Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
.. عَنْهُ يُذَادُ الْمُفْتَرِي كَمَا وَرَدْ
وَمَنْ نَحَا سُبْلَ السَّلامَةْ لَمْ يُرِدْ
وَكُنْ مُطِيعًا وَأَقْفُ أَهْلَ الطَّاعَةْ
فِي الْحُوضِ وَالْكَوْثَرِ وَالشَّفَاعَةْ
فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ لِلْمُصْطَفَى
كَغَيْرِهِ مِنْ كُلِّ أَرْبَابِ الْوَفَا
مِنْ عَالِمٍ كَالرُّسْلِ وَالأَبْرَارِ
سِوَى الَّتِي خُصَّتْ بِذِي الأَنْوَارِ ... >?
اللَّهُمَّ إنَّا نعوذ بك من جهد البَلاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء وسوء المنظر في الأهل والْمَال والولد اللَّهُمَّ حبب إلينا الإِيمَان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان وَاجْعَلْنَا مِنْ الراشدين وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المسلمين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
ومن الأدلة الدالة على البعث قوله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرض خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
إن جفاف الزرع ويبس الشجر وانقطاع تغذيته من الأرض وحصاده وتحطمه يشبه حالة الموت في الأحياء.
ثُمَّ إن سنة الله الكونية الدائمة الظاهرة المشاهدة في عملية انشقاق
стр. 2067
الحبوب في بطن الأرض ونباتها بعد ما سبق من حالها التي تشبه حالة الموت وعودتها إلى الحياة.
والنظرة كرة آخرةً وَذَلِكَ عِنْدَ وجودها في البيئة الملائمة من ماء ممتزج بالتُّرَاب الصالح لتعطي تقريبًا حسيًا مشاهدًا باستمرار في الظواهر الكونية لقصة بعث الحياة وتفرق أجزائها في تراب الأرض.
وقَدْ نبه الله في القرآن إلى هَذَا الشاهد الكوني الَّذِي يقرب إلي تصور أصحاب هَذَا التوهم إمكَانَ الحياة الأخرى وإنها تشبه عودة الحياة إلى الزرع والنَّبَات بعد جفافها وما يشبه حالة الموات فيها قال الله تَعَالَى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
وَقَالَ في سورة الروم: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
وَقَالَ في سورة ق ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ جعل ما سبق دليلاً على البعث لأنه شبيه به.
وفي التعبير عن إخراج النَّبَات من الأرض بالإحياء وعن إحياء الموتى بالخروج تفخيم لشأن الإنبات وتهوين لأمر البعث وتحقيق للماثلة بين إخراج النَّبَات وإحياء الموتى لتوضيح منهاج القياس وتقريبه لأفهام النَّاس وكَذَلِكَ قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ
стр. 2068
كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} .
ففي إحياء الأرض اليابسة بعد نزول المطر عَلَيْهَا دَلِيل قاطع واضح على إحياء الموتى فكما أحيا الأرض بعد موته يحي الأجساد ويعيد إليها أروحها يوم القيامة.
فيقوم النَّاس من قبورهم لرب العالمين كما أخبرنا جَلَّ وَعَلا وَهُوَ أصدق قائل وَذَلِكَ أن الله ينزل ماء من السماء فتمطر الأرض أربعين يَوْمًا فتنبت منه الأجساد في قبورهم كما ينبت الحب في الأرض، قال ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
... وإِذَا أَرَادَ اللهُ إِخْرَاجَ الوَرَى
بَعْدَ الْمَمَاتِ إِلَى مَعَادٍ ثَانِي
أَلْقَى عَلَى الأَرْضِ التِي هُمْ تَحَتَهَا
واللهُ مَقْتَدِرٌ وذَوْ سُلْطَانِ
مَطَرًا غَلِيظًا أَبْيَضًا مُتَتَابِعًا
عَشْرًا وعَشْرًا بَعْدَهَا عَشْرَانِ
فَتَظَََََََََََلُّ تَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَامُ الْوَرَى
وَلُحُومُهُمْ كَمَنَابِتِ الرَّيْحَانِ
حَتَّى إِذَا مَا الأُمُّ حَانَ وَلادُهَا
وَتَمَخَّضَتْ فَنِفَاسُهَا مُتَدَانِ
أَوْحَى لَهَا رَبُّ السَّمَا فَتَشَقَّقَتْ
فَبَدَا الْجَنِينُ كَأَكْمَلِ الشُّبَّانِ ... >?
... ... ...
стр. 2069
.. وَتَخَلَّتِ الأُمُّ الْوَلُودُ وَأَخْرَجَتْ
أَثْقَالَهَا أُنْثَى وَمِنْ ذُكْرَانِ
وَاللهُ يُنْشِئُ خَلْقَهُ فِي نَشْأَةٍ
أُخْرَى كَمَا قَدْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ
هَذَا الَّذِي جَاءَ الكِتَابُ وَسُنَّةُ الْـ
ـهَادِي بِهِ فَاحْرِصْ عَلَى الإِيمَانِ ... >?
... ... ...
يضاف إلى هذه الأدلة ما ذكر الله في كتابه أيضًا مثل قصة إحياء قتيل بني إسرائيل لسؤاله عن القاتل وهذه الْقِصَّة أخبرنا الله بها في أوائل سورة البقرة وملخصها فيما ذكر أنه كَانَ في بني إسرائيل شيخ موسر له ابن واحد قتله ابن عمه طمعًا في ميراثه.
ثُمَّ جَاءَ يطالب بدمه قومًا آخرين فأنكر المتهمون قتله وترافعوا إلى موسى ﵇ كُلّ مِنْهُمْ يدفع التهمة عن نَفْسهُ فَقَالَ لَهُمْ موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ وَذَلِكَ ليتبين لَهُمْ القاتل الحقيقي فَقَالُوا: أتهزأ بنا قال موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ فسألوه عن ما تتميز به من الأوصاف وشددوا على أنفسهم فشدد الله عَلَيْهمْ ثُمَّ عثروا عَلَيْهَا وذبحوها فأحيا الله القتيل وأخبر بالقاتل.
ومن ذَلِكَ قصة أصحاب الكهف وكيف ضرب الله على آذانهم ثلاثة قرون وتزيد تسع سنين وحفظ أجسامهم من البلى على طول الزمان وثيابهم من العفن والبلى وأعثر عَلَيْهمْ الفريق الآخر الَّذِينَ كَانُوا في شك من قدرة الله على إحياء الموتى وفي مرية من إنشاء أجسام خلقه كهيئتهم يوم قبضهم بعد
стр. 2070
البلى ليعلموا أن وعد الله حق ويقنوا أن الساعة آتية لا ريب فيها ففي ذَلِكَ عبرة ودَلِيل على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة.
ومن ذَلِكَ الَّذِينَ أخرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فَقَالَ لَهُمْ الله موتوا ثُمَّ أحياهم ثُمَّ بعد هذه الإماتة أحياهم ففيها أيضًا عبرة ودَلِيل قاطع على وقوع المعاد الجسماني وأنه لا مرية فيه ومن ذَلِكَ قصة الَّذِي مر على قرية وهي خاوية على عروشها فَقَالَ مستبعدًا لعودة عمارتها وإحياء أهلها ﴿أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ قيل إن الله تَعَالَى أماته في أول النَّهَارَ وأحياه بعد المائة أخر النَّهَارَ.
وقيل وَاللهُ أَعْلَمُ أول شيء أحياه الله فيه عينيه لينظر بهما إلى قدرة الله وصنعه كيف يحيي بدنه فَلَمَّا استقل سويًا ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قال جل وعلا وتقدس: ﴿بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ﴾ قيل كَانَ معه عنب وتين وعصير فوجده لم يتغير وانظر إلى حمارك كيف يحييه الله ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ﴾ أي دليلاً على المعاد حيث أحياه الله بعد إماتته وأحيا حماره ولم يتغير طعامه وشرابه.
ومن ذَلِكَ إحياء الطيور الأربعة لما طلب أبينا إبراهيم ﵇ من الله أن يريه كيف يحيي الموتى ليطمئن قَلْبهُ فأمره أن يأخذ أربعة من الطير فيقطعهن أجزاء ثُمَّ يفرقها على عدة جبال حوله ثُمَّ يدعوها ففعل ودعاها بأسمائهن فاقبلن إليه سريعات تطير والطير أشد الْحَيَوَان نفورًا من الإِنْسَان غالبًا فهَذَا أكبر برهان على كمال عزة الله وحكمته وقدرته على البعث والمعاد والجزاء. فتبارك الله أحسن الخالقين.
стр. 2071
ومِنَ الأدلة الدَّالَةِ عَلي البَعْثِ مَا فِي قِصَّةِ مُوْسَى وَهَرُوْنَ مَعَ فِرْعَونَ فَفِي قَلْبِ عَصِىَ مُوْسَى حَيَّةً تَسْعَي تَلْقَفُ مَا يَأْفَكُونَ أكْبَرُ بُرْهَانٍ عَلَى البَعْثِ وَذَلِكَ أنَّهَا صَارَتْ تِنَّيناً عَظِيْماً هَائِلاً ذَا قَوَائِمَ وَعُنُقٍ وَرَأْسٍ وَأَضْراسٍ فَجَعَلَتْ تَبْتَلِعُ تِلْكَ الحِبَالَ وَالْعُصِيَّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا ابْتَلَعتْهُ والسَّحَرَةُ والناسُ يَنْظُرُوْنَ إلي ذَلِكَ عِيَاناً جَهْرَةً نَهَاراً ضَحْوَةً.
ثُمَّ أَمَرَهُ اللهُ جَلَّ وَعَلا بِأَنْ يَأْخُذَهَا قَالَ لَه ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾ فَلَمَّا أَمَرَهُ بِأَخْذِهَا لَفَّ طَرَفَ المِدْرَعَةَ عَلَى يَدِهِ فَقَالَ لَهُ مَلَكٌ أَرَأَيْتَ يَا مُوْسَى لَوْ أَذِنَ اللهُ بِمَا تُحَاذِرُ أَكانتِ المِدْرَعَةَ تُغْنِيْ عَنْكَ شَيْئاً قَالَ لَا وَلَكِنّيْ ضَعِيْفٌ وَمِن ضُعْفٍ خُلِقْتُ فَكَشَفَ عَن يَدِهِ ثمَّ وَضَعَهَا في فَمِ الحَيَّةِ حَتَّى سَمََِعَ حِسَّ الأَضْرَاسِ والأَنْيَابِ ثُمَّ قَبَضَ فإذَا هِيَ عَصَاهُ التِي عَهِدَهَا وإذَا يَدُهُ في مَوْضِعَهَا إذَا يَتَوَكَأُ عَلَيْهَا بَيْنَ الشُعْبَتَيْنِ فَفِيْهَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ علي بَعْثِ الأَجْسَادِ لِمَنْ بَصَّرَهُ اللهُ وَنَوَّرَ عَقْلُهُ
ومِنَ الأَدِلَّةِ الدَّالَةِ عَلي البَعْثِ مَا أَيَّدَ اللهُ بِهِ عِيْسَي بنَ مَرْيَمَ عَلَي إِحْيَاءِ المًوْتَى قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ﴾ فَكَان يُصَوَّرُ مِن الطِّيْنَ شَكْلَ طَيْرٍ ثمّ يَنْفَخُ فِيه فَيَكُونُ طَيْراً عِيَاناً بإِذْنِ اللهِ.
فَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ البَرَاهِيْنِ عَلَي بَعْثِ الأَجْسَادِ وكَذَلِكَ إِحْيَاءُ المَوْتَى بإِذنِ اللهِ قال تَعَالَى ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ﴾ فَهَذَا بُرْهَانٌ وَاضِحٌ عَلَي بَعْثِ الأجْسَادِ لاَ رَيْبَ فِيهِ لِذِي عَقْلٍ سَلِيْمٍ.
اللَّهُمَّ يَا مَنْ لاَ تَضُرُهُ اْلمعصِيَةُ ولاَ تَنْفَعُهُ الطَّاعَةُ أَْيْقِظْنَا مِنْ نَوُم الغَفْلَةِ ونَبّهنْا لاغْتِنَام أَوْقَاتِ المُهْلَةِ وَوَفّقْنََا لِمصَالِحِنَا واعْصِمْنَا مِنْ قَبَائِحِنا وذُنُوبِنا ولا تُؤاخِذْنَا بمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُنا واكَنَّتْهُ سَرَائِرُنا مِنْ أنْواع القَبَائِح والمَعَائِبِ
стр. 2072
التي تَعْلَمُها مِنّا وَاغْفِر لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمينَ الأَحْياءِ مِِنُْْهُمْ والميتيِنَ بِرَحْمَتِكَ يا أرحْمَ الرّاحِمينَ وَصَلى اللهُ عَلَى مُحَمّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
((هَذِهِ أبْيَاتٌ مُخْتَاَرَةٌ مِن قَصِيْدَةِ لِبَعْضِ))
((العُلَمَاًءِ رَداً عَلَى مَنْ قَالَ بالطَّبِيعَةِ))
... وَاهاً لِدُنْيَا إِذَا مَا أَقْبَلَتْ قَتَلَتْ
وشَوْطُ إِقْبَالِهَا فَوْتٌ وَإِدْبَارُ
دَسَّتْ لَكَ السُّمَّ في حَلْوَى زَخَارِفِهَا
وَزَيَّنَتْ لَكَ مَا عُقْبَاهُ أَضْرَارُ
وعِشْتَ دَهْراً مِنَ الأَعْوَامِ مُنْتَظِراً
في مَلْعَبٍ كُلُّهُ جُرْمٌ وإِصْرَارُ
حَتَّى إذَا جَاءَ وَقْتُ المَقْتِ وَانْتَشَبَتْ
يَا لاَهِياً لِلمَنَايَا فِيْكَ أَظْفَارُ
خَابَتْ ظُنُوْنُكَ فِي دُنْيا مُخَادِعَةٍ
أَلْوَتْ عِنَانَكَ عَمَّا كُنْتَ تَخْتَارُ
يَا ذَا الوِجَاهَةِ والجَاهِ العَرِيْضِ لَقَدْ
خَانَتْ عُهُوْدَكَ أَعْوَانٌ وأَنْصَارُ
أَلْقَوْكَ فِي حُفْرَةٍ هَالَتْكَ وَحْشَتُهَا
كَأَنَّها مِخْدَعٌ يُغْلَي بِهِ القَارُ
وَغَادَرُوْك وَمَا فِي الحَيِّ مِن حَكَمٍ
تَشْكُو إِلَْيهِ وَمَا فِي الدَّارِ دَيَّارُ
يَا رَاقِداً وَمَضِيْقُ القَبْرِ مَضْجَعُهُ
أمَلَّكَ القِطْرُ أَمْ ضَاقَتْ بِكَ الدَّارُ ... >?
стр. 2073
.. أَبعدَ مَا فِي مَغَانِي الحَيِّ من سَعَةٍ
تُغْنِي الضَّجِيْعَ عنِ الأَمْيَاِل أَشْبَارُ
خَلَوْتَ وَحْدَكَ لاَ خِلٌ وَلاَ خَدَمٌ
فَهَلْ تُنَاجِيْكَ بالإِصْلاَحِ أَفْكَارُ
أَمْ أَنْتَ مِمَّنْ يَرَوْنَ المَوْتَ رَاحَتَهُمْ
يَا حَبَّذَ الموْتِ لَوْلاَ الحَشْرُ والنَّارُ
والقَبْرُ إِنْ لَمْ تَكُنْ فِيْهِ مُنَغِّصَةٌ
حَاكَتْ زَوَايَاهُ رَوْضاً فِيْهِ أَزْهَارُ
لَكِنَّهُ وَظَلاَمُ الزَّيْغِ يُوْحِشُهُ
ِسْجٌن َلُه مِنْ ذَوَاتِ النَّهْشِ عُمَّارُ
فَهَلْ يُحَاكِي قُبُورَ القَوْمِ مَضْجَعُكُمْ
أَمْ زَاَحَمْتكَ ظَلامَاتٌ وآصَارُ ا
بِالأَمْسِ صَدْراً أَخَا كِبْرٍ وَغَطْرَسَةٍ
وَمَا سِوَي الصَّدْرِ نَهَاؤٌ وَأَمَّارُ
وَالَيْومَ بَيْنَ هَوَامِ الأرْضِ مُضْطَجِعٌ
في مَضْجَعٍ مَا بِهِ جَارٌ وَسُمَّارُ
وَاهاً لِدُنْيَا إِذَا مَا أَقْبَلَتْ قَتَلَتْ
وشَوْطُ إقْبَالِهَا فَوْتٌ وإِدْبَارُ
تَمُرُّ بالمَرْءِ مَرَّ الطَّيْفِ بَاسِمَةً
وخَلْفُهَا مِن جُيُوْشِ الحُزْنِ جَرَّارُ
стр. 2074
.. إِذَا سَقَتْ كَأْسَ إِيْنَاٍس أخَا سَفَهٍ
تَجَرَّعَ السُّمَّ مِنْهُ وَهُوَ مُخْتَارُ
وَمَا السُّمُوْمُ سِوَي لِذَاتِهَا وبِهَا
وَمَا السُّمُوْمُ سِوَي لِذَاتِهَا وبِهَا
تَزْهُوْا لأَهْلِ الهَوَي حَتَّى إِذَا ابْتَهَجُوْا
جَاءَتْ بِمَا فْيهِ أرْزَاءٌ وَأَكْدَارُ
يَا وَيْحَ مَنْ أَخَذَتْ يَوْماً بِمخْنَقِهِ
إلي طَرِيْقٍ إِلَيْهَا يَنْتَهِي العَارُ
ويَا نَدَامَةَ مَنْ لَمْ يَبْكِ إنْ ضَحِكَتْ
فَضِحْكُها لِذَوِيْ اللَّذَاتِ إِنْذَارُ
وَيَا خَسَارَةَ مَنْ أَنْسَتْهُ مَبْدَأَهُ
ومُنْتَهَاهُ وَلَمْ يُوْقِظْهُ تَذْكَارُ
كَالشَّابِ تُنْسِيْهِ عَصْرَ الشَّيْبِ غُرَّتُهُ
حَتَّى إِذَا عَلَقَتْ بالأُزْرِ أَوْزَارُ
فَرَّ الشَّبَابُ وَظَلَّ الَّشْيُب هَازِمَهُ
إِنَّ الشَّبَابَ أَمَامَ الشَّيْبِ فَرَّارُ
فَهَلْ لِذِي الجَاهِ أَنْ يَنْسَى مَنِيَّتَهُ
والمَوْتُ فِي رَأْسِ رَبِّ الجَاهِ مِعْثَارُ
وَكَمْ وَجِيْهٍ تَعَامَي عَنْ عَوَاقِبِهِ
إِذْهَابَهُ خَشْيَةً عَمْروٌ وَعَمَّارُ
وَظَلَّ فِي زُخْرُفِ التَّضْلِيْلِ مُتَّجِراً
стр. 2075
.. وَالنَّاسُ مِنْهُ بِسُوْقِ الزَّيْغِ تَمْتَارُ
حَتَّى إِذَا مَا الرَّدَى لِلْمَوْتِ أَضْجَعَهُ
أًضْحَى كأُضْحِيَهٍ مِنْ حَوْلِهَا دَارُوا
وَمَاتَ وَالخَوْفُ حَيٌ بَيْنَ أَضْلُعُهِ
وَلِلمَخَازِيْ بِتِلْكَ الدَّارِ أَدْوَارُ
أُفٍّ لِمُقْبِلَةٍ مَرَّتْ عَلَي عَجَلٍ
كَأَنَهَا الفَجْرُ لَمْ يُمْهِلْهُ إِسْفَارُ
كَأَنَّمَا أََنْتَ وَالدُّنْيَا وَمَا صَنَعَتْ
أُلْعُوْبَةً بَاعَهَا الصِّبْيَانِ مِهْزَارُ
أَلْهَتْهُمُوا بُرْهَةً حَتَّى إِذَا تَلِفَتْ
وَفَاتَهُمْ فِي المَسَادَفُّ وَمِزْمَارُ
لَمْ يَلْبَثُوا فِي المَلاَهِيْ غَيْرَ سَاعَتِهِمْ
وَقَدْ دَهَتْهُمْ مُلِمَّاتٌ وَأَكْدَارُ
وَهَكَذَا كُلُّ حَالٍ لاَ بَقَاءَ لَهَا
وَكُلُنَا فِي الجَنَي لِلْمَوْتِ أَثْمَارُ
وَكُلُّ مَنْ كَانَتْ الأَيَّامُ مَرْكَبَهُ
فَكُلُّ أَوْقَاتِهِ ظَعْنٌ وَأَسْفَارُ
تَبّاً لِدَارٍ أَرَتْنَا مِنْ مَلاَعِبِهَا
عَجَائِباً مَا أَتَاهَا الدَّهْرَ سَحَّارُ
فَيَا أَخَا العِلْمِ لاَ يُنْجِيْكَ عِلْمُكَ إِنْ
فَاتَتْكَ خَشْيَةُ رَبٍّ اسْمُهُ البَارُ
стр. 2076
.. وَيَا أَخَا المَالِ لاَ تَرْكَنْ لِكَثْرَتِهِ
فَالْمَالُ كَالمَاءِ كَرَّارٌ وَفَرَّارُ
وَالجًاهُ ضَيْفٌ وَعُقْبَي الضَّيْفِ رِحْلَتُهُ
وإِنْ دَعَتْهُ لِطُولِ المُكْثِ أَوْطَارُ
وَاضْرَعْ إِلي اللهِ يَا مَنْ بَاتَ فِي سَعَةٍ
مِنْ نِعْمَةِ اللهِ إِنَّ الدَّهْرَ دَوَّارُ
ونِعْمَةُ اللهِ تأْتِي طَيَّ رَحْمَتِهِ
كَمَاطِرِ غَيْثُهُ الهَطَّالُ مِدْرَارُ
لَكِنَّمَا الغَيُّ والطُّغْيَانُ يَنْقُصُهَا
فَمَا تَهَنَّى بِهَا فِي الكَوْنِ كُفَّارُ
وإِنْ تَقُلْ إِنَّ أَهْلَ البَغْيَ فِي نِعَمٍ
فَرَكْبُهُمْ فِي طَرِيْقِ الغَمِّ سَيَّارُ
والغَافِلُونَ لَهُمْ فِي القَبْرِ مُزْعِجَةٌ
وَبَعْدَ فَصْلِ القَضَا عُقْبَاهُمُ النَّارُ ... >?
اللَّهُمَّ نَوَّرْ قُلُوبَنَا بِنُوْرِ الإِيمَانِ واشْرَحْ صُدُوْرَنَا واسْتُرْ عُيُوْبَنَا وأَمِّنْ خَْوفَنَا وَوَفِّقْنَا لاسْتِغْرَاقِ أَوْقَاتِنَا فِي البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الصَّالِحِيْنَ الّذِيْنَ لاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ ولاَ هُمْ يَحْزَنُون وآتِنَا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النّارِ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيع المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّي اللهُ عَلَى مُحَمّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ.
(فصل)
قَال ابْنُ القّيم ﵀:
стр. 2077
طَبقاتُ المُكَلَّفِيْنَ فِي الآخِرَةِ ثَمَانِي عَشَرَةَ طَبَقَةً أَعلاَهَا مَرْتَبَةُ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ ثَلاثُُ طَبَقاتٍ أَعْلاَهُمْ أُولُو العَزْمِ الخَمْسَةُ ثُمَّ مَنْ عَدَاهُمْ مِن الرُّسُلِ ثُمَّ الأَنْبِياءُ الّذِيْنَ لَمْ يُرْسَلُوا إلَى الأُمَمِ.
الرَّابِعَةُ: الصّدّيقُوَن وَرَثَةُ الرُّسُلِ القَائِمُونَ بِمَا بُعِثُوْا بِهِ عِلْماً وعَمَلاً وَدَعْوَةً لِلْخَلْقِ إلى اللهِ عَلَي طَرِيْقِهِمْ.
الخَامِسَةُ: أَئِمّةُ العَدْلِ وَوُلاَتُهُ.
السادِسةُ: المُجَاهِدُوْنَ فِي سَبِيْلِ اللهِ.
السابِعَةُ: أَهْلُ الإِيْثَارِ والإِحْسَانِ وَالصَّدَقَةِ.
الثّامِنَةُ: مَنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَاباً مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْر القَاصِرِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ صَلاةٍ وَصِيامٍ وَحَجٍّ وَغَيْرِهَا.
التّاسِعَةُ: طَبَقَةُ أَهْلِ النَّجَاةِ وَهُمْ مَنْ يُؤَدِّيْ فَرَائِضَ اللهِ وَيَجْتَنِبْ مَحَارِمِهُ.
العِاشِرَةُ: طَبَقَةُ قَوْمٍ أَسْرَفُوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَغَشَوْا كَبَائِر مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ وَلَكِنْ رَزَقَهُمُ اللهُ التَّوْبَةَ النَّصُوْحَ قَبْلَ المَوْتِ فَمَاتُوا عَلَى تَوْبَةٍ صَحِيْحَةٍ.
الحادِيَةَ عَشَرةَ: طَبَقَةُ أَقْوَامٍ خَلَطُوا عَمَلاًً صَالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً وَلَقُوا اللهَ مُصِرِّيْنَ غَيْرَ تَائِبِيْنَ لَكِنْ حَسَنَاتُهُمْ أَغْلَبُ مِنْ سَيِّئاتِهِمْ فَإِذَا وُزِنَتْ بِهَا رَجَحَتْ كِفَّةُ الحَسَنَاتِ فَهَؤُلاَءِ أيْضاً نَاجِحُوْنَ فَائِزُوْنَ.
الثَانِيَة عَشَرة: قَوْمٌ تَسَاوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيّئاتهُمْ وَهُمْ أَصْحَابُ الأعْرَافِ وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ ولَكِنْ مَآلُهُمْ إلى دُخُوْلِ الجَنَّةِ.
الثّالثَ عَشَرة: طَبَقَةُ أَهْلِ البَلِيَّةِ والمِحْنَةِ وِهُمْ قَوْمٌ مُسْلِمُوْنَ خَفَّتْ مَوَازِيْنُهُمْ وَرَجَحَتْ سِيِّئَاتُهُمْ عَلَى حَسَنَاتِهِمْ وِهِؤُلاءِ الّذِيْنَ ثَبَتَتْ فِيْهِمْ الأحادِيثُ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَيَكُونُوْنَ فِيْهَا عَلَى مِقْدَارِ أَعْمَالِهِمْ ثُمَّ يُخْرَجُوْنَ
стр. 2078
مِنْهَا بشَفَاَعَةِ الشَّافِعِيْنَ وبِرَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِيْن.
الرَّابِعَةَ عَشَرة: قَوْمٌ لاَ طَاعَةَ لَهُمْ ولاَ مَعْصِيَةَ وَلاَ كُفْرَ وَلاَ إِيْمَانَ وَهُمْ أصْنَافٌ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ بِحَالٍ وَمِنْهُمْ المَجْنُونُ اّلذي لاَ يَعْقِلُ وَمِنْهُمْ الأَصَمُّ اّلذي لاَ يَسْمَعُ شَيْئاً أَبَداً وَمِنْهُمْ أطْفَالُ المُشْرِكِيْنَ اّلذِينَ مَاتُوْا قَبْلَ أنْ يُمَيَّزُوْا شَيْئاً فاخْتَلَفَتِ الأَئِمَّةُ فِيْهِمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ مَذَاهِبٍ أَرْجَحُهَا أَنَّهُمْ يُمْتَحِنُوْنَ فِي عَرَصَاتِ القِيَامَةِ ويُرْسَلُ إِلَيْهِمْ هُنَاكَ رَسُولٌ فَمَنْ أَطَاعَ الرّسُولَ دَخَلَ الجَنَّةَ وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النَّارَ.
وبِهَذَا تَتَّفِق الأحَادِيْثُ وَتُواِفُق الحِكْمَةُ والعَدْلُ.
الطَّبْقَةُ الخَامِسَةَ عَشَرَةَ: طَبَقَةُ الزَّنَادِقّةِ وَهَؤُلاَءِ المُنَافِقُوْنَ اّلذِيْنَ أَظْهَرُوْا الإِسْلاَمَ وأبْطَنُوا الكُفْرَ وهُمْ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنْ النّارِ.
الطَّبَقَةُ السَّادِسَةَ عَشَرَةَ: رُؤُسَاءُ الكُفْرِ وأَئِمَّتُهُ وَدُعاتُهُ وَيَتَغَلَّظُ الكُفْرُ بِغِلَظِ العَقِيْدَةِ وبِالعِنَادِ وبالدَّعْوَةِ إِلى البَاطِلِ.
الطَّبَقَةُ السّابِعَةَ عَشَرَةَ: طَبَقَةُ الْمُقَلِّدِيْنَ وَجُهَّالُ الكَفَرَةِ وَقَدْ اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُم كُفَّارٌ.
الثّامِنَةَ عَشَرَةَ: طَبَقَةُ الجِنِّ وهُمْ مُكَلَّفُوْنَ مُثَابُونً وًمُعَاقَبُوْنَ بحَسَبِ أعْمَالِهِمْ ولِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوْا ولِيُوْفِيَهُمْ أعْمَالِهِمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُوْنَ.
وَقَالَ الإِنابَةُ الرُّجُوعُ إِلى اللهِ وانْصِرافُ دَوَاعِي القَلْبِ وِجِوِاذِبِهِ إِلَيْهِ وَهِيَ تَتَضَمَّنُ المَحَبَةَ والخَشْيَةَ وَالنَّاسُ فِي إِنَابَتِهِمْ دَرَجَاتٌ مُتَفاوِتَةٌ فَمِنْهُمْ المُنِيْبُ إِلى اللهِ بِالرُّجُوْعِ إِلَيْهِ مِن المُخَالَفَاتِ والمَعَاصي والحَامِلُ الخَوْفُ وَالعِلْمُ.
стр. 2079
وَمِنْهُمْ المُنِيْبُ إِلى اللهِ فِي أَنْوَاعِ العِبَادَاتِ فَهُوَ سَاعٍ بِجُهْدِهِ ومصْدرُهَا الرَّجَاءُ وَمُطَالَعَةُ الوَعْدِ والثَّوَابِ وَهَؤُلاَءِ أبْسَطُ نُفُوْساً مِن الأَوَّلِيْنَ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُنِيْبٌ بِالأمْرَيْنِ ولِكِنْ يَغْلِبُ عَلَى الأَوَّلِيْنَ الخَوْفُ وَيَغْلِبُ الرَّجَاءُ عَلَى الآخِرِيْن.
وَمِنْهُمْ المُنِيْبُ إِلَيْهِ بالتَّضَرُّعِ والدُّعَاءِ وكَثْرَةِ الافْتِقَارِ وسُؤَالِ الحَاجَاتِ كُلِّهَا مَعَ قِيَامِهِمْ بالأمْرِ والنَّهْيِ وَمِنْهُمْ المُنِيْبُ إِلى اللهِ عَنْدَ الشَّدَائِدِ فِقِطْ إِنَابَة المُضْطَّرِّ لا إِنَابَة اخْتِيَارٍ.
وَأَعْلَى أَنْوَاعِ الإِنَابَاتِ إِنَابَة الرُّوْحِ بِجُمْلَتِهَا إِلَيْهِ لِشِدَّةِ المَحَبَّةِ الخَالِصَةِ المُغْنِيَة لَهُمْ عَمَّا سِوَى مَحْبُوْبِهِمْ وَحِيْنَ أنَابَتْ إِلِيْهِ لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ شَيْء عَنِ الإِنَابَةِ فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا رَعِيَّتُهَا وَأَدّتْ وَظَائِفَهَا كَامِلَةً فَسَاعَةُ من إِنَابَة هَذَا أَعْظَمُ مِنْ إِنَابَة سِنِيْنَ مِنْ غَيْرِهِ وَذَلِكَ فَضْلُ اللهِ انتهي.
((موعظة))
عِبَادَ اللهِ نَحْنُ فِي عَصْرٍ بَارَكَ اللهُ فِيْهِ بَرَكَةً عَمَّتِ المَشَارِقَ والمَغَارِبَ وَكُلَّ مَا للأرْضِ مِنْ أَنْحَاءَ مِمَّا نَعْلَمُهُ وَجَّهَ بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ أَفْكَارَ بَنِيْ آدَمَ إِلى مَا أَوْدَعَهُ فِي خَلْقِهِ مِنْ أَسْرَارً تَفُوْتُ الإحْصَاءَ وَيَسَّرَ لَهُمْ السَّبِيْلَ فَوَصِلُوا مِنْ التَّرَاقِي فِي الاخْتِراعِ والإطّلاعِ إِلى مَا يُدْهِشُ الأفْكارَ وتَزْدَادُ بِهِ عَقِيْدَةُ المُؤْمِنِ قُوَّةَّ فَلا يَعْتَرِيْهِ أدْنَى شَكِّ فِي مِا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُه.
أَصْبَحَتِ الدُّنْيَا كُلُّهَا كَأَنَّهَا بَيْتٌ وَاحِدٌ يُكَلِّمُ النّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً مَعَ بُعْدِ المَسَافَةِ وِيُسَافِرُوْنَ بَرّاً وَبَحْراً فيَقْطَعُوْنَ بِالمَرَاكِبِ البَرِيَّةِ والبِحْرِيَّةِ فِي مُدَّةٍ يَسِيْرةٍ مَا يَحْتَاجُ إِلى مُدَّةٍ طَوِيْلَةٍ فِيْمَا مَضَى وِتِنْقُلُ تِلْكَ المَرَاكِبُ الّتِي خَلَقَهَا
стр. 2080
اللهُ لَنَا مِنَ الأثْقَالِ بِقُوَّةٍ وسُرْعَةٍ تَقِفُ أَمَامَهَا الألبَابُ حَائِرَاتٍ بَلْ لِوْ أَرَادُوْا مُسَابَقَةَ الطّيْرِ فِي السَّمَاءِ لَسَبَقُوْهُ بِالطّائِراتِ.
فَسُبْحَانَ مَنْ أَرْشَدَ عِبَادَهُ إِلَى صُنْعِ هَذِهِ المُخْتَرَعَاتِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
وانْظُر إِلَى الكَهْرَباءِ وَفَائِدَتِهِا العَظِيْمَةِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَقَدْ صَارَ اللَّيْلُ بِأنْوَارِهِ وكَأنَّهُ نَهَارٌ وَمَا فِيْهِ مِنْ أسْبَابِ الرَّاحَةِ والمَنَافِعِ العَظِيْمَةِ الّتِي لَمْ تَحْصُلْ لِمَنْ قَبْلَنَا أَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَعْظَم البَرَاهِيْنِ والأدِلّةِ عَلَى صِدْقِ مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ .
وَعَلَى صِدْقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ المَصْدُوْقُ مِنْ أَنَّ الزَّمَانَ يَتَقَارَبُ وَهَا أَنْتَ لاَ تَمْشِيْ شَرْقاً وَلاَ غَرْباً إِلاّ وأَنْتَ تَرَى وتَسْمَعُ مِنْ تِلْكَ الأَسْرَارِ مَا تَحَارُبِهِ الأَفْكَارُ فَنَحْنُ الَيْومَ نَتَقَلَّبُ فِي كُلِّ أَحْوَالِنَا فِي نَعِيْمٍ لَمْ يَظْفَرْ بِهِ عَصْرٌ مِنَ الإعْصَارِ حَتَّى إِنَّكَ تَرَى حَيَوَانَ هَذَا العَصْرِ فِي رَاحَةٍ وإِكْرَامٍ لَمْ تَتَمَتَّعْ بِهَا بَنُوْ العُصُورِ الْمَاضِيَاتِ إِنَّ حَقّاً عَلَيْنَا إِزاءَ كُلِّ هَذَا أنْ نَكُوْنَ أسْبَقَ الأجْيَالِ فِي مِيْدَانِ شُكْرِ اللهِ لِيُبَرْهِنَ كُلِّ مِنَّا أَنَّهُ يُحِسُّ وَيَشْعُرُ بِمًا اخْتَصَّهُ بِهِ مَوْلاَهُ. أ. هـ.
ولكِنْ يَا لِلأَسَفِ لَمْ يَكُنْ مِنَّا شُكْرُ هَذِهِ النَّعَمِ وَاسْتِعْمَالُهَا فِي طَاعَةِ اللهِ وَمَرَاضِيْهِ وَدَلِيْلُ ذَلِكَ مًا تَرَى وَتَسْمَعُ مِنْ المَعَاصِي والمُنْكَراتِ الّتِي تَكَادُ أنْ تَبْكِي مِنْ فُشُوَّهَا وَازْدِيَادِهَا الجَمَادَاتُ.
فَيَا للهِ لِلْمُسْلِمِيْنَ إِنَّهَا لَتَجْرَحُ قَلْبَ المُؤْمِنِ السَّالِمِ مِنْهَا حَرْجاً يُوْشِكُ أنْ يُوْصِلَهُ إِلى القَبْرِ اللهُمَّ وَفَّقْ وُلاَتَنَا لإِزَالَةِ هَذِهِ المُنْكَراتِ وَلِتْأِيْيِد الإِسلامِ.
стр. 2081
والمُسْلِمِيْنَ فِي جَمِيْعِ الجِهَاتِ وَوَفَّقْهُمْ لِلرِّفْقِ فِي رَعَايَاهُمْ والنُّصْحِ لَهُمْ وَسَدَّدْ خُطَاهُمْ.
اللَّهُمَّ وَفّقْنَا لِصَالِحِ الأعْمَالَ، ونَجِّنَا مِنْ جَمِيعِ الأهْوَالِ، وأَمَنّا مِنْ الفَزَعِ الأَكْبَرِ يومَ الرْجْفِ والزلْزَالْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا، وَلِجَمِيْعِ المُسْلِمِيْنَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وصلي اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
عَنْ ابن عَبَّاسٍ ﵄ عن النَّبِيّ (قَالَ نِعْمَتَانِ مَغْبُوْنِ فِيْهِمَا كَثِيْرٌ مِن النّاسِ الصّحة والفَرَاغُ رِواهُ البُخاريّ والتّرمذيّ والنّسائيّ وأحْمد وابن ماجة.
لَقَدْ صَدَقَ رَسُولُ (فِيْمَا قَالَهُ فِي هَذَا الحَدِيْثِ العَظِيْمِ فَإِنَّ كَثِيْراً مِنَ النَّاسِ يُهْمِلُ وَاجِبَ النِّعَمِ عَلَيْهِ فلاَ يَسْتَقْبِلُ النِّعَمَ بِمَا يَجِبُ لَهَا مِنَ الشُكْرِ وَلاَ يُحَاوِلُ اسْتِبْقَاؤَهَا بأدَاءِ حَقِّ اللهَ فِيْهَا بَلْ يُعْرِضُ عَنْ اللهِ وَيَنْأى بِجَانِبِهِ وَلاَ يَذْكُرُ هَذِهِ النِّعْمَةَ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَى عَظَمِهَا إلاّ حِيْنَ يَعْدُوْ عَلَيْهَا المَرَضُ فيُذْبِلُ نَضْرَةَ العَافِيَةِ وَيَخْطُوْ بِقُوّةِ الشَّبَابِ عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ إِلى ضَعْفِ الشَّيْخُوْخَةِ.
أَمَّا حِيْنَ يَنْعَمُ الإِنْسَانُ بِسَلاَمَةِ أَعْضَائِهِ وقُوَّةِ بُنْيَتِهِ وَحِيْنَ يُحِسُّ الحَيَوِيَّةَ تَسْرِيْ فِي عُرْوْقِهِ فَهُوَ يَنْطَلِقُ فِي شَهَوَاتِهِ خَاضِعاً لَهَا، وَهُوَ يَظُنُّ نَفْسَهُ الآمِرَ النَّاهِي، وخَاسِراً بِهَا وَهُوَ يَحْسِبُ نَفْسَهُ قَدْ رَبَح كُلَّ شَيْءٍ.
وتَمْضِيْ بِهِ أَيَّامُهُ وَلَيَالِيْهِ وَهُوَ يَرْتَعُ كَالحَيَوَانِ فِي مَلَذَّاتِهِ مِنْ مَأْكُوْلاتٍ وَمَشْرُوْبَاتٍ دُوْنَ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ حَلاَلٍ وَحَرَامٍ وِمْن غَيْرِ تَمِييْزٍ بَيْنَ طَيِّبٍ وَخَبِيْثٍ فَيُسِيءُ إِلى نَفْسِهِ وَيَبْخَسُهَا حَقّهَا إِذْ يُضَيِّعُ طَاقَتَهَا عَلَى العَمَلِ النَّافِعِ وعَلَى الطَّاعَةِ الوَاجِبَةِ فِي اللَّهْوِ واللَّعِب. قال اللهُ جَلَّ وَعَلاَ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
стр. 2082
وَبِلاَ شَكٍّ أَنَّ الصِّحَةَ عَرَضٌ لا يَدُوْمُ بَلْ يَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ وأَنَّ المَرَضَ يُفْقِدُ الإِنْسَانَ مُعْظَمَ طَاقَتَهُ عَلَى العَمَلِ بَلْ رُبَّمَا فَقَدَهَا كُلَّهَا وَعَجِزَ فَمِنَ السَّفَهِ والحُمُقِ إِذاً أَنْ لاَ يَغْتَنِمَ الإِنْسَانُ فُرْصَةَ الصِّحَّةِ والفَرَاغِ مِن الشَّوَاغِلِ لِلطَّاعَةِ والعِبَادَةِ.
وَكُلُّ إنْسَانٍ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ يَتَقَدَّمُ بِهِ الزَّمَنُ يَقْصُرُ عُمُرُهُ وَمَقْدِرَتُهُ عَلَى العَمَلِ تَضْعُفُ كُلَّمَا خَطَا بِهِ الزَّمَنُ وَمحْصُوْلُهُ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يَقِلُّ كُلَّمَا أَقْعَدَهُ المَرَضُ أَوْ أَثْقَلَتْهُ السُّنُوْن فالعَاقِلُ اليَقِظُ يُحَافِظُ عَلَى وَقْتِهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحَافَظَتِهِ عَلَى مَالِهِ وَلاَ يُضَيِّعُ مِنْهُ شَيْئاً بَلْ يَسْتَعْمِلَهُ فِيْمَا يُقَرِّبُهُ إِلى اللهِ والدّارِ الآخِرَةِ أَوْ مَا هُوَ سَبَبٌ إِلى ذَلِكَ فَإِنَّ فَاتَهُ شَيْءٌ أَوْ نَسِيَ شَيْئاً مِنْ أَعْمَالِهِ بِاللّيْلِ قَضَاهُ بِالنَّهَارِ وبِالعَكْسِ.
وللهِ آياتٌ كَوْنِيَّةٌ وآيَاتٌ قُرْآنِيّةٌ يَتَمَشَّى المُسْلِمُ النَّشِيْطُ المُبْتَعِدُ عَنْ الكَسَل والعَجْزِ عَلَى ضَوْئِهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ وَقَالَ: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ فاللهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْ هَذِهِ عَبَثاً فالذّاهِلُونَ عن مَعَانِيْ هَذِهِ الآياتِ، الهَائِمُوْنَ وَرَاءَ مَنَافِعِهِمْ المُعَجَّلَةِ حَمْقَي لا يَنْتَصِحُوْنَ مِن حِكْمَةٍ وِلا يَسْتَفِيْدُوْنَ مِنْ دَرْسٍ تَجِدْهُمْ لا يُبَالُوْنَ بإضَاعَةِ أوقَاتِهمْ فِي غَيْرِ فائِدَةٍ وَرُبَّما أَضاعُوْهَا فِي المَعَاصِي.
شِعْراً: ... أَجْنِبْ جِيَاداً مِنَ التَّقْوى مُضَمَّرةٌ ... لِلْسَّبْقِ يَومَ يَفُوزُ النّاسُ بالسّبَقِ
ثَمُرُّ مَرَّ الرَّيَاحِ الهُوْجِ عَاصِفةٌ ... أوْ لَمْحَةِ البَرْقِ إذَا يَجْتَازُ بالأفُقِ
وَارْكُضْ إِلى الغَايَةِ القُصْوى وخَلِّ لَهَا ... عِنَانَ صِدْقٍ رَمَى فِي فِتْيَةٍ صُدُقِ
فإِنَّ خلْفَكَ أعْمَالاً مُثَبِّطَةٌ ... ولَسْتَ تَنْهَضُ إِلاَّ وَيْكَ بالعَنَقِ
كَمْ حَّلَ عَزْمَكَ مِن دُنْياً مُعَرَّجَة ... بِقَصْدِكَ اليومَ عن مَسْلُوْكَةِ الطُّرِقِ
يَا غَافِلاً والمَنَايَا مِنْهُ ذَاكِرَةٌ ... وَضَاحِكاً والرَّدَى مِنْهُ عَلَى حَنَقِ
стр. 2083
.. قَطَعْتَ عُمْرَكَ فِي سَهْوٍ وفِي سِنَةٍ ... ومِنْ أمَامِكَ لَيْلٌ دَائِمُ
آخر: ... ((إِذا شَغَّلَ الضُّيَاعُ آلاتِ لَهْوِهِمْ
وَطَابَ لَهُمْ عِنْدَ المَلاَهِيَ مَحْفَلُ))
((وَسُرُّوْا بِمَا فِيْهِ هَلاَكُ نُفُوْسِهِمْ
وَدِيْنُهُمُ وَالأَهْلُ وَالمَالُ أَوَّلُ))
((فَقُمْ وَتَوَضّأ وأقْصِدْ الماجِدَ الّذي
إِذا مَا مَضَي الثُّلْثَانِ للَّيْلِ يَنْزِلُ))
((يَقُولُ أَلاَ مِنْ سَائِل يُعْطَ سُؤْلَهُ
ومُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرْ لَهُ مَا يُؤَمِّلُ))
((ومِنْ مُذْنِبٍ مِمَّا جَنَى جَاءَ تَائِباً
إِلى غَافِرٍ لِلّذَنْبِ لِلتَّوْبِ يَقْبَلُ))
((وَكَرِّرْ سُؤَالاً وَالدُّعَا بِتَضَرُّعٍ
لَعَلّكَ تُحْظَى بِالفَلاَحِ فَتُقْبَلُ))
((وَقُلْ عَبْدُكَ المِسْكِيْنُ قَدْ جَاءَ تائِباً
وَيَرْجُوْكَ تَوْفِيْقاً ولِلْعَفْوِ يَأْمَلُ))
((فَجُدْ وَتَجَاوَزْ يَا جَوَادُ لِمًنْ أتَى
وَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ رَجَاؤُكَ مَوْئِلُ)) ... >?
اللَّهُمَّ وَفّقْنَا لِصَالِحِ الأعْمَالَ، ونَجِّنَا مِنْ جَميِع الأهْوَالِ، وأمَنّا مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ يومَ الرْجْفِ والزِلْزَالْ، واغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا، وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ الأحْيَاِء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وصلي اللَّهُمَّ علي سيدنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصحبه أجمعين.
стр. 2084
(فَصْلٌ)
ثُمَّ اعْلَمْ أَهْلَ الضَّيَاعِ لَلْوَقْتِ الَّذِينَ كَانَ أَمْرُهُمْ فُرُطَاً وأعْمَارُهُمْ سَبَهْلَلاً لا يُفِيْقُوْنَ مِنْ قَتْلِ أوْقَاتِهِمْ فِي البَطَالَةِ وعِنْدَ المُنْكَرَاتِ مِنْ كُرَة وفِدْيو وتِلفزْيُون ومِذْيَاعٍ وسِيْنَمَا وَوَرَقٍ وَغِيْبة ونَمِيْمةٍ وتَجَسُّسٍ عَلَى المُسْلِمْين وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَرُبَّمَا أَضَافُوْا إِلى ذَلِكَ الجِنَايَةَ عَلَى أَوْقَاتِ الآخَرِيْن فَشَغَلُوهُم عَنْ أَعْمَالِهِمْ بِشُئُونٍ تَافِهَةٍ أَوْ فِيْمَا يَعُوْدُ عَلَيْهِم بِالخُسْرانِ فَهَؤُلاَءِ أَسَاءُوا مِنْ جِهَتَيْن عَلَى أَنْفُسِهِمْ إِذْ يُمْضُونَ أَيَّامَهُمْ فِي غَيْرِ عَمَلٍ وعَلَى غَيْرِهِمْ حَيْثُ شَغَلُوْهُمْ عَنْ العَمَلِ والعَجَبُ أنَّ هَؤُلاَءِ الّذِيْنَ اعْتَادُوْا قَتْلَ الوَقْتِ إِذَا مَا تَبَيَّنَ فَشَلُهُمْ فِي نَوْبَةِ يَقْظَةٍ رَاحُوْا يَتَساءَلُوْنَ عَنْ سِرِّ هَذَا الفَشَلِ وَيَتَّهِمُوْنَ الأَيَّامَ تَارةً والحَظّ تَارةً أُخْرَى، كَأَنَّهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ مَطْبُوْعُونَ عَلَى النَّجَاحِ دُوْنَ عَمَلٍ وَأَنْ يَجْنُوْا ثِمَارَ مَوَاهِبِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَتَلُوْا هَذِهِ المَوَاهِبَ.
أَمَّا السَّبَبُ الحَقِيْقِي لِفَشَلِهِمْ فَهُوَ لاَ يَخْطُرُ لَهُمْ بِبالٍ وَلاَ يُفَكِّرُوْنَ فِيْهِ وَذَلِكَ لِضُعْفِ عُقُوْلِهم.
فَعَلَى العَاقِلِ أَنْ يَبْتَعِدَ عَنْ هَؤُلاَءِ الكُسَالَى كُلَّ البُعْدِ لِئلا يُؤَثِّرُوْا عَلَيْهِ فَيُصِيْبُهُ مَا أَصَابَهُمْ مَنْ ضَيَاعِ العُمْرِ سُدَى ويَجْتَهِدَ فِي صُحْبَتِهِ ضِدَّ هَؤُلاَءِ أُنَاساً أتْقِيَاءَ مُحَافِظِيْنَ عَلَى أَوْقَاتِهِمْ لاَ يُمْضُوْنَهَا إِلاَ فِي طَاعَةِ اللهِ وَمَا أَحْسَنَ مَا قيل:
... أخو الفِسْقِ لا يُغْرُوْكَ مِنْهُ تَوَدُدٌ ... ... فكُلُ حِبَالِ الفَاسِقْيِنَ مَهِينُ
وَصَاحِبْ إذَا مَا كُنْتَ يَوْماً مُصَاحِباً ... أَخَا ثِقَةٍ بالغَيْبِ مِنْكَ أَمِيْنُ
آخر: ... بِعَشْرَتكَ الكِرَامَ تُعَدُّ مِنْهُمْ ... فَلاَ تُرَيَنْ لِغَيرِهُمُ أَلُوفْا
آخر: ... فَصَاحِبْ تَقِيّاً عَالِماً تَنْتَفِعْ بِهِ
فَصُحْبَةُ أَهْلِ الْخَيْرِ تُرْجَى وَتُطْلَبُ
وَإِيَّاكَ والفُسَّاقَ لاَ تَصْحَبَنَّهُمْ
فَقُرْبُهُمُ يُعْدِى وَهَذَا مُجَرَّبُ ... >?
стр. 2085
.. فَإِنََّا رَأَيْنَا المَرْءَ يَسْرِقُ طَبْعَهُ
مِنْ الإِلْفِ ثُمَّ الشَّرُّ لِلنَّاسِ أَغْلَبُ
وجَانِبْ ذَوِيْ الأَوْزارِ لاَ تَقَرَبنَّهُمْ
فَقُرْبُهُمُ يُرْدي ولِلْعِرْضِ يَثْلِبُ ... >?
آخر: ... وأَهْوَ مِنْ الإِخْوَانِ كُلّ مُجَنِّبٍ ... عَنْ اللَّهْوِ مقْدَاماً عَلَى فِعْلِ طَاعَةِ
لَهُ عِفَّةٌ عَنْ كُلِ شَيْءِ مُحَرَمٍ ... وَذُوْ رَغْبَةٍ فيمَا يَقُوْدُ لجَنَّةِ
آخر: ... لاَ يُعْجِبَنْكَ أثْوَابٌ عَلَى رَجُلٍ ... وَانظُرْ إِلى دِيْنِهِ وَانظُرْ إِلى الأدَبِ
فالعُوْدُ لَوْ لَمْ تَفُحْ مِنْهُ رَوَائِحُهُ ... مَا فَرَّقَ النَّاسُ بَيْنَ العُودِ والحَطَبِ
وبالتَّالِي فالّذِي يُرْشِدُنَا إِلَيْهِ النَّبِيُّ (فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُقَرِّرُ أوّلاً أنَّ صِحَّةَ البَدَنِ نِعْمَةُ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْنَا لِيُرَبّي فِيْنَا الوَعْيَ بِقِيْمَةِ الطَّاقَةِ الإنْسَانِيَّةِ الّتِي خَلَقَهَا اللهُ فِيْنَا. فَنَسْتَغِلّها فِيْمَا يَعُوْدُ عَلَيْنَا أَفْرَاداً وَجَمَاعَةً بالخَيِْر والنَّفْعِ.
وَيُقَرَّرُ لَنَا (ثَانِياً أنَّ الوَقْتَ هُوَ الحَيَاةُ، وَأَنَّ مَا نَحْسِبُهُ فَرَاغاً فَنَتَفَنَّنُ فِي وَسَائِلِ قَتْلِهِ هُوَ الطَّرِيْقُ إِلى التَّقَدُّمِ فَالحَقِيْقَةُ أَنْ الحَيَّ الّذِي يُقَدِّرُ حَيَاتَهُ يَبْخَلُ فِي الوَقْتِ أَنْ يَكُونَ فَيْهِ فَارِغاً وَيَجْتَهِدُ فِيْهِ فِي العَمَلِ الّذِي يُقرّبُهُ إِلى اللهِ وإِلى مَرْضَاتِهِ مِنْ صَلاَةٍ وَصَدقَةٍ وتَهْلِيلٍ وتَسْبِيحٍ وتكْبيرٍ وتَحْمِيدٍ.
وَمِنْ اسْتِغْلالِ الوَقْتِ بأنْفَعِ الوَسَائِلِ المُدَاوَمَةُ عَلَى الْعَمَِل وَإِنْ كَانَ قَلِيْلاً. وَذَلِكَ أَنَّ اسْتِدَامَةَ الْعَمَلِ القَلِيْلِ عَلَى تَوَالي الزَّمَانِ واسْتِمْرَارِهِ يُكَوِّنُ مِنْ القَلِيْلِ كَثِيْراً مِنْ حَيْثُ لاَ يَجِدُ الإِنْسَانُ مَشَقَّةً وَلاَ ضَجَراً.
وفِي الْحَدِيْثِ إِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلى اللهِ مَادَامَ وَإِنْ قَلَّ وفِي الْحَدِيْثِ الآخَرِ إِنَّ الدَّيْنَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدّيْنَ أَحَدٌ إِلاَ غَلَبَهُ فَسَدَّدُوْا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوْا واسْتَعِيْنُوْا بالغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ والقَصْدَ القَصْدَ.
стр. 2086
فقَدْ خَتَمَ (هَذَا الْحَدِيثَ بِوَصِيَّةٍ خَفِيْفَةٍ عَلَى النُّفُوسِ، نَافِعَةٍ تُرْشِدُ إِلى المُحَافَظَةِ عَلَى الوَقْتِ، حَيْثُ حَثّ فِيْهَا عَلَى التَّبْكِيْر وَرغَّبَ أَنْ يَبْدأَ
المُسْلِمُ أَعْمَالَ يَوْمِهِ نَشِيْطاً طَيّبَ النَّفْسِ مُكْتَمِلَ العَزْمِ فَإِنَّ الحِرْصَ عَلَى الاْنتِفَاعِ مِنْ أَوَّلِ الْيَوْمِ يَسْتَتْبِعُ الرَّغْبَةَ القَوِيَّةَ فِي أنْ لاَ يَضِيْعَ سائِرُهُ سُدَى.
فَهَذِهِ الأوْقَاتُ الثّلاثَةُ المَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيْثِ، كَمَا أَنَّهَا السَّبَبُ الوَحِيْدُ لِقَطْعِ المَسَافَاتِ القَرِيْبَةِ والبَعِيْدَةِ فِي الأَسْفَارِ الحِسّيِةِ مَعَ رَاحَةِ المُسَافِرِ وَرَاحَةِ رَاحِلَتِهِ وُوُصْوْلِهِ بِرَاحَةٍ وَسُهُوْلَةٍ فَهِيَ السَّبَبُ الوَحِيْدُ لِقَطْعِ السَّفَرِ الأُخْرَوِيِّ وَسْلُوْكِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيْمِ والسَّيْرِ إِلى اللهِ سَيْراً جَمِيْلاً.
فَمَتَى أَخَذَ العَامِلُ نَفْسَهُ وَشَغَلَهَا بِالْخَيْرِ والأَعْمَالِ الصَّالِحَِة المُنَاسِبَةِ لِوَقْتِهِ أَوَّلَ نَهَارِهِ وآخِرَ نَهَارِهِ وشَيْئاً مِنْ لَيْلِهِ وخُصُوصًاً آخِرَ اللَّيْلِ حَصَلَ لَهُ مِنْ الْخَيْرِ وَمِنْ البَاقِيَاتِ الصّالِحَاتِ أَكْمَلُ حَظٍّ وَأَوْفَرُ نَصِيْبٍ وَنَالَ السَّعَادَةَ وَالفَوْزَ وَالفَلاحَ وَتَمّ لَهُ النَّجَاحُ بِإِذْنِ اللهِ فِي رَاحَةٍ وَطُمَأْنِيْنَةٍ مَعَ ُحُصْولِ مَقْصَدِهِ الدُّنْيَويّ وأغْرَاضِهِ النَّفْسِيَّةِ.
وَمِمَّا وَرَدَ فِي الحَثِّ عَلَى صِيَانَةِ الوَقْتِ مَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ (قَالَ اغْتَنِِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ وغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ.
وَقَالَ (مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللهِ غَالِيَةٌ أَلاَ إِنَ سِلْعَةَ اللهِ الجَنَّةَ وَرُوِيَ عَنْ فَاطِمَةَ ﵂ قَالَتْ مَرَّ بِيْ رَسُوْلُ الله (وأنَا مُضْطَجِعَةٌ مُتَصَحَّبَةٌ فَحَرَّكَنِيْ بِرِجْلِهِ ثُمَّ قَالَ يَا بُنَيَّةَ قُوْمِيْ فاشْهَدِي رِزْقَ رَبَّكِ وَلاَ تَكُونِي مِنَ الغَافِلِيْنَ فَإِنَّ اللهَ يَقْسِمُ أَرْزَاقَ النَّاسِ مَا بَيْنَ طُلُوْعِ الفَجْرِ إِلى طُلُوْعِ الشَّمْسِ) إِذْ أَنَّ الجَادِيْنَ أَوْ الكُسَالَى يَتَمَيَّزُوْنَ فِي هَذَا الوَقْتِ فَيُعْطَى كُلُّ امْرئٍ حَسَبَ اسْتِعْدَادِهِ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ.
شِعْراً: ... إَذَا المَرْءُ لم يَطْلُبْ مَعَاشاً لِنَفْسِهِ ... شَكَا الفَقْرَ أَوْ لاَمَ الصَّدِيْقَ فَأكْثَرَا
وَصَارَ عَلَى الأَدَنَيْنِ كَلَّاً وَأَوْشَكَتْ ... صِلاتُ ذَوِيْ القُرْبَى لَهُ أَنْ تَنْكَرَا
стр. 2087
وخِتَاماً فَيَنْبَغِيْ لِلْعَاقِلِ اللَّبِيْبِ أَنْ لاَ يُضَيِّعَ أَيَّامَ صِحَّتِهِ وَفَراغَ وقْتِهِ بِالتَّقْصِيْرِ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَأَنْ لاَ يَثِقَ بِسَالِفِ عَمَلٍ وَيَجْعَلَ الاجْتِهَادَ غَنِيْمَةَ صِحَّتِهِ، وَيَجْعَلَ الْعَمَلَ فُرْصَةَ فَراغِهِ. فلَيْسَ الزَّمَانُ كُلُّهُ مُسْتَعِدَاً وَلاَ مَا فَاتَ مُسْتَدْرِكاً.
شِعْراً: ... لَيْسَ السَّعَادَة أَنْ تَبِيْتَ مُنَعَّمَا ... وتَظَلُّّ سَالِكاً مَسْلكَ الكَسْلانِ
مَا لِلرِّجَالِ وللتَّنَعُمِ إِنَّمَا ... خُلِقُوا ليْعُبدُوْا خَالِقَ الإِنْسَانِ
قَال بَعْضُهُمْ فَوْتُ الوَقْتِ أَشَدُّ مِنْ فَوْتِ الرُّوْحِ عِنْدَ أَصْحَابِ الحَقِيْقَةِ لأَنَّ فَوْتَ الرَّوْحِ انْقِطَاعٌ عَنْ الخَلْقِ وَفَوْتَ الوقتِ انْقِطَاعٌ عَنْ الحَقِّ.
وَقَالَ عُمَرُ ﵁ الرَّاحَةُ لِلرِّجَالِ غَفْلٌَة ولِلنِّسَاءِ غِلْمَةٌ فَالفَرَاغُ مَفْسَدَةٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لاً تُمْضِ يَوْمَكَ فِي غَيْرِ مَنْفَعَةٍ وَلاَ تُضِعْ مَا لَكَ فِي غَيْرِ الفِعْلِ الحَسَنِ، فَالعُمْرُ أقْصَرُ مِنْ أنْ يَنْفَدَ فِي غَيْرِ المَنَافِعِ كَمَا قِيْلَ:
أَذَانُ الْمَرْءِ حِيْنَ الطِّفْل يَأتِيْ
وتَأْخِيْرُ الصَّلاةِ إِلى المَمَاتِ
دَلِيْلٌ أَنَّ مَحْيَاهُ قَلِيْلٌ
كَمَا بَيْنَ الأذَانِ إِلى الصَّلاَةِ ... >?
وَالْمَالُ أَقَلُّ مِنْ أَنْ يُصْرَفَ فِي غَيْرِ الصَّنَائِعِ والعَاقِلِ أَجَلُّ وأَكْيَسُ مِنْ أنْ يُفْنِي أَياَّمَهُ فِيْمَا لاَ يَعُودُ إِلَيْهِ نَفْعُهُ وَخَيْرُهُ ويُنْفِقُ أَمْوَالَهُ فِيْمَا لاَ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُهُ وأجْرُهُ.
وَقَالَ عِيْسَى عَلَيْهِ وعَلَى نَبِيّنَا أَفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ البّرُّ ثَلاَثَةٌ المَنْطِقُ والنَّظَرُ والصَّمْتُ فَمَنْ كَانَ مَنْطِقُهُ فِي غَيْرِ ذِكْرٍ فَقَدْ لَغا ومَنْ كَانَ نَظَرُهُ فِي غَيْرِ اعْتِبَارَ فَقَد سَها ومَنْ كَانَ صَمْتُهُ فِي غَيْرِ فِكْرٍ فَقَدْ لَهَا.
شِعْراً: ... عَقَلْتُ فَودَّعْتُ التَّصَابِي وَإِنَّما ... تَصُرُّمُ لَهْوِ المَرْءِ أنْ يَكْمُلَ العَقْلُ
أَرَى الكُفْرَ شَرَاً فِي الحَيَاةِ وَبَعْدَهَا ... ولاَ عُمرَ إِلاّ مَا يُنَالُ بِهِ الفَضْلُ
стр. 2088
ومِمَّا يَحْفِزُ الإِنْسَانَ عَلَى المُسَابَقَةِ إِلى فِعْلِ الطَّاعَاتِ تَذَكُّرُ يَوْمِ القِيَامَةِ وَحَالَةَ السَّبْقِ لِلْمُجدِّيْنَ قَالَ بَعْضُهُمْ:
إِذَا مَضَتِ الأَوْقَاتُ فِي غَيْرِ طَاعَةِ
وَلَمْ تَكُ مَحْزُوْناً فَذَا أعْظَمُ الخَطْبِ
عَلاَمَةُ مَوْتِ الْقَلْبِ أَنْ لاَ تَرَى بِهِ
حَرَاكاً إِلى التّقْوَى ومَيْلاً عَنِ الذَّنْبِ ... >?
وَقَالَ الآخَرُ:
... وَلَوْ قَدْ جِئْتَ يَوْمَ الفَصْلِ فَرْداً
وأبْصَرْتَ المَنَازِلَ فِيْهِ شَتَّى
لأَعْظَمْتَ النَّدَامَةَ فِيْهِ لَهْفاً
عَلَى مَا فِي حَيَاتِكَ قَدْ أَضَعْتَا ... >?
فَالعَاقِلُ مَنْ يُبَادِرُ أَيَّامَ الصِّحَّةِ وَالَّسلاَمَةِ وَلاَ يُفَوِّتُ مِنْهَا شَيْئاً فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ.
قَالَ الأَعْشَى:
... إِذا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى
وَأَبْصَرْتَ بَعْدَ اْلمَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا
نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لاَ تَكُوْنَ كَمِثْلِهِ
وَأَنَّكَ لَمْ تُرْصِدْ كَمَا كَانَ أَرْصَدَا
شِعْراً: ... وَاِنْ سَكَنَتْ عَمَّا قَلِيْلٍ تَحَرَّكُ
وَاِنْ سَكَنَتْ عَمَّا قَلِيْلٍ تَحَرَّكُ
وبَادِرْ بأَوْقَاتِ السَّلامَةِ إِنَّهَا
رِهَانٌ وهَلْ لِلرَّهْنِ عِنْدَكَ مَتْرَكُ ... >?
стр. 2089
نَسْألِ اللهُ أَنْ يُوفِقَنَا لِتَدبُّرِ آياتِهِ وفَهْمِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (والْعَمَلِ بِهِمَا وأنْ يَرْزُقَنَا الانْتِفَاعَ بِمُرُورِ الزَّمَنِ عَلَى خَيْرِ وَجْهٍ إِنَّهُ القَادِرُ عَلَى ذَلِكَ، اللَّهُمَّ أَيْقِظْنَا مِنْ هَذِهِ السِّنَةِ وَوَفِقْنَا لاِتِّبَاعِ ذَوِي النُّفُوسِ المُحْسِنَةْ وآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللَّهُمَّ وآتِنَا أَفْضَلَ مَا تُؤْتِي عِبَادَكَ الصَّالِحِيْنَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسِلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرحمَ الرَاحِمِينَ وصَلّي اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أجْمَعين.
(فَصْلٌ)
وفِي وَصِيَّةِ الإِمَامِ المُوَفَّقِ ابنِ قُدَامَهَ مَا لَفْظُهُ: فاغْتَنِمْ رَحِمَكَ اللهُ حَيَاتَكَ النَّفِسْيَةَ واحْتَفِظْ بأَوْقَاتِكَ العَزِيْزَةِ واعْلَمْ أنَّ مُدَّةَ حَيَاتِكَ مَحْدُوْدَةٌ وأَنْفَاسَكَ مَعْدُوْدَةٌ فكُلُ نَفَسٍ يَنْقُصُ بِهِ جُزْءُ مِنْكَ والعُمْرُ كُلُّهُ قَصِيْرٌ والبَاقِي مِنْهُ هُوَ اليَسِيْرُ وَكُلُ جُزْءٌ مِنْهُ جَوَهَرَةٌ نَفِسْيَةٌ لاَ عِدْلَ لَهَا والبَاقِي مِنْهُ هُوَ اليَسِيْرُ وَكُلُ جُزْءٌ مِنْهُ جَوَهَرَةٌ نَفِسْيَةٌ لا عِدْلَ لَهَا ولاَ خَلفَ مِنْهَا فإِنَّ بِهَذِهِ الحَيَاةِ اليَسِيْرَةِ خُلُودُ الأَبَدِ فِي النَّعِيْمِ أَوْ الْعَذَابِ الأَلِيْمِ.
وإذا عَادَلْتَ هَذِهِ الحَيَاةَ بِخُلُودِ الأَبَدِ عَلِمْتَ أَنَّ كُلَّ نَفَسٍ يُعَادِلُ أكْثَرَ مِنْ أَلفِ أَلفِ عَامٍ فِي نَعِيْمِ لاَ خَطَرَ لَهُ أَوْ خِلافَ ذَلِكَ ومَا كَانَ هَكَذَا فَلاَ قِيْمَةَ لَهُ فَلاَ تُضَيِّعَ جَوَاهِرَ عُمْرِكَ النَّفِسْيَةَ بِغَيْرِ عَمَل وَلاَ تُذْهِبْهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ واجْتَهِدْ أَنْ لاَ يَخْلُو نَفَسٌ مِنْ أَنْفَاسِكَ إِلاَّ فِي عَمَلِ طَاعَةٍ أَو قُرْبَةٍ تُقَرِّبُ بِهَا فإِنَّكَ لَوْ كَانَ مَعَكَ جَوْهَرَةٌ مِنْ جَوَاهِرِ الدُنْيَا لَسَاءَكَ ذَهَابُهَا فَكَيْفَ تُفَرَّطُ فِي سَاعَاتِكَ وكَيْفَ لاَ تَحْزَنُ عَلَى عُمُرِكَ الذَّاهِبِ بِغَيْرِ عِوَضٍ انتهي.
وعَنْ عُمَرَ بنِ ذَرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ اعْمَلُوا لأِنْفُسِكُمْ رَحِمَكُم اللهُ فِي هَذَا اللَّيلِ وَسَوَادِهِ، فإِنَّ المَغْبُوْنَ مَنْ غُبِنَ خَيْرَ اللَّيلِ والنَّهَارِ، والمَحْرُوْمُ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهُمَا، إِنَّمَا جُعِلا سَبِيْلاً لِلْمُؤْمِنِينَ إِلى طَاعَةِ رَبّهم، وَوَبَاِلاً عَلَى الآخَرِيْنَ لِلغَفْلَةِ عَنْ أَنْفُسِهِم فأَحْيُوا للهِ أَنْفُسَكُمْ بذِكْرِهِ، فإنَّمَا تَحْيَا القُلُوبُ بِذِكْرِ اللهِ .
كَمْ مِنْ قَائِمٍ للهِ جَلَّ وَعَلا فِي هَذَا اللَّيلِ قَدْ اغْتَبَطَ بقِيَامِهِ فِي ظُلْمَةِ
стр. 2090
حُفْرَتِهِ وَكَمْ مِنْ نَائِمٍ فِي هَذَا اللَّيلِ قَدْ نَدِمَ عَلَى طُوْلِ نَوْمَتِهِ عِنْدَمَا يَرَى مِنْ كَرَامَةٍ اللهِ لِلْعَابِدِيْنَ غَداً فاغْتَنِمُوْا مَمَرَّ السَّاعَاتِ واللَّيَالِي والأَيَّامِ رَحِمَكُم الله وَرَاقِبُوا اللهَ جَلَّ وَعَلا فِي كُلِّ لَحْظَةٍ ودَاوِمُوْا شُكْرَهُ.
قَالَ مُحَمَّد بنُ عَلي الترمذيُ اجْعَل مُرَاقَبَتَكَ لِمَنْ لاَ تَغِيْبُ عَنْ نَظَرِهِ إِلَيْكَ واجْعَلْ شُكْرَكَ لِمَنْ لاَ تَنْقَطِعُ نِعْمَتُهُ عَنْكَ واجْعَلْ خُضُوْعَكَ لِمَنْ لاَ تَخْرُجُ عَنْ مُلْكِهِ.
وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: العَبْدُ مِنْ حِيْنِ اسْتَقَرَّتْ قَدَمُهُ فِي هَذِهِ الدَارِ فَهُوَ مُسَافِرٌ فِيْهَا إِلى رَبِّهِ، وَمُدَّةُ سَفَرِهِ عُمْرُهُ والأيَّامُ واللَّيالِي مَرَاحِلُ فَلاَ يَزَالُ يَطْوِيْهَا حَتّى يَنْتَهِِي السَّفَرُ، فالكَيِّسُ لاَ يَزَالُ مُهْتَماً بِقَطْعِ المَرَاحِلِ فِيْمَا يُقَرَّبُهُ إِلى اللهِ لِيَجِدَ مَا قَدَّمَ مُحْضَراً ثُمَّ النّاسُ مُنْقَسِمُونَ إِلى أقْسَامٍ، مِنْهُمْ مَنْ قَطَعَهَا مُتَزَوَّداً بِمَا يُقَرَّبُهُ إِلى دَارِ الشَّقَاءِ مِنْ الكُفْرِ وَأَنْوَاعِ المَعَاصِيْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَهَا سَائِراً فِيْهَا إِلى اللهِ وإِلى دَارِ السَّلامِ، وَهُمُ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: سَابِقُوْنَ أدُّوْا الفَرَائِضَ وأَكْثَرُوْا مِنْ النَّوَافِل بأنْوَاعِهَا، وَتَرَكُوْا المَحَارِمَ، والمَكْرُوْهَاتِ وفُضُولِ المُبَاحَاتِ، ومُقْتَصِدُوْنَ أَدَّوْا الفَرَائِضَ وتَرَكُوْا المَحَارِمَ، وَمِنْهُمْ الظَالِمُ لِنَفْسِهِ الَّذِي خَلَطَ عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيّئاً وهُمْ فِي ذَلِكَ دَرَجَاتٍ يَتَفَاوَتُوْنَ تَفَاوُتاً عَظِيْماً أ.هـ.
وَقَالَ ﵀: النَّاس مُنْذُ خُلِقُوا لَمْ يَزَالُوْا مُسَافِرِيْنَ لَيْسَ لّهُمْ حَطٌ عَنْ رِحَالِهم إِلا فِي الْجَنَّةِ أَو النَّارِ والعَاقِلُ يَعْلَمُ أَنْ السّفَرَ مبْنِيٌ عَلَى المَشَقَّةِ وَرُكُوبِ الأَخْطَارِ وَمِنَ المُحَالِ عَادَةً أَنْ يُطْلَبَ فِيْهِ نَّعِيمٌ، ولَذَةٌ وَرَاحَةٌ إِنَّمَا ذَلِكَ بَعْدَ اْنِتِهَاءِ السَّفَرِ وَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ وَطْأَةِ قَدَمٍ أَوْ كُلَّ آنٍ مِنْ آنَاتِ السَّفَرِ غَيْرَ وَاقِفَةٍ وَلاَ المُكَلَّفُ وَاقِفٌ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ سَافَرَ عَلَى الحَالِ التِي يُحُبُ أَنْ
стр. 2091
يَكُوْنَ المُسَافِرُ مِنْ تَهْيِئَةِ الزَّادِ المُوْصِلِ وَإِذَا نَزَلَ أَوْ نَامَ أَوْ اسْتَرَاحَ فَعَلَى اسْتِعْدَادٍ.
شِعْراً: ... أَنْتَ المُسَافِرُ والدُّنْيَا الطَرِيقُ وَأَنْ
فَاسٌ خُطَاكَ وَرَأْسُ المَرْءِ إِيْمَانُ
فَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ تَقْوَى اللهِ مَدْرَجَةً
فَلِلإِسَاءَاتِ قُطَّاعُ وأَعْوَانُ
يَا قَومُ دُنْيَاكُمُوْا دَاٌر مُزَوَّقَةٌ
لَكِنْ لَهَا وُضِعَتْ فِي الرَّمْلِ أَرْكَانُ
بِهَا سُقُوفٌ بِلاَ أُسٍ مُزَخْرَفَةٌ
وكَيْفَ يُبْنِيَ بِغْيْرِ الأُسِّ بُنْيَانُ
كَمْ فَاتِحٍ عَيْنَهُ فِيْهَا تَخَطَّفَهُ
أيْدِي الرَّدَى قَبْلَ أَنْ تَنْضَمَّ أَجْفَانُ
هِيَ السَّرَابُ وَمَاءُ الوَجْهِ تُرْهِقُهُ
وَلاَ يَرَى فِيْهِ وَجْهَ المَاءِ عَطْشَانُ
رَحّى يَدُوْرُ دَقِيْقٌ شَأْنَهُ عَجَبٌ
غَدَا لِكُلِّ خَلِيْلٍ وَهُوَ طَحَّانُ
يَسُرُّ كُلُّ فَتَّى طُوْلُ الزَّمَانِ بِهِ
ولِلْفَتَى حَاصِلُ الأزْمَانِ إِزْمَانُ ... >?
وَقَالَ ابْنُ القَيْمِ ﵀ وعِمَارَةُ الوَقْتِ الاشْتِغَالُ فِي جَمِيعِ آنَائِهِ بِمَا يُقَرِبُ إِلى اللهِ أوْ يُعِيْنُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ أوْ مَنْكَحٍ أَوْ مَنَانٍ أَوْ رَاحَةٍ
стр. 2092
فأنَّهُ مَتَى أَخَذَهَا بِنِيَّةِ القُوَّةِ عَلَى مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَتَجَّنَب مَا يُسْخِطُهُ كَانَتْ مِنْ عِمَارَةِ الوَقْتِ وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيْهَا أَتَمَّ لَذَّةٍ فَلاَ تَحْسَبْ عِمَارَةَ الوَقْتِ بِهَجْرِ اللَّذَاتِ وَالّطيَّبَاتِ فالمُحِبُ الصَّادِقُ رُبَّمَا كَانَ سَيْرُهُ القَلْبِي فِي حَالِ أَكْلِهِ وشُرْبِهِ وجِمَاعِ أَهْلِهِ وَرَاحَتِهِ أَقْوَى مِنْ سَيْرِهِ البَدَنِي فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ.
وَقَالَ ﵀: والْعَبْدُ إِذَا عَزَمَ عَلَى فِعْلِ أَمْرٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ أَوَّلاً هَلْ هُوَ طَاعَةٌ للهِ أمْ لاَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَاعَةً فَلاَ يَفْعَلَهُ إِلاَّ أنْ يَكُونَ مُبَاحاً يَسْتَعِيْنُ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ وحِيْنَئِذٍ يَصِيْرُ طَاعةً فَإذَاً بَانَ لَهُ أَنَّهُ طَاعَةٌ فَلاَ يُقْدِمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْظُرَ هَلْ هُوَ مُعَانٌ عَلَيْهِ أَمْ لاَ فِإنْ لَمْ يَكُنْ مُعَاناً عَلَيْهِ فلا يُقْدِمْ عَلَيْهِ فَيُذِلَ نَفْسَهْ وإِنْ كَانَ مُعَاناً عَلَيْهِ بَقِيَ عَلَيْهِ نَظَرٌ وهُوَ أنْ يَأْتِيَهْ مِنْ غَيْرِ بَابِهِ أَضَاعَهُ أَوْ فَرَّطَ فِيْهِ أَوْ أَفْسَدَ مِنْهُ شَيْئاً فَهَذِهِ الأُمُوْرُ الثلاَثةُ: الطَّاعَةُ والإِعَانَةُ والهِدَايَةُ أَصْلُ سَعَادَةِ العَبِْد وفَلاَحِهِ.
وَهَوَ مَعْنَي قَولِ الْعَبِْد لِرَبَّهِ إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ فأَسْعَدُ الخَلْقِ أَهْلُ هَذِهِ العِبَادَةِ والاسْتِعَانَةِ والهِدَايةِ إَلى المَطْلُوبِ وأشقَاهُمْ مَنْ عَدِمَ الأُمُوْرَ الثلاثَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ لَهُ نَصِيْبٌ مِنْ إيَّاكَ نَعْبُدُ ونَصِيْبُهُ مِنْ إِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ مَعْدُوْمٌ أَوْ ضَعِيْفٌ فَهَذَا مَخْذُوْلٌ مَهِيْنٌ مَحْزُوْنُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ نَصِيْبُهُ مِنْ إِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ قَوِياً ونَصِيْبُهُ مِنْ إيَّاكَ نَعْبُدُ ضَعِيْفاً أَوْ مَفْقُوْداً فَهَذَا لَهُ نُفُوذٌ وَتَسَلُّطٌ وَقُوَّةٌ ولكِنْ لاَ عَاقِبَةَ لَهُ بَلْ عَاقِبَتُهُ أَسْوَءُ عَاقِبَةً.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ لَهُ نَصِيْبٌ مَنْ إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ ولَكِنْ نَصِيْبُهُ مَنْ الهِدَايَةِ إَلى المَقْصُوْدِ ضَعِيْفٌ جِداً كَحَالِ كَثِيْرٍ مِنْ العِبَادِ والزُهَادِ الَّذِيْنَ قَلَّ عِلْمُهُمْ بحَقَائِقِ مَا بَعَثَ اللهُ بِهِ مُحَمَّداً (مَنَ الهُدَى والتُقَى.
شِعْراً: ... مَا الفَخْرُ إِلاَّ لأَهْلِ العِلْمِ العلم إِنَّهُمُوا ... عَلَى الهُدَى لِمنْ اسْتَهْدَى أَدلاَّءُ
وَقِيَمةُ المَرْءِ مَا قَدْ كَانَ يُحْسِنُهُ ... وَالجَاهِلُونَ لأَهْلِ العِلْمِ أَعْدَاءُ
فَعِشْ بِعِلْمٍ تَفُزْ حَياً بِهِ أَبَداً ... النَّاسُ مَوْتَى وأهْلُ العِلْمِ أَحْيَاءُ
стр. 2093
اللَّهُمَّ اِجْعَلْ إيْمَانَنَا بِكَ عَمِيْقَاً وسَهِلْ لَنَا إِلى مَا يُرْضِيْكَ طَرِيْقاً وألطُفْ بِنَا يَا مَوْلاَنََا وَوَفِقْنَا لِلْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ تَوْفِيْقَاً وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
وَقَالَ ﵀:
أَقَامَ اللهُ سُبْحَنهَ ُهَذَا الخَلْقَ بَيْنَ الأَمْرِ والنَّهْي والعَطَاءِ والمَنْعِ فافْتَرَقُوْا فِرقتَيْنِ، فِرقَهً قَابَلَتْ أَمْرَهُ بالتَّرْكِ، وَنَهِيَهُ بالاِرْتِكَابِ، وَعَطَاءَهُ بِالغَفْلَةِ، عَنْ الشُكْرِ ومَنْعَهُ بِالسُّخْطِ وهَؤُلاَءِ أَْعْدَاؤُهُ، وفِيْهِمْ مِنَ العَدَاوَةِ بِحَسَبِ مَا فِيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ.
وقِسْمً قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ عَِيْدُكَ، فإِنْ أَمَرْتَنَا سَارَعْنَا إِلى الإِجَابَةِ، وإِنْ نَهَيْتَنَا أَمْسَكْنَا نُفُوسَنَا وكَفَفْنَاهَا عَمَّا نَهَيْتَنَا عَنْهُ وإِنْ أعْطَيْتَنَا حَمِدْنَاكَ وشَكَرْنَاكَ، وإِنْ مَنَعْتَنَا تَضَرَّعْنَا إِلْيكَ وذَكَرْنَاكَ، فَلَيسَ بَيْنَ هَؤُلاَءِ وبَيْنَ الجَنَّةِ إِلاَ سِتْرُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، فإِذَا مَزَّقَهُ عَلَيهِم المَوتُ، صَارُوا إِلى النَّعِِْيِم المُقِيْمِ وقُرَّةِ العَيْنِ، كَمَا أَنَّ أُولَئِكَ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ النّارِ إِلاَ سِتْرُ الحَيَاةِ، فإِذَا مَزَّقَهُ المَوتُ صَارُوا إِلى الحَسْرةِ والأَلَمِ.
فَإذَا تَصَادَمَتْ جُيُوشُ الدُّنْيَا والآخِرَةِ فِي قَلْبِكَ وأَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ مِنْ أَيّ الفَرِيْقَينِ أَنْتَ، فَانْظُرْ مَعَ مَنْ تَمِيْلُ مِنْهُمَا، ومَعَ مَنْ تُقَاتِلُ، إذْ لاَ يَمْكِنُكَ الوُقُوفُ بَيْنَ الجَيْشَيْنِ، فأَنْتَ مَعَ أَحَدِهِمَا لاَ مَحَالَةَ.
فَفَرِيقٌ مِنْهُمْ اسْتَغَشُّوْا الهَوَى فَخَالَفُوهُ، واسَتَنْصَحُوْا العَقْلَ فَشَاوَرُهُ، وفَرَّغُوا قُلُوبَهُمْ لِلْفِكْرِ فِيْمَا خُلِقُوْا لَهْ، وَجَوَارِحَهُم لِلْعَمَلِ بِمَا أُمِرُوْا بِهِ،
стр. 2094
وَأَوْقَاتَهم لِعِمَارَتِهَا بِمَا يَعْمُرُ مَنَازِلَهُمُ فِي الآخِرَةِ، واسْتَظْهَرُوْا عَلَى سُرْعَةِ الْعَمَلِ بالمُبَادَرَةِ إِلى الأَعْمَالِ، وسَكَنُوا الدُّنْيَا وقُلُوبُهُمْ مُسَافِرَةٌ عَنْهَا، واسْتَوْطَنُوا الآخِرَةَ قَبْلَ انْتِقَالِهِم إِلَيْهَا.
واهْتَمُّوْا بِاللهِ وطَاعَتِهِ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ، وَتَزَوَّدُوْا لِلآخِرَةِ عَلَى قَدْرِ مَقَامِهِمْ فِيْهَا، فَجَعَلَ لَهُمْ سُبْحَانَهُ مِنْ نَعِيْمِ الْجَنَّةِ وَرَوْحهَا أنْ آنَسَهُمْ بِنَفْسِهِ، وَأقْبَلَ بقُلُوبِهِمْ إِلَيْهِ، وَجَمَعَهَا عَلَى مَحَبَّتِهِ، وشَوَّقَهُمْ إِلى لِقَائِهِ وَنَعَّمَهُمْ بقُرْبِهِ، وَفَرَّغَ قُلُوبَهُمْ مِمَّا مَلأ قُلُوبَ غَيْرِهِمْ مِنْ مَحَبَّةِ الدُّنْيَا والهَمَّ والحُزْنِ عَلَى فَوْتِهَا، والغَمَّ مِنْ خَوْفِ ذَهَابِهَا، فاسْتَلاَنُوْا مَا اسْتَوْعَرَهُ المُتْرَفُوْنَ، وأَنِسُوْا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الجَاهِلُونَ، صَحِبُوا الدُّنْيَا بأَبْدَانِهِمْ والملأ الأَعْلَى بأَرْوَاحِهِمْ عَلَى حَدِّ قَوْلِ الشَّاعِر:
وَصَاحَبُوْهَا بأَبْدَانٍ قُلُوبُهُمُ
طَيْرٌ لَهَا فِي ضِلاَلِ العَرْشِ أوْكَارُ
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ سَيَّدُ عَمَلِهِ وطَرِيْقُهُ الّذِي يَعُدُّ سُلُوْكَهُ إِلى اللهِ طَرْيقَ العِلْمِ والتَّعْلِيمِ قَدْ وَفَّرَ عَلَيْهِ زَمَانَهُ مُبْتَغِياً بِهِ وَجْهَ اللهِ فَلاَ يَزَالُ كَذَلِكَ عَاكِفاً عَلَى طَرِيقِ العِلْمِ والتَّعْلِيمِ حَتَّى يَصِلَ مِنْ تِلْكَ الطَّرِيْقِ إِلى اللهِ وَيَفْتَحَ لَهُ فِيْهَا الفَتْحَ الخَاصَّ أّوْ يَمُوْتَ فِي طََرِيْقِ طَلَبِهِ فَيُرجَى لَهُ الوُصُولُ إِلى مَطْلَبِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللهِ﴾ .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيْرَةٍ مِمَّنْ أَدْرَكَهُ الأَجَلُ وَهُوَ حَرِيْصٌ طَالِبٌ لِلْقُرْآنِ أنَّهُ رُؤِيَ بِعْدِ مَوْتِهِ وأَخْبَرَ أَنَّهُ فِي تَكْمِيْلِ مَطْلُوبِهِ وأنّهُ يَتَعَلَّمُ فِي البَرْزَخِ فإِنَّ العَبْدَ يَمُوْتُ عَلَى مَا عَاشَ عَلَيْهِ.
стр. 2095
ومن النَّاس من يكون سيد عمله الذكر وقَدْ جعله زاده لمعاده ورأس ماله لمآله فمتي فتر عَنْهُ أو قصر رأي أنه قَدْ غبن وخسر.
ومن النَّاس من يكون سيد عمله وطريقة الصَّلاة فمتي قصر في ورده منها أو مضي عَلَيْهِ وَقْت وَهُوَ غير مشغول بها أو مستعد لها أظلم عَلَيْهِ وقته وضاق صدره.
ومن النَّاس من يكون طريقه الإحسان والنفع المتعدي كقضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وأنواع الصدقات قَدْ فتح له في هَذَا وسلك منه طريقاً إلي ربه.
ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ طَرِيْقُهُ الصَّوْمَ فَهُوَ مَتَى أَفْطَرَ تَغَيَّرَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ وَسَاءَتْ حَالُهُ.
ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ طَرِيْقُهُ تِلاَوَةَ القُرْآنِ وَهِيَ الغَالِبُ عَلَى أَوْقَاتِهِ وَهِيَ أَعْظَمُ أَوْرَادِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ طَرِيْقُهُ الأَمْرَ بالمَعْرُوْفِ والنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ قَدْ فَتَحَ اللهُ لًهُ فِيْهِ وَنَفَذَ مِنْهُ إِلى رَبِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ طَرِيْقُهُ الَّذِي نَفَذَ فِيْهِ الحَجَّ والاعْتِمَارَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ طَرِيْقُهُ قَطْعَ العَلائِقِ وتَجْرِيْدَ الهِمَّةِ وَدَوَامَ الْمُرَاقَبَةِ وَمُرَاعَاةَ الخَوَاطِرِ وحِفْظَ الأَوْقَاتِ أَنْ تَذْهَبَ ضَائِعَةً.
وَمِنْهُمْ جَامَعُ المَنْفَذِ السَّالِكُ إِلى اللهِ فِي كُلِّ وَادٍ الوَاصِلُ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ فَهُوَ جَعَلَ وَظَائِفَ عُبُودِيَّتِهِ قِبْلَةَ قَلْبِهِ وَنَصْبَ عَيْنِهِ يَؤُمُّهَا أَيْنَ كَاَنَتْ وَيَسِيْرُ
стр. 2096
معها حيث سارت قَدْ ضرب مَعَ كُلّ فريق بسهم فأين كانت العبودية وجدته هناك إن كَانَ علم وجدته مَعَ أهله أو جهاده وجدته في صف المجاهدين أو صلاة وجدته في القانتين أو ذكر وجدته في الذاكرين أو إحسان ونفع وجدته في زمرة المحسنين أو محبة ومُرَاقَبَة وإنابة إلي الله وجدته في زمرة المحسنين المنيبين.
يَدِيْنُ بِدِيْنِ العُبُوْدِيَّةِ أنّي اسْتَقَلَّتْ رَكَائِبُهَا وَيَتَوجَّهُ إِلَيْهَا حَيْثُ اسْتَقَرَّتْ مَضَارِبُهَا لَوْ قِيْلَ لَهُ: مَا تُرِيْدُ مِنَ الأَعْمَالِ؟ لَقَالَ أُرِيْدُ أَنْ أُنفِّذَ أَوَامِرَ رَبِّيْ حَيْثُ كَانَتْ وأَيْنَ كَانَتْ جَالِبَةً مَا جَلَبَتْ مُقْتَضِيَةً مَا اقْتَضَتْ جَمَعَتْنِيْ أَوْ فَرَّقَتْنِيْ.
لَيْسَ لِي مُرَادٌ إِلاَّ تَنْفِيذُها والقِيَامُ بِأدَائِهَا مُرَاقِباً لَهُ فِيْهَا عَاكِفاً عَلَيْهِ بِالرُّوْحِ والقَلْبِ وَالبَدَنِ وَالسِّرّ قَدْ سَلَّمْتُ إِلَيْهِ المَبِيْعَ مُنْظَِراً مِنْهُ تَسْلِيْمَ الثَّمَنِ ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ فَهَذَا هُوَ الْعَبْدُ السّالِكُ إِلى رَبِّهِ النّافِذُ إِلَيْهِ حَقِيْقَةً.
ومعني النفوذ إليه أن يتصل به قَلْبهُ ويعلق به تعلق المحب التام المحبة بمحبوبه فيسلوا به عن جَمِيع المطالب سواه فلا يبقي في قَلْبهِ إِلا محبة الله وأمره وطلب التقرب إليه)) وصلي الله علي مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين.
(فصل) فإذا سلك الْعَبْد علي هَذَا الطَرِيق عطف عَلَيْهِ ربه فقربه واصطفاه وأخذ بقَلْبهُ إليه وتولاه في جَمِيع أموره في معاشه ودينه وتولي تربيته أحسن وأبلغ مِمَّا يرَبِّي الوالد الشفيق ولده فإنه سُبْحَانَهُ القيوم الْمُقِيم لكل شيء من المخلوقات طائعها وعاصيها.
فَكَيْفَ تَكُون قيوميته بمن أحبه وتولاه واثره علي ما سواه ورضي به من
стр. 2097
النّاسِ حَبِيْباً وَرَبّاً وَوَكِيْلاً وَنَاصِراً وَمُعِيْناًً وَهَادِياً فَلَوْ كَشَفَ الغِطَاءُ عَنْ ألطَافِهِ وَبِرِّهِ وَصُنْعِهِ لَهُ مِنْ حَيْثُ يَعْلَمُ وَمِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُ لَذَابَ قَلْبُهُ مَحَبَّةً لَهُ وَشَوْقاً إِلَيْهِ وَتَقَطّعَ شُكْراًً لَهُ.
وَلَكِنْ حَجَبَ القُلُوبَ عَنْ مُشَاهَدَةِ ذَلِكَ إِخْلادُهَا إِلى عَالَمِ الشَّهَوَاتِ والتَّعَلُّقِ بِالأسْبَابِ فَصَدَّتْ عَنْ كَمَالِ نَعِيْمِهَا وَذَلِكَ تَقْدِيْرُ العَزِيْزِ العَلِيْمِ وإِلاَّ فَأيُّ قَلْبٍ يَذُوْقُ حَلاَوَةَ مَعْرِفَةِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ ثُمَّ يَرْكَنُ إِلى غَيْرِهِ وَيَسْكُنُ إِلى مَا سِوَاهُ هَذَا مَا لاَ يَكُوْنُ أَبَداً.
ومن ذاق شَيْئاً من ذَلِكَ وعرف طريقاً موصلة إلي الله ثُمَّ تركها وأقبل علي إرادته وراحاته وشهواته ولذاته وقع في آثار المعاطب وأودع قَلْبَهُ سجون المضايق وعذب في حياته عذاباً لم يعذب به أَحَداً من العالمين، فحياته عجز وغم وحزن وموته كدر وحسرة ومعاده أسف وندامة قَدْ فرط عَلَيْهِ أمره وشتت عَلَيْهِ شمله وأحضر نَفْسهُ الغموم والأحزان.
فلا لذة الجاهلين ولا راحة العارفين يستغيث فلا يغاث ويشتكي فلا يشكي فقَدْ ترحلت أفراحه وسروره مدبرة وأقبلت آلامه وأحزانه وحسراته فقَدْ أبدل بأنسه وحشة وبعزه ذلاً وبغناه فقراً وبجمعيته تشتيتاً وأبعدوه فلم يظفر بقربهم وأبدلوه مكَانَ الأنس إيحاشاً.
ذَلِكَ بأنه عرف طريقه إلي الله ثُمَّ تركها ناكباً مكباً علي وجهه فأبصر ثُمَّ عمي وعرف ثُمَّ أنكر وأقبل ثُمَّ أدبر ودعي فما أجاب وفتح له فولي ظهره الْبَاب قَدْ ترك طَرِيق مولاه وأقبل بكليته علي هواه.
فلو نال بعض حظوظه وتلذذ براحاته وشؤونه فهو مقيد الْقَلْب عن
стр. 2098
انطلاقه في فسيح التَّوْحِيد وميادين الأنس ورياض المحبة وموائد القرب قَدْ انحط بسبب إعراضه عن إلههِ الحق إلي أسفل سافلين وحصل في عداد الهالكين فنار الحجاب تطلع كُلّ وَقْت فؤاده وإعراض الكون عَنْهُ – إذ أعرض ربه – حائل بينه وبين مراده.
فهو قبر يمشي علي وجه الأرض وروحه في وحشة من جسمه وقَلْبهُ في ملال من حَيَاتهُ يتمني الموت ويشتهيه ولو كَانَ فيه ما فيه حتى إذا جاءه الموت علي تلك الحال والعياذ بِاللهِ فلا تسأل عما يحل به من الْعَذَاب الأليم بسبب وقوع الحجاب بينه وبين مولاه الحق وإحراقه بنار البعد من قربه والإعراض عَنْهُ وقَدْ حيل بينه وبين سعادته وأمنيته.
فَلَوْ تَوَهَّمَ العَبْدُ المِسْكِيْنُ هَذِِهِ الحالَ وَصَوَّرْتها لَهُ نَفْسُهُ وَاَرَتْهُ إِيَّاهَا عَلَى حَقِيقَتِهَا لتَقَطَّعَ وَاللهِ قَلْبُهُ وَلَمْ يَلْتَذَّ بِطَعَامٍ وَلاَ شَرَابٍ وَلَخََرَجَ إِلى الصُّعْداتِ يَجْأرُ إِلى اللهِ وَيَسْتَغِيْثُ بِِهِ وَيَسْتَعْتِبُهُ فِي زَمَنِ الاسْتِعْتَابِ هَذَا مَعَ أَنَّهُ إِذا آثَرَ شَهَواتِهِ وَلِذَّاتِهِ الْفَانِيَةَ الّتِي هِيَ كخَيَالِ طَيْفٍ أَوْ مُزْنَةِ صَيْفٍ نَغَّصَتْ عَلَيْهِ لذَّتَها أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهَا وَحِيْلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَقْدَرَ مَا كَانَ عَلَيْهَا وتِلْكَ سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
وهَذَا هُوَ غِبُّ إعراضه وإيثار شهواته علي مرضاة ربه يعوق القدر عَلَيْهِ أسباب مرداه فيخسر الأمرين جميعاً فيكون معذباً في الدُّنْيَا بتنغيص شهواته وشدة اهتمامه بطلب ما لم يقسم له وإن قسم له منه شيء فحشوه الخوف والحزن والنكد والألم فهم لا ينقطع وحَسْرَة لا تنقضي وحرص لا ينفد وذل لا
стр. 2099
ينتهي وطمَعٌ لا يقلع وهَذَا في هذه الدار.
وأما في البرزخ فأضعاف أضعاف ذَلِكَ قَدْ حيل بينه وبين ما يشتهي وفاته ما كَانَ يتمناه من قرب ربه وكرامته ونيل ثوابه وأحضر جَمِيع غمومه وأحزانه، وأما في دار الجزاء فسجن أمثاله من المبعدين المطرودين فواغوثاه ثُمَّ واغوثاه بغياث المستغيثين وأَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
فَمَنْ أعْرَضَ عَنْ اللهِ بالكُليَّةِ أعْرَضَ اللهُ عَنْهُ بالكُلَّيَّةِ وَمَنْ أعْرَضَ اللهُ عَنْهُ لَزِمَهُ الشّقَاءُ والبُؤْسُ والبَخْسُ فِي أَحْوالِهِ وأعمَالِهِ وقَارَنَهُ سُوءُ الحَالِ وَفَسَادٌ فِي دِيْنِهِ ومَاَلهِ ِفَإِنَّ الرّبَّ إِذَا أعْرَضَ عَنْ جِهَةٍ دَارَتْ بِهَا النُّحُوسُ وأظْلَمْتْ أرْجاؤُهَا وانْكَسَفَ أنوارُهَا وَظَهَرَ عَلَيْهَا وَحْشَةُ الإِعْرَاضِ وَصَارَتْ مَأْوَى لِلشَّيَاطِيْنَ وَهَدَفاً لِلشُّرُورِ وَمَصّباً لِلْبََلاءِ.
فَالمَحْرُوْمُ كُلَّ المَحْرُوْمِ مَنْ عَرَفَ طَرِيقاً إِلَيْهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهَا أَوْ وَجَدَ بَارِقَةً مِنْ حُبِّهِ ثُمَّ سُلِبَها لَمْ يَنْفُذْ إِلى رَبَّهِ مِنْها خُصُوصاً إِذَا مَالَ بِتِلْكَ الإِرَادَةِ إِلى شَيْءٍ مِنْ اللَّذَاتِ وانْصَرَف بجُمْلَتِهِ إِلى تَحْصِيْلِ الأغْرَاضِ والشّهَوَاتِ عاكِفَاً عَلَى ذَلِكَ فِي لَيْلِهِ وَنَهارِهِ وَغُدُوَّهِ وَرَوَاحِهِ هابِطاً مِنَ الأوْجِ الأعْلَى إِلى الحَضِيضِ الأدْنَى.
قَدْ مضت عَلَيْهِ برهة من أوقاته وكَانَ همه الله وبغيته قربه ورضاه وإيثاره علي كُلّ ما سواه علي ذَلِكَ يصبح ويمسي ويظِلّ ويضحي وكَانَ الله في تلك الحال وليه لأنه ولي من تولاه وحبيب من أحبه ووالاه.
فأصبح في سجن الهوى ثاوياً وفي أسر الْعَدُوّ مقيماً وفي بئر المعصية ساقطاً وفي أودية الحيرة والتفرقة هائماً معرضاً عن المطالب العالية إلي
стр. 2100
الأغراض الخسيسة الفانية كَانَ قَلْبهُ يحوم حول العرش فأصبح محبوساً في أسفل الحُش:
فَأَصْبَحَ كَالبَازِ المُنَتَّفِ رِيْشُهُ ... يَرَي حَسَراتٍ كُلَّمَا طَارَ طَائِرُ
وقَدْ كَانَ دَهْراً فِي الرِّيِاضِ مُنَعَّماً ... عَلَى كُلِّ مَا يَهْوَى مِنَ الصَّيْدِ قَادِرُ
إِلى أَنْ أصَابَتْهُ مِنَ الدّهْرِ نَكْبَةٌ ... إِذَا هُوَ مَقْصُوصُ الجناحَيْنِ حَاسِرُ
فَيَا مَنْ ذَاقَ شَيْئاً مِنْ مَعْرِفَةِ رَبِّهِ وَمَحَبَّتِهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهَا واسْتَبْدَلَ بِغَيْرِها مِنْهَا يَا عَجَباً لَهُ بأيَّ شَيْءٍ تَعَّوَض وكَيْفَ قَرَّ قَرارُهُ فَما طَلَبَ الرُّجوعَ إِلى أحنِيَتِهِ وَمَا تَعَرّض وَكَيْف اتّخَذَ سِوَى أحنِيَتِهِ سَكناً وجَعَلَ قََلبَهُ لِمَنْ عَادَاهُ مَولاَهُ مِنْ أجْلِهِ وطَناً أمْ كَيْفَ طَاوَعَهُ قَلْبُهُ عَلَى الاصْطِبَارِ وَوَافَقَهُ عَلَى مُسَاكَنَةِ الأغْيَارِ.
فَيَا مُعْرِضاً عَنْ حَيَاتِهِ الدَائِمَةِ وَنَعِيْمِهِ المُقِيمِ وَيَا بَائِعاً سَعَادَتَهُ العُظْمَى بِالعَذَابِ الألْيِمِ وَيَا مُسْخِطاً مَنْ حَيَاتًهُ وَرَاحَتُهُ وَفَوْزُهُ فِي رِضاهُ وطَالِباً رضى مَنْ سَعادَتُهُ فِي إِرْضاءِ سِوَاهُ إِنّمَا هِيَ لَذّةٌ فَانِيةٌ وشَهْوَةٌ مُنْقِضَيةٌ تَذْهَبُ لذّاتُها وتَبَقَى تَبِعَاتُهَا فَرَحُ سَاعَةٍ لاَ شَهْرٍ وغَمُّ سَنَةٍ بَلْ دَهْرِ طَعَامٌ لَذْيِذٌ مَسْمُومٌ أوَّلُهُ لذّةٌ وآخِرُهُ هَلاَكُ.
فالعَالِم عَلَيْهَا والساعي في توصيلها كدودة القز يسد علي نَفْسهُ المذاهب بما نسج عَلَيْهَا من المعاطب فيندم حين لا تنفع الندامة ويستقيل حين لا تقبل الاستقالة فطوبي لمن أقبل علي الله بكليته وعكف عَلَيْهِ بإرادته ومحبته.
стр. 2101
فإن الله يقبل عَلَيْهِ بتوليه ومحبته وعطفه ورحمته وإن الله سُبْحَانَهُ إذا أقبل علي عبد استنارت جهاته وأشرقت ساحاتها وتنورت ظلماتها وظهر عَلَيْهِ آثار إقباله من بهجة الجلال وآثار الجمال.
وَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ أَهْلُ المَلأِ الأعْلَى بِالمَحَبّةِ والمُوالاَةِ لأنَّهُمْ تَبَعٌ لِمَوْلاهُمْ فَإِذَا أحَبَّ عَبْداً أحبُّوهُ وإِذَا وَالَى وَلِيّاً وَالوْهُ إِذَا أحَبّ اللهُ الْعَبْدَ نَادَى يَا جِبْرائيلُ إِنّي أُحِبُّ فُلاناً فَأَحَّبَّهُ فيُنادِي جِبْرائيلُ فِي السَّماءِ إنّ اللهَ يُحِبُّ فُلاناً فَأَحِبُّوهُ فيُحِبُّهُ أَهْلُ السّماءِ ثُمَّ يُحِبُّهُ أَهْلُ الأرْضِ.
فَيُوْضَعُ لَهُ القَبُولُ بَيْنَهُمْ ويجْعَلُ اللهُ قُلُوبَ أوْلِيائِهِ تَفِدُ إِلَيْهِ بالوُدِّ والمَحَبّةِ والرَحْمَةِ ونَاهِيْكَ مَنْ يَتوجَّهُ إِلَيْهِ مالِكُ المُلكِ ذُو الجَلاَلِ والإِكْرَامِ بِمَحَبَّتِهِ ويُقْبِلُ عَلَيْهِ بأنْوَاعِ كرَامَتِهِ ويَلْحَظُهُ المَلأٌ الأعْلَى وأَهْلُ الأرْضِ بالتَّبْجِيلِ والتّكريمِ وَذَلِكَ فضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واللهُ ذُوْ الفَضْلِ العَظِيمِ.
وصلي الله علي مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين
(فَصْلٌ)
(قاعدة) السائر إلي الله والدار الآخرة بل كُلّ سائر إلي مقصد لا يتم سيره ولا يصل إلي مقصوده إِلا بقوتين – قوة علمية – وقوة عملية – فبالقوة العلمية يبصر منازل الطَرِيق ومواضع السلوك فيقصدها سائراً فيها ويجتنب أسباب الهلاك ومواضع العطب وطرق المهالك المنحرفة عن الطَرِيق الموصل.
فقوته العلمية كنور عَظِيم بيده يمشي في ليلة عظيمة مظلمة شديدة الظلمة فهو يبصر بذَلِكَ النور ما يقع الماشي في الظلمة في مثله من الوهاد والمتآلف ويعثر به من الأحجار والشوك وغيره ويبصر بذَلِكَ النور أيضاً أعلام الطَرِيق وأداتها المنصوبة عَلَيْهَا فلا يضل عَنْهَا فيكشف له النور عن الأمرين
стр. 2102
أَعْلاَمِ الطَرِيقِ وَمَعاطِبِها
وبالقُوّةِ العَمَلِيّةِ يَسِيْرُ حَقِيْقَةً بَلِ السَّيْرُ هُوَ حَقِيقَةُ القُوَّةِ العَلَميّةِ فَإِنَّ السَّيْرَ هُوَ عَمَلُ المُسَافِرِ وكَذَلِكَ السَائِرُ إِلى رَبَّهِ إِذَا أبْصَرَ الطَرِيقَ وأعْلامَهَا وأبْصَرَ المَغَابِرَ والوِهَادَ والطُّرُقَ النّاكِبَةَ عَنْهَا فقَدْ حَصَلَ لَهُ شَطْرُ السّعادَةِ والفَلاحِ وَبقِيَ عَلَيْهِ الشّطْرُ الآخَرُ وَهُوَ أنْ يَضَعَ عَصاهُ عَلَى عَاتِقِهِ ويُشَمِّرَ مسافِراً فِي الطَّرِيقِ قَاطِعاً مَنَازِلَهَا بَعْدَ مَنْزِلَةٍ فَكُلَّمَا قَطَعَ مَرْحَلَةً اسْتَعَدَّ لِقَطْعِ الأُخْرَى وَاسْتَشْعَرَ القُرْبَ مِنَ المَنْزِلِ فَهانَ عَلَيْهِ مشَقّةُ السَّفَرِ.
وَكُلَّمَا سَكَنَتْ نَفْسُهُ مِنْ كَلاَلِ السَّيْرِ ومُواصَلَةِ الشَّدِّ والرَّحِيلِ وَعَدها قُرْبُ التّلاقي وبَرْدُ العَيْشِ عَنْدَ الوُصُولِ فَيُحْدِثُ لَهَا ذَلِكَ نَشاطاً وَفَرَحاً وهِمَّةً فَهُو يَقُولُ: يَا نَفْسُ أبْشِرِي فَقَدْ قَرُبَ المَنْزِلُ وَدَنَا التّلاقِي فَلا تَنْقطِعِي فِي الطّرِيقِ دُونَ الوُصُولِ فَيُحَالَ بَيْنَكِ وَبَيْنَ مَنَازِلِ الأحِبَّةِ.
فإن صبرت وواصلت المسري وصلت حميدة مسرورة جذلة وتلقتك الأحبة بأنواع التحف والكرامَاتَ ولَيْسَ بينك وبين ذَلِكَ إِلا صبر ساعة فإن الدُّنْيَا كُلّهَا كساعة من ساعات الآخرة وعمرك درجة من درج تلك الساعة فالله الله لا تنقطعي في المفازة فهو وَاللهِ الهلاك والعطب لو كنت تعلمين.
فإن استصعب عَلَيْهِ فليذكرها ما أمامها من أحبائها وما لديهم من الإكرام والإنعام وما خلفها من أعدائها وما لديهم من الإهانة والْعَذَاب وأنواع البَلاء فإن رجعت فإلي أعدائها رجوعها وإن تقدمت فإلي أحبائها مصيرها وإن وقفت في طريقها أدركها أعداؤها فَإِنَّهُمْ وراءها في الطلب ولابد لها من قسم من هذه الأقسام الثلاثة فلتختر أيها شاءت انتهي.
стр. 2103
شِعْراً:
تَراهُمْ وأَمْلاَكُ الرِّضَا يَقْدُمُونَهِمْ ... إِلى جَنَّةٍ طَابَتْ وَطَابَ نَعِيمُهَا
يَسِيْرُوْنَ فِي أَمْنٍ إِذَا الخَلْقُ فُزَّعٌ ... وَقَدْ بَرَزَتْ نَارٌ وَشَبَّ جَحِيْمُهَا
آخر:
فَلِلّهِ كَمْ مِنْ خَيْرةٍ قَدْ تَهَيَّئَتْ ... لِقَوْمٍ عَلَى الأَقْدَامِ بِاللَّيْلِ قُوَّمُ
يُنَاجُوْنَ رَبَّ العَالَمِيْنَ إلهَهُمْ ... فَتَسْرِي هُمُوْمُ القَوْمِ وَالنَّاسُ نُوَّمُ
آخر:
وللهِ ألْطافٌ بَطيِّ قَضَائِهِ ... أَخُو الفَهْمِ فِي أسْرَارِهَا يَتَفَهَّمُ
فَمُوْسَى بِقَذْفِ الْيَمِّ تَمَّ عُلُوُّهُ ... ترَقَّى إِلى أعْلَى الذُرَى وَهُوَ مُكْرَمُ
ويُوْسُفُ بَعْدَ الجُبِّ والسّجْنِ حُقْبَةً ... حَوَى المُلْكَ وَهُوَ المُسْتَفادُ المُعَظَّمُ
وبِالصَّبْرِ والتَّقْوَى تُنَالُ هِبَاتُهُ ... وأتْقَى الوَرَى عِنْدَ المُهَيْمِنِ أكْرَمُ
وَقَالَ ﵀:
السنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها والأنفاس ثمرها فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة ومن كانت في معصية فثمرته حنظِلّ وإنما يكون الجداد يوم المعاد فعَنْدَ ذَلِكَ يتبين حلو
стр. 2104
الثمار من مرها.
والإخلاص والتَّوْحِيد شجرة في الْقَلْب فروعها الأعمال وثمره طيب الحياة في الدُّنْيَا والنَّعِيم الْمُقِيم في الآخرة وكما أن ثمار الْجَنَّة لا مقطوعة ولا ممنوعة فثمرة التَّوْحِيد والإخلاص في الدُّنْيَا كَذَلِكَ.
والشرك والكذب والرياء شجرة في الْقَلْب ثمرها في الدُّنْيَا الخوف والهم والغم وضيق الصدر وظلمة الْقَلْب وثمرها في الآخرة الزقوم والْعَذَاب الأليم وقَدْ ذكر هاتين الشجرتين في سورة إبراهيم.
وَقَالَ ﵀: اِشْتَرِ نَفْسَكَ فَالسُّوقُ قَائِمَةٌ والثَّمَنُ مَوْجُودٌ وَلابُدَّ مِنْ سِنَةِ الغََفْلَةِ وَرُقادِ الهَوَى ولَكِنْ كُنْ خَفِيْفَ النَّوْمِ فَحُرَّاسُ البَلَدِ يَصْحُونَ دَنَا الصَّبَاحُ نُورُ العَقْلِ يُضِيءُ فِي لَيْلِ الهَوَى فَتَلُوحُ جَادَةُ الصَّوَابِ فَيَتَلَّمحُ البَصِيْرُ فِي ذَلِكَ النُّوْرِ عَوَاقِبَ الأُمورِ اُخْرُجْ بالعَزْمِ مِنْ هَذَا الفِنَاءِ الضّيّقِ المَحْشُوَّ بالآفاتِ إِلى ذَلِكَ الفِنَاءِ الرَّحْبِ الَّذِي فِيهِ مَا لاَ عَيْنٌ رأتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.
فَهُنَاك لاَ يَتَعَذّرُ مَطلوبٌ وَلاَ يٌفْقَدُ محبُوبٌ يَا بَائِعَاً نَفْسَهُ بِهَوَى مَنْ حُبُّهُ ضَنَاً وَوَصْلُهُ أذَى وحُسْنُهُ إِلى فَنَاءِ لَقَدْ بِعْتَ أنْفَسَ الأَشْيَاءِ بِثَمَنٍ بَخْسٍ كأنّكَ لَمْ تَعْرِفْ قَدْرَ السِّلعَةِ حَتّى إِذَا قَدَمْتَ يَوْمَ التَّغَابُنْ تَبَيَّنَ لَكَ الغَبْنُ فِي عَقَدِ التّبايُعِ لاَ إِلهَ إِلاَ اللهُ سِلْعَة اللهُ مُشْتَريها، وثَمَنُهَا الجَنّةُ.
اللَّهُمَّ ثبتنا علي قولك الثابت في الحياة الدُّنْيَا وفي الآخرة اللَّهُمَّ وأيدنا بنصرك وارزقنا من فضلك ونجنا من عذابك يوم تبعث عبادك، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المسلمين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى وسَلم.
стр. 2105
شِعْراً:
كَرِهْتُ وَعَلاَّمِ الغُيوبِ حَيَاتِي ... وأَصْبَحْتُ أَرجْو أنْ تَحينَ وَفَاتي
فَشَا السُوءُ إِلا فِي القَلْيلِ مِنَ الوَرَى ... وَخَاضُوا بِحَارَ اللهْوِ والشَّهَواتِ
وضَاعَتْ لَدَيْهِمْ حُرْمَةُ الدِّينِ واغْتَدَتْ ... نُفُوسُهُمُوْا فِي الفِسْقِ مُنْغَمِسَاتِ
وَقَدْ فَسَدَتْ أَخْلاقُهُمْ وَتَغَّيرتْ ... وأضْحَتْ خِلالُ الخِزْيِ مُنْتَشِرَاتِ
وَسَارَ الخَنَا فِيْهِمْ فلَسْتُ أرَي سِوَى ... كَتَائِبِ فُسَّاقٍ وجًمْعَ طُغَاةِ
فمِنْهُمْ كَذُوْبٌ فِي الوِدَادِ مُخَادِعٌ ... أرَاهُ صَدِيقِي وَهُوَ رأْسُ عُدَاتِي
يُقابِلُنِي بِالبِشْرِ واللُطْفِ عِنْدَمَا ... يَرَانِي ويَدْعُو لِيْ بِطُولِ حَيَاتِي
وإِنْ غِبْتُ عَنْهُ سَبَّنْي وأَهَانَني ... وَعَدَّ عُيُوبي للوَرَى وَهَنَاتِي
وَمِنْهُمْ شَقِيٌ هَمُّهُ الفِسْقُ والزِنَا ... وَلَوْ كَانَ عُقْبَاهُ إِلى الهَلَكَاتِ
تُلاقِيهِ يَجْرِي خَلْفَ مُسْلِمَةٍ بِلاَ ... حَيَاءٍ وَلاَ خَوْفٍ مِنَ اللعَنَاتِ
следующие страницы →