← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

(تحذير إلي الغافلين) أَلا يَا غَافِلاً يُحْصَى عَلَيْهِ ... مِنَ الْعَمَلِ الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَهْ يُصَاحُ بِهِ وَيُنْذرُ كُلََّ يَوْمٍ ... وَقَدْ أَنْسَتْهُ غَفْلَتُهُ مَصِيرَهْ تَأَهَّبْ لِلرَّحِيلِ فَقَدْ تَدَانَى ... وَأَنْذرَكَ الرَّحِيلَ أَخٌ وَجِيرَهْ وَأَنْتَ رَخِيِّ بَالٍ فِي غُرُورِ ... كَأَنْ لَمْ تَقْتَرِفْ فِيهَا صَغِيرَهْ وَكَمْ ذَنْبٍ أَتَيْتَ عَلَى بَصِيرَةٍ ... وَعَيْنُكَ بِالَّذِي تَأْتِي قَرِيرَهْ تُحَاذِرُ أَنْ تَرَاكَ هُنَاكَ عَيْنٌ ... وَإِنَّ عَلَيْكَ لِلْعَيْنُ الْبَصِيرَهْ وَكَمْ حَاوَلْتَ مِنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ ... مُنِعْتَ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَخَيْرَهْ وَكَمْ مِنْ مَدْخَلٍ لَوْ مُتَّ فِيهِ ... لَكُنْتَ بِهِ نَكَالاً فِي الْعَشِيرَهْ وُقِيتَ السُّوءَ وَالْمَكْرُوهَ فِيهِ ... وَرُحْتَ بِنِعْمَةٍ فِيهِ سَتِيرَهْ وَكَمْ مِنْ نِعْمَةٍ للهِ تُمْسِي ... وَتُصْبِحُ لَيْسَ تَعْرضفُهَا كَثِيرَهْ اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا وَكَرِه إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانِ وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) وَقَالَ ﵀: واعلم يا أخي أَنَّ الله لا يقبلُ نافلةً حتى تُؤدِّي الفريضةُ، وأنَّ للهِ حَقًّا بالليل لا يَقبلُه بالنهار. وحقًّا بالنهارِ لا يَقبلُه باللَّيل، وأنه يُحَاسِبُ العبدَ يومَ القيامةِ بالفرائض، فإنْ جاءَ بها تامةٌ قُبلَتْ فرائضهُ ونوافلُه. وَإنْ لم يُؤدِّهَا وَأَضَاعَها أُلحقتِ النَّوافُل بالفرائض؛ فإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شاءَ عَذَّبَهُ. وعلَيْكَ بتقوى الله ، ولِسَانٍ صَادِقٍ وَنِيَّةٍ خَالِصَةٍ، وأعمال صَالِحَةٍ، لَيْسَ فيها غِشٌّ وَلا خُدْعَةً. فَإِنَّ اللهَ يَراكَ وَإِنْ لم تكنْ تَرَاهُ، فلا تُخَادِع الله يَخْدَعُكَ، وأصلحْ

стр. 1892

سَرِيرَتَكْ وَعَلانِيتَك، وأحْسِنْ فيما بَيْنَكَ وبينَ الله يُحْسِن ما بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاس. واعملْ لآخِرَتِكَ يَكْفِيكَ أَمْرَ دُنْيَاكَ، وَبِعْ دُنْيَاكَ بآخِرَتِكَ تَرْبَحُهُما جَمِيعًا، وَلا تَبْعِ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ فَتَخْسَرْهُمَا جَمِيعًا. وَإِيَّاكَ وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْجَفَاءِ، وَلا تَصْحَبْ إِلا مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ، وَلا تُصَاحِبْ الْفَاجِرَ ولا تُجَالِسْهُ. وَإِيَّاَك وَأَبْوَابَ الْمُلوكِ وَأَبْوَابَ مَنْ يَأْتِي أَبْوَابَهُمْ وَأَبْوَابَ مَنْ يَهْوَى هَوَاهُمْ، فَإِنَّ مَعَهُمْ مِثْلَ فِتَنِ الدَّجَّال. شِعْرًا: ... مَضَى السَّلف الأَبْرَار يَعْبِق ذكرهم ... فَسِيرُوا كَمَا سَارُوا عَلَى الْبِرِّ وَاصْنعوا وَكُنْ مَبْذُولاً بِمَالِكَ وَنَفْسِكَ لإِخْوَانِكَ، وَعَلَيْكَ بِالْكَسْبِ الطَّيبِ، وَمَا تَكْسِبُ بِيَدِيْكَ، وَإِيَّاكَ وَأَوْسَاخَ النَّاسِ أَنْ تَأْكلَه أَوْ تلبسَه. فَإِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْسَاخَ النَّاسِ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ بِذلَّةٍ وَتَوَاضُعٍ وَهَوَى، وَيَتَوَاضَعُ لهم مخافةَ أنْ يَمْنَعُوه. ويا أخي! مَتَى تَنَاوْلَتَ مِن النَّاسِ شَيْئًا قَطَعْتَ لِسَانَكَ، وَأَكْرَمْتَ بَعْضَ النَّاسِ وَأَهْنتَ بَعضَهم مَعَ ما يَنْزِلُ بِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ الَّذِي يُعْطِيكَ مِن مَالِهِ فَإِنَّمَا هُوَ وَسَخُه. وَتَفْسِيرُ وَسَخِهِ: تَطْهِيرُ عَمَلِهِ مِن الذُّنُوبِ، فَإِنْ أَنْتَ تَنَاوَلْتَ مِن النَّاسِ شَيْئًا فَلا تَأْمَنْ إِنْ دَعَوْكَ إِلى مُنْكَرِ أَجَبْتَهم. وَإِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْسَاخَ النَّاسِ كَالرَّجلِ لَهُ شُرَكَاءِ فِي شَيْءٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَاسِمَهُمْ، يَا أَخِي جُوعٌ وَقَلِيل مِنْ الْعِبَادة خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَشْبَعَ مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ وَكَثِيرٌ مِن الْعِبَادَةِ. فَقَدْ بَلَغنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ? قَالَ: «لَوْ أَنَّ أحدَكم أَخَذَ حَبْلاً ثُمَّ احْتَطَبَ حَتَّى يُدْبِرَ ظَهْرَهُ، كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَقُومَ عَلَى ظَهْرِ أَخِيِه فَيَسْأَلُه أَوْ يَرْجُوهُ» .

стр. 1893

وَبَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ حَمِدْنَاهُ، وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ اتَّهَمْنَاهُ. وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الُقُرَّا! ارْفَعُوا رُؤُوسَكم، لا تَزِيدُوا الْخُشُوعَ عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ، اسْتَبِقُوا فِي الْخِيرَاتِ، وَلا تَكُونُوا عِيَالاً عَلَى النَّاسِ فَقَدْ وَضَحَ الطَّرِيقُ. وَقَالَ عَلِيٌّ بنُ أَبي طالب ﵁: إنَّ الذي يَعِيشُ مِنْ أَيْدِي النَّاس كالذي يَغْرِسُ شَجَرَةً في أرض غيره. فاتق الله يا أخِي، فإنّه ما نَالَ أحدٌ من النَّاسِ شَيْئًا إلا صَارَ حَقِيرًا ذَلِيلاً عندَ النَّاس، والمؤمنون شُهودُ الله في الأرضِ. وإيَّاكَ أن تَكْسِبَ خَبِيثًا فَتُنْفِقَهُ في طاعةِ الله، فإنَّ تَرْكَهُ والله فَرِيضةٌ واجبة، وَإِنَّ الله لا يَقْبَلُ إِلا الطَّيِّبَ. أَرَأَيْتَ رَجُلاً أَصَابَ ثَوْبَه بَوْلٌ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يطهِّرَهُ فَغَسَلَهُ بِبَولٍ آخَرَ، أَتُرَى كان ذلك يُطَهِّرُه؟ إِنَّ البولَ لا يُطَهَّرُ إِلا بِطَاهِرٍ طَيِّبٍ، فَكَذَلِكَ لا تُمْحَى سيئة بسيئةٍ، ولا تُمْحَى إلا بِحَسَنةٍ. وَعَلَيْكَ بِالصِّدْقِ فِي الْمَوَاطِن كُلِّهَا. وَإِيَّاكَ والكذبَ والخيانة، وَإِيَّاكَ وَالرِّيَاءَ في الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ فَإِنَّهُ الشركُ بعينِهِ. وَإِيَّاكَ وَالْعُجْبَ فَإِنَّ الْعَمَلَ لا يُرفعُ وَفِيهِ عُجْبٌ، وَلا تأخذْ إِلا مِمَّنْ هُوَ مُشْفِقٌ عَلَى دِينِه. فَإِنَّ مَثَلَ الِّذِي هُوَ غَيْرُ مُشْفِقٍ عَلَى دِينِهِ كَمَثَلٍ طَبِيبٍ بِهِ دَاءٌ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَالِجَ دَاءَ نَفْسِهِ، وَلا يَنْصَحُ لِنَفْسِهِ، وَلا يَتَجَنَّبْ مَا يَضُرُّ مَرَضَه وَيَحْمِيهَا مِنْهُ. فَكَيْفَ يصلح أن يُعَالِجَ دَاءَ النَّاسِ وَيَنْصَحُ لَهم؟! فهذا الذي لا يُشْفِقُ عَلَى دِينِهِ، كَيْفَ يُشْفِقُ عَلَى دِينِكَ؟!

стр. 1894

وَيَا أَخِي! إِنَّمَا دِينُكَ لَحْمُكَ وَدَمُكْ، فَابْكِ عَلَى نَفْسِكَ وَأَرْحَمْهَا، فَإِن أَنْتَ لَمْ تَرْحَمْهَا لَمْ تُرْحَمْ. وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. (فَصْلٌ) وَقَالَ ﵀: وَلْيَكُنْ جَلِيسُكَ مَنْ يُزْهِدُكَ في الدُّنْيَا وَيُرَغِّبُكَ في الآخِرَةِ، وَإِيَّاَك وَمُجَالَسَةِ أَهْلِ الدنيا الذينَ يخوضُونَ في حديثِ الدنيا، فإنَّهم يُفْسِدُونَ عَلَيْكَ دِينَكَ وَقَلْبَكَ. وَأَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ. وَأَكْثِرْ الاسْتِغْفَارَ مِمَّا قَدْ سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكَ، وَسَلِ اللهَ السَّلامةَ وَالْعِصْمَةَ لِمَا قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِكَ. ثُمَّ أَخِي عَلَيْكَ بِأَدَبٍ حَسَنٍ، وَخُلُقٍ حَسَنٍ. ولا تُخَالِفَنَّ الجماعة إذا كانوا على السُّنَّةِ، فإنَّ الخيرَ فيها. وانصحْ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ إِذَا سَأَلَكَ في أَمْرِ دِينِهِ. وَلا تَكْتْمُنَّ أَحَدًا مِن النَّصِيحَةِ شَيْئًا إِذَا شَاوَرَكَ فيما كان لله رِضًا، وَإِيَّاكَ أَنْ تَخُونَ مُؤْمِنًا؛ فَمَنْ خَانَ مُؤْمِنًا فَقَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولهَ. وَإِذَا أَحْبَبْتَ أَخَاكَ في الله فابْذِلْ لَهُ نَفْسَكَ وَمَالَكَ. وَإِيَّاكَ والْخُصُومَاتِ وَالْجِدَالِ وَالْمِرَاءَ، فَإِنَّكَ تصيرُ ظَلُومًا خَوَّانًا أَثِيمًا. وعليك بالصبر في المواطن كلِّها، فإنَّ الصبرَ يَجُرُّ إلى البِرِّ، والبِرِّ يَجُرُّ إلى الْجَنَّةِ. وَإِيَّاكَ وَالْحِدَّةَ وَالغضب؛ فإنهما يَجُرَّانِ إلى الْفُجُورِ، والْفُجُورُ يَجُرُّ إلى النَّارِ. ولا تُمَارِيَنَّ عَالِماً فَيَمْقُتَكَ، وإن الاخْتِلافِ إلى العُلَماءِ رَحْمَةٌ، وَالانقطاعَ عنهم سَخَطُ الرحمن. فإنهم خُزَّانُ الأنبياء وَأَصْحَابُ مَوَارِيثهم، وأُمَنَاءُ الله وَهُدَاةُ الدِّين

стр. 1895

(يُرِيد العلماء المتبعون للكتاب والسنة والمطبقون لهما في الأقوال والأفعال) . لا مَن يُسَموْنَ عُلماء وَلَيْسَ بعُلَمَاء لا يُرَى عليهم آثَارَ العِلم فهؤلاء يجب الابتعاد عنهم والتحذير منهم نسأل الله السلامة والعِصْمَة. وعليكَ بالزهد يُبَصِّرْكَ عَوْرَاتِ الدُّنْيَا، وَعَلَيْكَ بالْوَرَعِ يُخَفِّفُ الله حِسَابَكَ. وَدَعْ كَثِيرًا مِمَّا يريبُكَ إلى ما لا يريبُكَ تَكُنْ سَالماً، وادْفَعْ الشَّكَ باليَقِين يَسْلَمْ لَكَ دِينُكَ. وَأمُرْ بِالمَعروفِ، وانهَ عن المُنْكَرِ تَكُنْ حَبِيبَ اللهِ، وَأَقِلَّ الفَرَحَ والضَّحِكَ تَزْدَدْ قَُوَّةً عندَ الله، واعْمَلْ لآخِرَتِكَ يَكْفِكَ الله أمْرَ دُنْيَاكَ. وإذا أردتَ أَمْرًا من أُمُورِ الدنيا فَعَلَيْكَ بالتَّوأَدَةِ؛ فإنْ رأيتَه مُوافِقًا لآخِرَتِكَ فَخذْهُ، وَإلا فَقِفْ عنه، وسلَ الله العافية وحُسْنَ الْعَاقِبَةِ. وَإِذَا هَمَمْتَ بأمرٍ من أمور الآخرة فَشَمِّرْ إليها مُسْرِعًا مِن قَبْلِ أن يَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا الشَّيْطَان. وَلا تَكُونَنَّ أَكُولاً، وَلا تأكلنَّ بغيرِ شَهْوةٍ، ولا بغَير نِيَّةٍ، ولا عَلَى شِبَعٍ؛ فَيَسْقُو قَلْبُكَ. وَإِيَّاكَ وَالطَّمعَ فِيمَا في أَيْدِي النَّاسِ، فَإِنَّ الطَّمَعَ هَلاكُ الدِّينِ. وَإِيَّاكَ وَالْحِرْصَ عَلَى الدنيا، فإن الحِرصَ يَفْضَحُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَكُنْ طَاهِرَ القلب نَقِيَّ الجسدِ من الذُنُوُبِ وَالخَطَايَا. نَقِيّ اليَدينِ من المظالم، سَلِيمَ القلبِ مِن الْغِشِّ والمكرِ والخِيَانَةِ، خَالي الْبَطْنِ مِن الحَرَامِ، فَإِنَّهُ لا يَدْخُلُ الجنَّةَ لحمٌ نَبتَ مِنْ سُحْتٍ. وَكُفَّ بَصَرَكَ عَنْ عَوْرَاتِ النَّاسِ، وَلا تمشِينَ إِلى غَيْرِ حَاجَةٍ، وَلا تَكَلَّمنَّ بِغَيْرِ حِكْمَةٍ. وَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ تَلِي نَفْسِكَ مِن الأَمَانةِ شَيْئًا، وَقَدْ سَمَّاكَ الله ظَلومًا

стр. 1896

جهولاً، وأقِلِ العَثْرةَ، وَأَقِلَّ الاعتذارَ، واغفرْ ذنبَ مَنْ يُرْجَى خَيْرهُ وَيُؤْمَنُ شرُّه. وَلا تُبْغِضْ أَحَدًا يُطِيعُ الله ورسولَهُ، ولا تَقْطَعْ رَحِمَكَ، وَصِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَصِلْ رَحِمَكَ وَإِنْ قَطَعَتْكَ. وَتَجَاوَزْ عَمَّنْ ظَلَمَكَ تَكُنْ رَفِيقَ الأَنْبِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ، وَأَقِلَّ دُخُولَ السوقِ، فَإِنَّ أَهْلَهُ ذِئَابٍ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ، وفي السُّوقِ مَرَدَةُ الشياطينِ منِ الجنِّ والإِنسِ. وَإِذَا دَخَلْتَها فَقُلْ: أشهدُ أنْ لا إلِهِ إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمدُ يُحْيي ويُميتُ، وهو حيُّ لا يموت، بيده الخير وهو على كلُّ شيءٍ قدير. اللهم صلّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ وأصحابه أجمعين. فقد بلغِنَا عن النبي ? أنه قَالَ: «يُكتبُ لِقَائِلَها بِعدَدَ مَنْ في السُّوقِ مِن أَعْجَمِي أو فَصِيحٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» . وَإِيَّاكَ أَنْ تُفَارِقُ الدَّسَمَ؛ فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِعَقْلِكَ، وَلا تَمْنَعَنَّ نفسَك مِن الحلاوَةِ إنْ قَدِرْتَ؛ فَإِنَّهُ يَزِيدُ في الْحِلْمِ، وَعَلَيْكَ بِاللَّحم إِنْ وَجَدْتَهُ، وَلا تَدُمْ عَلَيْهِ وَلا تَدَعهُ أربعين يَوْمًا فَيَسوء خُلُقُكَ، وَلا تَردَّ الطِّيبَ؛ فإنَّه يَزِيدُ الدِّمَاغَ قُوةًَ. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. (فَصْلٌ) وَقَالَ ﵀: وعليكَ باللِّبَاسَ الخشنِ تَجدْ حلاوةَ الإيمان، وعليكَ بالصَّوْم يَسُدُّ بابَ الفُجور، ويَفْتَحْ عليكَ بابَ العِبادة، وعليك بقلَّةِ الكلامِ يَلِنْ قَلْبُكَ. قُلْتُ: إلا بذكر الله وما ولاه. وعليكَ بطُولِ الصمتِ تملكْ الوَرَعَ، (أي إلا ما فيه نفع أخْرَوِي أو ما هو وسيلة إليه) وَلا تكنْ طَعَّانًاً ولا مُغْتَابًا تسلمْ من أَلْسُنِ النَّاسِ. وكنْ رحيمًا تكنْ محبَّبًا إلى النَّاس، وارضَ بما قسمَ الله لك تكنْ غَنيًّا،

стр. 1897

وتوكْل على الله تكنْ قَوِيًّا، وكنْ مُتَواضِعًا تستكملْ أعمالَ البِّر. وكُنْ عفوًّا تظفَر بحاجتِك، وكنْ رحيمًا يُتَرَحَّم عليكَ، وعليك بالسَّخَاء فإنه يسْتُر العوراتِ. وعليكَ بكثرةِ المعروف يُؤْنسْكَ الله في قَبرِكَ واجتنبْ المحارِمَ كلَّها تَجِدْ حَلاوةَ الإيمان. وأحِبَّ أهلَ الجنّةٍ تكنْ معهم يومَ القيامة وابغضْ أهلَ المعاصي يُحِبُّكَ اللهُ والمؤمنون. واحْرصْ يا أخِي! أن يَكُونَ أَوَّلُ أمرِك وآخرُه على تقوى الله في السرِّ والعلانيةِ. واخشَ الله خشية مَن عَلِمَ أنه مَيِّتٌ وَمَبْعُوثٌ وَمَحْشُورٌ وَمَوْقوفٌ بينَ يَدَيْ الْجَبَّارِ. ثم المصيرُ إلى أحدِ الدارينِ؛ إِمَّا إلى جنَّةٍ ناعمةٍ خالدةٍ، أو إلى نارٍ حاميةٍ مؤبَّدَةٍ دائمةٍ. وجالس الفقراء، واصحبِ المساكينَ، وأرضَ بعيشتهم، وتأسَّ بفقيرهم، واصْبر علي مُضطَرِّهم. وكنْ راضيًا عن الله بما قسم، وداخلاً تحتَ ما حكَم، ساهِرًا في جُنحِ الظُّلَمِ. انتهى. قَالَ يحيى بن أكثم: كُنتَ أرى شيخًا يَدخُل على المأمون وكان يَخْلُو به خلوةً طويلةً ثم ينصرفُ فلا نسمع له خَبَرَا فلما تُوفي. قَالَ لنا المأمونُ: وَا أسَفَا على فقد صَديقٍ مَسْكُونٍ إليه مَوْثُوقٌ به وَتُقْتَبَسُ منه الْفَوَائدُ وَالْغُرَر قُلْنَا: ومَن ذاكَ يا أمير المؤمنين؟ قَالَ: أما كُنتَ تَرى شيخًا يأتِينَا وَنَخْلُوا به مِن دونَ النَّاسِ قُلْتُ: بلى. قَالَ: قد تأخر عن إبانِهِ وأظن أنه قَدْ ماتَ. قُلْتُ: وما في ذلكَ؟ قَالَ: كان صَديقي بخرسان وكُنْتُ أسْتَرِيحُ إليه

стр. 1898

اسْتِرَاحَةَ المكْرُوب وأجد به ما يوجد بالولد السارَ المحبوب ولقد استمد منه رَأيًا أقوم به أوَدَ المملكة وأصل به إلى رضا الله في سِيَاسَة الرعية. وآخر ما قَالَ لي عِنْدَ وَداعِهِ: إذا اسْتَشَنَّ ما بينك وَبَيْنَ الله فابْلُلْهُ قُلْتُ: بماذا يَا صَاحِبَ الخَيْرِ؟ قَالَ: بالاقتداء به في الإحسان إلى عبادة فإنه يحب الإحسان مِن عباده إلى عباده كما تحب الإحسان إلى ولدك من حاشِيَتِكَ. والله ما أعطاك القُدْرَةَ عليهم إلا لتصير على إحسانك إليهم بالشكر على حَسَنَاتِهِمْ والتَّغَمُدَ لسيئاتهم وَأي شيء أوجه لَكَ عند ربك من أن يكون أمامك عدل وإنصاف وإحسان وإسْعَافٌ ورَأفة ورحمةَ مَن لِي بمثل هذا القائلِ وأنَّى لي بمن يذكرني ما انا إليه صائر. أَلا إنما الدُّنْيَا مَتَاعُ غُرورِ ... وَدَارُ بَلاءٍ مُؤذنٍ بثُبُور وَدَارُ مُلِمَّاتٍ وَدَارُ فَجَائِعِ ... وَدَارُ فَنًا في ظُلْمَةٍ وَبُحُورِ دَارُ خَيَالٍ مِنْ شُكُوكٍ وَحِيرَةٍ ... وَدَارُ صُعُودٍ في الهوى وحُدُورِ إِنَّ امْرأً لم يَنْجُ فيها بِنَفْسِهِ ... عَلَى مَا يَرى فِيهَا لَغَيْرُ صَبُورٍ وَلا بُدَّ مِنْ يَومَين يَومِ بَليَّةٍ ... إِرَادَةُ جَبَّارٍ وَيَوْمِ نُشُورِ كَأَنِّي بِيَوْم ما أخَذْتُ تَأَهُّبًا ... لِرَبِّي رَوَاحِي مَرةً وَبُكورِي كَفَى حَسْرَةً أَنَّ الْحَوَادِثَ لَمْ تَزَلْ ... تُصَيِّرُ أَهْلَ الْمُلْكِ أَهْلَ قُبُورِ أَلا رُبَّ أَبْنَاءِ اتِّسَاعٍ وَفَرْحَةٍ ... وَزَهْرَةِ عَيْشٍ مُونَقٍ وَحُبُورٍ وَأَبْنَاءِ لَذَّاتٍ وَظِلِّ مَصَانِعٍ ... وَظلِّ مَقَاصِير وَظِلِّ قُصُورِ نَظَرْتُ إليهم في بُيوتٍ مِن الثَّرَى ... مُسْتَّرَةٍ مِن رَضْرَضٍ بِسُتُورِ وَكَمْ صُوَرٍ تَحْتَ التُّرَابِ مُقِيمَةٍ ... عَلَى غَيْرِ أَبْشَارٍ وَغَيْرِ شُعُورِ ثَوَتْ في سَرَابِيلٍ عَلَيْهَا مِن الحَصى ... وَمِنْ لَخَفٍ مِنْ جَنْدَلٍ وَصُخُورِ إِذَا مَا مَرَرْنَا بالقُبورِ لحَاجَةٍ ... مَرَرْنَا بِدُورٍ هُنَّ أَجْمَلُ دُورِ أَلا رُبَّ جَبَّارٍ بِهَا مُتَكَبِّر ... وَيَا رُبَّ مُخْتَالٍ بِهَا وَفَخُورِ خَلِيلِي كَمْ مِنْ مَيِّتٍ قَدْ حَضَرْتُهُ ... وَلَكِنَّنِي لَمْ أَنْتَفِعْ بِحُضُورِي

стр. 1899

وَكَمْ مِنْ خُطُوبٍ قَدْ طَوَتْنِي كَثِيرَةٍ ... وَكَمْ مِنْ أُمُورٍ قَدْ جَرَتْ وَأُمُورِ وَكَمْ مِنْ لَيَالٍ قَدْ أَرَتْنِي عَجَائِبًا ... لَهُنَّ وَأَيَّامٍ خَلَتْ وَشُهُورِ وَمَنْ لَمْ تَزدْهُ السِّنُّ مَا عَاشَ عِبْرَةً ... فَذَاكَ الَّذِي لا يَسْتَضِيء بِنُورِ مَتَى دَامَ في الدُّنْيَا سُرُورٌ لأَهْلِهَا ... فَأَصْبَحَ فِيهَا وَاثِقًا بِسُرُورِ؟ اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا بَدِيعَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ نَسْأَلُكَ أَنْ تُوَفِّقَنَا لِمَا فِيهِ صَلاحُ دِينِنَا وَدُنْيَانَا وَأَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا وَأَكْرِمْ مَثْوَانَا وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) في مَآلِ الإِنْسَانِ وَمَصِيرِهِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءَ: بَيْنَمَا الإِنْسَانُ فِي صِحَّتَهِ مُتَمَتِّعًا فَرِحًا بِقُوَّتِهِ وَشَبَابِهِ يَخْطُرُ لَهُ الضَّعْفُ عَلَى قَلْبِ وَلا الْمَوْتُ عَلَى بَال إِذْ هَجَمَ عَلَيْهِ الْمَرَضُ وَجَاءَ الضَّعْفُ بَعْدَ الْقُوَّةِ وَحَلَّ الْهَمُّ مِنْ نَفْسِهِ مَحَلَّ الْفَرَحِ وَالْكَدَرُ مَكَانَ الصّفَاءِ وَلَمْ يَعُدْ يُؤَنِّسُه جَلِيسٌ وَلا يُرِيحَهُ حَدِيثٌ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ الْعَلِّي الْعَظِيم قَدْ سَئِمَ وَمَلَّ مِمَّا كَانَ يَرْغَبُهُ فِي أَيَّامِ صِحَّتِهِ وَصَارَ لا يَشْتَهِي الْغِذَاء وَيَكْرَهُ تَنَاوَلَ الدَّوَاءِ عَلَى بَقَاءِ فِي لبَهِ وَصِحَّتُهُ فِي عَقْلِهِ يُفَكِّرُ فِي عُمُر أَفْنَاهِ وَشَبَابٍ أَضَاعَهُ فِي الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ وَعِنْدَ الْمَلاهيِ والْمُنْكَرَاتِ. وَيَتَذَكَّرُ أَمْوالاً جَمَعَها وَدُورًا بَنَاهَا وَقُصُورًا شَيَّدَهَا وَضِيَاعًا جَدَّ وَكَدَّ فِي حِيَازَتِهَا وَيَتَأَلَّمُ لِدُنْيَا فَارَقَها وَيَتْرُكُ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا يَخَافُ عَلَيْهِمْ الضَّيَاعَ مِنْ بَعْدِهِ مَعَ اشْتِغَالِ نَفْسِهِ بِمَرَضِهِ وَآلامِهِ وَتَعَلُّقِ قَلْبِهِ بِمَا يُعَجِّلُ شِفَاءَهُ وَلَكِنْ مَا الْحِيلَةُ إِذَا اسْتَفْحَلَ الدَّاءُ وَلَمْ يُفِدِ الدَّوَاءُ وَحَارَ الطَّبِيبُ وَيَئِسَ الْحَبِيبُ ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ . عِنْدَ هَذَا يَسْتَشْعِرُ النَّدَمَ عَلَى مَا مَضَى وَيَحُسُّ بِعَوَاقِبِ التَّفْرِيطِ وَالإِهْمَالِ وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنَهُ وَغَارَتْ عَيْنَاهُ وَمَالَ عُنُقُهُ وَأَنْفُهُ وَذَهَبَ حُسْنُهُ وَجَمَالُهُ وَخَرِسَ لِسَانُهُ وَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ وَأَصْدِقَائِهِ يَنْظُر وَلا يَفْعَلَ وَيَسْمَعُ وَلا يَنْطِق يُقَلِّبُ بَصَرَهُ فِيمَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَوْلادِهِ وَأَهْلِهِ وَإِخْوَتِهِ

стр. 1900

وَأَقَارِبِهِ وَأَحْبَابِهِ وَجِيرَانِهِ يَنْظُرُونَ مَا يُقَاسِيهِ مِنْ كَرْبٍ وَشِدَّةٍ وَلَكِنَّهُمْ عَنْ إنْقَاذِهِ أَوْ تَخْفِيفِ كَرْبِهِ عَاجِزُون. شِعْرًا: ... أَحَاطَتْ بِهِ أَحْزَانُهُ وَهُمُومُهُ ... وَأَبْلَسَ لَمَّا أَعْجَزَتْهُ الْمَقَادِرُ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ كُرْبَةِ الْمَوْتِ فَارِجٌ ... وَلَيْسَ لَهُ مِمَّا يُحَاذِرُ نَاصِرُ وَقَدْ جَشَأْتَ خَوْفَ الْمَنِيَّةِ نَفْسُهُ ... تُرَدِّدُهَا مِنْهُ اللَّهَا وَالْحَنَاجِرُ فَكَمْ مُوجِعٌ يَبْكِي عَلَيْهِ مُفْجَعٌ ... وَمُسْتَنْجِدٌ صَبْرًا وَمَا هُوَ صَابِرُ وَمُسْتَرْجِعٍ دَاعٍ لَهُ اللهَ مُخْلِصًا ... يعِدِّدُ مِنْهُ كُلَّ مَا هُوَ ذَاكِرُ وَكَمْ شَامِتٍ مُسْتَبْشِرٍ بِوَفَاتِهِ ... وَعَمَّا قَلِيلٍ لِلَّذِي صَارَ صَائِرُ وَحَلَّ أَحَبُّ الْقَوْمِ كَانَ بِقُرْبِهِ ... يَحُثُّ عَلَى تَجْهِيزِهِ وَيُبَادِرُ وَشَمَّرَ مَنْ قَدْ أَحْضَرُوهُ لِغَسْلِهِ ... وَوُجِّهَ لَمَّا فَاضَ لِلْقَبْرِ حَافِرُ وَكُفِّنَ فِي ثَوْبَيْنِ وَاجْتَمَعُوا لَهُ ... مُشَيّعَهُ إِخْوَانُهُ وَالْعَشَائِرُ فَلَوْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ أَوْلادَهُ الَّذِي ... عَلَى فَقْدِهِ مِنْهُمْ قُلُوبٌ تَفَطَّرُ لَعَايَنْتَ مِنْ قبحِ الْمَنِيَّةِ مَنْظرًا ... يُهَالُ لِمَرْآهُ وَيَرْتَاعُ نَاظِرُ أَكَابِرُ أَوْلادٍ يَهِيجُ اكْتِئَآبُهُم ... إِذَا مَا تَنَاسَوْهُ الْبَنُونَ الأَصَاغِرُ وَرَبَّةُ نِسْوَانٍ عَلَيْهِ جَوَازِعٌ ... مَدَامِعُهُمْ فَوْقَ الْخُدُودِ غَوَازِرُ ثَوَى مُفْرَدًا فِي لَحْدِهِ وَتَوَزَّعَتْ ... مَوَارِيثَهُ أَوْلاده وَالأَصَاهِرُ وَأَحْنُوا إلى أَمْوَالِهِ يَقْسِمُونَهَا ... فَلا حَامِدٌ مِنْهُمْ عَلَيْهَا وَشَاكِرُ فَيَا عَامِرَ الدُّنْيَا وَيَا سَاعِيًا لَهَا ... وَيَا آمِنًا مِمَّا تَدُورُ الدَّوَائِرُ سَتَلْقَى الَّذِي لاقَى عَلَى الرَّغْمِ آنِفًا ... فَخُذْ أَهُبَةً وَاحْرِصْ فَمَا لَكَ عَاذِرُ وَبَعْدَ أَنْ كَانُوا يُحِبُّونَ حَيَاتَهُ وَبَقَاءَهُ صَارُوا يَتَمَنَّوْنَ مَوْتَهُ وَرَاحَتَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَمَّا قَلِيلٍ مَأْخُوذٌ مِنْ بَيْنِهِمْ حَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلَى مَنْعِهِ وَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدِّ

стр. 1901

.. رُوحِِهِ إلى بَدَنِه قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ . ثُمَّ لاَ يَزَالُ يُعَالجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَشَدَائِدَه وَيَشْتَدُّ بِهِ النَّزْع وَجَعَلَ يُتَابعُ نَفَسَه وَاخْتَلَّ نَبْضُه وَتَعَطَّلَ سَمْعُه وَبَصَرُه كَمَا تَعَطَّلَ قَبْلَ ذَلِكَ لِسَانُه حَتَّى إذَا جَاءَ الأَجلْ وَنَفَذَ الْقَضَاءُ وَفَاضَتْ رُوحُهُ إلَى السَّمَاء صَارَ جُثَّةً هَامدَةً وَجيفَةًً بَيْنَ أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِه قَدْ اسْتَوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهْ وَتَبَاعَدُوا وَمَاتَ اسْمُهُ الَّذِي كَانُوا يَعْرَفُونَهُ كَمَا مَاتَ شَخْصُهُ الّذِيِ كَانُوا يَأنَسُونَ بِهِ وأصْبَحُوا يَقُولُونَ الْمَيْتُ بَعْدَ أَنْ كَانَوا يُنَادُونَهُ بِاسْمِهِ حَيًا. فَإنا لله وَإَنَّا إلَيْهِ رَاجِعُون ثُمَّ أَخَذَ الْغَاسِلُ فَجَرَّدَهُ مِنْ ثِيَابِه وَصَارَ يُقَلَّبُهُ عُرْيَانًا وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى سَوْأتِه وَعَوْرَتِهِ وَقَدْ كَانَ يَسْتَحِي وَيَخْجَلُ مِنْهُ حَالَ حَيَاتِه. ثُمَّ أُدْرِجَ في أَكْفَانِهِ كَمَا يُدْرَجُ اْلمتَاعُ في لِفَافِتِه وَبَعْدَ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ يَحْمِلُونَهُ إلى حُفْرَةٍ عَمِيْقَةٍ ضَيّقَةٍ مُوْحِشَةٍ وَيَتْرُكوُنَهُ وَحِيدًا لاَ أنِيسَ وَلا رَفِيقَ إلا عَمَلُه انْتَهَى وَوُجِدَ مَكْتُوبًا عَلى قَبْرِه: شِعْرًا: ... فَأمْسَوْا رَمِيمًا في التُّرابِ وَعُطلّتْ ... مَجَالِسُهُمْ مِنْهُمْ وأخليْ الْمَقاصِرُ وَحَلُّوا بِدَارٍ لاَ تَزَاوُرَ بَيْنَهُمْ ... وَأَنَّى لسُكَّانِ الْقُبَورِ التَّزَاوُرُ فَمَا أَنْ تَرَى إِلا قُبُورًا ثَوَوْا بِهَا ... مُسَطَّحَةً تَسْفِي عَلَيْهَا الأَعَاصِرُ فَمَا صَرَفَتْ كَفَّ الْمَنِيَّةِ إِذْ أَتَتْ ... مُبَادَرَةٌ تَهْوِي إِلَيْهَا الذَّخَائِرُ وَلا دَفَعَتْ عَنْهُ الْحُصُونَ الَّتِي بَنَى ... وَحَفَّتْ بِهَا أَنْهَارُهُ وَالدَّسَاكِرُ وَلا قَارَعَتْ عَنْهُ الْمَنِيَّةَ حِيلَةٌ ... وَلا طَمِعَتْ فِي الذَّبِّ عَنْهَا الْعَسَاكِرُ أَتَاهُ مِنَ الْجَبَّارِ مَالا يَرُدُّهُ ... وَأَمْرٌ قَضَاهُ اللهُ لا بُدَّ صَائِرُ مَلِيكٌ عَزِيزٌ لا يُرَدُّ قَضَاؤُهُ ... حَكِيمٌ عَلِيمٌ نَافِدُ الأَمْرِ قَاهِرُ

стр. 1902

عَنَى كُلُّ ذِي لِعِزَّةِ وَجْهِهِ ... فَكَمْ مِنْ عَزِيزٍ لِلْمُهَيْمِنِ صَاغِرُ لَقَدْ خَضَعْتَ وَاسْتَسْلَمَتْ وَتَضَاءَلَتْ ... لِعِزَّةِ ذِي الْعَرْشِ الْمُلُوكُ الْجَبَابِرُ وَقَفَ بَعْضُ السَّلَفِ عَلَى إِنْسَانٍ شَدِيدِ الْحُزْنِ فَقَالَ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَنْتَ مَحْزُون؟ قَالَ: لأَنِّي أُصِبْتُ فِي نَفْسِي وَذَلِكَ أَنِّي قَتَلْتُهَا بِالذُّنُوبِ فَأَنَا حَزِينٌ عَلَيْهَا ثُمَّ أَسْبَلَ دَمْعَهُ فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ الآن؟ قَالَ: ذَكَرْتُ يَوْمًا مَضَى مِنْ أَجَلِي لَمْ يَحْسُنْ فِيهِ عَمَلِي فَبُكَائِي لِقِلَّةِ الزَّادِ وَبُعْدِ الْمَفَازَة وَعَقَبَةٌ لا بُدَّ لِي مِنْ صُعُودِهَا ثُمَّ لا أَدْرِي أَيْنَ يُهْبَطُ بِي إِلى الْجَنَّةِ أَمْ إلى النَّارِ ثُمَّ أَنْشَدَ: يَا رَاكِبًا يَطْوِي مَسَافَة عُمْرِهِ ... باللهِ هَلْ تَدْرِي مَكَانَ نُزُولِكَا شَمِّرْ وَقُمْ مِنْ قَبْلِ حَظِّكَ فِي الثَّرَى ... في حُفْرَةِ تَبْلَى بِطُولِ حُلُولِكَا - وَوُجِدَ مَكْتُوبًا عَلَى قَبْر- ذَهَبَ الأَحِبَّةُ بَعْدَ طُولِ تَزَاوُرِ ... وَنَأَى الْمَزَارُ وَأَسْلَمُوكَ وَأَقْشَعُوا تَرَكُوكَ أَوْحَشَ مَا تَكُونَ بِقَفْرَةٍ ... لَمْ يُؤْنِسُوكَ وَكُرْبَةٍ مَا نَفَسُوا وَقَضَى الْقَضَاءُ وَصِرْتَ صَاحِبَ حُفْرَةٍ ... عَنْكَ الأَحِبَّةُ أَعْرَضُوا وَتَصَدَّعُوا آخر: ... إِنَّ الْمَسَأةَ لِلْمَسَرَّةِ مَوْعِدٌ ... أُخْتَانَ رَهْنٌ لِلْعَشِيَّةِ أَوْ غَدِ فَإِذَا سَمِعْتَ بِهَالِكِ فَتَيَقنَنْ ... أَنَّ السَّبِيلَ سَبِيلُه فَتَزَوَّدِ آخر: ... قِفْ بِالْقُبُورِ وَقُلْ عَلَى سَاحَتِهَا ... مَنْ مِنْكُمْ الْمَغْمُورُ فِي ظُلُمَاتِهَا وَمَنِ الْمُكَرَّمُ مِنْكُمْ فِي قَعْرِهَا ... قَدْ ذَاقَ بَرْدَ الأَمْنِ مِنْ رَوَعَاتِهَا لَوْ جَاوَبُوكَ لأَخَبْرَوُكَ بِأَلْسُن ... تَصِفُ الْحَقَائِقَ بَعْدُ مِنْ حَالاتِهَا أَمَّا الْمُطِيعُ فَنَازِلٌ في رَوْضَةٍ ... يُفْضِي إلى مَا شَاءَ مِنْ دَوْحَاتِهَا وَالْمُجْرِمُ الطَّاغِي بِهَا مُتَقَلِّبٌ ... فِي حُفْرَةٍ يَأْوِي إلى حَيَاتِهَا وَعَقَارِبٌ تَسْعَى إِلَيْهِ فَرُوحُهُ ... فِي شِدَّةِ التَّعْذِيبِ مِنْ لَدَغَاتِهَا آخر: ... إِنَّ الْحَبِيبَ مِنَ الأَحْبَاب مُخْتَلَسُ ... لا يَمْنَعُ المَوْتَ بَوَّابٌ وَلا حَرَسُ

стр. 1903

فَكَيْفَ تَفْرَحُ بِالدُّنْيَا وَلَذَّتِهَا ... يَا مَنْ يُعَدُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَالنَّفَسُ أَصْبَحْتَ يَا غَافِلاً فِي النَّقْصِ مُنْغَمِسًا ... وَأَنْتَ دَهْرُكَ في اللَّذَّاتِ مُنْغَمِسُ لا يَرْحَمُ الْمَوْتَ ذَا جَهْل لِغِرّتِهِ ... وَلا الَّذِي كَانَ مِنْهُ الْعِلْمُ يُقْتَبَسُ آخر: ... بَيْنَا الشَّفِيقُ عَلَى إلِفٍ يُسَرُّ بِهِ ... إِذْ صَارَ أَغْمَضَهُ يَوْمًا وَسَجَّاهُ يَبْكِي عَلَيْهِ قَلِيلاً ثُمَّ يُخْرِجُهُ ... فَيُمْكِنُ الأَرْض مِنْهُ ثُمّ يَنْسَاهُ وَكُلُّ ذِي أَجَلٍ يَوْمًا سَيَبْلُغُهُ ... وَكُلُّ ذِي عَمَل يَوْمًا سَيَلْقَاهُ آخر: ... كَمْ أَخْرَسَ الْمَوْتُ فِي قَبْر وَقَفْتَ بِهِ ... عَن الْجَوَابِ لِسَانًا مَا بِهِ خَرَسُ قَدْ كَانَ قَصْرُكَ مَعْمُورًا لَهُ شَرَفُ ... فَقَبْرُكَ الْيَوْمَ فِي الأَجْدَاثِ مُنْدَرِسُ هَذِهِ الأَبْيَاتُ كُتِبَتْ عَلَى قُبُورٍ للاعْتِبَار فَالْبَصِيرِ هُوَ الَّذِي يَنْظُرُ إلى قَبْر غَيْرِهِ فَيَرَى مَكَانَهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَيَسْتَعِدّ لِلحُوقِ بِهِمْ وَيَعْلَمُ أنَّهُمْ لا يَبْرَحُونَ مِنْ مَكَانِهِمْ حَتَّى يَلْحَقَ بِهِمْ وَلْيَتَحَقَّقْ أَنَّهُ لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِمْ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ عُمُرِهِ الَّذِي هُوَ مَضَيّعٌ لَهُ لَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لأَنَّهُمْ عَرَفُوا قَدْرَ الأَعْمَارِ وَالأَعْمَال وَانْكَشَفَتْ لَهُمْ حَقَائِقَ الأُمُورِ وَإِنَّمَا حَسْرتَهُمْ عَلَى يَوْمٍ مِن الْعُمُر لِيَتَدَارَكَ الْمُقَصِّرُ بِهِ تَقْصِيرُهُ فَيَتَخَلَّصَ مِنَ الْعِقَابِ وَلْيَسْتَزِيدَ الْمُوفَّقُ بِهِ رُتْبَةً فَيَضَاعَفُ لَهُ الثَّوَاب. لا يَحْقِر الرَّجُلُ اللَّبِيبُ دَقِيقَةٍ ... فِي السَّهْوِ فِيهَا لِلْوَضِيعِ مَعَاذِرُ فَكَبَائِرُ الرَّجُلِ الصَّغِيرِ صَغِيرَةٌ ... وَصَغَائِرُ الرَّجُلِ الْكَبِيرِ كَبَائِرُ آخر: ... يَا رَبِّ مَا لِي غَيْرَ لُطْفِكَ مَلْجَأَ ... وَلَعَلَّنِي عَن بَابِهِ لا أُطْرَدُ يَا رَبُّ هَبْ لِي تَوْبَةً أَقْضِي بِهَا ... دِينًا عَليَّ بِهِ جَلالُكَ يَشْهَدُ أَنْتَ الْخَبِيرُ بِحَالِ عَبْدِكَ إِنَّهُ ... بِسَلاسِلِ الْوِزْرِ الثَّقِيلِ مُقَيَّدُ أَسَفًا عَلَى عُمْرِي الَّذِي ضَيَّعْتُهُ ... تَحَتْ الذُّنُوبِ وَأَنْتَ فَوْقِي تَرْصُدُ

стр. 1904

يَا رَبِّ قَدْ ثَقُلَتْ عَليَّ كَبَائِرُ ... بِإِزَاءِ عَيْنِي لَمْ تَزَلْ تَتَرَدَّدُ يَا رَبِّ إِنْ أَبْعَدتُ عَنْكَ فَإِنَّ لِي ... طَمَعًا بِرَحْمَتِكَ الَّتِي لا تُبْعِدُ أَنْتَ الْمُجِيبُ لِكُلِّ دَاعٍ يَلْتَجِي ... أَنْتَ الْمُجِيرُ لِكُلِّ مَنْ يَسْتَنْجِدُ مِنْ أَيِّ بَحْرٍ غَيْرَ بَحْرِكَ نَسَتَقِي ... وَلأَيِّ بَابٍ غَيْرَ بَابِكَ نَقْصُدُ ... ... واللهُ أَعْلَمُ. وَصَلى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمْ. وَفِي الْحَدِيثِ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إِلا نَدِم: إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَنْ لا يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَنْ لا يَكُونَ نَزَعَ» . فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا عَرَفُوا قَدْرَ الْعُمُرِ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ فَحَسْرَتُهُمْ عَلَى سَاعَةٍ مِنَ الْحَيَاةِ وَأَنْتَ أَيُّهَا الْحَيُّ قَادِرٌ عَلَى تِلْكَ السَّاعَةِ وَرُبَّمَا أَقْدَرَكَ اللهُ عَلَى أَمْثَالِهَا. ثُمَّ أَنْتَ مُضَيِّع لِلْوَقْتِ وَقَاتِلُ لَهُ فِيمَا لا فَائِدَةَ فِيهِ أَوْ فِيمَا مَضَرَّةٌ عَلَيْكَ فَوَطِّنْ نَفْسَكَ عَلَى النَّدَمِ وَالتَّحَسُّرِ وَالتَّلَهُّفِ عَلَى تَضْيِيعِ الْوَقْتِ عِنْدَ خُرُوجِ الأَمْرِ مِنْ اخْتَارِكَ وَعَدَمِ تَمْكِنِكَ مِن الْعَمَلِ الصَّالِح. وَاذْكُرُ قَوْلَ اللهِ جَلَّ وَعَلا: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ الآيَات وَقَوْلُهُ عَزَّ مِنْ قَائِلِ: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾ الآيَةُ وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ . وَنَحْوَ هَذِهِ الآيَاتِ الَّتِي هِيَ بِالْحَقِيقَةِ لِمَنْ تَدَبَّرَهَا أَبْلَغُ مِنَ السِّيَاطِ،

стр. 1905

فِي الْحَثِّ عَلَى التَّزَوّدِ لِلْمَعَادِ وَصِيَانَةِ الْوَقْتِ وَصَرْفِهِ فِيمَا يُقَرّبُ إلى اللهِ جَلَّ وَعَلا. وَقَالَ الشيخ سعدُ بنُ عتيق رحمه الله تعالى ناظمًا المفاتيح التي ذكرها ابنُ القيم رحمه اللهُ تعالى في كتابِهِ حادِي الأرواح. حَمِدتُ الَّذِي يولِي الْجَمِيلَ وَيَنْعِمُ لَهُ الْفَضْلُ يُؤْتِي مَنْ يَشَاءُ وَيُكْرِمُ وَأَزْكَى صَلاةِ اللهِ ثُمَّ سَلامُهُ عَلَى خَيْرِ مَخْلُوقٍ عَلَيْهِ يُسَلَّمُ مُحَمَّدٍ الْهَادِي وَأَصْحَابِهِ الأُولَى بِحُسْنِ اجْتِهَادٍ عُلِّمُوا وَتَعَلَّمُوا وَبَعْدُ فَقَدْ عَنَّ الْوَفَاءُ لِسَائِلٍ بِوَعْدِي إِيَّاهُ بِأَنِّي أَنْظِمُ مَفَاتِيحَ كَانَتْ لِلشُّرُورِ وَضِدِّهَا فَقَدْ فَازَ مَن بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ يَعْلَمُ وَأَضْحَى بِمَا يَدْرِي مِن الْحَقِّ عَامِلاً فَكُنْ عَامِلاً بِالْعِلْمِ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ وَقَدْ جَعَلَ الْمَوْلى لَهُنَّ مَفَاتِحًا تَنَالَ بِهَا وَاللهُ بِالْحَقِّ أَعْلَمُ فَمِفْتَاحُ شَرْعِيّ الصَّلاةِ طُهُورُنَا وَيَفْتَحُ حَجًا مُحَرِّمٌ حِينَ يُحْرِمُ وَبِالصِّدْقِ فَتْحُ الْبِرِّ وَالْعِلْمُ فَتْجهُ بِحُسْنِ سُؤَالٍ عَنْ فَتَىً يَتَعَلَّمُ

стр. 1906

وَمُسْتَحْسِنِ الإِصْغَاءِ وَالنَّصْرُ فَتْحُهُ مَعَ الظَّفَرِ الْمَحْمُودِ بِالصَّبْرِ فَاعْلَمُوا وَتَوْحِيدُنَا للهِ مِفْتَاحُ جَنَّةِ النَّـ عِيمِ فَبِالتَّوْحِيدِ دِينُوا تَنَعَّمُوا وَبِالشُّكْرِ لِلنَّعْمَاءِ فَتْحُ زِيَادَةٍ وَيَحْصُلُ حُبٌّ وَالْوِلايَةُ تُغْنَمُ بِمفْتَاحِهِ الذِّكْرُ الشَّرِيفُ وَذُو التُّقَى يَنَالُ بِتَقْوَاهُ الْفَلاحَ وَيُكْرَمُ وَمِفْتَاحُ تَوْفِيقِ الْفَتَى صِدْقُ رَغْبَةٍ وَرَهْبَتِهِ ثُمَّ الدُّعَاءُ الْمُكَرَّمُ لَدَى الله مِفْتَاحُ الإِجَابَةِ وَاعْلَمَنْ بِأَنَّ جَمِيلَ الزُّهْدِ لِلْعَبْدِ مَغْنَمُ وَيُفْتَحُ لِلْعَبْدِ التَّجَلِّي بِرَغْبَةٍ بِدَارِ الْبَقَاءِ فَازْهَدْ لَعَلَّكَ تَغْنَمُ وَمِفْتَاحُ إِيمَانِ الْعِبَادِ تَفَكُّرٌ بِمَا كَانَ رَبُّ الْعَالَمِينَ دَعَاهُمُ إِلى نَظَرٍ فِيهِ وَأَنْ يَتَفَكَّرُوا بِهِ وَدُخُولُ الْعَبْدِ ذَاكَ الْمُفَخَّمُ عَلَى رَبِّهِ مِفْتَاحُ ذَاكَ سَلامَةٌ وَإِسْلامُ قَلْبٍ لِلإلَهِ فَأَسْلِمُوا وَمَعَ ذَاكَ إِخْلاصٌ بِحُبِّ وَبُغْضِهِ وَفِعْلٍ وَتَرْكٍ كُلُّ ذَلِكَ يَلْزَمُ

стр. 1907

وَيُحْيِي قُلُوبَ الْعَارِفِينَ تَضَرُّعٌ بِأَوْقَاتِ أَسْحَارٍ فَكُنْ أَنْتَ مِنْهُمُ كَذَا الْوَحْيُ إِذْ يُتْلَى بِحُسْنِ تَدَبُّرِ وَتَرْكُ الذُّنُوبِ فَهِيَ لِلْقَلْبِ تُؤْلِمُ وَإِحْسَانُ عَبْدٍ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَنَفْعُ الْعِبَادِ وَالْقِيَامُ عَلَيْهِمُ لإِصْلاحِهِمْ مِفْتَاحُ تَحْصِيلِ رَحْمَةِ الْـ إلهِ فَلازِمْ ذَا لَعَلَّكَ تُرْحَمُ وَمِفْتَاحُ رِزْقِ الْعَبْدِ سَعْيٌ مَعَ التُّقَى وَكَثْرَةُ الاسْتِغْفَارِ إِذْ هُوَ مُجْرِمُ وَمِفْتَاحُ عِزِّ الْعَبْدِ طَاعَةُ رَبِّهِ وَطَاعَةُ خَيْرِ الْمُرْسَلِينَ فَعَظِّمُوا وَمِفْتَاحُ الاسْتِعْدَادِ مِنْكَ لِمَا لَهُ تَصِيرُ مِن الدَّارِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ هَوُ الْقَصْرُ لِلآمَالِ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فَمِفْتَاحُهُ رَغْبٌ مِن الْعَبْدِ يُعْلَمُ بِمَوْلاهُ وَالدَّارِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ وَمِفْتَاحُ كُلِّ الشَّرِّ إِنْ كُنْتَ تَفْهَمُ إِطَالَتُكَ الآمَالَ فَاحْذَرْ غُرُورَهَا وَحُبُّكَ لِلدُّنْيَا الَّتِي تَتَصَرَّمُ وَمِفْتَاحُ نَارِ الْخُلْدِ شِرْكٌ بِرَبِّنَا وَكِبْرُ الْفَتَى فَالْكِبْرُ حُوبٌ مُعَظَّمُ

стр. 1908

وَإِعْرَاضُه عَمَّا عَنِ اللهِ قَدْ أَتَى بِهِ الْمُصْطَفَى الْهَادِي النَّبِيُّ الْمُكَرَّمُ وَغَفْلَتُهُ عَنْ ذِكْرِهِ وَقِيَامِهِ بِحَقِّ لِذِي الْعَرْشِ الْمَلِيكِ يُحَتَّمُ وَمِفْتَاحُ إِثْمٍ يُوبِقُ الْعَبْدَ مُسْكِرٌ مِن الْخَمْرِ فَاحْذَرْهَا لَعَلَّكَ تَسْلَمُ وَمِفْتَاحُ ذِي الْمَقْتِ الزِّنَا سَيْءُ الْغِنَا وَذَلِكَ قُرْآنُ اللَّعِينِ وَمَأْثَمُ وَإِطْلاقُ طَرْفِ الشَّخْصِ مِفْتَاحُ عِشْقِهِ لِمُسْتَحْسِنِ الأَشْبَاحِ فَهُوَ مُحَرَّمُ وَبِالْكَسَلِ الْمَذْمُومِ مَعَ رَاحَةِ الْفَتَى يَخِيبُ وَكُلُّ الْخَيْرِ لا شَكَّ يُحْرَمُ وَمِفْتَاحُ كُفْرَانِ الْفَتَى وَبَرِيدُهُ مَعَاصِيهِ وَالْعَاصِي قَرِيبًا سَيَنْدَمُ وَبَابُ نِفَاقِ الْعَبْدِ يَفْتَحُهُ إِذَا يَكُونُ كَذُوبًا وَالْكَذُوبُ مُذَمَّمُ وَشُحُّ الْفَتَى وَالْحِرْصُ مِفْتَاحُ بُخْلِهِ وَمِفْتَاحُ أَخْذِ الْمَالِ مِنْ حَيْثُ يُعْلَمُ بَأَنْ لَيْسَ حِلاً مَعْ قَطِيعَةِ رَحْمِهِ وَكُلُّ ابْتِدَاعٍ فِي الْخَلِيقَةِ يُعْلَمُ فَمِفْتَاحُهُ الإِعْرَاضُ عَمَّا أَتَى بِهِ نَبِيُّ الْهُدَى مِنْ سُنَّةٍ نَتَعَلَّمُ

стр. 1909

وَاخْتِمْ قَوْلِي فِي الْقَرِيضِ بَأَنَّنِي أُصلِّي عَلَى خَيْرِ الْوَرَى وَأُسَلِّمُ وَآلِ مَعَ الصَّحْبِ الْكِرَامِ الَّذِينَ هُمْ لِمُقْتَبِسٍ عِلْمَ الشَّرِيعَةِ أَنْجُمُ وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةٌ عِبَادَ اللهِ اتَّقُوا الله تعالى واحْمَدُوهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَارْغَبُوا إِلَيْهِ فِي حِرَاسَةِ النِّعَمِ عَن الزَّوَالِ فَإِنَّ نِعَمَ اللهِ قَدْ عَمَّتِ الْبَوَادِي وَالأَمْصَارَ وَإِنَّ نََِعَم اللهِِ لا تُعَدُّ وَلا تُحْصَى وَلا تُحَدُّ بِمِقْدَارِ. قَالَ تَعَالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ فَكَمْ أَسْدَى مَعْرُوفًا وَكَمْ أَغَاثَ مَلْهُوفًا فَاشْكُروا آلاءَ اللهِ وَاذْكُرُوهُ كَثِيرًا قَالَ تَعَالى: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ . وَهُبُّوا مِنْ هَذِهِ الرَّقْدَةِ وَالْمَقَامِ وَاحْذَرُوا الأَهْوَاءَ فَإِنَّهَا تُورِثُ الْمَهَالِكَ وَالْمَذَامَّ، وَالْزِمُوا طَاعَةَ الْمَلِكِ الْعَلام، وَاغْتَنِمُوا بَقِيَّةَ الْعُمُرِ وَالأَيَّامِ، وَبَادِرُوا بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِيَ وَالإِجْرَامِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ تَشَقَّقُ فِيهِ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَتَظْهَرُ فِيهِ الْخَفَايَا وَالدَّوَاهِي وَالأَهْوَالُ الطَّوَام، وَتُنَكِّسُ فِيهِ الظَّلَمَةُ رُؤُوسَهَا وَيَعْلُوهَا الذُّلُ مِن الرُّؤُوسِ إلى الأَقْدَامِ وَيَتَجَلَّى لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ حَاكِمُ الْحُكَّام. قَالَ تَعَالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ

стр. 1910

مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وَنُودِي أَيْنَ الظَّلَمَةُ وَأَعْوَانُ الظَّلَمَةِ وَمَنْ كَانَ لَهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي وُثُوبٌ وَإِقْدَامُ فَيَا لَهُ مِنْ يَوْمٍ مَا أَطْوَلَهُ وَمِنْ بَلاءٍ مَا أَهْوَلَهُ وَمِنْ حِسَابٍ مَا أَثْقَلَهُ وَمِنْ عَذَابٍ مَا أَعْضَلَهُ وَمِنْ جَزَاءٍ مَا أَجْزَلَهُ وَمِنْ حَاكِم مَا أَعْدَلَهُ. هُنَالِكَ شَابَ الْوَلِيدُ وَحَقَّ الْوَعِيدُ وَعَظُمَ الْهَوْلُ الشَّدِيدُ قَالَ تَعَالى: ﴿وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ وَخَضَعَتِ الرِّقَابُ وَذَلَّ كُلُّ فَاجِرٍ كَذَّابِ وَرَجَعَ الأَشْقِيَاءُ بِالْخُسْرَانِ وَالتَّبَابِ فَالسَّعِيدُ مَن اسْتَعْمَلَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ الْمَلِكِ الْمَعْبُودِ وَخَافَ أَنْ لا يَنْجُو مِن النَّارِ بَعْد الْوُرُودِ. فَانْتَبِهْ أَيُّهَا الْعَبْدُ لأَيَّامِ شَبَابِكَ قَبْلَ فِرَاقِ أَحْبَابِكَ وَأحْفَظْ أَيَّامَ عُمْرِكَ قَبْلَ حُلُولِ قَبْرِكَ وَاغْتَنِمْ حَيَاتَكَ قَبْلَ أَوَانِ وَفَاتِكَ فَإِنَّ الْعُمُرَ بِالسِّنِينَ يُنْهَب وَالأَجَلُ بِمُرُورِ اللَّيَالِي والأَيَّامِ يَذْهَب. شِعْرًا: ... لِمَنْ وَرْقَاءُ بِالْوَادِي الْمَرِيعِ ... تَشُبُّ بِهِ تَبَارِيحُ الضُّلُوعِ عَلَى فَيْنَانَةٍ خَضْرَاءَ يَصْفُو ... عَلَى أَعْطَافِهَا وَشْيُ الرَّبِيعِ تُرَدِّدُ صَوْتَ بَاكِيَةٍ عَلَيْهَا ... رَمَاهَا الْمَوْتُ بِالأَهْلِ الْجَمِيعِ فَشَتَّتَ شَمْلَهَا وََدَالَ مِنْهُ ... غَرَامًا عَاثَ فِي قَلْبٍ صَرِيعِ عَجِبْتُ لَهَا تَكَلَّمُ وَهِيَ خرْسَا ... وَتَبْكِي وَهِيَ جَامِدَةُ الدُّمُوعِ فَهِمْتُ حَدِيثَهَا وَفَهِمْتُ أَنِّي ... مِن الْخُسْرَان في أَمْرٍ شَنِيعِ أَتَبْكِي تِلْكَ أَنْ فَقَدَتْ أَنِيسًا ... وَتَشْرَبُ مِنْهُ بِالْكَأْسِ الْفَظِيعِ وَهَا أَنَا لَسْتُ أَبْكِي فَقْدَ نَفْسِي ... وَتَضْيِيعِي الْحَيَاةَ مَعَ الْمُضِيعِ وَلَوْ أَنِّي عَقَلْتُ الْيَوْمَ أَمْرِي ... لأَرْسَلْتُ الْمَدَامِعَ بِالنَّجِيعِ

стр. 1911

ألا يَا صَاحِ وَالشَّكْوَى ضُرُوبٌ ... وَذِكْرُ الْمَوْتِ يَذْهَبُ بِالْهُجُوعِ لَعَلَّكَ أَنْ تُعِيرَ أَخَاكَ دَمْعًا ... فَمَا فِي مُقْلَتَيْهِ مِن الدُّمُوعِ آخر: ... مَا زُخْرُفُ الدُّنْيَا وَزُبْرُجُ أَهْلِهَا ... إِلا غُرُورٌ كُلُّهُ وَحُطَامُ وَلَرُبَّ أَقْوَامٍ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ ... وَلَتَمْضِيَنَّ كَمَا مَضَى الأَقْوَام وَلَرُبَّ ذِي فُرُشٍ مُمَهَّدَةٍ لَهُ ... أَمْسَى عَلَيْهِ مِن التُّرَابِ رَُكامُ وَالْمَوْتُ يَعْمَلُ وَالْعُيُونُ قَرِيرَةٌ ... تَلْهُو وَتَلْعَبُ بِالْمُنَى وَتَنَامُ كُلُّ يَدُورُ عَلَى الْبَقَاءِ مُؤَمِّلاً ... وَعَلَى الْفَنَاءِ تُدِيرُهُ الأَيَّامُ وَالدَّائِمُ الْمُلَكُوتِ ربُّ لَمْ يَزَلْ ... مَلِكًا تَقَطَّعُ دُونَهُ الأَوْهَام فَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي هُوَ دَائِمٌ ... أَبَدًا وَلَيْسَ لِمَا سِوَاهُ دَوَامُ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ مَحَبَّتَكَ في قُلُوبِنَا ثُبُوتَ الجبالِ الرَّاسِياتِ وَنَوِّرْهَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِميِنَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. مَوْعِظَةٌ عِبَادَ اللهِ قَدْ حَثَّنَا نَبِيُّنَا ﷺ أَنْ نَكُونَ إِخْوانًا مُتَرَاحِمِينَ مُتَعَاوِنِينَ مُتَحَابِّينَ مُتَعَاطِفِينَ يُحِبُّ كُلُّ مِنَّا لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَيَسْعَى فِي ذَلِكَ أَخْرَجَ الْبُخَارِي وَمُسْلِمُ فِي صَحِيحَهمَا عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيُّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدّ بَعْضُه بَعْضَا)) وَشبكَ بَيْنَ أَصَابِعِه.

стр. 1912

وَكُلُّ صَدِيقٍ لَيْسَ فِي اللهِ ودُّهُ ... فَإِنِّي بِهِ فِي وِدِّهِ غَيْرُ وَاثِقِ آخر: ... إِذَا حَقَقْتَ فِي وِدِّ صَدِيقًا ... فَزَرْهُ وَلا تَخَفْ مِنْهُ مِلالا وَكُنْ كَالشَّمْسِ تَطْلَعُ كُلَّ يَوْمٍ ... وَلا تَكُ فِي مَوَدَّتِهِ هِلالا وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي صَحِيحِهِ عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ? قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم لا يَظْلِمُه وَلا يُسْلِمُه وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَر مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . في الْحَدِيثِ الأَوَّلِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ شَأْنِهِمْ التَّنَاصُرُ وَالتَّنَاصُحُ وَالتَّكَاتُفُ وَالتَّعَاون عَلَى مَصَالِحِهِمْ الْعَامَةِ وَالْخَاصَةِ وَأَنْ يَكُونُوا مُتَرَاحِمِينَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسَاعِدُ أَخَاهُ وَيُعَاوِنُهُ عَلَى مَا يُصْلِحُ حَالَهُ وَيُصْلِحُ حَالَ الْجَمِيعِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الآخَرِ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنيِنَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثِلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عَضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى واَلسَّهَرِ» . وَكَمَا وَصَفَهُمْ اللهُ جَلَّ وَعَلا: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ . وَفِي الْحَدِيثِ الآخَرِ: «الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ» . وَمِنْ مُقْتَضَى الأُخُوَّةِ فِي الدِّينِ أَوِ النَّسَبِ أَنَّهُ لا يَظْلِمُ أَخَاهُ وَلا يُسْلِمُهُ وَيَسْعَى لِتَفْرِيجِ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ كَرْبٍ وَمَا حَلَّ بِهِ مِنْ ضَيْمٍ وَمَا انْتَابَهُ مِنْ هَمٍّ وَغَمٍّ وَعُسْرٍ وَضِيقٍ وَلا يَسْعَى لِهَتْكِ عِرْضِهِ وَنَشْرِ سِرِّهِ وَالتَّشْهِيرِ بِهِ. وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ مَعْرُوفًا

стр. 1913

بِالْفُجُورِ وَالْفِسْقِ وَالْمُجَاهَرَةِ بِالْمَعَاصِي وَهَذَا فِي سَتْرِ مَعْصِيَةٍ وَقَعَتْ وَانْقَضَتْ. أَمَّا إِذَا عَلِمَ مَعْصِيَتَهُ وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهَا فَتَجِبْ الْمُبَاَدَرِة بِالإِنْكَارِ عَلَيْهِ وَمَنْعِهِ مِنْهَا وَالْحَيْلُولَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بِحَسَبِ الاسْتِطَاعَةِ فَإِنْ عَجَزَ لَزِمَهُ رَفْعُهَا إلى وَلِي الأَمْرِ إِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ مَفَاسِدُ أَعْظَمُ مِنْهَا لأَنَّ السَّتْرَ عَلَيْهِ يُطْمِعُهُ فِي الْفَسَادِ وَيُجَرِئُهُ عَلَى انْتِهَاكِ الْحُرُمَاتِ وَاسْتِرْسَالِهِ فِي طُرُقِ الْغَيِّ وَالْفَسَادِ وَالضَّلالاتِ. وَهَذَا مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ثُمَّ بَيَّنَ ﷺ فِي حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ وَصْفَ الْمُسْلِمِ لأَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِأَنَّهُ لا يَظْلِمُهُ فِي نَفْسِهِ وَلا فِي عَرْضِهِ وَلا فِي مَالِهِ وَالظُّلْمُ مُحَرَّمٌ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِي عَنْ أَوْسِ بنِ شُرَحْبَيِلٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَشَى مَعَ ظَالِم وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الإسلام فَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لأَعْوَانِ الظُّلَمَةِ وَمُسَهِّلِي مُصَالِحِهمْ وَمُوَطِّدِي طُرقهمْ الدَّالِينَ لَهُمْ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ. فَمَا الظَّنُّ بِحَالِ الظَّلَمِةِ إِذَا جَاءَ الْحَكَمُ الْعَدْلُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ عِبَادِهِ وَشُوفِهَ الظَّالِمُ بِمَا جَنَى وَأَيْقَنَ بِالْعَذَابِ وَتَمَنَّى أَنَّهُ تَخَلَّصَ مِنْ مَظَالِمِهِ فِي الدُّنْيَا. وَلِهَذَا أَمَرَنَا ﷺ بِنَصْرَةِ الْمَظْلُومِ وَالأَخْذِ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ وَكَفِّهِ عَنْ ظُلْمِهِ وَمَنْعِهِ مِنْ جَوْرِهِ وَفِي الْحَدِيثِ الآخَرِ يَقُولُ ﷺ : «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُومًا» . قَالَوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَذِا نَنَصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: «تَأْخُذُوا عَلَى يَدِهِ» . وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ مَنْعِهِ مِن الظُّلْمِ بِالْفِعْلِ كَالاسْتِعَانَةِ عَلَيْهِ بِرَفْعِهِ لِوُلاةِ

стр. 1914

الأُمُورِ وَرَفْعِهِ لِلْحُكَّامِ حَيْثُ لَمْ يُؤْثِّرْ فِيهِ النُّصْحُ بِاللِّسَانِ وَضُرُوبِ الْكَلامِ. وَمِنَ النُّصْرَةِ لِلْمَظْلُومِ إِعَانَتُهُ وَالسَّعْيُ لِرَفْعِ ظَلامَتِهِ وَالضَّرْب عَلَى يَدِ الظَّالِمِ وَكَفِّهِ عَنْ ظُلْمِهِ فَهَذَا نُصْرَةٌ لَهُ عَلَى شَيْطَانِهِ الَّذِي يُغْوِيهِ وَيُورِدْهُ الْمَهَالِكَ وَيُوقِعُهُ فِي الْمَآزِقِ وَالْوَرْطَاتِ الَّتِي يَصْعُبُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا وَنُصْرَةٌ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ الشِّرِّيرَةِ الَّتِي تَأْمُرُهُ بِالْفَحْشَاءِ. شِعْرًا: ... وَإِيَّاكَ وَالأَمْرُ الَّذِي إِنْ تَوَسَّعَتْ ... مَوَارِدُهُ ضَاقَتْ عَلَيْكَ الْمَصَادِرُ فَمَا حَسَنٌ أَنْ يُعْذِرَ الْمَرْءُ ... وَلَيْسَ لَهُ مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ عَاذِرُ وَالْعَاقِلُ اللَّبِيبُ مَنْ يَتَحَلَّل مِنْ أَهْلِ الْمَظَالِمِ فِي دُنْيَاهُ قَبْلَ الآخِرَةِ وَلا يَدَعُ حَقًّا لأَحَدٍ عَلَيْهِ بَلْ يُسَارِعُ لأَدَاءِ مَا فِي ذِمَّتِهِ وَيَطْلُبُ الْمُسَامَحَةَ مِمَّنْ حَصَلَ بِيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُنَافَسَةٌ أَوْ مُنَازَعَةٌ أَوْ مُعَامَلَةٌ مِنْ جَارٍ أَوْ زَوْجَةٍ أَوْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ. قَبْلَ أَنْ يَقِفَ ذَلِكَ الْمَوْقِفَ الرَّهِيبِ فِي يَوْمَ يَجْعَلُ الْوَلْدَانَ شِيبَا السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ لَتُؤَدُنَّ الْحُقُوقُ إِلى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ وَقَدْ عَقَدْنَا فَصْلاً كَامِلاً لِبَيَانِ الظُّلْمِ وَأَنْوَاعِهِ وَأَدِلَّةِ تَحْرِيمِهِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ في الجزء الثالث من الكتاب (ص ١٠٥) . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ وَرَاءِ الْجَسْرِ يَعْنِي الصِّرَاطَ يَا مَعْشَرَ الْجَبَابِرَةِ الطُّغَاةِ وَيَا مَعْشَرَ الْمُتْرَفِينَ الأَشْقِيَاءَ إِنَّ اللهَ يَحْلِفُ بِعِزَّتِهِ وَجَلالِهِ أَنْ لا يُجَاوِر هَذَا الْجَسْرَ ظَالِمٌ. شِعْرًا: ... ثَلاثَةٌ فِيهِمْ لِلْمُلْكِ التَّلَفْ ... الظُّلْمُ وَالإِهْمَالِ فِيهِ وَالسَّرَفْ

стр. 1915

وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ لَمَّا رَجَعَتْ مُهَاجِرَةُ الْحَبَشَةِ عَامَ الْفَتْحِ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلا تَخْبِرُونِي بِأَعْجَبَ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ» . فَقَالَ فِتْيَةٌ كَانُوا مِنْهُمْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ إِذْ مَرَّتْ بِنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِهِمْ تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةٌ مِنْ مَاءٍ فَمَرَّتْ بِفَتَىً مِنْهُمْ فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كتفيها ثم دَفَعَهَا فَخَرَّتْ الْمَرْأَةُ على رُكْبَتَيْهَا وَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا. فَلَمَّا قَامَتْ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَتْ: سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غَادِرُ إِذَا وَضَعَ اللهُ الْكُرْسِيَّ وَجَمَعَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَتَكَلَّمَتْ الأَيَدِي وَالأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، سَوْفَ تَعْلَمُ مَنْ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَدَقَتْ كَيْفَ يُقَدِّسُ اللهُ قَوْمًا لا يُؤْخَذُ مِنْ شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ» . وَرُوِيَ عَن النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «خَمْسَةٌ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمِ إِنْ شَاءَ أَمْضَى غَضَبَهُ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَإِلا أَمَرَ بِهِمْ فِي الآخرِةَ ِإلى النَّارِ. أَمِيرُ قَوْمٍ يَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَلا يُنْصِفُهُمْ مِنْ نَفْسِهِ وَلا يَدْفَعُ الظُّلْمَ عَنْهُمْ. وَزَعِيمُ قَوْمٍ يُطِيعُونَهُ وَلا يُسَاوِي بَيْنَ الْقَوِّي وَالضَّعِيفِ وَيَتَكَلَّمُ بِالْهَوَى وَرَجُلٌ لا يَأْمُرُ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ بِطَاعَةِ اللهِ وَلا يُعَلِّمُهُمْ أَمْرِ دِينِهِمْ. وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ الْعَمَلَ وَلَمْ يُوَفِّهِ. وَرَجُلٌ ظَلَمَ امْرَأَتَهُ صَدَاقَهَا وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بن سَلامٍ قَالَ: إِنَّ اللهَ

стр. 1916

تَعَالى لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ وَاسْتَمَرُّوا عَلَى أَقْدَامِهِمْ رَفَعُوا رُؤُوسهَمُ ْإلى السَّمَاءِ وَقَالَوا: يَا رَبُّ مَعَ مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مَعَ الْمَظْلُومِ حَتَّى يُؤَدَى إِلَيْهِ حَقَّهُ. وَقِيلَ لَمَّا حُبِسَ خَالِدُ بن بَرْمَكٍ وَوَلَدُهُ قَالَ: يَا أَبَتِي بَعْدَ الْعِزِّ صِرْنَا فِي الْقَيْدِ وَالْحَبْسِ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ دَعْوَةُ مَظْلُومٍ سَرَتْ بِلَيْلٍ غَفَلْنَا عَنْهَا وَلَمْ يَغْفُل اللهُ عَنْهَا وَكَانَ يَزِيدُ بنُ حَكِيمٍ يَقُولُ: مَا هِبْتُ أَحَدًا قَطُّ هَيْبَتِي رَجُلاً ظَلَمْتُهُ وَأَنَا أَعْلَمُ لا نَاصِرَ لَهُ إِلا اللهُ يَقُولُ: حَسْبِيَ اللهُ، وَاللهُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: يَجِيءُ الظَّالِمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتّى إِذَا كَانَ عَلَى جَسْرِ جَهَنَّمَ لَقِيَهُ الْمَظْلُومُ وَعَرَّفَهُ مَا ظَلَمَهُ بِهِ فَمَا يَبْرَحُ الَّذِينِ ظُلِمُوا بِالَّذِينَ ظَلَمُوا حَتَّى يَنْزِعُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْحَسَنَاتِ فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا لَهُمْ حَسَنَاتٍ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ مِثْلَ مَا ظَلَمُوهُمْ حَتَّى يُرَدُّوا إلى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِن النَّارِ. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَنِيسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يُحْشَرُ الْعِبَادُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً بُهْمًا فِيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ أَنَا الْمَلِكُ الدَّيَّان لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةِ أَوْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارِ وَعِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ إلى أَنْ أُقِصَّهُ حَتَّى اللَّطْمَةَ فَمَا فَوْقَهَا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدَا» . قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ وَإِنَّمَا نَأْتِي حُفَاةً عُرَاةً فَقَالَ: «بِالْحَسَنَاتِ وَالسِّيَّئاتِ جَزَاءً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدا» . وَجَاءَ عَن النَّبِي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ ضَرَبَ سَوْطاً ظُلْمًا اقْتُصَّ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَعَن ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَعَانَ ظَالِمًا سُلِّطَ عَلَيْهِ» . وَقَالَ سَعِيدُ بنُ الْمُسَيِّبَ ﵀ لا

стр. 1917

تَمْلَؤُا أَعْيُنَكُمْ مِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ إِلا بالإِنْكَارِ مِنْ قُلُوبِكُمْ لِئَلا تَحْبُطَ أَعْمَالُكُمْ. وَقَالَ مَكْحُولُ الدِّمَشْقِي: يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الظَّلَمَةُ وَأَعْوَانُ الظَّلَمَةِ فَمَا يَبْقَى أَحَدٌ مَدَّ لَهُمْ حِبْرًا أَوْ حَبَّرَ لَهُمْ دَوَاةً أَوْ بَرَى لَهُمْ قَلَمًا فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلا حَضَرَ مَعَهُمْ فَيُجْمَعُونَ فِي تَابُوتٍ مِنْ نَارٍ فَيُلْقَوْنَ فِي النَّارِ. وَجَاءَ رَجُلٌ خَيَّاطٌ إلى سُفْيَانِ الثَّوْرِي فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أخِيطُ ثِيَابَ السُّلْطَانِ هَلْ أَنَا مِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ؟ فَقَالَ سُفْيَانُ: أَنْتَ مِنَ الظَّلَمَةِ أَنْفُسِهِمْ وَلَكِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ مَنْ يَبِيعُ مِنْكَ الإِبْرَةَ وَالْخُيُوط. وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (فَصْلٌ) في التَّواضع التَّوَاضُعِ يُقَابِلُ الْكِبْرَ وَهُوَ انْكِسَارُ الْقَلْبِ للهِ وَخَفْضُ جَنَاحِ الذُّلِّ وَالرَّحْمَةِ لِلْخَلْقِ وَقِيلَ: هُوَ رِضَا الإِنْسَانِ بِمَنْزِلَةٍ دُونَ مَا يَسْتَحِقُّهُ فَضْلُهُ وَمَنْزِلَتُهُ وَفَضِيلَتُهُ لا تَكَادُ تَظْهَرُ فِي أَكْثَرِ النَّاسِ وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي أَجِلاءِ النَّاسِ وَعُلَمَائِهِم الْعَامِلِينَ بِعِلْمِهِمْ وَهَذَا كَانَ فِي عُلَمَاءِ السَّلَفِ كَثِيرٌ أَمَّا الْيَوْمَ فَهُوَ نَادِرٌ وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّفَضُّلِ لأَنَّ الْمُتَوَاضِعَ يَتْرُكُ بَعْضَ حَقِّهِ وَالتَّوَاضُعُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْكِبْرِ وَالضَّعَةِ وَالْكِبْرُ تَقَدَّمَ تَعْرِيفُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ. وَالضَّعَةُ وَضْعُ الإِنْسَان نَفْسَهُ فِي مَنْزِلَةٍ تُزْرِي بِهِ مِنْ الدَّنَاءَةِ وَالْخِسَّةِ وَابْتِذَالِ النَّفْسِ فِي سَبِيلِ شَهَوَاتِهَا الْفَاسِدَةِ فَتَجِدُ الْوَضِيعَ يَقِفُ فِي

стр. 1918

الْمَوَاقِفِ الَّتِي تُزْرِي بِهِ مِنْ أَجْلِ الْحُصُولِ عَلَى وَظِيفَةٍ أَوْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلا يُبَالِي أَنْ يَذِلَّ لِمَنْ دُونَهُ أَوْ يَتَمَلَّقَ لِمَنْ يُهِينُهُ أَوْ يَقِفَ عَلَى بَابِ مَنْ يَسْتَثْقِلُهُ وَيُظْهِرُ الاشْمِئْزَازَ مِنْهُ وَهُوَ لا يُبَالِي بِالإِلْحَاحِ عَلَيْهِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ ذَلِيلاً خَاضِعًا وَلا شَكَّ أَنَّ هَذَا صِفَةٌ ذَمِيمَةٌ. وَمَنْشَأُ التَّوَاضُعِ مِنْ مَعْرِفَةِ الإِنْسَانِ قَدْرَ عَظَمَةِ رَبِّهِ وَمَعْرِفَتِهِ قَدْرَ نَفْسِهِ لأَنَّ مَنْ يُدْرِكُ أَنَّهُ شَخْصٌ ضَعِيفٌ فَانٍ وَأَنَّ كُلَّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الْمُوجِبَةِ لِلرَّفْعَةِ وَالْكِبْرَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ لا ثَبَاتَ لَهَا بَلْ هِيَ أَعْرَاضٌ زَائِلَةٌ وَيُدْرِكُ أَنَّ رَبَّهُ هُوَ الْخَالِقُ الْعَظِيمُ الْمُتَفَرِّدُ بِالْبَقَاءِ وَالْكِبْرِيَاءِ، فَهَذَا لا يَتَمَرَّدُ عَلَى خَالِقِهِ بِاقْتِرَافِ الْجَرَائِمِ وَالآثَامِ وَعِنْدَ ذَلِكَ يُعَامِلُ النَّّاسَ مُعَامَلَةٌ حَسَنَةٌ بِلُطْفٍ وَرَحْمَةٍ وَرِفْقٍ وَلِين جَانِبٍ وَلا يَتَكَبَّرُ عَلَى أَحَدٍ وَلا يَزْهُو عَلَى مَخْلُوقٍ وَلا يُبَالي بِمَظَاهِرِ الْعَظَمَةِ الْكَاذِبَةِ وَلا يَتَرَفَّعُ عَنْ مُجَالَسَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَشْي مَعَهُمْ وَإِجَابَةِ دَعَوَتِهِمْ وَمُخَاطَبَتِهِمْ بِالْكَلامِ اللَّينِ وَلا يَأْنَفُ مِنْ اسْتِمَاعِ نَصِيحَةِ مَنْ هُوَ دُونَهُ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ بنُ عَيَّاضٍ: التَّوَاضُعُ أَنْ تَخْضَعَ لِلْحَقِّ وَتَنْقَادَ لَهُ وَلَوْ سَمِعْتَهُ مِنْ صَبِي قَبِلْتَهُ مِنْهُ وَلَوْ سَمِعْتَهُ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ قَبِلْتَهُ وَلِلتَّوَاضُعِ فَوَائِدُ وَمَنَافِعُ تَعُودُ عَلَى الأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ بِالْخَيْرِ الْكَثِيرِ فَإِنَّ الْمُتَوَاضِعَ قَرِيبٌ إلى النَّاسِ مُحَبَّبٌ إلى نُفُوسِهِمْ ضِدُّ الْمُتَكَبِّرِ فَإِنَّهُ بَغِيضٌ إِلَيْهِمْ ثَقِيلٌ عِنْدَهُمْ وَكُلَّمَا َدَنا الْمُتَوَاضِعُ مِنَ النَّاسِ ارْتَفَعَتْ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُمْ وَعَظُمَ فِي عُيُونِهِمْ وَثَقُلَ مِيزَانُهُ عِنْدَهُمْ وَاسْتَفَادَ مِنْهُمْ وَأَفَادَهُمْ. وَكُلَّمَا كَانَ الْمُتَوَاضِعُ عَظِيمًا ذَا مَكَانَةٍ رَفِيعَةٍ كَانَ التَّوَاضُعُ مِنْهُ أَكْبَرُ أَثَرًا وَأَكْثَرُ فَائِدَةٌ لأَنَّ الأَشْيَاءَ تَعْظُمُ بِنِسْبَةِ مَنْ تَسْتَنَدُ إِلَيْهِ كَمَا قِيلَ:

стр. 1919

عَلَى قَدْرِ أَهْلِ الْعَزْمِ تَأْتِي الْعَزَائِمُ وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الْكِرَامِ الْمَكَارِمُ وَتَعْظُمُ فِي عَيْنِ الصَّغِيرِ صغارها وَتَصْغَرُ فِي عَيْنِ الْعَظِيمِ الْعَظَائِمُ ... >? وَإِذَا كَانَ الْمُتَوَاضِعُ عَالِمًا بِالتَّوَاضُعِ يَزْدَادُ عَلْمًا لأَنَّهُ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ أَخْذِ الْفَائِدَةِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ وَلِهَذَا قِيلَ: تَعَلَّمُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوّدُوا وَلا يَأْبَى الْعَالِمُ الْمُتَوَاضِعُ أَنْ يَنْقُلَ الْحَقَّ عَنْ أَيِّ مَخْلُوقٍ. وَقَدْ تَتَلْمَذَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى بنِ عَبْدِ الْقَوِّي نَاظِمِ عِقْدَ الْفَرَائِدِ وَنَظَمَ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِّي بَعْضَ اخْتِيَارَاتِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فَعِنْدَمَا ذَكَرَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ قَالَ: ... وَعِنْدَ إِمَامِ الْعَصْرِ لا حُجَّةً لَهُمْ ... عَلَى ذَا وَلَكِنْ بِاسْمِهِ فَلْيُحَدِّدَ ... >? ???? ????وَعِنْدَمَا ذَكَرَ قِتَالَ أَهْلِ الْبَغْيِ قَالَ: ... وَيَكْرَهُ شَيْخُ الْعَصْرِ أَنْ يَقْصُد الْفَتَى ... بُغَاةَ ذَوِي الأَرْحَامِ لا ذُو المُجَرَّدِ ... >? ???? ????عِنْدَمَا ذَكَرَ مِنْ لَهَا عَادَةُ مِن النِّسَاءِ وَتَغَيَّرَتْ قَالَ: ... وَعِنْدَ إِمَامِ الْوَقْتِ تَجْلِسُ مُطْلَقا ... لِظَاهِرِ مَا يُرْوَى بِغَيْرِ تَقَيُّدِ ... >? ???? ????فَلِلّهِ دَرُّهُ مِن مُتَوَاضِعٍ. عكس ما عليه كثير من حاملي الشهادات الحالية دكتوراه وماجستير وبكالوريوس ودبلوم ونحوها نسأل الله الكريم أن يعافيهم ولا يبلانا فيما بُلوا به من الكبر والعُجْبِ والْجَهْل. قِيلَ لِبزْرِ جَمْهَر: مَا النِّعْمَةُ الَّتِي لا يُحْسَدُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا؟ قَالَ: التَّوَاضُعُ. قِيلَ لَهُ: فَمَا الْبَلاءُ الَّذِي لا يُرْحَمُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ؟ قَالَ الْعُجْبُ. وقال: التَّوَاضُعُ مَعَ السَّخَافَةِ وَالْبُخْلُ أَحْمَدُ مِن الْكِبْرِ مَع السَّخَاءِ وَالآدَابِ فَأَعْظِمْ بِحَسَنَةٍ عَفَتْ عَنْ سَيِّئَتَيْنِ وَأَقْبَحَ بِعَيْبٍ أَفْسَدَ مِنْ صَاحِبِهِ حَسَنَتَيْن وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:

стр. 1920

.. وَأَحْسَنُ مَقْرُونَيْنِ فِي عَيْنِ نَاظِرٍ ... جَلالَةُ قَدْرٍ فِي خُمُولِ تَوَاضُعِ ... ???? ????آخر: ... لَيْسَ الْخُمُولُ بِعَارٍ ... عَلَى امْرِئٍ ذِي جَلالِ ... >? ???? ???? ... فَلَيْلَةُ الْقَدْرِ تَخْفَى ... وَتِلْكَ خَيْرُ اللَّيَالِ ... ???? ????آخر: ... إِنَّ التَّوَاضُعَ مِنْ خِصَالِ الْمُتَّقِي ... وَبِهِ التَّقِيُّ إلى الْمَعَالي يَرْتَقِي ... >? ???? ???? ... وَمِنَ الْعَجَائِبِ عُجْبُ مَنْ هُوَ جَاهِلٌ ... فِي حَالِهِ أَهُوَ السَّعِيدُ أَمْ الشَّقِي ... ???? ???? ... أَمْ كَيْفَ يُخْتَمُ عُمْرُه أَوْ رُوحُهُ ... يَوْمَ النَّوَى مُتَسفل أَوْ مُرْتَقِي ... ???? ???? ... وَالْكِبْرِيَاءِ لِرَبِّنَا صِفَةٌ لَهُ ... مَخْصُوصَةٌ فَتَجَنَّبَهَا وَاتَّقِي ... >? ???? ???? وقال بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ بَرِئ مِنْ ثَلاث نَالَ ثَلاثًا مِنْ بَرِئَ مِنَ السَّرَفْ نَالَ الْعِز وَمَنْ بَرِئَ مِنَ الْبُخْلِ نَالَ الشَّرَف وَمَنْ بَرئَ مِنَ الْكِبْرِ نَالَ كَرَامَةَ التَّوَاضُع. وقال مُصْعَبُ بن الزُّبَيْر: التَّوَاضُعُ مَصَائِدُ الشَّرَفِ. وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمَ مَنْ دَامَ تَوَاضُعُهُ كَثُرَ صَدِيقُه. أَمَّا الْمُتَكَبِّرُ فَهُوَ كَالْمَغْرُورِ فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا تَفُوتَهُ الْحَقَائِقُ الْعِلْمِيَّةِ لأَنَّهُ تَأْبَى عَلَيْهِ نَفْسَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَقِّ حَيْثُ وَجَدَه وَلِهَذَا قِيلَ ضَاعَ الْعِلْمُ بَيْنَ الْحَيَاءِ وَالْكِبْرُ ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمُتَوَاضِعُ تِلْمِيذًا يَجِدُ لُطْفًا وَعَطْفًا مِنَ الأسْتَاذ فَلا يَبْخَلُ عَلَيْهِ بِمَجْهُودِهِ وَلا يَشُحُّ عَلَيْهِ بِفَائِدَةٍ لأَنَّ التَّوَاضُعَ يَسْتَلْزِمُ الأَدَب. وَأَمَّا أَحْسَنُ الأَدَبِ وَالتَّوَاضُعِ وَاللُّطْفِ مَعَ الْمُعَلِّم الَّذِي يَبْذِلُ جُهْدَهُ فَي سَبِيل تَثْقِيفِهِ وَتَهْذِيبه وَتَرْبِيَتِهِ تَرْبِيَةً صَالِحَةً وَأَنَّهُ بِتَوَاضُعَهِ وَحُسْن سِيرَتِهِ مَعَ مُعَلِّمِهِ يُبَرْهِنُ عَلَى أَنَّهُ مِمَّنْ يَعْرِفُ قَدْرَ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاء وَأَنَّهُ يُدْرِكُ قِيمَةَ الْمَعْرُوفِ وَأَنَّهُ مِمَّنْ يُجَازِي عَلَى الإِحْسَانِ بِالإِحْسَانِ. أَمَّا الْمُتَكَبِّرُ الَّذِي يَتَكَبَّرُ وَيَتَعَاظَمُ فِي نَفْسِهِ وَيَحْمِلُهُ الْكِبْرُ عَلَى سُوءِ الأَدَب وَاحْتِقَارِ الْمُعَلِّم فَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ غَبِيٌّ جَاهِلٌ جلفٌ فَدِم لا يَعْرِفُ لِلْعِلْمِ قِيمَتَه وَلا يُرِيدُ أَنْ يَخْرَجَ مِنْ جَهْلِهِ وَهَذَا شَيْءٌ مُشَاهَدٌ مَعْرُوف فَإِنَّكَ تَرَى الْمُتَكَبِّرِينَ عَلَى الْمُعَلِّمِينَ يَعْمَهُونَ فِي حُمْقِهِمْ وَجَهْلِهِمْ وَلا يَخْرُجُونَ عَن السَّخَفِ فَضْلاً عَمَّا

стр. 1921

ارْتَكَبُوهُ مِنْ نُكْرَانِ الْجَمِيلِ وَجَحْدِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي يُسْدَى إِلَيْهِمْ وَقَدِيمًا قِيلَ: ... فَاصْبِرْ لِدَائِكَ إِنْ جَفَوْتَ طَبِيبَهُ ... وَاصْبِرْ لِجَهْلِكَ إِنْ جَفَوْتَ مُعَلِّمًا ... ???? ????آخر: ... وَمَنْ لَمْ يَذُقْ مَرَّ التَّعَلُمِ سَاعَةً ... تَجَرَّع ذُلَّ الْجَهْلِ طُولَ حَيَاتِهِ ... >? ???? ???? ... فَصَبْرًا عَلَى مُرِّ الْجَفَا مِنْ مُعَلِّمٍ ... فَإِنَّ رُسُوبَ الْعِلْمِ فِي نَفَرَاتِهِ ... ???? ???? ... وَمَنْ فَاتَهُ التَّعْلِيمُ وَقْتَ شَبَابِهِ ... فَكَبِّرْ عَلَيْهِ أَرْبَعًا لِوَفَاتِهِ ... ???? ???? ... وَذَاتُ الْفَتَى وَاللهِ بِالْعِلْمِ وَالتُّقَى ... إِذَا لَمْ يَكُونَا لا اعْتِبَارَ لِذَاتِهِ ... ???? ????آخر: ... أَيْنَ الْمَرَاتِبُ فِي الدُّنْيَا وَرِفْعَتُهَا ... مِن الَّذِي حَازَ عِلْمًا لَيْسَ عِنْدَهُمُ ... >? ???? ???? ... لا شَكَّ أَنَّ لَنَا قَدْرًا رَأَوْهُ وَمَا ... لِمِثْلِهِمْ عِنْدَنَا قَدْرُ وَلا لَهُمُوا ... ???? ???? ... هُمُ الْوُحُوش وَنَحْنُ الإِنْسَ حِكْمَتُنَا ... تَقُودُهُمْ حَيْثُمَا شِئْنَا وَهُمْ نَعَمُ ... >? ???? ???? آخر: ... احْرِصْ عَلَى كُلِّ عِلْمٍ تَبْلُغَ الأَمَلا ... وَلا تُوَاصِلْ لِعِلْمٍ وَاحِدٍ كَسَلا ... >? ???? ???? ... فَالنَّحْلُ لَمَّا رَعَتْ مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ ... أَبْدَتْ لَنَا الْجَوْهَرَيْنِ الشَّمْعَ وَالْعَسَلا ... ???? ???? ... الشَّمْعُ بِاللَّيْلِ نُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ ... وَالشَّهْدُ يُبْرِي بِإِذْنِ الْبَارِئِ الْعِلَلا ... >? ???? ???? تَنْبِيه: وَنَعْنِي بِالْعَالِمِ الْمُعَلَّم الَّذِي يَتَأَدَّبُ مَعَهُ وَيَتَوَاضَعُ لَهُ وَيُقَدَّرُ وَيُحْرَصُ عَلَى أَخْذِ الْعِلْمِ مِنْهُ وَمُجَالَسَتِهِ الْعَامِلُ بِعَمَلِهِ الْمُتَأَدِّب بِآدَابِ الشَّرِيعَةِ الْمُتَمَسِّكُ بِهَا الَّذِي يَصْدَعُ بِالْحَقِّ وَلا تَأْخُذُه ِفيِ اللهِ لَوْمَةِ لائِم الْبَعِيدُ عَنِ الْمُجَامَلَة إِذَا رَأَى مَا يُغْضِبُ الله الْبَعِيد عَن الظَّلمَةِ وَأَعْوَانِهِمْ الْمُتَمَلِّقِين. أَمَّا مَنْ يُسَمُّونَ مَشَايخَ وَأَسَاتِذَةَ وَيُرَى عَلَيْهِمْ آثَارَ مُخَالَفَةِ النَّبِي ? مِنْ حَلْقِ لِحْيَةٍ أَوْ تَشَبُّهٍ بِالْكَفَرَةِ أَوْ تَرْكِ حُضُورِ جُمْعَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ أَوْ اسْتِعْمَالِ آلاتِ لَهْو أَوْ شَرْبِ دُخَانِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَهَؤُلاءِ يَتَعَيَّن الابْتِعَادُ عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ وَمُجَاوَرَتِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ وَمُشَارَكَتهمْ إِلا لِضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ شَدِيدَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ لأَنَّ

стр. 1922

الطِّبَاع كَسَّابَةٌ وَيُخْشَى عَلَى مَنْ قَارَفَهُمْ أَوْ قَارَبَهُمْ أَنْ يَتَّصِلَ مَا بِهِمْ مِنْ مَرَضٍ مَعْنَوِي إلى ذَلِكَ الشَّخْصِ الْبَرِي. شِعْرًا: ... خَلَتِ الْقُلُوبُ مِن الْمَعَادِ وَذِكْرِهُ ... وَتَشَاغَلُوا بِالْحِرْصِ وَالأَطْمَاعِ ... ???? ???? ... صَارَتْ مَجَالِسُ مَنْ تَرَى وَحَدِيثُهم ... في الصُّحْفِ وَالتِّلْفَازِ وَالْمِذْيَاعِ ... >? ???? ???? آخر: ... (أَلا أَيُّهَا الْمَغْرُورُ فِي جَرِّ ثَوْبِهِ ... وَجَزٍّ لِبَعْضِ الرَّاسِ فِعْلَ الأَرَاذِلِ) ... ???? ???? ... (فَمَا الْعِزِّ فِي حَلْقِ اللِّحَا أَوْ خَنَافِسٍ ... وَلا شُرْبِ دَخَّانٍ كَفَعْلِ الأَسَافِلِ) ... ???? ???? ... (وَلَكِنَّهُ بِالْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالتُّقَى ... وَصِدْقٍ وَحِلْمٍ وَاقْتِنَاءٍ الْفَضَائِلِ) ... >? ???? ???? قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: إِنَّ الرَّجُلَ لِيَكُونُ غَائِبًا عَنِ الْمُنْكَر فِي بُيُوتِ الْوُلاةِ وَيَكُونُ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْر مَنْ حَضَرَ وَذَلِكَ لأَنَّهُ يَبْلُغه فَيَرْضَى بِهِ وَيَسْكُتُ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَفِي وَقْتِنَا مَا أَكْثَرَ السَّاكِتِينَ وَالْمدلِّسِينَ وَالْمُدَاهِنِينَ الَّذِينَ هَمُّهُمْ وَهَدَفهمُ الْوَحِيدُ مَا يَحْشُونَ بِهِ بُطُونَهُمْ مِنْ مَطْعُومٍ َوَمْشُروب أَوْ مَا يُجَمِّلُونَ بِهِ ظَوَاهِرَهُمْ مِنْ مَلْبُوسٍ وَمَرْكُوبٍ أَوْ يَتَذَوَّقُونَ بِهِ مِنْ زَوْجَةٍ إلى زَوْجَة دَائِمًا يُطَلِّقُ وَيَتَزَوَّج لا يَسْتَقِرُّ عَلَى الدَّوَامِ. قَالَ ?: ((لا تُطَلَّقُ النِّسَاءُ إِلا مِنْ رِيبَةٍ إِنَّ اللهَ تَعَالى لا يُحِبُّ الذَّوَّاقِينَ وَالذَّوَاقُ الْكَثِيرُ النِّكَاح وَالطَّلاقِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِي وَالذَّوَاقَةُ الَّتِي كُلُّ مَنْ أَخَذَهَا تَتَسَبَّبُ لِفِرَاقِهِ لأَجْلِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِغَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَاضِعُ تَاجِرًا ذَا مَالٍ فَإِنَّهُ بِمُخَالَطَتِهِ النَّاسَ وَعَدمِ التَّرَفُّعِ وَالْكِبْرِ عَلَيْهِمْ يَنَالُ بِهِ الإِنْسَانُ الألفة والائْتِنَاسَ وَالْمَحَبَّةَ وَالإِقْبَال عَلَيْهِ في الْمُعَامَلَةِ وَيَعْرِفُ الْفُقَرَاءَ وَالْمُحْتَاجِينَ وَيَرَى مَا يُصِيبُهُمْ مِن الشَّقَاءِ وَيَمُسُّهُمْ مِن الْجُوعِ وَالْعُريّ وَمَا يُؤْذِيهمِ مِنْ أَلَمِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ فَتَأَلَّمُ نَفْسُهُ لِمَا يُصِيبُهُمْ فَيَرْحَمُهُمْ وَيَعْطِفَ عَلَيْهِم فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْخَيْرِ وَالْمُشَارَكَةُ فِيهِ وَيَسْهُلُ عَلَيْهِ أَدَاءُ مَا

стр. 1923

فَرَضَهُ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَاتٍ وَزَكَاةٍ وَيَهُونُ عَلَيْهِ إنْقَاذُ الْمَكْرُوبِ وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ. وَفِي عَمَلِهِ ذَلِكَ مَعَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ فَائِدَةٌ لَهُ وَلِلنَّاسِ لأَنَّهُ بِعَمَلِهِ هَذَا يُرْضِي اللهَ أَوَّلاً وَرِضَى الرَّبِّ خَيْرُ ذَخِيرَةٍ يَذْخَرُهَا الْمَرْءُ تَنْفَعُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لأَنَّ مَنْ يَرْضَى عَنْهُ مَوْلاهُ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ فَقَدْ فَازَ بِالدُّنْيَا وَالآخِرَةِ أَمَّا بِالدُّنْيَا فَلِمَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ رَاحَةِ الْخَاطِرِ الَّتِي يَتَأَلَّمُ لَهَا الْمُتَكَبِّرُونَ وَتَغْلِي مِنْ أَجْلِهَا دِمَاؤُهُمْ وَيَطْغَى غَضَبُهُمْ فَيَحْمِلُهُمْ عَلَى التَّعَدِّي عَلَى عباد الله قَوْلاً وَفِعْلاً وَلِمَا يَكْسِبُهُ مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَمَحَبَّتِهِمْ لَهُ وَاحْتِرَامِهِمْ لَهُ وَإِخْلاصِهِمْ فِي خِدْمَتِهِ وَالْمُبَادَرَةِ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِ وَتَضَافِرُهم عَلَى الدِّفَاعِ عَنْهُ وَالانْتِصَارِ لَهُ. وَعَلَى عَكْسِهِ الْمُتَكَبِّرُ لاحْتِقَارِهِ لَهُمْ وَاحْتِقَارِهِمْ وَإِنْ كَانَ التَّوَاضُعُ مِنْ صَاحِبٍ جَاهٍ فَإِنَّ التَّوَاضُعَ يَجْعَلُ لِجَاهِهِ قِيمَةً لأَنَّ الْجَاهَ إِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي فَائِدَةِ الأُمَّةِ وَالأَفْرَادِ لا يَكُونُ لَهُ مَعْنَى وَمَنْ تَرَفَّعَ عَنِ النَّاسِ وَلَمْ يَتَوَاضَعْ لَهُمْ فَإِنَّهُ لا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ وَلا يَنْتَفِعُ بِجَاهِهِ مُحْتَاجٌ فَيَظَلُّ جَاهَهُ قَاصِرٌ عَلَيْهِ وَيُصْبِحُ اسْمًا بِدُونِ مُسَمَّى. وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ لَهُ مَا يَسُدُّ شَهْوَتَهُ وَحْدَهُ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ سُلْطَان فَقَدْ ظَفَرَ بِلَذَّاتِ الدُّنْيَا وَنَعِيمِهَا فَلا يُبَالِي بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ شَقِيَ أَمْ سَعِدَ فَهُوَ ضَائِعٌ أَحْمَق لأَنَّ الإِنْسَانَ لا يَسْتَقِلُّ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ بَلْ لا بُدَّ مِنَ التَّعَاوُنِ مَعَ غَيْرِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} قَالَ الشَّاعِرْ: ... النَّاسُ لِلنَّاسِ مِنْ بَدْوٍ وَحَاضِرَةٍ بَعْضٌ لِبَعْضٍ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرُوا خَدَمُ ... >?

стр. 1924

.. وَكُلُّ عُضْوٍ لأَمْرٍ مَا يُمَارِسُه لا مَشْيَ لِلْكَفِّ بَلْ تَمْشِيَ بِهِ الْقَدَمُ آخر: ... إِذَا مَا تَأَمَّلْنَا الأُمُورَ تَبَيَّنَتْ لَنَا وَأَمِيرُ الْقَوْمِ لِلْقَوْمِ خَادِمُ ... >? مَوْعِظَةٌ عِبَادَ اللهِ مَنْ كَانَ الْمَوْتُ يَطْلُبُهُ كَيْفَ يَقِرُّ لَهُ قَرَار وَمَنْ كَانَ الدَّهْرُ يُجَارِيهِ فَكَيْفَ يُطِيقُ الانْتِصَار، وَمَنْ كَانَ رَاحِلاً عَنِ الدُّنْيَا إلى الآخِرَةِ كَيْفَ يَلَذُّ لَهُ قَرَارُ، عَجَبًا لِمَنْ يَمْلأ عَيْنهُ بِالنَّوْمِ وَهُوَ لا يَدْرِي أَيُسَاقُ إلى الْجَنَّةِ أَوْ إلى النَّارِ. وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ: ... (وَكَيْفَ تَنَامُ الْعَيْنُ وَهِيَ قَرِيرَةٌ وَلَمْ تَدْرِ فِي أَيْ الْمَكَانِينِ تَنْزِلُ) ... >? إِنْ هِيَ إِلا غَفْلَةٌ وَأُمْنِيَّةٌ عَاجِلَةٌ وَسَجِيَّةٌ عَادِلَةٌ جَرَى بِهَا الْقَلَمُ وَمَضَى عَلَيْهَا سَالِفُ الأُمَمِ، فَيَا فَرَائِسَ الأَحْدَاث وَيَا غَرَائِسَ الأَجْدَاث، لَقَدْ صَعَقَ الْمَوْتُ فِي دِيَارِكُمْ فَنَعَب، وَصَدَقَكُمْ صَرْفُ الزَّمَانِ وَمَا كَذَب، فَكَأَنَّهُ قَدْ أَعَادَ عَلَيْكُمْ الْكَرَّةَ وَسَلَبَ، وَنَغَّصَ عَلَيْكُمُ الْمَسّرةَ، وَانْتَهَزَ فِيكُم الغِرَّة، فَمَا أَقَالَكُمْ عَثْرَة. عَنْ كَعْبٍ أَوْ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ: يَقُومُونَ مِقْدَارَ ثَلاثَمَائَةِ عَامْ. قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: مَا ظَنُّكَ بِأَقْوَامٍ قَامُوا للهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ مِقْدَارُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةَ لَمْ يَأْكُلُوا فِيهَا أَكْلَةَ وَلَمْ يَشْرَبُوا فِيهَا شَرْبَةْ حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ أَعْنَاقُهمْ مِنَ الْعَطَشْ

стр. 1925

وَاحْتَرَقَتْ أَجْوَافُهُمْ مِنَ الْجُوعِ انْصُرِفَ بِهِمْ إلى النَّارِ فَسُقُوا مِنْ عَيْنٍ قَدْ آنَ حَرُّهَا وَاشْتَدَّ نَفْحُهَا. فَلَمَّا بَلَغَ الْمَجْهُودُ مِنْهُمْ مَا لا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ كَلَّمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي طَلَبِ مَنْ يُكْرُمُ عَلَى مَوْلاهُ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ فِي الرَّاحَةِ مِنْ مَقَامِهِمْ وَمَوْقِفَهِمْ لِيَنْصَرِفُوا إلى الْجَنَّةِ أَوْ إلى النَّارِ مِنْ وُقُوفِهم فَفَزِعُوا إلى آدَمَ وَنُوحٍ وَمِنْ بَعْدِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى كُلُّهُمْ يَقُولُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمِ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ مِثْلَهُ قَبْلَهْ وَلا يَغْضَبُ بَعْدَهْ مِثْلَهْ فَكُلُّهمْ يَذْكُرُ شِدَّةَ غَضَبِ الرَّبِّ وَيُنَادِي بِالشُّغُل بِنَفْسِه فَيَقُولَ نَفْسي نَفْسِي فَيَشْتَغِلُ بِنَفْسِهِ عَنَ الشَّفَاعَةِ لَهُمْ إلى رَبِّهِمْ لاهْتِمَامِهِ بِنَفْسِهِ وَخَلاصِهَا. وَكَذَلِكَ يَقُولُ اللهُ : ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ فَبَادِرُوا رَحِمَكُمُ اللهْ وَأَنْتُمْ فِي مَكَانِ الإِمْكَانْ، قَبْلَ ضِيقِ الأَوْطَانِ، وَتَقَلُّصِ اللِّسَانَ وَاصْفِرَارِ الْبَنَان، وَالتَّقَلُّبِ مِنْ جِهَةٍ إلى جِهَة مِنْ شِدَّةِ الآلام. وَرَفْعُ يَدٍ وَوَضْعُ الأُخْرَى مِنْ شَدَّةِ السَّكَرَات، لِجَذْبِ الرُّوحِ مِنْ الْعُرُوقِ وَالْعَصَبِ وَالْعِظَامِ، قَبْلَ شُخُوصِ الْبَصَر، وَبُرُودَةِ الْبَدَنِ، وَنَقْلِهِ لِبَيْتِ الدَّوْدِ وَالظُّلْمَةِ وَالْوَحْشَةِ وَالإِنْفِرَادِ وَسُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، وَمَا يَعْقُبُه مِنْ كُلِّ أَمْرٍ خَطِيرٍ فِي يَوْمٍ يَشِيبُ مِنْ أَهْوالِهِ الْوِلْدَان. فَمَا ظَنّكُمْ عِبَادَ اللهِ بِيَوْمٍ بَضَائِعُهُ الأَعْمَالُ، وَشُهُودُهُ الْجُلُودُ وَالأَلْسِنَةً وَالأَوْصَال، وَسِجْنُهُ النَّارُ، وَحَاكِمُهُ الْجَبَّارُ، إِنَّ ذَلِكَ لَيَوْمٌ عَظِيمٌ لا يَعْمَلُ لِحِسَابِهِ إِلا مَنْ وَفَّقَهُ الْحَيُّ الْقَيُّوم لَيْسَ فِيهِ لِلْمُجْرِمِ رَاحَةٌ وَلا نَوْمٌ، فَانْتَبِهُوا رَحِمَكُمْ اللهُ وَتَيَقَّظُوا وَتَزَوَّدُوا فَكَأَنَّكُم بِهِ وَقَدْ أَتَى قَالَ تَعَالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ﴾ ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

стр. 1926

شِعْرًا: ... خَبَتْ مَصَابِيحُ كُنَّا نَسْتَضيءُ بِهَا وَطَوَّحَتْ لِلْمَغِيبِ الأَنْجُمُ الزَّهَرُ وَاسْتَحْكَمَتْ غُرْبَةُ الإسلام وَانْكَسَفَتْ شَمْسُ الْعُلُومِ الَّتِي يَهْدِي بِهَا الْبَشَرُ تُخُرِّمَ الصَّالِحُونَ الْمُقْتَدَى بِهِمْ وَقَامَ مِنْهُمْ مَقَامَ الْمُبْتَدَا الْخَبَرُ فَلَسْتَ تَسْمَعُ إِلا كَانَ ثُمَّ مَضَى وَيَلْحَقُ الْفَارِطُ الْبَاقِي بِمَنْ غَبَرُوا وَالنَّاسُ فِي سَكْرَةٍ مِنْ خَمْرِ جَهْلِهِمُ وَالصَّحْوُ فِي عَسْكَرِ الأَمْوَاتِ لَوْ شَعِرُوا نَلْهُو بِزُخْرُفِ هَذَا الْعَيْشِ مِنْ سَفَهٍ لَهْوَ الْمُنَبِّتِ عَودًا مَا لَهُ ثَمَرُ وَتَسْتَحِثُّ مَنَايَانَا رَوَاحِلَنَا لِمَوقِفٍ مَا لَنَا عَنْ دُونِهِ صَدَرُ إِلا إلى مَوْقِفٍ تَبْدُوا سَرَائِرُنَا فِيهِ وَيَظْهَرُ لِلْعَاصِينَ مَا سَتَرُوا فَيَا لَهُ مَصْدَرَا مَا كَانَ أَعْظَمَهُ النَّاسُ مِنْ هَوْلِهِ سَكْرَى وَمَا سَكِرُوا فَكُنْ أَخِي عَابِرًا لا عَامِرًا فَلَقَدْ رَأَيْتَ مَصْرَعَ مَنْ شَادُوا وَمَنْ عَمَرُوا اسْتُنْزِلُوا بَعْدَ عِزٍّ عَنْ مَعَاقِلِهِمْ

стр. 1927

.. كَأَنَّهُم مَا نَهَوْا فِيهَا وَلا أَمَرُوا تُغَلُّ أَيْدِيهِمُوُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنْ بَرُّوا تُفَكُّ وَفِي الأَغْلالِ إِنْ فَجَرُوا وَنُحْ عَلَى الْعِلْمِ نَوْحَ الثَّاكِلاتِ وَقُلْ وَالْهَفْ نَفْسِي عَلَى أَهْلٍ لَهُ قُبِرُوا الثَّابِتِينَ عَلَى الإِيمَانِ جُهْدَهُم وَالصَّادِقِينَ فَمَا مَانُوا وَلا خَتَرُوا الصَّادِعِينَ بِأَمْرِ اللهِ لَوْ سَخَطُوا أَهْلُ الْبَسِيطَةِ مَا بَالُوا وَلَوْ كَثُرُوا السَّالِكِينَ عَلَى نَهْجِ الرَّسُولِ عَلَى مَا قَرَّرَتْ مُحْكَمُ الآيَاتِ وَالسُّوَرُ الْعَادِلِينَ عَنِ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا وَالأَمْرَيْنَ بِخَيْرٍ بَعْدَ مَا ائْتَمَرُوا لَمْ يَجْعَلُوا سُلَّمًا لِلْمَالِ عِلْمَهُمُوا بَلْ نَزَّهُوهُ فَلَمْ يَعْلُقْ بِهِ وَضَرُ فَحَيَّ أَهْلاً بِهِمْ أَهْلاً بِذِكْرِهِمُوا الطِّيبِينَ ثَنَاءً أَيْنَمَا ذُكِرُوا أَشْخَاصُهُمْ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى وَهُمُوا كَأَنَّهُمْ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ نُشِرُوا هَذِيْ الْمَكَارِمُ لا تَزْوِيقُ أَبْنِيَةٍ وَلا الشُّفُوفُ الَّتِي يُكْسَى بِهَا الْجُدُرُ

стр. 1928

.. وَالْعِلْمُ إِنْ كَانَ أَقْوالاً بِلا عَمَلٍ فَلَيْتَ صَاحِبَةُ بِالْجَهْلِ مُنْغَمِرُ يَا حَامِلَ الْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ إِنَّ لَنَا يَوْمًا تُضَمُّ بِهِ الْمَاضُونَ وَالأَخَرُ فَيَسْأَلُ اللهُ كُلاً عَنْ وَظِيفَتِهِ فَلَيْتَ شِعْرِي بِمَاذَا مِنْهُ تَعْتَذِرُ وَمَا الْجَوَابُ إِذَا قَالَ الْعَلِيم إِذَا قَالَ الرَّسُولُ أَوْ الصِّدِّيقُ أَوْ عُمَرُ وَالْكُلُّ يَأْتِيهِ مَغْلُولَ الْيَدَيْنِ فَمِنْ نَاجَ وَمِنْ هَالَكٍ قَدْ لَوَّحَتْ سَقَرُ فَجَدِّدُوا نِيَّةُ للهِ خَالِصَةً قُومُوا فُرَادَى وَمَثْنَى وَاصْبِرُوا وَمُرُوا وَنَاصِحُوا وَانْصَحُوا مَنْ وَلِيَ أَمْرَكُمُ فَالصَّفْوُ لا بُدَّ يَأْتِي بَعْدَهُ كَدَرُ وَاللهُ يَلْطُفُ فِي الدُّنْيَا بِنَا وَبِكُمْ وَيَوْمَ يَشْخَصُ مِنْ أَهْوَالِهِ الْبَصَرُ وَصَلِّ رَبِّ عَلَى الْمُخْتَارِ سَيِّدِنَا شَفِيعِنَا يَوْمَ نَارِ الْكَرْبِ تَسْتَعِرُ مُحَمَّد خَيْرِ مَبْعُوثٍ وَشِيعَتِهِ وَصَحْبِهِ مَا بَدَا مِنْ أُفْقِهِ قَمَرُ ... >?

стр. 1929

اللَّهُمَّ كَمَا صِنْتَ وَجُوُهَنَا عَنِ السُّجُودِ لِغَيْرِكَ فَصُنْ وُجُوهَنَا عَنِ الْمَسْأَلَةِ لِغَيْرِكَ، اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ عَلَى هَوَى وَهُوَ يَظُنُ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ فَرُدَّهُ إلى الْحَقِّ حَتَّى لا يَظَلُّ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ أَحَدٌ اللَّهُمَّ لا تَشْغَلْ قُلُوبَنَا بِمَا تَكَفَلْتَ لَنَا بِهِ وَلا تَجْعَلْنَا فِي رِزْقِكَ خَوَلاً لِغَيْرِكَ وَلا تَمْنَعْنَا خَيْرَ مَا عِنْدَكَ بِشَرِ مَا عِنْدَنَا وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. مَوْعِظَةٌ عباد الله إِنَّ عَلَيْكُمْ مَسْئوليَّةً كُبْرَى وَفِي أَعْنَاقِكُمْ أَمَانَةً عُظْمَى سَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ يَبْعَثُ اللهَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، فَإِنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ حَفِظَ أَمْ ضَيَّعَ. عِبَادَ اللهِ إِنَّ فِي أَعْنَاقِكُمْ أَوْلادَكُم وَهُمْ أَفْلاذُ أَكْبَادِكُم فَاتَّقُوا اللهَ فِيهِمْ وَوَجّهُوهُمْ إلى الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالأَخْلاقِ الْفَاضِلَةِ، فَإِنَّ هَؤُلاء الأَوْلادِ سَيَكُونُونَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ رِجَالاً، فَإِذَا تَرَبُّوا عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَتَعَوَّدُوا الأَخْلاقَ الصَّالِحَةَ الَّتِي تَرْفَعُ مَقَامَهُمْ وَتُعْلِي شَأْنَهُمْ وَحَصَّلُوا مِنَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ مَا يَنْفَعُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَيَنْفَعُونَ بِهِ عِبَادَ اللهِ، كَانُوا أَسَاسًا مَكِينًا لِنَهْضَةِ الأُمَّةِ وَهَذَا أَمْرٌ لا يَخْتَلِف فِيهِ اثْنَانِ. وَإِنْ اسْتَعَادُوا سَافِلَ الأَخْلاقِ وَهَجَرُوا الْعُلُومَ الشَّرْعِيَّةِ وَمَا يُعِينُ عَلَيْهَا، كَانُوا ضَرَرًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى الأُُمَّةِ. عباد الله التَّرْبِيَةُ أَمْرٌ عَظِيمُ الْخَطَرِ كَبِيرُ الْقِيمَةِ، وَالطِّفْلُ أَمَانَة عِنْدَ وَالِدَيْهِ، وَقَلْبُهُ الطَّاهِرُ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ خَالِيَةٌ مِنْ كُلِّ نَقْشٍ وَصُورَةٍ فَإِنْ عُوِّدَ الْخَيْرَ وَعُلِّمَهُ نَشَأَ عَلَيْهِ وَسَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَشَارَكَهُ فِي ثَوَابِهِ أَبَوَاهُ، وَكُلُّ مُؤَدِّبٍ وَمُعَلِّمٍ لَهُ فِي الْخَيْرَ، وَإِنْ عُوِّدَ الشَّرَّ وَأَهْمِلَ وَتُرِكَ بِلا عِنَايَةٍ، شَقِيَ وَهَلَكَ وَكَانَ عَلَى وَلِيّه وَرَاعِيهِ مَا يَسْتَحِقُّ مِنَ الإِثْمِ.

стр. 1930

فَالتَّرْبِيَةُ هِيَ غَرْسُ الدِّينِ الإسلامي وَمَحَبَّتِهِ وَآدَابِهِ قَوْلاً وَعَمَلاً وَاعْتِقَادًا، وَغَرْسُ الأَخْلاقِ الْفَاضِلَةِ فِي نُفُوسِ النَّاشِئِينَ وَسَقْيُهَا بِمَاءِ الإِرْشَادِ وَالنَّصِيحَةِ، وَالتَّوْجِيهِ إلى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَإتِّبَاعِ سَبِيلِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِن الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ. قَالَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِي عن أبي هريرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلا عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ)) . ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ. وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ (فَصْلٌ) قَالَ فِي الدُّرُوسِ الْوَعْظِيَّةِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: أَجْمَعَ الْعُقَلاءُ عَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ بِحَاجَةٍ إِلى التَّرْبِيَةِ فَإِنَّمَا يُولَدُ صَغِيرًا مُجَرَّدًا عَنْ كُلِّ الْمُمَيِّزَاتِ قَابِلاً لِكُلِّ نَقْشٍ مُسْتَعِدًّا لِكُلِّ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ تَعْلِيمٍ وَيُحَاطُ بِهِ مِنْ تَثْقِيفٍ. وَالْوَالِدَانِ هُمَا الرَّاعِيَّانِ لِولَدِهِمَا الْمَسْؤُلانِ عَنْهُ لَدَى اللهِ وَالنَّاسِ، فَإِنْ أَحْسَنَا تَأْدِيبَهُ وَعَوَّدَاهُ الْخَيْرَ وَإنْشَاءَهُ عَلَيْهِ سَعْدَ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ وَنَالَ أُمْنِيَّتِهِ وَمُبْتَغَاهُ، وَكَانَ لِوَالِدَيْهِ وَكُلِّ مِنْ اشْتِرَكَ فِي تَعْلِيمِهِ وَسَاهَمَ فِي تَهْذِيبِهِ أَجْرُهُ عِنْدَ اللهِ، وَإِنْ أَهْمَلََهُ وَالِدَاهُ إِهْمَالَ الْبَهَائِم وَلَمْ يَرْعَيَا حَقَّ اللهِ بِهِ كَانَ إثْمُهُمَا عِنْدَ اللهِ كَبِيرًا وَسُؤَالُهُمَا خَطِيرًا.
следующие страницы →