Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
علي أصحابه فَقَالُوا لو دعوت عَلَيْهمْ فَقَالَ إني لم أبعث لعانَاً ولكن بعثت داعياً ورحمة اللَّهُمَّ اغفر لقومي أو اهدِ قومي فَإِنَّهُمْ لا يعلمون.
وَقَالَ أنس ﵁ خدمت النَّبِيّ ? عشر سنين فما قال لشَيْء صنعته: لم صنعته ولا لشَيْء لم أصنعه لمَ لمْ تصنعه وكَانَ إذا عاتبني بعض أهله يَقُولُ دعوه فلو قُضِيَ لكَانَ.
وقَدْ روي أنه ? كَانَ في سفر وأمر أصحابه بإصلاح شاةٍ فَقَالَ رجل يَا رَسُولَ اللهِ علي ذبحها وَقَالَ آخر علي سلخُها وَقَالَ آخر علي طبخها فَقَالَ رسول الله ? وعلي جمعُ الحطب فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ نكفيك الْعَمَل فَقَالَ علمت أنكم تكفونني ولكن أكره أن أتميز عليكم وإن الله سُبْحَانَهُ وتعالي يكره من عبده أن يراه متميزاً بين أصحابه وقَدْ جَاءَ وفد النجاشي فقام ? يخدمهم فَقَالَ أصحابه نكفيك قال إنهم كَانُوا لأصحابنا مكرمين وأنَا أحب أن أكافئهم.
وجاءته امرأة في عقلها شَيْء فقَالَتْ إن لي إليك حَاجَة فَقَالَ اجلسي في أي سكك الْمَدِينَة شئت أجلس إليك حتى أقضي حاجتك فخلا معها في بعض الطَرِيق حتى فرعت من حاجتها وجَاءَ في البخاري كانت الأمةُ تأخذ بيد رسول الله ? فتنطلق به حيث شاءت.
ودخل الحسن بن علي والنَّبِيّ ? يصلي فركب علي ظهره وَهُوَ ساجد فأبطأ في سجوده حتى نزل الحسن فَلَمَّا فرغ قال له بعض أصحابه لَقَدْ أطلت سجودك قال إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله.
وكَانَ ? يباسط أصحابه وكَانَ رجل يسمي زهيراً يهادي النَّبِيّ ? بما
стр. 2172
يستطرف من موجود البادية وكَانَ ? يهاديه ويكافئه بموجود الحاضرة وبما يستطرف منها وكَانَ ? يَقُولُ زهير باديتنا ونَحْنُ حاضرته.
ولَقَدْ جَاءَ إلي السوق يَوْماً فوَجَدَ زهيراً قائماً من قبل ظهره وضمه بيده إلي صدره فأحس زهير أنه الرَّسُول ? فجعل يمسح ظهره في صدر النَّبِيّ ? رجَاءَ البركة من الله ثُمَّ من جسده ? فجعل ? يَقُولُ من يشتري الْعَبْد قال زهيرٌ إذاً تجدني كاسداً فَقَالَ المصطفي ? أَنْتَ عَنْدَ الله غالٍ.
وكَانَ ? يمزح ولا يَقُولُ إِلا حقاً فمن ذَلِكَ أن رجلاً جاءه فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ احملني فَقَالَ أحَمَلَكَ علي ابن الناقة فَقَالَ ما عسي يغني عني ابن الناقة فَقَالَ النَّبِيّ ? ويحك وهل يلد الجمل إِلا الناقة.
وجاءته مرة عجوز فقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ ادع الله لي أن يدخلني الْجَنَّة فَقَالَ يا أم فلان لا يدخل الْجَنَّة عجوز فولت تبكي فَقَالَ أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز إن الله تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ .
ومن ذَلِكَ أن أنساً كَانَ له أخ يُقَالُ له أبو عمير وكَانَ له نغر ((طائر صغير)) يلعب به فمَاتَ فدخل علي النَّبِيّ ? ذات يوم وَهُوَ حزين فَقَالَ ما شأنه قيل له مَاتَ نغره فَقَالَ يا أبا عمير ما فعل النغير.
وكَانَ النَّبِيّ ? يكرم كريم كُلّ قوم ويوليه أمرهم ويقبل معذرة المعتذر إليه وإليك قصة كعب بن زهير غضب كعب علي أخيه بجير حين أسلم وآمن بالنَّبِيّ ? فَقَالَ ﵊ من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله.
فكتب بجيرُ إلي أخيه كعب يخبره بذَلِكَ وأن النَّبِيّ ? أهدر دمه فإن كَانَ لك في نفسك حَاجَة فصر إليه فإنه يقبل من جَاءَ تائباً ولا يطالبه بما عمل
стр. 2173
قبل الإسلام.
فَلَمَّا بلغ اْلكِتَاب كعباً فر إلي قبيلته لتجيره فأبت عَلَيْهِ ذَلِكَ فأشفق وخاف علي نَفْسهِ وأرجف به أعداؤه فقدم الْمَدِينَة ونزل علي علي بن أبي طالب ﵁ فأتي به إلي المسجد وَقَالَ هَذَا رسول الله ? فقم إليه واستأمنه.
فسمَعَ كلامه وقام إليه حتى جلس بين يديه فوضع يده في يده قائلاً يَا رَسُولَ اللهِ إن كعب بن زهير قَدْ جَاءَ يستأمنك تائباً مسلماً فهل أَنْتَ قابل منه ذَلِكَ إن أَنَا جئتك به قال نعم قال أَنَا كعب بن زهير فَقَالَ النَّبِيّ ? الَّذِي يَقُولُ ما يَقُولُ.
ووثب إليه رجلٌ من الأنصار فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ دعني وعدو الله أضرب عنقه فَقَالَ له رسول الله ? دعه عَنْكَ فإنه قَدْ جَاءَ تائباً نازعاً ثُمَّ أخذ كعب في إنشاء قصيدته المشهورة يمدح فيها رسول الله ? ويذكر خوفه وإرجافَ الوشاة به ومطلعها:
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِيْ الْيَوْمَ مَتْبُوْلُ ... مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُوْلُ
إلي أن بلغ:
إِنَّ الرَّسُولَ لَنُوْرٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ ... مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُوْلُ
فرمي رسول الله ? بردته الشريفة إليه وعفا عَنْهُ كما هِيَ عادته الكريمة
стр. 2174
وكَانَ ? لا يواجه أَحَداً في وجهه بشَيْء يكرهه لسعة صدره وغزارة عقله وشدة حيائه وكَانَ ? يأمر بالرفق ويحث عَلَيْهِ وينهي عن العنف ويبغضه ولم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح اللَّهُمَّ صل وسلم عَلَيْهِ.
وكَانَ يزور ضعفاء المسلمين تلطفاً بِهُمْ وإيناساً لهُمْ ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم سواء كانت لشريفٍ أو وضيعٍ وبذَلِكَ كَانَ خَيْر أسوة وكَانَ ? أصبر النَّاس علي ما يكون من قبيح الأفعال مِنْهُمْ وسوء سيرتهم وقبيح سريرتهم لأن الله تَعَالَى شرح صدره فاتسع لما تضيق منه صدورهم.
وكَانَ ? كاملاً في قوة عقله وإدراكه وصحة قياسه الفكري وصدق ظنونه وصحة فهمه وقوة حواسه مفطوراً علي الصبر والسكون والحياء والمروءة والْمَوَدَّة والرحمة والهداية للخلق وحب الْخَيْر لهُمْ وإعطاء الحكمة حقها في سائر أموره.
وكَانَ ? ذا سياسة شريفة ومعارف منيفة ونظر ثاقب ورأي صائب وحدس موافق وفضائل مقصودة وأَخْلاق محمودة دينه الإسلام وخلقه القرآن يرضي لرضاه ويسخط لسخطه محرراً للشرائع حافظاً للودائع.
وكَانَ ? كثير الأفضال يصل من قطعه ويعطي من حرمه ويبذل لمن منعه ويعفو عمن ظلمه ويغضي طرفه عن القذى ويحبس نَفْسه عن الأذى لا ينتقم مَعَ القدرة ويصبر علي ما يشق ويكره ولا يزيد مَعَ أذي الجاهل إِلا صبراً وحلماً.
وما خُيِّرَ بين أمرين إِلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا وَكَمْ أعرض عن
стр. 2175
جاهل ومعاند وكَانَ (يأكل مَعَ الخادم ويبادر إلي خدمة القادم ويرقعُ ثوبه ويخصف نعله ويقمُّ بيته ويخدم أهله ويحمل بضاعته من السوق مَعَ أنه سيد ولد آدم وأكرم الخلق علي الله.
وكَانَ (رحيماً حتى بأعدائه ألم تر أنه لما دخل يوم فتح مَكَّة علي قريش: وقَدْ جلسوا بالمسجد الحرام وصحبه ينتظران أمره فيهم من قتل أو غيره.
قَالَ لِقُرَيْشٍ مَا تَظُنُّونَ أَنَّي فَاعِلٌ بِكُمْ قَالُوا خَيْرَاً أَخٌ كَرِيْمٌ وابنُ أَخٍ كَرِيْمٍ فَقَالَ (أَقُولُ كَمَا قَالَ أخِيْ يُوْسُفُ: لاَ تَثْرِيْبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ. اذْهَبْوا فأنْتُمُ الطُّلَقَاءُ وَلاَ غَرابَةَ فَقَدْ انْفَرَدَ بالأَخْلاقِ الفَاضِلَةِ والمَحَاسِنَ والمَعَارِفَ والتَودُدَ والرِفْقِ وَمِنْ النَظْمِ الَّذِي لاَ يُصْلِحُ أَنْ يُوصَفَ بِهِ إِلاَّ النَّبِيُ (ما يلي:
تَلْقَاهُ وَهُوَ مَعَ الإحسانِ مُعْتِذَراً ... وقَدْ يُسِيءُ مُسِيءٌ وَهُوَ غَضْبَانُ
إِذَا بَدَا وَجَهُ ذَنْبِ فَهْوَ ذُوْ سِنَةٍ ... وَإِنْ بَدَا وَجْهُ خَطْبٍ فَهْوَ يَقْظَانُ
إِذَا تَيَمَّمَهُ العَافِي فكوْكَبُهُ ... سَعْدٌ ومَرْعَاهُ فِي وَادَيْهِ سَعْدَانُ
أحْيَا بِهِ اللهُ هَذَا الخَلْقَ كُلَّهُمُ ... كَأَنَهُ الرُوْحُ وَالمَخْلُوْقُ جُثْمَانُ
عِبَادَ اللهِ إن أمامكم يوم لا كالأيام يوم فيه من الأهوال والشدائد والكروب ما يشيب الوالدان وتذهل فيه المرضعة عما أرضعت يوم يتغير فيه العَالِم وينتهي نظامه الَّذِي نراه.
فتنثر الكواكب وتتساقط وتطوي السماء كطي السجل للكتب يزيلها الله وتبدل الأرض غير الأرض وتمد كما أخبر الله تَعَالَى وينفخ في الصور فيقوم النَّاس من قبورهم لرب العالمين.
وحينئذ يحشر الكافر أعمي لا يبصر أصم لا يسمَعَ أبكم لا ينطق يمشي
стр. 2176
عَلَى وَجْهِهِ لِيَعْلَمَ مِنْ أَوَّلِ الأَمْر أنَّهُ مِنْ أَهْلِ الإِهَانَةِ ويَكُونُ أسْوَدَ الوَجْهِ أْزْرَقَ العَيْنَيْنِ فِي مُنَتْهَى العَطَشِ فِي يَوْمُ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِيْنَ ألفَ سَنَةٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمَسِ إِلا مِقْدَارُ مِيْلٍ.
إذْ ذَاكَ يِقِفُ مَبْهُوْتاً ذَاهِلَ العَقْلِ شَاخِصَ البَصَرِ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ تُرَاباً ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ إِلى النَّارِ ويُسْلَكُ فِي سِلْسِلةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً وَبَعْدَ دُخُولِهِ فِيْهَا لا يَخْرُجُ مِنَها أبَداً وَلاَ يَزَداُد إِِلاَ عَذَاباً ولا يُفَتَّرُ عَنْهُ.
إِن اسْتَغَاثَ يُغَاثُ بِمَاءٍ كَالُمْهلِ يَشْوِيْ الوُجُوْهَ ويُذِيْبُ الأَمْعَاءَ وَيُحْرِقُ الجُلُودَ تُحِيْطُ بِهِ النّارُ مِنْ كُلِ جِهَاتِهِ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مَهِادٌ ومِنْ فَوْقِهِم غَواشٍ كُلَّما نَضِجَ جِلْدُهُ بُدِّلَ جِلْداً غَيْرَهُ.
وكُلَّما أْرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا قُمِعَ بمَقَامََِعَ مِنْ حَدِيْدٍ كُلُ هَذَا العَذَابَ يُعَانِيْهِ ولا يَمُوْتُ ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ لا يَمُوتُ فِيْهَا ولا يَحْيَا وسَواءٌ صَبَرَ أمْ لَمْ يَصْبِرْ هُوَ خَالِدٌ فِي جَهَنَّمَ خُلُوداً لا انْتِهَاءَ لَهُ أبَدَاً.
عن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ أن رسول الله ? أتي بفرس يجعل كُل خطو منه أقصي بصره فسار وسار معه جبريل ﵇.
فأتي علي قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم كُلَّما حصدوا عاد كما كَانَ فَقَالَ يا جبريل من هَؤُلاَءِ قال هَؤُلاَءِ المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهُمْ الحسنات بسبعمائة ضعف وما أنفقوا من شَيْء فهو يخلفه.
ثُمَّ أتي علي قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كُلَّما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذَلِكَ شَيْء قال يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء الَّذِينَ
стр. 2177
تثاقُلْتُ رؤوسهم عن الصَّلاة.
ثُمَّ أتي علي قوم علي أدبارهم رقاع وعلي أقبالهم رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام إلي الضريع والزقوم ورضف جهنم قال: ما هؤلاء يا جبريل، قال: هؤلاء الَّذِينَ لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله وما الله بظلام للعبيد.
ثُمَّ أتي علي رجل قَدْ جمَعَ حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وَهُوَ يريد أن يزيد عَلَيْهَا قال: يا جبريل ما هَذَا، قال: هَذَا رجل من أمتك عَلَيْهِ أمانة النَّاس لا يستطيع أداءها وَهُوَ يريد أن يزيد عَلَيْهَا.
ثُمَّ أتي علي قوم تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من حديد كُلَّما قرضت عادت كما كانت لا يفترعنهم من ذَلِكَ شَيْء قال: يا جبريل ما هؤلاء، قال: خطباء الفتنة.
ثُمَّ أتي علي حجر صغير يخرج منه ثور عَظِيم فيريد الثور أن يدخل من حيث خرج فلا يستطيع قال: ما هَذَا يا جبريل، قال: هَذَا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة فيندم عَلَيْهَا فيريد أن يردها فلا يستطيع.
ثُمَّ أتي علي وادٍ فوَجَدَ ريحاً طيبةً ووَجَدَ ريح مسك مَعَ صوت فَقَالَ: ما هَذَا، قال: صوت الْجَنَّة، تَقُول: يارب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقَدْ كثر غرسي وحريري وسندسي وإستبرقي وعبقريي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي وفواكهي وعسلي ومائي ولبني وخمري ائتني بما وعدتني.
قال: لك كُلّ مسلم ومسلمة ومُؤْمِن ومؤمنة ومن آمن بي وبرسلي وعمل
стр. 2178
صالحاً ولم يشرك شيئاً ولم يتخذ من دوني أنداداً فهو آمن ومن سألني أعطيته ومن أرضني جزيته ومن توكل علي كفيته إني أَنَا الله لا إله إلا أَنَا لا خلف لميعادي قَدْ أفلح المؤمنون تبارك الله أحسن الخالقين، فقَالَت: رضيت. ثُمَّ أتي علي وادٍ فسمِعَ صوتاً منكراً، فَقَالَ: يا جبريل ما هَذَا الصوت، قال: هَذَا صوت جهنم تَقُول يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقَدْ كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وغسليني وقَدْ بعد قعري واشتد حري ائتني بما وعدتني قال لك كُلّ مشرك ومشركة وخبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب، قَالَتْ: قَدْ رضيت، رواه البزار عن أبي العإلية – أو غيره – عن أَبِي هُرَيْرَةَ الترغيب والترهيب جـ ٤ ص ٤٥٤ في كتاب صفة الْجَنَّة والنار.
عن أبي سعيد ﵁ عن النَّبِيّ ? قال: «ويل وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره)) .
وعنه ﵁ النَّبِيّ ? قال في قوله: " سأرهقه صعوداً)) قال: «جبل من نار يكلف الكافر أن يصعده فإذا وضع يده عَلَيْهِ ذابت فإذا رفعها عادت وإذا وضع رجله عَلَيْهِ ذابت فإذا رفعها عادت يصعد سبعين خريفاً ثُمَّ يهوي كَذَلِكَ " رواه أَحَمَدُ والحاكمُ وَقَالَ: صحيح الإسناد.
عَظِيمٌ هَوْلُهُ وَالنَّاسُ فِيه ... حَيَارَى مِثْلَ مَبْثُوثِ الفَراشِ
بِهِ تَتَغَيَّرُ الالْوانُ خَوفَاً ... وتَصْطَكُّ الفَرائِضُ بارْتِعَاشِ
هُنَالِكَ كُلُّ مَا قَدَّمْتَ يَبْدُو ... فَعَيْبُكَ ظَاهِرٌ وَالسِّرُّ فَاشِ
تَفَقََّدْ نَقْصَ نَفْسِكَ كُلَّ يَوْم ... فَقَدْ أوْدَى بِهَا طَلَبُ المَعَاشِ
إلا لِمْ تَبْتَغِي الشَّهَواتِ طَوْرَاً ... وَطوْراً تَكْتْسِي لِيْنَ الرَّياشِ
اللَّهُمَّ ألحقنا بعبادك الابْرَار وآتنا في الدُّنْيَا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 2179
نَمَاذِجُ مِنْ عَدْلِه ?
من ذَلِكَ ما ورد عن عروة عن عَائِشَة أن امرأة سرقت في عهد رسول الله ? في غزوة الفتح ففزع قوها إلي أسامه بن زيد يستشفعون به قال: عروه فَلَمَّا كلمه أسامه فيها تلوَّنَ وجه رسول الله ?.
وَقَالَ: أتكلمني في حد من حدود الله تعالى، فَقَالَ أسامة: استغفر لي يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَمَّا كَانَ العشي قام رسول الله ? خطيباً فأثني علي الله بما هُوَ أهله، ثُمَّ قال: أما بعد فإنما أهلك من كَانَ قبلكم أنهم كَانُوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عَلَيْهِ الحد والَّذِي نفس مُحَمَّد بيده لو أن فاطمة بنت مُحَمَّد سرقت لقطعت يدها.
ثُمَّ أمر رسول الله ? بتلك المرأة فقطعت يدها، الْحَدِيث أخرجه البخاري.
ولما كَانَ العباس عم النَّبِيّ ? في وثاقه مَعَ الأسري يئنُّ فأرق النَّبِيّ ? فسئل عن سبب أرقه – أي عدم نومه – وقَدْ نصره الله نصراً مؤزراً قال: سمعت أنين العباس في وثاقه فأسرع بعض المُسْلِمِيْنَ لما سمعه وحل وثاقه وعاد فأخبر النَّبِيّ ? أنه حل وثاق العباس قال ? اذهب فافعل ذَلِكَ بالأسري كلهم فتأمل هَذَا النصف والعدل منه ?.
(موعظة)
عِبَادَ اللهِ من أحكام ديننا ووحي قرآننا وتعالى م نبينا مُحَمَّد ? المقررة
стр. 2180
الثابتة أنه لا فضل لعرَبِّي علي عجمي ولا لأبيض علي أسود ولا لسيد علي مسود ولا لملك علي مملوك ولا صعلوك إلا بالتقوي.
فالمعيار الصحيح والميزان العدل الحق للتفاضل بين الأفراد والجماعات والترجيح بين مختلف الطوائف والطبقات والهيئات ما جَاءَ عن رب الأرض والسماوات: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ولم يقل : إن الكريم من عظم جاهه أو كثر ماله أو كثر رجاله واستسلم له النَّاس طائعين ومكرهين، بل الكريم عنده من اتصف بالتقوي.
فالعاقل من راقب الله في السِّرّ والنجوي وعامل النَّاس بالمساواة ولم يراعِ الرتب والدرجات والشرف والسيادات وسوي بينهم وفق تسوية الله لهُمْ في الواجبات والحدود والعبادات.
فتأمل تجد في الموقف بالصَّلاة والحج وكيف يتساوي فيه الامير والمأمور والعَظِيم والحقير والغني والفقير والصعلوك والوزير كلهم بلسان واحد ولهجة صادقة يؤدون العبادة لمولاهم العلي الكبير وهم معترفون بشده الافتقار إليه والعجز والتقصير فتلك هِيَ المساواة كُلّ المساواة التي جَاءَ بها الإسلام ودعي إليها النَّبِيّ ? ومكنها في نفوس أصحابه أي تمكين.
كما ستري ما سنذكره إن شاء الله من عدلهم وإنصافهم وحبهم للمساواة وإيثارهم العدل في الاحكام وتأمل ما في هَذَا الْحَدِيث الشريف وما قاله المصطفي ? وتأمل ما بعده مِمَّا سيأتيك من سيرته أ. هـ.
أخرَجَ ابن عساكر عن عَبْد اللهِ بن حدرد الأسلمي ﵁ أنه كَانَ ليهودي عَلَيْهِ أربعة دراهم فاستعدي عَلَيْهِ فَقَالَ: يا مُحَمَّد إن لي علي هَذَا
стр. 2181
أربعة دراهم وقَدْ غلبني عَلَيْهَا، قال: أعطه حقه، قال: والَّذِي بعثك بالحق ما أقدر عَلَيْهَا، قال: أعطه حقه، قال: والَّذِي نفسي بيده ما أقدر عَلَيْهَا قَدْ أخبرته أنك تبعثنا إلي خيبر فأرجو أن تغنمنا شيئاً فأرجع فأقضيه.
قال: أعطه حقه، وكَانَ رسول الله ? إذا قال ثلاثاً لم يراجع فخرج ابن أبي حدرد إلي السوق وعلي رأسه عصابة وَهُوَ متزر ببردة فنزع العمامة فاتزر بها ونزع البرده فَقَالَ: اشتر مني هذه البردة، فباعها منه بأربعة دراهم فمرت عجوز فقَالَتْ: ما لك يا صَاحِب رسول الله ? فأخبرها فقَالَتْ: ها دونك هَذَا البرد لبرد عَلَيْهَا طرحته عَلَيْهِ.
وعن أبي سعيد الخدري قال: جَاءَ أعرابي إلي النَّبِيّ ? يتقاضاه ديناً كَانَ عَلَيْهِ فاشتد عَلَيْهِ حتي قال: أحرج عَلَيْكَ إلا قضيتني فانتهره أصحابه فَقَالُوا: ويحك تدري من تكلم، فَقَالَ: إني أطلب حقي، فَقَالَ النَّبِيّ ?:
هلا مَعَ صَاحِب الحق كنتم ثُمَّ أرسل إلي خولة بنت قيس فَقَالَ لها: إن كَانَ عندك تمر فأقرضينا حتي يأتينا تمر فنقضيك فقَالَتْ: نعم بأبي أَنْتَ وأمي يَا رَسُولَ اللهِ، فأقرضته فقضي الأعرابي وأطعمه.
فَقَالَ: أوفيت أوفي الله لك، فقال: أولئك خيار النَّاس إنه لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع أخرجه ابن ماجة ورواه البزار من حديث عَائِشَة ﵂ مختصراً.
وأخرَجَ الطبراني عن خولة بنت قيس امرأة حمزة بن عبد المطلب ﵄ قَالَتْ: كَانَ علي رسول الله وسق من تمر لرجل من بني ساعدة فأتاه يقتضيه فأمر رسول الله ? رجلاً من الأنصار أن يقضيه فقضاه تمراً دون تمره
стр. 2182
فأبي أن يقبل فَقَالَ: أترد علي رسول الله ?.
قال: نعم ومن أحق بالعدل من رسول الله ? فاكتحلت عينا رسول الله ? بدموعه، ثُمَّ قال: صدق ومن أحق بالعدل مني لا قدَّسَ الله أمة لا يأخذ ضعيفها حقه من شديدها ولا يتعتعه.
ثُمَّ قال: «يا خولة عديه واقضيه فإنه لَيْسَ من غريم يخرج من عِنْدَ غريمه راضياً إلا صلت عَلَيْهِ دواب الأرض ونون البحار ولَيْسَ من عبد يلوي غريمه وَهُوَ يجد إلا كتب الله عَلَيْهِ في كُلّ يوم وليلة إثماً.
ولما بلغ بنيان قريش موضع الركن اختصم القبائل كُلّ قبيلة تريد أن ترفع الركن إلي موضعه وكادوا يقتتلون علي ذَلِكَ فَقَالَ لهُمْ أبو أمية ابن المغيرة بن عَبْد اللهِ بن عمرو بن مخزوم وكَانَ شريفاً مطاعاً: اجعلوا الحكم بينكم لأول من يدخل من باب الصفا فقبلوا ذَلِكَ منه وكَانَ أول داخل رسول الله ? فَلَمَّا رأوه قَالُوا: الأمِينُ أقبل وكَانَ يسمي في الجاهلية ((الأمِين)) لأمانته وصدقه فَقَالُوا جميعاً رضينا بحكمه.
ثُمَّ قصوا عَلَيْهِ قصتهم فَقَالَ ﵊: هَلُمَّ إلي ثوباً، فأتي به فوضع الركن فيه يعني الحجر الأسود ثُمَّ قال: لتأخذ كُلّ قبيلة بطرف من هَذَا الثوب فحمله من أربعة أطراف أربعة من وجوه القبائل وأشرافها وزعمائها ورفعوه إلي محاذاة موضع الحجر.
فتناوله رسول الله ? من الثوب ووضعه بيده الشريفة في محله فكَانَ الأشراف والزعماء خدماً له ? وفي ذَلِكَ يَقُولُ هبيرة بن وهب المخزومي:
стр. 2183
تَشَاجَرَتِ الأحْيَاءُ فِي فَضْلِ خُطَّةٍ
جَرَتْ طَيْرُهُمْ بالنَّحْسِ مِنْ بَعْدِ أَسْعَدِ
تَرَامَوْا بِهَا بالغَضِّ بَعْدَ مَوَدَّةٍ
وَأَوْقَدَ نَاراً بَيْنَهُمْ شَرُّ مُوْقِدِ
فَلَمَّا رَأَيْنَا الأمر قَدْ حَانَ جَدُّهُ
وَلم يَبْق شَيْءٌ غَيْرَ سَلِ المُهَنَّدِ
رَضِيْنَا وَقُلْنَا العَدْلُ أَوّلُ طَالِعٍ
يَجِيءُ مِنَ البَطْحَاءِ مِنْ غَيْرِ مَوْعِدِ
فَفَاجَأنَا هَذَا الأمِيْنُ مُحَمَّدٌ
فَقُلْنَا رَضِيْنَا بالأمِيْنِ مُحَمَّد
بِخَيْرِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا أسْوَ شِيْمَةٍ
وَفِي الْيَوْمِ مَعَ مَا يُحْدِثُ اللهُ فِي غَدِ
فَجَاءَ بأَمْرٍ لم يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ
أَعَمَّ وأَرْضَى فِي العَوَاقِبِ والبَدِيْ
أَخَذْنَا بأَطْرَافِ الرِّدَاءِ وكُلُّنَا
لَهُ حِصَّةٌ مِنْ رَفْعِهِ قَبْضَةُ اليَدِ
فَقَالَ ارْفَعُوْا حَتَّى إِذَا مَا عَلَتْ بِهِ
أكُفُّهُمُ وَالَى بِهِ خَيْرُ مُسْنِدِ
وَكُلُّ رَضِيْنَا فِعْلَهُ وَصَنِيْعَهُ
فَأَعْظِمْ بِهِ مِنْ رَأْيٍ هَادٍ وَمُهْتَدِ
وتِلْكَ يَدٌ مِنْهُ عَلَيْنَا عَظِيْمَةٌ
стр. 2184
.. يَرُوْحُ بِهَا هَذَا الزَّمَانُ وَيَغْتَدِيْ ... >?
والأربعة الآخذون بطرف الرداء هم: عتبة بن ربيعة بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزي بن قصي، وأبو حذيفة ابن المغيرة بن عمرو بن مخزوم بن يقظة، وقيس بن عدي السهمي، وَاللهُ أَعْلَمُ وصلي الله علي مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم. ومِمَّا ينطبق علي الرَّسُول ? ما يلي:
... فمَا غَابَ عن حِلْمٍ وَلاَ شَهِدَ الخِنَا ... وَلاَ اسْتَعْذَبَ العَوْرَاءَ يَوْماً فَقَالَهَا
يَدُوْمُ عَلَى خَيْرِ الخِلالِ ويَتَّقِيْ ... تَصَرُّمَهَا مِنْ شِيْمَةٍ وَانْتِقَالُهَا
وَتَفْضُلُ أيْمَانَ الرِجَالِ شِمَالُهُ ... كَمَا فَضَلَتْ يُمْنَى يَدْيِهِ شِمَالهَا
وَيَبْتَذِلُ النَّفْسَ المَصُوْنَةَ نَفْسُهُ ... إِذَا مَا رَأَى حَقاً عَلَيْهِ ابْتِذَالُهَا
(فَصْلٌ)
وَقَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وسيرة النَّبِيّ ? من آياته وأخلاقه وأقواله وأفعاله وشريعته من آياته وأمته من آياته وكرامَات صالحي أمته من آياته.
وَذَلِكَ يظهر بتدبر سيرته من ولد إلي أن بعث ومن حين بعث إلي أن مَاتَ وبتدبر نسبه وبلده وأصله وفصله فإنه كَانَ من أشرف أَهْل الأرض نسباً من صميم سلالة إبراهيم الَّذِي جعل الله في ذريته النبوة واْلكِتَاب.
فلم يأت نبي من بعد إبراهيم إلا من ذريته وجعل له ابنين إسماعيل وإسحاق وذكر في التوراة هَذَا وهَذَا وبشر في التوراة بما يكون من ولد إسماعيل.
ولم يكن في ولد إسماعيل من ظهر فيما بشرت به النبوات غيره ودعا إبراهيم لذرية إسماعيل بأن يبعث فيهم رسولاً مِنْهُمْ ثُمَّ هُوَ من قريش صفوة بني إبراهيم من بني هاشم صفوة قريش.
ومن مَكَّة أم القري وبلده البيت الَّذِي بناه إبراهيم ودعا النَّاس إلي
стр. 2185
حجه، ولم يزل محجوجاً من عهد إبراهيم مذكوراً في كتب الأنبياء بأحسن وصف، وكَانَ من أكمل النَّاس تربية ونشأة لم يزل معروفاً بالصدق والبر والعدل ومكارم الأخلاق وترك الفواحش والظلم وكل وصف مذموم.
مشهوداً له بذَلِكَ عِنْدَ جَمِيع من يعرفه قبل النبوة وممن آمن به وكفر بعد النبوة، لا يعرف له شَيْء يعاب به لا في أقواله ولا في أفعاله ولا في أخلاقه ولا جربت عَلَيْهِ كذبة قط ولا ظلم ولا فاحشة.
وكَانَ خلقه وصورته من أكمل الصور وأتمها وأجمعها للمحاسن الدالة علي كماله، وكَانَ أمياً من قوم أميين لا يعرف لا هُوَ ولا هم ما يعرفه أَهْل اْلكِتَاب ((التَّوْرَاةَ وَالإنجِيلَ)) .
ولم يقَرَأَ من علوم النَّاس ولا جالس أهلها ولم يدع بنبوة إلي أن أكمل الله له أربعين سنة فأتي بأمر هُوَ أعجب الأمور وأعظمها وبكلام لم يسمَعَ الأولون والآخرون بنظيره.
وأخبر بأمر لم يكن في بلده ولا في قومه من يعرف مثله ولم يعرف قبله ولا بعده، لا في مصر من الأمصار ولا في عصر من الأعصار من أتي بمثل ما أتي به ولا من ظهر كظهوره.
ولا من أتي من العجائب والآيات بمثل ما أتي به ولا من دعا إلي شريعة أكمل من شريعته، ولا من ظهر دينه علي الأديان كُلّهَا بالعلم والحجة وباليد والقوة كظهوره.
ثُمَّ إنه اتبعه اتباع الأنبياء وهم الضعفاء من النَّاس وكذبه أَهْل الرئاسة
стр. 2186
وعادوه وسعوا في هلاكه وهلاك من تبعه بكل الطرق، كما كَانَ الكفار يفعلون مَعَ الأنبياء وأتباعهم.
والَّذِينَ اتبعوه لم يتبعوه لرغبة ولا لرهبة، فإنه لم يكن عنده مال يعطيهم ولا جهات يوليهم إياها ولا كَانَ له سيف بل كَانَ السيف والجاه والْمَال مَعَ أعدائه، وقَدْ آذوا أتباعه بأنواع الأذي وهم صابرون محتسبون لا يرتدون عن دينهم لما خالطت قُلُوبهمْ حلاوة الإيمان والمعرفة.
وكانت مَكَّة يحجها الْعَرَب من عهد إبراهيم فتجتمَعَ في الموسم قبائل الْعَرَب فيخرج إليهم يبلغهم الرسالة ويدعوهم إلي الله صابراً علي ما يلقاه من تكذيب المكذب وجفاء الجافي وإعراض المعرض إلي أن اجتمَعَ بأَهْل يثرب وكَانُوا جيران اليهود قَدْ سمعوا أخباره مِنْهُمْ وعرفوه.
فَلَمَّا دعاهم علموا أنه النَّبِيّ المنتظر الَّذِي تخبرهم به اليهود وكَانُوا قَدْ سمعوا من أخباره ما عرفوا به مكانته، فإن أمره كَانَ قَدْ انتشر وظهر في بضع عشرة سنة فآمنوا به وتابعوه علي هجرته وهجرة أصحابه إلي بلدهم وعلي الجهاد معه فهاجر هُوَ ومن اتبعه إلي الْمَدِينَة وبها المهاجرون والأنصار لَيْسَ فيهم من آمن برغبة دنيوية ولا برهبة إلا قليلاً من الأنصار أسلموا في الظاهر ثُمَّ حسن إسلام بَعْضهمْ ثُمَّ أذن له في الجهاد ثُمَّ أمر به.
ولم يزل قائماً بأمر الله علي أكمل طريقة وأتمها من الصدق والعدل والوفاء لا يحفظ عَلَيْهِ كذبة واحدة ولا ظلم لأحد ولا غدر بأحد، بل كَانَ أصدق النَّاس وأعدلهم وأبرهم وأوفاهم بالعهد مَعَ اختلاف الأحوال عَلَيْهِ من حرب وسلم وأمن وخوف وغني وفقر وقله وكثرة وظهوره علي الْعَدُوّ
стр. 2187
تَارة وظهور الْعَدُوّ عَلَيْهِ تَارة.
وهو علي ذَلِكَ كله ملازم لأكمل الطرق وأتمها حتي ظهرت الدعوة في جَمِيع أرض الْعَرَب التي كانت مملوءة من عبادة الأوثان ومن أخبار الكهان وطاعة المخلوق في الكفر بالخالق وسفك الدِّمَاء المحرمة وقطيعة الأرحام لا يعرفون آخرةً ولا معاداً.
فصاروا أعلم أَهْل الأرض وأدينهم وأعدلهم وأفضلهم وهذه آثار علمهم وعملهم في الأرض وآثار غيرهم يعرف العقلاء فرق ما بين الأمرين وَهُوَ ? مَعَ ظهور أمره وطاعة الخلق له وتقديمهم له علي الأنفس والأموال مَاتَ ولم يخلف درهماً ولا ديناراً ولا متاعاً ولا دابةً إلا بغلته وسلاحه ودرعه مرهونة عِنْدَ يهودي علي ثلاثين وسقاً من شعير ابتاعها لأهله.
وكَانَ بيده عقار ينفق منه علي أهله والباقي يصرفه في مصالح المُسْلِمِيْنَ فحكم بأنه لا يورث ولا يأخذ ورثته منه شيئاً وَهُوَ في كُلّ وَقْت يظهر علي يديه من الآيات وفنون الكرامَاتِ ما يطول وصفه.
ويخبرهم بما كَانَ وما يكون ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن الْمُنْكَر ويحل لهُمْ الطيبات ويحرم عَلَيْهمْ الخبائث ويشرع الشريعة شيئاً بعد شيء.
أكمل الله دينه الَّذِي بعث به وجاءت شريعته أكمل شريعة لم يبق معروف تعرف العقول أنه معروف إلا أمر به ولا منكر تعرف العقول أنه منكر إلا نهي عنهُ.
стр. 2188
لم يأمر بشَيءٍ فقيل: ليته لم يأمر به ولا نهي عن شَيْء فقيل: ليته لم ينه عنهُ وأحل الطيبات لم يحرم شيئاً منها كما حرم في شرع غيره وحرم الخبائث لم يحل منها شيئاً كما استحله غيره.
وجمَعَ محاسن ما عَلَيْهِ الأمم فلا يذكر في التوراة والإنجيل والزبور نوع من الخبر عن الله وعن ملائكته وعن الْيَوْم الآخر إلا وقَدْ جَاءَ به علي أكمل وجه وأخبر بأشياء لَيْسَتْ في هذه الكتب.
وأمته أكمل الأمم في كُلّ فضيلة فإذا قيس علمهم بعلم سائر الأمم ظهر فضل علمهم وإن قيس دينهم وعبادتهم وطاعتهم لله بغيرهم ظهر أنهم أدين من غيرهم وإذا قيس شجاعتهم وجهادهم وصبرهم علي المكاره في ذات الله ظهر أنهم أعظم جهاداً وأشجع قلوباً وهذه الفضائل به نالوها ومنه تعلموها وَهُوَ الَّذِي أمرهم بها ا. هـ.
وَقَالَ آخر:
اعْلم أن من شاهد أحواله ? وأصغي إلي سماع أخباره المشتملة علي أخلاقه وأفعاله وأحواله وعاداته وسجاياه وسياسته لأصناف الخلق وهدايته إلي ضبطهم وتألفه أصناف الخلق وقوده إياهم إلي طاعته.
مَعَ ما يحكي من عجائب أجوبته في مضائق الأسئلة وبدائع تدبيراته في مصالح الخلق ومحاسن إشاراته في تفصيل ظاهر الشرع التي يعجز الْفُقَهَاء والعقلاء عن إدراك أوائل دقائقها في طول أعمارهم لم يبق له ريب ولا شك في أن ذَلِكَ لم يكن مكتسباً بحيلة تَقُوم بها القوة البشرية.
بل لا يتصور ذَلِكَ إلا بالاستمداد من تأييد سماوي وقوة إلهية وأن
стр. 2189
ذَلِكَ كله لا يتصور لكذب ولا ملبس بل كانت شمائله وأحواله شواهد قاطعه بصدقه حتي أن العرَبيَّ القُحَّ كَانَ يراه فَيَقُولُ: وَاللهِ ما هَذَا وجه كذاب.
فكَانَ يشهد له بالصدق بمجرد رؤيته لشمائله فَكَيْفَ من شاهد أخلاقه ومارس أحواله في جَمِيع مصادره وموارده أ. هـ.
وَقَالَ حسان يرثي رسول الله ?:
بِطَيْبَةَ رَسْمٍ للرَّسُوْلِ وَمَعْهَدُ
مُنِيْرٌ وَقَدْ تَعْفُو الرُّسُوْمُ وتَهْمُدُ
وَلاَ تَنْمَحِيْ الآيَاتُ مِنْ دَارِ حُرْمَةٍ
بِهَا مِنْبَرُ الهادِيْ الَّذِِي كَانَ يَصْعَدُ
وَوَاضِحُ آياتٍ وَبَاقِي مَعَالِمٍ
وَرَبْعٌ لَهْ فِيها مُصَلَّى ومَسْجِدُ
بِهَا حُجُرَاتٌ كَانَ يَنْزِلُ وَسْطَهَا
مِنَ اللهِ نُوْرٌ يُسْتَضَاءُ وَيُوْقَدُ
مَعَالِمُ لم تُطْمَسْ عَلَى العَهْدِ آيُهَا
أتَاهَا البِلَى فَالآيُ مِنْهَا تَجْدَّدُ
عَرَفْتُ بِهَا رَسْمَ الرَّسُوْلِ وعَهْدَهُ
وَقَبْراً بِهِ وَارَاهُ فِي التُّرْبِ مَلْحَدُ
وَهَلْ عَدَلَتْ يَوْماً رَزِيَّةٌ هَالِكٍ
رَزِيّةَ يَوْمٍ مَاتَ فِيه مُحَمَّد ... >?
стр. 2190
.. تَقَطَّعَ فِيه مَنْزِلُ الوَحْي عنهُمُ
وَقَدْ كَانَ ذَا نُوْرٍ يَغُورُ ويُنْجِدُ
يَدُلُّ عَلَى الرَّحْمَنِ مَنْ يَقْتَدِيْ بِهِ
وَيُنْقِذُ مِنْ هَوْلِ الخَزَايَا ويُرْشِدُ
إِمَامٌ لَهُمْ يَهْدِيْهُمُ الحَقَّ جَاهِداً
مُعَلِمُ صِدْقٍ إِنْ يُطِيْعُوهُ يَسْعَدُوا
عَفُوٌ عنِ الزَّلاَّتِ يَقْبَلُ عُذْرَهُمْ
وأنْ يُحْسِنُوا فَاللهُ بالْخَيْرِ أَجْوَدُ
فَبَيْنَاهُمُوْا فِي نِعْمَةِ اللهِ بَيْنَهُمْ
دَلِيْلٌ بِهِ نَهْجُ الطَّرِيْقَةِ يُقْصَدُ
عَزِيْزٌ عَلَيْهِ أَنْ يَحِيْدُوْا عن الهُدَى
حَرِيْصٌ عَلَى أَنْ يَسْتَقِيْمُوْا وَيَهْتَدُوْا
عَطُوفٌ عَلَيْهِمْ لاَ يُثَنِّيْ جَنَاحَهُ
إِلى كَنَفٍ يَحْنُوْ عَلَيْهِمْ وَيَمْهَدُ
فَبَيْنَاهُمُوْا فِي ذَلِكَ النُّوْرِ إِذْ غَدَى
إِلى نُورِهِمْ سَهْمٌ مِنَ المَوْتِ مُقْصِدُ
فَأَصْبَحَ مَحْمُوْداً إِلى اللهِ رَاجِعاً
يُبَكِّيْهِ جَفْنُ المُرْسَلاتِ ويَحْمَدُ
وأَمْسَتْ بِلاَدُ الحُرْمِ وَحْشاً بِقَاعُهَا
لِغَيْبَةِ مَا كانت مِنْ الوَحْي تَعْهَدُ
قِفَاراً سِوَى مَعْمُوْرَةِ اللَّحْدِ ضَافَهَا
стр. 2191
.. فَقِيْدٌ يُبَكِّيْهِ بِلاَطٌ وغَرْقَدُ
ومَسْجِدُهُ فَالمُوحِشَاتُ لِفْقْدِهِ
خَلاَءٌ لَهُ فِيه مَقَامٌ وَمَقْعَدُ
فَبَكّىْ رَسُوْلَ اللهِ يَا عَيْنُ عَبْرَةً
وَلاَ أعْرِفَنّكَ الدَّهْرَ دَمْعُكِ يَجْمُدُ
وَمَا لَكِ لاَ تَبْكِيْنَ ذَا النِّعْمَةِ الَّتِيْ
عَلَى النَّاسِ مِنْهَا سَابِغٌ يَتَغَمَّدُ
فَجُوْدِيْ عَلَيْهِ بالدُّمُوْعِ وأعْولِي
لِفَقْدِ الَّذِي لاَ مِثْلَهُ الدَّهْرُ يُوْجَدُ
وَمَا فَقَدْ المَاضُوْنَ مِثْلَ مُحَمَّدٍ
وَلاَ مِثْلَهُ حَتَّى القِيَامَةَ يُفْقَدُ
أَعَفَّ وَأَوْفَى ذِمَّةً بَعْدَ ذِمَّةٍ
وَأَقْرَبَ مِنْهُ نَائِلاً لاَ يُنَكَّدُ
وأَبْذَلَ مِنْهُ لِلطَّرِيْفِ وتَالِدٍ
إِذَا ظَنَّ مِعْطَاءٌ بِمَا كَانَ يُتْلَدُ
وَأَكْرَمَ حَيّاً فِي البُيُوْتِ إِذَا انْتَمَى
وَأَكْرَمَ جَداً أبْطَحِيّاً يُسَوَّدُ
وأَمْنَعَ ذِرْوَاتٍ وأَثْبَتَ فِي العُلَى
دَعَائِمَ عِزٍّ شَاهِقَاتٍ تُشَيَّدُ
وأَثْبَتَ فَرْعاً فِي الفُرُوْعِ ومَثْبَتاً
وعُوْداً غَذَاهُ المُزْنُ فَالعُوْدُ أَغْيَدُ
стр. 2192
.. رَبّاهُ وَلِيْداً فاسْتَتَمَّ تَمَامُهُ
عَلَى أَكْرَمِ الخَيْرَاتِ رَبٌّ مُمَجَّدُ
تَنَاهَتْ وِصَاتُ المُسْلِمِيْنَ بِكَفِّهِ
فَلاَ العِلْمُ مَحْبُوسٌ وَلاَ الرَّأْيُ يُفْنَدُ
أَقُوْلُ وَلاَ يُلْفَى لِقَوْلِيَ عَائِبٌ
مِنَ النَّاسِ إلا عَازِبُ العَقْلِ مُبْعَدُ
ولَيْسَ هَوَائِي نَازِعاً عن ثَنَائِهِ
لَعَلِّيْ بِهِ فِي جَنَّةِ الخُلْدِ أُخْلَدُ
مَعَ المُصْطَفَى أَرْجُوْ بِذَاكَ جِوَارَهُ
وفِي نَيْلِ ذَاكَ الْيَوْمِ أسْعَى وَأَجْهَدُ ... >?
آخر: ... سَأَنْظِمُ مِنْ فَخْرِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ... لآلِيءَ لاَ يَبْلَى جَدِيدُ نِظَامِهَا
تَضَوَّعَ طِيباً عَرْفُهَا فَكَأَنَّهُ ... تَضَوُّعُ أَزْهَارٍ بَدَتْ مِنْ كِمَامِهَا
سَجَايا أَبَتْ إلا السِّمَاكَيْنِ مَنْزِلاً ... فَفَاقَ عَلَى العَلْيَاءِ عِلْقُ مَقَامِهَا
خِلاَلٌ إِذَا لاَحت قباب لدي علا ... تُنيفُ فَتَعْلُوهَا قِبَابُ خِيَامِهَا
إِذَا يَمَّمُوا يَوْماً إِمَامَ مَكَارِمٍ ... فأَحَمَد قَدْ أَضْحَى إِمَامَ إِمَامِهَا
فَكم ذُوْ عُلا أَوْمَا لِدَرْكِ مَقَامِهَا ... فَمَرَّ وَلم يُدْرِكْ مَرَامِي مَرَامِهَا
وَكم ظَامِيءٍ قَدْ رَامَ يُرْوَى بَرِيِّهَا ... فَآبَ وقَدْ أَضْحَى عَليلَ أُوَامِهَا
لِذَاكَ العُلاَ قَلبِي مَشُوقٌ بِحُبِّهِمْ ... وقَدْ شوَقْت نَفْسِي بِطُولِ مُقَامِهَا
فَلِلَّهِ عَيْنٌ لاَ تَمَلُّ بُكَاءَهَا ... وقَدْ حُرِمَتْ فِيه لَذِيذَ مَنَامِهَا
وَنَفْسٌ عَلَى بُعْدِ الدِّيَارِ قَرِيحَةٌ ... تُطَارِحُ فِي البَلْوَى حَمَامَ حِمَامِهَا
وَعُمَرٌ مَضَتْ أَيّامُ شَرْخِ شَبَابِهِ ... وقَدْ قَدَّ صَرْفُ الدَّهْرِ غُصْنَ قَوامِهَا
стр. 2193
.. فَيَا نَسْمَةَ الأسْحَارِ مِنْ نَحْوِ يثْرِبٍ ... أَلِمِّي بنَفْسٍ قَدْ ذَوَتْ بضِرامِهِا
وَيَا حَادِيَ الأظْعَانِ نَحْوَ قِبَابِهِمْ ... إلا فَاخْصُصِ العَلْيَا بِطِيبِ سَلاَمِهَا
اللَّهُمَّ توفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين الَّذِينَ لا خوف عَلَيْهمْ ولا هم يحزنون وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيع المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(موعظة)
عِبَادَ اللهِ نَحْنُ في زمن بلغ فِيه الفساد مبلغاً ما كَانَ يدور في خلد إنسان وهان عَلَى كثير من النَّاس الْيَوْم أن يتقدموا إلي المعاصي مطمئنين وخف عَلَيْهمْ جداً أن يرتكبوا ما حرم الله عَلَيْهمْ غير هيابين من الله تعالى ولا مبالين بنواهيه.
ولعل زمننا هَذَا ينطبق عَلَيْهِ ما في حديث أنس ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: يأتي عَلَى النَّاس زمان القابض عَلَى دينه كالقابض عَلَى الجمر "، وما في حديث أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ عن النَّبِيّ ? أنه قال: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبي للغرباء)) أخرجه مسلم.
وأخرجه الإمام أَحَمَدُ وابنُ ماجة من حديث ابن مسعود بزيادة في آخره وهي –: قيل يَا رَسُولَ اللهِ: ومن الغرباء، قال: «النزاع من القبائل)) ، وأخرجه أبو بكر الآجُرِّي وعنده –: قيل ومن هم يَا رَسُولَ اللهِ، قال: «الَّذِينَ يصلحون إِذَا فسد النَّاس)) .
وأخرجه غيره، وعنده قال: «الَّذِينَ يفرون بدينهم من الفتن)) ، وأخرجه الترمذي من حديث كثير بن عَبْد اللهِ المزني عن أبيه عن جده عن النَّبِيّ ?: ((إن الدين بدأ غريباً وسيرجع غريباً فطوبي للغرباء الَّذِينَ يصلحون ما أفسد
стр. 2194
النَّاس من سنتي)) ، وفي حديثه: " قيل ومن هم يَا رَسُولَ اللهِ قال: «الَّذِينَ يصلحون حين فساد النَّاس)) .
أما الْحَدِيث الأول فهو واضح ومنطبق كُل الانطباق عَلَى هَذَا الزمان فيما أري وَاللهُ أَعْلَمُ وَذَلِكَ أنك تري الشر والفساد في كُلّ مكَان منتشراً والْخَيْر نادر الوجود فالفتن في البيوت والأسواق والدكاكين والسيارات والقطارات والطائرات فتن شهوات نساء سافرات وفتن شكوك وإلحاد وشبهات من أناس منحرفين وكتب ضلال ومجلات تحمل في طيها البلايا والشرور وفيديوهات تعلم الفساد أبلغ تعليم وتهيج عَلَيْهِ، حدث فتن يرقق بعضها بعضاً وحوادث الأخري أعظم من الأولي ومن أعظم ما حدث كثرة الخدامين والخدامَاتِ والسواقين والطباخين والمربين فإن ضررهم عَظِيم عَلَى الدين والأخلاق والدُّنْيَا. فانتبه يا من زين له سوء عمله وأتي بكفار أعداء الله ورسوله والْمُؤْمِنِين وأمنهم عَلَى محارمه خدامين أو سواقين أو مربين أو نحو ذَلِكَ عياذَاً بِاللهِ من ذَلِكَ.
شعراً: ... إِذَا أكْثَرُ الأجَانِبُ فِي بِلاَدٍ
تَلاَشَى الأمْنُ وانْتَشَرَ الفَسَادُ
وقَدْ كُنْتُ أَشْكُو مِنْ حَوَادِثَ بُرْهَةٍ
وأسْتَمْرِسُ الأيَامَ وهِي صَحَائِحُ
إِلى أَنْ تَغَشَّتْنِيْ وُقِيْتَ حوَادِثُ
تُحَقِّقُ أَنَّ السَّالِفَاتِ مَنَائِحُ
آخر: ... ظُلَمٌ تَهَافَتْ آخِذَاتٌ بَعْضُهَا
بالبَعْضِ تَسْتَلِبُ الفُؤَادَ الألْمَعَا
لاَ يَسْتَبِيْنُ المَرْءُ فِيها كَفَّهُ
تَذَرُ الحِجَى بالبَاطِلاَتِ مُوَلَّعَا ... >?
стр. 2195
.. وجَهَالَةٌ جَهْلاَ يَرْتَعُ أهْلُهَا
فِي حِنْدِسٍ مِنْهَا وَسَاءَتْ مَرْتَعَا ... >?
وفتن أموال انفتحت عَلَى النَّاس بكثرة وفتن أولاد وبنات وزوجات وزملاء وشركاء وعمال منافقين كذابين لا يصلون ولا يصومون وكثرة مغتابين ونمامين وخداعين ومكارين ومجاهرة بالمعاصي وقلة أنصار وأعوان وكثرة مثبطين عن الأمر بالمعروف والنهي عن الْمُنْكَر ونحو ذَلِكَ مِمَّا يطول ذكره. وقل أن تجد من هؤلاء من يحافظ عَلَى أركَانِ الإسلام.
ولكن المتمسك بدينه القائم بدفع هذه المعارضات والعوائق التي لا يصمد لها إلا أَهْل البصائر واليقين وأَهْل الإيمان المتين الثابتين ثبوت الجبال الراسيات من أفضل خلق الله وأعلاهم درجة عِنْدَ الله وأعظمهم عنده قدراً جعلنا الله وإياكم مِنْهُمْ إنه القادر عَلَى ذَلِكَ.
... وَهَذَا زَمَانُ الصَّبْرِ مَنْ لَكَ بالّتِي ... لِقَبْضٍ عَلَى جَمْرِ فَتَنْجُو مِنْ البَلاَ
وأما الْحَدِيث الثاني فالإسلام فِي أول أمره غريب قليل لأن النَّاس كَانُوا قبل مبعث رسول الله ? عَلَى ضلاله عامة فَلَمَّا بُعث مُحَمَّدٌ ? لم يستجب له فِي أول الأمر إلا الواحد بعد الواحد من كُلّ قبيلة وكَانَ المستجيب له خائفاً من عشيرته يؤذي غاية الأذي وينال منه وَهُوَ صابر عَلَى ذَلِكَ فِي الله .
وكَانَ المسلمون إذ ذاك مستضعفين يشردون كُلّ مشرَّد ويهربون بدينهم إلي الْبِلاد النائية كما هاجروا إلي الحبشة مرتين ثُمَّ هاجروا إلي الْمَدِينَة وكَانَ مِنْهُمْ من يعذب فِي الله ويقتل كعمار وأمه وأبيه وبلال وغيرهم من الصحابة.
стр. 2196
ولعله مر بك أثناء اْلكِتَاب ما جري عَلَيْهمْ فِي أول إسلامهم من الأذي فقَدْ ذكرنا نماذج مِنْهُمْ، قال بَعْضهمْ أبيات لا تنطبق إلا عَلَى الصحابة رضوان الله عَلَيْهمْ أجمعين:
قَوْمٌ لَقَدْ آمَنُوْا بِاللهِ خَالِقِهِمْ
وَهَاجَرُوْا وَاتَّقَوا إِثْماً وَعُدْوَانََا
وَجَاهَدُوا فِي سَبِيْلِ اللهِ بَلْ صَبَرُوْا
وَصَابَرُوْا لِذَوِيْ الإشْرَاكِ أَزْمَانَا
تَعَلُّمُ العِلْمِ بالإصْبَاحِ هَمُّهُمُوْا
وَيَنْقَضِيْ لَيْلُهُمْ ذِكْراً وَقُرْآنَا
وَجَامِعُ الأمر إِنْ تَطْلُبْ لِوَصْفِهِمُوْا
نَهَارُهُمْ أَسُدٌ واللَّيْلُ رُهْبَانَا ... >?
فكَانَ الداخلون فِي الإسلام إذ ذاك غرباء.
ثُمَّ ظهر الإسلام بعد الهجرة إلي الْمَدِينَة وعز وصار أهله ظاهرين كُلّ الظهور ودخل النَّاس بعد ذَلِكَ فِي دين الله أفواجاً وأكمل الله لهُمْ الدين وأتم عَلَيْهمْ النعمة.
وتوفِي رسول الله ? والأمر عَلَى ذَلِكَ وأَهْل الإسلام عَلَى غاية من الاستقامة فِي دينهم وهم متعاضدون متناصرون.
وكَانُوا عَلَى ذَلِكَ فِي زمن أبي بكر وعمر ﵄ ثُمَّ عمل الشيطان مكائده عَلَى المُسْلِمِيْنَ وألقي بأسهم بينهم وأفشي فيهم فتن الشبهات والشهوات.
ولم تزل هاتان الفتنتان تتزايدان شيئاً فشيئاً حتي استحكمت مكيدة
стр. 2197
الشيطان وأطاعه أكثر الخلق فمِنْهُمْ من أطاعه ودخل فِي فتنة الشبهات وَمِنْهُمْ من دخل فِي فتنة الشهوات وَمِنْهُمْ من دخل فِي الفتنتين.
وكل ذَلِكَ مِمَّا أخبر النَّبِيّ ? بوقوعه فأما فتنة الشبهات.
فقَدْ روي عن النَّبِيّ ? من غير وجه: أن أمته ستفترق عَلَى أزيد من سبعين فرقة وأن تلك الفرق فِي النار إلا واحدةً وهي من كانت عَلَى ما هُوَ عَلَيْهِ هُوَ وأصحابه ?.
وعن أبي برزة عن النَّبِيّ ? قال: إنما أخشي عليكم الشهوات التي فِي بطونكم وفروجكم ومضلات الفتن وفِي رواية ومضلات الهوي.
فَلَمَّا دخل أكثر النَّاس فِي هاتين الفتنتين أو إحديهما أصبحوا متقاطعين متباغضين بعد أن كَانُوا إخواناً متحابين متواصلين فإن فتنة الشهوات عمت غالب الخلق ففتنوا بالدُّنْيَا وزهرتها فصَارَت غاية قصدهم لها يطلبون وبها يرضون ولها يغضبون ولها يوالون وعَلَيْهَا يعادون فقطعوا لذَلِكَ أرحامهم وسفكوا دماءهم وارتكبوا معاصي الله بسبب ذَلِكَ.
وأما فتنة الشبهات والأهواء المضلة فبسببها تفرق أَهْل القبلة وصاروا شيعاً وكفر بَعْضهمْ بعض وأصبحوا أعداءً وفرقاً وأحزاباً بعد أن كَانُوا إخوانَاً قُلُوبهمْ عَلَى قلب رجل واحد فلم ينج من هذه الفرق كُلّهَا إلا الفرقة الواحدة الناجية.
وهم المذكورون فِي قوله ?: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين عَلَى الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتي يأتي أمر الله وهم عَلَى ذَلِكَ.
стр. 2198
وهم فِي آخر الزمان الغرباء المذكورون فِي هذه الأحاديث الَّذِينَ يصلحون إِذَا فسد النَّاس ويصلحون ما أفسد النَّاس من السنَّة وهم الَّذِينَ يفرون بدينهم من الفتن وهم النزاع من القبائل.
لأنهم قلوا فلا يوَجَدَ فِي كُلّ قبيلة مِنْهُمْ إلا الواحد وقَدْ لا يوَجَدَ فِي بعض القبائل مِنْهُمْ أحد كما كَانَ الداخلون فِي الإسلام فِي أول الأمر كَذَلِكَ.
وفِي مسند الإمام أَحَمَد عن عبادة بن الصامت أنه قال لرجل من أصحابه: يوشك إن طالت بك الحياة أن تري الرجل قَدْ قَرَأَ القرآن عَلَى لسان مُحَمَّد ? فأعاده وأبداه وأحل حلاله وحرم حرامه ونزل عِنْدَ منازله لا يجوز فيكم إلا كما يجوز الحمار الميت.
ومثله قول ابن مسعود: يأتي عَلَى النَّاس زمان يكون المُؤْمِن فِيه أذل من الأمة، وإنما ذل المُؤْمِن آخر الزمان لغربته بين أَهْل الفساد من أَهْل الشبهات والشهوات فكلهم يكرهه ويؤذيه لمخالفة طريقته لطريقتهم ومقصوده لمقصودهم ومباينته لما هم عَلَيْهِ من الشر والفساد والخبث وسائر الصفات القبيحة التي أهونها توريد الكفار والملاهي والمنكرات لبلاد المُسْلِمِيْنَ.
وتجد أكثر من يؤذيه سقطهم وسفلهم ولئامهم لقلة أعوانه وأنصاره وكثرة المخذلين والمرجفين وأعوان إبلَيْسَ وجنوده خذلهم الله ودمرهم.
فكم فتروا عزم آمر بمعروف أو ناهٍ عن منكر بقولهم ما أَنْتَ بمكلف بِهُمْ أتركهم عَلَيْكَ بنفسك ونحو هَذَا الكلام والعياذ بِاللهِ.
شِعْراً: ... قَرَبَتْ وَحَانَتْ أرْبةٌ لاِرْتِحَالِيْ ... عن هَذِهِ الدُّنْيَا بِلاَ إِشْكَالِ
الأرض قَدْ مَنَعَتْ كَلاهَا والسَّمَا ... ظَنَّتْ وَذَلِكَ رَائِدُ الأهَوَالِ
ظَهَرَ الفَسَادُ بِبَرَّهَا وَبِبَحْرِهَا ... وتَنَكَرَتْ أحْوَالُهَا فِي الحَالِ
لم يَبْقَ فِي الدُّنْيَا جَمِيْلٌ ظَاهِرٌ ... إلا أَقَاصِيْصُ القُرُوْنِ الخَالِ
стр. 2199
هَلْ فِي الوَرَى مُتَيَقَضٌ مُتَحَفِّظٌ ... يَدَعْ الثَّوانِيَ عنهُ فِي الأعمال
وقَدْ تَسْلِبُ الايَّامُ حَالاتِ أَهْلِهَا
وَتَعْدُوْا عَلَى أُسْدِ الرِّجَالِ الثَّعَالِبُ
آخر: ... إِذَا هَلَكَتْ أُسْدُ العَرِيْنَ وَلم يَكُنْ
لَهَا خَلَفٌ فِي الغِيْلِ سَادَ الثَّعَالِبُ
آخر: ... لمَّا تَبَدَّلَتِ المَجَالِسُ أَوْجُهاً
غَيْرَ الَّذِيْنَ عهِدْتُ مِنْ عُلَمَائِهَا
وَرَأَيْتُهَا مَحْفُوفَةً بِسِوَى الأوْلَى
كَانُوا وُلاَةَ صُدُرْوِهَا وَفِنَائِهَا
أَنْشَدْتُ بَيْتاً سَائِراً مُتَقَدِّماً
والعَيْنُ قَدْ شَرِقَتْ بِجَارِيَ مَائِهَا
أَمَّا الخِيَامُ فَإِنَّهَا كَخِيَامِهِمْ
وَأَرَى رِجَالَ الحَيِّ غَيْرَ رِجَالِهَا ... >?
فيا له من زمان يواجه فِيه المُؤْمِن الصابر عواصف الفتن وَرُبَّمَا تمني الموت لما يري من المنكرات التي لا يستطيع لها تغييراً واسمَعَ إلي ما ورد.
فعن محمر عن يحيي بن أبي كثير قال: دخلت عَلَى أبي مسلمة ابن عبد الرحمن وَهُوَ مريض فَقَالَ: إن استطعت أن تموت فمت فوَاللهِ ليأتي عَلَى النَّاس زمان يكون الموت أحب إلي أحدهم من الذهب الأحمر.
قُلْتُ: وفِي زمننا هَذَا موجود فِي كثير من أقطار الأرض مسلمون ينوع عَلَيْهمْ الْعَذَاب عشية وضحاها وبودهم لو ماتوا واستراحوا فالموت أحب إليهم من الذهب الأحمر، وَقَالَ طاووس: لا تحرز دين المرء إلا حفرته.
стр. 2200
وروي أن ابن عباس قال لعمر ﵄: أكثرت الدُّعَاء بالموت حتي خشيت أن يكون ذَلِكَ أسهل لك عِنْدَ أوان نزوله فلماذَا مللت أما تعين صَالِحاً أو تَقُوم فاسداً قال يا ابن عباس: إني قائل لك قولاً وَهُوَ إليك، قال: قُلْتُ لن يعدوني، قال: كيف لا أحب فراقهم وفيهم ناس كُلّ فاتح فيه للهوةٍ من الدُّنْيَا إما بحق لا ينوء به أو بباطل لا يناله ولولا أن أسأل عنهم لهربت منكم فأصبح الأرض مني بلاقع، وَاللهُ أَعْلم وصلي الله عَلَى مُحَمَّد.
(فَصْلٌ)
ومن كلام أَحَمَد بن عاصم الأنطاكي وكَانَ من كبار التابعين قال: إني أدركت من الأزمنة زمانَاً عاد فِيه الإسلام غريباً كما بدأ إن ترغب فِيه إلي عَالمٍ وجدته مفتوناً بحب الدُّنْيَا يحب التعَظِيم والرياسة، قُلْتُ: وما أكثره فِي زمننا فأمعن نظرك، قال: وإن ترغب فِيه إلي عابد وجدته جاهلاً فِي عبادته مخدوعاً صريعاً غدره إبلَيْس قَدْ صعد به إلي أعلا درجة العبادة وَهُوَ جاهل بأدناها فَكَيْفَ له بأعلاها.
وسائر ذَلِكَ من الرعاع همج عوج ذئاب مختلسة وسباع ضارية وثعالب ضوار هَذَا وصف عيون أَهْل زمانك من حملة العلم والقرآن ودعاة الحكمة، أخرجه أبو نعيم فِي الحلية، فهَذَا وصف أَهْل زمانه، فَكَيْفَ بما حدث بعده من العظائم والدواهي التي لم تخطر بباله ولم تدر فِي خياله من المنكرات.
وعن الحسن البصري أنه قال: لو أن رجلاً من الصدر الأول بعث الْيَوْم ما عرف من الإسلام شيئاً إلا تلك الصَّلاة. قُلْتُ: وفِي زمننا الصَّلاة
стр. 2201
جسم بلا روح عِنْدَ كثير من البقايا المتمسكين بها فلا حول ولا قوة إلا بِاللهِ العَلَى العَظِيم وَهُوَ حسبنا ونعم الوكيل.
ثُمَّ قال: والَّذِي نفسي بيده لئن عاش عَلَى هذه المنكرات فرأي صَاحِب بدعة يدعو إلي بدعته وصَاحِب دنيا يدعو إلي دنياه فعصمه الله تعالى وجعل قَلْبهُ يحن إلي ذكر السَّلَف فيتبع آثارهم ويستن بسنتهم ويتبع سبيلهم كَانَ له أجر عَظِيم.
وَقَالَ عَلَى بن أبي طالب: تعلموا العلم تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله فإنه سيأتي بعد زمان ينكر الحق فِيه سبعة أعشارهم.
وَقَالَ ابن مسعود: يوشك من عاش منكم أن يري منكراً لا يستطيع له غير أن يعلم الله من قَلْبهُ أنه له كاره. قُلْتُ: وقَدْ وقع شيء كثير فِي زمننا وقبله مثل الصور والتلفزيون والفيديو والمذياع والكورة والسفور وحلق اللحية والدخان.
... لَقَدْ بَانَ لِلنَّاسِ الهُدَى غَيْرَ أنَّهُمْ ... غَدَوْ ابِجَلا يِبْبِ الهَوَى قَدْ تَجْلْبَبُوْا
آخر: ... اعْتَزِلْ أَهْلَ المَلاَهِيْ وَالكُرَةْ ... وَاحْذَرِ الفِدْيُوْ وَتِلْفَازَ الضَّرِرْ
كم بِهَا قَدْ ضَاعَ عُمْرٌ يَا فَتَى ... لَوْ صُرِفْ فِي طَاعَةٍ نِلْتَ الأجَرْ
وَقَالَ أبو الدرداء: لَوْ خرج إليكم رسول الله ? الْيَوْم ما عرف شيئاً مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وأصحابه إلا الصَّلاة، وعن ابن عباس قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: " من تمسك بسنتي عِنْدَ فساد أمتي فله أجرُ مائة شهيد " رواه البيهقي ورواه الطبراني من حديث أَبِي هُرَيْرَةِ إلا أنه قال: فله أجر شهيد.
وروي الترمذي عن أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقُلْتُ لم ما تصنع بهذه الآية قال: قُلْتُ: قول الله تعالى " يَا أيها الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكم أَنفُسَكم لاَ يَضُرُّكم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ".
стр. 2202
قال: أما وَاللهِ لَقَدْ سألت عنهَا خبيراً سألت عنهَا رسول الله ? فَقَالَ: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن الْمُنْكَر حتي إِذَا رَأَيْت شحاً مطاعاً وهويً متبعاً ودنيا مؤثرةً وإعجابَ كُلّ ذي رأي برأيه فعَلَيْكَ بنفسك ودع عنكَ العوام.
فإن من ورائكم أياماً الصابر فيهن عَلَى دينه كالقابض عَلَى الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون كعملكم، قال الترمذي: عن ابن مبارك وزَادَ غَيْر عتبة أي الراوي وَهُوَ ابن حكيم خمسين رجلاً منكم، وروي الطبراني من حديث عتبة بن غزوان قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ? من ورائكم أيام الصبر المتمسك فيها يومئذ بمثل ما أنتم عَلَيْهِ كأجر خمسين منكم.
وَقَالَ ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
هَذَا ولِلْمُتَمَسِّكِيْنَ بسُنَّةِ الْـ
مُخْتَارِ عِنْدَ فَسَادِ ذِيْ الأزْمَانِ
أَجْرٌ عَظِيْمٌ لَيْسَ يَقْدُرُ قَدْرَهُ
إلا الَّذِي أَعْطَاهُ لِلإِنْسَانِ
فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنٍ لَهُ
وَرَوَاهُ أَيْضاً أَحْمَدُ الشَّيْبَانِي
أَثَراً تَضَمَّنَ أَجرْ َخَمْسِيْنَ امْرأً
مِنْ صَحْبِ أَحْمَدَ خِيْرَةِ الرَّحْمنِ
إِسْنَادُهُ حَسَنٌ ومِصْدَاقٌ لَهُ
فِي مُسْلِمٍ فَأَفْهَمْهُ بِالإحْسَانِ
أَنَّ العِبَادَةَ وَقْتَ هَرْجٍ هِجْرَةٌ
حَقاً إِلى وَذَاكَ ذُوْ بُرْهَانِ
هَذَا فكم مِنْ هِجْرِةٍ لَكَ أَيُّهَا السّـ
سُنِّيُ بِالتَّحْقِيْقِ لاَ بِأَمَانِ
стр. 2203
.. هَذَا وَكم مِن هِجْرِةٍ لهُمْ بِمَا
قَالَ الرَّسُولُ وجَاءَ فِي القُرْآنِ
ولَقَدْ أَتَى مِصْدَاقُهُ فِي التِرْمِذِيُ
لِمَنْ لَهُ أُذَنَانِ وَاعِيَتَانِ
فِي أَجْرِ مُحْيِيْ سُنَّةً مَاتَتْ فَذَا
كَ مَعَ الرَّسُولِ لِمَنْ لَهُ عَيْنَانِ
تَشْبِيْهُ أُمَّتِهِ بِغَيْثٍ أوّلٍ
مِنْهُ وآخِرُهُ فَمُشْتَبِهَانِ
فَلِذَاكَ لاَ يُدْرَي الَّذِي هُوَ مِنْهُمَا
قَدْ خُصَّ بِالتَّفْضِيْلِ والرُّجْحَانِ
ولَقَدْ أَتَى أَثَرٌ بِأَنَّ الْفَضْلَ فِي الـ
ـطَرَفَيْنِ أعَنِيْ أَوَّلاً والثَّانِي
والْوَسْطُ ذُوْ ثَبَجٍ فَاعْوَجَ هَكَذَا
جَاءَ الْحَدِيْثُ ولَيْسَ ذَا نُكْرَانِ
ولَقَدْ أَتَى فِي الوَحْيِ مِصْدَاقٌ لَهُ
فِي الثُلَّثَيْنِ وذَاكَ فِي القُرْآنِ
أَهْلُ اليَمِيْنِ فَثُلَّةٌ مَعَ مِثْلِهَا
والسَّابِقُوْنَ أَقَلُّ فِي الحُسْبَانِ
مَا ذَاكَ إلا أَنَّ تَابِعَهُمْ هُمُ الْـ
غُرَبَاءُ لَيْسَتْ غُرْبَةَ الأوْطَانِ
لَكِنَّهَا وَاللهِ غُرْبَةُ قَائِمِ
стр. 2204
.. بِالدِّيْنِ بَيْنَ عَسَاكِرِ الشَّيْطَانِ
فَلِذَاكَ شَبَّهَهُمْ بِهِ مَتْبُوْعُهُمْ
فِي الغُرْبَتَيْنِ وَذَاكَ ذُوْ تِبْيَانِ
لم يُشْبِهُوْهُمْ فِي جَمِيْعِ أُمُوْرِهِمْ
مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَيْسَ يَسْتَوِيَانِ
فَانْظُرْ إِلى تَفْسِيْرِهِ الغُرَبَاءَ بِالْـ
مُحْبِيْنَ سُنَّتِهِ بِكُلِّ زَمَانِ
طُوْبَى لّهُمْ والشَّوْقُ يَحْدُوْهُمْ إِلى
أَخْذِ الْحَدِيْثِ وَمُحْكََمِ القُرْآنِ
طُوْبَى لّهُمْ لم يَعْبَؤُا بنُحَاتَةِ الْـ
أفْكَارِ أَوْ بِزُبَالَةِ الأذْهَانِ
طُوْبَى لهُمْ رَكِبُوا عَلَى مَتْنِ العَزَا
ثُمَّ قَاصِدِيْنَ لِمَطْلَعِ الإيمان
طُوْبَى لهُمْ لم يَعْبَؤُا شيئاً بِدَالْـ
أَراءِ إِذ أغْنَاهُمُ الوَحْيَانِ
طُوْبَى لهُمْ وإِمَامُهُمْ دُوْنَ الوَرَى
مَنْ جَاءَ بِالإيمان والفُرْقَانِ
وَاللهِ مَا ائْتَمُّوْا بِشَخْصٍ دُوْنَهُ
إلا إِذَا مَا دَلَّهُمْ بِبَيَانِ
فِي الْبَابِ آثَارٌ عَظِيْمٌ شَأْنُهَا
أَعْيَتْ عَلَى العُلَمَاءِ فِي الأزْمَانِ
стр. 2205
.. إِذْ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ أَنَّ صَحَابَةَ الـ
مُخْتَارِ خَيْرُ طَوَائِفِ الإنسان
ذَا بِالضَّرُوْرَةِ لَيْسَ فِيه الخُلْفُ بَيْـ
نَ اِثْنَيْنِ مَا حُكِيَتْ بِهِ قَوْلاَنِ
فَلِذَاكَ ذِي الأثَارِ أَعْضَلَ أَمْرُهَا
وَبَغَوْا لَهَا التَّفْسِيْرَ بِالإحْسَانِ
فَاسْمَعْ إِذَا تَأْوِيْلَهَا وافْهَمْهُ لاَ
تَعْجَلْ بِرَدٍّ مِنْكَ أَوْ نُكْرَانِ
إِنَّ البِدَارَ بِرَدِّ شَيْءٍ لم تُحِطْ
عِلْماً بِهِ سَبَبٌ إَلى الحِرْمَانِ
وَالفَضْلُ مِنْهُ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدُ
وَهُمَا لأَهْلِ الفَضْلِ مَرْتَبَتَانِ
وَالفَضْلُ ذُوْ التَقْيِيْدِ لَيْسَ بِمُوْجِبِ
فَضْلاً عَلَى الإطْلاَقِ مِنْ إِنْسَانِ
لاَ يُوْجِبُ التَقْيِيْدُ أَنْ يَقْضِي لَهُ
بِالاسْتِوَاءِ فَكَيْفَ بِالرُّجْحَانِ
إِذْ كَانَ ذُوْ الإطْلاَقِ حَازَ مِنْ الفَضَا
ئِلِ فَوْقَ ذِي التَّقْيِيْدِ بِالإحْسَانِ
فَإِذَا فَرَضْنَا وَاحِداً قَدْ حَازَ نَوْ
عَاً لم يَحُزْهُ فَاضِلُ الإنسان
لم يُوْجِبِ التَّخْصِيْصُ مِنْ فَضْلِ عَلَيْـ
стр. 2206
.. ـهِ وَلاَ مُسَاوَاةٍ وَلاَ نُقْصَانِ
مَا خَلْقُ آدَمَ بِاليَدِيْنِ بِمُوْجِبٍ
فَضْلاً عَلَى المَبْعُوْثِ بِالقُرْآنِ
وَكَذَا خَصَائِصُ مَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِهِ
مِنْ كُلِّ رُسْلِ اللهِ بِالبُرْهَانِ
فَمُحَمَّدٌ أَعْلاَهُمُ فَوْقاً وَمَا
حَكمتَ لَهُمْ بِمَزِيَّةِ الرُّجْحَانِ
فَالحَائِزُ الخَمْسِيْنَ أَجْراً لم يَحُزْ
هَا فِي جَمِْيعِ شَرَائِعِ الإيمان
هَلْ حَازَهَا إِذْ كَانَ قَدْ عَدِمَ المُعِيْـ
نَ وَهُمْ فَقَدْ كَانُوْا أْولِي أَعْوَانِ
والرَّبُ لَيْسَ يُضِيْعُ مَا يَتَحَمَّلُ الْـ
مُتَحَمَّلُونَ لأَجْلِهِ مِنْ شَانِ
فَتَحَمُّلِ الْعَبْد الوَحْيِدِ رِضَاهُ مَعْ
فَيْضِ الْعَدُوِّ وَقِلَّةِ الأعْوَانِ
مِمَّا يَدُلَّ عَلَى يَقِيْنٍ صَادِقٍ
وَمَحَبَّةٍ وحَقِيْقَةِ العِرْفَانِ
يَكْفِيه ذُلاً وَاغْتِرَاباً قِلَّةُ الْـ
أَنْصَارِ بَيْنَ عَسَاكِرِ الشَّيْطَانِ
فِي كُلّ يَوْمٍ فِرْقَةٌ تَغْزُوْهُ إِنْ
تَرْجِعْ يُوَافِيه الفَرِيْقُ الثَّانِي
стр. 2207
.. فَسَلِ الغَرِيْبَ المُسْتَضَامَ عن الّذِيْ
يَلْقَاهُ بَيْنَ عِدَى بِلا حُسْبَانِ
هَذَا وقَدْ بَعُدَ المَدَى وَتَطَاوَلْ الْـ
عَهْدُ الَّذِي هُوَ مُوْجِبُ الإحْسَانِ
ولِذَاكَ كَانَ كَقَابِضٍ جَمْراً فَسَلْ
أَحْشَاءَهُ عن حَرِّ ذِيْ النِيْرَانِ
وَاللهُ أَعْلم بالَّذِي فِي قَلْبهُ
يَكْفِيه عِلْمُ الوَاحِدِ المَنَانِ
فِي الْقَلْبِ أَمْرٌ لَيْسَ يَقْدُرُ قَدْرَهُ
إلا الَّذِي آتَاهُ لِلإِنْسَانِ
بِرٌ وَتَوْحِيْدٌ وَصَبْرٌ مَعَ رِضَا
وَالشُّكْرُ والتَّحْكِيْمُ لِلْقُرْآنِ
سُبْحَانَ قَاسِمِ فَضْلِهِ بَيْنَ العِبَا
دِ فَذَاكَ مُوْلِ الفَضْلِ والإحْسَانِ
فَالفَضْلُ عِنْدَ اللهِ لَيْسَ بِصُوْرَةِ الْـ
أَعْمَالِ بَلْ بِحَقَائِقِ الإيمان
وَتَفَاضُلُ الأعمال يَتْبَعُ مَا يَقُوْ
مُ بِقَلْبِ صَاحِبَِِهَا مِنْ البُرْهَانِ
حَتَّى يَكُونَ العَامِلاَنِ كِلاَهُمَا
فِي رُتْبَةٍ تَبْدُوْ لَنَا بِعِيَانِ
هَذَا وبَيَنْهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَا
стр. 2208
.. والأرض فِي فَضْلٍ وفِي رُجْحَانِ
وَيَكُونُ بَيْنَ ثَوَابِ ذَا وَثَوَابِ ذَا
رُتَبٌ مُضَاعَفَةٌ بِلا حُسْبَانِ
هَذَا عَطَاءُ الرَّبِ ﷻ
وَبِذَاكَ تُعْرَفُ حِكْمَةُ الرَّحْمنِ ... >?
وَاللهُ أَعْلم وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه وسلم.
" موعظة "
عِبَادَ اللهِ إن لكم بأبدانكم عناية عظيمة لا تساميها العنايات بل كُلّ حياتكم ذاهبة فيما تبذلونه لخدمة هَذَا البدن من مجهودات ألَيْسَ ليلكمْ ونهاركمْ فِي كد مديم لجمع الأموال وهل كُلّ تلك الأموال إلا وسيلة تصلون بِهَا ما لهَذَا البدن من ملذوذات.
لا بأس بالاعتناء بالبدن لكن بدون هَذَا الإفراط الَّذِي لا يرتضيه العاقل اللبيب لأن البدن مهما أكرم ماله إلي التُّرَاب تتمتع بلذيذ لحمه الديدان والَّذِي ينبغي أن تهتم به وتصرف عنايتك به نفسك قبل جسمك التي أَنْتَ بِهَا من صفوة هَذَا العَالم وعَلَى العناية بِهَا تتوقف سعادتك فِي هذه الحياة وبعد الْمَمَات.
ولهذه النفس غذاء ولعلك تود أن تعرفه وَهُوَ جدير بالاعتناء منك والتقدير والجد لَهُ والتشمير لأن منفعته دنيا وأخرى ولا نسبةَ بينها وبين منفعة هذه الأبدان.
ذَلِكَ الغذاء أو القوت هُوَ أنواع الطاعات كإخلاص الأعمال لله
стр. 2209
والذكر لَهُ وَالشُّكْر لَهُ ومحبته وتعظيمه والقيام التام بأركَان الإسلام الشهادتين والصَّلاة والزَّكَاة والصيام والحج وسائر الباقيات الصالحات وأنواع العلوم والمعارف أوحاها الله وأودعها هذه المصنوعات.
والاعتناء بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وما إلي ذَلِكَ من أنواع القربات والَّذِي يظهر لنا من حالك وسيرتك أنك فِي شغل شاغل عن الإقبال عَلَى النفس وتغذيتها بما قلنا من أنواع الطاعات ذَلِكَ أن قلبك متعلق بتحصيل غذاء الجسم والاعتناء به فهو الَّذِي نصب عينيك.
ولذَلِكَ تشب وتشيب وتموت وأَنْتَ جاهل بضروريات الدين الإسلامي وَرُبَّمَا مر عَلَيْكَ مدة طويلة بدون أن تتفكَّرَ بنعم الله وتذكره بلسانك وتشكره عَلَى ما أولاك وكَذَلِكَ الآخرة ربما أنها تمضي المدة ولا تذكرها ولا تستعد لها.
وكما أن للأبدان أمراض كثيرة فللنفس أمراض أكثر وأعظم وأخطر وتلك الأمراض هِيَ السيئات التي من وقيها رحم قال الله تعالى: " وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم ".
وكَذَلِكَ من أمراض النفس رذائل الأخلاق والجهل بالشرع الحكيم ولهذه الأمراض دواء نافع بإذن الله أن تتوب توبة نصوحاً إلي الله وتتخلق بضد الْفِعْل أو الخلق الذميم فهل لك شوق إلي هَذَا الدواء الشافِي بإذن الله كما أنك تشتاق بل تهرول وتسرع إلي طبيب الأبدان ومعك ما معك من الْمَال إِذَا أحسست بمرض فِي بدنك وإن لم تجد فِي بلادك ذهبت تطلب الشفاء ولَوْ فِي بلاد الحرية والكفر محكمة القوانين أعداء الله ورسوله والْمُؤْمِنِين.
стр. 2210
أما بديع السموات والأرض فلا أراك تلتجي لَهُ إلا عِنْدَ الشدائد وهَذَا وَاللهِ قبيح ممن يدين بدين الإسلام يؤمن بالبعث والنشور، فالتفت يا أخي لنفسك وذكرها بنعم الله عَلَيْكَ لتتمكن محبته وأقبل عَلَيْهَا وعودها عَلَى الآداب الشرعية.
شِعْراً: ... يَا خَادِمَ الجِسْمِ كم تَسْعَى لِخِدْمَتِهِ
أَتَطْلُبُ الرِّبْحَ مِمَّا فِيه خُسْرَانُ
أَقْبِلْ عَلَى النَّفَسِ واسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا
فأَنْتَ بِالنَّفْسِ لاَ بِالجِسْمِ إِنْسِانُ ... >?
آخر: ... أَرَى وُجُوْدَكَ هَذَا لم يَكُنْ عَبَثاً
إلا لِتَكْمُلَ مِنْكَ النَّفْسُ فَانْتَبِهِ
فَاعْدِلْ عن الجِسْمِ لاَ تُقْبِلْ عَلَيْهِ وَمِلْ
إِلى رِعَايَةِ مَا الإنسان أَنْتَ بِهِ
فَمُؤْيِسُ النَّفْسِ عن أَهْوَائِهَا يَقِظٌ
وَمُطْوِعُ النَّفْسِ فِيه غَيْرَ مُنْتَبِهِ
واسْلُكْ سَبِيْلَ الهُدَى تَحْمِدْ مَغَبَّتَهُ
فَمَنْهَجُ الحَقِّ بَادٍ غَيْرَ مُشْتَبِهِ ... >?
إِذَا فهمت ذَلِكَ فاعْلم أن غذاء نفسك ودوائها عِنْدَ أَهْل العلم العاملين به الَّذِينَ يصدقون أقوالهم بأفعالهم المعظمون للشريعة الَّذِينَ إِذَا رأيتهم ذكرت الله الَّذِينَ لا يتشبهون بأعداء الله ولا يجاهرون بالمعاصي الصادعون بالحق الَّذِينَ لا تأخذهم فِي الله لومة لائمٍ الَّذِينَ لا تهمهم الدُّنْيَا وزخارفها البراقة.
следующие страницы →