Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
وَلَمَّا وَلِيَ خَيَّرَ جَوَارِيْهِ وَقَالَ قَدْ نَزَلَ بِيْ أَمْرٌ قَد شَغَلَنِيْ عَنْكُنَّ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَحَتَّى يَفْرُغَ النَّاسُ مِنَ الحِسَابِ فَمَنْ أحَبَّتْ مِنْكُنّ عِتْقَها أَعْتَقْتُهَا وَمَنْ أَحَبَّتْ أَنْ أُمْسِكَهَا عَلى أَنْ لا يَكُوْنَ مِنِّيْ إلَيْهَا شَئٌ فَبَكَيْنَ وَارْتَفَعَ بُكَاؤُهُنَّ إِيَاساً مِنْهُ.
وَكَانَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِقَمِيْصٍ مَرْقُوْعِ الجَيْبِ مِنْ قُدَّامْ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ.
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ إنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَعْطَاكَ فَلَوْ لَبِسْتَ فَنَكَّسَ رَأسَهُ سَاعَةً ثمّ قالَ أفْضَلُ القَصْدِ عَن الجِدَةٍ وَأفْضَلُ العَفْوِ عَنْ المَقْدِرَةِ.
وَذَكَرَتْ زَوْجَتُه فَاطِمَةُ بِنْتُ عبد المَلِكِ أَنَّ عُمَرَ مَا اغْتَسَلَ عَنْ حُلُمٍ وَلا جَنَابَةٍ مُنْذُ وَلَى الخِلَافَةَ نَهَارُهُ في أَشْغَالِ النَّاسِ وَرَدِّ المَظالِم إلى أَهْلِهَا وَلَيْلُه في عِبَادَةِ رَبِّهِ.
وَقَالَ مَسْلَمَةُ بْنُ عبد المَلِكِ دَخَلْتُ عَلى أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عُمَرَ بْنِِ عَبْدِ العَزِيْزِ ﵁ أَعُودُهُ في مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيْهِ فَإذَا عَلَيْهِ قَمِيْصٌ وَسِخٌ فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المَلِكِ اغْسِلِيْ قَمِيْصَ أَمِيْرِ المُؤمِنِينَ فَقَالَتْ نَفْعَلُ إنْ شَاءَ اللهُ قَالَ مَسْلمَةُ ثُمَّ عُدْتُه فَإذَا القَمِيْصُ عَلى حَالِهِ فَقُلْتُ يَا فَاطِمَةَ أَلَمْ آمُرُكِ أَنْ تَغْسِلِيْ قَمِيْصَ أَمِير المؤمِنينَ فَإنَّ النَّاسَ يَعُوْدُوْنَهُ فَقَالَتْ وَاللهِ مَا لَهُ قَمِيْصٌ غَيْرُهُ وَكانَ ﵀ كَثِيْراً مَا يَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ:
نَهَارُكَ يَا مَغْرُوْرُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ
وَلَيْلُكَ نَوْمٌ وَالرَّدَى لَكَ لَازِمُ
... ... ...
стр. 1857
يَسُرُّكَ مَا يَفْنَى وَتَفْرَحُ بِالْمُنَى
كَمَا غُرَّ بِاللَّذَاتِ فِي النَّوْمِ حَالِمُ
وَشُغْلُكَ فِيْمَا سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ
كذَلِكَ في الدُّنْيَا تَعِيْشُ البَهَائِمُ
وَفِعْلُكَ فِعْلُ الجَاهِلِيْنَ بِرَبِّهِمْ
وَعُمْرُكَ في النُّقْصَانِ بَلْ أَنْتَ ظَالِمُ
فَلا أَنْتَ في اليَقْظَانَ يَقْظَان حَازِمُ
وَلا أَنْتَ في النُّوَّامِ نَاجٍ وَسَالِمُ
فَلاَ تَحْمَدِ الدُّنْيَا وَلَكِنْ فَذُمَّهَا
وَلا تَكْثِرِ العِصْيَانَ إنَّكَ ظَالِمُ
وَكَانَ يَقْوُلُ أدْرَكْنَا العُلَمَاءَ، وَالأُمَراءُ وَالسَّلاطِيْنُ يَأْتُونَهُمْ فَيَقِفُوْنَ عَلى أَبْوَابِ العُلَمَاءِ كَالعَبِيْدِ حَتَّى إذَا كَانَ اليَوْمُ رَأَيْنَا العُلَمَاءَ وَالفُقَهَاءَ وَالعُبَّادَ هُمَ الذِيْنَ يَأْتُونَ الأُمَراءَ والأغنِيَاءَ فلمَّا رَأَوْا ذَلِكَ مِنْهُمْ ازْدَرَوْهُمْ وَاحْتَقَرُوْهُمْ.
وَقَالُوا لَوْلاَ أَنَّ الذِيْ بِأَيْدِيْنَا خَيْرٌ مِمَّا بِأَيْدِيْهِم مَا فَعَلُوا ذَلِكَ مَعَنَا. وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إنَّ بَنِيْ إسْرَائِيْلَ لما كَانُوا عَلى الصَّوَابِ كَانَتْ الأمَرَاءُ تَحْتَاجُ إلى العُلَمَاءِ وَكَانَتْ العُلَمَاءُ تَفِرُّ بِدِيْنِهَا مِن الأُمَراءِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ رُذَالَةِ النَّاسِ تَعَلَّمُوا ذَلِكَ العِلْمَ وَأَتَوْا بِهِ الأُمَراءَ فَاسْتَغْنَتْ بِهِ عَن العُلَمَاءِ وَاجْتَمَعَ القَوْمُ عَلى المَعْصِيَةِ فَسَقَطُوا وَانْتَكَسُوا، وَلَوْ كَانَ عُلَمَاؤُنَا يَصوْنُوْنَ عِلْمَهُمْ لَمْ تَزل الأُمَراءُ تَهابُهُمْ قُلْتُ: وَلِلهِ دَرُّ القَائِلِ:
стр. 1858
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ صَانُوْهُ صَانَهُمْ
وَلَوْ عَظَّمُوْهُ في النُّفُوسِ لَعُظِّمَا
وَلَكِنْ أَهَانُوْهُ فَهَانُوا وَدَنَّسُوا
مُحَيَّاهُ بِالاْطمَاعِ حَتَّى تَجَهَّمَا
فَإنْ قُلْتَ زَنْدُ العِلْمِ كَابٍ فَإنَّمَا
كَبَى حَيْثُ لَمْ تُحْمَى حِمَاهُ وَأَظْلَمَا
آخر: ... فَهُبُّوا أُهَيْلَ العِلْمِ مِنْ رَقْدَةِ الهَوَى
وَمِيلُوا إلَى نَهْجِ الرَّشَادِ وَخَالِفُوْا
هَوَىَ النَّفْسِ إنَّ النَّفْسَ مِنْ أَكْبَرِ العِدَا
وَلِلْعَبْدِ فِيْهَا إنْ أطَاعَ المَتَالِفُ
وَحُثُّوا مَطَايَا العَزْمِ في طَلب العُلَا
فَقَدْ مَاتَ أهْلُوهُ الكِرَامُ السَّوَالِفُ
وَنَحْنُ إذَا مَاتُوْا نَمُوْتُ بِمَوْتِهِمْ
إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنّا عَلى النَّهْجِ عَارِفُ
فَأَحْيُوا مَوَاتَ العِلْمِ مِنْكُمْ بِعَطْفَةٍ
إلىَ العِلْمِ كَيْ تَحْيَا بِتِلْكَ الوَضَائِفُ
فَلَا خَيْرَ يُرْجَى في الحَيَاةِ عَلى الهَوَى
إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيْنَا إلَى العِلْمِ صَارِفُ
بِضَاعَتُنَا المُزْجَاةُ فِيْهِ قَلِيْلَةٌ
وَقَدْ كانَ فِيْنَا جِسْمُهُ وَهْوَ نَاحِفُ
وَعَمَّا قَلِيْلٍ سَوْفَ يُطْوَى سِجِّلَهُ
وَتَذْهَبُ أرْبَابٌ لَهُ وَطَوَائِفُ
стр. 1859
وَدَخَلَ عَلَى عُمَرَ مَسْلَمَةُ في مَرَضِهِ فَقاَلَ يَا أَمِيْرَ المُؤمنينَ إِنَّكَ أَفْقَرْتَ أَفْوَاهَ وَلَدِكَ مِنْ هَذَا المَالِ وَتَرَكْتَهُمْ عَيْلَةً لا شَئَ لَهُمْ فَلَوْ أَوْصَيْتَ بِهِمْ إلَى وَالٍ نَظَرَ إلَى أَهْلِ بَيْتِكَ فَقَالَ عُمَرُ أَسْنِدُوْنِيْ.
ثُمَّ قَالَ أَمَّا قَوْلُكَ إِنّيْ أَفْقَرْتُ أَفْوَاهَ وَلَدِيْ مِنْ هَذَا المَالِ فَوَاللهِ مَا مَنَعْتُهُمْ حَقًّا هُوَ لَهُمْ وَلَمْ أُعْطِهِمْ مَا لَيْسَ لهُمْ، وَأَمَّا قَوْلُكَ لَوْ أَوْصَيْتَ بِهِمْ فإنَّ وَصِيِّيْ وَوَلِيِّ فِيْهِمْ ﴿اللهُ الذي نَزَّلَ الكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّي الصّالِحِيْنَ﴾
بَنِيّ أحَدُ رَجُلَيْنِ إمَّا رَجُلٌ يَتَّقِيْ اللهَ فَيَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا وَإمّا رَجُلٌ مُكِبُّ عَلَى المَعَاصِيْ فَإنِّي لَمْ أَكُنْ أَقَوِّيْهِ عَلى المَعَاصِي.
ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ بِضْعَة عَشَرَ ذَكَرَاً فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ ثُمَّ قَالَ بِنَفْسِيْ الفَتِيَةُ الذِيْنَ تَرَكْتُهُمْ عَيْلَةً لا شَئَ لَهُمْ فإنِّيْ بِحَمْدِ اللهِ قَدْ تَرَكْتُهُمْ بِخَيْر أيْ بَنِيّ إنّ أَبَاكُمْ قَدْ مَيَّزَ بَيْنَ أمْرَيْنِ بَيْنَ أنْ تَسْتَغْنُوْا وَيَدْخَلُ النَّارَ أَبُوكُمْ، أَو تَفْتَقِرُوا وَيَدْخُلُ أَبُوكُمْ الجَنّةَ، فَكَانَ أَنْ تَفْتَقِرُوا وَيَدْخُلُ الجَنّةَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ أنْ تَسْتَغْنُوا وَيَدْخُلُ النَّارَ قُوْمُوا عَصَمَكُمْ اللهُ.
وَذكَرَ ابْنُ أَبِيْ الدُّنْيَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العزيْز لَمَّا كَانَ في اليَوْمِ الذِي مَاتَ فِيْهِ قَالَ أَجْلِسُونِيْ فأجْلَسُوهُ فَقالَ أنَا الذِيْ أَمَرْتَنِيْ فَقَصَّرْتُ وَنَهَيْتَنِيْ فَعَصَيْتُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَلَكِنْ لاَ إلهَ إِلا اللهُ ثُمّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأحَدّ النَّظَرَ فَقَالُوا إنَّكَ لتَنْظُرُ نَظَراً شَدِيْداً يَا أَمِيْرَ المُؤمِنينَ فَقَالَ إنِّيْ لأَرَيَ حَضَرَةً مَا هُمْ بِإنْسٍ وَلَا جِنٍْ ثُمَّ قُبِضَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ:
آخر: ... إذا شِئْتَ أَنْ تَرْثي فَقيْداً مِن الوَرَى ... وَتَدْعُوا لَهُ بَعْد النبي المُكَرَّمِ
فَلا تَبكِينْ إِلاَّ عَلىَ فَقْدِ عَالِمٍ ... يُبَادِرُ بالتَّفْهِيْمِ لِلْمُتَعَلِّمَ
وَفَقْدِ إِمَامٍ عَالِمٍ قَامَ مُلْكُهُ ... بأنْوَار حُكْمِ الشَرعِ لا بالتَّحَكُمِ
وفَقْدِ شُجَاعٍ صَادِقٍ في جِهادِهِ ... وَقد كُسِرَتْ رَايتُهُ في التَّقَدُمِ
وَفَقْدِ كَرِيْمٍ لا يَمَلُّ مِنْ العَطَا ... لِيُطْفِئَ بُؤسَ الفَقْرِ عن كُلّ مُعْدِمِ
стр. 1860
وفَقْدِ تَقِيٍ زاهِدٍ مُتَوَرّعٍ ... مُطُيْعٍ لِرَبِّ العَالمَِيْنَ مُعَظمٍ
فَهُم خَمْسَةٌ يُبْكَى عَلَيْهِم وَغَيُرهُمْ ... إِلى حَيْثُ أَلْقَتْ رَحْلَهَا أمُ قَشْعَمِ
شِعْراً: ... وَلَمْ أرَ أَمْثَالِ الرِجَالِ تَفَاوُتاً ... لَدَىَ الدِّيْنِ حَتَّى عُدَّ أَلْفٌ بِوَاحِدِ
آخر: ... تَفَرَّدَ بالْعَلْيَاءِ عَن أَهْل بَيْتِهِ ... وَذَاكَ بِتوَفْيقٍ مِن اللهِ وَافِدُ
وَتخَتْلَفُ الأَثْمارُ في شجَرَاتهَا ... إِذَا شَرِبَتْ بِاْلماءِ وَالماءِ وَاحِد
إشارة إلى قول الله جَلَ وعَلَا ﴿يُسْقى بِماءَ واحَدِ ونفضِل بعضَها على بعضٍ في الأُكَلْ﴾ .
(فَصْلٌ)
وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيْزِ لِابْنِهِ عَبْدِ الملكِ وَهُوَ مَرِيْضٌ كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَ في المَوْتِ قَالَ: لأنْ تكُونَ في مِيْزَانِيْ أحَبُّ إليَّ أنْ أكوُنَ في مِيْزَانِكَ فَقَالَ لَهُ: واللهِ يَا أبتِ لأَنْ يَكونَ مَا تُحِبُّ أَحَبُّ إليَّ مِنْ أنْ يَكُونَ مَا أُحِبُّ.
قِيْلَ فَلَمَّا مَاتَ ابْنُه عبد المَلِكِ قَالَ عُمَرُ يَا بُنَيَّ لَقَدْ كُنْتَ في الدُّنْيَا كَمَا قَالَ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿المالُ وَالبَنُونَ زِيْنَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وَلَقَدْ كُنْتَ أفْضَلَ زِيْنَتِهَا وَإِنّيْ لأَرجو أنْ تَكُوْنَ اليَوْمَ مِنْ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ التِيْ هِيَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ أمَلاً وَاللهِ مَا سَرَّنِيْ أنْ دَعَوْتُكَ مِنْ جَانِبٍ فَأجَبْتَنِيْ.
وَلما دَفَنَهُ قَامَ عَلى قَبْرِهِ فَقَالَ: مَا زِلْتُ مَسْرُوراً بِكَ مُنْذُ بُشِّرْتُ بِكَ وَمَا كُنْتُ قَطُّ أسَرَّ إليَّ مِنْكَ اليَوْمَ ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ اغِفْرْ لِعَبْدِ الملكِ بْنِ عُمَرَ وَلِمَنْ اسْتَغَفَرَ لَهُ.
وَلَمَّا قَامَ النَّاسُ لَهُ قَالَ: يَا مَعْشَرَ النَّاسِ إنْ تَقُومُوا نَقُمْ وَإنْ تَقْعُدُوْا نَقْعُدْ فَإنَّمَا يَقُوْمُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِيْنَ إنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ وَسَنَّ سُنَنَاً مَنْ أَخَذ بِهَا لَحَق وَمَنْ تَرَكَهَا مُحِقَ.
стр. 1861
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصْحَبْنَا فَلْيَصْحَبْنَا بِخَْمسٍ يُوْصِلُ إِلَيْنَا حَاجَةَ مَنْ لا تَصِلُ إلَيْنَا حَاجَتُهُ، وَيَدُلُّنَا مِن العَدْلِ إلى مَا لا نَهْتَدِيْ إلَيْهِ، وَيَكُونُ عَوْنَاً لَنَا على الحَقِّ، وَيُؤَدِّيْ الأَمَانَة إليْنَا وَإلَى النَّاسِ وَلا يَغْتَبْ عَنْدَنَا أَحَداً، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ فِي حَرَجٍ مِنْ صُحْبَتِنَا وَالدُّخُولِ عَلَيْنا.
وَسُئِلَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ المَلِكِ زَوْجَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزيْز عَنْ عِبَادَةِ عُمَرَ فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا كَانَ بأكْثَر النّاسِ صَلاَةًً وَلا أكثرَ صِيَامَاً وَلكِنْ وَاللهِ مَا رأيْتُ أخْوَفِ لِلهِ مِنْهُ لَقدْ كَانَ يَذْكُرُ اللهَ في فِرَاشِهِ فَيْنَتَفِضُ انْتِفَاضَ العُصْفُورِ مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ حَتَّى نَقوُل لُيصْبَِحَنَّ النّاسُ وَلا خَلِيْفَةَ لَهُمْ.
قَالَ: وَمَرَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزيز ذاتَ يَومٍ بِفَاطِمَةَ زَوْجَتِهِ فَضَرَبَ عَلى كَتِفِهَا وَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ لنَحْنُ ليَالِيْ دَابِقَ أَنْعَمُ مِنَا اليَوْمَ؟ فَقالَتْ: وَاللهِ مَا كُنْتَ عَلى ذَلِكَ أَقْدَرَ مِنْكَ اليَوْمَ. فأدْبَرَ عنَهْا وَلَهُ حَنِيْنٌ وَهُوَ يَقُولُ: يَا فَاطِمَةُ إنَّيْ أَخافُ النَّارَ يَا فَاطِمَةُ ﴿إنِّيْ أخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيْمٍ﴾ .
قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ يُصَلِّي العَتَمَةَ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَى بَنَاتِهِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهنَّ فَدَخَلَ عَلَيْهنَّ ذاتَ لَيْلَةٍ فَلمَّا أحْسَسْنَهُ وَضَعْنَ أيْدِيَهُنَّ عَلى أفْوَاهِهِنَّ ثمَّ تَبَادَرْنَ البَابَ فَقالَ لِلْحاضِنَةِ: مَا شَأْنُهُنَّ؟ قَالَتْ: إنّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُنَّ شَئٌ يَتَعَشَّيْنَهُ إلْا عَدَسٌ وَبَصَلٌ فَكَرِهْنَ أَنْ تَشُمَّ ذَلِكَ مِنْ أَفْوَاهِهِنَّ. فَبَكَى عُمَرُ ثُمَّ قَالَ لَهُنَّ يَا بَنَاتِيْ مَا يَنْفَعُكُنَّ أنْ تَعيَشنَ الألَوانَ وَيُؤْمَرُ بِأَبِيْكُنَّ إلَى النَّارِ قَالَ: فَبَكْينَ حَتَّى عَلَتْ أصْوَاتُهُنَّ ثُمَّ أنْصَرَفَ.
وَجَاءَتْ عَمَّةٌ لَه إلَى فَاطِمَةَ امْرَأته فَقَالتْ: إنَّيْ أُرِيْدُ كَلَامَ أَمِيرِ المُؤمنينَ قَالتْ لَهَا اجِلْسِيْ حَتَّى يَفْرُغَ فَجَلَسَتْ فإذا بِغُلامٍ قَدْ أتَى فَأخَذَ
стр. 1862
سِرَاجاً. فَقَالَت لهَا فَاطِمَةُ: إنْ كُنْتِ تُريدينَه فالآن فَإنه إذَا كَانَ في حَوَائِجِ العَامَّةِ كَتَبَ عَلى الشَّمْعِ وَإذا صَارَ إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ دَعَا بِسِرَاجِهِ.
فَقَامَتْ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ فَإذَا بَيْنَ يَدَيْهِ أقْرَاصٌ وَشَئٌ مِنْ مِلْحٍ وَزَيْتٍ وَهُوَ يَتَعَشَّى فَقَالَتْ يَا أَمِيرِ المُؤمِنينَ أَتَيْتُ لِحَاجَةٍ لِيْ ثمَّ رَأَيْتُ أنْ أبْدَأ بِكَ قَبْلَ حَاجِتِيْ قَالَ: َومَا ذَاكَ يَا عَمَّةُ؟ قَالَتْ: لَوْ اتَّخَذْتَ لَكَ طَعَاماً أَلْيَنَ مِنْ هَذا؟ قَالَ: لَيْسَ عِنْدِيْ يَا عَمَّةُ وَلَوْ كَانَ عِنْدِيْ لَفَعَلْتُ.
قَالَتْ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ كَانَ عَمُّكَ عَبْدُ الَمَلِكِ يُجْرِيْ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ كَانَ أخَوْكَ الوَلَيْدُ فَزَادَنِيْ ثُمَّ كَانَ أخْوكَ سُلْيَمَانُ فَزَادَنِيْ ثُمَّ وَلِيْتَ أنْتَ فَقَطَعْتَهُ عَنّيْ قَالَ: يَا عَمَّةُ إنَّ عَمِّيْ عَبد المَلِكِ وَأخِيْ الوَلِيْدِ وَأَخِيْ سُلْيَمَانُ كَانُوا يُعْطُوْنَك مِنْ مَالِ المُسْلِمِيْنَ.
وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ قَدْ أَمَرَ لِعَنْبَسَةَ بْنِ سَعدٍ بنِ العَاصِ مِنَ البَيْتِ الأمَوِيّ بِعِشْرْينَ ألْفِ دِيْنَارٍ فَدَارَتْ المُعَامَلةُ في الدّواوِيْنِ حَتَّى انْتَهتْ إلى دِيْوَانِ الخَتْمِ فَلمْ يَبْقَ إلّا قَبْضُهَا فتوُفِيَ سُلَيْمَانُ قَبْلَ أنْ يَقبِضَهَا.
وَكانَ عَنْبَسَةُ صَديقاً لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيْزِ فَغَدَا يَطْلُبُ مِنْ عُمَرَ مَا أمَر لَهُ بِهِ سُليْمَانُ فَوَجَدَ بنِيْ أُميّة حُضُوْراً بِبَابِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيْزِ يُرِيْدُوَنَ الإِذْنَ عَليْهِ لِيُكَلِّمُوهُ في أُمُوْرِهِمْ فلَمَّا رأو صَدِيْقَ عُمَر عَنْبَسَةَ قَالُوا: نَنْتَظِر مَاذا يَعْمَلُ مَعَهُ قَبْلَ أنْ نُكَلِّمَهُ.
فَدَخَلَ عَنْبَسَةُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَميرَ المُؤْمِنِيْنَ إنَّ أَمِيرَ الْمُؤمِنينَ سُلَيْمَانُ كانَ قدْ أَمَرَ لِيْ بعِشْرِيْنَ أَلْفِ دِيْنَارٍ حَتَّى وَصَلَتْ إلَى دِيْوَانِ الخَتْمِ وَلَمْ يَبْقَ إلا أنْ أقْبِضَهَا فَتُوفيَ قَبْلَ أنْ أقْبِضَهَا وأميرُ المُؤْمِنينَ أوْلَى
стр. 1863
بِاسْتِتْمَامِ الصَّنِيعَةِ عِنْدِي وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَعْظَمُ مِمَّا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ سُلَيْمَانُ.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: كَمْ ذَلِكَ؟ قَالَ: عُشْرُونَ أَلْفِ دِينَارِ. قَالَ عُمَرُ: عِشْرُونَ أَلْفِ دِينَارٍ تُغْنِي أَرْبَعَةَ آلافِ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَدْفَعُهَا إِلى رَجُلٍ وَاحِدٍ وَاللهِ مَا لِي إِلى ذَلِكَ مِنْ سَبِيلٍ.
قَالَ عَنْبَسَةُ: فَرَمَيْتُ بِالْكِتَابِ الذِي فِيهِ الصَّكُّ. فَقَالَ عُمَرُ: لا عَلَيْكَ أَنْ يَكُونَ مَعَكَ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَأْتِي مَنْ هُوَ أَجْرَأُ عَلَى هَذَا الْمَالِ مِنِّي فَيَأْمرَ لَكَ بِهِ. فَأَخَذْتُهُ وَخَرَجْتُ إِلى بَنِي أُمَيَّةَ وَأَعْلَمْتُهم مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَوا: لَيْسَ بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ ارْجِعْ إِلَيْهِ فَاسْأَلْهُ أَنْ يَأْذَنَ لَنَا فِي الْبُلْدَانِ.
فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ قَوْمَكَ بِالْبَابِ يَسْأَلُونَكَ أَنْ تُجْرِي عَلَيْهِمْ مَا كَانَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِكَ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ مَا هَذَا الْمَالُ لِي وَمَا لِي إِلى ذَلِكَ مِنْ سَبِيلٍ.
قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَيَسْأَلُونَكَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُمْ يَضْرِبُوا فِي الْبُلْدَانِ. قَالَ: مَا شَاءوا ذَلِكَ لَهُمْ وَقَدْ أَذِنْتُ لَهُمْ. قُلْتُ: وَأَنَا أَيْضًا؟ قَالَ: وَأَنْتَ أَيْضًا قَدْ أَذِنْتُ لَكَ وَلَكِنِّي أَرَى لَكَ أَنْ تُقِيمَ فَإِنَّكَ رَجُلٌ كَثِيرُ النَّقْدِ وَأَنَا أَبِيعُ تَرِكَةِ سُلَيْمَانَ فَلَعَلَّكَ تَشْتَرِي مِنْهَا مَا يَكُونُ لَكَ فِي رِبْحِهِ عِوَضٌ مِمَّا فَاتَكَ.
قَالَ: فَأَقَمْتُ فَاشْتَرَيْتُ مِنْ تَرِكَةِ سُلَيْمَانَ بِمَائَةِ أَلْفٍ فَخَرَجْتُ بِهَا إِلى الْعِرَاقِ فَبِعْتُهَا بِمَائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ وَحَبَسْت الصَّكَّ فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ وَوَلِيَ يَزِيدُ بنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَتَيْتُه بِكِتَابِ سُلَيْمَانَ فَأَنْفَذَ لِي مَا كَانَ فِيهِ.
وَكَانَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَنْظُرُ لَيْلاً فِي أَحْوَالِ الرَّعِيَّةِ فِي ضَوْءِ السِّرَاجِ فَجَاءَ غُلامٌ لَهُ فَحَدَّثَهُ فِي شَأْنٍ خَاصٍّ بِعُمَرَ فَقَالَ عُمَرُ لِلْغُلامِ:
стр. 1864
أطْفِئْ سِرَاجَ بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ حَدِّثْنِي لأَنَّ الدُّهْنَ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَلا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُه إِلا فِي أَشْغَالِ الْمُسْلِمِينَ.
وَعَنْ الْفِهْرِيٌّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقْسِمُ تُفَّاحَ الْفِيء فَتَنَاوَلَ ابْنُهُ تُفَّاحَةً فَانْتَزَعَهَا مِنْهُ عُمَرُ وَأَوْجَعَ فَمَّهُ فَسَعَى إِلى أُمِّهِ فَأَرْسَلَتْ إِلى السُّوقِ وَاشْتَرَتْ لَهُ تُفَّاحًا.
فَلَمَّا رَجَعَ عُمَرُ وَجَدَ رِيحَ التُّفَاحِ فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ فَاطِمَةُ: هَلْ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْفِيءِ؟ قَالَتْ: لا وَقَصَّتْ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ انْتَزَعَتْهُا مِنْ ابْنِي وَكَأَنَّمَا انْتَزَعْتُهَا مِنْ قَلْبِي وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ أُضِيعَ نَفْسِي بِتُفَّاحَةٍ مِنْ فِيءِ الْمُسْلِمِينَ.
وَذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ عُمَر بن عَبْدِ الْعَزِيزِ قَحْطٌ عَظِيمٌ فَوَفَدَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِن الْعَرَبِ فَاخْتَارُوا مِنْهُمْ رَجُلاً لِخِطَابِهِ.
فَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّا أَتَيْنَاكَ مِنْ ضَرُورَةٍ عَظِيمَةٍ وَقَدْ يَبِسَتْ جُلُودُنَا عَلَى أَجْسَادِنَا لِفِقْدِ الطَّعَامِ وَرَاحَتُنَا فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَهَذَا الْمَالُ لا يَخْلُو مِنْ ثَلاثَةِ أَقْسَام. إِمَّا أَنْ يَكُونَ للهِ. أَوْ لِعِبَادِ اللهِ. أَوْ لَكَ فَإِنْ كَانَ للهِ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ لِعِبَادِ اللهِ فَآتِهِمْ إِيَّاهُ.
وَإِنْ كَانَ لَكَ فَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ.
فَتَغَرْغَرَتْ عَيْنَا عُمَرَ بنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالدُّمُوعِ وَقَالَ: هُوَ كَمَا ذَكَرْتَ وَأَمَرَ بِحَوَائِجِهِمْ فَقُضِيَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
فَهَمَّ الأَعْرَابِيُّ بِالْخُرُوجِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيُّهَا الإِنْسَانُ الْحُر كَمَا أَوْصَلْتَ إِلَيَّ حَوَائِجَ عِبَادِ اللهِ وَأَسْمَعْتَنِي كَلامَهُمْ فَأَوْصِلْ كَلامِي وَارْفَع حَاجَتِي إِلى اللهِ تَعَالى.
فَحَوَّلَ الأَعْرَابِيُّ وَجْهَهُ قِبَلَ السَّمَاءِ. وَقَالَ: إِلَهِي اصْنَعْ مَعَ عُمَرَ بنِ
стр. 1865
عَبْدِ الْعَزِيزِ كَصَنِيعَهِ فِي عِبَادِكَ فَمَا اسْتَتَمّ الأَعْرَابِيُّ كَلامَهُ حَتَّى ارْتَفَعَ غَيمٌ فَأَمْطَرَ مَطَرًا غَزِيرًا.
وَكَانَ لِعُمَرَ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ غُلامٌ وَكَانَ خَازِنًا لِبَيْتِ الْمَالِ وَكَانَ لِعُمَرَ بَنَاتٌ فَجِئْنَهُ يَوْمَ عَرَفَةً وَقُلْنَ لَهُ: غَدًا الْعِيدُ وَنِسَاءُ الرَّعِيَّةَ وَبَنَاتُهُمْ يَلُمْنَنَا وَيَقُلْنَ: أَنْتُنَّ بَنَاتُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَنَرَاكُنَّ عَرِيَانَاتٍ لا أَقَلَّ مِنْ ثِيَابِ تَلْبَسْنَهَا وَبَكَيْنَ عِنْدَهُ فَضَاقَ صَدْرُ عُمَرَ فَدَعَا غُلامَهُ الْخَازِنَ وَقَالَ لَهُ: أَعْطِنِي مُشَاهَرَتِي لِشَهْرٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ الْخَازِنُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَأَخْذُ ُالْمُشَاهَرَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ سَلَفًا أَتَظُنَّ أَنَّ لَكَ عُمْرَ شَهْرٍ فَتَأْخُذُ مُشَاهَرَةَ شَهْرٍ فَتَحَيَّرَ عُمَرُ.
وَقَالَ: نِعَمْ مَا قُلْتَ أَيُّهَا الْغُلامُ بَارَكَ اللهُ فِيكَ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلى بَنَاتِهِ وَقَالَ: أَكْظِمْنَ شَهَوَاتِكُنَّ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إِلا بِمَشَقَّةٍ.
سُئِلَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا كَانَ سَبَبَ تَوْبَتِكَ قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ يَوْمًا غُلامًا فَقَالَ لِي: اذْكُرْ اللَّيْلَةَ الَّتِي تَكُونُ صَبِيحَتُهَا الْقِيَامَةَ فَعَمِلَ ذَلِكَ الْكَلامُ فِي قَلْبِي.
رَأَى بَعْضُ الأَكَابِر هَارُونَ الرَّشِيدَ فِي عَرَفَات وَهُوَ حَافٍ حَاسِرٌ قَائِمٌ عَلَى الرَّمْضَاءِ الْحَارِةِ.
وَقَدْ رَفَعَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: إِلَهِي أَنْتَ أَنْت وَأَنَا أَنَا الذِي دَأْبِي كُلَّ يَوْم أَعُودُ إِلى عِصْيَانِكَ وَدَأْبُكَ أَنْ تَعُودَ إِلَيَّ بِرَحْمَتِكَ.
فَقَالَ بَعْضُ الْكُبَرَاءِ: انْظُرُوا إِلى تَضَرُّعِ جَبَّارِ الأَرْضِ بَيْنَ يَدَيْ جَبَّارِ السَّمَاءِ.
سَأَلَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَوْمًا أَبَا حَازِمٍ الْمَوْعِظَةَ فَقَالَ لَهُ أَبُو حَازِمٍ: إِذَا نِمْتَ فَضِعْ الْمَوْتَ تَحْتَ رَأْسِكَ.
وَكُلُّ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يَأْتِيكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَيْهِ مُصِّرُ فَأَلْزَمْهُ وَكُلُّ مَا لا تُرِيدُ
стр. 1866
أَنْ يَأْتِيكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَيْهِ فَاجْتَنِبْهُ فَرُبَّمَا كَانَ الْمَوْتُ مِنْكَ قَرِيبًا.
فَيَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْوِلايةِ أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الْحِكَايَةَ نَصْبَ عَيْنَيْهِ وَأَنْ يَقْبَلَ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وُعِظَ بِهَا غَيْرُهُ.
فَكُلَّمَا رَأَى عَالِمًا عَامِلاً بِعَلْمِهِ لَيْسَ مِنْ عُلَمَاءِ الدُّنْيَا زَاهِدًا فِيهَا عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ سَأَلَهُ أَنْ يَعِظَهُ.
وَيَنْبَغِي لِلْعُلَمَاءِ أَنْ يَعِظُوا الْمُلُوكَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاعِظِ وَلا يَغُروهُمْ وَلا يَدَّخِرُوا عَنْهُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ وَكُلُّ مِنْ غَرَّهُمْ فَهُوَ مُشَارِكٌ لَهُمْ.
وعن الفضل بن الربيع حاجب هارون الرشيد قَالَ: أرسل إليَّ الرشيد ذاتَ ليلة فحضرتُ إليه فلما دخلتُ عليه وجَدْتُ بين يديه ضبارة سيوف وأنوع من آلات العذاب.
فقَالَ: يا فضل. فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ َيا أمير المؤمنين. فَقَالَ: عَلَيَّ بِهَذَا الْحِجَازِي يعني الشافعي ﵁ وهو مُغْضَبٌ الساعةَ الساعةَ.
فخرجتُ وبي مِن الغم والحزن ما لا يُوصَف لِمَحَبَّتِي للشافعي لفصاحته وبراعته وبلاغته وعقله فجئْتُ إلى بابه.
فأمَرْتُ مَن دَقَّ عليه البابَ فَتَنَحْنَحَ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُصَلِّي فَوَقَفْتُ حتى فَرِغَ مِنْ صَلاتِهِ وَفَتَحَ البابَ فَسَلَّمْتُ عليه.
وقلْتُ لَهُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فقَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً وَجَدَّدَ الْوُضُوءَ وَارْتَدَى وَرَكَعَ رَكَعْتَيْنِ وَخَرَجَ يَمْشِي فَمِنْ شَفَقَتِي عَلَيْهِ قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ قِفْ لِتَسْتَرِيحَ بَيْنَمَا أَسْتَأْذِنُ.
فَدَخَلْتُ عَلى أمير المؤمنين فإذا هُوَ على حَالِهِ فِي غَضَبِهِ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: أَيْنَ الْحِجَازِي؟
قُلْتُ: عِنْدَ السِّتْرِ. فَقَالَ: مُرْهُ بِالدُّخُولِ. فَجِئْتُ إِلَيْهِ وَأَمَرْتُهُ بِالدُّخُولِ.
стр. 1867
فَدَخَلَ يَمْشِي مُطْمَئِنًا غَيْرَ فَزَعٍ وَلا خَائِفٍ وَلا قَلِقٍ وَلا مُنْزَعِج ثُمَّ بَدَأَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ وَوَجْهُهُ مُسْتَنِير.
فَلَمَّا دَخَلَ وَبَصُرَ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَامَ إِلَيْهِ قَائِمًا وَاسْتَقْبَلَهُ وَاعْتَنَقَهُ وَجَعَلَ يُقَبِّلُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَهَشَّ بِهِ وَبَشَّ.
وَقَالَ: مَرْحَبًا بِأَبِي عَبْدِ اللهِ لِمَ لا تَزُورَنَا وَتَكُونَ عِنْدَنَا فَإِنِّي إِلَيْكَ مِشْتَاقُ وَأَجْلَسَهُ مَكَانَهُ وَقَعَدَ إِلى جَانِبِهِ وَتَحَدَّثَ مَعَهُ سَاعَةَ.
ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِبَدْرَةٍ مِن الذَّهَبِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لا أَرَبَ لِي فِيهِ فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ فَقَبِلَهُ غَيْرَ مُكْثَرِتٍ بِهِ (يَعْنِي مَا هَمُّهُ) .
ثُمَّ أَمَرَنِي أَنْ أَرُدَّهُ إِلى دَارِهِ وَأَنْ تُحْمَلَ الْبَدْرَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَّمَا خَرَجْنَا جَعَلَ يَعْطِي كُلَّ مَنْ رَآهُ وَكُلَّ مَنْ سَأَلَهُ يَمِينًا وَشِمَالاً حَتَّى وَصَلَ إِلى مَنْزِلِهِ وَمَا مَعَهُ مِنْهَا شَيْء.
فَلَمَّا دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَاطْمَأَنَّ بِهِ الْجُلُوسُ قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ قَدْ عَرَفْتَ مَحَبَّتِي لَكَ وَشَفَقَتِي عَلَيْكَ وَإِنِّي شَاهَدْتُ غَضَبَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينِ فِي ابْتِدَاءِ طَلَبَهِ إِيَّاكَ.
ثُمَّ لَمَّا دَخَلْتَ عَلَيْهِ رَأَيْتُ مِنْهُ مِنَ التَّوَاضِعِ وَالتَّوَدُدِ وَالإِجْلالِ وَالإِكْرَامِ لَكَ مَا سَرَّنِي وَكُنْتُ رَأَيْتُكَ حَرَّكْتَ شَفَتَيْكَ عِنْدَ دُخُولِكَ عَلَيْهِ.
فَبِالَّذِي سَكَّنَ غَضَبَهُ عَلَيْكَ وَسَخَّرَهُ إِلا مَا عَلَّمْتَنِي مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي دُخُولِكَ مَعِي عَلَيْهِ.
فَقَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعُ عن ابن عمر أن رسول الله ? قرأه يَوْمَ الأحزابِ فَهَزَمَهُمُ اللهُ ونصرهم على عدوهم.
وَهُوَ هَذَا ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ ثم قَالَ: وأنا
стр. 1868
أَشْهَدُ بِمَا شَهِدَ بِهِ اللهِ وَأَسْتَوْدِعُ اللهَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ وَدِيعَةٌ لِي عِنْدِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِنُورِ قُدْسِكَ وَعَظِيمِ بَرَكَتِكَ وَعَظَمَةِ طَهَارَتِكَ وَبَرَكَةِ جَلالَتِكَ مِنْ كُلِّ آفَةٍ وَعَاهَةٍ.
وَمِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِلا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرِ يَا رَحْمَن.
اللَّهُمَّ أَنْتَ غِيَاثِي فَبِكَ اسْتَغِيثُ وَأَنْتَ مَلاذِي فَبِكَ أَلُوذُ وَأَنْتَ عِيَاذِي فَبِكَ أَعُوذُ يَا مَنْ ذَلَّتْ لَهُ رِقَابُ الْجَبَابِرَةِ وَخَضَعَتْ لَهُ أَعْنَاقُ الْفَرَاعِنَةِ.
أَعُوذُ بِكَ مِنْ خِزْيِكَ وَمِنْ كَشَفْ سِتْرِكَ وَمِنْ نِسْيَانِ ذِكْرِكَ وَالانْصِرَافِ عَنْ شُكْرِكَ.
أَنَا فِي حِرْزِكَ وَتَحْتَ كَنَفِكَ لَيْلِي وَنَهَارِي وَنَوْمِي وَقَرَارِي وَظَعْنِي وَأَسْفَارِي وَحَرَكَاتِي وَسَكَنَاتِي وَحَيَاتِي وَمَمَاتِي وَجَمِيعِ سَاعَاتِي وَأَوْقَاتِي.
ذِكْرُكَ شِعَارِي وَثَنَاؤكَ دِثَارِيَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ وَلا مَعْبُودَ سِوَاكَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ تَشْرِيفًا لِعَظَمَتِكَ وَتَكْرِيمًا لِسُبُحَاتِ وَجْهِكَ وَإِقْرَارًا بِصَمْدَانِيَّتِكَ.
وَاعْتِرَافًا بِوَحْدَانِيَّتِكَ وَتَنْزِيهًا لَكَ عَمَّا يَقُولُ الْكَافِرُونَ وَالظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ تَعَالَيْتَ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ خِزْيِكَ وَمِنْ شَرِّ عِبَادِكَ وَاضْرِبْ عَلَيَّ سَرَادِقَاتِ حِفْظِكَ وَأَدْخِلْنِي فِي حِفْظِكَ وَعَنَايتكَ وَجُدْ عَلَيَّ مِنْكَ بِخَيْرٍ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
إِلَهِي كَيْفَ أَخَافُ وَأَنْتَ أَمَلِي أَمْ كَيْفَ أَضَامُ وَعَلَيْكَ تَوَكُّلِي أَمْ كَيْفَ أَقْهَرُ وَأَنْتَ عِمَادِي أَمْ كَيْفَ أَغْلَبُ وَعَلَيْكَ فِي كُلِّ الأُمُورِ اعْتِمَادِي ضَرَبْتُ وَجْهَ كُلِّ
стр. 1869
حَاسِدٍ وَحَسَدَ وَرَاصِدٍ رَصَدَ وَظَالِمٍ كَنَدَ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ .
وَفِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَد وَصَحِيحِ ابْنُ حِبَّانِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مَسْعُود مَرْفُوعًا: «مَا أَصَابَ عَبْدٌ هَمٌّ وَلا غَمٌّ وَلا حُزْنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ بن عَبْدُكَ بن أَمَتُكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِي حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ.
أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدِكَ.
أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجَلاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي.
إِلا أَذْهَبَ اللهُ حُزْنَهُ وَهَمَّهُ وَابْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحَاً» .
وَمِنْ أَدْعِيَةِ الْمُضْطَرِينَ يَا وَدُود يَا ذَا الْعَرْشِ الْمَجِيدِ يَا مُبْدِئُ يَا مُعِيدُ يَا فَعَّالٌ لِمَا تُرِيدُ أَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي مَلاءِ أَرْكَانَ عَرْشِكَ وَبقُدْرَتِكَ الَّتِي قدرتَ بِهَا عَلَى جَمِيعَ خَلْقِكَ وَبِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ لا إِله إِلا أَنْتَ يَا مُغِيثُ أغِثْنِي اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا يَسِيرَ الأَعْمَالِ، وَهَبْ لَنَا إِسَاءَتنا فِي الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ وَسَامِحْنَا عَنِ الْغَفْلَةِ وَالإِهْمَالِ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
دَعَا الْمَنْصُور أَبَا حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِي وَمِسْعرًا وَشَرِيكَا لِيُوَلِّيَهُم الْقَضَاء.
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَنَا أَتَحَامَقُ فَأُقَالَ وَأتَخَلَّص.
وَأَمَّا مِسْعَرُ فَيَتَجَان (أَيْ يُظْهِرُ كَأَنَّهُ مَجْنُون) وَيَتَخَلَّصَ.
وَأَمَّا سُفْيَان فَيَهْرَب.
وَأَمَّا شَرِيكُ فَيَقَعُ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى الْمَنْصُور قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَنَا رَجُلٌ مَوْلى وَلَسْتُ مِن الْعَرَب.
стр. 1870
وَلا تَكَادُ الْعَرَبُ تَرْضَى بَأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ مَوْلَى وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنِّي لا أَصْلَحُ لِهَذَا الأَمْرِ فَإِنْ كُنْتُ صَادِقًا فِي قَوْلِي فَلا أَصْلِحُ لِلْقَضَاءِ.
وَإِنْ كُنْتُ كَاذِبًا فَلا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تُوَلِّي كَاذِبًا دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ وَفُرُوضَهُمْ.
وَأَمَّا سُفْيَانُ فَأَدْرَكَهُ الْمُشْخِصُ فِي طَرِيق فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فَانْصَرَفَ الْمُشْخِصُ يَنْتَظِرُ فَرَاغَهُ.
فَرَأَى سُفْيَانُ سَفِينَةٌ فَقَالَ لِلْملاح قَائِد السَّفِينة: إِنْ مَكَّنْتَنِي مِنْ سَفِينَتِكَ وَإِلا ذُبِحْتُ بِغَيْرِ سِكِّين.
تَأَوَّلَ قَوْلَ النَّبِي ?: «مِنْ وُلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّين» . فَأَخْفَاهُ الْملاحُ تَحْتَ السَّارِيَة.
وَأَمَّا مِسْعَرُ ابن كُدَام فدخل على الْمنصور فقَالَ له: هَاتِ يَدَكَ كَيْفَ أَنْتَ وَالدَّوَاب وَالأَولاد فَقَالَ: أَخْرِجُوه فإنه مجنون.
وَأَمَّا شريك فقَالَ له المنصور: تَقَلَّدْ فقَالَ له: أنا رجلٌ خَفِيفُ الدِّمَاغ فقَالَ: تَقَلَّد وعليك بالنَّبِيذ الشديد حتى يرجع إليكَ عَقْلُكَ فَتَقَلَّدَ.
فَهَجَرَهُ الثوري وَقَالَ له: أمْكَنَكَ الْهَرَبُ فَلَمْ تَهْرِبْ.
وكتب الخليفة إلى عبد الله بن وهب في قَضَاءِ مِصْرَ فَتَجَنَّنَ نَفْسَهُ وَلَزِمَ بَيْتَهُ فاطَّلَعَ عليه راشد بن سَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَأُ فِي صَحْنَ دَارِهِ.
فقَالَ: أبا محمد ألا تَخْرُجُ إلى الناس فَتَقْضِي بَيْنَهُم بكتاب الله وَسُنَّةِ رسوله ? فقد جَنَنْتُ نَفْسَكَ وَلَزِمْتَ بَيْتَكَ.
فَرَفَعُ إليه رَأْسَهُ وَقَالَ: إلى هَا هُنَا عَقْلُكَ إِنَّ الْعُلَماء يُحْشَرُونَ مَعَ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الْقُضَاةَ يُحْشَرُونَ مَعَ السَّلاطِين أهـ.
بَلِّغْ يَا أَخِي الَّذِينَ يُرَشحُونَ أَنْفُسَهُم لِلْقَضَاء وَيُعْمِلُون الْوَسَائِط لِلْحُصُول عليه وهم غير أهلٍ له لم تَجْتَمِعْ فيهم الشروط ولا يُحْسِنُونَ الْقَضَاء.
стр. 1871
وَدَعَا الْخَلِيفَةُ أَيامَ الْمِحْنَةِ مُحَمَّد بن مُقَاتِل الرَّازِي وَأَبَا الصَّلْتِ عَبْدِ السَّلامِ فَقَالَ لِمُحَمَّد ابن مُقَاتل: مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟
قَالَ: أقول التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، فإنَّ هذه الأربعة وأشار إلى أصابِعهِ الأربعة مَخْلُوقَة.
فظنوا أنه يُرِيدُ الكتبَ المنزلة وهُو يُرِيدُ أَصَابِعَ يَدِهِ الأربعة فَنَجَا.
فقَالَ للآخر وهو أبو الصَّلْتِ: ما تقول؟ فقَالَ: تَعَزَّ يا أمير المؤمنين.
قَالَ: عن مَنْ وَيْلَكَ؟ قَالَ عن القُرآن فَإِنَّهُ ماتَ. قَالَ: فَكَيْفَ؟ قَالَ: إنْ كَانَ مَخْلُوقًا فَإِنَّهُ يَمُوت.
وأُدخل عُبَادَةُ علي الواثق والناس يُضْرَبُون وَيُقْتَلُون في الامتحان بالقُرآن قَالَ عُبَادة: فَقُلْتُ في نَفْسِي وَالله لَئِنْ امْتَحَنَنِي قَتَلَنِي فَبَدَأْتُ بِهِ فَقُلْتُ: عَظم اللهُ أَجْرَكَ أَيُّهَا الْخَلِيفَة. قَالَ: فِيمَنْ؟ فَقُلْتُ: في الْقُرْآنِ. قَالَ: وَيْحَكَ وَالْقُرْآنُ يَمُوت؟ قُلْتُ كُلَّ مخلوق يَمُوت فإذا مات القرآن في شعبان فبأي شيء يصلي الناس في رمضان. فقَالَ الواثق: أَخْرِجُوه فإنه مجنون.
فائدة نفيسة: قَالَ أحد العلماء رحمه الله تعالى: اعلم أنَّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ كَمَا قَالَ ? وقد صارت عدوّةً لله وعدوّةً لأَوْلِيَائِهِ وعدوّةً لأَعْدَائِهِ، أما عَدَاوَتُهَا لله تعالى فلأَنّها قَطَعَتِ الطَّريقَ بينه وبينَ أوليائِهِ.
ولهذا فإنّه لم يَنْظُر إليها مُنْذُ خَلَقَهَا، وأَمَّا عداوتُهَا لأَوليائِهِ فلأَنّها تَزَيَّنَتْ لهم بِزِينَتِها وَغَمَرتْهُم بِزَهْرَتِهَا وَتَزَهَّتْ لهم بنَضَارَتِهَا حتى تجَرَّعُوا مَرَارَاتِ الصَّبرِ في مُقَاطَعَتِهَا وَتَحَمَّلُوا الْمَشَاقَ فِي الْبُعْدِ مِنْهَا.
وَأَمَّا عَدواتُهَا لأَعْدَائِهِ فَلأَنها اسْتَدْرَجَتْهُم بِمَكْرِهَا وَمَكَايِدِهَا وَاقْتَنَصَتْهمِ بحَبَائِلِهَا وَأَقْصَدَتْهُمْ بِسِهَامِهَا حَتَّى وَثِقُوا بِهَا وَعوَّلُوا عليها.
فَخَذَلَتْهُمْ أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَيْهَا وَغَدَرَتْ بِهِمْ أَسْكَنَ مَا كَانُوا إِلَيْهَا فَاجْتَنَوْا مِنْهَا حَسْرَةً تَنْقَطِعُ دُونَهَا الأَكْبَادُ. وَحَرَمَتْهُمْ السَّعَادَةَ الأَخْرَوِيَّةِ عَلَى طُولِ الأَمَاد فَانْتَبِه يَا مَنْ اغْتَرَّ بِهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكَ مِثْلَ مَا أَصَابَ الْمُغْتَرِّينَ بِهَا.
стр. 1872
وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: إِذَا كَانَ أَبُونَا آدَم بَعْدَ مَا قِيلَ لَهُ: أُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوّجُكَ الْجَنَّةَ صَدَرَ مِنْهُ ذَنْبٌ وَاحِدٌ فَأمِرَ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْجَنَّةِ فَكَيْفَ نَرْجُوا دُخُولَهَا مَعَ مَا نَحْنُ مُقِيمُونَ عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ الْمُتَتَابِعَةِ وَالْخَطَايَا الْمُتَوَاتِرَةِ.
كان أبو الفتح المنهى قد برع في الفقه وتقدم عند العوام وحَصَل له مال كثير ودَخَلَ بَغْدَاد وفِوُّضَ إليه التَّدْرِيس بالنِّظامية وأدْرَكَهُ الموتُ بهَمَدان.
فلما دَنَتْ وَفَاتُهُ قَالَ لأصْحَابِهِ: أُخْرُجُوا. فَلَمَّا خَرَجُوا عَنْهُ جَعَلَ يَلْطُمُ وَجْهَهُ وَيَقُولُ: ﴿يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ ويقول لِنَفْسِهِ مُوَبِّخًا لَهَا: يَا أَبَا الْفَتْحَ ضَيَّعْتَ الْعُمُرَ في طَلَب الدنيا وتحصِيل المال والجاه والتَّرَدُدِ إلى السَّلاطِين وَيُنْشِدُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ:
عَجِبْتُ لأَهْلِ الْعِلْمِ كَيْفَ تَغَافُلُوا ... يَجُرُونَ ثَوْبَ الْحِرْصِ حَوْلَ الْمَمَالِكِ
يَدُورُونَ حَوْلَ الظَّالِمِينَ كَأَنَّهُمْ ... يَطُوفُونَ حَوْلَ الْبَيْتِِ وَقْتَ الْمَنَاسِكِ
أَرْسَلَ عُثْمَانُ بن عَفَّان ﵁ مَعَ عَبْدٍ لَهُ كَيْسًا مِنَ الدَّرَاهم إِلى أبي ذر ﵁ وَقَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ قَبلَ هَذَا أَبُو ذَر فَأَنْتَ حُرٌ أي عَتِيق فَأَتَى بالكيس إلى أبي ذَرٍ وَأَلَحَّ عَلَيْهِ فِي قُبُولِهِ فَلَمْ يَقْبَلْ فَقَالَ الْغُلامُ لأَبِي ذَرٍ: إِنَّهُ عَلَّقَ عِتْقِي عَلَى قُبُولِكَ هَذَا الْكِيسَ. فَقَالَ أَبُوَ ذَرٍّ: لَكِنَّ فِي قُبُولِهِ رِقِّي.
هذه القصيدة الشيبانية عَدَّلْنَا فِيهَا بَعْضَ أَبْيَاتٍ وَكَانَ بَعْضُهَا فيه شيء لا يصلح.
سَأَحْمَدُ رَبِّي طَاعةً وَتَعَبُّدَا ... وَأَنْظِمُ عِقْدًا فِي الْعَقِيدَةِ أَوْحَدَا
وَأَشْهَدُ أَنَّ الله لا رَبَّ غَيْرَهُ ... تَعَزَّزَ قِدْمًا بِالْبَقَاءِ وَتَفَرَّدَا
هُوَ الأَوَّلُ الْمُبْدِي بِغَيْرِ بِدَايَةٍ ... (وَلا بَعْدَهُ شَيْءٌ عَلا وَتَوَحَّدَا)
سَمِيعٌ بَصِيرٌ عَالِمٌ مُتَكَلِّمٌ ... قَدِيرٌ يُعِيدُ الْعَالِمِينَ كَمَا بَدَا
مُِريدٌ أَرَادَ الْكَائِنَاتِ لِوَقْتِهَا ... قَدِيرٌ فَأَنْشَا مَا أَرَادَ وَأَوْجَدَا
إله عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ قَدِ اسْتَوَى ... وَبَايَنَ مَخْلُوقَاتِهِ وَتَوَحَّدَا
إِذِ الْكَوْنُ مَخْلُوقٌ وَرَبِّي خَالِقٌ ... لَقَدْ كَانَ قَبْلَ الْكَوْنِ رَبًّا وَسَيِّدَا
وَلَيْسَ كَمِثْلِ اللهِ شَيْءٌ وَلا لَهُ ... شَبِيهٌ تَعَالى رَبُّنَا وَتَوَحَّدَا
стр. 1873
.. وَمَنْ قَالَ فِي الدُّنْيَا يَرَاهُ بِعَيْنِهِ ... فَذَلِكَ زِنْدِيقٌ طَغَى وَتَمَرَّدَا
وَخَالَفَ كُتبَ الله وَالرُّسلَ كُلَّهُمْ ... وَزَاغَ عَنِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَأَبْعَدَا
وَذَلِكَ مِمَّنْ قَالَ فِيهِ إِلَهَنَا ... يُرَى وَجْهُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَسْوَدَا
وَلَكِنْ يَرَاهُ في الجِنَانِ عِبَادُهُ ... كَمَا صَحَّ في الأَخْبَارِ نَرْوِيهِ مُسْنَدَا
وَنَعْتَقِدُ الْقُرْآنَ تَنْزِيلَ رَبِّنَا ... بِهِ جَاءَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ (مُحَمَّدَا)
وَأَنْزَلَهُ وَحْيًا إِلَيْهِ وَأَنَّهُ ... هُدَى الله يَا طُوبى بِهِ لمن اهْتَدَى
كَلام كريم مُنْزَلٌ من إلهنا ... بِأَمْرٍ وَنَهْيٍ وَالدَّلِيلُ تَأَكَّدَا
كلام إلِهِ الْعَالَمِينَ حَقِيقَة ... فَمَنْ شَكَّ في هَذَا فَقَدْ ضَلَّ وَاعْتَدَى
وَمِنْهُ بَدَا قَوْلاً ولا شَكَّ أَنَّهُ ... يَعُودُ إِلى الرَّحْمَنِ حَقًّا كَمَا بَدَا
فَمنْ شَكَّ فِي تَنْزِيلِهِ فَهُوَ كَافِرٌ ... وَمَنْ زَادَ فِيهِ قَدْ طَغَى وَتَمَرَّدَا
وَمَنْ قَالَ مَخْلُوقٌ كَلامُ إلهنَا ... فَقَدْ خَالَفَ الإِجْمَاعِ جَهْلاً وَأَلْحَدَا
وَنُؤْمِنُ بِالْكُتبِ الَّتِي هِيَ قَبْلَهُ ... وَبِالرُّسلَ حَقًّا لا نُفَرِّقُ كَالْعَدَا
وَإِيمَانُنَا قَوْلٌ وَفِعْلٌ وَنِيَّةٌ ... وَيَزْدَادُ التَّقْوَى وَيَنْقُصُ بِالرَّدَى
فَلا مَذْهَبَ التَّشْبِيهِ نَرْضَاهُ مَذْهَبًا ... وَلا مَقْصَدَ التَّعْطِلِ نَرْضَاهُ مَقْصَدَا
وَلَكِنَّ بِالْقُرْآنِ نَهْدِي وَنَهْتَدِي ... وَقَدْ فَازَ بِالْقُرْآنِ عَبْدٌ قَدِ اهْتَدَى
وَنُؤْمِنُ أَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ كُلَّهُ ... مِنَ اللهِ تَقْدِيرًا عَلَى الْعَبْدِ عُدِّدَا
فَمَا شَاءَ رَبُّ الْعَرْشِ كَانَ كَمَا يَشَا ... وَمَا لَمْ يَشَا لا كَانَ فِي الْخَلْقِ مُوجَدَا
وَنُؤْمِنُ أَنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ وَأَنَّنَا ... سَنُبْعَثُ حَقًّا بَعْدَ مَوْتَتِنَا غَدَا
وَأَنَّ عَذَابَ الْقَبْرَ حَقٌّ وَأَنَّهُ ... عَلَى الْجِسْمِ وَالرُّوحِ الَّذِي فِيهِ أُلْحِدَا
وَمُنْكَرُهُ ثُمَّ النَّكِيرُ بِصُحْبَةٍ ... هُمَا يَسْأَلانِ الْعَبْدَ فِي الْقَبْرِ مُقْعَدَا
وَمِيزَانُ رَبِّي وَالصِّرَاطُ حَقِيقَةً ... وَجَنَّتُهُ وَالنَّارُ لَمْ يُخْلَقَا سُدَى
стр. 1874
.. وَأَنَّ حِسَابَ الْخَلْقِ حَقٌّ أَعَدَّهُ ... كَمَا أَخْبَرَ الْقُرْآنُ عَنْهُ وَشَدَّدَا
وَحَوْضُ رَسُولِ اللهِ حَقًّا أَعَدَّهُ ... لَهُ الله دُونَ الرُّسْلِ مَاءً مُبَرَّدَا
وَيَشْرَبُ مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ وَكُلُّ مَنْ ... سُقِي مِنْهُ كَأْسًا لَمْ يَجِدْ بَعْدَهُ صَدَا
أَبَارِيقُهُ عَدُّ النُّجُومِ وَعَرْضُهُ ... كَبُصْرَى وَصَنْعًا فِي الْمَسَافَةِ حُدِّدَا
وَأَنَّ رَسُولَ الله أَفْضَلُ مَنْ مَشى ... عَلَى الأَرْضِ مِنْ أَوْلادِ آدَمَ أَوْ غَدَا
وَأَرْسَلَهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ رَحْمَةً ... إِلى الثَّقَلَيْنِ الإِنْسِ وَالْجِنِّ مُرْشِدَا
وَأَسْرَى بِهِ لَيْلاً إِلى الْعَرْشِ رِفْعَةً ... وَأَدْنَاهُ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ مُصْعِدَا
وَخَصَّصَ مُوسَى رَبُّنَا بِكَلامِهِ ... عَلَى الطُّورِ نَادَاهُ وَأَسْمَعَهُ النِّدَا
وَكُلُّ نَبِيٍّ خَصَّهُ بِفَضِيلَةٍ ... وَخَصَّصَ بِالْقُرْآنِ رَبِّي مُحَمَّدا
وَأَعْطَاهُ فِي الْحَشْرِ الشَّفَاعَةِ مِثْلُ مَا ... رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ الْحَدِيثُ وَأَسْنَدَا
فَمَنْ شَكَّ فِيهَا لَمْ يَنَلْهَا وَمَنْ يَكُنْ ... شَفِيعًا لَهُ قَدْ فَازَ فَوْزًا وَأَسْعَدَا
وَيَشْفَعُ بَعْدَ الْمُصْطَفَى كُلُّ مُرْسَلٍ ... لِمَنْ عَاشَ فِي الدُّنْيَا وَمَاتَ مُوَحَّدَا
وَكُلُّ نَبِيٍّ شَافِعٌ وَمُشَفَّعٌ
... ... وَكُلُّ وَلِيٍّ فِي جَمَاعَتِهِ غَدَا
وَيَغْفِرُ دُونَ الشِّرْكِ رَبِّي لِمَنْ يَشَا ... وَلا مُؤْمِنٌ إِلا لَهُ كَافِرٌ فَدَا
وَلَمْ يَبْقَ فِي نَارِ الْجَحِيمِ مُوَحِّدٌ ... وَلَوْ قَتَلَ النَّفْسَ الْحَرَامَ تَعَمُّدَا
وَنَشْهَدُ أَنَّ الله خَصَّ رَسُولَهُ ... بِأَصْحَابِهِ الأَبْرَارِ فَضْلاً وَأَيَّدَا
فَهُمْ خَيْرُ خَلْقِ اللهِ بَعْدَ أَنْبِيَائِهِ ... بِهِمْ يَقْتَدِي فِي الدِّين كُلُّ مَن اقْتَدَى
وَأَفْضَلُهُم بَعْدَ النَّبِيِّ (مُحَمَّدٍ) ... أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ذُو الْفَضْلِ وَالنَّدَى
لَقَدْ صَدَّقَ الْمُخْتَارَ فِي كُلِّ قَوْلِهِ ... وَآمَنَ قَبْلَ النَّاسِ حَقًّا وَوَحَّدَا
وَفَادَاُه يَوْمَ الْغَارِ طَوْعًا بِنَفْسِهِ ... وَوَاسَاهُ بِالأَمْوَالِ حَتَّى تَجَرَّدَا
وَمَنْ بَعْدِهِ الْفَارُوقُ لا تَنْسَ فَضْلَهُ ... لَقَدْ كَانَ لِلإِسْلامِ حِصْنًا مُشَيَّدَا
стр. 1875
.. لَقَدْ فَتَحَ الْفَارُوقُ بِالسَّيْفِ عَنْوَةً
... ... كَثِيرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ وَمَهَّدَا
وَأَظْهَرَ دِينَ اللهِ بَعْدَ خَفَائِهِ ... وَأَطْفَأَ نَارَ الْمُشْرِكِينَ وَأَخْمَدَا
وَعُثْمَانُ ذُو النُّورَيْنِ قَدْ مَاتَ صَائِمًا ... وَقَدْ قَامَ بِالْقُرْآنِ دَهْرًا تَهَجُّدَا
وَجَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرِ يَوْمًا بِمَالِهِ ... وَوَسَّعَ لِلْمُخْتَارِ وَالصَّحْبِ مَسْجِدَا
وَبَايَعَ عَنْهُ الْمُصْطَفَى بِشِمَالِهِ ... مُبَايَعَةَ الرِّضْوَانِ حَقًّا وَأَشْهَدَا
وَلا تَنْسَ صِِْهَر الْمُصْطَفَى وَابْنُ عَمِّهِ ... فَقَدْ كَانَ حَبْرًا لِلْعُلُومِ وَسَيَّدَا
وَفَادَى رَسُولَ اللهِ طَوْعًا بِنَفْسِهِ ... عَشِيَّةَ لَمَّا بِالْفِرَاشِ تَوَسَّدَا
وَمَنْ كَانَ مَوْلاهُ النَّبِيُّ فَقَدْ غَدَا ... عَلِيُّ لَهُ بِالْحَقِّ مَوْلَىً وَمُنْجِدَا
وَطَلْحَتُهُمْ ثُمَّ الزُّبَيْرُ وَسَعْدُهُمْ ... كَذَا وَسَعِيدٌ بِالسَّعَادَةِ أُسْعِدَا
وَكَانَ ابْنُ عَوْفٍ بَاذِلَ الْمَالِ مُنْفِقًا ... وَكَانَ ابْنُ جَرَّاحٍ أَمِينًا مَؤيَّدَا
وَلا تَنْسَ بَاقِي صَحْبِهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ ... وَأَنْصَارَهُ وَالتَّابِعِينَ عَلَى الْهُدَى
فَكُلَّهُمُ أَثْنَى الإلهُ عَلَيْهِمْ ... وَأَثْنَى رَسُولُ اللهِ أَيْضًا وَأَكَّدَا
فَلا تَكُ عَبْدًا رَافِضِيًا فَتَعْتَدِي ... فَوَيْلٌ وَوَيْلٌ فِي الْوَرَى لِمَنْ اعْتَدَى
وَنَسْكُتَ عَنْ حَرْبِ الصَّاَبةَ ِفَالَّذِي ... جَرَى بَيْنَهُمْ كَانَ اجْتِهَادًا مُجَرَّدًا
وَقَدْ صَحَّ فِي الأَخْبَارِ أَنَّ قَتِيلَهُمْ ... وَقَاتِلَهُمْ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ خُلِّدَا
فَهَذَا اعْتِقَادُ الشَّافِعِيِّ إِمَامِنَا ... وَمَالِك وَالنُّعْمَانِ أَيْضًا وَأَحْمَدَا
فَمَنْ يَعْتَقِدْهُ كُلَّهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ... وَمَنْ زَاغَ عَنْهُ قَدْ طَغَى وَتَمَرَّدَا
وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ
قصة
تَوَجَّهَ عَافِيَةُ بنُ يَزِيدُ الأَودِي الْقَاضِي إِلى الْمَهْدِي يَوْمًا في وَقْتِ الظَّهِيرة لِمُقَابَلَتِهِ عَلَى عَجَل.
стр. 1876
فَلَمَّا أَذِنَ لَهُ إِذَا بِهِ يحمل أوراقَه بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَسْأَل المهدي أن يُعْفِيهِ مِن القضاء ويَسْتأذنه في تسليم الأوراق التي في حَوْزَتِهِ إلى من يَأمُر الخليفةُ بتَسلِيمها له.
وَظَنَّ الْخَلِيفَةُ أَنَّ الْقَاضِي عَافِية قَدْ أَقْدَمَ عَلَى طَلَبَ الاسْتِعْفَاءِ مِنْ الْقَضَاءِ لأَنَّ أَحَدِ رِجَالِ حَاشِيَتِهِ وَمَنْ هُمْ مَحْسُوبُونَ عَلَى الْخَلِيفَةِ قَدْ تَطَاوَلَ عَلَيْهِ أَوْ نَالَ مِنْهُ أَوْ أَسَاءَ مُعَامَلَته أَوْ أَبْدَى عدم احْتِرَامٍ لَهُ تَدَخل في شأنٍ مِن شؤون قَضَائِهِ فأضْعَفَ سُلْطَانَه في تَنْفِيذ أحْكَامِهِ وَلشَدَّ مَا كَانَتْ دَهْشَةُ الْخَلِيفَةِ حِينَمَا عَرَفَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
فَأَحَبَّ الْخَلِيفَةُ أَنْ يَتَعَرَّفَ مِنْ ذَلِكَ السَّبَبَ الْحَقِيِقي الَّذِي دَفَعَ الْقَاضِي إِلى الاسْتِعْفَاءِ عَلَى عَجَلٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي يَلْجَأُ النَّاسُ فِيهِ إِلى الرَّاحَةِ وَهُوَ وَقْتِ الظَّهِيرَةِ.
وَلَمَّا أَصَرَّ الْخَلِيفَةُ عَلَى طَلَبِ مَعْرِفَةِ السَّبَبِ لَمْ يَجِدَ الْقَاضِي بُدًا مِنْ أَنْ يَرْوي لَهُ مَا جَرَى لَهُ مِمَّا كَانَ سَبَبًا فِي طَلَبِ الإِعْفَاءِ حِرْصًا عَلَى دِينِهِ وَطَهَارَةً لِنَفْسِهِ.
فَقَالَ الْقَاضِي عَافِيَةُ: مُنْذُ شَهْرَيْن وَأَنَا أتَابِعُ الْبَحْثَ فِي إِحْدَى الْقَضَايَا الْمُعْضِلَةِ مُحَاولاً أَنْ أَصِلَ فِيهَا إِلى وَجْهِ الْحَقِّ فَقَدْ تَقَدم إِليّ خَصْمَان مُوسِرَانِ وَجِيهَانِ فِي قَضِيَّةٍ مُعْضِلَةٍ مُشْكِلَةٍ.
وُكُلٌّ مِنْهُمَا يَدَّعِي بَيِّنَةً وَشُهُودًا وَيُدْلي بِحُجَجٍ تَحْتَاجُ إِلى تَأَمُّلٍ وَتَثَبُّتٍ.
ولما لم يَتَبَيَّنْ لِي وَجْهُ الْحَقِّ رَددْتُ الْخُصُومَ رَجَاءً أَنْ يَصْلَحُوا أَوْ يَتَبَيَّنَ لِي وَجْهُ فَصْلٍ بَيْنَهُمَا.
وَأَثْنَاءَ ذَلِكَ وَقَفَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ مِنْ خَبَرِي عَلَى أَنِّي أحِبُّ الرُّطَبَ السُّكَرِي.
فَعَمَدَ فِي وَقْتِنَا هَذَا وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الرُّطَبِ وَجَمَعَ رُطَبًا سُكَّرِيًا لا يَتَهَيَأ فِي
стр. 1877
هَذَا الوقتِ لأَحدٍ جَمْعُ مِثْلِهِ إِلا لأَمِير الْمُؤْمِنِينَ وَحَقًّا مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ منه.
ثم عَمَدَ إلى بَوَّابِي فَرَشَاهُ جُمْلَةَ دَرَاهِم لِيُدْخِلَ الطَّبَقَ إليَّ عَلَى أَنَّهُ لا يُبَالِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ أَقْبَلَ الطَّبَقَ أَوْ أَرُدَّهُ.
فَلَمَّا أَدْخَلَ الطَّبَقَ إِليَّ أَنْكَرْتُ أَمْرَهُ وَطَرَدْتُ بَوَّابِي وَأَمَرْتُ بِرَدِّ الطَّبَقِ فَرَدَّهُ لِسَاعَتِهِ.
فَلَمَّا كَانَ اليومُ تَقَدَّمَ إِليَّ هَذَا الرجلُ مع خَصْمِهِ فَهَالَنِي أَنَّهُمَا لَمْ يَتَسَاوَيَا فِي قَلْبِي وَلا فِي عَيْنِي.
وهذا يا أمير المؤمنين وأنا لَمْ أَقْبَلْ فكيف يكون حَالي لو قَبلْتُ ولا آمَنُ أن يَقَعَ على حِيلَةٍ في دِيني فأهْلِكُ وقد فَسد الناسَ فأقِلْني أَقَالَكَ الله وأعْفِني.
ولم يَسَعِ الخليفةُُ وهو يَستَمعُ إلى ذلك الكلام المنبي عن شِدَّةِ الوَرَعِ والحرص الخالص على نزاهةِ الحكم وبُعْدَ القاضي عن المؤثرات أَيًّا كان نوعُهَا إلا أن يَسْتَجِيبَ لِطَلَبِ القَاضِي النَّقِي النَّبِيل فأعْفَاهُ من القَضَاء.
فَتَأَمل هَذِه القِصَّةِ بدقة. وقارِنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَثِيرٍ من قُضَاةِ هذا الزمن يَتَبَيَّنُ لَكَ الفرق العظيمُ والبُونُ الشاسِع نسأل الله العافية.
اللَّهُمَّ أَحْي قُلُوبَنَا وَنَوِّرْهَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَزَيِّنْهَا بِمَحَبَّتِكَ وَجَمِّل أَلْسِنَتَنَا بِذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحَسِّنْ أَعْمَالَنَا وَوَفِّقْنَا لِحِفْظِ أَوْقَاتِنَا وَأَحْيينَا حَيَاةً طَيِّبَةً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
وَمِنْ إِعْلانِ عمر بن عبد العزيز الْجَوَائِزِ لَمِنْ يَدُلُّهُ عَلَى الْخَيْرِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلى أَهْلِ الْمُوسِمِ: أَمَّا بَعْدُ فَأَيُّمَا رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْنَا فِي رَدِّ مَظْلَمَةٍ أَوْ أَمْرٍ يُصْلِحُ اللهُ بِهِ خَاصًّا
стр. 1878
أَوْ عَامًا مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فَلَهُ مَا بَيْنَ مَائَةِ دِينَار إِلى ثَلاثِمائَةِ دِينَارٍ بِقَدْرٍ مَا يَرِي مِنْ الْحُسْبَةِ وَبُعْدِ السَّفَرِ لَعَلَّ اللهَ يُحْيِي بِهِ حَقًّا أَوْ يُمِيتُ بِهِ بَاطِلاً أَوْ يَفْتَحَ بِهِ مِنْ وَرَائِهِ خَيْرًا وَلَوْلا أَنِّي أُطِيلُ عَلَيْكُم وَأَطْنِبُ فَيَشْغَلُكُمْ ذَلِكَ عَنْ مَنَاسِكَكُمْ لَسَمَّيْتُ أُمُورًا مِنَ الْحَقِّ أَظْهَرَهَا اللهُ وَأُمُورًا مِنَ الْبَاطِلِ أَمَاتَهَا اللهُ وَكَانَ اللهُ هُو الْمُتَوَحِّدُ لَكَمْ فِي ذَلِكَ لا تَجِدُونَ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ لَوْ وَكَلَنِي إِلى نَفْسِي لَكُنْتُ كَغَيْرِي وَالسَّلامُ.
وَكَتَبَ مَرَّةً إِلى الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ وَمُطَرِّفَ بنِ الشَّخِّيرِ: مِنْ عُمَرَ بنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلى الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ وَمُطَرِّفِ بنِ عَبْدِ اللهِ ابنِ الشَّخِّيرِ سَلامُ علَيْكُمَا فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمَا اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَسْأَلهُ أَنْ يُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِه وَرَسُولِهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللهِ فَإِنَّ مَنْ يَقُولُهَا كَثِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهَا قَلِيلٌ فَإِذَا أَتَاكُمَا كِتَابِي فَعِظَانِي وَلا تُزَكِّيَانِ وَالسَّلامُ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ: إِلى عُمَرَ سَلامٌ عَلَيْكَ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللهَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا دَارُ مخوفَةٍ أُهْبَطَ إِلَيْهَا آدَمُ ﵇ عُقُوبَةً تُهينُ مِنْ أَكْرَمَهَا وَتُكْرِمُ مَنْ أَهَانَهَا وَتُفْقِرُ مَنْ جَمَعَ لَهَا لَها فِي كُلِّ يَوْمٍ قَتِيلٌ فَكُنْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَالْمُدَاوِي لِجرْحِهِ وَاصْبِرْ عَلَى شِدَّةِ الدَّوَاءِ لِمَا تَخَافُ مِنْ طُولِ الْبَلاءِ.
وَكَتَبَ إِلَيْهُ مُطَرِّفُ: سَلامٌ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتِهِ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللهَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ أَمَّا بَعْدُ فَلْيَكُنْ اسْتِئْنَاسُكَ بِاللهِ وَانْقِطَاعُكَ إِلَيْهِ فَإِنَّ قَوْمًا أَنِسُوا بِاللهِ وَانْقَطَعُوا إِلَيْهِ فِي وَحْدَتِهِمْ أَشَدُّ اسْتِئْنَاسًا مِنْهُمْ بِالنَّاسِ فِي كُثْرَةَ ِعدَدِهِمْ، أَماَتوُا مِن الدُّنْيَا مَا خَافُوا أَنْ يُمِيتَ قُلُوبَهُمْ وَتَرَكُوا مِنْهَا مَا عَلِمُوا أَنْ سَيَتْرُكَهُمْ فَأَصْبَحُوا لِمَا سَالَمَ النَّاسُ مِنْهَا أَعْدَاءً جَعَلَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَصْبَحُوا بِهَا قَلِيلاًً وَالسَّلامُ.
وَقَدِمَتْ امْرَأَةٌ مِن الْعِرَاقِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. فَلَمَّا صَارَتْ إِلى بَابِهِ قَالَتْ: هَلْ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَاجِبٌ؟ فَقَالَوا: لا فَادْخُلِي إِنْ شِئْتِ.
стр. 1879
فَدَخَلَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجَةِ عُمَرَ فَاطِمَةَ وَهِيَ جَالِسَةِ فِي بَيْتِهَا وَفِي يَدِهَا قُطْنٌ تَُعَالِجُهُ فَسَلَّمَتْ الْمَرْأَةُ فَرَدَّتْ عَلَيْهَا فَاطِمَةُ السَّلامِ وَقَالَتْ لَهَا: أدْخُلِي.
فَلَمَّا جَلَسَتْ الْمَرْأَةُ رَفَعَتْ بَصَرَهَا فَلَمْ تَرَ فِي الْبَيْتِ شَيْئًا لَهُ باَلٍ وَذُو أَهمِيَّةٍ، فَقَالَتْ: إِنَّمَا جِئْتُ لأَعْمُرَ بَيْتِي مِنْ هَذَا الْبَيْتِ الْخَرَابِ قَالَتْ فَاطِمَةُ: إِنَّمَا خَرَّبَ هَذَا الْبَيْتَ عِمَارَةُ بُيُوتِ أَمْثَالِكِ فَأَقْبَلَ عُمَرُ حَتَّى دَخَلَ الدَّارَ فَسَلَّمَ وَدَخَلَ بَيْتَهُ فَمَالَ إِلى مُصَلّى كَانَ لَهُ فِي الْبَيْتِ يُصَلِّي فِيهِ.
فَسَأَلَ فَاطِمَةُ عَن الْمَرْأَةِ فَقَالَتْ: هِيَ هَذِهِ فَأَخَذَ مِكْتَلاً لَهُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ عِنَبٍ فَجَعَلَ يَتَخَيَّرُ لَهَا أَحْسَنَهُ يُنَاوِلُهَا إِيَّاهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ: مَا حَاجَتُكِ؟
فَقَالَتْ: امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ لِي خَمْسُ بَنَاتٍ كُسُلٍ كُسُدٍ فَجِئْتُكَ ابْتَغِي حُسْنَ نَظَرِكَ لَهُنَّ، فَجَعَلَ يَقُولُ: كُسُلٌ، كُسُدَ وَيَبْكِي فَأَخَذَ الدَّوَاةَ وَالْقِرْطَاسَ وَكَتَبَ إِلى وَالي الْعِرَاقِ فَقَالَ: سَمِّي أَكْبَرَهُنَّ فَسَمتها فَفَرَضَ لَهَا فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: الْحَمْدُ للهِ.
ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ اسْمِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَالْمَرْأَةُ تَحْمَدُ اللهَ فَفَرَضَ لَهَا فَلَمَّا فَرَضَ لِلأَرْبَعْ اسْتَفَزَّهَا الْفَرَحُ فَدَعَتْ لَهُ فَجَزَتْهُ فَرَفَعَ يَدَهُ وَقَالَ: قَدْ كُنَّا نَفْرِضُ لَهُنَّ حِينَ كُنْتِ تُولِينَ الْحَمْدَ أَهْلَهُ فَمُرِي هَؤُلاءِ الأَرْبَعَ يُفِضْنَ عَلَى هَذِهِ الْخَامِسَةِ.
فَخَرَجَتْ بِالْكِتَابِ حَتَّى أَتَتْ بِهِ الْعِرَاقَ فَدَعَتْهُ إِلى وَالي الْعِرَاقِ فَلَمَّا دَفَعَتْ إِلَيْهِ الْكِتَابَ بَكَى وَاشْتَدَّ بُكَاؤُهُ وَقَالَ: رَحِمَ اللهُ صَاحِبَ هَذَا الْكِتَابِ فَقَالَتْ: أَماَت َ؟ قَالَ: نَعَمْ فَصَاحَتْ وَوَلْوَلَتْ فَقَالَ: لا بَأْسَ عَلَيْكِ مَا كُنْتُ لأَرُدَّ كِتَابَهُ فِي شَيْءٍ فَقَضَى حَاجَتَهَا وَفَرَضَ لِبَنَاتِهَا.
وَأَرْسَلَ عَطَاءُ إِلى فَاطِمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخْبِرينِي عَنْ عُمَرَ قَالَتَ: أَفْعَلُ. إِنَّ عُمَرَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ كَانَ قَدْ فَرَّغَ لِلْمُسْلِمِينَ نَفْسَهُ وَلأُمُورِهِمْ فَكاَنَ
стр. 1880
إِذَا أَمْسَى وَلَمْ يَفْرُغْ فِيهِ مِنْ حَوَائِجِ يَوْمِهِ وَصَلَ يَوْمِهِ بِلَيْلَتِهِ إِلى أَنْ أَمْسَى مَسَاءً وَقَدْ فَرِغَ حَوَائِجَ يَوْمِهِ فَدَعَا بِسِرَاجِهِ الَّذِي كَانَ مِنْ مَالِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَقْعَى وَاضِعًا رَأْسَهُ عَلَى يَدَيْهِ تَسِيلُ دُمُوعُهُ عَلَى خَدَّيْهِ يَشْهَقُ الشَّهْقَةَ يَكَادُ يَنْصَدِعُ قَلْبُهُ لَهَا وَتَخْرُجُ لَهَا نَفْسُهُ حَتَّى إِذَا بِرَقَ الصُّبْحُ أَصْبَحَ صَائِمًا فَدَنَوْتُ مِنْهُ.
فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَيْسَ مِنْكَ مَا كَانَ قَالَ: أَجَلْ فَعَلَيْكِ بِشَأْنِكَ وَخَلِّينِي وَشَأْنِي قَالَتْ: فَقُلْتُ إِنِّي أَرْجُو أَنْ أَتَّعِظَ قَالَ: إِذَنْ أُخْبِرُكَ إِنِّي نَظَرْتُ فَوَجَدْتُنِي قَدْ وُلِّيْتُ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَسْوَدَهَا وَأَحْمَرَهَا.
ثُمَّ ذَكَرْتُ الْفَقِيرَ الْجَائِعَ وَالْغَرِيبَ الضَّائِعَ وَالأَسِيرَ الْمَقْهُورِ وَذَا الْمَالِ الْقَلِيلِ وَالْعِيَالِ الْكَثِيرِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فِي أَقَاصِي الْبِلادِ وَأَطْرَافِ الأَرْضِ فَعَلِمْتُ أَنَّ اللهَ سَائِلِي عَنْهُمْ وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ? حَجِيجِي فِيهِمْ فَخِفْتُ أَنْ لا يَقْبَلَ اللهُ مِنِّي مَعْذِرَتِي فِيهِمْ وَلا تَقُومُ لِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ? حُجَّةٌ فَرَحِمْتُ وَاللهِ يَا فَاطِمَةُ نَفْسِي رَحْمَةً دَمَعَتْ لَهَا عَيْنِي وَوَجِعَ لَهَا قَلْبِي فَأَنَّا كُلَّمَا ازْدَدْتُ لَهَا ذِكْرًا ازْدَدْتُ مِنْهَا خَوْفًا فَاتَّعِظِي إِنْ شِئْتِ أَوْ ذَرِي.
وَكَانَ النَّاسُ فِي زَمَنِهِ كَلامُهُمْ وَبَحْثُهُمْ فِي الاعْتِنَاءِ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ? وَقِيَامِ اللَّيْلِ وَسِيرَةِ الرَّسُولِ وَالصَّحَابَةِ وَالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَالْبَحْثِ عَنِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالأَرَامِلِ وَالأَيْتَامِ وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وهَكَذَا النَّاسُ فِي كُلِّ عَصْرٍ تَبَعُ مُلُوكِهِمْ وَقَادِتِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ غَالِبًا.
وَكَانَ عُمَرُ ﵁ حُبُّ الْعَدَالَةِ وَالإِنْصَافِ رَكِيزَةٌ فِي نَفْسِهِ وَمِنْ لُطْفِ اللهِ بِهِ أَنْ وَهَبَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَكَانَ أُعْجُوبَةَ التَّارِيخ، كَانَ نَاشِئًا لَمْ يُجَاوِزْ عِشْرِينَ عَامًا، وَلَكِنَّهُ مِنْ تَوْفِيقِ اللهِ لَهُ أَنَّهُ مُنْذُ صِغَرِهِ قَوِيُّ الإِيمَانِ وَرَعًا زَاهِدًا، يَقْتَحِمُ عَلَى أَبِيهِ فِي مَجْلِسِهِ وَنَادِيهِ وَمَخْدَعِ نَوْمِهِ وَقَيْلُولَتِهِ يَحُثُّهُ وَيَعِظُهُ وَيَذكُرُهُ بِاللهِ وَيُوقظه وَينهيه إلا يؤخر مظلمةً الناس مخافة أن يَحْمَّ الأَجَلُ فَتَسُوءُ الْمَغَبَّةُ وَتَلْتَهِبُ عَلَى أَبِيهِ النَّارُ.
стр. 1881
وَكَانَ كُلَّمَا دَخَلَ عُمَرُ فِي الأُمُورِ عَلَى بَيِّنَةٍ اقْتَحَمَهَا عَبْدُ الْمَلِكِ قَوِيًّا مُسْتَعْجِلاً وَقَدْ أَثَّرَ عَلَى أَبِيهِ وَزَادَ فِي وَرَعِهِ وَتَنْجِيزِهِ لِلأُمُورِ وَدَخَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَوْمًا عَلَى أَبِيهِ وَكَانَ عِنْدَهُ عَمُّهُ مَسْلَمَةُ فَطَلَبَ إِلى أَبِيهِ أَنْ يُخْلِيهِ بِهِ فَقَالَ: أَسِرٌّ دُونَ عَمِّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَقَامَ مَسْلَمَةُ وَجَلَسَ عَبْدُ الْمَلِكِ بَيْنَ يَدَيْ أَبِيهِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَنْتَ قَائِلٌ لِرَبِّكَ غَدًا إِذَا سَأَلَكَ فَقَالَ: رَأَيْتَ بِدْعَةً لَمْ تُمِتْهَا أَوْ سُنَّةً لَمْ تُحْيِهَا فَقَالَ عُمَرُ: يَا بُنَيَّ أَشَيْءٌ حَمَلَكَ أَمْ رَأْيٌ رأَيْتَهُ قَالَ: لا وَاللهِ وَلَكِنْ رَأْيٌ رَأَيْتُهُ مِنْ نَفْسِي عَرَفْتُ أَنَّكَ مَسْؤُلٌ فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ.
قَالَ أَبُوهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ يَا بُنَيّ وَيَجْزِيكَ مِنْ وَلَدٍ خَيْرًا فَوَاللهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِن الأَعْوَانِ عَلَى الْخَيْرِ يَا بُنَيَّ إِنَّ قَوْمَكَ شَدُّوا هَذَا الأَمْرَ عُقْدَةً وَعُرْوَةً وَمَتَى مَا أُرِيدَ مُكَابَرَتَهُمْ عَلَى انْتِزَاعِ مَا فِي أَيْدِيهمْ لَمْ آمَنْ أَنْ يَفْتِقُوا عَلَيَّ فَتْقًا تَكْثُر فِيهِ الدِّمَاءُ وَاللهِ لِزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يُهْرَاق فِي سَبَبِي مِحْجَمَةٌ مِنْ دَمْ أَوْ مَا تَرْضَى أَلا يَأْتِي عَلَى أَبِيكَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا إِلا وَهُوَ يُمِيتُ فِيهِ بِدْعَةً وَيُحْيِي فِيهِ سُنَّةً حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرَ الْحَاكِمِينَ.
وَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ الْمَلِكِ بِأَبِيهِ حَتَّى صَارَ لا يُبْرِمُ أَمْرًا فِي الْمَظَالِمِ دُونَ رَأْيِهِ قَالَ مَيْمُونُ بنُ مَهْرَانْ: بَعَثَ إِلَيَّ عُمَرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَإِلى مَكْحُول وَإِلى أَبِي قِلابَةَ فَقَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي هَذِهِ الأَمْوَالِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنَ النَّاسِ ظُلْمًا فَقَالَ مَكْحُول يَوْمَئِذٍ قَوْلاً ضَعِيفًا كَرِهَهُ عُمَر قَالَ: أَرَى أَنْ تُسْتَأْنَف فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَيَّ كَالْمُسْتَغِيثِ بِي فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ابعْثَ ْإلى ابْنِكَ عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَحْضِرْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِدُونِ مَنْ رَأَيْت.
وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَدْ تَفَقَّهَ وَدَرَسَ حَتَّى صَارَ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّامِ ثُمَّ زَهِدَ قَالَ مَيْمُون: فَقَالَ عُمَرُ: يَا حَارِثُ ادْعُ لِي عَبْدُ الْمَلِكِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ الْمَلِكِ مَا تَرَى فِي هَذِهِ الأَمْوَال الَّتِي أُخِذَتْ مِنَ النَّاسِ ظُلْمًا وَقَدْ حَضَرُوا يَطْلُبُونَهَا وَقَدْ عَرَفْنَا مَوَاضِعَهَا قَالَ: أَرَى أَنْ تَرُدَّهَا فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ كُنْتَ شَرِيكًا لِمَنْ أَخَذَهَا.
стр. 1882
تَسْمَعُ حِكَايَاتٍ يُطِيبُ سَمَاعُهَا ... وَيَحْلُو كَطَعْمِ الشَّهْدِ فِي ثَغْرِ ذَائِقِ
فَكَمْ مِنْ شَوَاجٍ لِلْقُلُوبِ رَقَائِقٍ ... وَكَمْ مِنْ مَعَانٍ لِلْعُوُم ِحقَاَئِقِ
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَنَّ عُمَرَ بنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا كَانَ فِي يَوْمِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَالَ: أَجْلِسُونِي. فَأَجْلَسُوهُ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَمَرْتَنِي فَقَصَّرْت وَنَهَيْتَنِي فَعَصَيْتُ وَلَكِنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ ثَمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَأَحَدَّ النَّظَرَ فَقَالَوا: إِنَّكَ لَتَنْظُرُ نَظَرًا شَدِيدًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: إِنِّي لأَرَى حَضْرَةً مَا هُمْ بِإِنْسٍ وَلا جِنٍّ ثُمَّ قُبِضَ. وَقَالَ مَسْلَمَةَ بن عَبْدِ الْمَلِكَ: لَمَّا احْتُضِرَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كُنَّا عِنْدَهُ فِي قُبَّةٍ فَأَوْمَأَ إِلَيْنَا أَنِ أُخْرُجُوا فَخَرَجْنَا حَوْلَ الْقُبَّةِ وَبَقِيَ عِنْدَهُ وَصِيفٌ فَسَمِعْنَاهُ يَقْرَأَ هَذِهِ الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ مَا أَنْتُمْ بِإِنْسٍ وَلا جِنٍّ ثُمَّ خَرَجَ الْوَصِيفُ فَأَوْمَأَ إِلَيْنَا أَنِ ادْخُلُوا فَإِذَا هُوَ قَدْ قُبِض.
شَمِّر عَسَى أَنْ ينْفَعَ التَّشْمِيرُ ... وَانْظُرْ بِفِكْرَكَ مَا إِلَيْهِ تَصِيرُ
طَوَّلْتَ آمَالاً تَكَنَّفَهَا الْهَوَى ... وَنَسِيتُ أَنَّ الْعُمْرَ مِنْكَ قَصِيرُ
قَدْ أَفْصَحَتْ دُنْيَاكَ عَن غَدَرَاتِهَا ... وَأَتَى مَشِيبُكَ وَالْمَشِيبُ
دَارٌ لَهَوْتَ بِزَهْوِهَا مُتَمَتِّعًا ... تَرْجُو الْمَقَامَ بِهَا وَأَنْتَ تَسِيرُ
وَاعْلَمْ بَأَنَّكَ رَاحِلٌ عَنْهَا وَلَوْ ... عُمِّرْتَ فِيهَا مَا أَقَامَ ثَبِيرُ
لَيْسَ الْغِنَى فِي الْعَيْشِ إِلا بُلْغَةً ... وَيَسِيرْ مَا يَكْفِيكَ مِنْهُ كَثِيرُ
لا يَشْغَلَنَّكَ عَاجِلٌ عَن آجِلٍ ... أَبَدًا فَمُلْتَمِسُ الْحَقِيرِ حَقِيرُ
وَلَقْدَ تَسَاوَى بَيْنَ أَطْبَاقِ الثَّرَى ... فِي الأَرْضِ مَأْمُورٌ بِهَا وَأَمِيرُ
آخر: ... حَانَ الرَّحِيلُ فَوَدِّعِ الدَّارَ الَّتِي ... مَا كَانَ سَاكِنُهَا لَهَا بِمُخَلَّدِ
وَاضْرَعْ إِلى الْمَلِكِ الْجَوَّادِ وَقُلْ لَهُ ... عَبْدٌ بِبَابِ الْجُودِ أَصْبَحَ يَجْتَدِي
لَمْ يَرْضَ إِلا الله مَعْبُودًا وَلا ... دِينًا سِوَى دِينِ النَّبِي مُحَمَّدِ
قَالَ بَعْضُهُمْ لما حَضَرَتْهُ الْوَفَاة: (إِلَهِي وَسَيِّدي وَمَوْلاي قَدْ آنَ الرَّحِيل إِلَيْكَ وَأَزِف الْقُدُومَ عَلَيْكَ وَلا عُذْرَ لِي بَيْنَ يَدَيْكَ غَيْرَ أَنَّكَ الْغَفُورُ وَأَنَا الْعَاصِي وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَأَنَا الْجَانِي وَأَنْتَ السَّيدُ وَأَنَا الْعَبْدُ ارْحَمْ.
стр. 1883
خُضُوعِي وَزَلَّتِي بَيْنَ يَدَيْكَ فَإِنَّهُ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِكَ) . وَصَلَى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
مَوْعِظَة: عِبَادَ اللهِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةِ وَقَرُبَ التَّحَوُّلُ وَالْمَسِير، وَأَزِفَتِ الآزِفَةُ وَلَيْسَ هُنَاكَ حَمِيمٌ وَلا نَصِيرٌ وَكُتِبَتِ الصَّحِيفَةُ فَلا نِسْيَانَ لِقَلِيلٍ وَلا كَثِيرٍ ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ .
تَاللهِ لَقَدْ غَرَّتِ الأَمَانِي أَكْثَرَ خَلْقِ اللهِ فَتَرَكُوا سَبِيلَ الْهُدَى وَأَعْرَضُوا عَنْ دَارِ التَّهانِي وَالْقَرَارِ فَوَقَعُوا فِي شِرْكِ الرَّدَى وَتَمَادُوا عَلَى التَّوَانِي وَظَنُّوا أَنْ يُتْرَكُوا سُدَى وَنَسُوا قَوْلَهُ تَعَالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ .
عِبَادَ اللهِ كَيْفَ حَالُكُمْ إِذَا قُمْتُمْ مِنْ الْقُبُورِ حَيَارَى حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاَ، وَقَدْ عَظُمَتِ الأَهْوَالُ ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾ وَلَزِمَتِ الصُّحُفُ الأَعْنَاق ثُمَّ رُدُّوا إلى اللهِ مَوْلاهُمْ الْحَقَّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ.
كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ الْجَبَّارِ: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ﴾ ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ . وَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ .
فَعِنْدَ ذَلِكَ يُؤْخَذُ الْمُجْرِمُونَ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ، وَيُطْرَحُ فِي الْجَحِيمِ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الْمَعَاصِي جَرَاءَةٌ وَإِقْدَام.
وَيَمْرَحُ بِالنَّعِيمِ مَنْ قَدَّمَ الْخَيْرَاتِ لِدَارِ السَّلامِ وَعَمِلَ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ وَيَحْظَى بِجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَاتَّقُوا الله عِبَادَ اللهِ
стр. 1884
وَاسْلُكُوا طَرِيقَ الشَّرْعِ الْقَوِيمِ الَّذِي لا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَقُومُوا بِأَوَامِرِ الْمَنَّانِ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانَ.
وَاحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا مِمَّنْ غَرَّتْهُمْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِزَخَارِفَهَا الزَّائِلَة وَزِينَتِهَا الْعَاطِلَة وَأُولَئِكَ هُمْ الَّذِينَ تَنْقُص الأَيَّامُ والليالي آجالهم وَهُمْ لاهُونَ وَتَجْرِي بِهِمْ الأَعْوَامُ إِلى مَرَاقِدِ قُبُورِهِمْ وَهُمْ نَائِمُونَ وَتَتَخَطَّفَهُمْ الْمَنَايَا لاعِبُونَ وَتُنَادِيهُمْ الْعِبَرُ وَالْمَوَاعِظُ وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ وَلا يُبْصِرُونَ وَيَرَوْنَ مَا وَقَعَ بِالأُمَمِ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا نَزَلَ بِآبَائِهِمْ وَلَكِنْ لا يَفْقَهُونَ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَآلِهِمْ وَمَا إِلَيْهِ صَائِرُونَ، إِذَا هُمْ وَصَلُوا إِلى الْغَايَة الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾ .
شِعْرًا: ... يَا غَافِلاً عَمَّا خُلِقْتَ لَهُ انْتَبِهْ ... جَدَّ الرَّحِيلُ وَلَسْتَ بِالْيَقْظَانِ
سَارَ الرِّفَاقُ وَخَلَّفُوكَ مَعَ الأوُلَى ... قَنِعُوا بِذَا الْحَظِّ الخَسِيسِ الْفَانِ
وَرَأَيْتَ أَكْثَرَ مَنْ تَرَى مُتَخَلِّفًا ... فَتَبِعْتَهُمْ وَرَضِيتَ بِالْحِرْمَانِ
لَكِنْ أَتَيْتَ بِخُطَّتِي عَجْزٍ وَجَهْـ ... ـلٍ بَعْدَ ذَا وَصَحِبْتَ كُلَّ أَمَانِ
مَنَّتْكَ نَفْسُكَ بِاللِّحَاقِ مَعَ الْقُعُو ... دِ عَنِ الْمَسِيرِ وَرَاحَةِ الأَبْدَانِ
وَلَسَوْفَ تَعْلَمُ حِينَ يَنْكَشِفُ الْغِطَا ... مَاذَا صَنَعْتَ وَكُنْتَ ذَا إمَكَانِ
آخر: ... دُنْيًا مَغَبَّةُ مَنْ أَثرى بِهَا عَدَمٌ ... وَلَذَّةٌ تَنْقَضِي مِنْ بَعْدِهَا نَدَمُ
وَفِي الْمَنُونِ لأَهْلِ الْكتْبِ مُعْتَبَرءٍ ... وَفِي تَزَوُّدِهِمْ مِنْهَا التُّقَى غُنُمُ
وَالْمَرْءُ يَسْعَى لِفَضْلِ الرِّزْقِ مُجْتَهِدًا ... وَمَالِهِ غَيْرُ مَا قَدْ خُطَّ فِي الْقَلَمِ
كَمْ خَاشِعٍ في عُيُونِ النَّاسَ مَنْظِرهُ ... وَالله يَعْلَمُ مِنْهَا غَيْرَ مَا عَلِمُوا
اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَثَبِّتْهَا عَلى قَوْلِكَ الثَّابِتْ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وفي الآخِرةِ، وَيَسِّرْنَا لِلْيُسْرَى وَجَنِّبْنَا الْعُسْرَى، وَاجْعَلْنََا هُدَاةً مُهْتَدِين وَاغْفِرْ
стр. 1885
لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى وَآلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
وَوَقَفَ مُعَاوِيَةَ ﵁ يَوْمًا عَلَى مَنْبَرِهِ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ الْعَطَايَا المالية عَنْ أَفْرَادِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمُ الْخَوْلانِي فَقَالَ: لا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ يَا مُعَاوِيَةُ. قَالَ مُعَاوِيَة: وَلِمَ يَا أَبَا مُسْلِم فَقَالَ يا مُعَاوِيَةُ: كَيْفَ تَمْنَعُ الْعَطَا وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَدِّكَ وَلا كَدِّ أَبِيكَ وَلا مِنْ كَدِّ أُمِّكَ.
فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ وَنَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ وَقَالَ لِلْحَاضِرِينَ: مَكَانَكُمْ. وَغَابَ سَاعَةً عَنْ أَعْيُنِهِمْ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وَقَدْ اغْتَسَلَ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا مُسْلِمْ كَلَّمَنِي بِكَلامٍ أَغْضَبَنِي وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ? يَقُولُ: «الْغَضَبُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَالشَّيْطَانُ خُلِقَ مِنَ النَّارِ وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَغْتَسِلْ» . وَإِنِّي دَخَلْتُ فَاغْتَسَلْتُ وَصَدَقَ أَبُو مُسْلِم إِنَّهُ مِنْ كَدِّي وَلا مِنْ كَدِّ أَبِي فَهَلمُّوا إِلى عَطَائِكُم.
وَبِالتَّالِي فَإِلَيْكَ صِفَةُ الإِمَامِ الْعَادِل: كَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ لَمَّا وَلِيَ الْخِلافَةَ إِلى الْحَسَنِ الْبَصَرِي لِيُخْبِرَهُ عَنْ صِفَةِ الإِمَامِ الْعَادِل فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَسَن اعْلَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ الإِمَامَ الْعَادِلَ قِوّامَ كُلِّ مَائِلِ وَقَصْدَ كُلِّ جَائِرٍ وَصَلاحَ كُلِّ فَاسِدٍ وَقُوَّةَ كُلِّ ضَعِيف وَنَصَفَةَ كُلِّ مَظْلُوم وَمَفْزَعَ كُلِّ مَلْهُوف وَالإِمَامُ الْعَادِل يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَالرَّاعِي الشَّفِيقِ عَلَى إِبْلِهِ الرَّفِيقِ بِهَا الَّذِي يَرْتَادُ لَهَا أَطْيَبَ الْمَرْعَى وَيَذُودُهَا عَنْ مَرَاتِعِ الْهَلَكَةِ وَيَحْمِيهَا عَنِ السِّبَاعِ وَيُكِنُّهَا عَنْ أَذَى الحَرَّ وَالْقَر.
وَالإِمَامُ الْعَادِلُ كَالأَبِ الْحَانِي عَلَى وَلَدِهِ يَسْعَى لَهُمْ صِغَارًا وَيُعَلِّمُهُمْ كِبَارًا يَكْتَسِبُ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِ وَيَدّخِرُ لَهُمْ بَعْدَ مَمَاتِهِ.
وَالإِمَامُ الْعَادِلُ كَالأُمِّ الشَّفِيقَةُ الْبَرَّةِ الرَّقِيقَةِ بِوَلَدِهَا َحَمَلَتْهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ
стр. 1886
كُرْهًا وَرَبَّتْهُ طِفْلاً تَسْهَرُ بِسَهَرِهِ وَتَسْكُنُ بِسُكُونِهِ تُرْضِعُهُ تَارَةً وَتُفْطِمُهُ أُخْرَى وَتَفْرَحُ بِعَافِيَتِهِ وَتَغْتَمُّ بِشِكَايَتِهِ.
وَالإِمَامُ الْعَادِلُ وَصِيُّ الْيَتَامَى وَخَازِنُ الْمَسَاكِين يُرَبِّي صَغِيرَهُمْ وَيَمُونُ كَبِيرَهُمْ وَالإِمَامُ الْعَادِلُ هَوُ الْقَائِمُ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ يَسْمَعُ كَلامَ اللهِ وَيُسْمِعَهُمْ وَيَنْظُر إِلى اللهِ وَيُرِيهم وَيَنْقَادُ إلى اللهِ وَيَقُودُهُمْ فَلا تَكُنْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا مَلَّكَكَ اللهُ كَعَبْدٍ ائْتَمَنَهُ سَيِّدُهُ وَاسْتَحْفَظَهُ مَالُهُ وَعِيَالَه فَبَدَّدَ الْمَالَ وَشَرَّدَ الْعِيَالَ فَأَفْقَرَ أَهْلَهُ وَفَرَّقَ مَاله.
وَأَعْلَمْ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ الْحُدُودَ لِيَزْجُرَ بِهَا عَن الْخَبَائِث وَالْفَوَاحِشِ فَكَيْفَ إِذَا أَتَاهَا مِنْ يَلِيهَا وَإِنَّ اللهَ أَنْزَلَ الْقِصَاصَ حَيَاةً لِعِبَادِهِ فَكَيْفَ إِذَا قَتَلَهُمْ مَنْ يَقْتَصُّ لَهُمْ وَاذْكُر الْمَوْتَ وَمَا بَعْدَهُ وَقِلَّةَ أَشْيَاعِكَ عِنْدَهُ وَأَنْصَارَكَ عَلَيْهِ فَتَزَوَّدْ لَهُ وَلِمَا بَعْدَهُ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ لَكَ مَنْزِلاً غَيْرَ مَنْزِلِكَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ يَطُولُ فِيهِ ثَواؤُكَ وَيُفَارِقُكَ أَحِبَّاؤُكَ يُسْلِمُونَكَ فِي قَعْرِهِ وَحِيدًا فَرِيدًا فَتَزَوَّدْ لَهُ مَا يَصْحَبُكَ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ وَاذْكُرْ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا في الصُّدُورِ فَالأَسْرَارُ ظَاهِرَة وَالْكِتَابُ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا.
فَالآنَ وَأَنْتَ في مَهْلٍ قَبْلَ حُلُولِ الأَجَل وَانْقِطَاعِ الأَمَلِ لا تَحْكُمُ فِي عِبَادِ اللهِ بِحُكْمِ الْجَاهِلِينَ وَلا تَسْلُكَ بِهِمْ سَبِيلَ الظَّالِمِينَ وَلا تُسَلِّطْ الْمُسْتَكْبِرِينَ عَلَى الْمُسْتَضِعِفينَ فَإِنَّهُمْ لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً فَتَبُوءَ بِأَوْزَارِكَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكَ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالَكَ.
وَلا يَغُرَّنَّكَ الَّذِينَ يَتَنَعَّمُونَ فِي بُؤْسِكَ وَيَأْكُلُونَ الطَّيِّبَاتِ في دُنْيَاهُمْ بِإِذْهَابِ طَيِّبَاتِكَ في آخِرَتِكَ وَلا تَنْظُرْ إِلى قُدْرَتِكَ الْيَوْمَ وَلَكِنْ انْظُرْ إِلى قُدْرَتِكَ
стр. 1887
غَداً وَأَنْتَ مَأْسُورٌ فِي حَبَائِلِ الْمَوْتِ وَمَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَي اللهِ في مَجْمَعٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَقَدْ عَنِتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي لا تَأْخُذُهُ سِنَةُ وَلا نَوْم.
شِعْرًا: زِدْنَا عَلَيْهِ مَا بَيْنَ الأَقْوَاس.
سَلِ الْمَنَايَا عَلَى عِلْمٍ وَتَجْرُبَةِ ... في أيَ شَيْءٍ بَغَى الإِنْسَانُ أَوْ حَسَدَا
تَنَافَس النَّاسُ في الدُّنْيَا وَقَدْ عَلِمُوا ... أَنَّ سَوْفَ تَقْتُلَهُم لِذَّاتُهَا بُدَدَا
تَبَادَرُوهَا وَقَدْ آذَتْهُم فَشَلاً ... وَكَاثَرُوهَا وَقَدْ أَفْنَتْهُمُ عَدَدَا
قُلْ لِلْمُحَدِّثِ عَنْ لُقْمَانَ أَوْ لِبَدٍ ... لَمْ يَتْرُكِ الدَّهْرَ لُقْمَانًا وَلا لِبَدَا
(وَلَمْ يُغَادِرْ عَمَارَاتٍ وَلا فُلَلاً ... وَلا قُصُورًا بِهَا الْمَغْرُورُ مُسْتَنِدَا)
(وَلا بَسَاتِينَ فِي الأَشْجَارِ زَاهِيَةً ... وَسَاهِرُ المَاءِ في الأَنْهَارِ مُطَّرِدَا)
(وَلا جَبَانًا يَخَافَ الْمَوْتَ ذَا قَلَقٍ ... وَلا شُجَاعًا يَهْزِمُ الْجَمْعُ مُنْفَرِدَا)
(وَلا كَرِيمًا تُبِيدُ الْمَالَ رَاحَتُهُ ... وَلا بَخِيلاً إِذَا اسْتَمْنَحْتَهُ شَرَدَا)
اللَّهُمَّ احْفَظْنَا مِن الْمُخَالَفَةِ وَالْعِصْيَانِ وَلا تُؤَاخِذْنَا بِجَرَائِمَنَا وَمَا وَقَعَ مِنَّا مِن الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانِ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
كتب سفيانَ الثوريّ إلى أخٍ له في الله يقول له: (أما بعدُ: عافانا الله وإيَّاك مِن النَّار برحمتِه، أوصِيكَ وإيَّايَ بَتَقْوَى الله.
وَأحَذِّركَ أن تَجْهَلَ بعد إِذْ عَلِمْتَ، فتهلكَ بعدَ إِذْ أبصرتَ، وتَدَع الطريقَ بعد إذْ وَضَحَ لَكَ، وَتَغْتَرَّ بأهلِ الدنيا بِطَلَبِهم لَهَا، وحِرْصِهِمْ عليها وإكثارِهِم منها.
стр. 1888
فَإِنَّ الْهَوْلَ شَدِيدٌ، والطَّرِيقَ بَعِيدٌ، وَالْمنَاقِشَ عَتِيدٌ، وَالخطرَ عَظِيمٌ، وَالوَقتَ قَرِيبٌ، وَكأنْ قَدْ كَانَ.
فَتَفَرّغْ وَفَرِّغْ قَلْبِكَ، ثُمَّ الجدَّ الْجدَّ، والوَحَاءَ الوَحَاءَ، وَالهَرَبَ الهَرَبَ، وَارْتَحِلْ إِلى الآخِرَةِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُرْتَحَلَ بِكَ.
وَاسْتَقْبِلْ رُسُلَ رَبِّكَ، وَاشْدُدْ مِئْزَرَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى قَضَاؤُكَ، وَيُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَا تُرِيد، فَقَدْ وَعَظْتُكَ بِمَا وَعَظْتُ بِهِ نَفْسِي، وَالتَّوْفِيقُ مِن الله.
وَمِفْتَاحُ التَّوفيقِ التَّضرُّعُ والاسْتِكَانَةُ وَالندامةُ عَلَى ما فَرَّطتَ، ولا تُضَيِّعْ حَظَّكَ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ وَاللَّيَالِي الَّتِي هِيَ مَتْجَرُ الزُّهَّاد، وَمَكْسَبُ الْعُبَّادِ.
ثُمَّ إِيَّاَك وَمَا يُفْسِدُ عَلَيْكَ عَمَلَكَ وَهُوَ الرِّيَاءُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رِيَاءٌ فَإِعْجَابُكَ بِنَفْسِكَ.
وَإِيَّاكَ أَنْ تُحِبُّ مَحَامِدَ النَّاسِ أَوْ تَحِبُّ أَنْ يُكْرِمُوكَ بِعَمَلِكَ.
وَيَرَوْنَ لَكَ فَضِيلَةً وَشَرَفًا وَمَنْزِلَةً فِي صُدُروِهِمْ، أَوْ حَاجَةً تَطْلُبُهَا إِلَيْهِمْ فِي أَمْرٍ مِن الأُمُورِ.
فَإِنَّكَ زَعِمْتَ أَنَّكَ تُرِيدُ بِعَمَلِكَ وَجْهَ اللهِ وَالدَّارِ الآَخِرَةَ وَلا تُرِيدُ بِهِ غيرهَ.
وَعَلَيْكَ بِكَثْرَةِ ذِكْرِ الْمَوْتِ، فَكَفَى بِطُولِ الأَمَلِ قِلَّةُ الخَوْفِ، وجرأةٌ على الْمَعَاصِي، وَكَفى بالْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّكَ لَمْ تعلم ولم تَعْمَلْ بِعِلْمِكَ.
وَاطْلب الْعِلْمَ لِتَعْمَل بِهِ، وَلا تَطْلُبْه لِتُبَاهِي بِهِ العُلَمَاء، أو لِتُمَارِي به السُّفَهَاءَ، أَوْ تَأْكُلَ بِهِ الأَغْنِيَاءَ.
стр. 1889
أَوْ تَسْتَخْدِمَ بِهِ الْفُقَرَاءَ، أَوْ تَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْكَ، فَإِنَّ لَكَ مِنْ عَلمِكَ مَا عَمِلْتَ بِهِ، وَعَلَيْكَ مَا ضَيَّعْتَ مِنْهُ.
فَكُلُّ مَنْ طَلَبَ الْخَيْرَ صَارَ غَرِيبًا فِي زَمَانِهِ، فَلا تَسْتَوْحِشْ وَاسْتَقِمْ عَلى سَبِيلِ رَبِّكَ.
وَاشْتَغِلْ بِذِكْرِ عُيُوبِ نَفْسِكَ عَنْ ذِكْرِ عُيُوبِ غَيْرِكَ، وَاحْزَنْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عُمْرِكَ فِي غَيْرِ طَلَبِ آخِرَتِكَ.
وَأَكْثِرْ مِنَ الْبُكَاءِ عَلَى مَا أَوْقَرْتَ ظَهْرَكَ، لَعَلَّكَ تَخْلُصُ مِنْهَا وَلا تُمْسِكْ عَن الْخَيْرِ وَأَهْلِهِ، وَلا تَتَبَاعَدْ عَنْهُمْ.
وَتَبَاعَدْ مِن الْجُهَّال وَبَاطلِهم مهما استطعت، فإنَّه لا يَنْجو من جاورَهم إلا مَنْ عصمَ الله.
وَقَالَ ﵀: وإنْ أَرَدْتَ اللِّحَاقَ بالصالحِين فاعملْ عَملَهُم، واحْذُ سِيرَتَهُم، واكْتَفِ بِمَا رُزِقْتَ مِن الدُّنْيَا.
ولا تَنْسَ مَنْ لا يَنْسَاكَ، وَلا تَغْفَلْ عَمَّنَ وُكِّلَ بِكَ، يُحصِي أَثَرَكَ، وَيَكْتُبُ عَمَلَكَ.
وَرَاقِبِ اللهِ فِي سِرِّكَ وَعَلانِيَّتِكَ، فَهُوَ رَقِيب عَلَيْكَ، وَاسْتَحي مِمَّنْ هُوَ مَعَكَ، وَأَقْرَبُ إِلَيْكَ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ.
وَاعْتَرِفْ بِفَاقَةِ نَفْسِكَ وَارْحمهَا وأكْثِرْ مِن الْبُكَاءِ عَلَيْهَا، وَلا تَغْبطْ أَهْلَ الشَّهَواتِ بِشَوَاتِهِمْ وَلا أَهْلَ النَّعمِ بِنِعَمهم.
فَإِنَّ وَرَاءَهُمْ يَومًا تُزَلْزَلُ فِيهِ الأَقْدَامُ، وَتُرعدُ فِيهِ الأَجْسَامُ، وَتَتَضَاعَفُ فِيهِ الآلامُ، وَتَتَزَايَدُ فِيهِ الأَسْقَامُ.
وَيَطُولُ فِيهِ الْقِيَامُ، وَيَشْتَدُّ فِيهِ الْحِسَابُ، وَيُشْفَقُ فِيهِ العذاب،
стр. 1890
وَتَطِيرُ فِيهِ الْقُلُوبُ حَتَّى تَبْلُغَ الْحَنَاجِرَ، فَيَا لَهَا مِنْ نَدَامَةٍ عَلى مَا أَصَابُوا مِن هَذِهِ الشَّهَوات.
وَاجْعَلْ كَسْبَكَ فِيمَا يَكُونُ لَكَ ولا تَجْعَلْه فِيمَا يَكُونُ عَلَيْكَ، وَاجْتَنِبْ الْحَرَامَ وَلا تَجْلِسْ مَعَ مَنْ يَكْسِبُه.
وَإِيَّاكَ وَالظُّلْمَ، أَوْ تَكُونَ عَوْنًا لِلظَّالِمِ أَوْ تَصْحَبَهُ أَوْ تُؤاكِلُه، أَوْ تَبَسَّمَ في وَجْهِهِ، أَوْ تَنَالَ مِنْهُ شَيْئًا فَتَكُونَ عَوْنًا لَهُ، واَلْعَوْنُ شَرِيكٌ، وَلا تُخَالِفْ أَهْلَ التَّقْوَى، وَلا تُطِعْ أَهْل الْخَطَايَا.
وَلا تُجَالِسْ أَهْلَ الْمَعَاصِي، وَاجْتَنِبْ الْمَحَارِمَ. وَعَلَيْكَ بِالتَّوْبَةِ، وَجَدِّدْهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ، بَلْ فِي كُلِّ سَاعَةٍ، فَإِنَّ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبةٌ، وَتَرْكُ الذَّنْبِ أَيْسَرُ مِنْ طَلَبِ التَّوْبَةِ.
وَلا تَتَهَاوَنْ بِالذَّنْبِ الصَّغِيرِ، وَلَكِنْ انْظُرْ مَن عَصَيْتَ، عَصَيْتَ رَبًّا عَظِيمًا، يُعَاقِبُ عَلَى الصَّغِيرُ، وَيَعْفُو عَنِ الْكَبِيرِ إِنْ شَاءَ.
فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ ﵇ حَذَّرَ نَفْسَهُ مَعَ قُربِهِ وَخُلَّتِهِ، وَعُلوِّ مَنْزِلَتِهِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ فَقَالَ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ .
وَقَالَ يُوسف الصِّدِّيقُ ﵇ مَعَ عِصْمَتِهِ وَنُبَوَّتِهِ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ .
وَقَالَ مُوسَى ﵇: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ .
وَقَالَ شُعَيْبٌ ﵇: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا﴾ .
فَهَؤُلاءِ الأَنْبِيَاءُ الْمُقَرَّبُون الْمُجْتَبَوْن الْمَخْصُوصُونَ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَعُلوِّ الْمَنْزِلَةِ خَافوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَتَضَرَّعُوا إلى مَالِكِهِمْ.
стр. 1891
(تحذير إلي الغافلين)
أَلا يَا غَافِلاً يُحْصَى عَلَيْهِ ... مِنَ الْعَمَلِ الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَهْ
يُصَاحُ بِهِ وَيُنْذرُ كُلََّ يَوْمٍ ... وَقَدْ أَنْسَتْهُ غَفْلَتُهُ مَصِيرَهْ
تَأَهَّبْ لِلرَّحِيلِ فَقَدْ تَدَانَى ... وَأَنْذرَكَ الرَّحِيلَ أَخٌ وَجِيرَهْ
وَأَنْتَ رَخِيِّ بَالٍ فِي غُرُورِ ... كَأَنْ لَمْ تَقْتَرِفْ فِيهَا صَغِيرَهْ
وَكَمْ ذَنْبٍ أَتَيْتَ عَلَى بَصِيرَةٍ ... وَعَيْنُكَ بِالَّذِي تَأْتِي قَرِيرَهْ
تُحَاذِرُ أَنْ تَرَاكَ هُنَاكَ عَيْنٌ ... وَإِنَّ عَلَيْكَ لِلْعَيْنُ الْبَصِيرَهْ
وَكَمْ حَاوَلْتَ مِنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ ... مُنِعْتَ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَخَيْرَهْ
وَكَمْ مِنْ مَدْخَلٍ لَوْ مُتَّ فِيهِ ... لَكُنْتَ بِهِ نَكَالاً فِي الْعَشِيرَهْ
وُقِيتَ السُّوءَ وَالْمَكْرُوهَ فِيهِ ... وَرُحْتَ بِنِعْمَةٍ فِيهِ سَتِيرَهْ
وَكَمْ مِنْ نِعْمَةٍ للهِ تُمْسِي ... وَتُصْبِحُ لَيْسَ تَعْرضفُهَا كَثِيرَهْ
اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا وَكَرِه إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانِ وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) وَقَالَ ﵀: واعلم يا أخي أَنَّ الله لا يقبلُ نافلةً حتى تُؤدِّي الفريضةُ، وأنَّ للهِ حَقًّا بالليل لا يَقبلُه بالنهار.
وحقًّا بالنهارِ لا يَقبلُه باللَّيل، وأنه يُحَاسِبُ العبدَ يومَ القيامةِ بالفرائض، فإنْ جاءَ بها تامةٌ قُبلَتْ فرائضهُ ونوافلُه.
وَإنْ لم يُؤدِّهَا وَأَضَاعَها أُلحقتِ النَّوافُل بالفرائض؛ فإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شاءَ عَذَّبَهُ.
وعلَيْكَ بتقوى الله ، ولِسَانٍ صَادِقٍ وَنِيَّةٍ خَالِصَةٍ، وأعمال صَالِحَةٍ، لَيْسَ فيها غِشٌّ وَلا خُدْعَةً.
فَإِنَّ اللهَ يَراكَ وَإِنْ لم تكنْ تَرَاهُ، فلا تُخَادِع الله يَخْدَعُكَ، وأصلحْ
стр. 1892
سَرِيرَتَكْ وَعَلانِيتَك، وأحْسِنْ فيما بَيْنَكَ وبينَ الله يُحْسِن ما بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاس.
واعملْ لآخِرَتِكَ يَكْفِيكَ أَمْرَ دُنْيَاكَ، وَبِعْ دُنْيَاكَ بآخِرَتِكَ تَرْبَحُهُما جَمِيعًا، وَلا تَبْعِ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ فَتَخْسَرْهُمَا جَمِيعًا.
وَإِيَّاكَ وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْجَفَاءِ، وَلا تَصْحَبْ إِلا مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ، وَلا تُصَاحِبْ الْفَاجِرَ ولا تُجَالِسْهُ.
وَإِيَّاَك وَأَبْوَابَ الْمُلوكِ وَأَبْوَابَ مَنْ يَأْتِي أَبْوَابَهُمْ وَأَبْوَابَ مَنْ يَهْوَى هَوَاهُمْ، فَإِنَّ مَعَهُمْ مِثْلَ فِتَنِ الدَّجَّال.
شِعْرًا: ... مَضَى السَّلف الأَبْرَار يَعْبِق ذكرهم ... فَسِيرُوا كَمَا سَارُوا عَلَى الْبِرِّ وَاصْنعوا
وَكُنْ مَبْذُولاً بِمَالِكَ وَنَفْسِكَ لإِخْوَانِكَ، وَعَلَيْكَ بِالْكَسْبِ الطَّيبِ، وَمَا تَكْسِبُ بِيَدِيْكَ، وَإِيَّاكَ وَأَوْسَاخَ النَّاسِ أَنْ تَأْكلَه أَوْ تلبسَه.
فَإِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْسَاخَ النَّاسِ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ بِذلَّةٍ وَتَوَاضُعٍ وَهَوَى، وَيَتَوَاضَعُ لهم مخافةَ أنْ يَمْنَعُوه.
ويا أخي! مَتَى تَنَاوْلَتَ مِن النَّاسِ شَيْئًا قَطَعْتَ لِسَانَكَ، وَأَكْرَمْتَ بَعْضَ النَّاسِ وَأَهْنتَ بَعضَهم مَعَ ما يَنْزِلُ بِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ الَّذِي يُعْطِيكَ مِن مَالِهِ فَإِنَّمَا هُوَ وَسَخُه.
وَتَفْسِيرُ وَسَخِهِ: تَطْهِيرُ عَمَلِهِ مِن الذُّنُوبِ، فَإِنْ أَنْتَ تَنَاوَلْتَ مِن النَّاسِ شَيْئًا فَلا تَأْمَنْ إِنْ دَعَوْكَ إِلى مُنْكَرِ أَجَبْتَهم.
وَإِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْسَاخَ النَّاسِ كَالرَّجلِ لَهُ شُرَكَاءِ فِي شَيْءٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَاسِمَهُمْ، يَا أَخِي جُوعٌ وَقَلِيل مِنْ الْعِبَادة خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَشْبَعَ مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ وَكَثِيرٌ مِن الْعِبَادَةِ.
فَقَدْ بَلَغنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ? قَالَ: «لَوْ أَنَّ أحدَكم أَخَذَ حَبْلاً ثُمَّ احْتَطَبَ حَتَّى يُدْبِرَ ظَهْرَهُ، كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَقُومَ عَلَى ظَهْرِ أَخِيِه فَيَسْأَلُه أَوْ يَرْجُوهُ» .
стр. 1893
وَبَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ حَمِدْنَاهُ، وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ اتَّهَمْنَاهُ.
وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الُقُرَّا! ارْفَعُوا رُؤُوسَكم، لا تَزِيدُوا الْخُشُوعَ عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ، اسْتَبِقُوا فِي الْخِيرَاتِ، وَلا تَكُونُوا عِيَالاً عَلَى النَّاسِ فَقَدْ وَضَحَ الطَّرِيقُ.
وَقَالَ عَلِيٌّ بنُ أَبي طالب ﵁: إنَّ الذي يَعِيشُ مِنْ أَيْدِي النَّاس كالذي يَغْرِسُ شَجَرَةً في أرض غيره.
فاتق الله يا أخِي، فإنّه ما نَالَ أحدٌ من النَّاسِ شَيْئًا إلا صَارَ حَقِيرًا ذَلِيلاً عندَ النَّاس، والمؤمنون شُهودُ الله في الأرضِ.
وإيَّاكَ أن تَكْسِبَ خَبِيثًا فَتُنْفِقَهُ في طاعةِ الله، فإنَّ تَرْكَهُ والله فَرِيضةٌ واجبة، وَإِنَّ الله لا يَقْبَلُ إِلا الطَّيِّبَ.
أَرَأَيْتَ رَجُلاً أَصَابَ ثَوْبَه بَوْلٌ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يطهِّرَهُ فَغَسَلَهُ بِبَولٍ آخَرَ، أَتُرَى كان ذلك يُطَهِّرُه؟
إِنَّ البولَ لا يُطَهَّرُ إِلا بِطَاهِرٍ طَيِّبٍ، فَكَذَلِكَ لا تُمْحَى سيئة بسيئةٍ، ولا تُمْحَى إلا بِحَسَنةٍ.
وَعَلَيْكَ بِالصِّدْقِ فِي الْمَوَاطِن كُلِّهَا. وَإِيَّاكَ والكذبَ والخيانة، وَإِيَّاكَ وَالرِّيَاءَ في الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ فَإِنَّهُ الشركُ بعينِهِ.
وَإِيَّاكَ وَالْعُجْبَ فَإِنَّ الْعَمَلَ لا يُرفعُ وَفِيهِ عُجْبٌ، وَلا تأخذْ إِلا مِمَّنْ هُوَ مُشْفِقٌ عَلَى دِينِه.
فَإِنَّ مَثَلَ الِّذِي هُوَ غَيْرُ مُشْفِقٍ عَلَى دِينِهِ كَمَثَلٍ طَبِيبٍ بِهِ دَاءٌ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَالِجَ دَاءَ نَفْسِهِ، وَلا يَنْصَحُ لِنَفْسِهِ، وَلا يَتَجَنَّبْ مَا يَضُرُّ مَرَضَه وَيَحْمِيهَا مِنْهُ.
فَكَيْفَ يصلح أن يُعَالِجَ دَاءَ النَّاسِ وَيَنْصَحُ لَهم؟! فهذا الذي لا يُشْفِقُ عَلَى دِينِهِ، كَيْفَ يُشْفِقُ عَلَى دِينِكَ؟!
стр. 1894
وَيَا أَخِي! إِنَّمَا دِينُكَ لَحْمُكَ وَدَمُكْ، فَابْكِ عَلَى نَفْسِكَ وَأَرْحَمْهَا، فَإِن أَنْتَ لَمْ تَرْحَمْهَا لَمْ تُرْحَمْ. وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
(فَصْلٌ)
وَقَالَ ﵀: وَلْيَكُنْ جَلِيسُكَ مَنْ يُزْهِدُكَ في الدُّنْيَا وَيُرَغِّبُكَ في الآخِرَةِ، وَإِيَّاَك وَمُجَالَسَةِ أَهْلِ الدنيا الذينَ يخوضُونَ في حديثِ الدنيا، فإنَّهم يُفْسِدُونَ عَلَيْكَ دِينَكَ وَقَلْبَكَ. وَأَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ.
وَأَكْثِرْ الاسْتِغْفَارَ مِمَّا قَدْ سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكَ، وَسَلِ اللهَ السَّلامةَ وَالْعِصْمَةَ لِمَا قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِكَ. ثُمَّ أَخِي عَلَيْكَ بِأَدَبٍ حَسَنٍ، وَخُلُقٍ حَسَنٍ.
ولا تُخَالِفَنَّ الجماعة إذا كانوا على السُّنَّةِ، فإنَّ الخيرَ فيها. وانصحْ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ إِذَا سَأَلَكَ في أَمْرِ دِينِهِ.
وَلا تَكْتْمُنَّ أَحَدًا مِن النَّصِيحَةِ شَيْئًا إِذَا شَاوَرَكَ فيما كان لله رِضًا، وَإِيَّاكَ أَنْ تَخُونَ مُؤْمِنًا؛ فَمَنْ خَانَ مُؤْمِنًا فَقَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولهَ.
وَإِذَا أَحْبَبْتَ أَخَاكَ في الله فابْذِلْ لَهُ نَفْسَكَ وَمَالَكَ. وَإِيَّاكَ والْخُصُومَاتِ وَالْجِدَالِ وَالْمِرَاءَ، فَإِنَّكَ تصيرُ ظَلُومًا خَوَّانًا أَثِيمًا.
وعليك بالصبر في المواطن كلِّها، فإنَّ الصبرَ يَجُرُّ إلى البِرِّ، والبِرِّ يَجُرُّ إلى الْجَنَّةِ.
وَإِيَّاكَ وَالْحِدَّةَ وَالغضب؛ فإنهما يَجُرَّانِ إلى الْفُجُورِ، والْفُجُورُ يَجُرُّ إلى النَّارِ.
ولا تُمَارِيَنَّ عَالِماً فَيَمْقُتَكَ، وإن الاخْتِلافِ إلى العُلَماءِ رَحْمَةٌ، وَالانقطاعَ عنهم سَخَطُ الرحمن.
فإنهم خُزَّانُ الأنبياء وَأَصْحَابُ مَوَارِيثهم، وأُمَنَاءُ الله وَهُدَاةُ الدِّين
стр. 1895
(يُرِيد العلماء المتبعون للكتاب والسنة والمطبقون لهما في الأقوال والأفعال) .
لا مَن يُسَموْنَ عُلماء وَلَيْسَ بعُلَمَاء لا يُرَى عليهم آثَارَ العِلم فهؤلاء يجب الابتعاد عنهم والتحذير منهم نسأل الله السلامة والعِصْمَة.
وعليكَ بالزهد يُبَصِّرْكَ عَوْرَاتِ الدُّنْيَا، وَعَلَيْكَ بالْوَرَعِ يُخَفِّفُ الله حِسَابَكَ.
وَدَعْ كَثِيرًا مِمَّا يريبُكَ إلى ما لا يريبُكَ تَكُنْ سَالماً، وادْفَعْ الشَّكَ باليَقِين يَسْلَمْ لَكَ دِينُكَ.
وَأمُرْ بِالمَعروفِ، وانهَ عن المُنْكَرِ تَكُنْ حَبِيبَ اللهِ، وَأَقِلَّ الفَرَحَ والضَّحِكَ تَزْدَدْ قَُوَّةً عندَ الله، واعْمَلْ لآخِرَتِكَ يَكْفِكَ الله أمْرَ دُنْيَاكَ.
وإذا أردتَ أَمْرًا من أُمُورِ الدنيا فَعَلَيْكَ بالتَّوأَدَةِ؛ فإنْ رأيتَه مُوافِقًا لآخِرَتِكَ فَخذْهُ، وَإلا فَقِفْ عنه، وسلَ الله العافية وحُسْنَ الْعَاقِبَةِ.
وَإِذَا هَمَمْتَ بأمرٍ من أمور الآخرة فَشَمِّرْ إليها مُسْرِعًا مِن قَبْلِ أن يَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا الشَّيْطَان.
وَلا تَكُونَنَّ أَكُولاً، وَلا تأكلنَّ بغيرِ شَهْوةٍ، ولا بغَير نِيَّةٍ، ولا عَلَى شِبَعٍ؛ فَيَسْقُو قَلْبُكَ. وَإِيَّاكَ وَالطَّمعَ فِيمَا في أَيْدِي النَّاسِ، فَإِنَّ الطَّمَعَ هَلاكُ الدِّينِ.
وَإِيَّاكَ وَالْحِرْصَ عَلَى الدنيا، فإن الحِرصَ يَفْضَحُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَكُنْ طَاهِرَ القلب نَقِيَّ الجسدِ من الذُنُوُبِ وَالخَطَايَا.
نَقِيّ اليَدينِ من المظالم، سَلِيمَ القلبِ مِن الْغِشِّ والمكرِ والخِيَانَةِ، خَالي الْبَطْنِ مِن الحَرَامِ، فَإِنَّهُ لا يَدْخُلُ الجنَّةَ لحمٌ نَبتَ مِنْ سُحْتٍ.
وَكُفَّ بَصَرَكَ عَنْ عَوْرَاتِ النَّاسِ، وَلا تمشِينَ إِلى غَيْرِ حَاجَةٍ، وَلا تَكَلَّمنَّ بِغَيْرِ حِكْمَةٍ.
وَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ تَلِي نَفْسِكَ مِن الأَمَانةِ شَيْئًا، وَقَدْ سَمَّاكَ الله ظَلومًا
следующие страницы →