Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
فإن الله يقبل عَلَيْهِ بتوليه ومحبته وعطفه ورحمته وإن الله سُبْحَانَهُ إذا أقبل علي عبد استنارت جهاته وأشرقت ساحاتها وتنورت ظلماتها وظهر عَلَيْهِ آثار إقباله من بهجة الجلال وآثار الجمال.
وَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ أَهْلُ المَلأِ الأعْلَى بِالمَحَبّةِ والمُوالاَةِ لأنَّهُمْ تَبَعٌ لِمَوْلاهُمْ فَإِذَا أحَبَّ عَبْداً أحبُّوهُ وإِذَا وَالَى وَلِيّاً وَالوْهُ إِذَا أحَبّ اللهُ الْعَبْدَ نَادَى يَا جِبْرائيلُ إِنّي أُحِبُّ فُلاناً فَأَحَّبَّهُ فيُنادِي جِبْرائيلُ فِي السَّماءِ إنّ اللهَ يُحِبُّ فُلاناً فَأَحِبُّوهُ فيُحِبُّهُ أَهْلُ السّماءِ ثُمَّ يُحِبُّهُ أَهْلُ الأرْضِ.
فَيُوْضَعُ لَهُ القَبُولُ بَيْنَهُمْ ويجْعَلُ اللهُ قُلُوبَ أوْلِيائِهِ تَفِدُ إِلَيْهِ بالوُدِّ والمَحَبّةِ والرَحْمَةِ ونَاهِيْكَ مَنْ يَتوجَّهُ إِلَيْهِ مالِكُ المُلكِ ذُو الجَلاَلِ والإِكْرَامِ بِمَحَبَّتِهِ ويُقْبِلُ عَلَيْهِ بأنْوَاعِ كرَامَتِهِ ويَلْحَظُهُ المَلأٌ الأعْلَى وأَهْلُ الأرْضِ بالتَّبْجِيلِ والتّكريمِ وَذَلِكَ فضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واللهُ ذُوْ الفَضْلِ العَظِيمِ.
وصلي الله علي مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين
(فَصْلٌ)
(قاعدة) السائر إلي الله والدار الآخرة بل كُلّ سائر إلي مقصد لا يتم سيره ولا يصل إلي مقصوده إِلا بقوتين – قوة علمية – وقوة عملية – فبالقوة العلمية يبصر منازل الطَرِيق ومواضع السلوك فيقصدها سائراً فيها ويجتنب أسباب الهلاك ومواضع العطب وطرق المهالك المنحرفة عن الطَرِيق الموصل.
فقوته العلمية كنور عَظِيم بيده يمشي في ليلة عظيمة مظلمة شديدة الظلمة فهو يبصر بذَلِكَ النور ما يقع الماشي في الظلمة في مثله من الوهاد والمتآلف ويعثر به من الأحجار والشوك وغيره ويبصر بذَلِكَ النور أيضاً أعلام الطَرِيق وأداتها المنصوبة عَلَيْهَا فلا يضل عَنْهَا فيكشف له النور عن الأمرين
стр. 2102
أَعْلاَمِ الطَرِيقِ وَمَعاطِبِها
وبالقُوّةِ العَمَلِيّةِ يَسِيْرُ حَقِيْقَةً بَلِ السَّيْرُ هُوَ حَقِيقَةُ القُوَّةِ العَلَميّةِ فَإِنَّ السَّيْرَ هُوَ عَمَلُ المُسَافِرِ وكَذَلِكَ السَائِرُ إِلى رَبَّهِ إِذَا أبْصَرَ الطَرِيقَ وأعْلامَهَا وأبْصَرَ المَغَابِرَ والوِهَادَ والطُّرُقَ النّاكِبَةَ عَنْهَا فقَدْ حَصَلَ لَهُ شَطْرُ السّعادَةِ والفَلاحِ وَبقِيَ عَلَيْهِ الشّطْرُ الآخَرُ وَهُوَ أنْ يَضَعَ عَصاهُ عَلَى عَاتِقِهِ ويُشَمِّرَ مسافِراً فِي الطَّرِيقِ قَاطِعاً مَنَازِلَهَا بَعْدَ مَنْزِلَةٍ فَكُلَّمَا قَطَعَ مَرْحَلَةً اسْتَعَدَّ لِقَطْعِ الأُخْرَى وَاسْتَشْعَرَ القُرْبَ مِنَ المَنْزِلِ فَهانَ عَلَيْهِ مشَقّةُ السَّفَرِ.
وَكُلَّمَا سَكَنَتْ نَفْسُهُ مِنْ كَلاَلِ السَّيْرِ ومُواصَلَةِ الشَّدِّ والرَّحِيلِ وَعَدها قُرْبُ التّلاقي وبَرْدُ العَيْشِ عَنْدَ الوُصُولِ فَيُحْدِثُ لَهَا ذَلِكَ نَشاطاً وَفَرَحاً وهِمَّةً فَهُو يَقُولُ: يَا نَفْسُ أبْشِرِي فَقَدْ قَرُبَ المَنْزِلُ وَدَنَا التّلاقِي فَلا تَنْقطِعِي فِي الطّرِيقِ دُونَ الوُصُولِ فَيُحَالَ بَيْنَكِ وَبَيْنَ مَنَازِلِ الأحِبَّةِ.
فإن صبرت وواصلت المسري وصلت حميدة مسرورة جذلة وتلقتك الأحبة بأنواع التحف والكرامَاتَ ولَيْسَ بينك وبين ذَلِكَ إِلا صبر ساعة فإن الدُّنْيَا كُلّهَا كساعة من ساعات الآخرة وعمرك درجة من درج تلك الساعة فالله الله لا تنقطعي في المفازة فهو وَاللهِ الهلاك والعطب لو كنت تعلمين.
فإن استصعب عَلَيْهِ فليذكرها ما أمامها من أحبائها وما لديهم من الإكرام والإنعام وما خلفها من أعدائها وما لديهم من الإهانة والْعَذَاب وأنواع البَلاء فإن رجعت فإلي أعدائها رجوعها وإن تقدمت فإلي أحبائها مصيرها وإن وقفت في طريقها أدركها أعداؤها فَإِنَّهُمْ وراءها في الطلب ولابد لها من قسم من هذه الأقسام الثلاثة فلتختر أيها شاءت انتهي.
стр. 2103
شِعْراً:
تَراهُمْ وأَمْلاَكُ الرِّضَا يَقْدُمُونَهِمْ ... إِلى جَنَّةٍ طَابَتْ وَطَابَ نَعِيمُهَا
يَسِيْرُوْنَ فِي أَمْنٍ إِذَا الخَلْقُ فُزَّعٌ ... وَقَدْ بَرَزَتْ نَارٌ وَشَبَّ جَحِيْمُهَا
آخر:
فَلِلّهِ كَمْ مِنْ خَيْرةٍ قَدْ تَهَيَّئَتْ ... لِقَوْمٍ عَلَى الأَقْدَامِ بِاللَّيْلِ قُوَّمُ
يُنَاجُوْنَ رَبَّ العَالَمِيْنَ إلهَهُمْ ... فَتَسْرِي هُمُوْمُ القَوْمِ وَالنَّاسُ نُوَّمُ
آخر:
وللهِ ألْطافٌ بَطيِّ قَضَائِهِ ... أَخُو الفَهْمِ فِي أسْرَارِهَا يَتَفَهَّمُ
فَمُوْسَى بِقَذْفِ الْيَمِّ تَمَّ عُلُوُّهُ ... ترَقَّى إِلى أعْلَى الذُرَى وَهُوَ مُكْرَمُ
ويُوْسُفُ بَعْدَ الجُبِّ والسّجْنِ حُقْبَةً ... حَوَى المُلْكَ وَهُوَ المُسْتَفادُ المُعَظَّمُ
وبِالصَّبْرِ والتَّقْوَى تُنَالُ هِبَاتُهُ ... وأتْقَى الوَرَى عِنْدَ المُهَيْمِنِ أكْرَمُ
وَقَالَ ﵀:
السنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها والأنفاس ثمرها فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة ومن كانت في معصية فثمرته حنظِلّ وإنما يكون الجداد يوم المعاد فعَنْدَ ذَلِكَ يتبين حلو
стр. 2104
الثمار من مرها.
والإخلاص والتَّوْحِيد شجرة في الْقَلْب فروعها الأعمال وثمره طيب الحياة في الدُّنْيَا والنَّعِيم الْمُقِيم في الآخرة وكما أن ثمار الْجَنَّة لا مقطوعة ولا ممنوعة فثمرة التَّوْحِيد والإخلاص في الدُّنْيَا كَذَلِكَ.
والشرك والكذب والرياء شجرة في الْقَلْب ثمرها في الدُّنْيَا الخوف والهم والغم وضيق الصدر وظلمة الْقَلْب وثمرها في الآخرة الزقوم والْعَذَاب الأليم وقَدْ ذكر هاتين الشجرتين في سورة إبراهيم.
وَقَالَ ﵀: اِشْتَرِ نَفْسَكَ فَالسُّوقُ قَائِمَةٌ والثَّمَنُ مَوْجُودٌ وَلابُدَّ مِنْ سِنَةِ الغََفْلَةِ وَرُقادِ الهَوَى ولَكِنْ كُنْ خَفِيْفَ النَّوْمِ فَحُرَّاسُ البَلَدِ يَصْحُونَ دَنَا الصَّبَاحُ نُورُ العَقْلِ يُضِيءُ فِي لَيْلِ الهَوَى فَتَلُوحُ جَادَةُ الصَّوَابِ فَيَتَلَّمحُ البَصِيْرُ فِي ذَلِكَ النُّوْرِ عَوَاقِبَ الأُمورِ اُخْرُجْ بالعَزْمِ مِنْ هَذَا الفِنَاءِ الضّيّقِ المَحْشُوَّ بالآفاتِ إِلى ذَلِكَ الفِنَاءِ الرَّحْبِ الَّذِي فِيهِ مَا لاَ عَيْنٌ رأتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.
فَهُنَاك لاَ يَتَعَذّرُ مَطلوبٌ وَلاَ يٌفْقَدُ محبُوبٌ يَا بَائِعَاً نَفْسَهُ بِهَوَى مَنْ حُبُّهُ ضَنَاً وَوَصْلُهُ أذَى وحُسْنُهُ إِلى فَنَاءِ لَقَدْ بِعْتَ أنْفَسَ الأَشْيَاءِ بِثَمَنٍ بَخْسٍ كأنّكَ لَمْ تَعْرِفْ قَدْرَ السِّلعَةِ حَتّى إِذَا قَدَمْتَ يَوْمَ التَّغَابُنْ تَبَيَّنَ لَكَ الغَبْنُ فِي عَقَدِ التّبايُعِ لاَ إِلهَ إِلاَ اللهُ سِلْعَة اللهُ مُشْتَريها، وثَمَنُهَا الجَنّةُ.
اللَّهُمَّ ثبتنا علي قولك الثابت في الحياة الدُّنْيَا وفي الآخرة اللَّهُمَّ وأيدنا بنصرك وارزقنا من فضلك ونجنا من عذابك يوم تبعث عبادك، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المسلمين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى وسَلم.
стр. 2105
شِعْراً:
كَرِهْتُ وَعَلاَّمِ الغُيوبِ حَيَاتِي ... وأَصْبَحْتُ أَرجْو أنْ تَحينَ وَفَاتي
فَشَا السُوءُ إِلا فِي القَلْيلِ مِنَ الوَرَى ... وَخَاضُوا بِحَارَ اللهْوِ والشَّهَواتِ
وضَاعَتْ لَدَيْهِمْ حُرْمَةُ الدِّينِ واغْتَدَتْ ... نُفُوسُهُمُوْا فِي الفِسْقِ مُنْغَمِسَاتِ
وَقَدْ فَسَدَتْ أَخْلاقُهُمْ وَتَغَّيرتْ ... وأضْحَتْ خِلالُ الخِزْيِ مُنْتَشِرَاتِ
وَسَارَ الخَنَا فِيْهِمْ فلَسْتُ أرَي سِوَى ... كَتَائِبِ فُسَّاقٍ وجًمْعَ طُغَاةِ
فمِنْهُمْ كَذُوْبٌ فِي الوِدَادِ مُخَادِعٌ ... أرَاهُ صَدِيقِي وَهُوَ رأْسُ عُدَاتِي
يُقابِلُنِي بِالبِشْرِ واللُطْفِ عِنْدَمَا ... يَرَانِي ويَدْعُو لِيْ بِطُولِ حَيَاتِي
وإِنْ غِبْتُ عَنْهُ سَبَّنْي وأَهَانَني ... وَعَدَّ عُيُوبي للوَرَى وَهَنَاتِي
وَمِنْهُمْ شَقِيٌ هَمُّهُ الفِسْقُ والزِنَا ... وَلَوْ كَانَ عُقْبَاهُ إِلى الهَلَكَاتِ
تُلاقِيهِ يَجْرِي خَلْفَ مُسْلِمَةٍ بِلاَ ... حَيَاءٍ وَلاَ خَوْفٍ مِنَ اللعَنَاتِ
стр. 2106
كَأنْ لَمْ يُفَكِّرْ أنَّ تِلْكَ كَأخْتِهِ ... فَيَغْمِزُهَا لِلْحَظِ والغَمَزَاتِ
وَيُبْدِي لَهَا الإِعْجَابَ غِشَّاً وَخِدْعَةً ... ولَمْ يَرْعَ حقَّ اللهِ فِي الحُرُمَاتِ
وآخَرُ أَمْسَى لِلْعُقَارِ مُعَاقِراًً ... وأَصْبَحَ فِي خَبْلٍ وفِي سَكَرَاتِ
تَرَاهُ إِذَا مَا أَسْدَلَ اللّيلُ سِتْرَهُ ... عَلَيْهِ وَوَافِيَ بَادِيَ الظُلُمَاتِ
يُدِيْرُ ابْنةَ العُنْقُودِ بَيْنَ صِحَابِهِ ... ويَطْرَبُ بَيْنَ الكَأْسِ والنَغَمَاتِ
وَقَدْ أَغْفَلَ المِسْكِيْنُ ذِكْرَ مَمَاتِهِ ... وَمَا سَيُلاقِي مِنْ جَوَى النَّزَعَاتِ
يَتِيْهُ عَلَى كُلِّ العِبادِ بِعُجْبِهِ ... وَيَخْتَالُ كِبْراً نَاسِياً لِغَدَاةِ
غَدَاةَ يُوارَى فِي التُّرَابِ ويَغْتَدِي ... طَعَاماً لَدُودِ القَبْرِ والحَشَرَاتِ
وآخَرُ مَغْرُورٌ بكَثْرَةِ مَالِهِ ... وَمَا عِنْدَهُ فِي البَنْكِ مِنْ سَنَدَاتِ
يُفاخِرُ خَلْقَ اللهِ بالْجَاهِ والغِنَى ... وَبِالْمَالِ لاَ بِالفَضْلِ والحَسَنَاتِ
وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ الْمَالَ فَانٍ وأَنَّهُ ... يَزُولُ كَسُحْبِ الصّيْفِ مُنْقَشِعَاتِ
стр. 2107
وَذَا شَاهِدٌ بِالزُّورِ إِنْ يَسْتَعِنْ بِهِ ... أَخُوْ شِقْوةٍ يَشْهَدْ بِكُلِّ ثَبَاتِ
وَلَمْ أَدْرِ مَاذَا قَدْ أَعَدَّ لِموْقِفٍ ... بِهِ يَقِفُ العَاصِيْ بِغَيْرِ حُمَاةِ
وَذَا آكِلٌ مَالَ اليَتِيْمِ وَلَمْ يَدَعْ ... لَهُ عِنْدَ رَدِّ الحَقِّ غَيْرَ فُتَاتِ
وَفِي بَطْنِهِ قَدْ أدْخَلَ النّارَ عَامِداً ... وَأَصْبَحَ مَحْرُوْماًً مِنَ النَّفَحَاتِ
وَذَلِكَ مُغْتابٌ وَهَذَا مُنَافِقٌ ... لِحِطَّتِهِ قَدْ عُدَّ فِي النّكِرَاتِ
وَهَذَا يَغُشُّ النَّاسَ فِي البَيْعِ والشِرَا ... وَأَرْبَاحُهُ مَنْزُوْعَةُ البَرَكَاتِ
وَهَذَا حَوَى كُلَّ الخَنَا وَصِفَاتُهُ ... مَعَ الخَلْقِ والخَلاَّقِ شَرُّ صِفَاتِ
وَكَمْ مُعْلِنٍ لِلْفِطْرِ وَالنَّاسُ صُوَّمُ ... يُجَاهِرُ فِي الإِفْطَارِ فِي الطُّرُقَاتِ
ولَيْسَ يُبَالِي بانْتِقَامِ إلَهِه ... وَتَعْذِيْبِهِ لِلأَنْفُسِ النَّجِسَاتِ
وَكَمْ مِنْ غَنِيٍّ مُسْتَطِيْعٍ تَرَاهُ لاَ ... يُبَادِرْ بِحَجِّ البَيْتِ قَبْلَ فَوَاتِ
فَيَسْعَى بِنَفْسٍ مِلْؤُهَا البِرُّ وَالتُّقَى ... لِتَلْبِيَةِ الرَّحْمَنِ فِي عَرَفَاتِ
стр. 2108
وَلَمْ أَرَ إِلاَّ النَّزْرَ فِيْهِمْ مُسارِعاً ... لإِحْيَاءِ دِيْنِ اللهِ بِالصَّلَوَاتِ
وَمَا الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ إِلاَّ وَسَائِلٌ ... عَلَى المُتّقِي تَسْتَنزْلُ الرَّحَمَاتِ
وَتَنْهَي عَنْ الفَحْشَاءِ والْمُنْكَرِ الَذي ... يَزُجُّ بِمَنْ يَأتْيِهِ فِي الكُرُبَاتِ
وَيَنْدُرُ أَنْ أَلْقَى غَنِيّاًً بِمَالِهِ ... يَجُودُ لِذِي جُوعٍ وَذَاتِ عُرَاةِ
فَمَا ائْتَمَرُوا بِالأمْرِ كَلا وَلاَ انْتَهَوْا ... عَنْ النَّهْي حَتَّى سَوَّدُوا الصَّفَحَاتِ
وَعَاثُوا فَسَاداً فِي الْبِلادِ فَأَصْبَحُوا ... بعِصْيَانِهِمْ فِي أسْفَلِ الدَّرَجَاتِ
خَلاَئِقُ يَأْبَاهَا الرَّشِيْدُ لِقُبْحِهَا ... وَلاَ يَرْتَضِيْهَا غَيْرُ أَحْمَقَ عَاتِي
ويُنْكِرُها ذُوْ العَقْلِ والرَّأْيِ والحِجَا ... ويَخْجَلُ مِنْهَا صَادِقُ العَزَمَاتِ
وَمَنْ يَتَّخِذْها مَنْهَجاً خَابَ سَعْيُهُ ... وَلاَ يَقْتَنِيْ مِنْهَا سِوَى الحَسَرَاتِ
إِذَا جَاءَ وَقْتُ الصَّيْفِ شَدَّ رِحَالَهُ ... إِلى الغَرْبِ يَلْهُوْ والشَّبَابُ مُوَاتِي
كأَنَّ بَنِي الإِسْلاَمِ فِي عَصْرِنا غَدَوْا ... لِهَدْمِ عُلاَ الإِسْلاَمِ شَرَّ دُعاةِ
стр. 2109
فَتُوبُوا عِبَادَ اللهِ للهِ وَارْجِعُوا ... إِلَيْهِ تَنَالُوا مُنْتَهَى الرَّغَبَاتِ
وَلاَ تَقَرّبُوا مَا لاَ يَحِلُّ وأَبْعِدُوا ... نُفُوسَكُمُوا حَتَّى عَنْ الشُّبُهَاتِ
وأَدُّوا حُقوقَ اللهِ وارْعَوْا حُدودَهُ ... كَمَا يَنْبَغِي فِي الجَهْرِ والخَلَوَاتِ
وَلاَ تَهِنُوا يَوماً وَلاَ تَحْزَنُوا لِمَا ... يُصِيْبُكُمُوا فِي الحَقِّ مِنْ عَقَبَاتِ
تَفُوزُوا برِضْوانِ الإِلَهِ ولُطْفِهِ ... ويُغْدِقْ عَلَيْكُمْ أنْعُمَاً وهِبَاتِ
وَيَفْتَحْ لَكُمْ بَابَ القَبَولِ ويَسْتَجِبْ ... إِذَا مَا دَعَوْتُمْ صَالِحَ الدَّعَوَاتِ
وَيَجْعَلْ لَكُمْ فِي النَّسْلِ قُرَّةَ أعْيُنٍ ... وَيَرْزُقَكُمُ مِنْ أطْيَبِ الثَّمَرَاتِ
ويُمْدِدْكُمُ بالنَّصْرِ حَتَّى إِذَا طَغَى ... عَلَيْكُمُ عدُوٌ رَدَّهُ بِشَتَاتِ
فَمَا حَلَّ هَذَا الحَالُ إِلاَّ لِنَبْذِكُمْ ... تَعَالِيمَ دِيْنِ اللهِ نَبْذَ نَوَاةِ
وَمَا سَلَّطَ اللهُ الْعَدُوَّ عَلَيْكُمُ ... فَلَمْ يَبْقَ فِيْكُمْ غَيْرُ بَعْضِ رُفَاتِ
سِوَى بَعْدِكُمْ عَنْ دِيِنهِ ولأنّكُمْ ... قَنِعْتُمْ عَنْ الأعْمَالِ بالكَلِمَاتِ
стр. 2110
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ وقو محبتك في قلوبنا واشرح صدرونا ونورها بنور الإِيمَان وَاجْعَلْنَا هداة مهتدين وألهمنا ذكرك وشكرك وَاجْعَلْنَا ممن يفوز بالنظر إلي وجهك في جنات النَّعِيم يا حليم ويا كريم وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المسلمين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يا أرحم الراحمين وصلي الله علي مُحَمَّد وعلي آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
وَقَالَ ابن القيم ﵀:
الجِهَادُ أرْبَعُ مَرَاتِبَ أحدُهَا أنْ يُجاهِدَهَا عَلَى تَعَلُّمِ الهُدَي ودِينِ الحقِّ الّذِي لاَ فلاحَ لَها وَلاَ سَعادَةَ لَها فِي معَاشِهَا ومَعادِها إِلا بِهِ وَمَتى فَاتَها علمُهُ شَقِيَتْ فِي الدَّارَيْن الثَّانِيَة أَنْ يُجاهِدَهَا عَلَى العَمَلِ بِهِ عِلْمِهِ وإِلاَّ فمُجَرَّدُ العِلْم بِلا عَمَلٍ إنْ لَمْ يَضُرَّها لَمْ يَنْفَعْهَا الثّالِثَةُ أنْ يُجاهِدَ عَلَى الدَّعْوَةِ إلَيْهِ وتَعْلِيمِهِ مَنْ لاَ يَعْلَمُهُ وإِِلاّ كَانَ مِنْ الّذينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ الهُدَي والبَيِّنَاتِ وَلاَ يَنْفَعُهُ علمُهُ وَلاَ يُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ اللهِ.
الرابعة: أن يجاهدها علي الصبر علي مشاق الدعوة إلي الله وأذى الخلق ويتحمل ذَلِكَ كله لله فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين فإن السَّلَف مجمعون علي العَالِم لا يستحق أن يسمي ربانياً حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه.
فمن علم وعلَّمَ وعمل فذاك يدعي عظيماً في ملكوت السماء وأما جهاد الشيطان فمرتبتان جهاده علي دفع ما يلقي إلي الْعَبْد من الشبهات والشكوك القادحة في الإِيمَان.
стр. 2111
الثَّانِيَة: جِهادُهُ عَلَى دَفْعِ ما يُلْقِيِه مِنَ الإِرَادَاتِ والشَّهَوَاتِ فَالجِهَادُ الأوّلُ يَكُوُن بَعْدَُ اليَقِينُ والثّاني بَعْدَهُ الصَّبْرُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ فأخْبَرَ أَنَّ إِمامَةَ الدِّيْنِ إِنَما تُنَالُ بِالصَّبْرِ واليَقِيْنَ فَالَّصْبُر يَدْفَعُ الشَّهَوَاتِ والإِرَادَاتِ واليَقِينُ يَدْفَعُ الشُّكُوكَ والشُّبُهَاتِ وأمّا جِهَادُ الكُفّارِ والمُنَافِقِيْنَ فأَرْبَعُ مَرَاتِبَ بالْقَلْبِ وَاللّسَانِ والْمَالِ وَالنَّفْسِ وَجِهَادُ الكُفّارِ أَخَصُّ باليَدِ وَجِهَادُ المُنَافِقِيْنَ أَخَصُّ باللّسَانِ وأما جِهَادُ أَرْبَابِ الظُّلْمِ والبِدَعِ والمُنْكَرَاتِ فَثَلاَثُ مَرَاتِبَ الأُولَى باليَدِ إِذَا قَدَرَ فَإِنْ عَجِزَ انْتَقَلَ إِلى اللّسَانِ فَإِنْ عَجَزَ جَاهَدَ بقَلْبِهِ فَهَذِهِ ثَلاَثَةَ عشْرَةَ مَرْتَبَةً مِنَ الجِهادِ وَمَنْ مَاتَ ولَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بالغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النّفاقِ وَلاَ يَتِمُّ الجِهَادُ إِلاَ بالهِجْرَةِ وَلاَ الهِجْرَةُ والجِهادُ إِلاّ بالإِيمَانِ.
والراجون رحمة الله هم الَّذِينَ قاموا بهذه الثلاثة قال تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» .
وكما أن الإِيمَان فرض علي كُلّ أحد ففرض عَلَيْهِ هجرتان في كُلّ وَقْت هجرة إلي الله بالتَّوْحِيد والإخلاص والإنابة والتوكل والخوف والرجَاءَ والمحبة والتوبة وهجرة إلي رسوله بالمتابعة والانقياد لأمره والتصديق بخبره وتقديم أمره وخبره علي أمر غيره وخبره.
فمن كانت هجرته إلي الله ورسوله فهجرته إلي الله ورسوله ومن كانت هجرته إلي دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلي ما هاجر إليه.
وفرض عَلَيْهِ جهاد نَفْسه في ذات الله وجهاد شيطانه فهَذَا كله فرض
стр. 2112
عين لا ينوب فيه أحد عن أحد وأما جهاد الكفار والمنافقين فقَدْ يكتفي فيه ببعض الأمةِ إذا حصل مِنْهُمْ مقصود.
وأَكْمَلُ الخَلْقِ عَنْدَ اللهِ مَنْ أَكْمَلَ مَرَاتِبَ الجِهَادِ كُلّهَا، وَالخَلْقُ مُتَفاوِتُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ عَنْدَ اللهِ تَفاوُتَهُمْ فِي مَرَاتِبِ الجِهَادِ وَلِهَذَا كَانَ أكْمَلُ الخَلْقِ وأكْرَمُهُمْ عَلَى اللهِ خَاتَمُ أنْبِيائِهِ وَرُسُلِهِ فَإِنّهُ كَمَّلَ مَرَاتِبَ الجِهَادِ وَجَاهَدَ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَشَرَعَ فِي الجِهَادِ مِنْ حِيْنَ بُعِثَ إِلى أَنْ تَوَفَّاهُ اللهُ فَإِنَّهُ لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ " يَا أيها الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ " شَمَّرَ عَنْ ساقِ الدَّعْوَةِ وَقامَ فِي ذَاتِ اللهِ أَتَمَّ قِيَامٍ وَدَعَا إِلى اللهِ لَيْلاً وَنَهَاراً وَسِرّاً وَجَهْراً فَلَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ " فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ " صَدَعَ بأمْرِ اللهِ لاَ تأخُذُهُ فِيْهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ فَدَعَا إِلى اللهِ الصّغيرَ وَالكَبِيْرَ والحُرَّ والْعَبْدَ والذّكَرَ وَالأُنْثَى والأحْمَرَ والأسْوَدَ والجِنَّ والإِنْسَ.
ولما صدع بأمر الله وصرح لقومه بالدعوة وناداهم بسب آلهتهم وعيب دينهم اشتد أذاهم له ولمن استجاب له من أصحابه ونالوهم بأنواع الأذى وهذه سنة الله في خلقه كما قال تَعَالَى " مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ " وَقَالَ: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنسِ وَالْجِنِّ " وَقَالَ: «كَذَلِكَ مَا أَتَي الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ» .
فعزي سُبْحَانَهُ بذَلِكَ وأن له أسوةً بمن تقدمه من المرسلين وعزي أتباعه بقوله " أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ» .
стр. 2113
شِعْراً:
لَعَمْرِيَ إِنَّ المَجْدَ وَالفَخْرَ وَالعُلاَ ... وَنَيْلَ الأمَانِيْ وَارْتفَاعَ المَرَاتِبِ
لِمَنْ قَامَ بِالدِّيْنِ الحَنَيِيْفيِّ صَادِقَاً ... وَجَاهَدَ أَهْلَ الشَّرِ مِنْ كُلِّ نَاكِبِ
وَِقَولِهِ " أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ، أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ، مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَمَن جَاهَدَ فَإنما يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ "
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ، وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ . فليتأمل الْعَبْد سياق هذه الآيات وما تضمنته من العبر وكنوز الحكم فإن النَّاس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين: إما أن يَقُولُ أحدهم آمنا، وإما أن لا يَقُولُ ذَلِكَ بل يستمر علي السيئات والكفر.
فمن قال آمنا. امتحنه ربه وابتلاه وفتنه والفتنة الابتلاء والاختبار ليتبين الصادق من الكاذب. ومن لم يقل آمنا فلا يحسب أنه يعجز الله ويفوته ويسبقه فإنه إنما يطوي المراحل في يديه.
وَكَيْفَ يَفِرُّ المَرْءُ عَنْهُ بِذَنْبِهِ ... إِذَا كَانَ يَطْوي فِي يَدَيْهِ المَرَاحِل
فمن آمن بالرسل وأطاعهم عاداه أعداؤهم وآذوه فابتلي بما يؤلمه،
стр. 2114
وإن لم يؤمن بِهُمْ ولم يطعهم عوقب في الدُّنْيَا والآخرة فحصل له ما يؤلمه وكَانَ هَذَا المؤلم أعظم وأدوم من ألم إتباعهم فلابد من حصول الألم لكل نفس آمنت أو رغبت عن الإِيمَان لكن المُؤْمِن يحصل له الألم لكل نفس آمنت أو رغبت عن الإِيمَان لكن المُؤْمِن يحصل له الألم في الدُّنْيَا ابتداء ثُمَّ يكون له العاقبة في الدُّنْيَا والآخرة والمعرض عن الإِيمَان يحصل له لذة ابتداء ثُمَّ يصير في الألم الدائم، وصلي الله علي مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين
(فَصْلٌ)
وَسُئِلَ الشَّافِعِيُّ ﵀ أيُّمَا أَفْضَلُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُمَكَّنَ أَوْ يُبْتَلىَ فَقَالَ لا َيُمَكَّنُ حَتَّى يُبْتَلَى واللهُ تَعَالَى ابْتَلى أُولًي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ فَلَمَّا صَبَرُوْا مَكّنَهُمْ.
فَلاَ يَظُنُّ أَحَدٌ أَنَّهُ يَخْلُصُ مِنَ الأَلَمِ البَتَّةَ وإِنَّمَا تَفَاوَتَ أَهْلُ الآلامِ فِي العُقُولِ فَأَعْقَلُهُمْ مَنْ بَاعَ أَلماًً مُسْتَمِرّاً عَظِيْماً بأَلَمٍ مُنْقَطِعٍ يَسِيْرٍ وأشْقَاهُمْ مَنْ بَاعَ الأَلَمَ المُنْقَطِعَ اليَسِيْرَ بالألمِ العَظِيْمِ المُسْتَمِرْ. فَإِنْ قِيْلَ كَيْفَ يَخْتَارُ العَقْلُ لِهَذَا؟ قِيْلَ الحَامِلُ لَهُ عَلَى هَذَا النَّقدُ والنَّسيْئَةُ والنَّفْسُ مُوَكَّلَةٌ بِالعَاجِلِ ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ أيّ الدُّنْيَا ﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ ﴿إِنَّ هَؤُلاَءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ وهَذَا يَحْصُلُ لِكُلَّ أحَدٍ فَإِنّ الإِنْسَانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ لابُدَّ لَهُ أنْ يَعِيْشَ مَعَ النَّاسِ.
وَالنَّاس لّهُمْ إرادات وتصورات فيطلبون منه أن يوافقهم عَلَيْهَا وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى والْعَذَاب تَارَّة مِنْهُمْ، وتَارَّة من غيرهم كمن عنده دين وتقي حل بين قوم فجار ظلمة ولا يتمكنون من فجورهم وظلمهم إِلا بموافقته لّهُمْ وسكوته عنهم فإن وافقهم أو سكت عنهم سلم من شرهم في الابتداء ثُمَّ يسلطون عَلَيْهِ بالإهانة والأذى أضعاف
стр. 2115
ما كَانَ يخافه ابتداء لو أنكر عَلَيْهمْ وخالفهم وإن سلم مِنْهُمْ فلابد أن يهان ويعاقب علي يد غيرهم.
فالحزم كُلّ الحزم في الأخذ بما قَالَتْ أم الْمُؤْمِنِين لمعاوية: من أرضي الله بسخط النَّاس كفاه الله مؤنة النَّاس ومن أرضي النَّاس بسخط الله لم يغنوا عَنْهُ شَيْئاً.
ومن تأمل أحوال العَالَم رأي هَذَا كثيراً فيمن يعين الرؤساء علي أغراضهم الفاسدة وفيمن يعين أَهْل البدع علي بدعهم هرباً من عقوبتهم فمن هداه الله وألهمه رشده ووقاه شر نَفْسهُ امتنع من الموافقة علي فعل المحرم وصبر علي عداوتهم ثُمَّ يكون له العاقبة في الدُّنْيَا والآخرة كما كانت للرسل وأتباعهم كالمهاجرين والأنصار ومن ابتلي من العِلماًء والعباد وصالحي الولاة والتجار وغيرهم ولما كَانَ الألم لا محيص منه البتة عزي سُبْحَانَهُ من اختار الألم اليسير المنقطع علي الألم العَظِيم المستمر بقوله " مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» .
فضرب لمدة هَذَا الألم أجلاً لابد أن يأتي وَهُوَ يوم لقائه فيلتذ الْعَبْد أعظم اللذة بما تحمل من الألم في الله ولله وأكد هَذَا العزاء والتسلية برجَاءَ لقائه ليحمل الْعَبْد اشتياقه إلي لقاء ربه ووليه علي تحمل مشقة الألم العاجل بل ربما غيبة الشوق إلي لقائه عن شهود الألم والإحساس به ولهَذَا سأل النَّبِيّ ? ربه الشوق إلي لقائه فَقَالَ الدُّعَاء الَّذِي رواه أَحَمَد وابن حبان:
(اللَّهُمَّ إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك علي الخلق أحيني إذا
стр. 2116
كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك نعيماً لا ينفذ وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك الرِّضَا بعد الِقَضَاءِ وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلي وجهك وأسألك الشوق إلي لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللَّهُمَّ زينا بزينة الإِيمَان وَاجْعَلْنَا هداة مهتدين) .
فالشوق يحمل المشتاق علي الجد في السير إلي محبوبه ويقرب عَلَيْهِ الطَرِيق ويطوي له العبيد ويهون عَلَيْهِ الآلام والمشاق وَهُوَ من أعظم نعمة أنعم الله بها علي عبده ولكن لهذه النعمة أقوال وأفعال وأعمال هما السبب الَّذِي تنال به وَاللهُ سُبْحَانَهُ سميع لتلك الأقوال عليم بتلك الأفعال وَهُوَ عليم بمن يصلح لهذه النعمة كما قال تَعَالَى " فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاَءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهمْ مِن بَيْنِنَا ألَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ» .
فإذا فاتت الْعَبْد نعمة من نعم ربه فليقَرَأَ علي نَفْسهُ " ألَيْسَ الله بأعلم بالشاكرين " ثُمَّ عزاهم تَعَالَى بعزاء آخر وَهُوَ أن جهادهم فيه إنما هُوَ لأنفسهم وثمرته عائدة عَلَيْهمْ وإنه غني عن العالمين ومصلحة هَذَا الجهاد ترجع إليهم لا إليه سُبْحَانَهُ ثُمَّ أخبر أنه يدخلهم بجهادهم وإيمانهم في زمرة الصالحين ثُمَّ أخبر عن حال الداخل في الإِيمَان بلا بصيرة وأنه إذا أوذي في الله جعل فتنة النَّاس له كعذاب الله.
وهي أذاهم له ونيلهم إياه بالمكروه والألم الَّذِي لابد أن يناله الرسل وأتباعهم ممن خالفهم جعل ذَلِكَ الَّذِي ناله مِنْهُمْ كعذاب الله الَّذِي فر منه المؤمنون بالإِيمَان فالمؤمنون لكمال بصيرتهم فروا من ألم عذاب الله إلي الإِيمَان وتحملوا ما فيه من الألم الزائل المفارق عن قريب.
стр. 2117
وهَذَا لضعف بصيرته فر من ألم عذاب أعداء الرسل إلي موافقتهم ومتابعتهم ففر من ألم عذاب الله فجعل ألم فتنة النَّاس في الفرار منه بمنزلة ألم عذاب الله وغبن كُلّ الغبن إذ استجار من الرمضاء بالنار وفر من ألم ساعة إلي ألمِ الأبد وإذا نصر الله جنده وأولياءه قال إني معكم والله عليم بما انطوي عَلَيْهِ صدره من النفاق.
والمقصود أن الله سُبْحَانَهُ اقتضت حكمته أنه لابد أن يمتحن النُّفُوس ويبتليها فيظهر بالامتحان طيبها من خبيثها ومن يصلح لموالاته وكراماته ومن لا يصلح وليمحص النُّفُوس التي تصلح له ويخلصها بكير الامتحان كالذهب لا يخلص ولا يصفو من غشه إِلا بالامتحان إذ النفس في الأصل جاهلة ظالمة وقَدْ حصل لها بالجهل والظلم من الخبث ما يحتاج خروجه إلي السبك والتصفية فإن خَرَجَ في هذه الدار وإِلا ففي كير جهنم فإذا هُذِّبَ الْعَبْدُ ونقي أذن له في دخول الْجَنَّة.
قال الناظم ﵀:
وَإِنَّ جِهَادَ الكُفْرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ ... وَيَفْضُلُ بَعْدَ الفَرْضِ كُلَّ تَعَبُّدِ
لأَنَّ بِهِ تَحْصِيْنُ مِلَّةِ أَحْمَدٍ ... وَفَضْلُ عُمُومِ النَّفْعِ فَوْقَ المُقَيَّدِ
فَلِلّهِ مَنْ قَدْ بَاعَ للهِ نَفْسَهُ ... وجُوْدُ الفَتَى فِي النَّفْسِ أَقْصَى التَّجَوُّدِ
وَمَنْ يَغْزُ إِنْ يَسْلَمْ فَأجْرٌ ومَغْنَمٌ ... وإِنْ يَرْدَ يَظْفُرْ بالنَّعِيْمِ المُخَلَّدِ
стр. 2118
وَمَا مُحْسِنٌ يَبْغِيْ إِذَا مَاتَ رَجْعَةً ... سِوَى الَّشَهَدا كَيْ يَجْهَدُوْا فِي التَّزَودِ
لِفَضْلِ الَّذِي أُعْطْوا وَنَالُوا مِنَ الرِّضَى ... يَفُوقُ الأَمَانِيْ فِي النَّعِيمِ المُسَرْمَدِيْ
كَفَى أَنَّهُمْ أَحْيَا لَدَى اللهِ رُوْحُهُمْ ... تَرُوْحُ بِجَنَّاتِ النَّعِيْمِ وَتَغْتَدِيْ
وغُدْوَةُ غَازٍ أَوْ رَواحُ مَُجاهِدٍ ... فَخَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا بِقَوْلِ مُحَمَّدِ
يُكَفَّرُ عَنْ مُسْتَشْهَدِ البَرِّ مَا عَدَا ... حُقُوقَ الوَرَى والكُلُّ فِي البَحْرِ فَاجْهَدِ
وَقَدْ سُئِلَ المْخُتَارُ عَنْ حَرِّ قَتْلِهِمْ ... ... فَقَالَ يَرَاهُ مِثْلَ قَرْصَةِ مُفْرَدِ
كُلُوْمُ غُزَاةِ اللهِ ألوَانُ نَزْفِهَا ... دَمٌ وكَمِسْكٍ عَرْفُهَا فَاحَ فِي غَدِ
وَلَمْ يَجْتَمِعَ فِي مَنْخِرِ المَرْءِ يَا فَتَى ... غُبَارُ جِهَادٍ مَعَ دُخَانٍ لَظَى أشْهَدِ
كَمَنْ صَامَ لَمْ يُفْطِرْ وقَامَ فَلَمْ يَنَمْ ... جِهَادُ الفَتَى فِي الفَضْلِ عِنْدَ التَّعَدُّدِ
لَشَتَانَ مَا بَيْنَ الضَّجِيْعِ بِفُرْشِهِ ... وسَاهِرِ طَرْفٍ لَيْلَةً تَحْتَ أَجْرَدِ
يُدَافِعُ عَنْ أََْهْلِ الهُدَى وَحِرْيْمِهِمْ ... وَأْمَواِلِهْم بِالنَفْسِ والْمَالِ واليَدِ
стр. 2119
وَمَنْ قَاتَلَ الأَعْدَاءَ لإِعْلاَءِ دِيْنِنَا ... فَذَا فِي سَبِيْلِ اللهِ لاَ غَيْرُ قَيِّدِ
وَيَحْسنُ تَشْيِيْعُ الغُزَاةِ لِرَاجِلٍ ... وَحَلَّ بِلاَ كُرْهٍ تَلَقِيْهُمُ أشْهَدِ
وأَهْلُ اْلكِتَابِ والمَجُوسُ إِنْ تَشَا أغْزُهُمْ ... بِغَيْرِ دُعَاءٍ إِذْ بِإِبْلاغِهِمْ بُدِيْ
ويُغْزَوْنَ حَتَّى يُسْلِمُوْا أَوْ يُسَلِّمُوْا ... صَغَاراً إِلَيْنَا جِزْيَةَ الذُّلِ عَنْ يَدِ
وَغَيْرُ أُولَى فَلْيُدْعَ قَبْلَ قِتَالِهِ ... إَلى أَشْرَفِ الأدّيَانِ دِيْنِ مُحَمَّدِ
وَعَرِّفْهُ بالبُرْهَانِ حَتْمَ اِتِّبَاعِهِ ... وَلاَ تَقْبَلَنْ مِنْهُ سِوَاهُ بأَوْطَدِ
وإِنَّ رِبَاطَ المَرْءِ أَجْرٌ مُعَظَّمٌ ... مُلازِمُ ثَغْرِ لِلِّقَا بالتَّعَدُّدِ
ويَجّْرِيْ عَلَى مَيْتٍ بِهِ أَجْرُ فِعْلِهِ ... كَحَيٍ وَيُؤْمَنْ بافْتِتَانِ بمَجْلَدِ
وَلاَ حَدَّ فِي أَدْنَاهُ بَلْ أرْبَعُوْنَ فِي الـ ... تَّمَامِ ويُعْطَى أَجْرَ كُلِّ مُزَيَّدِ
وأَفْضَلُهُ مَا كَانَ أخْوَفَ مَرْكَزاً ... وأَقْرَبَ مِنْ أرْضِ الْعَدُوِّ المُنَكِدِ
وَذَلِكَ أَثْنَى مِنْ مُقَامٍ بمَكَةٍ ... وَفِي مَكَّةٍ فَضْلُ الصَّلاَةِ فَزَيَّدِ
стр. 2120
وَمَنْ لَمْ يُطِقْ فِي أرْضِ كُلِّ ضَلاَلةٍ ... ِقَياماً وَإِظهَاراً لِدِيْنِ مُحَمَّدِ
فَحَتْمٌ عَلَيْهِ هِجْرَةٌ مَعَ أَمْنِهِ الْـ ... هَلاَكَ وَلَوْ فَرْداَ وَذَاتَ تَعَدُّدِ
بِلاَ مَحْرَمٍ مَشْياً وَلَوْ بَعَدُ المَدَى ... لِفِعْلِ الصَّحَابِيَاتِ مَعَ كُلِّ مُهْتَدِ
اللَّهُمَّ ألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا لما وفقت له الصالحين من خلقك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المسلمين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
فائدة جليلة
وَقَالَ إذا أصبح الْعَبْد وأمسي وليس همه إِلا الله وحده يحمل الله سُبْحَانَهُ حوائجه كُلّهَا وحمل عَنْهُ كُلّ ما أهمه، وفرغ قَلْبهُ لمحبته ولِسَانه لذكره وجوارحه لطاعته وإن أصبح وأمسي والدُّنْيَا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله إلي نَفْسهُ فشغل محبته بمحبة الخلق ولِسَانه عن ذكره بذكرهم وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم.
فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره فكل من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بلي بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته قال تَعَالَى " وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانَاً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ» . أ.هـ.
شِعْراً:
كَأنِّي بنَفْسِيْ قَدْ بَلَغْتُ مَدَى عُمْرِي ... وأنْكَرْتُ مَا قَدْ كُنْتُ أَعْرِفْ مِنْ دَهْرِي
стр. 2121
وَطَالَبَنِيْ مَنْ لاَ أَقُوُمُ بِدَفْعِهِ ... وحُوِّلْتُ مِنْ دَارِي إِلى ظُلْمَةِ القَبْرِ
وَفَازَ بِمِيْرَاثِي أُنُاسٌ فَشَتَّتُوْا ... بإِفْسَادِهِمْ مَا كُنْتُ أَجْمَعُ فِي عُمْرِي
وأَهْمَلَنِي مَنْ كَانَ يُبْدِي مَحَبَّتِيْ ... وأُخْلِصُهُ وُدِّيْ ويَغْمِرُهُ بِرِّيْ
وَلَمْ يَسْخُ لِي مِنْهُمْ صَدِيْقُ بِدَعْوَةٍ ... إِذَا مَا جَرَى يَوماً بحَضْرَتِهِ ذِكْرِي
وأَضْحَى لِبَيْتِيْ سَاكِنٌ مُبْهَجٌ بِهِ ... وفِي اللّحْدِ بَيْتِيْ لاَ أَقُوْمُ إَلى الحَشْرِ
فَيَا شِقْوَتِي إنْ لَمْ يَجْدْ بنَجَاتِهِ ... إِلَهْي ولَمْ يَجْبُرْ برَحْمَتِهِ فَقْرِي
فَقَدْ أثقُلْتْ ظَهْرِي ذُنُوْبٌ لَوْ أنَّهَا ... عَلَى ظَهْرِ طُوْرٍ أَثْقَلَتْهُ مِنْ الوِزْرِ
" موعظة "
عِبَادَ اللهِ مضي رِجَال من هذه الأمة كانوا يخشون ربهم خشية العارفين الموقنين لذَلِكَ كانت أقوالهم وأفعالهم موزونة بما للشرع من موازين كَانُوا يزنون كلامهم قبل أن يلفظوا به لأنهم يوقنون أن خالقهم سمعها وشهد عَلَيْهَا وَهُوَ تَعَالَى خَيْر شاهد.
كَانُوا إذا أظلم الليل يقفون في محاريبهم باكين متضرعين لهُمْ أنين كأنين المرضي ولهم حنين كحنين الثكلى وكَانُوا ربما مروا بالآية من كتاب الله
стр. 2122
فجعلوا يرددونها بقلب حزين فأثرت عَلَيْهمْ ومرضوا بعدها مَاتَ أولئك السَّلَف الصالح الَّذِينَ تتجافي جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً.
وماتت تلك الخشية وأعقبها قَسْوَة أذهلت العباد عن طاعة الله فصاروا يأتون ويذرون ما يذرون دون سؤال عن سخط الله ورضاه.
وغدت جوارحهم مطلقة في كُلّ ما يغضب الله وصَارَت أفعالهم فوضي لَيْسَ لها ضوابط ولا قيود العين تجول في المناظر المحرمة من نساء سافرات إلي سينماء إلي تلفزيون إلي الفيديو معلم الفساد إلي كورة إلي مجلاتٍ في طيها الشرور إلي صورة مجسدة وغير مجسدة إلي كتب هدامة للأَخْلاق إلي غير ذَلِكَ من المحرمَاتَ التي تجرح القُلُوب.
والفرج يسرح كما شَاءَ إلي الفواحش الدين ضعيف والخلق فاسد والأذنُ لا تشبع من سماع ما يسخط ربها والبطن يستزيد من سحت الأقوات.
وأما اليد فحدث ولا حرج في تعدي الحدود وأما اللسان فليله ونهاره يتحرك ويتقلب في منكر القول وزوره ولا كأن ربه السميع البصير العليم موجود وتراه في أعراض الغوافل ويمزق جلودهم في السب والغيبة والبهت والكذب ولا يعف عن عرض أي بشر.
ويحلف بِاللهِ العلي العَظِيم كُلّ يوم مرات ولا يهمه أبر في يمينه أم فجر وأما وعوده وعهوده وعقوده فتهمل ولا كأنه مكلف باحترامها فهَذَا وأمثاله قَدْ انهمكوا في المعاصي وتوغلوا فيها وصَارَت عندهم عادات وشَيْء طبعيٌّ مألوفٌ لهُمْ.
стр. 2123
ولذَلِكَ إذا مررت بِهُمْ أو مررت حول بيوتهم استوحشت من سماع الأغاني والرقص والمطربين والسب واللعن والقذف والاستهزاء بالدين وأخذت في العجب بين هَؤُلاَءِ وأولئك الَّذِينَ في أوقات التجليات في حنادس الظلم يناجون ربهم راغبين في رضوان العزيز الجبار خائفين من سخط المنتقم القهار متفكرين في سرعة حلول الْمَنَايَا التي تسارع الأيام والليالي في اقترابها وموقنين بأنهم محاسبون علي الفتيل والنقير والقطمير عالمين بأنهم مكلفون بواجبات عبودية ما قاموا بالقليل منها وهم عَنْهَا مسؤلون وعلي ما قدموه من خَيْر وشر قادمون.
وهل حال هَؤُلاَءِ السعداء في جانب أولئك التعساء الأشقياء إِلا كحال المصاب بالجنون في جانب أوفر النَّاس عقلاً وأكملهم وقاراً فأكثر يا أخي من قولك الحمد لله الَّذِي عافانَا مِمَّا ابتلاهم الله يعافيهم ولا يبلانَا قال تَعَالَى ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ألا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾
وَكُلَّ كَسْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَجْبُرُهُ ... وَمَا لِكَسْرِ قَنَاةِ الدِّيْنِ جُبْرَانُ
فتنبه أيها المُؤْمِن واعْلَمْ أنك مسئول عن كُلّ ما تعمل لا مهمل كالأنعام فانهج نهج الاستقامة وراقب ربك في مصادرك ومواردك لتقف عَنْدَ الحدود قال بعض المرشدين إلي معَالِم الرشد ضارباً لذَلِكَ مثلاً:
واعْلَمْ أن الإِنْسَان في تقَلْبه في أطوار حياته كمثل غريب ألقت به المقادير إلي قوم استقبلوه بترحاب وتكريم وكَانَ ذَلِكَ النازل فاقَد القوى غير عَالِم بما عَلَيْهِ القوم من الشئون ولا يدري من أين أتي ولا إلى أين يذهب.
стр. 2124
فقام القوم بواجبات خدمته وإكرامه حتى قويت حواسه وجوارحه ومداركه وأخذ يعمل القوم فَجَاءَ رجل من علائقهم قائلاً: يا هَذَا إن هذه الدار التي توطنها مكرموك ما هِيَ دار إقامة ولا هِيَ مملوكة لأحد من الخلق ولكنهم أمثالك نزلاء من كَانُوا يعمرون هذه الدار قبلهم ثُمَّ رحلوا وتركوها وما كَانَ رحيلهم إلي مكَانَ بعيد ولكنه كَانَ إلي سجن ضيق ومكَانَ مظلم لو أرسلت ببصرك لرأيته وقَدْ فقدوا تلك القوي وتناسوا ذَلِكَ النَّعِيم.
ثُمَّ أخذ بيده إلي مكَانَ قفر وأعني به المقبرة وَقَالَ له: هَذَا مراح القوم ومسقط رؤوسهم وإن الطَرِيق التي توصلك إلي هَؤُلاَءِ القوم هِيَ الطَرِيق التي سلكها مكرموك وإنها لطَرِيق ذات عقبات مهلكة ولها أوحال من تورطها هلك ولا مخلص من تلك الأحوال إِلا بتجنب تلك العقبات أو تجاوزها عدواً.
فإن رمت السلامة فسر فريداً متحفظاً من تخاصم القوم وتنازعهم ومن ملاهييهم وألعابهم ولا تصغ لمن يناديك من خلفك فإن الَّذِي يناديك من خلفك في طَرِيق النجاة هُوَ أجهل منك بها ولا تخالف من ناداك من الأمام فَإِنَّهُمْ أدري منك بمفاوز الطَرِيق.
وإياك أن تشتبه عَلَيْكَ الطرق وأصوات المنادين فإن طَرِيق السلامة لها أعلام ومصابيح نيرة علي رأس كُلّ مرحلة من مراحلها وأما باقي الطرق فإنها مظلمة موحشة مهلكة وما هِيَ إِلا طَرِيق واحدة ولكنها ذات شعب ومسارب كثيرة.
فاحذر أن تتهاون بنفسك كما تهاون القومُ بنفوسهم فهلكوا وهم لا يشعرون فإن كَانَ النازل الغريب علي استعداد لتعقل النصائح وذا قابيلة تقبل
стр. 2125
الإرشاد وقف علي أفواه الطَرِيق وفتح عينيه واستعمل فكره وتبصر في أمره وتدبر عواقب ما عَلَيْهِ وأخذ لنفسه بأحوط الأحوال وأقربها إلي السلامة وجعل عينه متجهة للنظر إلي منازل الراحلين التي لا أنيس بها ولا جلَيْسَ.
وَتَأَمَّلَ سُرْعَةَ الرَّحِيْلِ وقِصَرَ أَوْقَاتِ الإقَامَةِ وتَجَنَّبَ الألْعَابَ والمَلاَهِي وسَلَكَ سَبِيْلَ المُهْتَدِيْنَ وإِنْ كََانََ ضَيِّقَ الحَضِيْرَةِ قَاصِرَ النَّظَرِ ضَعِيْفَ الهِمَّةِ ضَائِعَ العَقْلِ سَيئَ التَّصَوُرِ فَاقِدَ الفِكْرِ خَبِيْثَ الاسْتِعْدَادِ لَئِيْمَ الطَّبْعِ لا يَجِدُ بُداً مِنْ مُنَازَعَةِ اللاَّعِبِيْنَ ومُسَابَقَةِ اللاَّهِيْنَ وَتَغَافََِل عَنْ عَاقِبَةِ أَمْرِهِ وسُوْءِ مَصِيْرِهِ وتَبَاعَدَ عَنْ صِيَاحِ النَّاصِحِيْنَ وأَصْغَى إِلى مُدَاهَنةِ الغَاوِيْنَ أَصْبَحَ مِنْ النادِمِيْنَ.
وما ضربنا لك هَذَا المثل إِلا لتعلم أنك أَنْتَ الغريب الَّذِي نزلت يوم ولدتك أمك بقومك وأَنْتَ ضعيف القوي لا تعلم شَيْئاً كما قال تعالي " والله أخرجكم من بطونِ أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمَعَ والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون)) ففرح بك قومك وأكرموك إلي أن قويت الآت أعمالك وصرت تحسن الرحيل وحدك.
ونريد بالرحيل هنا سلوك إحدى الطريقين إما طَرِيق الكمالات وإما طَرِيق النقائص لأنهما مسارب المكلفين الَّذِينَ لابد لهُمْ من السير فيها للوصول إلي أحد الغايتين فإنه ما من طَرِيق إِلا ولها غاية ينتهي إليها مسير سالكها.
وما نريد بالرجل العاقل المرشد إِلا صاحبَ الرسالة ﵊ أو النائب عَنْهُ في تبليغها وما نريد بمن يناديك من الأمام إِلا السَّلَف
стр. 2126
الصالح الَّذِينَ سبقونا بالإِيمَان وبينوا لنا طَرِيق النجاة أو الأتقياء المقتفون لآثارهم الَّذِينَ ثبتت استقامتهم.
وما نريد بالَّذِينَ ينادوك من خلفك إِلا الَّذِينَ لا قدم لهُمْ في طَرِيق النبوة فلم يسلكوا سبيل المهتدين بل اعتمدوا في إرشادهم علي مقال لا حال معه ولا عمل وهَذَا لا تصلح متابعته لأنهم أجهل النَّاس بطَرِيق الاستقامة.
وما أَهْل الاستقامة إِلا الَّذِينَ راقبوا قُلُوبهمْ وأمسكوا ألسنتهم وطهروا أقلامهم فلا عزم لهُمْ إِلا علي أعمال البر والمواساة ولا يقولون إِلا الحق المنجي ولا يكتبون إِلا ما لو سئلوا عَنْهُ يوم القيامة لأحسنوا الإجابة والَّذِينَ يذكرون الله كثيراً وإذا ذكر الله وجلت قُلُوبهمْ والبكاؤون من خشية الله المقتفون لآثاره ?.
شِعْراً: ... نُورُ الْحَدِيْثِ مُبِيْنٌ فَادْنُ وَاقْتَبِسِ ... وَاحْدُ الرِّكَابَ لَهُ نَحْوَ الرِّضَا النَّدُسِ
مَا العِلْمُ إِلاَ كِتَابُ اللهِ أَوْ أَثَرٌ ... يَجْلُو بِنُوْرِ هُدَاهُ كُلِّ مُلْتَبِسِ
نُوْرٌ لِمُقْتَبِسٍ خَيْرٌ لِمُلْتَمِسٍ ... حِمىً لِمُخْتَرِسٍ نُعْمَى لِمُبْتَئِسِ
فاعْكُفْ بِبَابِهِمَا عَلَى طِلابِهِمَا ... تَمْحُوْ العَمَى بِهِمَا عَنْ كُلِّ مُلْتَبِسِ
стр. 2127
وَرِدْ بِقَلْبِكَ عذْباً مِنْ حِيَاضِهِمَا ... تَغْسِلْ بِمَائِهِمَا مَا فِيْهِ مِنْ دَنَسِ
واقْفُ النَّبِيَّ واتْبَاعَ النَّبِيّ وَكُنْ ... مِنْ هَدْيِهِمْ أَبَداً تَدْنُوْ إِلى قَبَسِ
والْزَمْ مَجَالِسَهُمْ وَاحْفَظْ مُجَالِسَهُمْ ... وَانْدَبِ مَدَارِسَهُمْ بالأرْبُعِ الدُّرُسِ
واسْلُكْ طَرِيْقَهُمْ وَاتْبَعْ فَرِيقَهُمُ ... تَكُنْ رَفِيْقَهُمُ فِي حَضْرَةِ القُدُسِ
تِلْكَ السَّعَادَةُ إِنْ تُلْمِمْ بِسَاحَتِهَا ... فَحُطَّ رَحْلَكَ قَدْ عُوْفِيْتَ مِنْ تَعَسِ
وما نريد بمراحل حياتك إِلا الأطوار التي تتقلب بك فيها الشمس كُلَّما غربت أو أشرقت وتنتقل بك إليها الليالي وأَنْتَ لا تشعر فما أسرع مُرُور الشمس بك إلي نهاية أجلك وما أغفلك عن عملها فيك.
وما نريد بأوحال حياتك إِلا متابعة شهواتك عَنْدَ بلوغ الحلم فإن لطور الشبوبية أوحال مهلكه وهي الشهوات البهيمية التي تضطر الشباب الَّذِي غلبت شهوته عقله إلي مغازلة الغانيات ومعانقة الملاهي وتعاطي المحرمَاتَ فيصير قي أوحال تناسبه.
وما من أحد تستطيع تلك الأوحال إِلا الَّذِي وفقه الله فتباعد عن ظلمَاتَ الزيغ وتنور بنور العلم الديني الَّذِي علمه العليم الخبير لرسوله ? وأمره بتعليمه للناس لأنه جل شأنه هُوَ الحكيم العليم الَّذِي علم الداء ودبر
стр. 2128
الدواء قال تَعَالَى ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ انتهي بتصرف يسير.
شِعْراً:
مَثِّلْ لِنَفْسِكَ أَيُّهَا المَغْرُوْرُ ... يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَمُوْرُ
قَدْ كُوِّرَتْ شَمْسُ النَّهَارِ وأُضْعِفَتْ ... حَرّاً عَلَى رُؤُسِ العِبَادِ تَفُوْرُ
وَإِذَا الجِبَالَ تَعَلّقَتْ بأُصُوْلِهَا ... فَرَأَيْتَهَا مِثْلَ السَّحَابِ تَسِيْرُ
وَإِذَا النُّجُومُ تَسَاقَطَتْ وَتَنَاسَرَتْ ... وَتَبَدَّلَتْ بَعْدَ الضّيَاءِ كَدُوْرُ
وَإِذَا العِشَارُ تَعَطَّلَتْ عَنْ أَهْلِهَا ... خَلَتِ الدَّيَارُ فَمَا بِهَا مَعْمُوْرُ
وَإِذَا الوُحُوْشُ لَدَى القِيَامَةِ أُحْضِرَت ... وَتَقُوْلُ لِلأَمْلاَكِ أَيْنَ نَسِيْرُ
فَيُقَالُ سِيْرُوْا تَشْهَدُوْنَ فَضَائِحاً ... وَعَجَائِباً قَدْ أُحْضِرَتْ وَأُمُوْرُ
وَإِذَا الجَنِيْنُ بِأُمِّهِ مُتَعَلِّقٌ ... خَوْفَ الحِسَابِ وقَلْبُهُ مَذْعُوْرُ
هَذَا بِلاَ ذَنْبٍ يَخَافُ لِهَوْلِهِ ... كَيْفَ الْمُقِيْمُ عَلَى الذُّنُوْبِ دُهُوْرُ
стр. 2129
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ وقوي محبتك في قلوبنا وألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا لطَاعَتكَ وامتثال أمرك اللَّهُمَّ نور قلوبنا بنور الإِيمَان وَاجْعَلْنَا هداة مهتدين وتوفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين واغفر لنا ولوالدينا وَجَمِيع المسلمين بِرَحْمَتِكَ يا أرحم الراحمبن وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
((نَخْتُمُ هَذَا الجُزْءَ في فَصْلٍ يَحْتَوِيْ عَلَى نُبْذَةٍ يَسِيْرَةٍ))
((عَنْ سِيْرَةِ النَّبِيِّ ?))
((وَنُمُوذجٍ عَنْ حِلْمِهِ وَوَفَائِهِ))
هو مُحَمَّد بن عَبْد اللهِ بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مره بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مَعد بن عدنان هَذَا متفق علي صحته.
ولا خلاف أن عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم وإسماعيل هُوَ الذبيح علي القول الصحيح والقول بأنه إسحق باطل ولا خلاف أنه ? ولد بمَكَّة عام الفيل يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول وقيل لعشر منه وقيل لاثنتي عشرة خلت منه سنة ٥٧١ م.
وأما عَبْد اللهِ أبو رسول الله ? فكَانَ أحسن أولاد عبد المطلب وأعفهم وكَانَ أبوه يحبه والأكثر يقولون أنه توفي والنَّبِيّ ? حمل وقيل أنه مَاتَ ولِرَسُولِ اللهِ ? شهران وَجَمِيع ما خلفه عبد المطلب خمسة أحمال وجارية
стр. 2130
حبشية اسمها بركة وكنيتها أم أيمن وهي حاضنته ?.
وروي البيهقي أنه ? ولد مختوناً وذكر البيهقي أيضاً لما كانت اللَّيْلَة التي ولد فيها رسول الله ? ارتج إيوان كسري وسقط من أربع عشرة شرفة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذَلِكَ من ألف عام وغاضت بحيرة ساوة.
وإلي هَذَا أشار الشاعر في قوله:
نُوْرٌ مِنَ الرَّحْمنِ أرْسَلَهُ هُدَى ... لِلنَّاسِ فَازْدَهَرَ الزَّمَانُ وأيْنَعَا
دَعْ عَنْكَ إيْوَانَاً لِكِسْرَى عِنْدَمَا ... هَتَفُوْا بِمَوْلِدِهِ هَوَى وتَصَدَّعَا
واذْكُرْهُ كَيْفَ أَتَى شُعُوْباً فُرِّقَتْ ... أَهْوَاءُهَا كُلٌّ يُصَحِّحُ مَا ادَّعَا
فَهَدَاهُمْ لِلْحَقِّ حَتَّى أصْبَحُوْا ... فِي اللهِ إِخْوَانَاً تَرَاهُمْ رُكَّعَا
أَبْنَاءَ أَخْيَافٍ تَجَمَّعَ شَمْلُهُمْ ... أَبْنَاءَ أَخْيَافٍ تَجَمَّعَ شَمْلُهُمْ
فَتَحْوا لَهُ الدُّنْيَا فَسَارَ مُظَفَراً ... وَبَنَوْا لَهُ حِصْناً أَشَمَّ مُمَنَّعَا
بَذَلُوْا النُّفُوسَ رَخِيْصَةً فِي نَصْرِهِ ... فَتَسَنَّمُوْهَا مِ السَّلاَمِ الأَرْفَعَا
стр. 2131
لَهْفِيْ عَلَى مَاضِي الحَنِيْفَةِ أِنَّهُ ... مَاضٍ تَعَلَّقَ زَاهِياً وَتَضَوَّعَا
أَيَّامَ كَانَ الدِّيْنُ تُشْرِقُ شَمْسُهُ ... أَيَّامَ كَانَ الدِّيْنُ تُشْرِقُ شَمْسُهُ
يَا أُمَّةَ التَّوْحِيْدِ هَذَا مَجْدُكُمْ ... إِنّيْ لأخْشَى أَنْ يَضَلَّ مُضَيَّعَا
سِيْرُوْا عَلَى سُنَنِ النَّبِيّ وَجَنِّبُوْا ... زَيْفَ الحَضَارَةِ عَنْكُمُ أَنْ يَخْدَعَا
وَخُذُوْا لَكُمْ مِنْ سُنَّةِ الهَادِي هُدَى ... فَهُوَ المَنَارُ إِذَا الضَّلاَمُ تَجَمَّعَا
وروي الإمام أَحَمَد وغيره عن العرباض بن سارية عن النَّبِيّ ? قال إني عَنْدَ الله في أم اْلكِتَاب لخاتم النبيين وأن آدم لمجندل في طينته وسوف أنبئكم بتأويل ذَلِكَ دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسي قومه ورؤيا أمي التي رأت أنه خَرَجَ منها نور أضأت له قصور الشام.
قال في اللطائف وخروج هَذَا النور عن وضعه إشارة إلي ما يجئ به من النور الَّذِي اهتدي به أَهْل الأرض وزالت به ظلمة الشرك كما قال تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ .
اللَّهُمَّ يا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أنقذنا من نوم الغَفْلَة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة ووفقنا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا وزنوبنا ولا تؤخذنا بما انطوت عَلَيْهِ ضمائرنا واكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعائب التي تعلمها منا وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المسلمين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
... ... ... ... ...
стр. 2132
(فَصْلٌ)
وبعد مولده ? أرضعته أمه آمنه بنت وهب بن مناف بن زهرة بن كلاب ثُمَّ أرضعته ? ثوبية عتيقة أبي لهب أعتقها حين بشرته بولادة النَّبِيّ ? ثُمَّ أرضعته حليمة السعدية.
قَالَتْ حليمة السعدية التي أراد الله أن تَقُوم بإرضاعه قدمت مكه مَعَ تسع نسوة من بني سعد بن بكر نلتمس الرضاع في سنة شهباء علي أتان لي ومعي صبي لنا وقَدْ عرض رسول الله ? علي كُلّ امرأة منا فأبين أن يرضعنه حينما علمن أنه يتيم الأب.
وَذَلِكَ أَنَا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول إنه يتيم ما عسي أن تصنع أمه وجده فكنا نكرهه لذَلِكَ قَالَتْ: فو الله ما بقي من صواحبي امرأة إِلا أخذت رضيعاً فَلَمَّا لم أجد غيره قُلْتُ لزوجي وَهُوَ الحارث بن عبد العزي والله إني لا أكره أن أرجع من بين صواحبي ولَيْسَ معي رضيع لانطلقن إلي ذَلِكَ اليتيم ولآخذنه.
قال لا ضرر عَلَيْكَ أن تفعلي. عسي الله أن يجعل لنا فيه بركة فذهب ثُمَّ أخذته بما هُوَ عَلَيْهِ فأقبل عَلَيْهِ ثديي بما شَاءَ من لبن فشرب حتى روي وشرب ابني حتى شبع فودعت النساء بعضهن بعضاً.
ثُمَّ ركبت أتاني وأخذت محمداً بين يدي ثُمَّ مشت أتاني حتى سبقت دواب النَّاس الَّذِينَ كَانُوا معي وصاروا يتعجبون مني ثُمَّ وصلنا إلي منازل بني سعد ولا أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به كثيرة اللبن فنحلب ونشرب.
стр. 2133
وفي السنة الرابعة من عمره ذكر أن ملكين شقا بطنه واستخرجا قَلْبهُ وشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء ثُمَّ غسلا قَلْبهُ وبطنه بالثلج وَقَالَ أحدهما زنه بعشره من أمته فوزنه ثُمَّ مازال يزيد حتى بلغ الألف فَقَالَ والله لو وزنته بأمته لوزنها.
وماتت أمه ﵇ ولم يستكمل إذ ذاك سبع سنين حين انصرفت من زيارات أخواله بني النجار وكانت خرجت به معها ومعه دايتُهُ أم أيمن قدمت به إلي مَكَّة بعد موتها.
فكفله جده عبد المطلب ورق عَلَيْهِ رقة لم يرقها علي أحد من أولاده فكَانَ لا يفارقه وما يجلس علي فراشه إجلالاً له إِلا رسول الله ?.
وقدم مكه قوم من بني مدلج من القافة فَلَمَّا نظروا إليه قَالُوا لجده احتفظ به فلم نجد قدماً أشبهَ بالقدم الَّذِي في المقام من قدمه فَقَالَ لأبي طالب اسمَعَ ما يَقُولُ هَؤُلاَءِ واحتفظ به.
وتوفي جده عبد المطلب في السنة الثامنة من مولده ? وأوصي به إلي عمه أبي طالب شقيق أبيه عَبْد اللهِ فكفله وأحسن كفالته قال الواقدي أقام أبو طالب من سنة ثمان من مولد رسول الله ? إلي السنة العاشرة من النبوة ثلاثاً وأربعين سنة يحوطه ويقوم بأمره ويذب عَنْهُ ويلطف به.
ولما بلغ ? اثنتي عشرة سنة خَرَجَ مَعَ عمه أبي طالب حتى بلغ بُصْرَي فرآه بحيرُ الراهب واسمه جرجيس فعرفه فَقَالَ وَهُوَ آخذ بيده هَذَا سيد العالمين هَذَا يبعثه الله رحمة للعالمين فَقَالَ وما علمك بذَلِكَ فَقَالَ إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إِلا وخرَّ ساجداً ولا
стр. 2134
تسجد إِلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة وإنا نجده في كتبنا.
وسأل أبا طالب أن يرده خوفاً عَلَيْهِ من اليهود الْحَدِيث رواه ابن أبي شيبة وفيه أنه أقبل ﵊ وعَلَيْهِ غمامة تظله. ثُمَّ خَرَجَ ? مرة أخري ومعه ميسرة غلام خديجة في تجارة لها حتى بلغ سوق بصري وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة.
فنزل تحت ظِلّ شجرة فَقَالَ نسطورُ الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة إِلا نبي وكَانَ ميسرة يري في الهاجرة ملكين يظلانه من الشمس فَلَمَّا رجعوا إلي مَكَّة ساعة الظهيرة وخديجة في عليَّةٍ لها رأت رسول الله ? وهو علي بعيره وملكَانَ يظلانه ذكره أبو نعيم.
اللَّهُمَّ عمق إيماننا بك وبملائكتك وبكتبك وبرسلك وبالْيَوْم الآخر وبالقدر خيره وشره وآتنا في الدُّنْيَا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وصلي الله علي مُحَمَّد وآله وسلم.
(فَصْلٌ)
وتزوج رسول الله ? خديجة بعد ذَلِكَ وكانت تحت أبي إهابة بن زرارة التميمي ثُمَّ تزوجها عتيق بن عائد المخزومي فولدت له هنداً وكَانَ لها حين تزوجها رسول الله ? من العمر أربعون سنة فولدت له بنين وبنات وكل أولاده منها حاشا إبراهيم فإنه من مارية القبطية التي أهدها له المقوقس صَاحِبُ مصرَ.
فالذكور من ولده القاسم وبه كَانَ يكني وَهُوَ أكبر ولده عاش أياماً
стр. 2135
يسيرة قبل النبوة وولد له غير إبراهيم والقاسم عَبْد اللهِ وَهُوَ المسمي بالطيب والطاهر لأنه ولد بعد النبوة وأما إبراهيم فولد له بالْمَدِينَة وعاش عامين غير شهرين ومَاتَ قبل موته ﵇ بثلاثة أشهر يوم كسوف.
وأما بناته ? فأربع زينب تحت أبي العاص بن الربيع وكانت خديجة خالته وَالثَّانِيَة رقية تزوجها عثمان بن عفان وماتت بعد بدر بنحو ثلاثة أيام وزينب ماتت في حياة أبيها ? والثالثة أم كلثوم وهي أصغر بناته كانت مملكة بعتبة بن أبي لهب فلم يدخل بها وطلقها فتزوجها عثمان ﵁ فماتت عنده في حياة رسول الله ?.
الرابعة فاطمة تزوجها علي بن أبي طالب فولدت له الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وابناً مَاتَ صغيراً اسمه المحسن وماتت فاطمة بعد رسول الله بستة شهور، وخديجة أول امرأة تزوج بها وأول امرأة ماتت من نسائه وأمره جبريل أن يقَرَأَ ﵍ من ربها.
وهي أول امرأة آمنت به وعاضدته وناصرته علي أمره وكَانَ لها منه المنزلة العإلية.
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ محبتك ومحبة كتبك وملائكتك ورسلك وأوليائك في قلوبنا ثبوت الجبال الراسيات ونور قلوبنا بنور الإِيمَان وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيع المسلمين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله علي نبينا مُحَمَّد وعلي آله وصحبه أجمعين.
شِعْراً:
دَعَاكُمْ إِلى خَيْرِ الأمُورِ مُحَمَّدٌ ... ولَيْسَ العَوالِي فِي القَنَا كالسَّوافِلِ
دَعَاكُم إِلى تَعْظِيمِ مَنْ خَلْقَ الضُحَى ... وشُهْبَ الدُّجَى مِنْ طَالِعَاتِ وآفِلِ
وحَثَّ عَلَى تطْهِيْرِ جِسْمٍ ومَلْبَسٍ ... وعَاقَبَ فِي قَذْفِ النِّسَاءِ الغَوافِلِ
فَصَلَّي عَلَيْهِ اللهُ مَاذَرَّ شَارِقٍ ... ومَا فَتَّ مِسْكاً ذِكْرُهُ فِي المَحَافِلِ
стр. 2136
(فَصْلٌ)
ولم يرث ? من والده شَيْئاً بل ولد يتيماً عائلاً فاسترضع في بني سعد ولما بلغ مبلغاً يمكنه أن يعمل عملاً كَانَ ? يرعي الغنم مَعَ إخوانه من الرضاع في البادية وكَذَلِكَ لما رجع إلي مَكَّة كَانَ يرعاها لأهلها علي قراريط كما ذكر البخاري في صحيحه.
فعن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ عن النَّبِيّ ? قال ما بعث الله نبياً إِلا رعي الغنم فَقَالَ أصحابه وأَنْتَ فَقَالَ نعم كنت أرعاها علي قراريط لأَهْل مَكَّة.
ولما شب لخديجة ? كَانَ يتجر وكَانَ شريكه السائب بن أبي السائب وذهب بالتجارة لخديجة ﵂ إلي الشام علي جعل يأخذه ولما شرفت خديجة بزواجه وكانت ذات يسار عمل في مالها وكَانَ يأكل من نتيجة عمله وحقق الله ما امتن عَلَيْهِ به سورة الضحى بقوله جل ذكره: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ بالإيواء والإغناء قبل النبوة والهداية بالنبوة هداه الله للكتاب والإِيمَان ودين إبراهيم ﵇ ولم يكن يدري قبل ذَلِكَ قال تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
وكَانَ ﵊ أحسن قومه خلقاً وأصدقهم حديثاً وأعظمهم أمانة وأبعدهم عن الفحش والأَخْلاق التي تدنس الرِّجَال حتى كَانَ أفضل قومه مروءة وأكرمهم مخالطة وأخيرهم جواراً وأعظمهم حِلماً
стр. 2137
وأصدقهم حديثاً فسموه الأمينَ.
لما جمَعَ الله فيه من الأمور الصَّالِحَة الحميدة والفعال السديدة من الحلم والصبر وَالشُّكْر والعدل والتواضع والعفة والجود والشجاعة والحياء حتى شهد له بذَلِكَ ألد أعدائه النضر بن الحارث من بني عبد الدار حيث يَقُولُ قَدْ كَانَ مُحَمَّد فيكم غلاماً حدثاً أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثاً وأعظمكم أمانةً حتى إذا رأيتم في صدغية الشيب وجاءكم بما جاءكم قلتم ساحر لا وَاللهِ ما هُوَ بساحر.
قال ذَلِكَ في معرض الاتفاق علي ما يقولونه للعرب الَّذِينَ يحضرون الموسم حتى يكنوا متفقين علي ما يقولونه للعرب الَّذِينَ يحضرون الموسم حتى يكونوا متفقين علي ما يقولونه ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان قائلاً هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يَقُولَ ما قال قال: لا. فَقَالَ هرقل: ما كَانَ ليدع الكذب علي النَّاس ويكذب علي الله ورد ذَلِكَ في أول صحيح البخاري.
ثَوَى فِي قُرَيْشٍ خَمْسَ عَشْرَةَ حَجَّةً ... يُذَكِّرُ لَوْ يَلْقَى صَدِيْقاً مُوَاتِيَا
وَيَعْرِضُ فِي كُلِّ المَوَاسِمِ نَفْسهُ ... فَلَمْ يَرَى مَنْ يُؤْوِيْ وَلَمْ يَرَ دَاعِيَا
فَلَمَّا أَتَانَا واطْمَأَنَّتْ بِهِ النَّوَى ... وَكُنَا لَهُ عَوْناً مِنْ اللهِ بَادِيَا
يَقُصُّ لَنَا مَا قَالَ نُوْحٌ لِقَوْمِهِ ... وَمَا قَالَ مُوْسَى إِذَا أَجَابَ المُنَادِيا
стр. 2138
فَأَصْبَحَ لاَ يَخْشَى مِنَ النَّاسِ وَاحِداً ... قَرِيْباً وَلاَ يَخْشَى مِنَ النَّاسِ نَائِيَا
بَذَلْنَا لَهُ الأَمْوَالَ مِنْ جُلِّ مَالِنَا ... وأَنْفُسَنَا عِنْدَ الوَغَى والتَّآسِيَا
نُعَادِي الَّذِي عَادَى مِنْ النَّاسِ كُلِّهَمْ ... جَمِيْعاً وَلَوْ كَانَ الْحَبِيْبَ المُوَاسِيَا
ونَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لاَ رَبَّ غَيْرهُ ... وأنَّ كِتَابَ اللهِ أَصْبَحَ هَادِيَا
اللَّهُمَّ اغفر لنا جَمِيع ما سلف منا من الذُّنُوب. واعصمنا فيما بقي من أعمارنا، ووفقنا لعمل صالح ترضي به وعنا وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المسلمين وصلي الله علي مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
وَقَالَ شيخ الإسلام ﵀ وقَدْ نقل النَّاس صفات النَّبِيّ ? الطاهرة الدالة علي كمالهِ ونقلوا أخلاقه من حلمه وشجاعته وكرمه وزهده وغيره ونَحْنُ نذكر بعض ذَلِكَ:
ففي الصحيحين عن البراء بن عازب قال: كَانَ رسول الله ? أحسن النَّاس وجهاً وأحسنهم خلقاً لَيْسَ بالطويل الذاهب ولا بالقصير وعنه قال كَانَ رسول الله ? بعيد ما بين المنكبين عَظِيم الجمة إلي شحمة أذنيه علية حلة حمراء ما رأيت شَيْئاً قط أحسنَ منه.
وفي البخاري وسئل البراءُ أكَانَ رسول الله ? مثل السيف؟ قال: لا بل مثل القمر. وفي الصحيحين من حديث كعب بن مالك قال كَانَ النَّبِي ? إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه فلقةُ قمر.
стр. 2139
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال كَانَ رسول الله ? ضخم الرأس والقدمين ولم أر قبله ولا بعده مثله وكَانَ بسيط الكفين ضخم اليدين وسئل عن شعره فَقَالَ كَانَ شعراً رجلاًً لَيْسَ بالجعد ولا بالسبط بين أذنيه وعاتقه.
وفي الصحيحين عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال كَانَ رسول الله ? ضليع الفم أشكل العينين منهوس وفسرهما ابن سماك بن حرب فَقَالَ واسع الفم طويل شق العين قليل لحم العقب.
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال كَانَ رسول الله ? لَيْسَ بالطويل البائن ولا بالأَبْيَض الأبهق ولا بالأدم ولا بالجعد ولا بالسبط.
وفي الصحيحين عَنْهُ قال كَانَ رسول الله ? أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ إذا مشي تكفأ وما مسست ديباجة ولا حريرة ألينَ من كفِّ رسول الله ? وروي عن ابن عباس قال كَانَ رسول الله ? أبلج الثنيتين إذا تكلم رؤيَ النور يخَرَجَ من ثناياه.
وعن أنس قال دخل عَلَيْنَا رسول الله ? فَقَالَ عندنا – أي نامَ – فعرق وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها فاستيقظ رسول الله ? فَقَالَ يا أم سليم ما هَذَا الَّذِي تصنعين قَالَتْ هَذَا عرقك نجعله في طيبنا وإنه أطيب من الطيب أخرجاه.
وروي الدرامي عن جابر قَالَ: رَسُولُ اللهِ ? لا يسلك طريقاً فيتبعه أحد إِلا عرف أنه سلكه من طيب عرقه ?.
стр. 2140
وفي حديث أم معبد المشهور لما مر بها النَّبِيّ ? في الهجرة هُوَ وأبو بكر ومولاه ودليلهم وجَاءَ زوجها فَقَالَ صفيه لي يا أم معبد فقَالَتْ رجل ظاهر الوضاءة حلو المنطق فضل لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن.
وذكر بَعْضهمْ زيادة علي هَذَا قال فيه:
في وصف أم معبد الخزاعية لِرَسُولِ اللهِ ? قال أبو معبد لزوجته صفي لي صَاحِبَ قريش الَّذِي يطلب يا أم معبد قَالَتْ رَأَيْت رجلاً ظاهرَ الوضأة – أي الحسن والنظافة مبتلج الوجه – أي مشرق ذو نور -.
حسن الخلق لم تعبه ثجلةٌ – أي لَيْسَ بطنه ضخم – ولم تزر به صعلة – أي لَيْسَ رأسه صغير – وسيم – أي جميل معتدل القامة – في عينه دعج – أي شدة سواد العين مَعَ سعتها -.
وفي أشفاره وطف – كثرة شعر الحاجبين – وفي صوته صحل – صوته رخيم – أحور – شدة بياض العين في شدة سوادها – أطحل أزج – كَانَ عينه مكحولة وإن لم تكحل – دقيق الحاجبين في طول – أقرن – مقرون الحاجبين – شديد سواد الشعر في عنقه سطح – أي ارتفاع وطول وفي لحيته كثافة.
إذا صمت فعَلَيْهِ الوقار وإذا تكلم سما – أي ارتفع – وعلاه البهاء – الحسن والجمال وكأن منطقه خرزات يتحدرن حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر – أي لا عِيَّ فيه ولا ثرثرة أجهر النَّاس وأجملهم من بعيد وأحلاهم وأحسنهم من قريب.
следующие страницы →