِنه ويُلَتجأَ مِنه إِلاَّ هُوَ مِن اللهِ خَلْقاً وإِبْدَاعاً.
شِعْراً: ... تَوَكَّلْ على الرحمنِ في كُلَّ حَاجةٍ ... أرَدْتَ فإنَّ الله يَقْضِيْ وَيقَدِرُ
مَتَى ما يُردْ ذُو العَرشِ أَمْراً بِعَبْدَهَ ... يُصِبْهُ، وما لِلْعَبِدِ ما يَتخَيَّرُ
وقد يَهلَكُ الإِنسانُ مِن وَجْهِ أمْنِهِ ... وينجو بإذنِ الله مِن حَيْثُ يَحْذَرُ
فالفارُ والمُسْتَعِيْذُ فَارٌ مِمَّا أَوجَدَ قَدَرُ اللهِ ومشيئتهُ وخلقُه إلى ما تقضِيهِ رحمتُه وبرُّه ولُطفهُ واحسانُه، ففي الحقيقةِ هو هاربٌ مِن اللهِ إليه مُسْتَعْيذٌ باللهِ مِنه.
وتَصَوُّرُ هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ يُوجبُ لِلْعَبدِ انقطاعَ تَعَلقِ قَلْبِهِ عن غيرهِ بالَكُليةِ، خَوفاً ورَجَاءً، ومحَبةً.
فإنه إذا عَلِمَ أن الذي يفِرُ مِنه ويَسْتِعْيذُ منه إنما هو بِمَشِيئْتهِ اللهِ وقُدْرَتِهِ وخَلْقِهِ لم يَبْقَ في قلبه خَوفٌ مِن غير خالِقِه ومُوْجِدِهِ.
فَتَضَمَّنَ ذلكَ إفراد اللهِ وَحْدهُ بالخوفِ والحُب والرجاءِ. ولو كان فِرَارُهُ مِمَّا لم يَكُنْ بِمَشِيْئَتِهِ ولا قُدْرَتِهِ لكن ذلك موجباً لخوفه منه مثل ما يفر من مخلوق إلى مخلوق آخر أَقدر منه.
فإنه في حالِ فِرارِهِ من الأولِ خائِفٌ منه حَذِراً أن لا يكونَ الثاني يُفِيْدُهُ مِنه بخلاف مَا إذا كان الذي يفر إليه هُوَ الذي قَضَى وقَدَّرَ وشَاءَ ما يَفِرُ مِنه فإنهُ لا يَبْقَى في القلب التفاتُ إلى غيره.
فَتَفَطَنْ إلى هذا السِرّ العَجيْبِ في قَولِهِ ((أعُوذُ بِك مِنكَ)) و ((لا مَلْجَأَ ولا مَنْجَى منك إلا إليكَ)) فأَنَّ النَاس قد ذكروا في هذا أَقوالاً، وقُلَّ مَن تَعَرَّضَ منهم لهِذِهِ النُكْتةِ التي هِي لُبُّ الكلامِ ومقصودُه. وبالله التوفيق.
стр. 1830
فتأمل كيفَ عادَ الأَمرُ كُلُّهُ إلى الفِرارِ مِن الله إليه وهو مَعنى الهِجرة إلى الله تعالى، ولهذا قال النبي ?، ((المهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نهى اللهُ عنه)) .
ولهذا يَقْرنُ الإيمانَ والهجرةَ في غيرِ موضعٍ لِتلازُمِهمَا واقتضاءِ أحدهِمِا للآخرَ.
والمقصودُ أن الهجرةَ إلى اللهِ تتضمنُ هِجْرانَ ما يَكْرَهُهُ واتيانَ ما يُحبه ويرضاه وأصلُهُما الحبُ والبُغضُ.
فإِنّ المهاجرَ مِن شئٍ إلى شيءٍ لا بُدَّ أن يكونَ ما يُهاجِرُ إليه أحَبَّ مما هاجَرَ مِنه فَيؤثِرُ أَحَبَّ الأمَرينِ إليه على الآخر.
وإذا كان نفَسُ العبدِ وهَوَاهُ، وشيطانُه إنما يدعونَهُ إلى خِلاف ما يُحبهِ ويَرضَاهُ، وقد بُلي بِهَؤلآءِ الثلاث.
فلا يَزالُونَ يَدْعُونَه إلى غير مَرْضَاةِ رَبِهِ، وداعِي الإِيمانِ يدعُوه إلى مَرضاةِ ربِه، فعليه في كُلِ وقْتٍ أن يُهاجِرَ إلى اللهِ ولا يَنْفَكَ في هِجْرَتِه إلي الممات.
وهذِهِ الهِجِرةُ تَقْوىَ وتَضْعُفُ بحسَبَ دَاعِي المحبةِ في قلب العبدِ فإِن كان الداعِي أَقْوى كَانِتْ هذِهِ الهِجرة أَقْوَى وأَتَمُ واكملُ وإِذَا ضَعُفَ الدَاعِي ضعُفَتِ الهِجرةُ حتى لا يَكَادُ يَشْعُرَ بها عِلماً، ولا يَتَحَرَّكُ لها إرَادَةً.
والذي يَقْضِي مِنه العَجَبُ أَنَّ المرءَ يُوسِعُ الكلامَ وُيفَرِّعُ المسائلَ في الهِجرة مِن دارِ الكفر إلى دَارِ الإِسلام، وفي الهِجرة التي انْقَطَعت بالفَتْحِ، وهَذِهِ هِجْرَةٌُ عَارضَةُ. رُبَّمَا لا تَتَعَلقُ به في العُمْر أَصْلاً.
وأما هَذِهِ الهِجْرَةُ التي هِي واجبَةٌُ على مَدَى الأَنْفَاسِ لا يَحْصُلُ فِيها عِلْماً ولا إرَادَةً ومَا ذاكَ إِلاَّ لِلأَعْرَاضِ عَمَّا خُلِقَ لَهُ، والاشتغالُ بِما لا يُنْجِيْهِ وحْدَهُ عَمَّا لا يُنْجِيْه غَيْرُهُ قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ .
стр. 1831
وهَذا حَالُ مَن عَشيْتَ بَصِيْرتُهُ وضَعُفَتْ مَعْرفتُه بمراتِبِ العُلُومِ والأَعْمَالِ والله المستعان. وبالله التوفيق لا إلهَ غَيْرُهُ ولا رَبَّ سِوَاهُ.
وأما الهِجْرَةُ إلى الرسُولِ ? فَعِلْمٌ لم يَبْقَ منه سِوَى اسْمُهُ ومَنْهَجٌ لم تَتْرُكْ بُنَيَّاتُ الطريقِ سِوى رَسْمَهُ، ومَحَجَّةٌ سفَتْ عليها السوافِي فَطَمَسَتْ رُسُومَهَا وغَارَتْ عليها الأَعَادِي فَغَوَّرَتْ مَنَاهِلَهَا وعُيونَها.
فسالِكُهَا غَرِيْبٌ بَينَ العِبَادِ فَرِيدٌ بَينَ كُلِّ حي وناد. بعيد على قرب المكان وحيد على كثرة الجيران.
مستوحش مما به يستأنسون، مستأنس مما به يستوحِشُوْن مقيم إذا ظعنوا، ظاعن إذا قطنوا، منفرد في طريق طلبه لا يقر قراره، حتى يظفر بإربه. فهو الكائن معهم بجسده البائن منهم بمقصده، نامت في طلب الهدى أعينهم، وما ليل مطيته بنائم، وقعدوا عن الهجرة النبوية، وهو في طلبها مشمر قائم.
يعيبونه بمخالفة أرائهم ويزرون عليه إزارءً على جهالاتهم واهوائهم، قد رجموا فيه الظنون وأحدقوا فيه العيون، وتربصوا به ريب المنون ﴿فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ ﴿قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾
وقال ﵀ الطلبُ لِقاحُ الإِيمان، فإذا اجتمعَ الإِيمانُ والطلبُ أَثْمَرَ العملَ الصالحَ.
وحسنُ الظنّ بالله لِقاحُ الافتقار والاضطرارِ إليهِ فإذا اجتمعا أَثمَرا إِجابةَ الدُعَاءِ.
والخشيةُ لقاحُ المحبةِ فإذا اجتمعا أَثْمَرا امتثالَ الأَوامِرِ، واجتنابَ النواهِي.
والصبرُ لِقاحُ اليقين، فإذا اجتمعا أَوْرَثَا الإِمامةَ في الدِيْنَ قال تعالى
стр. 1832
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾
وصحةُ الاقتداء بالرسول لِقاحُ الإِخلاصِ فإذا اجتمعا أَثمرَا قبولَ العملِ والاعتدادَ بِهِ.
والعملُ لِقَاحُ العِلَم فإذا اجتمعا كان الفلاحُ والسعادةُ، وإن انفردَ أَحَدَهُمَا عن الآخرِ لم يُفِد شيئاً.
والحلمُ لِقاحُ العِلم، وإنْ انفردَ أَحَدُهُمَا عن صاحبِهِ فِاتَ النفعُ والانتفاعُ.
والعزيمةُ لِقاحُ البصِيرةِ، فإذا اجتمعا نَالَ صَاحِبُهُمَا خَيْرَ الدنيا والآخِرة، وحصَل الانتفاعُ بِعلم العَالِمِ، وبَلَغَتْ بِهِ هِمتهُ مِن العلياء كُلَّ مكان وإِنْ انفردَ أَحَدُهُمَا عن صاحبِهِ فِات النفعُ والانتفاعُ.
فَتَخَلُّفُ الكَمَالاتِ إِمَّا مِن عَدَمِ البَصِيرةِ، وإِمَّا مِن عَدَمِ العَزِيمةِ، وحُسْنُ القَصْدِ لِقَاحُ لِصِحَّةِ الذُهْنِ، فإذا فُقِدَا فُقِدَا الخيرُ كَلُه، وإذا اجْتَمَعَا أثمرَا أنواعَ الخيرات.
وصِحةُ الرَّأْي لِقَاحُ الشجاعَةِ، فإِذا اجْتَمَعَا، كان النَّصْرُ والظَّفَرُ، وإِنْ فُقدَا فالخُذْلانُ والخيبة. وإن وُجدَ الرأيُ بلا شَجَاعَةٍ فالجُبنُ والعَجْزُ، وإن حَصَلتْ الشجاعةُ بلا رَأيٍ، فالتَّهَوُرُ والعَطَبُ.
والصَّبْرُ لِقَاحُ البصيرةِ، فإذا اجتمعا فالخَيرُ في اجْتِمَاعِهِمَا. قال الحسنُ: إذا شئتَ أَنْ تَرى بَصْيراً لَهُ رَأَيتَه، وإذا شئتَ أن ترى صَابراً لا بَصْيرَةَ لَه رَأَيتَه، فإذا رأَيتَ صابِراً بَصِيْراً فذاكَ.
والنصيحةُ لِقَاحُ العَقْل، فكُلما قَوِيَتِ النصيحةُ قَويَ العَقلُ واستنَارَ.
والتذكُرُ والتفكرُ كُلٌ منهما لِقَاحُ الآخَرَ، إذا اجتمعا أَنتجا الزُهْدَ في الدنيا. والرغبةَ في الآخِرةِ.
والتقوى لِقَاحُ التوكلِ، فإذا اجتمعا اسْتَقَامَ القلبُ.
стр. 1833
ولِقَاحُ أَخْذِ أَهْبَةِ الاستعدادِ لِلِقّاءِ قِصَرُ الأَمِل، فإذا اجتمعا فالخير كله في اجتماعهما، والشر في فرقتهما.
ولِقَاحُ الهِمَّةِ العاليةِ، النيةُ الصحيحةُ فإذا اجتمعا بَلَغَ العبدُ غَايةَ المراد.
وقال لا يزال العبدُ مُنْقَطِعاً عن الله حتى تَتَّصِلَ إرَادَتُه ومحبتهُ بوجهه الأَعْلَى، والمرادُ بهذا الاتصالِ، أَن تُفْضِي المحبةُ إِليهِ، وتَتَعَّلقُ بِهِ وَحْدَهُ، فَلا يَحْجُبَها شَئٌ دُونَهُ.
وأَنَّ تَتَّصِلَ المعرفةُ بأسمائِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ، فلا يَطْمِسْ نُورَها ظلمةُ التعطيل، كما لا يَطْمِسُ نُورَ المحبةِ ظُلْمَةُ الشركِ.
وأَنَّ يَتَصِل ذِكْرُهُ بِهِ سُبْحَانَهُ فَيَزُولُ بينَ الذاكر والمذكور حجَاب الغَفْلَة والتفاتُهَ في حَال الذِكْرِ إلى غيرِ مَذكُوره.
فحَيْنَئِذٍ يَتَّصِلُ الذكرُ بِهِ، ويَتصلَّ العَملُ بِأوامِرِهِ ونواهِيهِ، فيفعلُ الطاعةَ لأنه أَمَرَ بِها وأَحَبَّهَا، ويَتْركُ المَنَاهِيَ لِكَونِهِ نَهى عَنها، وأبْغَضَها.
فهذا مَعنى اتَّصالِ العملِ بأمره ونَهْيِهِ. وحَقِيْقَةُ زَوَالِ العِلَلِ البَاعِثَةِ على الفِعْل والتركِ مِن الأَعْراضِ والحُظُوظِ العاجِلةِ.
ويَتَّصِلُ التوكلُ والحبُ بِهِ بِحيْثُ يَصيْرُ وَاثِقاً بِه سُبْحَانَهُ، مُطْمَئِناً إليهِ، رَاضِياً بِحُسْن تَدْبيرِه لَه غَيْرَ مُتَّهِمٍ لَهُ في حالٍ مِن الأَحوالِ.
ويتصلُ فَقرُهُ وفاقَتُه به سُبْحَانَه دُونَ مَن سِواهُ.
ويتصلُ خَوفُه ورَجَاؤُهُ، وفَرحُه وسرُورُهُ، وابتهاجُه بِهِ وَحْدَهُ، فلا يخافُ غَيْرَهُ، ولا يَرجُوْهُ، ولا يَفْرَحُ بِهِ كلَّ الفَرَحِ ولا يُسَرُ بِهِ غايةَ السُرُوْرِ.
وإِنْ نَالَهُ بالمخلوق بعضُ الفَرَح والسُرَورِ، فَليسَ الفرحُ التامُ والسرورُ الكاملُ، والابتهاجُ والنعيمُ وقُرُةُ العين، وسُكونُ القلب إِلا بِهِ سُبْحَانَه. قَال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ . الآيه
стр. 1834
وما سِواهُ إِنْ أَعَانَ عَلَى هَذا المطلوبِ فَرح بِهِ وسُرَّ بِهِ. وإِنْ حُجبَ عنه فَهُو بالحُزْنِ بِهِ والوَحْشَةِ مِنهُ واضْطِرابِ القلَبِ بحُصُولِهِ لَهُ أَحقُ مِنه بأَنْ يَفْرَحَ بِهِ، فلا فَرْحَةَ ولا سُرُوْرَ إِلا بِهِ، أو بما أَوْصَلَ إِليهِ وأعانَ على مَرْضَاتِهِ. وقد أخبر سُبْحَانَه أنه لا يُحبُ الفَرِحِين بالدنيا وزِينَتها.
شِعْراً: ... كَفِلْتُ لِطَالِبِ الدنيا بِهَمَّ ... طَوْيلٍ لا يَؤُولُ إلى انْقِطَاعِ
وذُلٍّ في الحَياةِ بِغَيرِ عِزٍّ ... وَفَقْرٍ لا يَدُلُّ عَلَى اتَّسِاعِ
وشُغْلٍ لَيْسَ يَعْقُبُهُ فَراغٌ ... وسَعْي دَائمٍ مَعَ كُلِ سَاعِى
وحِرْصٍ لا يَزَالُ عَلَيهِ عَبْداً ... وعَبْدُ الحِرْصِ لَيْسَ بِذِى ارْتِفَاعِ
٢
وأما الفرحُ بِفَضْلِهِ ورَحَمتِهِ، وهُو الإِسلامُ والإِيمانُ والقرآنُ كما فَسَّرَهُ الصحابةُ والتابعونَ. والمقصودُ أَنَّ مَن اتَّصَلَتْ لَه هذِهِ الأمورُ باللهِ سبحانه فقد وَصَل، وإِلاَّ فَهُو مَقْطُوعٌ عَنْ رَبِّه مُتَّصَلٌ بحَظِهِ وَنفْسِهِ، فَلُبِّسَ عليه مَعْرفَتِهِ وإرَادَته وسُلُوْكِهِ.
(مَوْعِظَةٌ)
الإِخلاصُ مِسْكٌ مَصُونُ في القلبِ يُنِبّه رِيْحُهُ عَلى حَامِله، العَمَلُ صُوْرَةٌ والإِخلاصُ رُوح، إذا لم تُخْلِصْ العَملَ للهِ وحْدَهُ فلا تَتْعَب، لو قَطَعْتَ المنازِلَ لم تكن حَاجاً إلا بشُهُود الوقُوف بالموقف، ولا تَغْتَرَّ بِصُورة الطاعات.
كان أيوبُ السِختياني إذا تَحَدَّثَ فَرَقَّ قلبهُ وجَاءَ الدَّمْعُ قال ما أَشَدَّ الزُكام.
وكان إبْراهِيمُ بْنُ أدهم إذا مَرِضَ يَجْعَلُ عند رَأسِهِ ما يأكل الأَصِحَاء كَيْلاَ يَتَشَّبهُ بالشاكِين.
وكان ابن أبي ليلي يصلي فإذا أحَسَّ بداخل نام على فراشه.
стр. 1835
وكان النخعي يَقْرَأَ في المُصْحَفِ فإذا دَخل عليه أحَدُ غطاه.
وكان الواحدُ من السلف تأتيهِ العَبْرةُ والخشوعُ فيقوم خشيةَ أنْ يُفْطَنَ له.
وكان بعضُهم يُصَليِ ويبكي وإذا جاءه زائر غسَّل وَجْهَهُ عن الدموع لئلا يتنبه له.
كل هذا من الإخلاص بَلِّغْ يا أَخِى مَعْشَرَ المُرَائِينَ الذين إذا سَاهَمُوا في مَشْرُوْعٍ دِيْني نشروا أسْمَاءَهُم في الجرائد والمجلات والاذاعات والذين يُعَدِّدُوْنَ كَمْ حَجُّوْا من سَنَة وهم ما سُئِلُوْا ويَقُولون نَحنُ نعتمر كل سنة وأهلنا وأولادنا ويَجْلِس بالحرم.
ويُهْمِل عَائِلَتهُ ولا يُحَافِظ عليهم ولا يدري أَيْنَ يَذْهَبُون في الليل والنهار ورُبَّمَا حَصَل له بسببهم إثمٌ عظيم لأَن سَيئَةَ الحرم عَظيمة لَيْسَتْ كَغَيرها.
وربما كان مع ذلك المأكل والملبس والمركب حرام نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
وهذه المسائل قَلَّ مَن يَنَتَّبهُ لها مِن طلبة العلم فَضْلاً عن غيرهم.
فالرياءُ مِن أصْعَبِ الأَشياءِ وأخْفَاهَا وضرَرُهُ عَظِيم وقد يُحْبِطَ الأعمال.
فَيَنْبَغِي للإنسان أن يَجْعَلَهُ دَائماً نَصْبَ عَيْنَيْهِ في الصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الأعمال.
اللَّهُمَّ قَوِّنَا بالْيَقِينِ وَامْنَحْنَا التَّوْفِيْقَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِِدِيْنَا وَلجَمِيْعِ الْمُسْلِميْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمْينَ وَصَلَى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
شِعْراً: ... تَبَارَكَ مَنْ شُكْرُ الوَرَى عَنْهُ يَقْصُرُ ... لِكَوْنِ أَيَادِيْ جُوْدِهِ لَيْسَ تُحْصَرُ
وَشَاكِرُهَا يَحْتَاجُ شُكْرَاً لِشُكْرِهَا ... كَذَلِكَ شُكْرُ الشُّكْرِ يَحْتَاجُ يُشْكَرُ
فَفِيْ كُلِّ شُكْرِ نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ ... بغَيْر تَنَاءٍ دُوْنَهَا الشُّكْرُ يَصْغُرُ
стр. 1836
فَمَنْ رَامَ يَقْضِيَ حَقَّ وَاجِبِ شُكْرهَا ... تَحَمَّلَ ضِمْنَ الشُّكْرِ مَا هُو أَكْبَرُ
تُسَبِّحُهُ الحِيْتَانُ في الْمَا وفي الْفلاَ ... وُحُوْشٌ وَطَيْرٌ في الهَوَاىِ مُسَخَّرُ
وَفي الفُلْكِ وَالأَمْلَاكِ كُلٌ مُسَبَّحٌ ... نَهَارَاً وَلَيْلاً دَائِمَاً لَيْسَ يَفْتُرُ
تُسَبَّحُ كُلُّ الكَائِنَاتِ بِحَمْدِهِ ... سَمَاءٌ وَأَرْضٌ وَالجِبَالُ وَأَبْحُرُ
جَمْيعَاً وَمَنْ فِيْهنَّ وَالكُلُّ خَاشِعٌ ... لِهَيْبَتِهِ العُظْمَى وَلاَ يَتَكَبَّرُ
لَهُ كُلُّ ذرَّاتِ الوُجُوْدِ شَوَاهِدٌ ... عَلَي أنهُ البَارِيْ الإِلَهُ المُصَوِّرُ
دَحَا الأَرْضَ وَالسَّبْعَ السَّمَاوَاتِ شَادَهَا ... وَأَتْقَنَهَا لِلْعالمِيْنَ لِيَنْظُرُوا
وَأَبْدَعَ حُسْنَ الصُّنْعِ في مَلَكُوْتِهَا ... وَفي مَلَكُوْتِ الأَرْضِ كَيْ يَتَفَكَّرُوا
وَأَوْتَدَهَا بِالرَّاسِيَاتِ فَلَمْ تَمِدْ ... وَشقَّقَ أَنْهَارَاً بِهَا تَتَفَجَّرُ
وَأَخْرَجْ مَرْعَاهَا وَبَثَّ دَوَابَهَا ... وَلِلْكُلَّ يَأَتِي مِنْهُ رِزْقٌ مُقَدَّرُ
مِنْ الحَبِّ ثُمَّ الأَبّ والقَضْبِ وَالكَلاَ ... وَنَخْلٍ وَأَعْنَابٍ فَوَاكِهُ تُثْمِرُ
فَأَضْحَتْ بِحُسْنِ الزَّهْرِ تَزْهُوْ رِيَاضُهَا ... وَفِي حُلَلٍ نسْجُ الرَّبِيْع تَبَختَرُ
وَزَانَ سَمَاءً بِالمَصَابِيْحِ أَصْبَحَتْ ... وأَمْسَتْ بِبَاهِيْ الحُسْن تَزْهُوْ وَتَزْهَرُ
تَرَاهَا إِذَا جَنَّ الدُّجَى قَدْ تَقَلَّدَتْ ... قَلَائِدَ دُرِّيٍّ لِدُرٍّ تُحَقِّرُ
فَيَا نَاظِراً زَهْرَ البَسَاتِيْنَ دُوْنَهَا ... أَظُنُّكَ أَعْمَى لَيْسَ لِلْحُسْنِ تُبْصِرُ
وَيَا مَنْ لَهَا إِنَّ المَحَاسِنَ كلَّهَا ... بدَارٍ بِهَا ما لا عَلَى القَلْبِ يَخْطُرُ
وَلاَ سمِعَتْ أُذْنٌ وَلَا الْعَيْنُ أَبْصَرَتْ ... وَمَا تشْتَهِيْهِ النَّفْسُ في الحَالِ يَحْضُرُ
تَزيْدُ بَهَاءً كُلَّ حِيْنٍ وَعَيْشُهَا ... يَزيْدُ صَفَاءً قطُّ لاَ يَتَكَدَّرُ
مِنْ الدُّرَّ وَاليَاقُوْتِ تُبْنَى قُصُوْرُهَا ... وَمِنْ ذَهَبٍ مَعْ فِضَّةٍ لاَ تَغَيَّرُ
وَمَا يُشْتَهَى مِنْ لَحْمِ طَيْرٍ طَعَامُهَا ... وَفَاكِهةٍ مِمَّا لَهُ يُتَخَيَّرُ
وَمَشْرُوْبُهَا كَافُوْرُهَا وَرَحِيْقُهَا ... وَتَسْنِيْمُهَا والسَّلْسَبِيْلُ وَكَوْثَرُ
стр. 1837
.. وَمِنْ عَسَلٍ وَالخَمْر نَهْرَانِ جَوْفُهَا ... وَنَهْرَانِ أَلبَانٌ وَمَاءٌ يُفَجَّرُ
وَغَاليْ حَرِيْرٍ فُرْشُهَا وَلِبَاسُهَا ... وَحَصْبَاؤُهَا والتُّرْبُ مِسْكٌ وَجَوْهَرُ
وَمِنْ زَعْفَرَانٍ نَبْتُهَا وَحَشِيْشُهَا ... وَمِنْ جَوْهَرٍ أَشْجَارُهَا تِلْكَ تُثْمِرُ
فَوَاكِهُ تَكْفِيْ حَبَّةٌ لِقَبِيْلَةٍ ... أُدِيْمَتْ أُبِيْحَتْ لا تُبَاعُ وَتُحْجَرُ
وَأَكْوَابُهَا مَنُ فِضَّةٍ لاَ كَبِيْرَةٍ ... عَلى شَارِبٍ مِنْهَا وَلا هِيَ تَصْغُرُ
وَمِنْ ذَهَبٍِ زَاهِيْ الجَمَالِ صِحَافُهَا ... يَلِذُّ بِهَا عَيْشٌ بِهِ العَيْنُ تَقْرُرُ
وَأَزْوَاجُهُا حُوْرٌ حِسَانٌ كَوَاعِبٌ ... رَعَابِيْبُ أَبْكَارٌ بِهَا النُّوْرُ يَزْهُرُ
هَرَاكِيْلُ خُوْدَاتٌ وَغِيْدٌ وخُرَّدٌ ... مَدَى الدَّهْرِ لاَ تَبْلَىَ وَلا تَتَغَيَّرُ
نَشَتْ عُرُباً أَتْرَاب سِنّ قََوَاصِرٍ ... لِطَرْفٍ كَحِيْلٍ لِلْمَلاحَةِ يَفْتُرُ
عَوَالي الحُلَى وَالحَلْيُ عَيْنٌ فَوَاخِرٌ ... زَكَتْ طَهُرَتْ مِنْ كُلِّ مَا يُتَقَذَّرُ
ثَوَتْ في خِيَامِ الدُّرِّ في رَوْضَةِ البَهَا ... عَلى سُرُرِ اليَاقُوْتِ تَغْدُر وَتَحْضُرُ
مِلاحٌ زَهَتْ في رَوْنَق الحُسْن وَالبَهَا ... وَكُلُّ جَمَالٍ دُوْنَهُ المَدْحُ يَقْصُرُ
وَمَا الْمَدَحُ فِيْمَنْ نَشَرُهَا وَابْتِسَامُهَا ... يُضِيءُ الدَّيَاجِيْ وَالوُجُوْدَ يُعَطِرُ
وَمَنْ يَعْذُبُ البَحْرُ الأُجاجُ برْيقِهَا ... وَمَنْ حُسْنَها لِلْعَالْمِينَ يُحَيَّرُ
وَمَنْ لَوْ بَدَتْ مِنْ مَشْرقٍ ضَاءَ مَغْرِبٌ ... وَحَارَ الوَرى مِنْ حُسْنِهَا حِيْنَ تَظْهَرُ
وَمَنْ مُخُّهَا مِنْ تَحْتِ سَبْعِينَ حُلَّةً ... يُرَى كَيْفَ مُوْفي المَدْحِ عَنْهَا يُعَبِّرُ
فَخَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا جَميعاً خِمَارُهَا ... فأَحْسِنْ بِمَنْ تَحْتَ الخِمَارِ مُخَمَّرُ
وَأَحْقِرْ بِرَبَّاتِ المحَاسِن وَالتَّىِ ... بِتَشْبِيْهِ أَوْصَافِ الجِنَانِ تُصَدَّرُ
فَمَا الفِضَّةُ البَيْضَاءُ شِيْبَتْ بِعَسْجِدٍ ... وَمَا البَيْضُ مَكْنُونُ النَّعَامِ المُسَتَّرُ
بَهَاءً وَحُسْناً مَا الْيَوَاقِيْتُ في الصَّفَا ... وفي رَوْنَقٍ مَا اللُّؤْلُؤ الرَّطْبُ يُنْثَرُ
وَمَا شَبَّهَ الرَّحْمَنُ مِنْ بَعْضِ وَصْفِها ... بِبَيْضٍ وَيَاقُوتٍ فَذَلِكَ يُذْكَرُ
стр. 1838
.. عَلى جِهَةِ التَّقْريْبِ لِلذُهْنِ إِذْ لَنَا ... عُقُوْلٌ عَلَيْهَا فَهْمُ مَا يَتَعَسَّرُ
تَبَارَكَ مُنْشِيْ الخَلْقِ عَنْ سِرِّ حِكْمَةٍ ... هُوَ اللهُ مَوْلانَا الحَكَيْمُ المُدَبّرُ
إِذَا مَا تَجَلَّى اللهُ لِلْخَلْقِ جَهْرَةً ... تَعَالَى لِكلِّ المُؤْمِنِينَ لِيَنْظُرُوا
وَقَدْ زُيِّنَتْ جَنَّاتُ عَدْنٍ وَزُخْرِفَتْ ... نَسُوا كلَّ مَا فِيْهَا لِمَا مِنْهُ أَبْصَرُوا
جَمَالاً وَوَصْفاً جَلَّ لَيْسَ كَمِثْلِهِ ... وَفَضْلاً وَإِنْعَامَاً يَجِلُّ وَيكْبُرُ
نَعِيْمٌ وَلَذَّاتٌ وَعِزٌّ وَرِفْعَةٌ ... وَقُرْبٌ وَرِضْوَانٌ وَمُلْكٌ وَمَتْجَرُ
بِمَقْعَدِ صِدْقٍ فِي جِوَارِ مَلِيْكِهِمْ ... هَنْيئاً لِمَسْعُوْدٍ بِذَلِكَ يَظْفُر
أَيَا سَاعَةً فِيهَا السَّعَادَاتُ يُجْتَلَى ... عَلى وَجْهِهَا دُرُّ العِنَايَاتِ يُنْثَرُ
وَيَا سَاعةً فِيْهَا المفَاخِرُ تُرْتَقَى ... عُلاهَا وَخَلْعَاتُ الكِرَامِ تُنَشَّرُ
أَلاَ بَائِعُ الفَانِيْ الحَقِيْر بِبَاقي ... خَطيْرٍ وَمُلكٍِ لَيْسَ يَبْلَي وَيَدمُرُ
أَلاَ مُفْتَدٍ مِنْ نَارَ حَرٍّ عَظِيْمَةٍ ... أُلوْفُ سِنْين تِلْكَ تُحْمَى وَتُسْعَرُ
لهَا شَرَرٌ كَالقَصْر فِيْهَا سَلاسِلٌ ... عِظامٌ وَأَغلالٌ فَغُلُّوْا وَجُرْجِرُوا
عُصَاةٌ وَفُجَّارٌ وَسَبْعٌ طِبَاقُهَا ... وَسَبْعِينَ عَاماً عُمْقُهَا قَدْ تَهَوَّرُوا
وَحَيَّاتُها كَالبُخْتِ فِيْهَا عَقَارِبٌ ... بِغَالٌ وضَرْبٌ وَالزَّبَانِيُ يَنْهَرُ
غَلِيْظٌ شَدِيْدٌ في يَدَيْهِ مَقَامِعٌ ... إِذَا ضَرَب الصُّمَّ الجِبَالَ تَكَسَّرُ
وَمَطْعُومُهُمْ زَقُّوْمُهَا وَشَرَابُهُمْ ... حَمِيْمٌ بِهَا أَمْعَاؤُهُمْ مِنْهُ تَنْدُرُ
وَيُسْقَونَ أَيضاً مِنْ صَدِيْدٍ وَجِيْفَة ... تَفَجَّرُ مِنْ فَرْجِ الذِيْ كَانَ يَفْجُرُ
وَقَدْ شَابَ مِنْ يَوْمٍ عَبُوسٍ شَبَابُهُم ... لِهَوْلٍ عَظِيْم لِلْخَلائِقِ يُسْكِرُ
فَيَا عَجَباً نَدْرِيْ بِنَارٍ وَجَنَّةٍ ... وَلَيْسَ لِذَيْ نَشْتَاقُ أَوْ تِلْكَ نَحْذَرُ
إِذَا لَمْ يَكُنْ خَوْفٌ وشَوْقٌ وَلا حَيَا ... فَمَاذَا بَقِيْ فِيْنَا مِنَ الخَيْر ُيذْكَرُ
وَلَيْسَ لِحرَّ صَابِرْينَ وَلا بَلاَ ... فَكَيْفَ عَلى النِّيْرَانِ يَا قَوْمُ نَصُبِرُ
стр. 1839
.. وَفَوْتُ جِنَانِ الخُلْدِ أَعْظَمُ حَسْرَةً ... عَلى تِلْكَ فَلْيَسَتَحْسِرِ المُتَحَسِّرُ
فَأُفًّ لَنَا أُفٍّ كِلابُ مَزَابِلٍ ... إلى نَتْنِهَا نَغْدَوْا وَلا نَتَدَبَّرُ
نَبِيْعُ خَطيراً بالحقيرِ عِمَايَة ... وَلَيْسَ لَنَا عَقْلٌ وَلُبٌّ مُنَوَّرُ
فَطُوْبَي لِمنْ يُؤْتَى القَنَاعَةَ وَالتُّقَى ... وَأَوْقَاتُهُ في طَاعةِ اللهِ يَعْمُرُ
فَيَا أَيُّهَا الأَخْوَانُ مِنْ كُلِّ سَامعٍ ... لَهُ فَهْمُ قَلبٍ حَاضرٍ يَتَذَكَّرُ
أَلاَ إنَّ تَقْوَى اللهِ خَيْرُ بِضَاعَةٍ ... لِصَاحِبها رِبْحٌ بِهَا لَيْسَ يَخْسَرُ
وَطَاعَتُهُ لِلْمُتَّقِى خَيْرُ حِرْفَةٍ ... بِهَا يَكْسِبُ الخَيْرَاتِ وَالسَّعْيُ يُشْكَرُ
إِذَا أَصْبح البَطَّالُ في الحَشْرِ نَادِماً ... يَعُضُّ عَلى كَفٍّ أَسىً يَتَحسَّرُ
فَطُوْبَى لِمَنْ يُمْسِيْ وَيُصْبحُ عَامِلاً ... عَلى كُلُّ شَئٍ طَاعَة اللهِ يُؤْثِرُ
بِهَا يَعْمُرُ الأَوْقَاتَ أَيَّامَ عُمْرِهِ ... يُصَلّيْ وَيَتْلُو لِلكِتَابِ وَيَذْكُرُ
وَيَأْنَسُ بِالمَوْلَى وَيَسْتَوْحِشُ الوَرَى ... وَيَشْكُرُ في السَّرَّا وَفي الضَّرَّا يَصْبِرُ
وَيَسْلُوْ عَنَّ اللَّذَّاتٍ بِالدُّوْنِ قَانِعُ ... عَفِيْفٌ لَهُ قَلبٌ نَقِيُّ مُنَوَّرُ
حَزِيْنٌ نَحِيْلٌ جِسْمُهُ ضَامِرُ الحَشَا ... يَصُوْمُ عَنَّ الدُّنْيَا عَلى المَوْتِ يُفْطِرُ
إِذَا ذُكِرَتْ جَنَّاتُ عَدْنٍ وَأَهْلُهَا ... يَذُوْبُ اشْتِيَاقاً نَحْوَاهَا وَيُشَمِّرُ
وَيَعْلُو جَوَادَ العَزْمِ أَدْهَمَ سَابِقاً ... وَأَبْيَضَ مَجْنُوباً عَن النُّوْرِ يُسْفِرُ
فَأَدْهَمُ يَسْقِيْ مَاءَ عَيْنٍ وَأَبْيَضٌ ... لِصَبْرٍ عَلى صَوْمِ الهَجِيْرِ يُضَمَّرُ
وَيَرْكُضُ في مَيْدَانِ سَبْقٍ إلى العُلا ... وَيَسْرِىْ إلى نَيْلِ المَعَاليْ وَيَسْهَرُ
فَمَجْدُ العُلاَ مَا نَالهُ غَيْرُ مَاجِدٍ ... يُخَاطِرُ بِالرُّوْحِ الخَطِيْرِ فَيَظْفُرُ
سَأَلْتُ الذِيْ عَمَّ الوُجُوْدَ بِجُوْدِهِ ... وَمَنْ مِنْهُ فَيْضُ الفَضْل لِلْخَلْقِ يَغْمُرُ
يَمُنُّ عَلَيْنَا فِي قَبُولِ دُعَائِنَا ... وَيُلْحِقُنَا بِالصَّالِحِيْنَ وَيَغْفِرُ
وَأَزَكْى صَلاةِ اللهِ ثُمَّ سَلامِهِ ... عَلى المُصْطَفَى مَا لاَحَ فِيْ الأُفْقِ نَيِّرُ
стр. 1840
(فَصْلٌ)
في ذِكْرِ بَعْضِ سِيْرَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيْزِ
وَزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ وَعَدْلِهِ
انْصَافُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَأَقَارِبِه رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى فَعِنْدَمَا تَوَلَّى أَخَذَ جَوْاهَرَ زَوْجَتِهِ وَحُلِيّهَا فِيْمَا أَخَذَ فَأَوْدَعَهُ بَيْتَ المَالِ حَتَّى إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ المُسْلِمُونَ أَنْفَقَهُ عَلَيْهِمْ.
وَعِنْدَمَا أَحَسَّ أَنَهَا لَمْ ترض أَوَّلَ الأَمْرِ كُلَّ الرِّضَا بِمَا فَعَلَ خَيَّرَهَا بَيْنَ أَنْ تُقِيْمَ عِنْدَهُ وَبَيْنَ أَنْ تَلْحَقَ بِأَهْلِهَا فَرضِيَتْ أَنْ تُقِيْمُ عِنْدَهُ وَأنْ تَدْفَعَ بِحُلِيَّهَا وَجَوَاهِرِهَا إلى بَيْتِ المَالِ ثُمَّ لا تَرُدُّهُ إِلَيْهَا أبَداً. وَمَا زَالَ عُمَرُ في زَوْجَتِهِ حَتَّى أَثَّرَ عَلَيْهَا وَاقْتَدَتْ بِهِ في الوَرَعِ وَالزُّهْدِ ﵄. وَكَمَا فَعَل عُمَرُ مَعَ زَوْجَتِهِ فَاطِمَةَ فَعَلَ بِأَوْلاَدِهِ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ.
أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ ابْنَتُهُ بلؤلوةٍ وَقَالَتْ لَهُ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْْ تَبْعَثَ لِيْ بأخْتِهَا حَتْى أَجْعَلَها في أُذِنَيَّ فأرَسْلَ لَهَا بِجَمْرَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَها إن اسْتَطعْتِ أنْ تَجْعَلِي هَاتَينِ الجَمْرَتَيْنِ في أذُنَيكِ بَعثتُ إلَيْكِ بِأخْتِهَا.
وَبَلَغَ عُمَرَ أَنَّ ابْنَهُ اشْتَرَى فَصَّ خَاتَمٍ بِأَلْفِ درْهَمٍ فَكَتَبَ عَزِيْمَةٌ مِنِّيْ عَليْكَ إلا بِعْتَ هَذا الخَاتَمَ الذِي اشْتَرَيْتَهُ بِألْفِ درْهَمٍ وَتَصَدَّقْتَ بثَمَنِهِ اشْتَرَيْتَ آخَرَ بِدْرَهمٍ نَقَشَتْ عَلَيْهِ: رَحِمَ اللهُ امْرَأً عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ. وَالسَّلامُ.
وَجَمَعَ يَوْماً رُؤَسَاءِ النَّاسِ فَخَطَبَهُم فَقَالَ: إِنَّ فَدَكَ كَانَتْ بيَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَضَعُهَا حَيْثُ أَرَاهُ اللهُ ثُمَّ وَليهَا أبو بَكرٍ وَعُمَرُ كَذلِكَ قالَ الأَصْمَعِيُّ وَمَا أدْرَي مَا قَال في عُثْمَانَ ثمْ قَال أَنَّ مَرْوَانَ أقْطَعَهَا فَحَصَل لِيْ مِنْهَا نَصِيْبٌ وَوَهَبَنِيْ الوَلِيْدِ وَسُلْيمَانُ نَصِيْبَهُما وَلمْ يَكُنْ من مالي شىء أرده أغلى منها وقد رددتها فى بيت المال على ما كانت عليه فى زَمانِ رَسُولِ الله ﷺ .
قال فَيئِسَ النَّاسُ عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ المَظَالِمَ ثُمَّ أَمَرَ بأمْوَالِ جَمَاعَةً مِنْ بَنِيْ أُمَيَّة فَرَدُّوْهَا إلى بَيْتِ المالِ وَسَمَّاهَا أمْوَالُ المظالِم فاسْتَشَْفعَ إِلْيهِ النَّاسُ وتَوَسَّلُوا إِلَيْهِ بعَمتِهِ فَاطِمَةِ بِنْتِ مَرْوانَ فَلمْ يَنْجَعْ فِيْهِ شَئٌ.
стр. 1841
وَقَالَ لَهُم لَتَدَعُني وَإِلاَّ ذَهَبْتُ إلى مَكَّةَ فَنَزَلْتُ عَنْ هَذَا الأَمْرِ لِأَحَقِّ النَّاسِ بِهِ.
وَقَدْ اَجْتَهَدَ ﵀ في مُدَّةِ وِلايَتِهِ مَعَ قِصَرِهَا حَتَّى رَدَّ المظَالِمَ وَصَرَفَ إلى كُلِّ ذِيْ حَقًّ حَقّهُ.
وَكَانَ مُنَادِيْهِ في كُلِّ يَوْمٍ يُنَادِيْ أَيْنَ الغَارِمُوْنَ أَيْنَ النَّاكِحُوْنَ أَيْنَ المسَاكِيْنُ أَيْنَ اليَتَامَى حَتَّى أَغَني كلاًّ مِنْ هَؤُلاءِ فَرَحْمَةُ اللهِ عَلى تِلْكَ الرُّوْحِ المَطْبُوعِ عَلى العَدْل والصدق والوَرَعِ والزُّهْدِ.
وقَالَتْ زَوْجَتُهُ فَاطِمَةُ دَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْماً وَهُوَ جَالِسٌ في مُصَلاَّهُ وَاضِعاً خَدَّهُ على يَدِهِ وَدُمُوُعُه تَسِيْلُ على خَدَّيْهِ فقُلتُ مَالَكَ فَقَالَ وَيْحَكِ يَا فَاطِمَة قد وُلِّيْتُ مِنْ أَمْرِ هذِهِ الأُمَّةِ مَا وُلِّيْتُ فَتَفَكَّرْتُ في الفَقِيْرِ الجَائِعِ وَالمظْلُوْمِ المَقْهُوْرِ وَالغَرِيْبِ وَالأَسِيْرِ وَالشَّيْخِ الكَبِيْرِ وذِي العِيَالِ الكَثِيْرِ وَالمرَيْض الضَّائِع والعَارِيْ المَجْهُودِ واليَتِيْمِ المكْسُوْرِ وَالأَرْمَلةِ الوَحِيْدَةِ والْمَالُ قَليْلٌ وَأَشْبَاهُهُم في أقطارِ الأرْضِ وَأَطْرَافِ البِلاَدِ.
فعَلِمْتُ أَنَّ رَبَّيْ سَيَسْأَلُنِي عَنْهُم يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَنَّ خَصْمِيْ دُوْنَهُم محمد ﷺ فخَشِيْتُ أنْ لا يَثْبُتَ لِيْ حُجِّةٌ عِنْدَ خُصُوْمَتِهِ فَرَحِمْتُ نَفْسِيْ فَبكيْتُ، قَالُوا: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَكَانَ إِذا غَسَلُوهُ جَلَسَ فِي المَنْزِلِ حَتَّى يَيْبَسَ. قَالُوا: وَدَخَلَ مَرَّةً عَلَى امْرَأَتِهِ فسَألَها أَنْ تُقْرِضَهُ دِرْهَماً أو فُلُوساً يَشْتَرِيْ لهُ بِهَا عِنَباً فلَمْ يَجِدْ عِنْدَهَا شَيْئاً فَقَالَتْ لهُ أنتَ أمِيْرُ المؤمنينَ وَلَيْسَ في خِزَانَتِكَ ما تَشْتَرِيْ بِهِ عِنَباً.
فَقَالَ: هَذَا أَيسَرُ مِنْ مُعَالَجَةِ الأَغْلَالِ وَالانْكَالِ غَداً في جَهَّنَم. قَالَ وَكَانَ سِرَاجُه عَلى ثلاثِ قَصَبَاتٍ في رَأْسِهِنَّ طِينٌ وَبَعَثَ يَوْمَاً غُلامَهُ لِيشْوِيْ لهُ لَحْماً فَجَاءَ بِهَا سَرِيْعاً مَشْويَّةً فَقَالَ أَيْنَ شَوَيْتَهَا قَالَ في المَطْبخِ.
стр. 1842
فَقَالَ: في مَطْبَخِ المُسْلِمْينَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: كُلْهَا فَإنِّْي لَمْ أرْزَقْهَا هِيَ رِزْقُكَ وَسَخَّنُوا لهُ المَاءَ في المطْبَخِ العَامِّ فَرَدَّ بدَلَ ذلكَ بدِرْهَمٍ حَطَباً.
وَكَانَ لَهُ سِرَاجٌ يَكْتُبُ عَلَيْهِ حَوَائِجَهُ وَسِراجٌ لِبَيْتِ المَالِ يَكْتُبُ عَلَيْهِ مَصَالِحُ المُسْلِمِيْنَ لا يَكْتُبُ عَلى ضَوْئِهِ لِنَفْسِهِ حَرْفاً وَبَلَغَ عُمَرُ أنَّ رَجلاً مِنْ أَصْحَابِهِ تُوُفِّى فَجَاءَ إلَى أَهْلِهِ يُعَزِّيْهِمْ فَصَرَخُوا في وَجْهِهِ بِالبُكَاءِ عَلَيْهِ فَقَالَ مَهْ إنَّ صَاحِبَكُمْ لَمْ يَكُنْ يَرْزُقكُم إنَ الذِي يَرْزُقُكُمْ حَيٌّ لا يَمُوْتُ وَإنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا لَمْ يَسُدَّ شيئًا مِنْ حُفَرِكِمْ، وَإِنَّمَا سَدَّ حُفْرَةَ نَفْسِهِ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْكُم حُفْرَةً لا بُدَّ وَاللهِ أَنْ يَسُدَّهَا.
إِنَّ اللهَ لمَّا خَلَقَ الدُّنْيَا حَكَمَ عَلَيْهَا بِالخَرَابِ وَعَلى أَهْلِهَا بِالفَنَاءِ وَمَا امْتَلأَتْ دَارٌ حُبْرَةً إِلّا امْتَلأَتْ عِبْرَةً وَلاَ اْجَتَمُعوا إلا تَفَرّقُوا حَتَّى يَكُوْنَ اللهُ هُوَ الذِي يَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ بَاكِياً فَلْيَبْكِ عَلى نَفْسِهِ فإنَّ الذِي صَارَ إلَيْهِ صَاحِبُكُمْ كُلَّ النَّاسِ يَصِيْرُونَ إلَيْهِ غَداً.
شِعْراً: ... أَبْقَيْتَ مَالَكَ مِيْرَاثاً لِوَارِثِهِ
فَلَيْتَ شِعْرِيَ مَا أَبْقَى لَكَ المَالُ
القَوْمُ بَعْدَكَ في حَالٍ تَسُرُّهُمُ
فَكيْفَ بَعْدهُمُو صَارَتْ بِكَ الحَالُ
مَلُّوا البُكَاءَ فَمَا يَبْكِيْكَ مِنْ أَحَدٍ
وَاسْتَحْكَمَ القِيْلُ في المِيْرَاثِ وَالقَالُ
مَالَتْ بِهِمْ عَنْكَ دُنْيَا أَقْبَلَتْ لَهُمُوا
وَأدْبَرَتْ عَنْكَ وَالأَيَّامُ أَحوَالُ
وَكَان رَحِمَةُ اللهُ قَدْ رَزَقَهُ اللهُ العِلْمَ وَالحِكْمَةَ وَالأَدَبَ وَالعَدْلَ فَمَا
стр. 1843
تَزَحْزَحَ قَيْدَ شِبْرٍ عَن طَرِيْقةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ وَقَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا ذُكِرَ عَنْهُ أنّهُ شَيَّعَ جَنَازَةً فَلمَّا انْصَرَفَ النّاسُ تَأخّرَ عُمَرُ وَتَأَخَّرَ مَعَهُ أُنَاسٌ وَجَلَسُوا نَاحِيَةً.
فَقاَلَ لَهُ بَعْضُ أَصَحَابِهِ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِيْنَ لِمَ تَأَخَّرْتَ وَتَرَكت الجَنَازَةَ وَأَنْتَ وَلِيُّهَا فَقَالَ نَعَمْ نَادَانِيْ القَبْرُ مِنْ خَلْفِيْ يَا عُمَرَ بْنَ عبد العَزِيْزِ ألا تَسْأَلُنِيْ مَا صَنَعْتُ بالأحِبَّةِ قُلتُ بَلى. قَالَ أَحْرَقْتُ الأَكْفَانَ وَمَزَّقْتُ الأبْدَانَ وَمَصَصْتُ الدَّمَ وَأَكَلْتُ اللَّحْمَ قَالَ أَلَّا تَسْأَلُنِيْ مَا صَنَعْتُ بِالأَوْصَالِ قُلتُ بَلى قَالَ نَزَعْتُ الكَفَّينِ مِنْ الذِّرَاعَيْنِ وَالذّرَاعَيْنِ مِنَ العَضُدَيْنِ وَالوَرْكَيْنِ مِن الفَخِذَيْنِ وَالفَخِذَيْنِ مِن الرُّكْبتينِ والرُّكْبتينِ مِن السَّاقَينِ والسَّاقَينِ مِن القَدَمَيْنِ. ثُمَّ بَكَى عُمَرُ وَقَالَ أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا بَقَاؤُهَا قَلِيْلٌ وَعَزِيْزُهَا ذَلِيْلٌ وَغَنِيُّهَا فَقِيرٌ وَشَابُّها يَهْرَمُ وَحيُّهَا يَمُوتُ فَلا يَغُرَّنكُم إقبَالُهَا مَعَ سُرْعَةِ ادْبَارِهَا فَالمغْرُورُ مَنْ اغْتَرَّ بِمَا لا يَدُومُ والمفْتُونُ مَنْ أجْهَدَ نَفْسَهُ في طَلَبِ مَا لَيْسَ بِمَقْسُوْمٍ.
ثُمَّ قَالَ أَيْنَ سُكّانُهَا الذِيْنَ تَبَوَّؤُا مَدَائِنَها وَشَقُّوا أَنْهَارَهَا وَغَرَسُوا أَشْجَارَهَا لَقَدْ أَقَامُوا أَيّاماً يَسِيْرَةً فَتَنَتْهُم العَافِيَةُ وَغَرَّهُم النَّشَاطُ وَأَلْهَتْهُم الزَّخَارِفُ فرَكِبُوا المَعَاصِيْ حتَّى أنَاخَت بهِم مَطَايَاهَا عَلى حَافَاتِ الحُفَرِ.
وَالقَبْرُ إمَّا رَوْضَة مِنْ رِيَاضِ الجَنةِ أوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ
فَوَاخَيْبَةَ آمَالِهم ويَا حَسْرَةَ قلُوبِهِم لَقدْ كَانُوا مَغْبَوُطِيْنَ بِمَا صَنَعُوا
стр. 1844
ومَحْسُودِيْنَ عَلى مَا جَمَعُوا وَلَقَدْ عَلِمْتُم مَا صَنَعَ التُّرَابُ بأبْدَانِهِم وَالديْدَانُ بِلُحُوْمِهِمْ.
وَأَطَالَ الكَلامُ في هَذَا الموْضُوعِ وَهُوَ يَبْكِيْ إلى أَنْ قَالَ يَا ساكِنَ القَبْرِ بَعْدَ أَيامٍ قَلائِلَ مَا غرَّكَ من الدنيا هَلْ ظَنَنَتْ أنّكَ تَبْقَى لهَا أَمَا رَأيْتَ مِنْ آبَائِكَ مَنْ قَدْ نَزَلَ بِهِ الأمْرُ وَجَاءَ الأَجَلُ فأصْبَحَ لا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ مَا نَزَلَ بِهِ وَهُوَ يَرْشَحُ عَرَقَاً وَيَتَلظَّى عَطَشاً وَيَتَقَلَّب في غمَرَاتِ المَوْتِ وَسَكَرَاتِهِ.
ثُمَّ قَرَأَ ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَت الحُلْقُوْمُ وَأَنْتُمُ حِيْنَئِذٍ تَنْظُرُوْنَ وَنَحْنُ أقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُم وَلكِنْ لا تُبْصِرُوْنَ فَلَوْلا أنْ كُنْتُم غَيرَ مَدِينِينَ تَرْجعُونَها إنْ كُنْتُم صَادِقِينَ﴾ وَبَكَى طَويْلاً ثُمَّ قَالَ لَيْتَ شِعْرِيْ مَا الذِيْ يَلقَانِيْ بِهِ مَلَكُ الموْتِ عِنْدَ خُرُوْجِيْ مِن الدُّنْيَا وَما يَأَتِيْني بِهِ مِنْ رِسَالَةِ رَبِّيْ
رَثى بَعَضُهم عُمَرَ بن عَبد العزيز فقال:
كَمْ مِنْ شَريعَة حَقٍ قَدْ بَعَثْتَ لَهَا ... كَادَتْ تَموُتُ وَأخْرىَ منْكَ تُنْتَظُر
يا لَهْفَ نَفْسي ولَهْفْ الواجدِيْن مَعَي ... على الحَبيب الذى يُسْقَى بِهِ المَطَرُ
ثلاثة ما رَأتْ عَينى لهَا شَبَهاً ... تَظمُ أَعْظُمُهُمْ في المسجدِ الحُفَرُ
وَأنْتَ رَابعُهم إذ كُنْتَ مُجتِهداً ... لِلحق والأَمْرِ بالمَعْرُوفٍ تبْتَدِرُ
لو كُنْتَ أَمْلِكُ والأَقْدَارُ غَالبةُ ... تَأْتِي رَوَاحاً وتِبْيَاناً وَتبْتَكرُ
صَرَفْتُ عن عُمَر المَرضِي مَصْرَعَهُ ... بِدَير سِمْعَانِ لَكِنْ يَغْلِبُ القَدَرُ
وفي مُصَابِ رَسول الله تسْلِيَةَ ... فِيْمَنْ يمُوت وفي أنْبَائه عِبَرُ
هو الرسولُ الذِي مَنّ الإِلَهُ به ... على البريّةِ وازْدَادَتْ به السّيَرُ
وخير مَن وَلدَتْ عَدْنَانُ قاطِبةً ... وخَير مَن شَرُفَتْ مِن أجْلِهِ مُضرُ
صلى عليه إلهُ العَرش ما طَلَعَتْ ... شَمْسَ وما خَلَفَتْهَا الأنْجمُ الزّهرُ
اللهُمَّ انظِمْنَا في سِلْكِ أهِل السّعادَةْ، واجْعَلْنَا مِنْ عبادِك المُحْسنِينَ الذَينَ لهُم الحُسْنَى وزِيَادَةٌ، واغْفِر لنَا ولوالِديْنا ولجميع المُسْلِمينَ الأحياءِ مِنْهُم
стр. 1845
والميتينَ بِرَحْمَتِك يا أرْحَمَ الراحَمين، وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ المُرْوَزِيّ قَالَ أُخْبِرتُ أَنَّ عُمَرَ بنَ عبد العزيز ﵁ لما دُفِنَ سُليمانُ بن عبدِ الملك وَخَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ سُمِعَ للأَرْضِ هَدَّةٌ أو رَجَّةٌ فَقَالَ مَا هَذِهِ فَقِيْلَ هَذِهِ مَرَاكِبُ الخِلافَةِ قُرِّبتْ إِلَيْكَ لِتَرْكَبَهَا فَقَالَ: مَا لِيْ وَلَهَا أَبْعِدُوْهَا عَنِّيْ وَقَرِّبُوا لِيْ دَابَّتِيْ فَقُرِّبَتْ إِلَيْهِ فَرَكِبَهَا فجَاءَ صَاحِبُ الشُرْطَةِ يَسِيْرُ بَيْنَ يَدَيْهِ بالحَرْبةِ جَرْياً عَلى عَادَةِ الخُلَفَاءِ قَبْلَهُ.
فَقَالَ تَنَحَّ عَنِّيْ مَا لِيْ وَلَكَ إنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِن المُسلمينَ ثُم سَارَ مُخْتَلَطاً بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ وَصَعَدَ المِنْبَرَ وَاجْتَمَعَ النّاسُ إِلَيْهِ فَحَمِدَ اللهَ وَأثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ النَّبيَّ ﷺ ثمّ قالَ أيُّها النَّاسُ إِنَّمَا بُلِيْتُ بِهَذَا الأمْرِ مِنْ غَيْرِ رَأْىٍ مِنِّيْ وَلا طِلْبَةٍ وَلا مَشُوْرَةٍ وَإنِّيْ قَدْ خَلَعْتُ مَا فِي أَعْنَاقِكُمْ مِنْ بَيْعَةٍ فَاخْتَارُوا لِأنْفُسِكُمْ غَيْرِيْ فَصَاحَ المُسلِمُونَ صَيْحَةً وَاحِدَةً قَد اخْتَرْنَاكَ يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنينَ وَرَضَيْنَاكَ فَلِي أمْرَنَا بِاليُمْنِ وَالبَرَكَةِ.
فَلَمَّا سَكَتُوا حَمِدَ اللهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى على النَّبِيّ ? ثُمَّ قَالَ أُوْصِيْكُم بِتَقْوَى اللهِ فَإنّ تَقْوَى اللهِ خَلَفٌ مِنْ كُلِّ شىءٍ وليسَ من تقوى الله خلفٌ وَأَصْلِحُوا سَرَائِرَكُم يُصْلِح عَلانِيَتَكًُم وَأَكْثِرُوْا ذِكْرَ هَاذِمِ اللذّاتِ المَوْتَ وَأَحْسِنُوا لَهُ الاسْتِعْدَادَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ.
وَإنَّ مَنْ لا يَذْكُرُ منْ آبَائِهِ الذِيْنَ لَيْسَ بَيْنَهُم وبينَ آدَمَ أباً حَيًّا لمعُرقٌ في المَوْتِ وَإنّ هَذِه الأُمّةِ لمْ تَخْتَلِفْ في رَبِّهَا وَلاَ فِي نَبيِّهَا وَلا في كِتَابِهَا إِنَّمَا اخْتَلفُوا
стр. 1846
في الدِّيْنَارِ والدِّرهَمْ وإنِّيْ وَاللهِ لا أَعْطِيْ أحَداً بَاطِلاً وَلا أَمْنَعُ أَحَداً حَقًّا.
أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ أَطَاعَ اللهَ تَعَالَى وَجَبَتْ طَاعَتُه وَمَنْ عَصَى اللهَ فلا طَاعَة لَهُ أَطِيْعُونِيْ مَا أَطَعْتُ اللهَ فَإذَا عَصَيْتُه فَلا طَاعَةَ لِيْ عَلَيْكُم ثُمَّ نَزَلَ وَدَخَلَ دَارَ الخِلاَفَةِ وَأَمَرَ بِالسُّتُورِ فَهُتِكَتْ وبالبُسُطِ فَرُفِعتْ وَأَمَرَ بِبَيْعِ ذَلِكَ وَادْخَالِ أَثْمَانِهَا بَيْتَ مَالِ المُسْلِمِيْنَ.
ثُمَّ ذَهَبَ يَتَبَوَّءُ مَقِيْلاً فَأَتَاهُ ابْنُهُ عَبْد المَلِكَ فقَالَ مَا تُرِيْدُ أَنْ تَصنع يَا أَبَتيْ قاَلَ أَيْ بُنَيَّ أَقِيْلُ فَقَالَ تَقِيْلُ وَلا تَرُدُّ المظالِمَ فَقَالَ: أَيْ بُنَيّ قَدْ سَهِرْتُ البَارِحَةَ فِي أَمْرِ عَمِّكَ سُلَيْمَان فَإِذَا صَلَّيْتُ الظُّهْرَ رَدَدْتُ الْمَظَالِمَ. فقال: ياَ أمير المُؤمنينَ مِنْ أَيْنَ لَكَ أَنْ تَعِيْشَ إلى الظّهْر فقالَ: ادْنُ ِمنّيْ فدَنَا مِنْهُ فقَبّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ.
وَقَالَ: الحَمْدُ للهِ الذي أَخْرَجَ مِنْ ظَهْرِي مِنْ يُعِنْنُي عَلى دِيْنيْ فَخَرَجَ وَلَمْ يَقِلْ وَأَمرَ مُنَادياً يُنَادِي أَلا مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ فليرَفعْهَا إلَيَّ فَتَقَدّمَ إِلَيْه ذِمِّيّ مِنْ أهْل حِمْصَ فَقَالَ يَا أَمِيْرَ المُؤمِنينَ أَسْأَلُكَ كِتَابَ الله قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ إِنَّ العَبَّاسَ بْنَ الوَلِيْدِ اغْتَصَبَنيْ أَرْضِيْ وَالعَبَّاسُ حَاضِرٌ فَقَالَ عُمَرُ ﵁ مَا تَقُولُ يَا عَبَّاسُ قَالَ إِنَّ أَمِيْرَ المؤمِنينَ الوَلِيْدُ أَقْطَعَنِيْ إيَّاهَا وَهَذا كِتَابُهُ.
فَقَالَ عُمَرُ ﵁ مَا تَقُوْلُ يَا ذِمِّيْ قَالَ أمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ أَسْأَلُكَ كِتَابَ اللهِ تَعَالَى فقَََالَ عُمَرُ ﵁ كِتَابَ اللهِ أَحُقُّ أَنْ يُتَّبَعَ مِنْ كِتَابِ الوَلِيْد فَاردُدْ عَلَيْهِ أرضَهُ يَا عَبَّاس فَرَدَّهَا عَليْهِ ثمَّ جَعَلَ لاَ يُدَّعَى عَلى شئٍ مِمَّا فى أَيْدِيْ أَهْل بَيْتِهِ مِن المَظَالِمَ إِلاَّ رَدَّهُ مَظْلَمَةً مَظْلَمَةً وَلَما بَلَغَ الخَوَارِجَ سِيْرَةُ عُمَرَ وَمَا رَدَّ مِن المَظَالِمَ اجْتَمَعُوا وَقَالُوا مَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُقَاتِل هَذَا الرَّجُلَ وَقَالَ فِيْهِ كُثَيِّرُ عَزَّةَ:
стр. 1847
وَلَيْتَ وَلَمْ تَسْبُبْ عَلِيّاً وَلَمْ تُخِفْ
بَرِيَّاً وَلَمْ تَقْبَلْ مَقَالَةَ مُجْرِمِ
وَصَدَّقْتَ بِالقَوْلِ الفِعَالَ مَعَ الذِيْ
أَتَيْتَ فَأمْسَىَ رَاضِيَاً كُلَّ مُسْلِمِ
فَمَا بَيْنَ شَرْقِ الأَرْضِ وَالغَرْبِ كُلِّهَا
مُنَادٍ يُنَادِيْ مِنْ فَصِيْحٍ وَأَعْجَمِِ
يَقُوْلُ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ ظَلَمْتَنِيْ
بِأَخْذِكَ دِيْنَارِيْ وَلَا أَخْذِ دِرْهَمِ
فَأَرْبِحْ بِهَا مِنْ صَفْقَةٍ لِمُبَايِعٍ
وَأَكْرِمْ بِهَا مِنْ بَيْعَةٍ ثُمَّ أَكْرِمِ
وَلَمَّا بَلَغَ الجَبَّارَ العَنِيْدَ عُمَرَ بْنِ الوَلِيْدِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيْزِ ﵀ رَدَّ الضَّيْعَةَ عَلَى الذِمِيّ كَتَبَ إلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيْزِ يَعْتَرِضُ عَلَى عَدْلِهِ وَيَزْعُمُ أنه جورٌ، فقال في كتابه إنك قد ازدريت على من كان قبلك مِنْ الخُلَفَاءِ، وَعِبْتَ عليهم وسرت بغير سرتهم بغضاً لهم وشيناً لمن بعدهم مِنْ أَوْلاَدِهمْ. قَطَعْتَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوْصَلَ إذْ عَمَدْتَ إلَى أَمْوَالِ قُرَيْشٍ وَمَوَارِيْثِهم فَأَدْخَلْتَهَا بَيْتَ المَالِ جَوْرَاً وَعُدْوَانَاً، وَلَنْ تُتْرَكَ عَلَى هَذِهِ الحَالِ، والسَّلاَمُ.
فَلَمَّا قَرَأَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيْزِ كِتَابَهُ كَتَبَ إلَيْهِ (ِبسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمْ) مِنْ عَبْدِ اللهِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيْزِ إلى عُمَرَ بْنِ الوَلِيْدِ السَّلاَمُ عَلَى المُرْسَلِيْنَ وَالحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِيْ كِتَابُكَ، أَمَّا أَوَّلَ شَأْنِكَ يَا ابْنَ الوَلِيْدِ فَأُمُّكَ بَنَانَةُ السُّكُوْنِ كانَتْ تَطُوْفُ في سُوْقِ حِمْصَ وَتَدْخُلُ في حَوَانِيْتِهَا ثُمَّ اللهُ أَعْلَمُ بِهَا.
стр. 1848
ثُمَّ اشْتَرَاهَا ذُبْيَانُ مِنْ مَالِ المُسْلِمِيْنَ فَأَهْدَاهَا لأبِيْكَ فَحَمَلَتْ بِكَ فَبِئْسَ المَوْلُوْدُ، ثُمَّ نَشَأْتَ وَكنْتَ جَبَّارَاً عَنِيْدَاً تَزْعُمُ أَنِّي مِنْ الظَّالِمِيْنَ إذْ حَرَمْتُكَ وَأَهْلَ بَيْتِكَ مَالَ اللهِ تَعَالَى الذِي هُوَ فِي حَقِّ القَرَابَاتِ وَالمَسَاكِيْنِ وَالأَرَامِلْ.
وَإِنَّ أَظْلَمَ مِنِّيْ وَأَتْرَكَ لِعَهْدِ اللهِ مَنْ اسْتَعْمَلَكَ صَبِيَّاً سَفِيْهَاً عَلَى جُنْدِ المُسلِمِينَ تَحْكُمْ فِيْهِمْ بِرَأْيِكَ َولَمْ يَكُنْ لَهُ فى ذَلِكَ نِيِّةٌ إِلا حُبُّ الوَالِدِ لِوَلَدِهِ فَوَيْلٌ لِأبِيْكَ مَا أكْثَر خُصَمَاؤُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَيْفَ يَنْجُو أبُوكَ مِنْ خُصَمَائِهِ.
وَإِنّ أَظْلَمَ مِنِّىْ وَأَتْرَكَ لِعَهْدِ اللهِ مَنَ اسْتَعْمَلَ الحَجَّاجَ يَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَيَأْخُذ المالَ الحََرَامَ.
وَإِنَّ أَظْلَمَ مِنّيْ وَأَتْرَكَ لِعَهْدِ اللهِ مَنَ اسْتَعْمَلَ قُرَّةَ أَعْرَابِيَّاً جَافِيَاً عَلَى مِصْرَ وَأذِنَ لَهُ في المَعَازِفِ وَاللهْوِ وَشُرْبِ الخَمْرِ.
وَإنَّ أظْلَمَ مِنّيْ وَأَتْرَكَ لِعَهْدِ اللهِ مَنَ جَعَلَ لِعَالَيَةِ البَريْقِيَّةَ في خُمسِ العَرَبِ نَصِيْبَاً فَرُوَيْدَاً يَا ابْنَ بَنَانةَ لَوْ الْتَقَتَا حِلَقُ البِطَانِ وَرُدَّ الفَئُ إلى أهْلِهِ لَتَفَرَّغْتُ لَكَ وَلأهْلِ بَيْتِكَ فَوَضَعْتُهُم عَلى المحجّة البَيْضَاءِ فَطَالَمَا تَرَكْتُمْ المَحَجَّةِ البَيْضَاءِ فَطَالَمَا تَرَكْتُمْ الحَقَّ وَأَخَذْتُم البَاطِلَ وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ مَا أرْجُو أَنْ أكُونَ رَأَيْتُهُ مِنْ بَيَعِ رَقَبَتِكَ وقَسْمِ ثَمَنِكَ عَلى الأَرامِل والمساكين واليَتَامَى فإنَّ لِكُلٍّ فِيْكَ حَقَّاً وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى وَلَا يَنَال سَلَامُ اللهِ القَوْمَ الظَّالِمِيْنَ
وَكَتَبَ إلَيْهِ أَحَدُ عُمَّالِهِ فَقَالَ أَمَّا بَعْدُ أَصْلَحَ اللهُ الأمِيْرَ فَإنَّ قَبْلِي أنَاساً مِن العُمَّالِ قَد اقْتَطَعُوا مالاً عَظِيْمَاً لَسْتُ أَقْدِرُ علَى اسْتِخْرَاجِِهِ مِنْ أيْدِيْهِم إلّا أنْ أمَسَّهُم بِشَئٍْ مِن العَذَابِ فَإنْ رَأَى أَمِيْرُ المُؤمنينَ أَنْ يَأذَنَ لِيْ في ذَلِكَ أَفْعَلُ.
стр. 1849
فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَمَّا بَعْدُ فَالعَجَبُ كُلَّ العَجَبِ مِنْ اسْتِئْذَانِكَ إيَّايَ في عَذَابِ بَشَرٍ كَأَنِّيْ لَكَ وِقَايَةٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَكَأَنَّ رِضَائِيْ عَنْكَ يُنْجِيْكَ مِنْ سَخَطِ اللهِ فَاْنْظُرْ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ عُدولٌ فخذه بِمَا قَامَتْ بِهِ البَّيِّنَةُ.
وَمَنْ أقَرَّ بَكَ بِشَئٍ فَخُذْهُ بِمَا أقَرّ بِهِ وَمَنْ أَنْكَرَ فَاسْتَحْلِفْهُ باللهِ العَظِيْمِ وَخَلِّ سَبِيْلَهُ وَأيْمُ اللهُ لأنْ يَلْقُوْا اللهَ بِخيَانَاتِهمْ أحَبُّ مِنَ أنْ ألقَى اللهَ بِدِمَائِهِمْ والسَّلَامُ.
وَكَانَ لِلْوَلِيْد بْنِ عَبْدِ الملِكِ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ رَوْحٌ وَكَانَ نَشَأَ بِالبَادِيَةِ فَكَأنهُ أَعْرَابِيٌّ فَأتَى نَاسٌ مِن المُسلِمِيْنَ إِلى عُمَرَ يُخاصِمُوْنَ روْحَاً في حَوَانِيْتَ بِحِمْصٍ وَكَانَتْ لَهُمْ أقْطَعَهَا إيَّاهُمْ أَبُوهُ بِسِجِلِّ الوَلِيْدِ.
قَالَ مَا يُغْنِيْ عَنْكَ سِجِلُّ الوَلِيْدِ، الحَوَانِيْتُ حَوَانِيْتُهُمْ قَدْ قَامَتْ لَهُمْ البَيِّنِةُ عَلَيْهَا خَلِّ لَهُمْ حَوَانِيْتَهُم فَقَامَ روْحٌ وَخَصْمُهُ الحَمْصِيُّ مُنْصَرِفِيْنَ فَتَوَعَّدَ رَوْحٌ الحِمْصِيُّ فَرَجعَ الحِمْصِيُّ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: هُوَ واللهِ يَتَوَعَّدُنِيْ يَا أمِيْرَ المُؤمِنِيْنَ.
فَقَالَ عُمَرُ لِكَعْبِ بْنِ حَامِدٍ وَهُوَ مِنْ حَرَسِ عُمَرَ إذْهَبْ إلَى روْحٍ يَا كَعْبُ فَإنْ سَلَّمَ الحَوَانِيْتَ إِلى الحِمْصِيّ فَذَاكَ وَإلا أَتِنِيْ بِرَأسِهِ فَسَمِعَ بَعْضُ المُوَالِيْنَ لِرَوْحٍ كَلاَمَ عُمَرَ فَأسْرَعَ في إِخْبَارِهِ بِمَا قَالَ عُمَرُ فَخَلَعَ قَلَْبُه وَخَرَجَ إِلَيْهِ كَعْبٌ وَقَدْ سَلَّ بَعْضَ السَّيْفِ فَقَالَ لَهُ قُمْ فَخلِّ لَهُ حَوَانِيْتَهُ قَالَ نَعَمْ وَخَلَّى لَهُ الحَوَانِيتَ وَتَابَعَ النَّاسُ في رَفْعِ المَظَالِمِ فَمَا رُفِعَتْ إلَيْهِ مَظْلَمَةٌ إلاَّ رَدَّهَا.
شِعْراً: ... أَلاَ فَاسْلُكْ إِلَى المَولَى سَبِيلاَ ... ولا تَطْلُبْ سِوَى التَقْوَى دَلِيْلاَ
وَسِرْ فِيهَا بِجِدٍ وانْتِهَاض ... تَجِدْ فِيْهَا المُنَى عَرْضَاً وَطُوْلا
وَلَا تَرْكَنْ إِلى الدُّنْيا وَعَوِّلْ ... عَلَى مَوْلَاكَ واجْعَلْه وَكِيْلَا
وإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تُعَزَّ عِزاً ... يَدُوْمُ فَكُنْ لَهُ عَبْداً ذَلِيْلَا
стр. 1850
وَوَاصِلَ مَنْ أَنَابَ إِليهِ واقْطعْ ... وصَالَ المُسْرِفِينَ تَكُنْ نَبَيْلَا
ولا تُفْنِى شَبابكَ واغْتَنِمْهُ ... وَمثِّلْ بَيْنَ عَيْنيْكَ الرَّحِيْلَا
ولا تَصِل الدُّنَا واهْجُرْ بَنِيْهَا ... عَلَى طَبَقاتِهم هَجْرَاً جَمِيْلَا
وَعَاملْ فِيهِمُ الْوَلَى بِصِدْقٍ ... يَضَعْ لَكَ فِي قُلُوبِهِهُ القُبوُلَا
والله أَعلم وصلى الله على مُحَمّدَ.
مَوْعِظَةٌ
عِبَادَ اللهِ قَدْ كَثُرَ في زَمَنِنَا اليَوْمَ أُنَاسٌ يَرَى أَحَدُهُمْ قَدْرَ نَفْسِهِ فَوْقَ مَا تَتَصَّوَرُهُ الأَفْهَام وَيَجْزِمُ كُلَّ الجَزْمِ أَنَّهُ رَفِيْعُ المَقَامِ، رِفْعَةً كُلُّ رَفِيْعٍ مَعَهَا تَحْتَ الأَقْدَامِ، لَا تَذْكُرُ أَمَامَهُ فَاضِلاً إِلّا ضَحِكَ وَهَزَّ رَأسَهُ مُتَهَكِّمَاً سِاخِرَاً بِمَا لَهُ مِنْ مَقَامٍ وقَدِيْمَاً قِيْلَ:
وَمَنْ جَهِلَتْ نَفْسُهُ قَدْرَهُ
رَأَى غَيْرُهُ مِنْهُ مَا لا يَرَى
وَتَجِدُ هَذَا المُتَكَبِّرُ المُعْجَبُ بِنَفْسِهِ شَرِسَاً أَحْمَقاً ذَا إبَاءٍ وَاسْتِعْصَاءٍ حَتَّى عَلَى خَالِقَهَ القَدِيْر الكَبِيْر المُتعالى وَتَرَاهُ نَارِيَّ المِزَاجِ يَلْتِهبُ التِهَابَاً وَيَنْفَجِرُ لِأدْنى كَلِمَةٍ لا تُرْضِيْهِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدَ قَائِلُهَا إلا الحُسْنَى.
وَمِنْ عَلَامَاتِهِ أَنَّكَ تَجِدُهُ حَرِيْصَاً عَلَى أَنْ يَكُوْنَ أَمَامَ النَّاسِ وَأَنْ يُصْغُوا إلَى كَلَامِهِ وَيُؤَلمهُ كَلَامُ غَيْرِهِ وَلَوْ كانَ حَقًّا وَتَجِدُ ثِيَابَهُ مُسْبَلَةٌ وفِي مَشْيِهِ يَتَبَخْتَر مُصَعّرِاً خَدَّهُ وَإنْ كَانَ عَلَيْهِ عِقَالٌ تَجِدُهُ مُمِيْلاً لَهُ وَتَجِدُ بَعْضَهُمْ قَدْ وَفَّرَ شَارِبَهُ وَفَتَلَهُ وَسَوَّى شَنَبَاتِهِ كالقُرُوْنِ قَالَ بَعْضُهُمْ:
إنَّ الكَمَالَ الذِيْ سَادَ الرِّجَالُ بِهِ
هُوَ الوَقارُ وَقَرْنُ العِلْمِ بِالعَمَلِ
فَقُلْ لِمَنْ يَزْدَهِيْ عُجْبَاً بِمَنْطِقِهِ
وَقَلْبُهُ في قُيُوْدِ الحِرْصِ والأَمَلِ
стр. 1851
مَهْلَا فَمَا الله سَاهٍ عَنْ تَلَاعُبِكُمْ ... لَكِنَّ مَوْعِدُكُمْ في مُنْتهى الأَجَلِ
وَقُلْ لِمَنْ فَخْرُه في فَتْلِ شَارِبِهِ ... أَضَعْتَ عُمْرَكَ بَيْنَ الكْبِرِ وَالكَسَلِ
حَتَّامَ تُبْرِمُ يَا وَافِيْ القَفَا شَنَبَاً ... مَا فِي طَوَايَاهُ إلَّا خَيْبَةُ الأَمَلِ
أَصْبَحْتَ بُعْبُعَ مَنْ وفي البَيْتِ تُزْعِجُهُمْ ... هَلاَّ أَخَفْتَ العِدَا يَا مَعْرَضَ الخَجَلِ
آخر: ... قل لِلّئيمِ الذى أحَفْىَ لِلِحَيتِه ... وَتَاهَ في شَنَباتٍ حَشْوُهَا قَذَرُ
أُرْفُقْ فَلَيْسَ كَمَالاً مَا تَتِيْهُ بِهِ ... لَكِنَّهُ نَتَنُ يَشُوْبُهُ مَذَرُ
وَمِنْ عَلَامِاتِهِ أَنَّكَ تَجِدُ صَاحِبَ الكِبْرِ لَا يَرْغَبُ قُرْبَ الفُقَرَاءِ مِنْهُ وَلَا يَأْلَفُ إِلَّا الأَغْنِيَاءَ فَالمُتَكَبِّرُ لا يُحِبُّ لِلْمُؤْمِنِيْنَ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ لأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بِسَبَبِ كِبْرِهِ وَعُجْبِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّوَاضُعِ وَهُوَ رَأسُ أخْلَاقِ الأصْفِيَاءِ.
وَلَا يَقْدِرُ المُتَكَبِّرُ عَلَى تَرْكِ الحِقْدِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدُوْمَ عَلَى الصِّدْقِ وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِ الغَضَبِ وَلَا عَلَى كَظْمِ الغَيْظِ وَلا يَسْلَمُ مِنَ احْتِقَارِهِ لِلنَّاسِ وَلَا يَسْلَمُ مِن الغِيْبَةِ وَالبُهْتِ لأنَّهُ فِيْهِ مِن العَظَمَةِ وَالعِزَّةِ وَالكِبْرِيَاءِ مَا يَحُوْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ.
فَمَا مِنْ خُلُقٍ ذَمِيْمٍ وَقَبيْحٍ إلّا وَصَاحِبُ الكِبْرِ مُضْطَرُّ إِلَيْهِ لِيَحْفَظَ بِهِ عِزَّهُ وَعَظَمَتَهُ وَلِذَلِكَ وَرَدَ في الحَدِيْثِ أنّهُ: " لَا يَدْخُلُ الجَنّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ "". وفي وَصِيَّةِ لُقْمَانَ لابْنِهِ يَقُولُ ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ في الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ الله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُوْرٍ﴾ .
وَمِنْ تَعَالِيْمِ رَبِّنَا لِهَذِهِ الأُمَّةِ وَنَبِيِّهَا ﵊ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحاً إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضِ وَلَنْ تَبْلُغَ الجِبَالَ طُوْلا﴾
стр. 1852
وَبِالحَقِيْقَةِ إنَّ المتَكَبِّرَ مِسْكِيْنٌ ثم مِسْكِيْنٌ إلَى حَدٍّ يَسْتَحِقُّ مَعَهُ الرِّثَاءُ فإنَّكَ بَيْنَمَا تَرَاهُ بِهَذِهِ الكِبْرِيَاءُ وَالعَظَمَةِ تَرَاهُ غَارِقَاً في بَحْرِ المَعَاصِيْ وَذُلِّهَا يُلْقِيْ نَفْسَهُ في جَهَنَّمَ.
أَيَظُنُّ هَذَا المِسْكِيْنُ أَنَّهُ عَزِيْزٌ واللهُ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ رَفِيْعٌ وَهُوُ في قاذُوْرَاتِ المَعَاصِيْ إنَّ العِزَّةَ والرِّفْعَةَ لاَ يَحْصُلاَنِ بِالدَّعْوَى وَلَيْسَ حُصُوْلُهُمَا بِيَدِ مَخْلُوقٍ وَلَكِنَّهُمَا بِيَدِ اللهِ وَحْدَهُ يَمْنَحُهُمَا إلَى مَنْ يُسَارِعُونَ إلى طَاعَةِ مَوْلاَهُم جلَّ وَعَلَا وَتَقَدَّسَ.
فَيَا عِبَادَ اللهِ انْصَحُوا مَنْ وَقَعَ في وَرْطَةِ الكِبْرِ وَقُولُوا لَهُ تَدَبَّرْ كَلاَمَ رَبِّ العَالَمِيْنَ مِثْلَ قَولِهِ تَعَالَى إنّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِيْنَ وَقَوْلَهُ تَعَالَى ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الذِيْنَ يَتَكَبَّرُوْنَ في الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإنْ يَرَوْا سَبِيْلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوْهُ سَبِيْلَا وَإنْ يَرَوْا سَبِيْلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيْلَا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِيْنَ﴾ .
وعَنْ عَمْروِ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيْهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: " يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُوْنَ أمْثَالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمْ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ يُسَاقُوْنَ إلَى سِجْنِ في جَهَنَّمْ يُقَالُ لَهُ بُوْلُسْ تَعْلُوْهُمْ نَارُ الأنْيَارِ يُسْقَون َمِنْ عُصَارَةِ أهْلِ النَّارِِ طِيْنَةِ الخَبالِ "". رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالترْمِذِيْ وَاللّفْظُ لَهُ وَقَالَ: حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
شِعْراً: ... مَتَى يَصِلِ العِطَاشُ إِلىَ ارْتِوَاءٍ ... إِذَا اسْتَقَت البِحَارُ مِنَ الرّكَايَا
وَمَنْ يَثنِ الأَصَاغِرَ عَنِ مُرَادٍ ... وَقَدْ جَلَسَ الأَكَابِرُ في الزَّوَايَا
وَإِنَّ تَرَفَّعَ الوُضَعَاءِ يَوْماً ... عَلَى الرُفَعَاءِ مِن إحدَى الرَّزَايَا
إِذَا اسْتَوَتْ الأَسَافِلُ والأَعَالِيْ ... فَقدْ طَابَتْ مُنَادَمَةُ المُنَايَا
стр. 1853
آخر: ... اعْلَمْ هُدِيْتَ وَخَيْرُ العِلْمِ أَنْفَعُهُ
أَنًَّ اتبَاعَ الهَوى ضَرْبٌ مِنْ الخَبَلِ
وَالحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالمَِيْنَ عَلى ُ
إنْعَامِهِ وَتعالى اللهُ خَيْرُ وَلِيّ
فَكَمْ وَكَمْ ظَلَّ بالأَهْوَاءِ وَطَاعَتِها
مِنْ عَاقِلٍ جَامِعٍ لِلْعِلْمِ وَالعَمَلِ
هُوَ الهَوَانُ كَمَا قَالُوا وَقد سُرقَت
النُّوْنُ مِنْهُ فَجَانِبْهُ وَخُذْ وَمِلِ
وَأَقْبِلْ عَلى طَاعَةِ الرَّحْمَنِ وَالْزَمَهَا
في كَلِّ حِيْنٍ وَلا تَخْلُدْ إِلَى الكَسَلِ
وَلا تُخَالِفْ لَهُ أَمْراً تَبَارَكَ مِنْ
رَبٍّ عَظِيْمٍ وَسِرْ في أَقْوَمِ السُّبُلِ
وَخُذْ بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ مُجْتَهِداً
مُشْمِّراً وَاحْتَرِزْ مِنْ سَوْفَ وَالأَمَلِ
وَلا تُعَرِّجْ عَلى دَارِ الغُرُوْرِ وَدا
والخُلُفِ وَالزُّوْرِ وَالنِّسْيَانِ لِلأَجَلِ
وَاحْذَرْ مُصَاحَبَةَ المَرْءِ المُضِيْعِ فَقَدْ
صَارُوا إِلَى الشَّرِّ وَالعِصْيَانِ وَالزَّلَلِ
وَأَصْبَحُوا في زَمَانٍ كُلُّهُ فِتَنٌ
وَبَاطِلٌ وَفَسَادُ بَيِّنٌ وَجَلِيْ
стр. 1854
هُوَ الزَّمَانُ الذِي قَد كَانَ يَحْذَرُهُ
أَئِمَّة الحَقِّ مِنْ حَبْرٍ ومِنْ بَدَلِيْ
هُوَ الزَّمَانُ الذِي لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا
عُرْفٌ نَرَاهُ عَلَى التَّفْصِيْلِ وَالجُمَلِ
هُوَ الزَّمَانُ الذِي عَمَّ الحَرَامُ بِهِ
وَالظُّلْمُ مِنْ غَيْرِ مَا شَكٍّ وَلا جَدَلِ
أَيْنَ القُرَآنُ كِتَابُ اللهِ حُجَّتُهُ
وَأَيْنَ سُنَّةُ طَهَ خَاتَمِ الرُّسُل
وَأَيْنَ هُدْيُ رِجَالِ اللهِ مِنْ سَلَفٍ
كَانَ الهُدَى شَأْنُهم في القَوْل وَالعَمَلِ
أَكُلُّ أَهْلِ الهُدَى وَالحَقِّ قَدْ ذَهَبُوا
بالمَوْت أَمْ سُتُروا يَا صَاحِبْي فَقُلِ
وَالأَرْضُ لا تَخْلُو مِنْ قوْمٍ يَقُوْم بِهِمْ
أَمْرُ الإِلهِ كَمَا قد جَاءَ فَاحْتَفِلِ
فَارْجُ الإلَهَ وَلا تَيْأَسْ وَانْ بَعُدَتْ
مَطَالِبٌ إنَّ رَبَّ العَاَلِميْنَ مَلِيْ
وَفي الإلَهِ مَلِيْكِ العَالمَيِنَ غِنًى
عَنْ كُلِّ شَيءٍ فَلازِمْ بَابَهُ وَسَلِيْ
هُوَ القَرِيْبُ المُجِيْبُ المُسْتَغَاثُ بِهِ
قَلْ حَسْبِيَ اللهُ مَعْبُودِيْ وَمُتَّكَلِيْ
وَأَسْأَلُهُ مَغْفِرَةً وَاسْأَلهُ خَاتِمَةً
حُسْنَى وَعَافِيَةً وَالجَبْرَ لِلْخَلَلِ
стр. 1855
وَأَنْ يُوَفِّقَنَا لِلصَّالِحَاتِ وَمَا
يُرْضِيْهِ عَنّا وَيَحْفَظْنَا مِنْ الخَطَلِ
وَأَنْ يُصَلّي عَلى المُخْتَارِ سَيِّدِنَا
مُحَمِّدٍ مَا بَكَتْ سُحْبٌ بِمُنْهَمِلِ
وَالآلَ وَالصَّحْب مَا غَنَّتْ مُطَوَّقَةٌ
عَلى الغُصُوْنِ فأشْجَتْ وَاجِداً وَخَلِيْ
اللهُمَّ ثَبِّتْ إِيْمَانَنَا ثُبُوتْ الِجبَال الرَّاسِيَاتِ وَوَفِّقْنَا لِلْعَمَل في البَاقِيَاتِ الصَالِحَاتِ وجَنِّبْنَا جَمِيْعَ الطُّرقِ المُردِيَاتِ وَزَحْزِحنَا عَنْ النّارِ وَأَدْخَلِنَا فَسِيْحَ الجَنَّاتِ يَا رَفِيْعَ الدَّرَجاتِ بِرَحْمَتِكَ التِيْ وَسعَتْ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتِ وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيْنَ.
(فَصْلٌ)
وَكَتَبَ عُمَرُ بن عبد العزيز ﵀ إلَى عُمَّالِهِ أَنْ لا يُقَيَّدَ مَسْجُوْنٌ فَإنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنْ الصَّلاةِ وَكَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ إِذَا دَعَتْكُمْ قُدْرَتُكُمْ عَلى النَّاسِ إِلَى ظُلْمِهِمْ فَاذْكُرُوا قُدْرَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَنَفَاذَ مَا تَأْتُونَ إِلَيْهِم وَبَقَاءَ مَا يَأْتيْ إِلَيْكُمْ مِنْ العَذَابِ بِسَبَبِهِمْ وَكَانَتْ حُجْزَةُ إزَارِهِ قَبْلَ الخِلَافَةِ غائِبَةً في عُكَنِهِ مِنْ الحَالِ فَلَمّا تَوَلَّيَ الخلِافَةِ ذَهَبَتْ تِلْكَ الحَالُ فلو شِئْتَ أنْ تَعُدَّ أَضْلَاعَهُ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ لَعَدَدْتَهَا.
وَكانَتْ لَهُ غَلَّةٌ خَمْسِيْنَ أَلْفَ دِيْنَارٍ فَلمَّا وُلِيَ الخِلافة صَارَ يُنفِقُهَا كُلَّ حِينٍ حَتَّى مَا بقي لَهُ غَيْرُ قَمِيْص واحِدٍ لَا يَخْلَعُهُ حَتَّى يَتَّسِخَ فَإذَا اتَّسَخَ غَسَلَهُ وَمَكَثَ بِالبَيْتِ حَتَّى يَجِفَّ ثُمَّ يَلْبَسُهُ.
стр. 1856
وَلَمَّا وَلِيَ خَيَّرَ جَوَارِيْهِ وَقَالَ قَدْ نَزَلَ بِيْ أَمْرٌ قَد شَغَلَنِيْ عَنْكُنَّ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَحَتَّى يَفْرُغَ النَّاسُ مِنَ الحِسَابِ فَمَنْ أحَبَّتْ مِنْكُنّ عِتْقَها أَعْتَقْتُهَا وَمَنْ أَحَبَّتْ أَنْ أُمْسِكَهَا عَلى أَنْ لا يَكُوْنَ مِنِّيْ إلَيْهَا شَئٌ فَبَكَيْنَ وَارْتَفَعَ بُكَاؤُهُنَّ إِيَاساً مِنْهُ.
وَكَانَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِقَمِيْصٍ مَرْقُوْعِ الجَيْبِ مِنْ قُدَّامْ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ.
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ إنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَعْطَاكَ فَلَوْ لَبِسْتَ فَنَكَّسَ رَأسَهُ سَاعَةً ثمّ قالَ أفْضَلُ القَصْدِ عَن الجِدَةٍ وَأفْضَلُ العَفْوِ عَنْ المَقْدِرَةِ.
وَذَكَرَتْ زَوْجَتُه فَاطِمَةُ بِنْتُ عبد المَلِكِ أَنَّ عُمَرَ مَا اغْتَسَلَ عَنْ حُلُمٍ وَلا جَنَابَةٍ مُنْذُ وَلَى الخِلَافَةَ نَهَارُهُ في أَشْغَالِ النَّاسِ وَرَدِّ المَظالِم إلى أَهْلِهَا وَلَيْلُه في عِبَادَةِ رَبِّهِ.
وَقَالَ مَسْلَمَةُ بْنُ عبد المَلِكِ دَخَلْتُ عَلى أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عُمَرَ بْنِِ عَبْدِ العَزِيْزِ ﵁ أَعُودُهُ في مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيْهِ فَإذَا عَلَيْهِ قَمِيْصٌ وَسِخٌ فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المَلِكِ اغْسِلِيْ قَمِيْصَ أَمِيْرِ المُؤمِنِينَ فَقَالَتْ نَفْعَلُ إنْ شَاءَ اللهُ قَالَ مَسْلمَةُ ثُمَّ عُدْتُه فَإذَا القَمِيْصُ عَلى حَالِهِ فَقُلْتُ يَا فَاطِمَةَ أَلَمْ آمُرُكِ أَنْ تَغْسِلِيْ قَمِيْصَ أَمِير المؤمِنينَ فَإنَّ النَّاسَ يَعُوْدُوْنَهُ فَقَالَتْ وَاللهِ مَا لَهُ قَمِيْصٌ غَيْرُهُ وَكانَ ﵀ كَثِيْراً مَا يَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ:
نَهَارُكَ يَا مَغْرُوْرُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ
وَلَيْلُكَ نَوْمٌ وَالرَّدَى لَكَ لَازِمُ
... ... ...
стр. 1857
يَسُرُّكَ مَا يَفْنَى وَتَفْرَحُ بِالْمُنَى
كَمَا غُرَّ بِاللَّذَاتِ فِي النَّوْمِ حَالِمُ
وَشُغْلُكَ فِيْمَا سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ
كذَلِكَ في الدُّنْيَا تَعِيْشُ البَهَائِمُ
وَفِعْلُكَ فِعْلُ الجَاهِلِيْنَ بِرَبِّهِمْ
وَعُمْرُكَ في النُّقْصَانِ بَلْ أَنْتَ ظَالِمُ
فَلا أَنْتَ في اليَقْظَانَ يَقْظَان حَازِمُ
وَلا أَنْتَ في النُّوَّامِ نَاجٍ وَسَالِمُ
فَلاَ تَحْمَدِ الدُّنْيَا وَلَكِنْ فَذُمَّهَا
وَلا تَكْثِرِ العِصْيَانَ إنَّكَ ظَالِمُ
وَكَانَ يَقْوُلُ أدْرَكْنَا العُلَمَاءَ، وَالأُمَراءُ وَالسَّلاطِيْنُ يَأْتُونَهُمْ فَيَقِفُوْنَ عَلى أَبْوَابِ العُلَمَاءِ كَالعَبِيْدِ حَتَّى إذَا كَانَ اليَوْمُ رَأَيْنَا العُلَمَاءَ وَالفُقَهَاءَ وَالعُبَّادَ هُمَ الذِيْنَ يَأْتُونَ الأُمَراءَ والأغنِيَاءَ فلمَّا رَأَوْا ذَلِكَ مِنْهُمْ ازْدَرَوْهُمْ وَاحْتَقَرُوْهُمْ.
وَقَالُوا لَوْلاَ أَنَّ الذِيْ بِأَيْدِيْنَا خَيْرٌ مِمَّا بِأَيْدِيْهِم مَا فَعَلُوا ذَلِكَ مَعَنَا. وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إنَّ بَنِيْ إسْرَائِيْلَ لما كَانُوا عَلى الصَّوَابِ كَانَتْ الأمَرَاءُ تَحْتَاجُ إلى العُلَمَاءِ وَكَانَتْ العُلَمَاءُ تَفِرُّ بِدِيْنِهَا مِن الأُمَراءِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ رُذَالَةِ النَّاسِ تَعَلَّمُوا ذَلِكَ العِلْمَ وَأَتَوْا بِهِ الأُمَراءَ فَاسْتَغْنَتْ بِهِ عَن العُلَمَاءِ وَاجْتَمَعَ القَوْمُ عَلى المَعْصِيَةِ فَسَقَطُوا وَانْتَكَسُوا، وَلَوْ كَانَ عُلَمَاؤُنَا يَصوْنُوْنَ عِلْمَهُمْ لَمْ تَزل الأُمَراءُ تَهابُهُمْ قُلْتُ: وَلِلهِ دَرُّ القَائِلِ:
стр. 1858
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ صَانُوْهُ صَانَهُمْ
وَلَوْ عَظَّمُوْهُ في النُّفُوسِ لَعُظِّمَا
وَلَكِنْ أَهَانُوْهُ فَهَانُوا وَدَنَّسُوا
مُحَيَّاهُ بِالاْطمَاعِ حَتَّى تَجَهَّمَا
فَإنْ قُلْتَ زَنْدُ العِلْمِ كَابٍ فَإنَّمَا
كَبَى حَيْثُ لَمْ تُحْمَى حِمَاهُ وَأَظْلَمَا
آخر: ... فَهُبُّوا أُهَيْلَ العِلْمِ مِنْ رَقْدَةِ الهَوَى
وَمِيلُوا إلَى نَهْجِ الرَّشَادِ وَخَالِفُوْا
هَوَىَ النَّفْسِ إنَّ النَّفْسَ مِنْ أَكْبَرِ العِدَا
وَلِلْعَبْدِ فِيْهَا إنْ أطَاعَ المَتَالِفُ
وَحُثُّوا مَطَايَا العَزْمِ في طَلب العُلَا
فَقَدْ مَاتَ أهْلُوهُ الكِرَامُ السَّوَالِفُ
وَنَحْنُ إذَا مَاتُوْا نَمُوْتُ بِمَوْتِهِمْ
إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنّا عَلى النَّهْجِ عَارِفُ
فَأَحْيُوا مَوَاتَ العِلْمِ مِنْكُمْ بِعَطْفَةٍ
إلىَ العِلْمِ كَيْ تَحْيَا بِتِلْكَ الوَضَائِفُ
فَلَا خَيْرَ يُرْجَى في الحَيَاةِ عَلى الهَوَى
إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيْنَا إلَى العِلْمِ صَارِفُ
بِضَاعَتُنَا المُزْجَاةُ فِيْهِ قَلِيْلَةٌ
وَقَدْ كانَ فِيْنَا جِسْمُهُ وَهْوَ نَاحِفُ
وَعَمَّا قَلِيْلٍ سَوْفَ يُطْوَى سِجِّلَهُ
وَتَذْهَبُ أرْبَابٌ لَهُ وَطَوَائِفُ
стр. 1859
وَدَخَلَ عَلَى عُمَرَ مَسْلَمَةُ في مَرَضِهِ فَقاَلَ يَا أَمِيْرَ المُؤمنينَ إِنَّكَ أَفْقَرْتَ أَفْوَاهَ وَلَدِكَ مِنْ هَذَا المَالِ وَتَرَكْتَهُمْ عَيْلَةً لا شَئَ لَهُمْ فَلَوْ أَوْصَيْتَ بِهِمْ إلَى وَالٍ نَظَرَ إلَى أَهْلِ بَيْتِكَ فَقَالَ عُمَرُ أَسْنِدُوْنِيْ.
ثُمَّ قَالَ أَمَّا قَوْلُكَ إِنّيْ أَفْقَرْتُ أَفْوَاهَ وَلَدِيْ مِنْ هَذَا المَالِ فَوَاللهِ مَا مَنَعْتُهُمْ حَقًّا هُوَ لَهُمْ وَلَمْ أُعْطِهِمْ مَا لَيْسَ لهُمْ، وَأَمَّا قَوْلُكَ لَوْ أَوْصَيْتَ بِهِمْ فإنَّ وَصِيِّيْ وَوَلِيِّ فِيْهِمْ ﴿اللهُ الذي نَزَّلَ الكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّي الصّالِحِيْنَ﴾
بَنِيّ أحَدُ رَجُلَيْنِ إمَّا رَجُلٌ يَتَّقِيْ اللهَ فَيَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا وَإمّا رَجُلٌ مُكِبُّ عَلَى المَعَاصِيْ فَإنِّي لَمْ أَكُنْ أَقَوِّيْهِ عَلى المَعَاصِي.
ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ بِضْعَة عَشَرَ ذَكَرَاً فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ ثُمَّ قَالَ بِنَفْسِيْ الفَتِيَةُ الذِيْنَ تَرَكْتُهُمْ عَيْلَةً لا شَئَ لَهُمْ فإنِّيْ بِحَمْدِ اللهِ قَدْ تَرَكْتُهُمْ بِخَيْر أيْ بَنِيّ إنّ أَبَاكُمْ قَدْ مَيَّزَ بَيْنَ أمْرَيْنِ بَيْنَ أنْ تَسْتَغْنُوْا وَيَدْخَلُ النَّارَ أَبُوكُمْ، أَو تَفْتَقِرُوا وَيَدْخُلُ أَبُوكُمْ الجَنّةَ، فَكَانَ أَنْ تَفْتَقِرُوا وَيَدْخُلُ الجَنّةَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ أنْ تَسْتَغْنُوا وَيَدْخُلُ النَّارَ قُوْمُوا عَصَمَكُمْ اللهُ.
وَذكَرَ ابْنُ أَبِيْ الدُّنْيَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العزيْز لَمَّا كَانَ في اليَوْمِ الذِي مَاتَ فِيْهِ قَالَ أَجْلِسُونِيْ فأجْلَسُوهُ فَقالَ أنَا الذِيْ أَمَرْتَنِيْ فَقَصَّرْتُ وَنَهَيْتَنِيْ فَعَصَيْتُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَلَكِنْ لاَ إلهَ إِلا اللهُ ثُمّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأحَدّ النَّظَرَ فَقَالُوا إنَّكَ لتَنْظُرُ نَظَراً شَدِيْداً يَا أَمِيْرَ المُؤمِنينَ فَقَالَ إنِّيْ لأَرَيَ حَضَرَةً مَا هُمْ بِإنْسٍ وَلَا جِنٍْ ثُمَّ قُبِضَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ:
آخر: ... إذا شِئْتَ أَنْ تَرْثي فَقيْداً مِن الوَرَى ... وَتَدْعُوا لَهُ بَعْد النبي المُكَرَّمِ
فَلا تَبكِينْ إِلاَّ عَلىَ فَقْدِ عَالِمٍ ... يُبَادِرُ بالتَّفْهِيْمِ لِلْمُتَعَلِّمَ
وَفَقْدِ إِمَامٍ عَالِمٍ قَامَ مُلْكُهُ ... بأنْوَار حُكْمِ الشَرعِ لا بالتَّحَكُمِ
وفَقْدِ شُجَاعٍ صَادِقٍ في جِهادِهِ ... وَقد كُسِرَتْ رَايتُهُ في التَّقَدُمِ
وَفَقْدِ كَرِيْمٍ لا يَمَلُّ مِنْ العَطَا ... لِيُطْفِئَ بُؤسَ الفَقْرِ عن كُلّ مُعْدِمِ
стр. 1860
وفَقْدِ تَقِيٍ زاهِدٍ مُتَوَرّعٍ ... مُطُيْعٍ لِرَبِّ العَالمَِيْنَ مُعَظمٍ
فَهُم خَمْسَةٌ يُبْكَى عَلَيْهِم وَغَيُرهُمْ ... إِلى حَيْثُ أَلْقَتْ رَحْلَهَا أمُ قَشْعَمِ
شِعْراً: ... وَلَمْ أرَ أَمْثَالِ الرِجَالِ تَفَاوُتاً ... لَدَىَ الدِّيْنِ حَتَّى عُدَّ أَلْفٌ بِوَاحِدِ
آخر: ... تَفَرَّدَ بالْعَلْيَاءِ عَن أَهْل بَيْتِهِ ... وَذَاكَ بِتوَفْيقٍ مِن اللهِ وَافِدُ
وَتخَتْلَفُ الأَثْمارُ في شجَرَاتهَا ... إِذَا شَرِبَتْ بِاْلماءِ وَالماءِ وَاحِد
إشارة إلى قول الله جَلَ وعَلَا ﴿يُسْقى بِماءَ واحَدِ ونفضِل بعضَها على بعضٍ في الأُكَلْ﴾ .
(فَصْلٌ)
وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيْزِ لِابْنِهِ عَبْدِ الملكِ وَهُوَ مَرِيْضٌ كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَ في المَوْتِ قَالَ: لأنْ تكُونَ في مِيْزَانِيْ أحَبُّ إليَّ أنْ أكوُنَ في مِيْزَانِكَ فَقَالَ لَهُ: واللهِ يَا أبتِ لأَنْ يَكونَ مَا تُحِبُّ أَحَبُّ إليَّ مِنْ أنْ يَكُونَ مَا أُحِبُّ.
قِيْلَ فَلَمَّا مَاتَ ابْنُه عبد المَلِكِ قَالَ عُمَرُ يَا بُنَيَّ لَقَدْ كُنْتَ في الدُّنْيَا كَمَا قَالَ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿المالُ وَالبَنُونَ زِيْنَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وَلَقَدْ كُنْتَ أفْضَلَ زِيْنَتِهَا وَإِنّيْ لأَرجو أنْ تَكُوْنَ اليَوْمَ مِنْ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ التِيْ هِيَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ أمَلاً وَاللهِ مَا سَرَّنِيْ أنْ دَعَوْتُكَ مِنْ جَانِبٍ فَأجَبْتَنِيْ.
وَلما دَفَنَهُ قَامَ عَلى قَبْرِهِ فَقَالَ: مَا زِلْتُ مَسْرُوراً بِكَ مُنْذُ بُشِّرْتُ بِكَ وَمَا كُنْتُ قَطُّ أسَرَّ إليَّ مِنْكَ اليَوْمَ ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ اغِفْرْ لِعَبْدِ الملكِ بْنِ عُمَرَ وَلِمَنْ اسْتَغَفَرَ لَهُ.
وَلَمَّا قَامَ النَّاسُ لَهُ قَالَ: يَا مَعْشَرَ النَّاسِ إنْ تَقُومُوا نَقُمْ وَإنْ تَقْعُدُوْا نَقْعُدْ فَإنَّمَا يَقُوْمُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِيْنَ إنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ وَسَنَّ سُنَنَاً مَنْ أَخَذ بِهَا لَحَق وَمَنْ تَرَكَهَا مُحِقَ.
следующие страницы →