← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وعن عَبْد اللهِ بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ?: «لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر زوجها وهي لا تستغني عَنْهُ» . وجَاءَ عَنْهُ ? أنه قال: «إذا خرجت المرأة من بيت زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع أو تتوب» . وعن زيد بن أرقم قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «المرأة لا تؤدي حق زوجها كله ولو سألها وهي على ظهر قتب لم تمنعه نفسها» . رواه الطبراني بإسناد جيد. وعن ابن عمرو ﵄ قال: قال رسول ?: «اثنان لا تجاوز صلاتهما رؤوسهما عبد أبق من مواليه حتى يرجع وامرأة عصت زوجها حتى ترجع» . وعنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ? يَقُولُ: «إن المرأة إذا خرجت من بيتها وزوجها كاره لعَنْهَا كُلّ ملك في السماء وكل شَيْء مرت عَلَيْهِ، غير الجن والإنس، حتى ترجع» . رواه الطبراني في الأوسط. وعن طلق بن علي ﵁ أن رسول الله ? قال: «إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانَتْ على التنور» . رواه الترمذي وَقَالَ: حديث حسن والنسائي وابن حبان في صحيحه. وعن ابن أبي أوفى ﵁ قال: لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد للنبي ? فَقَالَ رسول الله ?: «ما هَذَا» ؟ قال: يَا رَسُولَ اللهِ قدمت الشام فوجدتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فأردت أن أفعل ذَلِكَ بك. قال: «فلا تفعل فإني لو أمرت أَحَدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها والَّذِي نفسي بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها» . رواه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه.

стр. 2032

وَقَالَ ?: «لو أمرت أَحَدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عَلَيْهَا ولا تجد حلاوة الإِيمَان حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على ظهر قتب» . وَقَالَ ?: «لا يحل لامرأة تؤمن بِاللهِ أن تأذن في بيت زوجها وَهُوَ كاره ولا تخرج وَهُوَ كاره ولا تطيع فيه أَحَدًا ولا تعزل فراشه ولا تضربه فإن كَانَ هُوَ أظلم فلتأته حتى ترضيه فإن قبل منها فبها ونعمت وقبل الله عذرها وأفلح حُجتها ولا إثُمَّ عَلَيْهَا وإن هُوَ لم يرض فقَدْ أبلغت عِنْدَ الله عُذرها» . رواه الحاكم وَقَالَ: صحيح الإسناد. اللَّهُمَّ ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب الْعَمَل الَّذِي يقربنا إلي حبك اللَّهُمَّ افتح لدعائنا باب القبول والإجابة وألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا لامتثال أمرك وآتنا في الدُّنْيَا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المسلمين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) إذَا عُلِمَ ما سبق فالواجب على المرأة أن تطلب رضا زوجها وتجتنب سخطه ولا تمتنع منه متى أرادها وهي طاهرة وينبغي أن تقدر كأنها كمملوكة للزوج فلا تتصرف في نفسها ولا في ماله إِلا بإذنه. وتقدم حقه على حقها وحقوق أقاربه على حقوق أقاربها وتَكُون مستعدة لتمتعه بها بجَمِيع أسباب النظافة ولا تفتخر عَلَيْهِ ولا تتطاول عَلَيْهِ برفع صوتها كما تفعله ضعيفات الدين سخيفات العقول الملسنات الفاهرات اللاتي يحمل أزواجهن همًا عظيمًا إذا أراد دخول بيته خوفًا من شرورهن وألسنتهن وما أكثرهن في هَذَا الزمن.

стр. 2033

ويجب عَلَيْهَا أيضًا دوام الحياء من زوجها وغض طرفها قدامه ولا تفعل قدامه ما يكرهها عنده ولا تسمعه ما ينغص عَلَيْهِ عيشه ويكدر خاطره وتطيعه إذا أمرها في غير معصية الله. وتسكت عند كلامه ولا تنازعه القول ولا تتدخل فيما لا يعنيها لئلا يحصل فراق وتبتعد عن كُلّ ما يسخطه وتَقُوم معه عِنْدَ خروجه. وتعرض نفسها عَلَيْهِ عِنْدَ النوم وتتجنب خيانته في غيبته وفي حضوره في فراشه وماله وبيته وتطيب رائحتها. وتتعاهد فمها بالسواك وبالمسك والطيب ودوام الزينة بحضرته وتتركها في غيبته وتحرص على كُلّ ما يسلكها عنده وتكرم أهله وأقاربه وترى القليل مِنْهُمْ كثيرًا وهَذَا إذا كَانَ مستقيمًا في أعماله وأخلاقه. ولَقَدْ أحسن القائل يخاطب زوجته: ... خُذِي الْعَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي وَلا تَنْطِقِي فِي سَوْرَتِي حِينَ أَغْضَبُ فَإِنِّي رَأَيْتُ الْحُبَّ فِي الصَّدْرِ وَالأَذَى إِذَا اجْتَمَعَا لَمْ يَلْبَثِ الْحُبُّ يَذْهَبُ ... >? ... ... ... ومن حقوق الزوج على زوجته أن لا تألو جدهًا فيما يحببها إليه، قَالَتْ أسماء بنت خارجة الفزاري لابنتها عِنْدَ الزفاف: يا بنية إنك خرجت من العش الَّذِي درجت فيه فصرت إلى فراش لم تعرفيه وقرين لم تألفيه. فكوني له أرضًا يكن لك سماء وكوني له مهادًا يكن لك عمادًا وكوني له أمة يكن لك عبدًا لا تلحفي فيقلاك (المعني لا تلحي عَلَيْهِ فيبغضك) ولا

стр. 2034

تباعدي عَنْهُ فينساك إن دنا منك فاقْربي منه واحفظي أنفه وسمعه وعينه فلا يشم منك إِلا طيبًا ولا يسمَعَ إِلا حسنًا ولا ينظر إِلا جميلاً. وهكَذَا تَكُون المرأة المؤدبة الناجحة في امتلاك قلب زوجها لا كالتي إذ أتت لزوجها استقبلته بثياب المطبخ والملابس الوسخة شهباء الوجه غبراء الجلد شعثاء الشعر طويلة اللسان جاحدة الإحسان كأن زوجها عندها خادم حقير مضطر إليها لا تقيم له وزنًا ولا تبالي فيه ولا تهتم منه. ومن حقوق زوجها عَلَيْهَا أن تترك له وقتًا يتفرغ فيه لنفسه ولفكره فإن كَانَ عابدًا تركت له وقتًا تطمئن فيه نَفْسهُ إلى عبادة ربه بخشوع وخضوع وحضور وقلب وإن كَانَ عالمًا تركت له وقتًا يطالع فيه ويقَرَأَ الكتب أو يؤلف أو يفكر. فاللذة التي يجدها العَالِم في قراءته والعابد في خلوته لا تعدلها لذة في الحياة قال بعض العلماء: (لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نَحْنُ فيه لجالدون عَلَيْهِ بالسيوف) . وقَدْ لا تشعر المرأة بهذه اللذة فلا تفهم لها معنى وقَدْ تتألم منها على معنى الكره والبعد عَنْهَا وهي في ذَلِكَ مُتجنية على زوجها ونفسها وَرُبَّمَا جنت على نفسها. اللَّهُمَّ طهر قلوبنا من النفاق وعملنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة اللَّهُمَّ إننا نسألك إيمانًا يباشر قلوبنا ويقينًا صادقًا حتى نعلم أنه لا يصيبنا إِلا ما كتبت لنا وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيع المسلمين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) وإذا كانَتْ المرأة مأمورة بطاعة زوجها وبطلب رضاه فالزوج أيضاً مأمور

стр. 2035

بالإحسان إليها واللطف بها والصبر على ما يبدو منها من سوء خلق وغيره وإيصالها حقها من النفقة. والكسوة والعشرة الجميلة لقوله تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ . ولقوله ?: «ألا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خيراً فإنما هن عوان عندكم لَيْسَ تملكون منهن شَيْئًا غير ذَلِكَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ فإن فعلن فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ (أي ضربًا غير مبرح) فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. ألا إن لكم على نسائكم حقًّا ولنسائكم عليكم حقًّا فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» . وَقَالَ ?: «خيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي ما أكرم النساء إِلا كريم ولا أهانهن إِلا لئيم» . وعن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وخياركم خياركم لنسائهم» . وعن عائشة ﵂ قالت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «إن من أكمل الْمُؤْمِنِين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله» . وَقَالَ ?: «إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، فَإِنَّ أقمتها كَسَرْتَهُا فدارها تعش بها» . رواه ابن حبان في صحيحه. وفي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ» . وفي رواية

стр. 2036

لمُسْلِمٌ: «إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وفيها عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلاَقُهَا» . وعن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ? «لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» رواه مسلم. ففي هَذَا الْحَدِيث إرشاد منه ? للزوج في معاشرة زوجته وهَذَا الإرشاد من أكبر الأسباب والدواعي إلى حسن العشرة واستدامتها فقَدْ نهى ? عن سوء العشرة. ومفهوم الْحَدِيث الحث على حسن العشرة وأمره ? الزوج أن ينظر إلى المحاسن والمساوئ ويجعل ما كره في مقابلة ما رضِيَ منها فإنه إذا تأمل بإنصاف الأَخْلاق الجميلة والأَخْلاق التي يكرهها تبين له في الغالب أنها أقل من الأَخْلاق الفاضلة بكثير. فإذا كَانَ صَاحِب إنصاف وعدل ورأى رجحان المحاسن على المساوئ غضّ عن المساوئ طرفه لاضمحلالها في المحاسن. واسمَعَ ما يلي روي أن رجلاً جَاءَ إلى أمير الْمُؤْمِنِين عُمَر بن الْخَطَّاب ﵁ يشكو زوجته من جهة سوء خلقها معه فوقف بباب عمر ينتظر خروجه فسمَعَ امرأة عمر تستطيل عَلَيْهِ بلسانها وتخاصمه وعمر ساكت لا يرد عَلَيْهَا فقنع الرجل وانصرف راجعًا قائلاً في نَفْسهُ: إذا كَانَ هَذَا حال أمير الْمُؤْمِنِين مَعَ شدته وصلابته وحزمه فَكَيْفَ حالي أَنَا مَعَ ضعفي. فخَرَجَ عمر قبل أن يبعد الرجل فرأى الرجل مدبرًا موليًا عن بابه. فناداه عمر وَقَالَ له: ما حاجتك يا رجل؟ فَقَالَ: يا أمير الْمُؤْمِنِين جئت أشكو

стр. 2037

إليك سوء خُلق زوجتي واستطالتها علي فَلَمَّا سمعت زوجتك كَذَلِكَ رجعت وقُلْتُ: إذا كَانَ هَذَا حال أمير الْمُؤْمِنِين مَعَ زوجته فَكَيْفَ حالي. فَقَالَ عمر: يا أخي إني احتملُها لحقوق لها علي إنها طباخة لطعامي خبازة لخبزي غسالة لثيابي مُرضعة لولدي ولَيْسَ ذَلِكَ كله بواجب عَلَيْهَا ويسكن بها قلبي عن الحرام فأنَا أحتملها لذَلِكَ. فَقَالَ الرجل: يا أمير الْمُؤْمِنِين وكَذَلِكَ زوجتي. قال عمر: فاحتملها يا أخي فإنما هِيَ مدة يسيرة. فَانْظُرْ إلى هَذَا الإنصاف لأمير الْمُؤْمِنِين فإنه لاحظ الأَخْلاق الجميلة والمحاسن وغض عن المساوئ بالكلية وتناساها. ثُمَّ انظر كيف أثرت سيرته على هَذَا الرجل الَّذِي جَاءَ إليه ليشكو امرأته وَرَجَعَ قانعًا راضيًا. وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) ومن حقوق الزوجة على زوجها أن يغار عَلَيْهَا فلا يعرضها للشبهة ولا يتساهل معها في ما يؤذي الشرف والمرؤة ولا يعرضها لألسنة السُّوء والتساهل في هَذَا قبيح يعد من سَفْسَافِ الأَخْلاق لما يجره من الشقاء لها وللأسرة ولزوجها. وما زال النَّاس تتأثر سمعتهم وكرامتهم بسلوك الزوجات فمن أغضى عن زوجته وَهُوَ يرى ويسمَعَ أو أغضى عن بناته أو أخواته أو أي أنثى من قراباته فقَدْ أخَرَجَ نَفْسهُ من زمرة الرِّجَال الَّذِينَ لَهُمْ حرمة وشرف في النُّفُوس ومنزلة عِنْدَ الله على أنها إذا رأت منه تسامحًا ربما ازدادت توسعًا فيما همت به أو دخلت فيه.

стр. 2038

فالمرأة شديدة التأثر بسلوك زوجها الديني فإن رأت منه حرصًا على التستر والعفة والنزاهة والعبادة اقتدت به وبادرت إلى ذَلِكَ استجابة لعاطفته وإرضاء لزوجها وإن رأت منه تشجيعًا على الإهمال والانفلات من أحكام الدين وأدب الأسرة لم تجد بُدًا آخر الأَمْر من أن تستجيب له وتفعل ما يرضيه. هَذَا في الغالب وقل أن تجد من تبتعد عَنْهُ إذا رأته غير مستقيم وَكَمْ من زوجات خرجن من بيوت آبائهن عفيفات قانتات يصمن أيام البيض ويقمن لصلاة الليل فما مكثن غير زمن يسير حتى انحرفن عن ذَلِكَ كله بتأثر الزوج وانحرافه وجهله وتوجيهاته الفاسدة وتعليمه لها بالقول والْفِعْل نسأل الله العافية. وأقل النَّاس إيمانًا وتوفيقًا وأبعدهم عن الأَخْلاق الفاضلة من أهدر المحاسن كُلّهَا ولو كانَتْ تربو بكثير على المساوئ. وجعل المساوئ نصب عينيه وَرُبَّمَا مددها وبسطها وطولها وألحق بها غيرها وكررها وأعادها وفسرها بظنونه السيئة وتأويلاته الفاسدة. وأضاف إليها من الكذب والبهت ما تستغيث منه الفضيلة كما هُوَ الواقع عِنْدَ كثير من أَهْل هَذَا العصر المظلم بالمعاصي والفتن والمنكرات والظلم. وبعض يلاحظ المحاسن والمساوئ ويوازن بينهما ويعامل الزوجة بما يرى أنه مقتضى كُلّ واحد منها وهَذَا منصف ولكن الكمال في الحالة الأولى وقَدْ حرمه ولَقَدْ أجاد القائل:

стр. 2039

.. إِذَا قِيسَ إِحْسَانَ امْرِئٍ بِإِسَاءَةٍ فَأَرْبَى عَلَيْهَا فَالإِسَاءَةُ تُغْفَرُ ... >? ... ... ... وقَدْ ورد في فضل المرأة المطاوعة لزوجها أحاديث كثيرة نذكر بعضها إن شَاءَ الله من ذَلِكَ ما ورد عن أم سلمة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «أيما امرأة ماتت وزوجها عَنْهَا راض دخلت الْجَنَّة» . رواه ابن ماجة والترمذي وحسنه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «إذا صلت المرأة خمسها وحصنت فرجها وأطاعت بعلها دخلت من أي أبواب الْجَنَّة شاءت» . رواه ابن حبان في صحيحه. وروي عَنْهُ ? أنه قال: «يستغفر للمرأة المطيعة لزوجها الطير في الهواء والحيتان في الماء والملائكة في السماء والشمس والقمر ما دامت في رضا زوجها. «وأيما امرأة عصت زوجها فعَلَيْهَا لعنة الله والملائكة وَالنَّاس أجمعين وأيما امرأة كلحت في وجه زوجها فهي في سخط الله إلى أن تضاحكه وتسترضيه وأيما امرأة خرجت من دارها بغير إذن زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع» . تنبيه: المراد بطاعة المرأة لزوجها إنما هِيَ في حدود الشريعة قال ?: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» . فلو أمرها زوجها بمعصية كإتيانها في الدبر أو في المحيض فلا يجوز لها الموافقة ويحرم عَلَيْهَا ذَلِكَ. وَكَذَا لو أمرها بترك صيام رمضان أو حج البيت أو أمرها بترك الزَّكَاة فلا

стр. 2040

يجوز لها طاعته وَكَذَا لو أراد جماعها وهي حائض حرم عَلَيْهَا طاعته في ذَلِكَ وفي مثل هذه الأمور يفهمها الموفق. ... لِكُلِّ تَفَرُّقِ الدُّنْيَا اجْتِمَاعُ ... فَمَا بَعْدَ الْمَنُونِ مِن اجْتِمَاعِ ... ???? ???? ... فِرَاقُ فَاصِلٌ وَنَوىً شَطُونٌ ... وَشُغْلٌ لا يُلِبِّثُ لِلْوَدَاعِ ... ???? ???? ... وَكُلُّ أُخُوَّةٍ لا بُدَّ يَوْمًا ... وَإِنْ طَالَ الْوِصَالُ إِلَى انْقِطَاعِ ... ???? ???? ... وَإِنَّ مَتَاعَ ذِي الدُّنْيَا قَلِيلٌ ... فَمَا يُجْدِي الْقَلِيلُ مِنَ الْمَتَاعِ ... >? ???? ???? اللَّهُمَّ نور قلوبنا بنور الإِيمَان وثبتها على قولك الثابت في الحياة الدُّنْيَا وفي الآخرة وَاجْعَلْنَا هداة مهتدين وتوفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين يا أكرم الأكرمين ويا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) اعلم وفقنا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع المسلمين أنه يقع مشاكل كثيرة بين الزوجين للتنبيه عَلَيْهَا لِتُجْتَب من أسباب المشاكل العائلية سوء خلق أحد الزوجين وكونه يثور لأدني سبب ويغضب لأقل كلمة ولو كانَتْ خارجة سهوًا فكم ثارت في البيوت مشاكل من أسباب ضيق الصدر وسوء الخلق. وَكَمْ انهارت بيوت فتفرقوا من أجل ضيق الصدر والحمق من الزوج أو الزوجة والغالب أن الزوج أكثر تجنيًا من الزوجة فالمرأة تتحمل من الزوج غالبًا أكثر مِمَّا يتحمل زوجها منها لغروره هَذَا في الزمن الأول أما الآن فالنساء أكثرهن على العكس لأن المرأة في زمننا صار لها الكلام وسيطرت على الرِّجَال في الغالب بأسباب مخالطة الأجانب لأنهم يخضعون لهن ويقدمونهن في كُلّ شَيْء ولا يخرجون عن رأيهن أبدَا. ومن أسباب المشاكل العائلية سوء الظن من أحدهما وغضبه قبل التذكر والتثَبِّتْ فيقع النزاع وَرُبَّمَا حصل فراق ثُمَّ تبين الأَمْر خلاف الظن.

стр. 2041

ومن أسباب المشاكل العائلية تدخل الزوج في الشئون البيتية أكثر مِمَّا تدعو الحاجة أو الضرورة إليه وَكَمْ من رجل فارغ من الْعَمَل يقف مَعَ زوجته في المطبخ ويعترض اعتراضات تافهة واقتراحات يريد بها التحدي والتعجيز وهَذَا تضيق زوجته بفضوله فما تلبث أن تنفجر وتثور ويقع الخصام واللجاج. ومن أسباب المشاكل سوء فهم كُلّ من الزوجين لطباع الآخر فقَدْ يكون الزوج حاد المزاج شديد الإحساس يتأثر لأقل الأَشْيَاءِ التي يراها مخالفة لذوقه فلا تراعي زوجته فيه هَذَا فمثلاً تتركه وَهُوَ يوجه إليها الكلام وتمزح والمقام يقتضي الجد وتضحك وَهُوَ غَضْبَان ويتكلم بالكلمة. فتقابله بعشرين كلمة فقل أن تطول المدة قبل الانفجار وقَدْ يجبرها على ما تكره لبسه أو يسكنها بما لا يصلح لمثلها فما تلبث الزوجة أن تحس بضيق الصدر والانقباض ثُمَّ ينقلب الانقباض إلى تبرم ثُمَّ يؤدي إلي الشقاق لأقل سبب وَرُبَّمَا أمرها والعياذ بِاللهِ بقص رأسها أو على أن تحضر عِنْدَ الملاهي. ومن الأسباب التدخل فيما لا يعني إما منها أو منه وأكثر المشاكل تقع من هَذَا السبب ولهَذَا في الْحَدِيث «من حسن إسلام المرء تركه ما يعنيه» . ومن الأسباب عدم رضا أحدهما بالآخر رضًى صحيح وقبول وانقياد عِنْدَ عقَدْ النكاح بل إكراه أو مجاملة فهَذَا لا يلبث إِلا زمنٌ يسير ثُمَّ يقع الخصام والفراق والدعاوي والمطالبات. ومن الأسباب تدخل أحد الأبوين بين الزوج والزوجة فتقع المشاكل

стр. 2042

بينهما ويطول النزاع وقَدْ تقع الفرقة من ذَلِكَ السبب. ومن الأسباب خروج المرأة من بيتها من غير إذن زوجها وقَدْ كثر هَذَا في زمننا بسبب مخالطة الأجانب أبعدهم الله عنا. ومن الأسباب خلو الزوجة مَعَ أقارب الزوج الَّذِينَ ليسوا محارم لها ولهَذَا قال ?: «الحمُو الموت» . ومن الأسباب إذا كَانَ له زوجتان فأكثر ميله إلى إحدى الزوجات فتجد بعض من عنده أكثر من زوجة يحرص على أن يجعل مواعيد الدعوة لطعام أو غيره في ليلة التي يكرهها أو أقل محبة من الأخرى ويأتي في ليلة التي يحبها من حين يصلي العشاء إن كَانَ ممن يشهدون صلاة الجماعة، وبَعْضهمْ يأتي راجحة المحبة في ليلة المرجوحة بغير رضاها والعياذ بِاللهِ. وأما العادل فينظر إلى الساعة ويضع قرعة للدعوة فأيتهن خرجت في ليلتها عمل بذَلِكَ، هذه هِيَ معظم ما يحصل به المشاكل بين الزوجين فينبغي للإنسان أن يلاحظها ويجعلها علي باله دائمًا ليتجنبها وإذا كَانَ الرجل أكمل عقلاً منها فعَلَيْهِ أن يدمح الزالات البسيطة لتدوم العشرة وتسود المحبة وعَلَيْهَا هِيَ أيضًا أن تحرص كُلّ الحرص على طاعته في غير معصية الله. شِعْرًا: ... إِذَا رَفَعَ الإلهُ مَكَانَ شَخْصٍ ... وَتَهْوَى أَنْ تَكُونَ لَهُ مُسَاعِدْ ... ???? ???? ... أَنِلْهُ مَكَانَ رُتْبَتِهِ تَجِدْهُ ... يُنِيلُكَ إِنْ دَنَوْتَ وَإِنْ تَبَاعَدْ ... ???? ???? ... وَلا تَقُلِ الَّذِي تَدْرِيهِ فِيهِ ... تَكُنْ رَجُلاً عَنِ الْحُسْنَى تَقَاعَدْ ... ???? ???? ... فَكَمْ فِي الْعُرْسِ أَبْهَى مِنْ عَرُوسٍ ... وَلَكِنْ لِلْعَرُوسِ اللهِ سَاعَدْ ... ???? ????آخر: ... أَلا يَا غَوَانِي مَنْ أَرَادَتْ سَعَادَةً ... وَتُوقَى عَذَابًا بِالنِّسَا صَارَ مُحْدِقَا ... >? ???? ????

стр. 2043

.. فَأَكْثَرُ أَهْلُ النَّارِ هُمْ حَقِيقَةً رَوَيْنَا حَدِيثًا فِيهِ صِدْقًا مُصَدَّقَا تََُخِّلي التَّبَاهِي تُبْدلُ اللَّهْوَ بِالْبُكَا وَتَبْذُلُ كُلَّ الْجُهْدِ بِالزُّهْدِ وَالتُّقَى وَتَعْتَاضُ عَنْ لِينٍ خُشُونَةً وَعَنْ يَابِسٍ فِي الدِّينِ أَخْضَرَ مُورِقَا رَعَى اللهُ نِسْوَنًا تَبِيتُ قَوَاتِنًا وَيُصْبِحُ مِنْهَا الْقَلْبُ بِالْخَوْفِ مُحْرِقَا تَظِلُّ عَنْ الْمَرْعَى الْخَصِيبِ صَوَائِمًا وَيُمْسِي سَمِينُ الْبَطْنِ بِالظَّهْرِ مُلْصَقَا تَرَى بَيْنَ عَيْنٍ وَالسُّهَادِ تَوَاصًلاً وَبَيْنَ الْكَرَى وَالْعَيْنِ مِنْهَا تَفَرُّقَا وَبَيْنَ مِعَاءٍ وَالْغِذَاءِ تَقَاطُعًا وَبَيْنَ خُلُوفِ الْمِسْكِ وَالثَّغْرِ مُلْتَقَى تَرَى نَاحِلاتٍ قَارِئَاتٍ مَصَاحِفًا وَلُؤْلُؤُ بَحْرِ الدُّرِّ فِي الْوَرْدِ مُشْرِقَا فَدَتْهَا مِن الآفَاتِ كُلُّ نُفُوسِ مَنْ يُخَالِفُهَا فِي الْوَصْفِ غَرْبًا وَمَشْرِقَا خَلِيلِي إِنَّ الْمَوْتَ لا شَكَّ نَازِلٌ وَبَيْنَ الأَحِبَّا لا يَزَالُ مُفَرِّقَا ... >? ... ... ...

стр. 2044

.. فَجُدَّا لِدَارٍ لا يَزُولُ نَعِيمُهَا بِهَا الْحُسْنُ وَاللَّذَاتُ وَالْمُلْكُ وَالْبَقَا وَلُقْيَا حِسَانٍ نَاعِمَاتٍ مُنَعَّمٌ بِهِنَّ سَعِيدٌ سَعْدَ ذَلِكَ مَنْ لَقَا كَوَاعِبَ أَتْرَابٍ زَهَتْ فِي خِيَامِهَا بِظِلٍّ نَعِيمٍ قَطُّ مَا مَسَّهَا شَقَا كَدُرٍّ وَيَاقُوتٍ وَبَيْض نَعَامَةٍ كَشَاهَا الْبَهَا وَالنُّورُ وَالْحُسْنُ رَوْنَقَا تُغَنِّي بِمَا لَمْ تَسْمَع الْخَلْقُ مِثْلَهُ وَقَدْ حَبَّرَتْ صَوْتًا رَخِيمًا مُشَوَّقَا غِنَاهُنَّ نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَقَطُّ مَا نَبِيدُ وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلا شَقَا وَلا سَخَطٌ وَالرَّاضِيَاتُ بِنَا الْمُنَى فَطُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ مِنْ أُولِي التُّقَى ... >? وَاللهُ أَعْلَمُ وصلى الله على مُحَمَّد وآله وسلم. فَصْلٌ (في ذِكْرِ بَعْضِ أَحْوالِ يَوْمِ القِيَامَةِ) (والرَّدِّ عَلَى مَنْ َأَنْكَرَ يَوْمَ القِيَامَةِ) عباد الله قَدْ سبق ذكر الموت وأحوال الميت في سكراته وفتنة القبر وسؤال مُنكر ونكير وعذاب القبر ونعيمه وخطر من كَانَ مسخوطًا عَلَيْهِ وأعظم من ذَلِكَ الأخطار التي بين يديه من نفخ الصور والبعث والنشور والعرض على الجبار والسؤال عن الدقيق والجليل ونصب الميزان لمعرفة المقادير.

стр. 2045

ثُمَّ جواز الصراط مَعَ دقته وحدته ثُمَّ انتظار النداء عِنْدَ فصل الِقَضَاءِ إما بالإسعاد وإما بالأشقاء فهذه أحوال وأهوال لا بد من معرفتها ثُمَّ الإِيمَان بها على سبيل الجزم والتصديق ثُمَّ تطويل الفكر في ذَلِكَ الْيَوْم الَّذِي مقداره خمسون ألف سنة. كما جَاءَ في اْلكِتَاب والسنة يجمَعَ الله فيه الأولين والآخرين في صعيد واحد يُسمعهم الداعي وينفذهُم البصر لا يغيب منهم أحد وتدنو مِنْهُمْ الشمس ويُلجمهم العرق هَذَا الْيَوْم هُوَ الْيَوْم الَّذِي تَذْهَلُ في كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ. في ذَلِكَ الْيَوْم يبلغ الأَمْر من الحيرة والدهشة والاضطراب والذهول أن تذهل المرضعة عن ولدها الَّذِي فمُهُ في ثديها وَهُوَ أعز شَيْء لديها فَكَيْفَ بالذهول عما سواه وتسقط الحوامل من الفزع والرعب والروع ما في بطونها من الأجنة قبل التمام وَتَرَى النَّاسَ كأنهم سُكَارَى من شدة الروع والفزع والخوف الَّذِي صير من رآهم يشبههم بالسكارى لذهاب عقولهم من شدة الخوف كما يذهب عقل السكران من الشراب ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ تَكُون الأرض كالسَّفِينَة في البحر عِنْدَ اضطراب الأمواج تكفأ بأهلها. فيميد النَّاس على ظهرها ويتساقطون من شدة الأَمْر وبلوغه أقصى الغايات ولهَذَا أذهل العقول وأذهب التمييز والفكر والصحو إنه يوم القيامة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ .

стр. 2046

إنها لهزة عنيفة للقُلُوب الغافلة حيث ترجف الأرض الثابتة ارتجافًا وتزلزل زلزالا وتنفض ما في جوفها وتخَرَجَ ما يثقلها من أجساد ونقود وغيرها مِمَّا حملته طويلاً وَهُوَ مشهد يهزُ كُلّ شَيْء ثابت والأرض تهتز والسماء تمور. إنه لمشهد مجرد تصوره، يخلع القُلُوب يري الإِنْسَان ما لا يعهد ويواجه ما لا يدرك ويشهد ما لا يملك الصبر أمامه ولا السكوت عَنْهُ ﴿وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ ما الَّذِي يزلزلها هكَذَا ويرجها رجًا. وكأنه من شدة ما نزل يتمايل علي ظهر الأرض ويتشبث ويحاول أن يمسك بشَيْء لعله يثَبِّتْ لأن كُلّ ما حوله يمور مورًا شديدًا قَدْ امتلأ من الرعب والفزع والدهشة والعجب. يرى الجبال وهي تسير وإذا الجبال سيرت، هذه الجبال وقَدْ نسفت وبست وراءها ذرات في الهواء ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً﴾ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ هذه تصرح وتشير إلي حدث عَظِيم تتزلزل منه الجبال وتذهب هباء يتلاشى ثباتها ورسوخها واستقرارها وتماسكها والإِنْسَان ينظر ولا يكاد يلتقط أنفاسه ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ . هنا يشاهد ويواجه الحشر والحساب والوزن والجزاء ويقف جبريل ﵇ والملائكة صفًا بين يدي الرحمن ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً بين يدي الرحمن ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ

стр. 2047

النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ * يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ، ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ . وموقف هؤلاء المقربين خاشعين خاضعين لعظمة الله، ﴿وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ ، ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ . موقفهم هكَذَا صامتين لا يتكلمون إِلا بإذن من الرحمن يلقي في النفس الرهبة والرعب والفزع من ذَلِكَ الْيَوْم العَظِيم الَّذِي ينكشف فيه كُلّ مستور ويعلم فيه كُلّ مجهول. وتقف فيه النفس أمام ما أحضرت من الرصيد والزَادَ في موقف الفصل والحساب ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ ، ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ ، ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ . في ذَلِكَ الْيَوْم يكون التغير العَظِيم الشامل للمعهودات السماوات والأرض الشمس مُكورة والنجوم منكدرة والسماء مُنشقة والوحوش النافرة محشورة والأنعام والطيور والعشار مُعطلة. ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ ﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَت﴾ ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً﴾ ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ . هذه الآيات وأمثالها تشير إلى ذلك الحادث الهائل في الكون كله ولا يعلم حقيقته إِلا الله إنه حادثٌ عَظِيم ترجُف الأرض منه وتخاف وتنهار فَكَيْفَ

стр. 2048

بالخلق الضعاف المهازيل الَّذِينَ تهزهم الصواعق هزًا وتخلع قُلُوبهمْ خلعًا ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً * السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ وفي وسط هَذَا الرعب والخوف والقلق والفزع والذهول والانقلاب يتساءل الإِنْسَان المذعور أين المفر ويدو ذَلِكَ في سؤاله وكأنما ينظر في كُلّ اتجاه فإذا هُوَ مسدود دونه مأخوذ عَلَيْهِ ولا ملجأ ولا محيص ولا منفذ ولا وقاية من قهر الله وأخذه، والرجعة إليه والمصير والمستقر عنده ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرض فَانفُذُوا﴾ . ففي هَذَا الموقف الرهيب يتبين عجز الخلائق وضعفهم وكمال سلطان الله وقدرته ونفوذ مشيئته ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ إِنَّكُم في قَبْضَةً الله ﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ ، إنه ليوم عصيب وموقف رهيب ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرض إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ . فلا مجال لهرب أحد ولا نسيان لأحد فعين الله على كُلّ فرد وكل فرد يقوم وحيدًا لا يأنس بأحد فإذا هُوَ فريد وحيدٌ أمام الديان. ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ مشهد المرء يفر وينسلخ ويهرب من أقرب النَّاس إليه وألصقهم به أولئك الَّذِينَ تربطهم به وشائج وروابط لا تنفصم ولكن الصاخة والطامة تُمزَّق

стр. 2049

هذه الروابط وتقطع الوشائج والصلات ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ . فالهول يفزع النفس ويقلقها ويفصلها من محيطها ويستبد بها استبدادًا فلكل نَفْسهُ وشأنه ولديه الكفاية من الهم الْخَاص به الَّذِي لا يدع له فضلة من وعي أو جهد ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ فها هِيَ ذي الساعة التي يغفل عَنْهَا الغافلون ويلهوا عَنْهَا اللاهْوَن وَيَسْتَعْجِلُ بِهَا المستعجلون ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاء وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الْآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ . وهؤلاء المجرمون حائرين يائسين لا أمل في النجاة ولا رجَاءَ ولا خلاص بل قَدْ أيقنوا في العطب ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً﴾ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ . هنا يعترفون بالخطيئة ويقرون بالحق الَّذِي جحدوه بالدُّنْيَا ويعلنون اليقين بما شكوا فيه ويطلبون العودة إلى الدُّنْيَا لإصلاح ما فات في الدُّنْيَا ومنظرهم إذ ذاك مُفزعٌ مخيفٌ وهم ناكسوا الرؤوس خجلاً وخزيًا. فالأَمْر أمر فظيع والحال مزعجة أقومًا حاسرين مكروبين وسؤال غيرُ

стр. 2050

مجاب لفوات وَقْت الإمهال {وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ} . فيا عباد الله انتبهوا من رقدتكم واستدركوا بقية أعماركم واحذروا الانهماك في دار الغرور فالويل لكم إن أدرككم الموت وأنتم على هذه الحالة، زينتم الفُلل والقصور ونسيتم القبور، اذكروا القبر وظلمته ووحشته والموت وسكرته والميزان وخفته أو رجحته والكِتَاب وأخذته والصراط ودقته، والموت، وسكرة في سكرة وحيرة في حيرة وجذبة يا لها من جذبة وكربة يا لها من كربة فالمسكين يكابد غُصص المنون داهش العقل كالمحزون. فالله الله عباد الله أفيقوا من سكراتكم وانتبهوا من نوماتكم واستيقظوا من غفلاتكم قبل مفاجأة المنية وحلول الرزية ووقوع البلية حيث لا مال ولا ولد نافع ولا حميم شافع ولا فرح واقع ولا رجَاءَ طامَعَ ولا حسنة تُزادُ ولا سيئة تُحذف ولا حياة تعاد ويزودك أحبابك بالحزن عَلَيْكَ والبُكَاء فلا عثرة تُقال ولا رجعة تُنال. شِعْرًا: ... أَلا إِنَّ أَيَّامَ الْحَيَاةِ مَرَاحِلُ طَرِيق الْفَتَى مِنْهَا إِلَى الْمَوْتِ سَاحِلُ يُسَرُّ بِمَا يَمْضِي لِمَا هُوَ آمِلٌ وَيَأْتِي الرَّدَى مِنْ دُونِ مَا هُوَ أَمِلُ وَمَا يَوْمُهُ إِلا غَرِيمٌ مُحْكَّمٌ إِذَا مَا اقْتَضَاهُ نَفْسَهُ لا يُمَاطِلُ ... >?

стр. 2051

.. عَجِبْتُ لِمَنْ يَبْغِي السَّلامَةَ جَاهِدًا وَمَرُّ اللَّيَالِي كُلُّهُنَّ غَوَائِلُ وَنَحْنُ بَنُو الأَيَّامِ نَظْلِمْ نُفُوسَنَا وَنَرْجِعُ وَهِيَ الْقَاتِلاتُ الثَّوَاكِلُ ... >? ... ... ... اللَّهُمَّ أقم علم الجهاد ووفقنا لسلوك طَرِيق الحق والرشاد، وأقمَعَ الكفر والزيغ والشر والفساد، وانصر دينك وانصر من نصره من العباد، وثَبِّتْ محبتك في قلوبنا وقوها، يا كريم يا جواد، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المسلمين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) وتفكر في حالتهم في المحشر تجد مشهد مكروب ذليل يثير الفزع والخوف ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ . هذه أبصارهم لا تطرف من الهول الَّذِي فوجئوا به يَقُولُونَ يَا ويلنا وَهُوَ تفجع وتوجع المفجوء الَّذِي تنكشف له الحَقِيقَة المروعة بغتة فيذهل ويشخص بصره فلا يطرف ويدعو بالويل والهلاك ويعترف ويندم ولكن بعد فوات الأوان. إنها مشاهد يوم القيامة وما يجري فيه من تغيرات كونية ومن اضطرابات نفسية ومن حيرة وتحسر في مواجهة الأحداث وتحسر في مواجهة الأحداث الغالبة حيث يتجلى

стр. 2052

الهول في صميم الكون وفي اغترار النفس وهي تروغ من هنا ومن هناك. ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ * يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ . وكَذَلِكَ خروجهم من القبور ينبئ أنهم في كرب وشدة وأنهم أذلاء غير متمكنين من الاستعصاء على الداعي إذ هم يهرولون مقهورين مَعَ خشوع أبصارهم وذلتها لهول ما تحققوا من الْعَذَاب. قَدْ ملك القلق والخوف قُلُوبهمْ واستولى على أفئدتهم وسكن حركاتهم وقطع أصواتهم تعلو وجوههم القترة لما أصابهم من الكآبة والحزن والهم العَظِيم الَّذِي لا يرجي له فرج ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾ ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ . إن هؤلاء الظالمين الطغاة كَانُوا في الدُّنْيَا متكبرين فناسب أن يكون الذل والصغار هُوَ مظهرهم البارز يوم القيامة الجزاء على الأعمال فعِنْدَ ما يشاهدون الحقائق ويرون الْعَذَاب تتهاوى كبرياؤهم وعظمتهم ويتساءلون في ذل وانكسار وخوف ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾ . في هذه العبارة التي يفهم منها اليأس مَعَ التلهف والانهيار مَعَ التطلع إلى أي بارقة للخلاص ويعرضون على النار خاشعين لا من ورع ولا تقوى ولا من حياء وخجل ولكن من الذل والهوان منكسي أعينهم من الذل والعار ينظرون من طرف خفي.

стр. 2053

إنه لمنظر وَمَرْأً فظيعًا صعبًا شنيعًا مجرد تصوره يزعج ويقلق حيث يظهر منه الندم العَظِيم والحزن الطويل والأسف الشديد على ما سلف مِنْهُمْ من الإهمال والتفريط والتضييع الَّذِي لا يمكن تلافيه. فيا أيها الغَافِل الساهي المهمل وكلنا كَذَلِكَ انتبه ومثل نفسك في هَذَا الْيَوْم العَظِيم الجامَعَ للأولين والآخرين فيا لعظم يوم يوجه السؤال فيه لمن قال الله جلا وعلا في حقهم: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ . في ذَلِكَ الْيَوْم العصيب ينادون الخلائق واحدًا وَاحدًا يا فلان هَلُمَّ إلى العرض وعِنْدَ ذَلِكَ تنخلع القُلُوب وترتعد الفرائض وتضطرب الجوارح وتنبهت العقول وتتحير وييبس اللسان وتشخص الأبصار. فما ظنك بمن يؤخذ بناصيته ويقاد وفؤاده مضطرب ولبه طائر وفرائضه ترتعد وجوارحه تنتفض ولونه متغير ولِسَانه وشفتاه قَدْ نشف ما بهما من رطوبة وقَدْ عض على يديه ولم يأكل ولم يشرب ولم ينم ولم يسترح ولم يجلس ولم يركب. والعَالِم والجو عَلَيْهِ مظلم وضاقت عَلَيْهِ الأرض وصَارَت الدُّنْيَا أضيق من سم الخياط مملوء من الرعب والخجل من علام الغيوب والأولين والآخرين وأَهْل السماوات وأتى يتخطى رقاب النَّاس ويخترق الصفوف يقاد كما يقاد الفرس المجنوب وقَدْ رفع الخلائق إليه أبصارهم حتى انتهى به إلى عرش الرحمن فرموه من أيديهم.

стр. 2054

وناداه الله فدنى بقلب محزون خائف وجل وطرف خاشع ذليل وفؤاده متحطم متكسر وأعطي كتابه الَّذِي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إِلا أحصاها. فكم من فاحشة نسيها فتذكرها وَكَمْ من ساعة قتلها عِنْدَ منكر وَكَمْ من ليلة أضاعها عِنْدَ ملهى وَكَمْ من فلوس أنفقها في المعاصي وَكَمْ من صلاة ضيعها عِنْدَ ملهى وَكَمْ من زكاة تهاون بها وَكَمْ من صيام في الكذب والغيبة خرقه وَكَمْ من أعراض انتهكها وجلود مزقها وَكَمْ من جيران تأذوا بمجاورته وَكَمْ من بريء قذفه بالزنا واللواط وَكَمْ من محصنة قذفها واتهمها وَكَمْ من مُحصنة حاولها للفساد وَكَمْ من مخالط له أوقعه في المعاصي وَكَمْ من أرحام قطعهم وَكَمْ من مسلم غشه وَكَمْ من ساعة قتلها فيما يُغضب الله حول المنكرات وَكَمْ من زكاة تناساها وَكَمْ من صلاة أضاعها وأسدها. وَكَمْ من حقوق لخلق الله نسيها أو تناسها ومن أسرار تسمعها لم يؤن له في ذَلِكَ وَكَمْ من محرم نظر إليه ومسلم جس عَلَيْهِ وأوقعه فأفزعه وأزعج أولاده وأحباءه وأثر به الفزع والهم إلى أن أباده وَكَمْ من رحلة إلى بلاد الكفر أقامها وأنفق فيها الأموال في المعاصي. وَكَمْ من أعداء لله جالسهم ومازحهم وشاركهم وولاهم وداهنهم وَكَمْ من أَوْلِيَاء لله عاداهم وانتهك أعراضهم وَكَمْ من كفار والاهم وصادقهم ومدحهم وَكَمْ من عمل بالرياء أفسده ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ . فليت شعري بأي قدم يقف بين يدي الله وبأي لسان يجيب وبأي قلب

стр. 2055

يعقل ما يَقُولُ وبأي يد يتناول وبأي عين ينظر وبديع السماوات والأرض أمامه {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرض إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً} . إذا فهمت ما سبق من أحوال يوم القيامة وأدلته فاعْلَمْ أن أكثر خلق الله لم يدخل الإِيمَان بالْيَوْم الأخر في قُلُوبهمْ ولم يتمكن من سويداء أفئدتهم. ويدل على ذَلِكَ استعداهم لبرد الشتاء وحر الصيف وتهاونهم بجهنم وزمهريرها وزقومها وحميمها وويلها وغساقها مَعَ ما يتبع ذَلِكَ من الشدائد والأهوال والكروب والقلاقل والمزعجات. ولو كَانُوا مصدقين ما كَانُوا بهذه الحال، اللسان يصدق والْعَمَل يكذب إذا سئلوا عن الْيَوْم الآخر نطقت ألسنتهم وغفلت عَنْهُ قُلُوبهمْ. ومن قدم له طعام وأخبر أنه مسموم فَقَالَ للذي أخبره صدقت فيه سم ثُمَّ مد يده يتناوله ليأكل كَانَ مصدقًا بلِسَانه ومكذبًا بفعله وتكذيب الْعَمَل أبلغ من تكذيب اللسان قال بَعْضهمْ: شِعْرًا: ... وَمُنْتَظِرٍ لِلْمَوْتِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ يَشِيدُ وَيَبْنِي دَائِمًا وَيُحَصِّنُ لَهُ حِينَ تَبْلُوهُ حَقِيقَةُ مُوقِنٌ وَأَعْمَالُهُ أَعْمَالُ مَنْ لَيْسَ يُوقِنُ عِيَانٌ كَإِنْكَارٍ وَكَالْجَهْلِ عِلْمُهُ بِمَذْهَبِهِ فِي كُلِّ مَا يَتُيَقَّنُ ... >? آخر: ... بَادِرْ شَبَابَكَ أَنْ تَهْرَمَا ... وَصِحَّةَ جِسْمِكَ أَنْ تَسْقَمَا ... ???? ???? ... وَأَيَّامَ عَيْشِكَ قَبْلَ الْمَمَاتِ ... فَمَا قَصْرُ مَنْ عَاشَ أَنْ يَسْلَمَا ... ???? ???? ... وَوَقْتُ فَرَاغِكَ بَادِرْ بِهِ ... لَيَالِي شُغْلِكَ فِي بَعْضِ مَا ... ???? ????آخر: ... أَمِنْ بَعْدِ شَيْبٍ أَيُّهَا الرَّجُلُ الْكَهْلُ ... جَهِلتَ وَمِنْكَ الْيَوْمَ لا يَحْسُنُ الْجَهْلُ ... >? ???? ????

стр. 2056

.. تَحَكَّمَ شَيْبُ الرَّأْسِ فِيكَ وَإِنَّمَا ... تَمِيلُ إِلَى الدُّنْيَا وَيَخْدَعُكَ الْمَطْلُ ... ???? ???? ... دَعِ الْمَطْلَ وَالتَّسْوِيفَ إِنَّكَ مَيِّتٌ ... وَبَادِرْ بِجِدٍّ لا يُخَالِطُهُ هَزْلُ ... ???? ???? ... سَأَبْكِي زَمَانًا هَدَّنِي بِفُرَاقِهِ ... فَلَيْسَ لِقَلْبِي عَنْ تَذَكُّرِهِ شُغْلُ ... ???? ???? ... عَجِبْتُ لِقَلْبِي وَالْكَرَى إِذْ تَهَاجَرَا ... وَقَدْ كَانَ قَبْلَ الْيَوْمِ بَيْنَهُمَا وَصْلُ ... ???? ???? ... أَخَذْتُ لِنَفْسِي حَتْفَ نَفْسِي بِكَفِّهَا ... وَأَثْقَلْتُ ظَهْرِي مِنْ ذُنُوبٍ لَهَا ثِقْلُ ... ???? ???? ... وَبَارَزْتَ بِالْعِصْيَانِ رَبًّا مَهَيْمنًا ... لَهُ الْمَنُّ وَالإِحْسَانُ وَالْجُودُ وَالْفَضْلُ ... ???? ???? ... أَخَافُ وَأَرْجُو عَفْوَهُ وَعِقَابَهُ ... وَأَعْلَمُ حَقًّا أَنَّهُ حَكَمٌ عَدْلُ ... >? ???? ???? (موعظة) عباد الله إن من عباد الله من إذا أنعم الله عَلَيْهِ بمال كثير كانَتْ الحال عنده فوضى فلا تضع زوجتك ولا بناته أيديهم في دقيق ولا جليل من أعمال البيت فيجيء لهن بخدامين وسواقين وطباخين الواحد مِنْهُمْ في طول النخلة في منتهى العافية ولا يبعد أن يكون من الشباب الَّذِينَ يعجبون النساء جمالاً وَرُبَّمَا خلو في النساء وصَاحِب البيت من زوج أو غيره لاه في أمور دنياه أو في عمله لا يفكر فيما تفكر فيه النساء ولا فيما يفكر فيه الخادم أو السائق وكأن نساءه في اعتقاده معصومَاتَ ولا يدري أنه ما خلا رجل بامرأة إِلا وثالثهما الشيطان وأن النساء حبائل الشيطان وأنهن من أضر ما على الرجل وأن لذة الرجل عندهن ولذاتهن عنده لا يخالف في ذَلِكَ أحد إِلا معتوه أو نحوه فإذا رأت المرأة شابًا ولا ثالث لهما فلا يبعد أن تدعوه لذَلِكَ فما موقف هَذَا المغفل أمام بديع السماوات والأرض الَّذِي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ولعل جواب هَذَا الجاهل أنه لا يدور في خلده أن امرأته تقدم على مثل هَذَا لأنها معصومة قولوا له أما سمعت بقصة امرأة العزيز اقرأها لعلك تأخذ حِذرك وتعلم أنه لا يسلم من فتنهن إِلا عباد الله المخلصين.

стр. 2057

قولوا له تأمل الْقِصَّة لعلك تفهم أن الله جلا وعلا لم يذكرها في القرآن إِلا ليعتبر أولو الأبصار فيحترس الرِّجَال علي نسائهم من الخدم ونحوهم. إن امرأة العزيز كانَتْ ذات مركز عَظِيم في مصر وكَانَ يوسف ﵊ في بيتها كخادم لها ومَعَ ذَلِكَ لم تسأل عن شرفها وكرامتها ولا شرف زوجها بل داستهما بنعل الشهوة دوسًا ولم تتوقف في بذل كُلّ ما تستطيع من قوة وحيلة لإخضاع يوسف ﵇ ولولا أن الله عصمه وصرف عَنْهُ السُّوء والفحشاء لوصلت إلى ما تريد قال تَعَالَى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} . والفتنة الثَّانِيَة أنك تجد آخر يأتي بخدامة ويتخَيْر القوية الجميلة وبيته الواسع مملوء من العزاب أولاد وإِخْوَان وَرُبَّمَا خلو بها وَهُوَ أيضًا ربما خلا بها وَرُبَّمَا تَكُون أجمل من زوجته أو أولاده فلا تهمه تلك الناحية التي يعرفها بعض النساء الفاسقات ويستبعد ذَلِكَ من نسائه وأنه من المحال عنده فتنبهوا يا عباد الله ولا تستخدموا الشباب ولا الشابات من النساء وإِلا فقَدْ عرضتم أنفسكم للفتن والمشاكل والعقوبات. واحذروا استخدام الكافرين والكافرات. فإن كَانَ لابد فاستخدموا الرِّجَال خارج البيوت واحذروا من اتصالهم بنسائكم وأما الخدامَاتَ فاحرصوا على كبيرة السن المتدنية غير الجميلة لتبتعدوا عن أسباب الشر والفساد وتطمئنوا على ما يأتيكم من أولاد أنهم من أصلابكم وإن أبيتم فالضَّرَر عائد عليكم دنيا وأخري. شِعْرًا: ... بَذَلْتُ لَهُمْ نُصْحِي بِمُنْعَرِجِ اللّوَا ... فَلَمْ يَسْتَبِينُوا الرُّشْدَءِ الأضُحَى الْغَدِ ... ???? ???? آخر: ... أَتَيْتُكَ رَاجِيًا يَا ذَا الْجَلالِ ... فَفَرِّجْ مَا تَرَى مِنْ سُوءِ حَالِي ... ???? ???? ... عَصَيْتُكَ سَيِّدِي وَيْلِي بِجَهْلِي ... وَعَيْبُ الذَّنْبِ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِي ... ???? ???? ... إِلَى مَنْ يَشْتَكِي الْمَمْلُوكُ إِلا ... إِلَى مَوْلاهُ يَا مَوْلَى الْمَوَالِي ... ???? ???? ... فَوَيْلِي لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي ... وَلا أَعْصِيكَ فِي ظُلَمِ اللَّيَالِي ... >? ???? ????

стр. 2058

.. وَهَا أَنَا ذَا عَبِيدُكَ عَبْدَ سُوء ... بِبَابِكَ وَاقِفٌ يَا ذَا الْجَلالِ ... ???? ???? ... فَإِنْ عَاقَبْتِ يَا رَبُّ فَإِنِّي ... مَحُقُ بِالْعَذَابِ وَبِالنِّكَالِ ... ???? ???? ... وَإِنْ تَعْفُو فَعَفْوُكَ أَرْتَجِيهِ ... وَيَحْسُنُ إِنْ عَفَوْتَ قَبِيحَ حَالِي ... >? ???? ???? اللَّهُمَّ وفقنا لصالح الأعمال وأكفنا بحلالك عن حرامك وبِفَضْلِكَ عمن سواك إنك على كُلّ شَيْء قدير وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَسلم. (فَصْلٌ) وقسم من النَّاس والعياذ بِاللهِ أنكروا يوم القيامة بتاتًا مستبعدين ومستفهمين استفهام إنكار وتهكم ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ فأوضح جَلَّ وَعَلا وبين أن الَّذِي خلقهم وأنشأهم أول مرة قادر على إحيائهم بعد فنائهم. بل الإعادة أَهْوَن في نظر النَّاس وحدود قدرتهم من الإبداع فالَّذِي يعترف ويقر بأن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي بدأ الخلق يجب عَلَيْهِ ويتحتم أن يُيُسَلِّمَ بأن الله تَعَالَى قادر على الإعادة. وذكر جَلَّ وَعَلا البدأ دليلاً على الإعادة فَقَالَ: ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ وذكر جلا وعلا في سورة الروم أن إعادة الخلق أَهْوَن من ابتدائه فَقَالَ جَلَّ وَعَلا ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .

стр. 2059

ومن الأدلة العقلية الدالة على البعث دلالة قاطعة بمجرد نظر العاقل إليها يستدل بها استدلالاً لا يقبل الشك والشبهة بوقوع ما خبرت به الرسل من البعث خلق السماوات والأرض على عظمها فكل منصف يعلم بالبداهة الحسية أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق النَّاس في ابتدائهم وإعادتهم. وورد بعدة آيات الاستدلال بخلق السماوات والأرض على قدرة الله تَعَالَى على إحياء الموتى قال تَعَالَى {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} بهذه الآية أكد جَلَّ وَعَلا صحة البعث، المعنى أن ابتداء الخلق لم يعجز الله والإعادة أسهل من الابتداء والكل على الله هين {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ، فلا مجال للشك في الإعادة عِنْدَ من يقر في الابتداء. وَقَالَ جلا وعلا مخبرًا عما قاله الكفار الَّذِينَ يستبعدون البعث ورادًا عَلَيْهمْ: {أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً * قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} وقَدْ أمر الله رسوله ? أن يجيبهم ويعرفهم قدرته على بعثه إياهم بعد مماتهم وإنشائه لَهُمْ كما كَانُوا قبل بلائهم خلقًا جديدًا على أي حال كَانُوا عظامًا أو رفاتًا أو حجارة أو حديدًا أو خلقًا مِمَّا يستبعد عندكم قبوله للحياة فإن الله على كُلّ شَيْء قدير، لا يعجزه إعادتكم مهما تحولتم وتمزقتم وتفرقتم {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ} . شِعْرًا: ... يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَوْ عَلِمْتَ بِهَوْلِهِ ... لَفَرَرْتَ مِنْ أَهْلٍ وَمِنْ أَوْطَانِ ... ???? ???? ... يَوْمَ تَشَقَّقَتِ السَّمَاءُ لِهَوْلِهِ ... وَتَشِيبُ مِنْهُ مَفَارِقُ الْوِلْدَانِ ... >? ???? ????

стр. 2060

وأخبر أنه عِنْدَمَا يقيم عَلَيْهمْ الحجة على البعث يقولون من يعيدنا أي من يعيدنا ونَحْنُ بهذه الحال: فقل تحقيقًا للحق وإزاحة للاستبعاد وإرشادًا إلى طَرِيق الاستدلال، الَّذِي يفعل ذَلِكَ هُوَ القدير العَظِيم الَّذِي لا يعجزه شَيْء في الأرض ولا في السماء. الَّذِي ذرأكم في الأرض أول مرة على غير مثال يحتذى ولا منهاج معين ينتحى وكنتم ترابًا لم يشُم رائحة الحياة ألَيْسَ الَّذِي يقدر علي ذَلِكَ يقدر على أن يجمَعَ ما تفرق ويفيض الحياة ويعيده كَمَا خَلَقْهْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بلى إنه سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ثُمَّ بين سُبْحَانَهُ ما يفعلونه حين ما يسمعوا الجواب ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ أي متى هَذَا البعث وفي أي وَقْت وحال يعيدنا خلقًا جديدًا كَمَا كنا أَوَّلَ مَرَّةٍ ومقصدهم من هَذَا السؤال استبعاد حصوله. وفي معنى هذه الآية قوله تَعَالَى حكاية عنهم ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال تَعَالَى ﴿قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً﴾ أي فاحذروا فإنه قريب منكم وسيأتي لا محالة وكل آت قريب وكل ما هُوَ محقق الحصول قريب. وإن طال الزمان في نظر العباد ولم يخبر به أَحَدًا لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مُرسلاً ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي يوم يدعوَكَمْ للبعث والنشور والحساب والجزاء فتستجيبون له من قبوركم بقدرته ودعائه إياكم وله الحمد في كُلّ حال وتظنون حين تقومون من قبوركم إن لبثتم إِلا قليلا في دار الدُّنْيَا وقوله ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ .

стр. 2061

ونحو هذه الآية قوله تَعَالَى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} وقوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} وقوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} وقوله: {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً} . شِعْرًا: ... هُوَ الدَّهْرِ فَاصْبِرْ مَا عَلَى الدَّهْرِ مَعْتَبُ وَلَيْسَ لَنَا مِمَّا قَضَى اللهُ مَهْرَبُ وَلا بُدَّ مِنْ كَأْسِ الْحَمَامِ ضَرُورَةً وَمَنْ ذَا الَّذِي مِنْ كَأْسِهِ لَيْسَ يَشْرَبُ وَمَا يَعْمُرُ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةَ حَازِمٌ إِذَا كَانَ فِيهَا عَامِرُ الْعُمْرِ يَخْرَبُ وَإِنَّ عَلِيًّا ذَمَّهَا فِي كَلامِهِ وَطَلَّقَهَا وَالْجَاهِلُ الْغِرُّ يَخْطُبُ أَلا إِنَّ هَذَا الْكَوْنَ فِيهِ مَوَاعِظٌ لِمُتَّعِظٍ مِنْ ظُلْمَةِ الْقَبْرِ يَهْرَبُ فَكَمْ مِنْ عَظِيمِ الْبَأْسِ صَارَتْ عِظَامَهُ أَوَانٍ وَمِنْهَا الْمَاءُ يَا قَوْمُ يُشْرَبُ وَيُنْقَلُ مِنْ أَرْضٍ لأُخْرَى وَمَا دَرَى فَوَاهًا لَهُ بَعْدَ الْبِلَى يَتَغَرَّبُ ... >? ... ... ... اللَّهُمَّ قومنا إذا اعوججنا وأعنا إذا استقمنا وكن لنا ولا تكن عَلَيْنَا وأحينا في الدُّنْيَا مؤمنين طائعين وتوفنا مسلمين مخلصين وَاجْعَلْنَا عِنْدَ السؤال

стр. 2062

ثابتين وَاجْعَلْنَا ممن يأخذ كتابه باليمين وَاجْعَلْنَا يوم الفزع الأكبر من الآمنين ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) ومن توهمَاتَ المنكرين للبعث أن من يموت يضل رفاته في الأرض فتذهب صورته وصفاته فَكَيْفَ يرجع الله هذه الذوات والصفات وكيف يجمَعَ هذه الذرات المتفتتة من عظامهم وأثر هَذَا التوهم الفاسد يظهر في توهمهم أن علم الله غير محيط بكل صغير وكبير من أعداد الَّذِينَ يموتون من النَّاس وغير محيط بصفاتهم وأوصافهم وأعمالهم. وقَدْ ذكر الله جَلَّ وَعَلا مقالتهم الفاسدة التي تدل علي التوهم من توهماتهم قال تَعَالَى حكاية عنهم: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهؤلاء قاسوا قدرة الخالق الَّذِي بدأهم أول مرة على قدرة المخلوق العاجز. وشتان ما بين القدرتين ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ . ثُمَّ زَادَ في النعي عَلَيْهمْ والإنكار لآرائهم بقوله: ﴿بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ أي تعدوا ذَلِكَ إلى الجحود بلقاء ربهم وذكر الله جَلَّ وَعَلا مقالتهم هذه في سورة سبأ وهم أتوا بها على وجه الاستهزاء والتهكم والتكذيب والاستبعاد والإنكار.

стр. 2063

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي إنه يَقُولُ إذا أكلتكم الأرض وصرتم رفاتًا وعظامًا وقطعتكم السباع والطير ستحيون وتبعثون ثُمَّ تحاسبون عىي ما فرط منكم من صالح الْعَمَل وسيئه. وإن أمره دائر بين أمرين إما أن يكون مفتريًا علىآ الله وإما أن يكون مجنونًا فرد الله عَلَيْهمْ مقالتهم وأثَبِّتْ لَهُمْ ما هُوَ أشد وأنكى فَقَالَ: {بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ} أي لَيْسَ الأَمْر كما زعموا ولا كما ذهبوا إليه. بل إن محمدًا ? صادق فيما أخبر به من البعث وهم في شقاء عذابٌ في حياتهم من داخل نفوسهم كفرٌ وشكوك وأوهام وفي الآخرة إذا بعثوا ذاقوا ألوان الْعَذَاب لأنهم مجرمون متمردون على الحق وهم في الضلال الْبَعِيد الدال على عدم استبعاد البعث وَهُوَ أنهم لو نظروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض فرأوا من قدرة الله فيهما ما يبهر العقول ومن عظمته ما يذهل العلماء الفحول ولكنهم كما قال تَعَالَى: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} وَقَالَ عما قاله نوح ﵇: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} . ... وَفِي الْكَوْنِ مِنْ سِرِّ الْوُجُودِ عَجَائِبٌ أَطَلَّ عَلَيْهَا الْعَارِفُونَ وَأَشْرَفُوا ... >?

стр. 2064

.. ... ... آخر: ... فَيَا عَجَبًا مِمَّنْ يُضِيعُ حَيَاتَهُ عَلَى حِفْظِ مَالٍ وَهُوَ لِلْغَيْرِ يَدْخَرُ وَمَنْ تُتَوَفَّى نَفْسُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ وَتَرْجِعُ فِيهِ كَيْفَ لِلْبَعْثِ يُنْكِرُ بَلَى قَادِرٌ أَنْشَاهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ عَلَى رَدِّ رُوحٍ مِنْهُ فِي الْجِسْمِ أَقْدَرُ ... >? آخر: ... تَأَمَّلْ سُطُورَ الْكَائِنَاتِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَلِكِ الأَعْلَى إِلَيْكَ رَسَائِلُ وَقَدْ كَانَ فِيهَا لَوْ تَأَمَّلْتَ خَطَّهَا أَلا كُلُّ شَيْء مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ ... >? ... ... ... وفي سورة ق ذكر الله تَعَالَى أنهم استبعدوا البعث وتعجبوا قال تَعَالَى حكاية عما قَالُوا: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ . فعقول هؤلاء سخيفة حيث قاست قدرة من هُوَ على كُلّ شَيْء قدير وبكل شَيْء عليم الكامل من كُلّ وجه بقدرة الْعَبْد الفقير الضعيف العاجز مِنْ جَمِيعِ الوجوه الجاهل الَّذِي لا علم له. فَقَالَ جَلَّ وَعَلا مشيرًا إلى دَلِيل جواز البعث وقدرته عَلَيْهِ مؤكدًا علمه بجَمِيع الأَشْيَاءِ ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ حافظ لتفاصيل الأَشْيَاءِ كُلّهَا محفوظ عن التغيير والتبديل بكل ما يجري عَلَيْهمْ في حياتهم أو مماتهم.

стр. 2065

بعد أن ذكر حال منكري البعث لفت أنظارهم إلى الدَلِيل الَّذِي يدحض كلامهم ألا وَهُوَ النظر في آياته الأفاقية كي يعتبروا ويستدلوا بها على ما جعلت أدلةً عَلَيْهِ. فإن من خلق السماء وزينها بالكواكب وأحكمها وبسط الأرض وجعل فيها رواسي وأنبت فيها صنوف النَّبَات صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ويتفاضل في الأكل. وجعل ذَلِكَ تبصرة لأولي الألْبَاب ونزل من السماء ماء فأنبت به خضر الجنان والزرع المختلف الأصناف والألوان والطعوم والنخل الباسق ذا الطلع المتراكم بعضه فوق بعض رزقًا للعباد وأحيا الأرض الموات. أفلا يستطيع من هذه قدرته وهَذَا شأنه أن يخَرَجَ النَّاس من القبور بعد بلائهم وبعد أن يصيروا عظامًا ورفاتًا وينشئهم خلقًا آخر في حياة أخرى وعَالِم غير هَذَا العَالِم بلي وَاللهِ إنه على كُلّ شَيْء قدير وبكل شَيْء أحاط عِلمَا. وما أحسن ما قاله السفاريني: ... وَاجْزِمْ بِأَمْرِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَالْحَشْرُ حَزْمًا بَعْدَ نَفْخِ الصُّورِ كَذَا وُقُوفِ الْخَلْقِ لِلْحِسَابِ وَالصُّحْفِ وَالْمِيزَانِ لِلثَّوَابِ كَذَا الصِّرَاطِ ثُمَّ حَوْظِ الْمُصْطَفَى فَيَا هَنَا لِمَنْ بِهِ نَالَ الشِّفَا ... >?

стр. 2066

.. عَنْهُ يُذَادُ الْمُفْتَرِي كَمَا وَرَدْ وَمَنْ نَحَا سُبْلَ السَّلامَةْ لَمْ يُرِدْ وَكُنْ مُطِيعًا وَأَقْفُ أَهْلَ الطَّاعَةْ فِي الْحُوضِ وَالْكَوْثَرِ وَالشَّفَاعَةْ فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ لِلْمُصْطَفَى كَغَيْرِهِ مِنْ كُلِّ أَرْبَابِ الْوَفَا مِنْ عَالِمٍ كَالرُّسْلِ وَالأَبْرَارِ سِوَى الَّتِي خُصَّتْ بِذِي الأَنْوَارِ ... >? اللَّهُمَّ إنَّا نعوذ بك من جهد البَلاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء وسوء المنظر في الأهل والْمَال والولد اللَّهُمَّ حبب إلينا الإِيمَان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان وَاجْعَلْنَا مِنْ الراشدين وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المسلمين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) ومن الأدلة الدالة على البعث قوله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرض خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . إن جفاف الزرع ويبس الشجر وانقطاع تغذيته من الأرض وحصاده وتحطمه يشبه حالة الموت في الأحياء. ثُمَّ إن سنة الله الكونية الدائمة الظاهرة المشاهدة في عملية انشقاق

стр. 2067

الحبوب في بطن الأرض ونباتها بعد ما سبق من حالها التي تشبه حالة الموت وعودتها إلى الحياة. والنظرة كرة آخرةً وَذَلِكَ عِنْدَ وجودها في البيئة الملائمة من ماء ممتزج بالتُّرَاب الصالح لتعطي تقريبًا حسيًا مشاهدًا باستمرار في الظواهر الكونية لقصة بعث الحياة وتفرق أجزائها في تراب الأرض. وقَدْ نبه الله في القرآن إلى هَذَا الشاهد الكوني الَّذِي يقرب إلي تصور أصحاب هَذَا التوهم إمكَانَ الحياة الأخرى وإنها تشبه عودة الحياة إلى الزرع والنَّبَات بعد جفافها وما يشبه حالة الموات فيها قال الله تَعَالَى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وَقَالَ في سورة الروم: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وَقَالَ في سورة ق ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ جعل ما سبق دليلاً على البعث لأنه شبيه به. وفي التعبير عن إخراج النَّبَات من الأرض بالإحياء وعن إحياء الموتى بالخروج تفخيم لشأن الإنبات وتهوين لأمر البعث وتحقيق للماثلة بين إخراج النَّبَات وإحياء الموتى لتوضيح منهاج القياس وتقريبه لأفهام النَّاس وكَذَلِكَ قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ

стр. 2068

كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} . ففي إحياء الأرض اليابسة بعد نزول المطر عَلَيْهَا دَلِيل قاطع واضح على إحياء الموتى فكما أحيا الأرض بعد موته يحي الأجساد ويعيد إليها أروحها يوم القيامة. فيقوم النَّاس من قبورهم لرب العالمين كما أخبرنا جَلَّ وَعَلا وَهُوَ أصدق قائل وَذَلِكَ أن الله ينزل ماء من السماء فتمطر الأرض أربعين يَوْمًا فتنبت منه الأجساد في قبورهم كما ينبت الحب في الأرض، قال ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: ... وإِذَا أَرَادَ اللهُ إِخْرَاجَ الوَرَى بَعْدَ الْمَمَاتِ إِلَى مَعَادٍ ثَانِي أَلْقَى عَلَى الأَرْضِ التِي هُمْ تَحَتَهَا واللهُ مَقْتَدِرٌ وذَوْ سُلْطَانِ مَطَرًا غَلِيظًا أَبْيَضًا مُتَتَابِعًا عَشْرًا وعَشْرًا بَعْدَهَا عَشْرَانِ فَتَظَََََََََََلُّ تَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَامُ الْوَرَى وَلُحُومُهُمْ كَمَنَابِتِ الرَّيْحَانِ حَتَّى إِذَا مَا الأُمُّ حَانَ وَلادُهَا وَتَمَخَّضَتْ فَنِفَاسُهَا مُتَدَانِ أَوْحَى لَهَا رَبُّ السَّمَا فَتَشَقَّقَتْ فَبَدَا الْجَنِينُ كَأَكْمَلِ الشُّبَّانِ ... >? ... ... ...

стр. 2069

.. وَتَخَلَّتِ الأُمُّ الْوَلُودُ وَأَخْرَجَتْ أَثْقَالَهَا أُنْثَى وَمِنْ ذُكْرَانِ وَاللهُ يُنْشِئُ خَلْقَهُ فِي نَشْأَةٍ أُخْرَى كَمَا قَدْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ هَذَا الَّذِي جَاءَ الكِتَابُ وَسُنَّةُ الْـ ـهَادِي بِهِ فَاحْرِصْ عَلَى الإِيمَانِ ... >? ... ... ... يضاف إلى هذه الأدلة ما ذكر الله في كتابه أيضًا مثل قصة إحياء قتيل بني إسرائيل لسؤاله عن القاتل وهذه الْقِصَّة أخبرنا الله بها في أوائل سورة البقرة وملخصها فيما ذكر أنه كَانَ في بني إسرائيل شيخ موسر له ابن واحد قتله ابن عمه طمعًا في ميراثه. ثُمَّ جَاءَ يطالب بدمه قومًا آخرين فأنكر المتهمون قتله وترافعوا إلى موسى ﵇ كُلّ مِنْهُمْ يدفع التهمة عن نَفْسهُ فَقَالَ لَهُمْ موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ وَذَلِكَ ليتبين لَهُمْ القاتل الحقيقي فَقَالُوا: أتهزأ بنا قال موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ فسألوه عن ما تتميز به من الأوصاف وشددوا على أنفسهم فشدد الله عَلَيْهمْ ثُمَّ عثروا عَلَيْهَا وذبحوها فأحيا الله القتيل وأخبر بالقاتل. ومن ذَلِكَ قصة أصحاب الكهف وكيف ضرب الله على آذانهم ثلاثة قرون وتزيد تسع سنين وحفظ أجسامهم من البلى على طول الزمان وثيابهم من العفن والبلى وأعثر عَلَيْهمْ الفريق الآخر الَّذِينَ كَانُوا في شك من قدرة الله على إحياء الموتى وفي مرية من إنشاء أجسام خلقه كهيئتهم يوم قبضهم بعد

стр. 2070

البلى ليعلموا أن وعد الله حق ويقنوا أن الساعة آتية لا ريب فيها ففي ذَلِكَ عبرة ودَلِيل على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة. ومن ذَلِكَ الَّذِينَ أخرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فَقَالَ لَهُمْ الله موتوا ثُمَّ أحياهم ثُمَّ بعد هذه الإماتة أحياهم ففيها أيضًا عبرة ودَلِيل قاطع على وقوع المعاد الجسماني وأنه لا مرية فيه ومن ذَلِكَ قصة الَّذِي مر على قرية وهي خاوية على عروشها فَقَالَ مستبعدًا لعودة عمارتها وإحياء أهلها ﴿أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ قيل إن الله تَعَالَى أماته في أول النَّهَارَ وأحياه بعد المائة أخر النَّهَارَ. وقيل وَاللهُ أَعْلَمُ أول شيء أحياه الله فيه عينيه لينظر بهما إلى قدرة الله وصنعه كيف يحيي بدنه فَلَمَّا استقل سويًا ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قال جل وعلا وتقدس: ﴿بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ﴾ قيل كَانَ معه عنب وتين وعصير فوجده لم يتغير وانظر إلى حمارك كيف يحييه الله ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ﴾ أي دليلاً على المعاد حيث أحياه الله بعد إماتته وأحيا حماره ولم يتغير طعامه وشرابه. ومن ذَلِكَ إحياء الطيور الأربعة لما طلب أبينا إبراهيم ﵇ من الله أن يريه كيف يحيي الموتى ليطمئن قَلْبهُ فأمره أن يأخذ أربعة من الطير فيقطعهن أجزاء ثُمَّ يفرقها على عدة جبال حوله ثُمَّ يدعوها ففعل ودعاها بأسمائهن فاقبلن إليه سريعات تطير والطير أشد الْحَيَوَان نفورًا من الإِنْسَان غالبًا فهَذَا أكبر برهان على كمال عزة الله وحكمته وقدرته على البعث والمعاد والجزاء. فتبارك الله أحسن الخالقين.
следующие страницы →