Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
(فَصْلٌ)
ولم يرث ? من والده شَيْئاً بل ولد يتيماً عائلاً فاسترضع في بني سعد ولما بلغ مبلغاً يمكنه أن يعمل عملاً كَانَ ? يرعي الغنم مَعَ إخوانه من الرضاع في البادية وكَذَلِكَ لما رجع إلي مَكَّة كَانَ يرعاها لأهلها علي قراريط كما ذكر البخاري في صحيحه.
فعن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ عن النَّبِيّ ? قال ما بعث الله نبياً إِلا رعي الغنم فَقَالَ أصحابه وأَنْتَ فَقَالَ نعم كنت أرعاها علي قراريط لأَهْل مَكَّة.
ولما شب لخديجة ? كَانَ يتجر وكَانَ شريكه السائب بن أبي السائب وذهب بالتجارة لخديجة ﵂ إلي الشام علي جعل يأخذه ولما شرفت خديجة بزواجه وكانت ذات يسار عمل في مالها وكَانَ يأكل من نتيجة عمله وحقق الله ما امتن عَلَيْهِ به سورة الضحى بقوله جل ذكره: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ بالإيواء والإغناء قبل النبوة والهداية بالنبوة هداه الله للكتاب والإِيمَان ودين إبراهيم ﵇ ولم يكن يدري قبل ذَلِكَ قال تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
وكَانَ ﵊ أحسن قومه خلقاً وأصدقهم حديثاً وأعظمهم أمانة وأبعدهم عن الفحش والأَخْلاق التي تدنس الرِّجَال حتى كَانَ أفضل قومه مروءة وأكرمهم مخالطة وأخيرهم جواراً وأعظمهم حِلماً
стр. 2137
وأصدقهم حديثاً فسموه الأمينَ.
لما جمَعَ الله فيه من الأمور الصَّالِحَة الحميدة والفعال السديدة من الحلم والصبر وَالشُّكْر والعدل والتواضع والعفة والجود والشجاعة والحياء حتى شهد له بذَلِكَ ألد أعدائه النضر بن الحارث من بني عبد الدار حيث يَقُولُ قَدْ كَانَ مُحَمَّد فيكم غلاماً حدثاً أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثاً وأعظمكم أمانةً حتى إذا رأيتم في صدغية الشيب وجاءكم بما جاءكم قلتم ساحر لا وَاللهِ ما هُوَ بساحر.
قال ذَلِكَ في معرض الاتفاق علي ما يقولونه للعرب الَّذِينَ يحضرون الموسم حتى يكنوا متفقين علي ما يقولونه للعرب الَّذِينَ يحضرون الموسم حتى يكونوا متفقين علي ما يقولونه ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان قائلاً هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يَقُولَ ما قال قال: لا. فَقَالَ هرقل: ما كَانَ ليدع الكذب علي النَّاس ويكذب علي الله ورد ذَلِكَ في أول صحيح البخاري.
ثَوَى فِي قُرَيْشٍ خَمْسَ عَشْرَةَ حَجَّةً ... يُذَكِّرُ لَوْ يَلْقَى صَدِيْقاً مُوَاتِيَا
وَيَعْرِضُ فِي كُلِّ المَوَاسِمِ نَفْسهُ ... فَلَمْ يَرَى مَنْ يُؤْوِيْ وَلَمْ يَرَ دَاعِيَا
فَلَمَّا أَتَانَا واطْمَأَنَّتْ بِهِ النَّوَى ... وَكُنَا لَهُ عَوْناً مِنْ اللهِ بَادِيَا
يَقُصُّ لَنَا مَا قَالَ نُوْحٌ لِقَوْمِهِ ... وَمَا قَالَ مُوْسَى إِذَا أَجَابَ المُنَادِيا
стр. 2138
فَأَصْبَحَ لاَ يَخْشَى مِنَ النَّاسِ وَاحِداً ... قَرِيْباً وَلاَ يَخْشَى مِنَ النَّاسِ نَائِيَا
بَذَلْنَا لَهُ الأَمْوَالَ مِنْ جُلِّ مَالِنَا ... وأَنْفُسَنَا عِنْدَ الوَغَى والتَّآسِيَا
نُعَادِي الَّذِي عَادَى مِنْ النَّاسِ كُلِّهَمْ ... جَمِيْعاً وَلَوْ كَانَ الْحَبِيْبَ المُوَاسِيَا
ونَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لاَ رَبَّ غَيْرهُ ... وأنَّ كِتَابَ اللهِ أَصْبَحَ هَادِيَا
اللَّهُمَّ اغفر لنا جَمِيع ما سلف منا من الذُّنُوب. واعصمنا فيما بقي من أعمارنا، ووفقنا لعمل صالح ترضي به وعنا وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المسلمين وصلي الله علي مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
وَقَالَ شيخ الإسلام ﵀ وقَدْ نقل النَّاس صفات النَّبِيّ ? الطاهرة الدالة علي كمالهِ ونقلوا أخلاقه من حلمه وشجاعته وكرمه وزهده وغيره ونَحْنُ نذكر بعض ذَلِكَ:
ففي الصحيحين عن البراء بن عازب قال: كَانَ رسول الله ? أحسن النَّاس وجهاً وأحسنهم خلقاً لَيْسَ بالطويل الذاهب ولا بالقصير وعنه قال كَانَ رسول الله ? بعيد ما بين المنكبين عَظِيم الجمة إلي شحمة أذنيه علية حلة حمراء ما رأيت شَيْئاً قط أحسنَ منه.
وفي البخاري وسئل البراءُ أكَانَ رسول الله ? مثل السيف؟ قال: لا بل مثل القمر. وفي الصحيحين من حديث كعب بن مالك قال كَانَ النَّبِي ? إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه فلقةُ قمر.
стр. 2139
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال كَانَ رسول الله ? ضخم الرأس والقدمين ولم أر قبله ولا بعده مثله وكَانَ بسيط الكفين ضخم اليدين وسئل عن شعره فَقَالَ كَانَ شعراً رجلاًً لَيْسَ بالجعد ولا بالسبط بين أذنيه وعاتقه.
وفي الصحيحين عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال كَانَ رسول الله ? ضليع الفم أشكل العينين منهوس وفسرهما ابن سماك بن حرب فَقَالَ واسع الفم طويل شق العين قليل لحم العقب.
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال كَانَ رسول الله ? لَيْسَ بالطويل البائن ولا بالأَبْيَض الأبهق ولا بالأدم ولا بالجعد ولا بالسبط.
وفي الصحيحين عَنْهُ قال كَانَ رسول الله ? أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ إذا مشي تكفأ وما مسست ديباجة ولا حريرة ألينَ من كفِّ رسول الله ? وروي عن ابن عباس قال كَانَ رسول الله ? أبلج الثنيتين إذا تكلم رؤيَ النور يخَرَجَ من ثناياه.
وعن أنس قال دخل عَلَيْنَا رسول الله ? فَقَالَ عندنا – أي نامَ – فعرق وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها فاستيقظ رسول الله ? فَقَالَ يا أم سليم ما هَذَا الَّذِي تصنعين قَالَتْ هَذَا عرقك نجعله في طيبنا وإنه أطيب من الطيب أخرجاه.
وروي الدرامي عن جابر قَالَ: رَسُولُ اللهِ ? لا يسلك طريقاً فيتبعه أحد إِلا عرف أنه سلكه من طيب عرقه ?.
стр. 2140
وفي حديث أم معبد المشهور لما مر بها النَّبِيّ ? في الهجرة هُوَ وأبو بكر ومولاه ودليلهم وجَاءَ زوجها فَقَالَ صفيه لي يا أم معبد فقَالَتْ رجل ظاهر الوضاءة حلو المنطق فضل لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن.
وذكر بَعْضهمْ زيادة علي هَذَا قال فيه:
في وصف أم معبد الخزاعية لِرَسُولِ اللهِ ? قال أبو معبد لزوجته صفي لي صَاحِبَ قريش الَّذِي يطلب يا أم معبد قَالَتْ رَأَيْت رجلاً ظاهرَ الوضأة – أي الحسن والنظافة مبتلج الوجه – أي مشرق ذو نور -.
حسن الخلق لم تعبه ثجلةٌ – أي لَيْسَ بطنه ضخم – ولم تزر به صعلة – أي لَيْسَ رأسه صغير – وسيم – أي جميل معتدل القامة – في عينه دعج – أي شدة سواد العين مَعَ سعتها -.
وفي أشفاره وطف – كثرة شعر الحاجبين – وفي صوته صحل – صوته رخيم – أحور – شدة بياض العين في شدة سوادها – أطحل أزج – كَانَ عينه مكحولة وإن لم تكحل – دقيق الحاجبين في طول – أقرن – مقرون الحاجبين – شديد سواد الشعر في عنقه سطح – أي ارتفاع وطول وفي لحيته كثافة.
إذا صمت فعَلَيْهِ الوقار وإذا تكلم سما – أي ارتفع – وعلاه البهاء – الحسن والجمال وكأن منطقه خرزات يتحدرن حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر – أي لا عِيَّ فيه ولا ثرثرة أجهر النَّاس وأجملهم من بعيد وأحلاهم وأحسنهم من قريب.
стр. 2141
ربعة لا تشنؤه من طول ولا تقتحمه عين من قصر غصن بين غصنين فهو أنظر الثلاثة منظراً وأحسنهم قدراً له رفقاء يخصون به إذا قال استمعوا لقوله وإذا أمر تبادروا إلي أمره محفود – أي يطيعه أصحابه مسرعين – محشود – يجتمعون حوله.
اللَّهُمَّ ألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا لما وفقت له الصالحين من خلقك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المسلمين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
" قصة أبي أيوب الأنصاري "
أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد الأنصاري، شهد بدراً والعقبة وروي مائة وخمسين حديثاً، مَاتَ بأرض الروم غازياً سنة ٥٢ هـ ودفن إلي أصل حصن بالقسطنطينية، وله قصة يحلو ذكرها.
بعد ما تآمرت قريش بدار الندوة علي قتل رسول الله ? وجَاءَ جبريل ﵇ إلي رسول الله ? فأخبره بذَلِكَ وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك اللَّيْلَة.
وجَاءَ رسول الله ? إلي أبي بكر نصف النَّهَارَ في ساعة لم يكن يأتيه فيها متقنعاً فَقَالَ اخَرَجَ من عندك فَقَالَ إنما هم أهلك يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رسول الله ? إن الله قَدْ أذن لي في الْخُرُوج فَقَالَ أبو بكر الصحبة يَا رَسُولَ اللهِ، قال نعم فَقَالَ أبو بكر فخذ بأبي وأمي إحدى الراحلتين، فَقَالَ بالثمن، وأمر علياً ﵁ أن يبيت تلك اللَّيْلَة علي فراشه ?.
ومضي رسول الله ? إلي بيت أبي بكر فخرجا من خوخة في بيت أبي بكر ليلاً، ومضي رسول الله ? وأبو بكر إلي غار ثور، فنسجت العنكبوت
стр. 2142
علي بابه، وحام الحمام فوق الغار وجدت قريش في طلبهما وأخذوا معهم القافة حتى انتهوا إلي باب الغار، فوقفوا عَلَيْهِ فَلَمَّا رأوا الحمام فوقه والعنكبوت قَدْ نسجت علي به استبعدوا ذَلِكَ جداً وأعمي الله بصائرهم وأبصارهم وفي ذَلِكَ يَقُولُ الشاعر:
وَمَا حَوَى الغَارُ مِنْ خَيْرٍ ومِنْ كَرَمٍ ... وكُلُ طَرْفٍ مِنَ الكُفَّارِ عَنْهُ عَمِيْ
ظَنُّوْا الحَمَامَ وظَنَّوْا العَنْكَبُوتَ عَلَى ... خَيْرِ البَرِيَّةِ لَمْ تَنْسِجْ وَلَمْ تَحُمِ
وِقَايَةُ اللهِ أَغْنَتْ عَنْ مُضَاعَفَةٍ ... مِنَ الدُرُوْعِ وعَنْ عَالٍ مِنْ الأُطُمِ
فَقَالَ أبو بكر: يَا رَسُولَ اللهِ لو أن أحدهم نظر إلي ما تحت قدميه لأبصرنا، فَقَالَ ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا وكانَا يسمعان كلامهم إِلا أن الله عمي عَلَيْهمْ أمرهما إن الله علي كُلّ شَيْء قدير.
بلغ النَّبِيّ ? الْمَدِينَة، فتلقته قُلُوب أهلها بأكرم ما يتلقي به وافد، وتطلعت إليه عيونهم تبثُهُ شوق الْحَبِيب إلي حبيبه، وفتحوا له قُلُوبهمْ ليحل منها في سويدائها، وأشرعوا له أبواب بيوتهم لينزل فيها أعز منزل، فكَانُوا يخرجون كُلّ يوم إلي الحرة ينتظرونه، فإذا اشتد حر الشمس رجعوا إلي منازلهم.
فَلَمَّا كَانَ يوم الاثنين ثاني عشر الأول علي رأس ثلاث عشرة سنة من نبوته ? خرجوا علي عاداتهم فَلَمَّا حميت الشمس رجعوا، فصعد رجل من
стр. 2143
اليهود علي أطم من آطام الْمَدِينَة فرآي رسول الله ? وأصحابه مبيضين يزول بِهُمْ السراب، فصرخ بأعلى صوته يا بني قيلة، هَذَا صاحبكم هَذَا جدكم الَّذِي تنتظرونه.
فثار الأنصار إلي السِّلاح، ليتلقوا رسول الله ?، وسمهت الوجية والتكبير في بني عمرو وبن عوف وكبر المسلمون فرحاً وَسُرُوراً بقدومه.
فَلَمَّا كَانَ يوم الْجُمُعَة ركب فأدركته الْجُمُعَة في بني سالم ابن عوف فصلاها في المسجد الَّذِي في بطن الوادي، فكانت أولَ جمعة صلاها بالْمَدِينَة، ثُمَّ ركب ناقته فجاءت سادات يثرب في طريقها كُل يريد أن يظفر بشرف نزوله ? عنده.
فأتاه عتبان بن مالك، وعباس بن عبادة بن نضلة في رِجَال من بني سالم بن عوف، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ أقم عندنا في الْعَدَد والعدة والمنعة قال (خلوا سبيلها فإنها مأمورة) فخلوا سبيل ناقته ?.
فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني بياضة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو، في رِجَال من بني بياضة، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَلُمَّ إلينا إلي الْعَدَد والعدة والمنعة، قال (خلوا سبيلها فإنها مأمورة) فخلوا سبيلها.
فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني الحرث بن الخزرج اعترضه ابنُ الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رِجَال من بني الحرث
стр. 2144
ابن الخزج فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَلُمَّ إلينا إلي الْعَدَد والعدة والمنعة قال: «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» . فخلوا سبيلها.
فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني عدي بن النجار وهم أخواله دنيا أم عبد المطلب سلمي بنت عمرو إحدى نسائهم اعترضها سليط بن قيس وأبو سليط أسيره ابن أبي خارجة في رِجَال من بني عدي ابن النجار فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ إلي أخوالك إلي الْعَدَد والعدة والمنعة قال: " خلوا سبيلها فإنها مأمورة» . فخلوا سبيلها.
فانطلقت حتى إذا أتت دار بني مالك ابن النجار بركت علي باب مسجده ? وَهُوَ يومئذ مربد – الموضع الَّذِي يجفف فيه التمر – لغلامين يتيمين من بني النجار ثُمَّ من بني مالك ابن النجار في حجر معاذ بن عفراء:
سهل وسهيل ابني عمرو فَلَمَّا بركت ورسول الله ? عَلَيْهَا لم ينزل وثَبِّتْ فسارت غير بعيد ورسول الله ? واضع لها زمامها لا يثنيها به.
ثُمَّ التفت إلي خلفها فرجعت إلي مبركها أول مرة فبركت فيه ثُمَّ تحلحلت – أي تحركت – ورزمت - أي رغت ورجعت في رغائها ووضعت جرانها فنزل عَنْهَا ?.
فاحتمل أبو أيوب الأنصاري رحل النَّبِيّ ? وكأنما يحمل كنوز الدُّنْيَا من شدة الفرح والسرور وبادر أبو أيوب يرحب برسول الله ? قال أبو أيوب لما نزل علي رسول ? في بيتي نزل في السفل وأنَا وأم أيوب في العلو فقُلْتُ له: يا نَبِيَّ اللهِ بأبي أَنْتَ وأمي إني لا أكره وأعظم أن أكون
стр. 2145
فوقك وتَكُون تحتى فاظهر أَنْتَ فكن في العلو وننزل نَحْنُ فنكن في السفل.
فَقَالَ يا أبا أيوب ارفق بنا وبمن يغشانَا أن نكون في سفل البيت قال فكَانَ رسول الله ? في سفله وكنا فوقه في المسكن فلَقَدْ انكسر حب لنا فيه ماء فقمت أَنَا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفاً أن يقطر علي رسول الله ? منه شَيْء فيؤذيه.
قال وكنا نصنع له العشاء ونَبْعَث به إليه فإذا رد عَلَيْنَا فضلة تيممت أَنَا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغي بذَلِكَ البركة حتى إذا بعثنا إليه ليلة بعشائه وقَدْ جعلنا له فيه بصلاً أو ثوماً فرده رسول الله ? ولم أر ليده فيه أثراً قال فجئته فزعاً فقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ بأبي وأمي رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك وَكُنْت إذا رددته عَلَيْنَا تيممت أَنَا وأم أيوب موضع يدك نبتغي بذَلِكَ البركة قال إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة وأنَا رجل أناجي فأما أنتم فكلوه قال فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد.
شِعْراً:
إِلى مَوْلاَكَ سَلِّمْ كُلَّ أمْرِ ... تّفُزْ فِي كُلِّ صُبْحٍ أوْ عَشِيِّ
وصُنْ مِنْكَ الفُؤادَ بِحُسْنِ سَيْرٍ ... بإخْلاصٍ عَلَى النّهْجِ السَّوِيِّ
ومِنْ مَوْلاَكَ أْطْلُبْ مَنْحَ فَضْلٍ ... تَنَلْ مِنْهُ صَفَا العَيشِ الهَنِيِّ
وأكْثِرْ مِنْ صَلاتِكَ مَعَ سَلامٍ ... عَلَى أسْمَى نَبِيٍّ هَاشِمِيَّ
صَلاةُ اللهِ يَتْلُوهَا سَلامٌ
... ... عَلَيْهِ دَامَ كَالمِسْكِ الزَّكيِّ
اللَّهُمَّ اجعلنا من المتقين الأَبْرَار وأسكنا معهم في دار القرار، اللَّهُمَّ وفقنا بحسن الإقبال عَلَيْكَ والإصغاء إليك للتعاون فِي طَاعَتكَ والمبادرة إلي خدمتك وحسن الآداب في معاملتك والتسليم لأَمْرِكَ والرِّضَا
стр. 2146
بقضائك والصبر علي بَلائِكَ وَالشُّكْر لنعمائك، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المسلمين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يا أرحم الراحمين وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
" موعظة "
عِبَادَ اللهِ إن الإِنْسَان منا كما علمتم معرض للأذي والإساءة والإهانة وعرضه للأخطار، والمهلكات، فمنحه الله قوة يدفع بها الإهانة، ويدفع بها الخطر، وينجو بها بإذن الله من الهلاك، هِيَ قوة الْغَضَب والحمية.
وخلق الْغَضَب من النار، فتسلط الشيطان عَلَيْنَا من هَذَا الطَرِيق وركبنا وَقْت الْغَضَب، حتى صار النَّاس في غضبهم حمقي متهورين، وسفهاء طائشين.
فكرِهَ النَّاس الْغَضَب لذَلِكَ، واصطلحوا علي ذمهِ مطلقاً، وهَذَا خطأ فظيع وخلط لا يجوز، فلَيْسَ كُلّ غضب مذموم ولا كُلّ حلم بممدوح، والله جَلَّ وَعَلا لا يخلق لنا طبعاً إِلا لحكمة، ولا يركب فينا قوة الحمية والْغَضَب إِلا لسبب وحكمة.
فالأذى إذا جاءنا لا يدفع إِلا بالْغَضَب، والشر إذا نالنا لا يدفع إِلا بالْغَضَب، وحماية الدين والأعراض والشرف لا تدفع إِلا بالْغَضَب، فمن فقَدْ قوة الْغَضَب بالكلية، أو ضعفت فيه الحمية فهو ناقص محلول العزم، مفقود الحزم، معدوم الرجولة.
وقَدْ امتدح الله غضب الْمُؤْمِنِين علي الكفار، وحميتهم الدينية، لما له من أثر في إعلاء كلمة الله، فَقَالَ تَعَالَى ﴿أَشِدَّاء عَلَي الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ .
стр. 2147
وَقَالَ " أَذِلَّةٍ عَلَي الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَي الْكَافِرِينَ " وَقَالَ " وليجدوا فيكم غلظة "
وأمرنا بالْغَضَب إذا انتهكت حرمة الدين، والغيرة علي حدود الله، فَقَالَ في الزناة " وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْم الآخرِ» .
فمن فقَدْ قوة الْغَضَب، يصبح جبانَا ضعيفاً، وذليلاً حقيراً لا يأنف من العار ولا يهمه، ولا يتألم لأذى السفهاء، يتطاول السفهاء والفسقة علي حرمه، فلا يغار لعرض، ولا يغضب لشرف، فيكون تيساً في صورة إنسان، وجماداً لا إحساس له، ولا شعور.
ولَيْسَ الحِلم في شَيْء، وإنما هُوَ جبن وخور وذلة وقَدْ ورد عن النَّبِيّ ? أنه قال لن يدخل الْجَنَّة ديوث، قَالُوا وما الديوث يَا رَسُولَ اللهِ قال الَّذِي لا يغار علي أهله.
وَقَالَ سعد ﵁ يَا رَسُولَ اللهِ لو وجدت مَعَ أهلي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهداء فَقَالَ ? نعم، فَقَالَ كلا والَّذِي بعثك بالحق، إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذَلِكَ، فَقَالَ ? اسمعوا إلى ما يَقُولُ سيدكم، إنه لغيور وأنَا أغير منه والله أغير مني.
وإذا لم يغضب الإِنْسَان لعرضه ضاعت الأنساب واختلطت الأولاد، وكل أمة تموت الغيرة فيهم لابد وأن تضيع العفة، والصيانة من نسائها، وهَذَا هُوَ الضعف والخور والعجز، والجبن، الَّذِي استعاذ منه النَّبِيّ ?، وكيف تذم رجلاً يغضب لدينه، إذا رأي المنكرات، وقَدْ أمر بمحاربتها وكيف يصلح المرء عيوب نَفْسهِ إذا لم يغضب عَلَيْهَا، ويشتد في ردها عن هواها.
стр. 2148
أما الْغَضَب المذموم فهو الَّذِي يعمي صاحبه عن الحق، ويفقده بصر البصيرة، والفكر فتأخذه العزةُ بالإثم، ويعرض عن النصح إذا نصح، وَرُبَّمَا زَادَ هيجانَاً، وإذا روجع فَيَقُولُ ازداد سخطاً ولجاجاً.
وقَدْ يحدث منه ضرر علي من حوله، وتجده متغيراً لونه، مرتعشة أعضاؤه، زائغاً بصره، وكالأعمى يسب الجماد والْحَيَوَان، ويبطش بكل ما يصادفه، حتى إنه يتلف الأثاث، والرياش، وَرُبَّمَا لا يشفي غله، وقَدْ يحدث منه طلاق، ولعن وسب، وشتم، فهَذَا غضب مذموم قبيح مرذول ينتصر فيه إبلَيْسُ علي هَذَا الَّذِي لا يملك نَفْسَهُ عَنْدَ الْغَضَب كما قيل:
وَمَا غَضَبُ الإِنْسَانِ إِلاَّ حَمَاقَةٌ ... إِذَا كَانَ فِيْمَا لَيْسَ للهِ يَغْضَبُ
ومثل هَذَا الْغَضَب يهدم الجسم، ويتلف الصحة، ويحرم صاحبه الرَّاحَة والهناء ويجعل نظرته إلي الحياة مظلمة سوداء فالتفريط في الْغَضَب ضعف، والإفراط تهور وجنون، والمحمود منه الوسط والاعتدال والقصد المحمود منه أن يكون غضبك للدين فإذا اعتدي قوم علي الإسلام بالطعن والتشهير أو التشكيك في العقائد كما يحاول الملحدون وكما يفعل المبشرون فيجب أن تغضب عَلَيْهمْ انتصاراً لديننا ودفاعاً عن شرعنا.
ومن الْغَضَب المحمود الْغَضَب علي من تعدي علي بلاد إسلامية أو تعدي علي مسلم أو مدح غير الدين الإسلامي أو ذكر الله أو كتابه أو ملائكته أو رسله بسوء أو سب صحابياً أو إماماً مشهوراً بالتقي والورع
стр. 2149
والاستقامة أو طعن في رِجَال الدين لأجل دينهم أو كذب علي الله أو علي رسله أو حل شَيْئاً من المحرمَاتَ أو حرم شَيْئاً مِمَّا حلله الله أو استهان بكتاب الله أو سنة رسوله ? أو كُتبِ أَهْل العلم المحققين مثل الإمام أَحَمَد والشَّافِعِي ومالك وأبي حنيفة والموفق والمجد وابن أبي عمر وشيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير وابن رجب وابن مفلح ونحوهم من العِلماًء المشهورين بالاستقامة والبعد عن البدع وكأئمة الدعوة.
ومن الْغَضَبِ المحمود الْغَضَبُ علي من مدح الكفرة والمنافقين وأئمة الضلال والحياري كابن عرَبيِّ وابن رشد والفارابي وابن سينا وابن كلاب والعفيف التلمساني وابن سبعين وابن الفارض وابن الرواندي والكوثري والبوصيري والمعري ونحو هَؤُلاَءِ من الملاحدة والزنادقة والمبتدعة والفسقة والظلمة وأعوانهم.
ومن الْغَضَب المحمود الْغَضَب علي من ابتدع في الدين بدعاً أو نشرها أو دعا إليها أو مدح محلليها أو مدح الكفار أو مدح الملاهي والمنكرات التي حطمت الأَخْلاق وقضت عَلَيْهَا وأتلفت الأموال وقتلت الأوقات وأورثت الخلق أفانين العدوات وأحدثت التفرق في البيوت والقُلُوب.
شِعْراً:
(إِنَّ المَلاَهِيَ أَلْقَتْ بَيْنَنَا إِحَناً ... وَأَوْرَثَنْنَا أَفَانِيْنَ العَدَوَاتِ)
(وَهَلْ أُصِيْبَ شَبَابُ الْيَوْمِ وانْحَرَفُوْا ... إِلاَّ بِتَقْلِيْدِ أَصْحَابِ الضَّلاَلاَتِ)
стр. 2150
(مِنْ كُلِّ أَهْوَجَ لاَ دِيْنٌ وَلاَ أَدَبٌ ... وَلاَ حَيَاءٌ ومَعْدُوْمُ المُرُؤَاتِ)
(يَرَي التَّمَدُّنِ فِي تَطْوِيْلِ شَارِبِهِ ... وَحَلْقِ لِحْيَتِهِ مِثْلَ الخَوَاجَاتِ)
(يُقَلِّدُ الكُفْرِ فِي تَطْوِيْلِ أَظْفُرِهِ ... أقْبِحْ بِهِ مِنْ سَفِيْهٍ سَاقِطٍ عَاتِ)
اللَّهُمَّ قوي إيماننا بك وبملائكتك وبكتبك وبرسلك وبالْيَوْم الآخر وبالقدر خيره وشره اللَّهُمَّ وفقنا للهداية وجنبنا أسباب الجهالة والغواية اللَّهُمَّ ثبتنا علي الإسلام والسنة ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أَنْتَ الوهاب، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المسلمين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يا أرحم الراحمين وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
ومن وفائه ? ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عَائِشَة ﵂ قَالَتْ ما غرت علي أحد من نساء النَّبِيّ ? ما غرت علي خديجة وما رأيتها ولكن كَانَ النَّبِيّ ? يكثر ذكرها.
وَرُبَّمَا ذبح الشاة ثُمَّ يقطعها أعضاء ثُمَّ يبعثها في صدائق خديجة فربما قُلْتُ له كأن لم يكن في الدُّنْيَا امرأة إِلا خديجة فَيَقُولُ إنها كانت وكَانَ لي منها ولد، كانت خديجة ﵂ في الجاهلية سيدة وقورة ذات عقل رزين وصاحبة مال ويسار وجاه وشرف تستأجر الرِّجَال في مالها وتضاربهم إياه.
стр. 2151
فَلَمَّا وقع في سمعها ما يتحدث به النَّاس ويتناقله العارفون عن المصطفي ? من الوفاء والصدق والأمانة والنصح وحسن السيرة وكريم الشمائل والسخاء ونحو ذَلِكَ من مكارم الأَخْلاق ومحاسن الشيم ما لم تسمعه عن غيره حتى سماه قومه الأمين استأجرته ليخَرَجَ في مالها تاجراً وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره.
فسافر عَلَيْهِ أفضل الصَّلاة والسَّلام بقصد الاتجار إلي الشام يصحبه غلامها ميسرة فباعا وابتاعا وربحا ربحاً عظيماً وظهر له ? في هذه السفرة من البركات وإفاضة الخيرات الشَيْء الكثير وجعل الله حبه في قلب غلامها ميسرة وأعجب بما شاهده منه.
وكانت سنُّهُ ? في هذه السفرة خمساً وعشرين سنة وهي السفرة الثَّانِيَة من أسفاره إلي الشام ولما رجع قافلاً من الشام وقدم مَكَّة ورأت خديجة ما وفقه الله له من ربح كَانَ علي يديه وبركات وفيرة.
وما أتحفها به غلامها ميسرة مِمَّا شاهده من حسن سيرته وما جعل الله علي يديه من البركات كُلّ ذَلِكَ حفزه في نفس خديجة وحببه إليها فلم تتمالك نفسها وكَانَ سنها نحو الأربعين سنة وهي كما وصفنا وأضعاف ما وصفنا من كرامة محتدها وشرف حسبها وحسن سيرتها ﵂.
فأرسلت إلي رسول الله ? تخطبه لنفسها فقام ? ينجز رغبتها ويجيب طلبتها واستدعي أعمامه حتى دخلها علي عمها عمرو بن أسد فخطبها منه بواسطة عمه أبي طالب فزوجها عمها.
ثُمَّ قام أبو طالب عم رسول الله ? خطيباً فَقَالَ الحمد لله الَّذِي جعلنا
стр. 2152
من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضي معد وعنصر مضر وجعلنا حضنة بيته وسُواس حرمه وجعل لنا بيتاً محجوباً وحرماً آمناً وجعلنا حكام النَّاس.
ثُمَّ إن ابن أخي هَذَا مُحَمَّد بن عَبْد اللهِ لا يوزن به رجل شرفاً ونبلاً وفضلاً وإن كَانَ في الْمَال قل فإن الْمَال ظِلّ زائل وأمر حائل وعارية مستردة وَهُوَ وَاللهِ بعد هَذَا له نبأ عَظِيم وخطر جليل وقَدْ خطب إليكم رغبة في كريمتكم خديجة وقَدْ بذل لها من الصداق كَذَا وعلي ذَلِكَ تم الأَمْر.
ولما أكرمه الله بالرسالة وشرفه بالنبوة كانت خديجة ﵂ أسرع النَّاس به إيمانَاً ولدعوته تصديقاً وله إجابة ولم تنتظره آيةٌ أخري زيادة علي ما علمته من مكارم أخلاقه ? وما سمعت من خوارق العادات التي كانت تظهر علي يديه.
وأول شَيْء بديء به الوحي الرؤيا الصادقة فكَانَ لا يري رؤيا إِلا جاءت مثل فلق الصبح ثُمَّ حبب إليه الخلاء والعزلة عن البشر فكَانَ يخلو بغار حراء فيتعبد فيه الليإلي ذوات الْعَدَد فتَارة يمكث عشرة وتَارة أكثر إلي شهر.
وكانت عبادته إذ ذاك علي الشريعة الحنيفية دين أبيه إبراهيم ﵇ ويأخذ زاده فإذا نفد رجع إلي خديجة فيتزود لمثلها حتى جَاءَ مبلغ الوحي وملك السماء جبريل ﵇ فبينما هُوَ قائم علي الجبل إذ فاجأءه جبريل وَقَالَ أبشر يا مُحَمَّد أَنَا جبريل وأَنْتَ رسول الله إلي هذه الأمة.
ثُمَّ قال له اقَرَأَ قال ما أَنَا بقاريء يريد بذَلِكَ أنه أمي لم يتعلم القراءة من قبل فغطه بالنمط الَّذِي كَانَ ينام عَلَيْهِ حتى بلغ منه الجهد ثُمَّ أرسله فَقَالَ له اقَرَأَ قال ما أَنَا بقارئ فأخذه فغطه ثانية ثُمَّ أرسله فَقَالَ اقَرَأَ قال ما أَنَا
стр. 2153
بقارئ فأخذه فغظه الثالثة فَقَالَ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ "
فرجع ﵇ مذعوراً خائفاً يرجف فؤاده ولا يتمالك نَفْسهُ من هول المنظر وشدة ما ألم به فدخل علي خديجة زوجته فَقَالَ " زملوني زملوني " لفوني في ثوبي، ليزول عَنْهُ ما يجد من الرعب والقشعريرة التي انتابته من رؤية الملك فزملوه حتى ذهب عَنْهُ الخوف.
فذكر لخديجة الأَمْرَ وأخبرها قائلاً لَقَدْ خشيت علي نفسي من شدة ما أصابني من غط الملك لي ولم يكن ﵊ يعرف شَيْئاً عن جبريل ووصفه وأشكاله، فأجابته خديجة ﵂ علي الفور ووقفت ذَلِكَ الموقف المشرف في تثبيت فؤاده وتهدئة أعصابه وتقوية دواعي الأمل فيه قائلة كلا وَاللهِ لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين علي نوائب الحق فلا يسلط الله عَلَيْكَ الشياطين والأوهام ولا مراء أن الله اختارك لهداية قومك.
ثُمَّ لم تكتف بهَذَا القدر من القول بل أرادت أن تتثَبِّتْ ممن لّهُمْ علم بحال الرسل واطلاع علي أخبارهم بما قرؤوه في الكتب القديمة فانطلقت به إلي ورقة بن نوفل وَهُوَ ابن عمها وكَانَ امرأ قَدْ تنصر في الجاهلية وكَانَ يكتب اْلكِتَاب العبراني فيكتب من الإنجيل ما شَاءَ الله أن يكتب وكَانَ شيخاً كبيراً قَدْ عمي.
فقَالَتْ له خديجة يا ابن عم اسمَعَ من ابن أخيك فَقَالَ يا ابن أخي ماذا تري فأخبره ﵊ خبر ما رأي فَقَالَ له ورقة هَذَا الناموس الَّذِي
стр. 2154
أنزل الله علي موسى لأنه يعرف أن واسطة الوحي بين الله وبين أنبيائه هُوَ جبريل ﵇.
ثُمَّ قال يا ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك من بلادك التي نشأت بها لمعاداتهم إياك وكراهتم لك حينما تطالبهم بتغيير اعتقاداتهم التي وجدوا عَلَيْهَا آباءهم فكَانَ قول ورقة موضع استغراب النَّبِيّ ? لما يعرفه من حب قومه له لاتصافه بصدق الْحَدِيث والأمانة ومكارم الأَخْلاق حتى سموه الأمين.
وَقَالَ أو مخرجيَّ هم قال لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إِلا عودي علي حد ما جَاءَ في القرآن الكريم ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ وقولهم: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾ .
ثُمَّ قال ورقة مستأنفاً: وإن يدركني يومك انصرك نصراً مؤزراً ثُمَّ توفي ورقة بعدها بقليل: قال وهَذَا نموذج من مناقب أمنا وأم الْمُؤْمِنِين خديجة ومواقفها إزاء ما كَانَ يحدث للنبي ?.
ولذا كَانَ ? يبادلها الوفاء والإخلاص وكَانَ يحنو ويديم ذكرها بعد موتها اللَّهُمَّ صلي وسلم عَلَيْهِ.
وكَانَ ? يكثر ذكرها وَرُبَّمَا ذبح الشاة ثُمَّ يقطعها أعضاء ثُمَّ يبعثها في صدائق خديجة وهَذَا يشعر ببقاء ودها واستمرار حبه لها وإخلاصه حتى كَانَ يتعهد صديقاتها بالإهداء والعطاء بعد موتها.
ولذا قَالَتْ عَائِشَة ﵂ ما غرت علي أحد من نساء النَّبِيّ ? ما غرت علي خديجة وما رأيتها وفي حديث رواه البخاري عن عَائِشَة رضي الله عَنْهَا
стр. 2155
قَالَتْ: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة علي رسول الله ? فعرف استئذان خديجة فارتاع لذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُمَّ هالة قَالَتْ: فغرت. ... الْحَدِيث.
وفي الاستيعاب لأبي عمر ج ص ١٨١٠ بسنده إلي عَائِشَة قَالَتْ: جاءت عجوز إلي النَّبِيّ ? فَقَالَ لها من أَنْتَ قَالَتْ أَنَا جثامة المزنية: قال بل أَنْتَ حسانة المزنية: كيف حالكم كيف كنتم بعدنا قَالَتْ بخَيْر بأبي أَنْتَ وأمي يَا رَسُولَ اللهِ.
فَلَمَّا خرجت قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ تقبل علي هذه العجوز هَذَا الإقبال قال إنها كانت تأتينا أيام خديجة وإن حسن العهد من الإِيمَان: مقابلة طيبة وملاطفة جميلة وتودد محمود ووفاء من النَّبِيّ ? لزوجته خديجة التي ماتت وطالما أيدته وخففت عَنْهُ وسلته وعاشرته وتبادل هُوَ وإياها الْمَوَدَّة ولم تكدر خاطره ولا مرة واحدة عكس ما عَلَيْهِ زوجات هَذَا الجيل المنحرف إِلا النادرة.
وأخَرَجَ أبو داود ج٢ ص ٦٣ أن عمر بن السائب حدثه أنه بلغه أن رسول الله ? كَانَ جالساً يَوْماً فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عَلَيْهِ ثُمَّ أقبلت أمه فوضع لها نصف ثوبه من جانبه الآخر فجلست عَلَيْهِ ثُمَّ أقبل أخوه من الرضاعة فقام له رسول الله ? فأجلسه بين يديها.
وعَنْدَ أَحَمَد من حديث مسروق عن عَائِشَة: آمنت بي إذ كفر بي النَّاس وصدقتني إذ كذبني النَّاس وواستني إذ حرمني النَّاس ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء وكَانَ جَمِيع أولاده ﵇ منها عدا إبراهيم فإنه من مارية القبطية وتوفيت خديجة قبل الهجرة بثلاث سنين وحزن عَلَيْهَا ? حزناً
стр. 2156
شديداً لما كَانَ لها من الأعمال النبيلة والوفاء التام والتأييد له وتثبيته ولما لها من آراء سديدة.
ومنها القاسم الَّذِي كَانَ يكني به وسائر ولده إبراهيم وبوفاتها انطفأ مصباح منير وعون كبير ليتمثل النساء بأعمالها في حسن الوفاء والإخلاص والصدق والبر فإنها امرأة ولكنها خَيْر من آلاف الرِّجَال وفي مثلها وأشباهها لو يوَجَدَ حسن التمثل يَقُولُ المتنبي:
(وَلَوْ كَانَ النِسَاءُ كَمَنْ فَقَدْنَا ... لَفُضِّلَتِ النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ)
ولهَذَا استحقت أجر العاملين وثواب المخلصين وجاءتها البشارة من رب السماء علي لسان جبريل الأمين قائلاً " يَا رَسُولَ اللهِ هذه خديجة قَدْ أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب شك من الراوي " وَذَلِكَ عِنْدَمَا كَانَ ? في غار حراء فإذا هِيَ أتتك فاقَرَأَ ﵍ من ربها ومني وبشرها ببيت في الْجَنَّة من قصب لا صخب فيه ولا نصب "
فقَالَتْ هُوَ السَّلام ومنه السَّلام وعلي جبريل السَّلام وعَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ السَّلام ورحمة الله وبركاته.
رَأَتْ خَدِيْجَةُ إِنْسَانَاً تُصَاحِبُهُ ... عِنَايَةُ اللهِ رَغْمَ الفَقْرِ واليُتُمِ
فاخْتَارَتْ المُصْطَفَى زَوْجاً لَهَا ولَقَدْ ... وَفِيَّ لَهَا المُصْطَفَى المُخْتَارُ بالذِّمَمِ
يُثْنِيْ عَلَيْهَا ولاَ يَنْسَى فَضَائِلَهَا ... مِثْلُ اسْتِجَابَتِهَا فِي لاَ وَفِي نَعَمِ
أَوْلاًَدُهُ غَيْرُ إِبْراهِيْمَ سِتَّتُهُمْ ... أَتَوهُ مِنْهَا وَنُورُ الشَّمْسِ فِي النَّجِمِ
آخر: ... لَقَدْ سَمِعْنَا بأَوْصَافٍ لَكُمْ حَسُنَتْ ... فَسَرَّنَا مَا سَمِعْنَاهُ وَأَرْضَانَا
مِنْ قَبْلِ رُؤْيَتِكُمْ نلَنَا مَحَبَّتَكُمْ ... والأذْنُ تَعْشِقُ قَبْلَ العَيْنِ أَحْيَانَا
" موعظة "
عِبَادَ اللهِ إن شأن الصَّلاة عَظِيم جداً في ديننا معشر المسلمين وفي كُلّ دين وأسرارها العظيمة وبركاتها العميمة وفوائدها الكثيرة لا تخفي علي كثير من الْمُؤْمِنِين.
ولَيْسَتْ الصَّلاة مجرد أقوال يلوكها اللسان وحركات تؤديها الجوارح بلا تدبر من عقل ولا تفهم ولا خشوع من قلب لَيْسَتْ تلك التي ينقرها صاحبها نقر الديكة ويخطفها خطف
стр. 2157
الغراب ويمر بها مر السحاب كأن وراءه طالب حثيث ويلتفت فيها التفات الثعلب يميناً وشمالاً وفوقاً وتحتاً.
كلا فالصَّلاة المقامة تماماً هِيَ التي تأخذ حقها من التأمل والخشية والخضوع والسكون واستحضار عظمة المعبود ﷻ .
وَذَلِكَ أن القصد من الصَّلاة وسائر العبادات هُوَ تذكير الإِنْسَان بربه الأعلى الَّذِي خلق فسوي والَّذِي قدر فهدي.
والصَّلاة صلة بين الْعَبْد وربه تقوي بها محبة الْعَبْد لربه كُلَّما تكررت قال ابن القيم ﵀ فإن المحب يتلذذ بخدمة محبوبه وتصرفه في طاعته وكُلَّما كانت المحبة أقوي كانت لذة الطاعة والخدمة أكمل فليزن الْعَبْد إيمانه ومحبته بهَذَا الميزان ولينظر هل هُوَ ملتذ بخدمة محبوبه أو
стр. 2158
متكره لها يأتي بها علي السآمة والملل والكراهة فهَذَا محك إيمان الْعَبْد ومحبته لله.
قال بعض السَّلَف إني أدخل في الصَّلاة فأحمل هم خروجي منها ويضيق صدري إذا فرغت لأني خارج منها ولهَذَا قال النبي ? وجعلت قرت عيني في الصَّلاة ومن كانت قرة عينه في شَيْء فإنه لا يود أن يفارقه ولا يخَرَجَ منه فإن قرة عين الْعَبْد نعيمه وطيب حَيَاتهُ به
وَقَالَ بعض السَّلَف إني لأفرح بالليل حين يقبل لما تتلذذ به عيشتي وتقر به عيني من مناجاة من أحب وخلوتي بخدمته والتذلل بين يديه واغتم للفجر إذا طلع لما اشتغل به النَّهَارَ عن ذَلِكَ فلا شَيْء ألذ للمحب من خدمة محبوبه وطاعته أين هَؤُلاَءِ ممن لذتهم وأنسهم عَنْدَ المنكرات.
وَقَالَ بَعْضهمْ تعذبت بالصَّلاة عشرين سنة ثُمَّ تنعمت بها عشرين سنة وهذه اللذة والتنعم بالخدمة إنما تحصل بالمصابرة علي التكره والتعب أولاً فإذا صبر عَلَيْهِ وصدق في صبره أفضي به إلي هذه اللذة.
وَقَالَ أبو زيد سقت نفسي إلي الله وهي تبكي فما زلت أسوقها حتى انساقت إليه وهي تضحك أهـ.
وَقَالَ الله تَعَالَى " وأقم الصَّلاة لذكري "
وَقَالَ ? إنما فرضت الصَّلاة وأمر بالحج وأشعرت المناسك لإقامة ذكر الله رواه أبو داود ولهَذَا كانت عنوان علي الفلاح قال تَعَالَى " إنما يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْم الآخرِ وَأَقَامَ الصَّلاة "
стр. 2159
والمراد بعمارتها بالصَّلاة والقربات وَقَالَ ?: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإِيمَان» . فإن الله يَقُولُ: ﴿إنما يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْم الأخرِ وَأَقَامَ الصَّلاة﴾ .
وجَاءَ ذكر الصَّلاة في القرآن في مواضع كثيرة وأثني جَلَّ وَعَلا علي المقيمين لها والمحافظين عَلَيْهَا وأخبر أنها تنهي عن الفحشاء والْمُنْكَر ومن دعاء الخليل ﵇ أنه يسأل ربه أن يجعله مقيماً لها قال تَعَالَى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاة وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ .
ومدح بها إسماعيل قال تَعَالَى ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاة وَالزَّكَاة وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ وأمر جَلَّ وَعَلا موسى بإقامتها أول ما يأمره به في ساعات الوحي الأولي قال تَعَالَى: ﴿وَأنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَي * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا آله إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاة لِذِكْرِي﴾ وَقَالَ له ولهارون ﴿أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاة﴾ .
وفي وصية لقمان لابنه يا بني أقم الصَّلاة وأمر بالمعروف وانه عن الْمُنْكَر ... الآية وينطق الله عيسي وَهُوَ في مهده فَيَقُولُ " وَأَوْصَانِي بِالصَّلاة وَالزَّكَاة مَا دُمْتُ حَيّاً﴾
ويأمر الله بها صفوة خلقه وخاتم أنبيائه فَيَقُولُ جَلَّ وَعَلا ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إليكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاة إِنَّ الصَّلاة " وَيَقُولُ جَلَّ وَعَلا وتقدس ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاة وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ .
ويبتدؤ بها أوصاف الْمُؤْمِنِين ويختم بها فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ وتعالي " قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ " الآيات إلي قوله ﴿وَالَّذِينَ
стр. 2160
هُمْ عَلَي صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾
ويؤكد المحافظة عَلَيْهَا حضراً وسفراً وفي الأمن والخوف والسلم والحرب ﴿حَافِظُواْ عَلَي الصَّلَوَاتِ والصَّلاة الْوُسْطَي وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ، فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانَاً﴾
وأخبر جَلَّ وَعَلا عمن أضاعوا الصَّلاة واتبعوا الشهوات أن عاقبة أعمالهم وسوء مالهم شر وخسران فَقَالَ ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاة وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾
وجعلها النَّبِيّ ? الشعار الفاصل بين المسلم والكافر فَقَالَ بين الرجل وبين الكفر ترك الصَّلاة وَقَالَ العهد الَّذِي بيننا وبينهم الصَّلاة فمن تركها فقَدْ كفر وفي الْحَدِيث الآخر من ترك الصَّلاة متعمداً فقَدْ برئت منه ذمة الله ورسوله وَقَالَ ﵊ من فاتته صلاة فكأنما وتر أهله وماله.
ومِمَّا يدل علي عظم شأن الصَّلاة مَعَ تقدم اهتمام المسلمين بتوجيه المحتضَرِ وَهُوَ في سكرات الموت إلي القبلة وكَذَلِكَ وضعه في قبره متجهاً إلي القبلة وما ذاك إِلا أنها الجهة التي يتجه إليها كُلَّما أراد أن يتعرف إلي ربه ويدعوه ويجدد الصلة بينه وبين ربه في الصَّلاة.
عَلَى الصَلْواتِ الخَمْسِ حَافِظْ فَإِنّهَا ... لاَكَدُ مَفْرُوْضِ عَلَى كُلِّ مُهْتَدِ
فَلاَ رُخْصَةِ فِي تَرْكِهَا لِمُكَلَّفٍ ... وأَوْلُ مَا عَنْهُ يُحَاسَبُ فِي غَدِ
بإهْمَالِهَا يَسْتَوجِبُ المَرَءُ قَرْنَهُ ... بِفرعَونَ مَعَ هَامَانَ فِي شَرِ مَوْردِ
وَمَازَالَ يُوصِيْ بالصَّلاَةِ نَبِيُّنَا ... لَدَى المَوْتِ حَتَّى كَلَّ عَنْ نُطْقِ مِذْوَدِ
اللَّهُمَّ انهج بنا مناهج المفلحين وألبسنا خلَع الإِيمَان واليقين، وخصنا منك بالتَّوْفِيق المبين، ووفقنا لقول الحق وإتباعه وخلصنا مِنَ الْبَاطِلِ وابتدعه، وكن لنا مؤيداً ولا تجعل لفاجر عَلَيْنَا يداً واجعل لنا عيشاً رغداً ولا
стр. 2161
تشمت بنا عدواً ولا حاسداً، وارزقنا عِلماً نافعاً وعملاً متقبلاً، وفهماً ذكياً صفياً وشفاءً من كُلّ داء، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المسلمين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وصلي الله علي مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
إذا فهمت ذَلِكَ فعَلَيْكَ أن تعتني بها وتجتهد في كُلّ ما يصلحها ويكملها تجتهد أولاً في الطهارة والنظافة في جسمك وثوبك وموضع فعَلَيْكَ أولاً بالاستبراء من البول والغائط بأن تتأني قليلاً حتى يخَرَجَ البول كله بدون نتر.
وهو دفع بقيت البول وبدون مصر للذكر فإن الْعَمَل يحدث السلس وتغسل محل الغائط حتى يعود المحل كما قبل التغوط خال من آثار النجاسة ولزوجتها لئلا تَكُون حاملاً للنجاسة في صلاتك فتبطل.
ثُمَّ عَنْدَ الوضوء تزيل ما يمنع وصول الماء إلي البشرة من مرهم أو وازلين أو دهن علي غير جرح يضره الماء وتتفقَدْ عَنْدَ الوضوء أخمص القدمين والعقب وَهُوَ مؤخر القدم وأعلي الجبة وما حول المرافق.
وفي الغسل صماخ الأذنين وطي الركبتين وما تحت الشعور والإبط والسرة وما بين الأصابع أصابع الرجلين والأظافر إن كانت طواِلاً وتمنع الماء ويضرك قصها وإِلا فتقصها ثُمَّ بعد تنتبه لهذه الدقائق.
وتَكُون محسناً للوضوء وتسعي في تفقد ما يفسدها أو ينقصها كما تراه في فعل الصَّلاة عَنْدَ بعض النَّاس تري عنده من العبث والحركة والتلفت ما يجعلك في شك منه هل هُوَ في صلاة أم لا فتجده أحيانَاً ينظر ساعته وأحيانَاً يصلح غترته وأحيانَاً يواسي ثوبه ويطالعه وأحيانَاً يعبث في محل لحيته وأحيانَاً في أنفه أو عينه وفي خفهِ، وفي ركوعه وسجوده ما يدهشك.
стр. 2162
ولعلك تظن أن هَذَا مبالغة ولكن إذا أردت الوقوف علي ذَلِكَ فَانْظُرْ بعد ما تسلم إلي الَّذِينَ يكلمون وإلي من يصلي وحده وعلي كُلّ حال الأَمْر عَظِيم ومَعَ ذَلِكَ النَّاس في غَفْلَة وسهو عن ذَلِكَ.
وأما الطُّمَأْنِينَة في الصَّلاة فيفهم قدر تركها من حديث المسيء في صلاته الَّذِي رواه أبو هريرة ﵁ أن رجلاً دخل المسجد ورسول الله ? جالس في ناحية المسجد فصلي ثُمَّ جَاءَ إلي النَّبِيّ ? فسلم عَلَيْهِ فَقَالَ له ? وعَلَيْكَ السَّلام ارجع فصل فإنك لم تصل.
فصلي ثُمَّ جَاءَ فسلم فَقَالَ وعَلَيْكَ السَّلام فارجع فصل فإنك لم تصل فصلي ثُمَّ جَاءَ فسلم فَقَالَ وعَلَيْكَ السَّلام فَقَالَ في الثَّانِيَة أو في التي تليها علمني يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ " إذا قمت إلي الصَّلاة فأسبغِ الوضوء "
ثُمَّ استقبل القبلة فكبِّر ثُمَّ اقَرَأَ ما تيسر معك من القرآن ثُمَّ اركع حتى تطمئن راكعاً ثُمَّ ارفع حتى تستوي قائماً ثُمَّ اسجد حتى تطمئن ساجداً ثُمَّ ارفع حتى تطمئن جالساً ثُمَّ اسجد حتى تطمئن ساجداً ثُمَّ ارفع حتى تطمئن جالساًَ.
ثُمَّ افعل ذَلِكَ في صلاتك كُلّهَا رواه البخاري ومسلم فتأمل قوله ? لمن ترك الطُّمَأْنِينَة ارجع فصل فإنك لم تصل فإن هَذَا نفي صريح في أن الرجل وإن كَانَ يفعل صورة الصَّلاة في رأي العين لم يأت بحَقِيقَة الصلاة.
والَّذِي جعله كذلكَ تركه للطمأنينة فيها وهي ركن من أركانها إذاً فليطمئن الَّذِي يريد أن يصدق عَلَيْهِ أنه صلي وليعلم أَهْل السرعة والنقر
стр. 2163
ذَلِكَ تماماً وليمرنوا أنفسهم علي التأني والتريث والرفق حتى يعدوا في فريق المصلين.
وإن لم يطمئنوا فليعلموا أنهم هم وتارك الصَّلاة سواء حكمهم بمقتضي قوله ? للمستعجل في صلاته ارجع فصل فإنك لم تصل، وَقَالَ أبو هريرة ﵁ أوصاني خليلي ? بثلاث ونهاني عن ثلاث نهاني عن نقرة كنقرة الديك (العجلة في الصَّلاة) وإقعاء كإقعاء الكلب (وضع الإلية علي الأرض ونصب الساقين ووضع اليدين علي الأرض) .
والتفات كالتفات الثعلب، وَقَالَ ? لا يزال الله مقبلاً علي الْعَبْد في صلاته ما لم يلتفت فإذا صرف وجهه انصرف عَنْهُ ونهي ? عن رفع البصر إلي السماء في الصَّلاة، إذا علمت ذَلِكَ فابذل يا أخي كُلّ ما في وسعك من الاجتهاد في تكميل صلاتك وَاحْذَر من التفريط فيها فعَلَيْهَا مدار عَظِيم.
والمعاني التي تتم بها الصَّلاة كثيرة منها حضور الْقَلْب ومعناه أنك تفرغ قلبك عن الشواغل التي تتعلق بالدُّنْيَا وزينتها متفهماً لما تتلوه أو تقوله أو تسمعه إن كنت مأموماً فتصرف ذهنك وهمتك إلي إدراك المعني بدفع الخواطر الشاغلة وقطع موادها فإن المواد إذا لم تنقطع لم تنصرف الخواطر والهواجس عَنْهَا والمواد إما ظاهرة وهي ما يشغل السمَعَ والبصر.
وإما باطنة وهي أشد كمن تشبعت به الهموم في أودية الدُّنْيَا فإنه لا ينحصر فكره في فن واحد ولم يغنه غض البصر لأن ما وقع في الْقَلْب كافٍ في الاشتغال به.
стр. 2164
وعلاج ذَلِكَ إن كَانَ من المواد الظاهرة بقطع ما يشغل البصر والسمَعَ وَهُوَ القرب من القبلة والنظر إلي موضع السجود والابتعاد في الصَّلاة عما فيه نقوش أو تطريز أو نحو ذَلِكَ مِمَّا يلهي ويشغل الْقَلْب فإن النَّبِيّ ? صلي في أنبجانية فيها أعلام ونزعها وَقَالَ ((إنها ألهتني آنفاً عن صلاتي)) .
وإن كَانَ من المواد الباطنة فطَرِيق علاجه أن يرد النفس قهراً إلي ما يقَرَأَ في الصَّلاة ويشغلها به عن غيره ويستعد لذَلِكَ قبل الدخول في الصَّلاة بأن يقضي أشغاله ويجتهد علي تفريغ قَلْبهُ عن الهواجس ويجدد علي نَفْسهُ ذكر الآخرة وخطر القيام بين يدي الله وهول المطلع.
فإن لم تذهب وتسكن الأفكار بذَلِكَ فليعلم أنه إنما يتفكر فيما أهمه واشتهاه وناسب لهوه فليترك تلك الشهوات وليقطع تلك العلائق.
واعْلَمْ أن العلة والمرض متي تكمن لا ينفع فيه إِلا الدواء القوي والعلة إذا قويت جاذبت المصلي وجاذبها إلي أن تقضي الصَّلاة في المجاذبة ومثل ذَلِكَ كمثل رجل تحت شجرة أراد أن يصفو له فكره أو أراد أن ينام وكانت هذه الشجرة مأوي للعصافير تقع عَلَيْهَا وتشوش عَلَيْهِ بأصواتها وحركاتها وفي يده عصا يطردها به فما يستقر فكره حتى تعود العصافير فيشتغل بها.
فقيل له هَذَا شَيْء يدوم لا ينقطع فإن أردت الخلاص مِمَّا شوش عَلَيْكَ فاقطع الشجرة فكَذَلِكَ شجرة الشهوة وحب الدُّنْيَا إذا ارتفعت وتفرقت أغصانها انجذبت إليها الأفكار فذهب العمر النفيس في دفع ما لا يندفع والسبب الوحيد حب الدُّنْيَا فهو الَّذِي يجذب الأفكار ويولدها وينميها فعلي العاقل أن يجتهد في قلع حبها وَهُوَ صعب جداً علي أكثر الخلق.
стр. 2165
ولهَذَا كَانَ السَّلَف يعتنون بالصَّلاة اعتناءً عظيماً ويتلذذون بها ويحزنون لانقضائها وَقَالَ بَعْضهمْ تفقدوا قلوبكم في ثلاثة مواضع في الصَّلاة وفي القرآن وفي ذكر الله فإن وجدتم حلاوة وإِلا فالْبَاب مغلق.
ومن المؤسف أنك تجد كثيراً من النَّاس يأتي الصَّلاة كالمكره بدَلِيل أنه إذا تأخر الإمام ولو قليلاً ضاقت صدورهم مَعَ أنه في صلاة ما انتظروا الصَّلاة وتجدهم يسرعون الْخُرُوج بعدها بخلاف المجيء إليها.
وتجدهم يحرصون علي الإمام الَّذِي ينقرها مَعَ أنه في أمور الدُّنْيَا علي العكس إذا أراد أحدهم أن يذهب إلي طبيب ليكشف عَلَيْهِ حرص علي من يتركد ويطمئن ويطيل الفحص ويتقنه ولو بزيادة كثيرة لما يؤمله من النصح وإتقان الْعَمَل.
وكَذَلِكَ إذا أراد صنعه شَيْء حرص علي البصير الخبير المتقن لذَلِكَ.
أما في الصَّلاة فكما ذكرنا ما يهتم لها ولا يبالي ويراها عَلَيْهِ أثقل من أحد ورضوي وهي عشر دقائق أو أقل ولو وقف مَعَ صديق له أو قريب أو زميل ساعة أو أكثر وأراد التفرق لقال ساعة المحب قصيرة لأنسه به وتلذذه بمناجاته.
وأما رب العالمين الَّذِي نعمه عَلَيْهِ لا تعد ولا تحصي فالوقوف أمامه طويل وإن كَانَ قصيراً وصدق الله العَظِيم حيث يَقُولُ: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ فلا حول ولا قوة إِلا بِاللهِ العلي العَظِيم ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ .
شِعْراً:
وَمِنَ البَلِيَّةِ أَنْ تَرَى لَكَ صَاحِبَاً ... فِي صُورَةِ الرَجُلِ السَمْيِعِ المُبْصِرِ
فِطِنُ بِكُلِّ مُصِيْبَةٍ فِي مَالِهِ ... وَإِذَا يُصَابُ بِدِيْنِهِ لَمْ يَشْعُرِ
стр. 2166
آخر: ... فِي أَنَّ الدُّنْيَا ... بقُلُوبِ النَّاسِ مُتَمَكِنْ حُبُّهَا
هِيَ المُشْتَهَى والمُنْتَهَى ومَعَ السُّهَى ... أمَانِيٌ مِنْهَا دُوْنَهُنَّ العَظَائِمُ
وَلَمْ تَلْقَنَا إِلاَّ وفِيْنَا تَحَاسُدٌ ... عَلَيْهَا وإِلاَّ فِي الصُّدُوْرِ سَخَائِمُ
وَاللهُ أَعْلَمُ وصلي الله علي مُحَمَّد وآله وسلم.
(فَصْلٌ)
وإليك نماذج من حلمه فقَدْ أراد مرة أن يعلم أصحابه الحلم والأناة والتؤدة وضبط النفس فروي أن أعرابياً جَاءَ يَوْمًاً يطلب من النَّبِيّ ? شَيْئاً فأعطاه ? ثُمَّ قال له أحسنت إليك قال الأعرابي ولا أجملت فغضب المسلمون وقاموا إليه فأشار إليهم أن كفوا ثُمَّ قام ? ودخل منزله فأرسل إليه وزاده شَيْئاً ثُمَّ قال له أحسنت إليك قال نعم فجزاك الله من أَهْل وعشيرة خيراً.
فَقَالَ النَّبِيّ ? إنك قُلْتُ ما قُلْتُ آنفاً وفي نفس أصحابي من ذَلِكَ شَيْء فان أحببت فقل بين أيديهم حتى يذهب ما في صدورهم عَلَيْكَ قال نعم فَلَمَّا كَانَ الغد جَاءَ فَقَالَ له النَّبِيّ ? إن هَذَا الأعرابي قال ما قال فزدناه فزعم أنه رضي أكَذَلِكَ قال نعم فجزاك الله من أَهْل وعشيرة خيراً.
فَقَالَ رسول الله ? مثلي ومثل هَذَا وكمثل رجل له ناقة شردت عَلَيْهِ فاتبعها النَّاس فلم يزيدوها إِلا نفوراً فناداهم صاحبها فَقَالَ لهُمْ خلوا بيني وبين ناقتي فإني أرفق بها منكم وأعلم فتوجه لها بين يديها فأخذ من قمام الأرض فردها حتي جاءت واستناخت وشد عَلَيْهَا رحلها واستوي عَلَيْهَا وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار.
ومن ذَلِكَ ما ورد عن جابر بن عَبْد اللهِ ﵄ أنه ? كَانَ يقبض للناس يوم حنين من فضة في ثوب بلال فَقَالَ رجل يا نَبِيّ اللهِ أعدل فقام عمر فَقَالَ ألا أضرب عنقه فإنه منافق فَقَالَ معاذ الله أن يتحدث النَّاس أني
стр. 2167
أقتل أصحابي ". رواه مسلم.
ومن ذَلِكَ ما ورد عن أنس بن مالك قال كنت أمشي مَعَ النَّبِيّ ? وعَلَيْهِ برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة فنظر إلي صفحة عاتق النَّبِيّ ? وقَدْ أثرت بها حاشية البرد من شدة الجبذة ثُمَّ قال يا مُحَمَّد مر لي من مال الله الَّذِي عندك فالتفت إليه فضحك ثُمَّ أمر له بعطاء متفق عَلَيْهِ.
ومن ذَلِكَ ما ورد عن أَبِي هُرَيْرَةِ رضي الله قال كنا إذا صحبنا رسول الله ? في سفر تركنا له أعظم شجرة وأظلها فينزل تحتها فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها فَجَاءَ أعرابي فَقَالَ يا مُحَمَّد من يمنعك مني فَقَالَ رسول الله ? الله يمنعني منك ضع السيف فوضعه، ولم يعاقبه ?.
وورد أنه ? كَانَ يقسم تمراً في عرجونه في يوم شديد الحر فهجم عَلَيْهِ أعرابي فضايقه فضربه رسول الله ? بعرجونه فَقَالَ له الرجل أتضربني يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ له خذ فاقتص فَقَالَ له بل عفوت يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْظُرْ إلي عفوه ? عن الرجل الَّذِي أراد قتله فإنه لفت بعفوه نظر الرجل إلي مكارم أخلاقه ? ولذَلِكَ ذهب الرجل إلي قومه فَقَالَ لّهُمْ جئتكم من عَنْدَ خَيْر النَّاس.
وفي ذَلِكَ من توجيههم إلى النظر في تعاليمه والبحث فيما جاءهم به من عَنْدَ ربهم ما قَدْ يكون سبباً في إسلامهم وهدايتهم وهذه هِيَ النتيجة التي يسعي لها ?.
ومن ذَلِكَ ما أخرجه الطبراني عن عَبْد اللهِ بن سلام بإسناد رجاله ثقات
стр. 2168
قال لما أراد الله هدي زيد بن سعنة قال زيد: ما من علامَاتَ النبوة شيء إِلا وقَدْ عرفتها في وجه مُحَمَّد حين نظرت إليه إِلا اثنتين لم أخبرهما منه يسبق حلمه جهله ولا تزيده شدة الجهل عَلَيْهِ إِلا حلماً.
...
قال زيد فخَرَجَ رسول الله ? يَوْماً من الحجرات ومعه علي بن أبي طالب فأتاه رجل علي راحلته كالبدوي فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ لي نفر في قرية بني فلان قَدْ أسلموا ودخلوا في الإسلام وَكُنْت قَدْ حدثتهم إن أسلموا أتاهم الرزق رغداً وقَدْ.
فأنَا أخشي يَا رَسُولَ اللهِ أن يخرجوا من الإسلام طمعاً كما دخلوا فيه طمعاً فإن رَأَيْت أن ترسل إليهم بشَيْء تغيثهم به فعلت فنظر إلي رجل بجانبه أراه علياً فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ ما بقي منه شيء قال زيد بن سعنة فدنوت إليه فقُلْتُ يا مُحَمَّد هل لك أن تبيعني تمراً معلوماً في حائط بني فلان إلي أجل معلوم إلي أجل كَذَا وَكَذَا قال لا تسمي حائط بني فلان قلتُ نعم فبايعني فأطلقت همياني فأعطيته ثمانين مثقالاً من ذهب في تمر معلوم إلي أجل كَذَا وَكَذَا
فأعطاها الرجل وَقَالَ اعدل عَلَيْهمْ وأغثهم.
قال زيد فَلَمَّا كَانَ قبل محل الرجل بيومين أو ثلاث خَرَجَ رسول الله ? ومعه أبو بكر وعمر وعثمان في نفر من أصحابه.
فَلَمَّا صلي علي الجنازة ودنا إلي الجدار ليجلس إليه أتيته فأخذت بمجامَعَ قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ قُلْتُ يا مُحَمَّد ألا تقصيني حقي فوَاللهِ ما علمت بني المطلب إِلا مطلاً ولَقَدْ كَانَ بمخالطتكم علم، ونظرت إلي عمر وعَيْنَاهُ تدوران في وجهه كالفلك المستدير.
стр. 2169
ثُمَّ رماني ببصره فَقَالَ: يا عدو الله أتقول لِرَسُولِ اللهِ ? ما أسمَعَ وتصنع به ما أري
فوالَّذِي نفسي بيده لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك ورسول الله ? ينظر إلي في سكون وتؤده.
فَقَالَ ياعمر أَنَا وَهُوَ كنا أحوج إلي غير هَذَا أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن اتباعه اذهب به يا عمر فأعطه حقه وزده عشرين صاعاً من تمر مكَانَ ما رُعتَهُ فال زيد فذهب بي عمر فأعطاني حقي وزادني عشرين صاعاً من تمر.
فقُلْتُ ما هذه الزيادة ياعمر قال أمرني رسول الله ? أن أزيدك مكَانَ ما رعتك قال وتعرفني يا عمر قال لا قُلْتُ أَنَا زيد بن سعنة قال الحبر قُلْتُ الحبر قال فما دعاك إلي أن فعلت برسولي ما فعلت وقُلْتُ له ما قُلْتُ.
قُلْتُ يا عم لم يكن من علامَاتَ النبوة شَيْئاً إِلا وقَدْ عرفته في وجه رسول الله ? حين نظرت إليه إِلا اثنتين لم أخبرهما منه. يسبق حلمه جهله ولا تزيده شدة الجهل عَلَيْهِ إِلا حلماً.
وقَدْ اختبرتهما أشهدك يا عمر أني قَدْ رضيت بِاللهِ رباً وبالإسلام ديناً وبمُحَمَّد نبياً وأشهدك أن شطر مالي فإني أكثرها مالاً صدقة علي أمة مُحَمَّد ? قال عمر أو علي بَعْضهمْ فإنك لا تسعهم قُلْتُ أو علي بَعْضهمْ فرجع عمر وزيد إلي رسول الله ? فَقَالَ زيد أشهد أن لا إله إِلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وآمن به وصدقة وبايعه وشهد معه مشاهد كثيرة.
ثُمَّ توفي في غزوة تبوك مقبلاً غير مدبرٍ – رحمَ اللهُ زيداً، من هذه الآثار وما يأتي بعدها يتبين لك كيف قام رسول الله ? بالقسط وأقامه علي نَفْسهِ
стр. 2170
وأتباعه وأصحابه بلا محاباة ولا مداهنة فكَانَ في ذَلِكَ في القمة العإلية التي لا يصل إليها راق في تنفيذ أمر الله وتطبيقه علي الكبير والصغير والقوي والضعيف والشريف والوضيع والسيد والمسود.
اللَّهُمَّ ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب الْعَمَل الَّذِي يقربنا إلي حبك، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ إيماننا ثبوت الجبال الراسيات ووفقنا للعمل بالباقيات الصالحات واعصمنا يا مولانَا عن المحرمَاتَ والمشتبهات واغفر لنا جَمِيع الخطايا والزلات وافتح لدعائنا باب القبول والإجابات يا أجود الأجودين وأكرم الأكرمين وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
ومن ذَلِكَ حلمه مَعَ الأعرابي الَّذِي قال له أتضربني يَا رَسُولَ اللهِ فإنه ? لم يتماد في غضبه ولم يستنكر من الأعرابي استفهامه الَّذِي فيه المطالبة فَقَالَ للأعرابي خذ العرجون واقتص مني.
ولَقَدْ بلغ من حلمه ? أنه لم يضرب امرأة ولا خادماً ولما قيل له وَهُوَ في القتال لو لعنتهم يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعانَاً وعِنْدَمَا لقي ? من قومه أشد ما لقي ناداه ملك الجبال وسلم عَلَيْهِ.
ثُمَّ قال يا مُحَمَّد إن الله سمَعَ قول قومك وأنَا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت أن أطبق عَلَيْهمْ الأخشبين فَقَالَ رسول الله ?: بل أرجو أن يخَرَجَ الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شَيْئاً.
ولما أذاه المشركون يوم أحد وكسروا رباعيته وشجوا وجهه وشق ذَلِكَ
стр. 2171
علي أصحابه فَقَالُوا لو دعوت عَلَيْهمْ فَقَالَ إني لم أبعث لعانَاً ولكن بعثت داعياً ورحمة اللَّهُمَّ اغفر لقومي أو اهدِ قومي فَإِنَّهُمْ لا يعلمون.
وَقَالَ أنس ﵁ خدمت النَّبِيّ ? عشر سنين فما قال لشَيْء صنعته: لم صنعته ولا لشَيْء لم أصنعه لمَ لمْ تصنعه وكَانَ إذا عاتبني بعض أهله يَقُولُ دعوه فلو قُضِيَ لكَانَ.
وقَدْ روي أنه ? كَانَ في سفر وأمر أصحابه بإصلاح شاةٍ فَقَالَ رجل يَا رَسُولَ اللهِ علي ذبحها وَقَالَ آخر علي سلخُها وَقَالَ آخر علي طبخها فَقَالَ رسول الله ? وعلي جمعُ الحطب فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ نكفيك الْعَمَل فَقَالَ علمت أنكم تكفونني ولكن أكره أن أتميز عليكم وإن الله سُبْحَانَهُ وتعالي يكره من عبده أن يراه متميزاً بين أصحابه وقَدْ جَاءَ وفد النجاشي فقام ? يخدمهم فَقَالَ أصحابه نكفيك قال إنهم كَانُوا لأصحابنا مكرمين وأنَا أحب أن أكافئهم.
وجاءته امرأة في عقلها شَيْء فقَالَتْ إن لي إليك حَاجَة فَقَالَ اجلسي في أي سكك الْمَدِينَة شئت أجلس إليك حتى أقضي حاجتك فخلا معها في بعض الطَرِيق حتى فرعت من حاجتها وجَاءَ في البخاري كانت الأمةُ تأخذ بيد رسول الله ? فتنطلق به حيث شاءت.
ودخل الحسن بن علي والنَّبِيّ ? يصلي فركب علي ظهره وَهُوَ ساجد فأبطأ في سجوده حتى نزل الحسن فَلَمَّا فرغ قال له بعض أصحابه لَقَدْ أطلت سجودك قال إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله.
وكَانَ ? يباسط أصحابه وكَانَ رجل يسمي زهيراً يهادي النَّبِيّ ? بما
стр. 2172
يستطرف من موجود البادية وكَانَ ? يهاديه ويكافئه بموجود الحاضرة وبما يستطرف منها وكَانَ ? يَقُولُ زهير باديتنا ونَحْنُ حاضرته.
ولَقَدْ جَاءَ إلي السوق يَوْماً فوَجَدَ زهيراً قائماً من قبل ظهره وضمه بيده إلي صدره فأحس زهير أنه الرَّسُول ? فجعل يمسح ظهره في صدر النَّبِيّ ? رجَاءَ البركة من الله ثُمَّ من جسده ? فجعل ? يَقُولُ من يشتري الْعَبْد قال زهيرٌ إذاً تجدني كاسداً فَقَالَ المصطفي ? أَنْتَ عَنْدَ الله غالٍ.
وكَانَ ? يمزح ولا يَقُولُ إِلا حقاً فمن ذَلِكَ أن رجلاً جاءه فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ احملني فَقَالَ أحَمَلَكَ علي ابن الناقة فَقَالَ ما عسي يغني عني ابن الناقة فَقَالَ النَّبِيّ ? ويحك وهل يلد الجمل إِلا الناقة.
وجاءته مرة عجوز فقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ ادع الله لي أن يدخلني الْجَنَّة فَقَالَ يا أم فلان لا يدخل الْجَنَّة عجوز فولت تبكي فَقَالَ أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز إن الله تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ .
ومن ذَلِكَ أن أنساً كَانَ له أخ يُقَالُ له أبو عمير وكَانَ له نغر ((طائر صغير)) يلعب به فمَاتَ فدخل علي النَّبِيّ ? ذات يوم وَهُوَ حزين فَقَالَ ما شأنه قيل له مَاتَ نغره فَقَالَ يا أبا عمير ما فعل النغير.
وكَانَ النَّبِيّ ? يكرم كريم كُلّ قوم ويوليه أمرهم ويقبل معذرة المعتذر إليه وإليك قصة كعب بن زهير غضب كعب علي أخيه بجير حين أسلم وآمن بالنَّبِيّ ? فَقَالَ ﵊ من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله.
فكتب بجيرُ إلي أخيه كعب يخبره بذَلِكَ وأن النَّبِيّ ? أهدر دمه فإن كَانَ لك في نفسك حَاجَة فصر إليه فإنه يقبل من جَاءَ تائباً ولا يطالبه بما عمل
стр. 2173
قبل الإسلام.
فَلَمَّا بلغ اْلكِتَاب كعباً فر إلي قبيلته لتجيره فأبت عَلَيْهِ ذَلِكَ فأشفق وخاف علي نَفْسهِ وأرجف به أعداؤه فقدم الْمَدِينَة ونزل علي علي بن أبي طالب ﵁ فأتي به إلي المسجد وَقَالَ هَذَا رسول الله ? فقم إليه واستأمنه.
فسمَعَ كلامه وقام إليه حتى جلس بين يديه فوضع يده في يده قائلاً يَا رَسُولَ اللهِ إن كعب بن زهير قَدْ جَاءَ يستأمنك تائباً مسلماً فهل أَنْتَ قابل منه ذَلِكَ إن أَنَا جئتك به قال نعم قال أَنَا كعب بن زهير فَقَالَ النَّبِيّ ? الَّذِي يَقُولُ ما يَقُولُ.
ووثب إليه رجلٌ من الأنصار فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ دعني وعدو الله أضرب عنقه فَقَالَ له رسول الله ? دعه عَنْكَ فإنه قَدْ جَاءَ تائباً نازعاً ثُمَّ أخذ كعب في إنشاء قصيدته المشهورة يمدح فيها رسول الله ? ويذكر خوفه وإرجافَ الوشاة به ومطلعها:
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِيْ الْيَوْمَ مَتْبُوْلُ ... مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُوْلُ
إلي أن بلغ:
إِنَّ الرَّسُولَ لَنُوْرٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ ... مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُوْلُ
فرمي رسول الله ? بردته الشريفة إليه وعفا عَنْهُ كما هِيَ عادته الكريمة
стр. 2174
وكَانَ ? لا يواجه أَحَداً في وجهه بشَيْء يكرهه لسعة صدره وغزارة عقله وشدة حيائه وكَانَ ? يأمر بالرفق ويحث عَلَيْهِ وينهي عن العنف ويبغضه ولم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح اللَّهُمَّ صل وسلم عَلَيْهِ.
وكَانَ يزور ضعفاء المسلمين تلطفاً بِهُمْ وإيناساً لهُمْ ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم سواء كانت لشريفٍ أو وضيعٍ وبذَلِكَ كَانَ خَيْر أسوة وكَانَ ? أصبر النَّاس علي ما يكون من قبيح الأفعال مِنْهُمْ وسوء سيرتهم وقبيح سريرتهم لأن الله تَعَالَى شرح صدره فاتسع لما تضيق منه صدورهم.
وكَانَ ? كاملاً في قوة عقله وإدراكه وصحة قياسه الفكري وصدق ظنونه وصحة فهمه وقوة حواسه مفطوراً علي الصبر والسكون والحياء والمروءة والْمَوَدَّة والرحمة والهداية للخلق وحب الْخَيْر لهُمْ وإعطاء الحكمة حقها في سائر أموره.
وكَانَ ? ذا سياسة شريفة ومعارف منيفة ونظر ثاقب ورأي صائب وحدس موافق وفضائل مقصودة وأَخْلاق محمودة دينه الإسلام وخلقه القرآن يرضي لرضاه ويسخط لسخطه محرراً للشرائع حافظاً للودائع.
وكَانَ ? كثير الأفضال يصل من قطعه ويعطي من حرمه ويبذل لمن منعه ويعفو عمن ظلمه ويغضي طرفه عن القذى ويحبس نَفْسه عن الأذى لا ينتقم مَعَ القدرة ويصبر علي ما يشق ويكره ولا يزيد مَعَ أذي الجاهل إِلا صبراً وحلماً.
وما خُيِّرَ بين أمرين إِلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا وَكَمْ أعرض عن
стр. 2175
جاهل ومعاند وكَانَ (يأكل مَعَ الخادم ويبادر إلي خدمة القادم ويرقعُ ثوبه ويخصف نعله ويقمُّ بيته ويخدم أهله ويحمل بضاعته من السوق مَعَ أنه سيد ولد آدم وأكرم الخلق علي الله.
وكَانَ (رحيماً حتى بأعدائه ألم تر أنه لما دخل يوم فتح مَكَّة علي قريش: وقَدْ جلسوا بالمسجد الحرام وصحبه ينتظران أمره فيهم من قتل أو غيره.
قَالَ لِقُرَيْشٍ مَا تَظُنُّونَ أَنَّي فَاعِلٌ بِكُمْ قَالُوا خَيْرَاً أَخٌ كَرِيْمٌ وابنُ أَخٍ كَرِيْمٍ فَقَالَ (أَقُولُ كَمَا قَالَ أخِيْ يُوْسُفُ: لاَ تَثْرِيْبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ. اذْهَبْوا فأنْتُمُ الطُّلَقَاءُ وَلاَ غَرابَةَ فَقَدْ انْفَرَدَ بالأَخْلاقِ الفَاضِلَةِ والمَحَاسِنَ والمَعَارِفَ والتَودُدَ والرِفْقِ وَمِنْ النَظْمِ الَّذِي لاَ يُصْلِحُ أَنْ يُوصَفَ بِهِ إِلاَّ النَّبِيُ (ما يلي:
تَلْقَاهُ وَهُوَ مَعَ الإحسانِ مُعْتِذَراً ... وقَدْ يُسِيءُ مُسِيءٌ وَهُوَ غَضْبَانُ
إِذَا بَدَا وَجَهُ ذَنْبِ فَهْوَ ذُوْ سِنَةٍ ... وَإِنْ بَدَا وَجْهُ خَطْبٍ فَهْوَ يَقْظَانُ
إِذَا تَيَمَّمَهُ العَافِي فكوْكَبُهُ ... سَعْدٌ ومَرْعَاهُ فِي وَادَيْهِ سَعْدَانُ
أحْيَا بِهِ اللهُ هَذَا الخَلْقَ كُلَّهُمُ ... كَأَنَهُ الرُوْحُ وَالمَخْلُوْقُ جُثْمَانُ
عِبَادَ اللهِ إن أمامكم يوم لا كالأيام يوم فيه من الأهوال والشدائد والكروب ما يشيب الوالدان وتذهل فيه المرضعة عما أرضعت يوم يتغير فيه العَالِم وينتهي نظامه الَّذِي نراه.
فتنثر الكواكب وتتساقط وتطوي السماء كطي السجل للكتب يزيلها الله وتبدل الأرض غير الأرض وتمد كما أخبر الله تَعَالَى وينفخ في الصور فيقوم النَّاس من قبورهم لرب العالمين.
وحينئذ يحشر الكافر أعمي لا يبصر أصم لا يسمَعَ أبكم لا ينطق يمشي
следующие страницы →