← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وامْرأةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَرَجُلٌ سَمِعَ حَي عَلَى الصَّلاةِ حَيّ عَلى الْفَلاحِ ثُمَّ لَمْ يُجِبْ» . وَحَدِيثِ: «لا صَلاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلا بالْمَسْجدِ» . رُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا. عن ابن عباس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَمعَ النداء فلمْ يَمْنَعْهُ مِنْ إتِّبَاعِهِ عُذْرٌ» . قالُوا: ومَا العُذْرُ؟ قال: «خوْفٌ أو مَرَضٌ لم تُقْبَلْ منه الصلاةُ التي صَلَّى» . شِعْرًا: وَأحسَنُ صَوْتٍ لَذَّ عِنْدِي سَمَاعُهُ ... سَمَاعُ أَذَانٍ مِنْ مَنَارَةِ مَسْجِدِ يُنَادي بَتَوحِيدِ الذي جَلَّ شَأْنُهُ ... فَيَا نَفْسُ صَلَّيَ لِلْمُهَيمِنُ واعْبُدِي آخر: وَأَحْسَنُ صَوْتٍ في الوَرى صَوْتٍ دَاعِيًا ... إلى الله لِلْخَمْسِ الصَّلَوَاتِ تُشْهَدُ وعن معاذِ بن أنس عن رسولِ الله ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْجَفاءُ كلُ الْجَفَاءِ والكفر والنِّفَاقُ مَنْ سَمِعَ مُنَادِيَ اللهِ يُنَادِي إِلى الصلاةِ فلا يُجِيبُهُ» . رواه أحمد، والطبراني. وعن أبي الدرداءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ما مِنْ ثَلاثَةٍ في قَرْيَةٍ ولا بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهم الصَّلاةُ إلا قد اسْتَحَوَذَ عليهم الشيطانُ فَعَلَيْكَ بالْجَمَاعَةِ فإنما يَأكُلُ الذِّئْبُ الْقاصية» . رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي. وعن أمير المؤمنينَ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال: (ما بالُ أقْوَامٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الصلاةِ فَيَتَخَلَّفُ لِتَخَلُّفِهِم آخَرُونَ لأَنْ يَحْضُروا الصلاةَ أَوْ لأَبْعَثَنَّ عليهم مَن يُجَافِي رِقَابِهم) . وقال ابنُ مَسْعُودٍ ﵁: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلى هؤلاءِ الصلواتِ

стр. 247

الْخَمْسِ حَيْثُ يُنَادَى بِهنَّ فَإنَّ اللهَ تعالى شَرَعَ لِنَبِيكمُ سُنَنَ الْهُدَى وإِنَّهُنَّ مِن سُنَنِ الْهُدَى وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُم في بُيُوتِكم كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ في بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَظَلْلتمْ ولَقَدْ رَأَيْتَنَا وَما يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ) . وقال أبو هريرةَ ﵁: (لأَنْ تَمْتَلِئ أُذُنُ ابن آدَمَ رَصَاصًا مُذَابًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ حَيَّ على الصلاةِ حَيَّ على الفلاحِ ثُمَّ لَمْ يُجِبْ) . وسُئِلَ ابنُ عَبَّاس ﵄ عَنْ رَجُلٍ يَقُومُ اللَّيْلَ ويَصُومُ النَّهَارَ وَهُوَ لا يَشْهَدُ الْجُمْعَةَ والْجَمَاعَةَ فقال: هُو في النارِ. ولَمَّا كانَ عَتَّابُ بنُ أسيدٍ ﵁ وَالِيًا للنَّبِي ﷺ عَلَى أَهْلَ مَكَّة فَسَمِعَ بِرِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عن الصلاةِ في الْمَسَاجِدِ جَمَاعةً فقال: يا أهلَ مَكَّة واللهِ لا أَسْمَعُ بِرِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الصَّلاةِ في الْجَمَاعَةِ في الْمَسَاجِد إلا ضَرَبْتُ أَعْنَاقهم فَعَلم الصحابةُ ﵃ بِذَلِكَ فَزَادَهُ رِفْعَةً عِنْدَهُم وارْتَفَعَ قَدْرُهُ. وصلاةُ الْعِشَاءِ والْفَجْرِ في جَمَاعَةٍ أَشَدُّ تَأْكِيدًا لِما وَرَدَ عَنْ عُثْمَانَ بِن عفانَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأنَّمَا صَلَّى الليلَ كُلَّهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وفي رواية الترمذي عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ قِيَامُ نِصْفِ لَيْلَةٍ وَمَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ» . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ولَوْ يَعْلَمُونَ ما فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وعنه

стр. 248

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ صَلاةٌ أَثْقَلُ صَلاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْ صَلاةُ الْفَجْرِ والْعِشَاءِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ» . رواه الطبراني في الكبير. وَعَنْ جُنْدَبِ الْقَسْرِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ صَلَّى صَلاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلا يَطْلُبَنَّكُمْ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فهذا نَهْيٌ مِنْهُ ﷺ عن التَّعَرُّضِ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ بِشيءٍ مِنْ السُّوءِ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْحَجَاجَ مَعَ جُورِهِ وَظُلْمِهِ وَتَعْدِيهِ لِحُدُودِ اللهِ كَانَ يَسْأَلُ كُلَّ مَنْ يُؤْتَى بِهِ نَهَارًا صَلَّيْتَ الصُّبحَ فِي جَمَاعَةٍ فَإنْ قَالَ: نَعَمْ خَلَّى سَبِيلَهُ مَخَافَةَ أَنْ يطلبَهُ اللهُ بشيءٍ من ذِمتهِ. وَعَنْ ابن عُمرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا إِذَا فَقَدْنَا الرَّجلَ في الْفَجْرِ والْعِشَاءِ أسأنا بهِ الظنَّ. رواه الطبرانِي، وابنُ خُزَيْمَةَ في صَحِيحِهِ. اللَّهُمَّ أَنْظِمْنَا فِي سِلْكِ عِبادِكَ الْمُفْلِحِينَ واحْشُرْنَا مَعَ الذينَ أَنْعمتَ عَلَيْهم مِن النَّبيينَ والصِّدِيقينَ والشُّهَداءِ والصَّالِحينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تَرْفَعَ ذِكْرَنَا وَأَنْ تَضَعَ وِزْرَنَا وَتُصْلِحَ أَمْرَنَا وَتُطَهِّرَ قُلُوبَنَا وَتُنَوِّرَ قُبُورَنَا وَتَغْفِرَ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَميع المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيِنَ. (فَصْلٌ) : وَصَلاةُ الْجَمَاعَةِ تفضلُ على صلاةِ الفذِّ بسبعٍ وعشرينَ درجةً

стр. 249

كمَا وردَ عَنْ ابنِ عمرَ عن النبي ﷺ قال: «صَلاةُ الْجَمَاعَةِ تفضلُ صلاةَ الفذِ بسبعٍ وعشرينَ درجةً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلاةُ الرَّجلِ فِي جَمَاعَةٍ تَضْعُفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِ خَمْسًا وَعَشْرِينَ ضِعْفًا وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لا يُخْرِجُه إِلا الصَّلاةَ لَمْ يَخْطُو خَطْوَةً إِلا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةً وَحُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزلْ الْمَلائكةُ تُصلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ مَا لَمْ يَحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ وَلا يَزَالُ في صلاةٍ ما انتظرَ الصَّلاةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَوَرَدَ عَنْهُ ﷺ أنه قال: «مَنْ صَلَّى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ مِنْ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ النِّفَاقِ» . رَوَاهُ الترمِذي وَغَيْرُه مِنْ حَدِيث أنسٍ وَهُوَ حَدِيث حَسنٌ صَحَّحَهُ الْحَاكمُ وغيرهُ. وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِ الصَّفِ الأَوّلِ وإتْمَامِ الصُّفوف ما يَلي فعن جَابر بن سَمُرَةَ ﵄ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «ألا تَصُفونَ كَمَا تَصُفُّ الْملائِكةُ عِنْدَ رَبِّهَا» فقُلنَا يَا رسولَ اللهِ وكيفَ تصفُّ الْمَلائكةُ عند رَبِّهَا؟ قَالَ يُتمُّونَ الصُّفُوفَ الأوّل وَيَتَرَاصُّون في الصّفِّ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ والصَّفِّ الأولِ ثُم لمْ يَجِدُوا إلا أَنْ يَسْتهِمُّوا عَليهِ لاسْتَهمُّوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ مناكِبنَا في الصَّلاةِ ويقولُ: «اسْتَووا ولا تَخْتَلِفُوا

стр. 250

فَتَخْتَلِفَ قُلوبُكم لَيَلِني مِنْكُمْ أُولُوا الأحْلام والنُّهَى ثُمّ الذين يَلُونَهم ثُمَّ الذين َلونَهُم» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَووا صُفوفَكُم فإنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِ مِنْ تَمَامِ الصَّلاةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا وَيَقُولُ: «لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» . وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِ الأُوَلِ» . رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ حَسَنٍ. وَعَنْ ابن عُمَر ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ وَسُدُّوا الْخَلَلَ وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ ولا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ» . رواهُ أبو دَاوَدَ. اللَّهُمَّ رَغَبْنَا فيما يبقى، وزهدنا فيما يَفَنى، وهب لنا اليقين الذي لا تسكن النفوس إلا إليه، ولا يُعَوَّلُ في الدين إلا عليه، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) : وَكَانَ ﷺ إِذَا كَبَّرَ للصلاةِ يَسْتَفْتِحُ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلاةِ سَكَتَ هُنَيَهَةً قَبْلَ الْقِرَاءَةَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ قَالَ: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بَالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» . رواهُ الْجَمَاعَةُ إلا الترمِذي.

стр. 251

وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبيَ ﷺ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاةَ قَالَ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلا إِلَهَ غَيْرَكَ» . رواهُ أبو دَاودَ، والدَّارَقُطْنِي. وَكَانَ يَتَعَوَّذُ قبلَ الْقِرَاءةِ في الرَّكعةِ الأولَى بعدَ الاستفتاحِ فَعَنْ أبِي سعيدٍ الْخُدَريّ عَنْ النبيّ ﷺ أَنَّهُ كانَ إِذَا قامَ إلى الصلاةِ استفتحَ ثم يَقُول: «أُعوذُ باللهِ السَّميع الْعَليمِ مِن الشيطان الرجيمِ مِنْ هَمْزِه وَنَفْخِِهِ وَنَفْثِه» . رَواه أحمدُ، والتِّرمِذيّ. وَقَالَ ابنُ الْمُنْذِرِ جَاءَ عَنْ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ قَبْلَ الْقَراءةِ «أعوذُ باللهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدريّ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلاةِ الظُّهْرِ في الرَّكَعَتَيْنِ الأَوْلَيَيْنِ في كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلاثِينَ آيةً وَفِي الأَخَريَيْنٍ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَر آيةً، أَوْ قَالَ نِصْفَ ذَلِكَ، وَفِي الْعَصْرِ فِي الرَّكعَتَيْنِ الأَوْليينِ فِي كل رَكعةٍ قَدْرُ خَمْسَ عَشْرَة آيةً، وَفِي الأَخْرَيَيْنِ قدرَ نِصْفِ ذلكَ. رواهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ جُبير بن مُطْعِمٍ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقرْأَ في الْمَغْربِ بالطُّورِ. رواهُ الْجَماعةُ إلا الترمِذيّ. وَعَنْ ابنِ عبَّاسٍِ أَنَّ أَمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأ: والْمُرْسَلاتِ عُرْفًا فَقَالَتْ: يا بُنَيَّ لَقْد ذَكَّرْتَنِي بِقرائَتِكَ هَذِهِ السُّوَرَةَ إِنَّها لآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ. رواهُ الْجَمَاعَةُ إلا ابنُ مَاجَة. وَقَالَ أبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ كانَ النَّبيُّ ﷺ يُصَلِّي

стр. 252

الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرجلُ فَيُعْرِفُ جَليسَهُ، وكان يَقرأُ في الركعتينِ أو أحَدِهِمَا مَا بَيْنَ السَّتِينَ إِلى الْمائةِ. متفقٌ على صِحَّتِهِ. وَفِي صَحيح مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الصُّبْحَ بِمَكَّةَ فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى إِذَا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ أَوْ ذِكْرُ عِيسَى أَخَذَتْ النَّبِيَّ ﷺ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ. وَرَوى النِّسائِيّ من حَديثِ ابنِ مسعودٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قرأَ في المغربِ بالدُّخانِ. وفي صَحيحِ مسلمٍ من حديثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: كَانَتْ صَلاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ فَيَنْطَلِقُ أَحَدُنَا إِلَى الْبَقِيعِ فَيَقْضِي حَاجَتَهُ ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ فَيَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى. وَقَالَ أَبُو سَعيدٍ الْخُدري كُنَّا نَحْرِزُ قِيامَ رسولِ اللهِ ﷺ في الظهرِ والعصرِ فَحَزَرْنَا قيامَه في الركعتَيْنِ الأوْلَيَيْنِ مِن الظُّهْرِ قدرَ (أَلَمِ تنزيلُ السَّجْدة) . وَحَرزنَا قيامَه في الأخريينِ قدرَ النصفِ من ذلكَ وحزرنَا قيامَه في الركعتين الأوْلَيَينِ من الْعَصْرِ على النَّصفِ مِنْ ذلك. وفي روايةٍ بَدَلَ قولِه تنزيلُ السجدةِ قدرَ ثلاثينَ آيةً، وفي الأخْرَيَيْنِ قدرَ خَمْسَةَ عَشَرَ آيةَ وفي الْعَصْرِ في الركعتين الأوْلَيَيْنِ في كُلِّ رَكْعةٍ قَدَر خَمسةَ عَشرةَ وفي الأخْرَيَينِ قَدَر نِصفِ ذَلِكَ.

стр. 253

وَفِي سُننِ النَّسَائِي عَنْ الْبَرَّاءِ قَالَ: كَانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِنا الظهرَ فَنَسْمَعُ مِنْهُ الآية من سُورَةِ لِقْمَانَ والذَّارِياتِ وَقَالَ ﷺ : «أَنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ وَقِصرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّة مِن فَقْهِهِ فَأطِيلُوا الصَّلاةَ واقْصِرُوا الْخطبة» . وَعَنْ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ الصَّلاةُ فيهِ طَويلَةٌ والْخطبة فِيهِ قَصِيرَةُ وَعُلمَاؤُه كَثيرٌ وَخُطَبَاؤُه قَليلٌ وَسَيَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمانٌ الصَّلاةُ فيهِ قصيرةٌ والْخُطبةُ فيهِ طويلةٌ. وَأَخْرَجَ الْبُخَاري، وأَبُو دَاودَ، والترمِذي مِن حَديثِ زَيْدٍ بن ثابتٍ أن النبي ﷺ قرأ في المغربِ بُطُولَى الطُّولَيَيْنِ. زادَ أبو داودَ قلتُ: ومَا طُولَى الطوليين؟ قَالَ: الأَعْرَافُ. قالَ الْحَافظُ في الفتح: إنهُ حَصلَ الاتفاقُ على تفسيرِ الطُّولَى: بالأعراف. وَعَنْ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ أَنسٍ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَشْبَهَ صَلاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا الْفَتَى يَعْنِي: عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: فَحَزَرْنَا فِي رُكُوعِهِ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ وَفِي سُجُودِهِ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِي. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءُ الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، والنسائي. وَرواهُ من حَدِيثِ ابنِ أبي أوفى وزادَ فيهِ بعدَ قولِهِ منْ شَيءٍ بَعْدُ

стр. 254

اللَّهُمَّ طَهرنِي بالثَّلجِ والبَردِ والماءِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنْ الذُّنُوبِ والْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِن الدَّنَسِ. اللَّهُمَّ إِنَّا نسألكَ العافية في الدُّنيا والآخرَةِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَفَو والْعَافيةَ في دِيننَا ودُنيانَا وآخِرتنَا وَأَهْلِنَا وَمَالِنَا، اللَّهُمَّ اسْتُر عَوراتِنا وَأَمنِ روعاتِنا واحْفَظنا مِن بين أيدينا ومنِ خَلفنا وَعن أيمانِنَا وعن شَمائِلنا ومن فَوقِنا ونَعُوذ بعَظمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ من تَحْتِنا واغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا واستر عُيُوبَنَا واكْشِفْ كُرُوبَنَا وأصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وألِّفْ في طاعَتِكَ وَطَاعةِ رَسُولِكِ بَيْنَ قُلُوبنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) وفِي الْمُسْند من حديثِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلاتِهِ» . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْرِقُ صَلاتَه؟ قَالَ: «لا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلا سُجُودَهَا» ، أَوْ قَالَ: «لا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» . فَصَرَّحَ بأنهُ أسْوأ حالاً مِنْ سَارِقِ الأَمْوالِ. وفِي الْمُسْند من حديثِ سالمٍ عن أبي الْجَعْدِ عن سَلْمَانَ هُو الْفَارسي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الصَّلاةُ مكيالٌ فمَن وفَى وُفيَّ له ومَنْ طَفَّفَ فقدْ علمتُم ما قالَ اللهُ في الْمُطَفِّفِينَ» . وقالَ ابنُ الْقيمِ ﵀: والإيجازُ هو الذي كانَ يَفْعَلُهُ ﷺ لا الإِيجازُ الذي كان يَظَتنهُ مَنْ لَمْ يَقِفْ عَلى مِقْدارِ صَلاتِهِ فإنَّ الإِيجَازَ أَمرٌ نَسبِيّ إِضَافِي راجِعٌ إلى السُّنَّةِ لا إلى شَهوةِ الإِمَامِ وَمَنْ خلفَهُ. فَلمَّا كانَ يقرأُ في الْفَجْرِ بالسِّتينَ إلى الْمائةَ كَان هَذا الإِيجَازُ بالنِّسْبَةِ

стр. 255

إلى سِتِّماتةٍ إلى ألفٍ ولَمَّا قرأ في المغربِ بالأعْرَافِ كَان هَذا الإِيجازُ بالنِّسْبَةِ إلى الْبَقَرةِ. وَيَدُلُّ عَلى هَذا أَنَّ أنسًا نفسه قَال في الْحَدِيثِ الذي رَواهُ أبو داودَ، والنسائِي مِنْ حَديثِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَيْسَانَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ وَهْبِ بْنِ مَأنُوسَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَشْبَهَ صَلاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا الْفَتَى يَعْنِي: عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَحَزَرْنَا فِي رُكُوعِهِ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ وَفِي سُجُودِهِ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ. وأنسٌ أَيْضًا هُو الْقَائلُ في الْحَدِيثِ الْمُتَّفقِ عليهِ: إني لا آلُو أن أُصلِّي بكمُ كَما كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي بِنَا. قالَ ثابتٌ: كانَ أَنسٌ يصنعُ شيئًا لا أراكُم تَصْنَعُونَهُ كَانَ إِذَا رَفَعَ رأسَه مِن الركوعِ انتصبَ قائمًا حَتَّى يَقُول الْقَائلُ: قد نَسِيَ. وإِذَا رفَع رأسَه مِنْ السَّجْدةِ مَكَثَ حَتَّى يَقُول الْقَائلُ: قد نَسِيَ. وَأنسٌ هُوَ الْقائلُ هذَا، وهُوَ الْقَائلُ: مَا صليتُ وراءَ إمامٍ أَخفَّ صلاةً ولا أَتمَّ صلاةً مِنْ النَّبي ﷺ وحديثُه لا يُكَذِّبُ بعضُه بَعْضًا. وَمِمَّا يُبَينُ مَا ذَكَرنَاهُ مَا رَواهُ أبو دَاودَ في سُننِه من حَديثِ حَمَّادِ بن سَلمةَ أَخبرَنا ثابتُ وَحُميدُ عَنْ أَنسِ بن مالكٍ قَالَ: ما صَلْيتُ خَلفَ رجلٍ أَوجَز صَلاةً مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي تَمَامٍ. وَكَانَ رَسول الله ﷺ إذا قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» . قامَ حتى نقولَ قَدْ أَوْهِمَ فَجَمَعَ أنَسٌ ﵁ في هَذا

стр. 256

الْحَديثِ الصَّحِيح بَيْن الأخبارِ بإِيجَازِه ﷺ الصَّلاةَ وإِتْمَامِهَا وَبَيَّنَ فِيهِ أَن مِنْ إِتْمَامِهَا الذِّي أَخْبَرَ بِهِ إِطَالَةُ الاعتدَالينِ حَتَّى يَظُنُّ الظانُّ أَنَّهُ قَدْ أَوْهَمَ أَوْ نَسِيَ مِنْ شِدَّةِ الطُّولِ. وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنْ الْبَراءِ بن عازبٍ قَالَ: رَمَقْتُ الصَّلاةَ مَعْ مُحمدٍ ﷺ فَوَجَدْتُ قِيامَه فَرَكْعتَه فاعْتِدَالِهِ بَعدَ الركوعِ فسجدَتَه فجلسَتَه بين السَّجْدَتِينِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التسليمِ والانْصِرَافِ قريبًا مِن السَّواءِ. اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا إِذَا عَرِقَ الْجَبينُ وكَثُرَ الأنينُ وأَيِسَ مِنَّا الْقَريبُ والطبيبُ وَبكى عَلَيْنَا الصديقُ والحبيبُ وَارحَمْنَا يَا مَولانَا إِذَا وَارانَا التُّرابُ وَوَدَّعَنَا الأحْبَابُ وَفَارَقْنَا النَّعِيمَ وانقطَع عَنَّا النَّسِيم، وَاغْفِرْ لَنَا ولِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْنَا قَبْلَ أَنْ تَشهْدَ عَلَيْنَا الْجَوَارِحَ وَنَبِّهْنَا مِنْ رَقَدَاتِ الغفلاتِ وَسَامِحْنَا فَأَنْتَ الْحَلِيمُ الْمُسَامِحُ وَانْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا وَعَلِّمْنَا مَا يَنْفَعْنَا فَمِنْكَ الْفَضْلُ والْمَنَائِحُ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فَصْلٌ) : وَقَالَ ﵀ بَعْدَ أن ذَكرَ الْمُسْرعينَ فيها الذينَ يَمُرُّونَ فِيهَا مَرَّ السهمِ: وهَذَا كُله تلاعبٌ بالصَّلاةِ، وَتَعْطِيلٌ لهَا وخِدَاعٌ مِنْ الشيطانِ وخلافٌ لأمِر اللهِ ورسولِهِ ﷺ حيثُ قالَ تعالى: ﴿أَقِيمُواْ الصَّلاةَ﴾ فَأَمَرَنَا بإقامَتِهَا وَهُوَ الإِتْيَانُ بِهَا قائِمَةً تَامةَ القيامِ والركوعِ والسُّجودِ والأذكَارِ. وَقَدْ عَلَّقَ سُبحانَهُ الْفَلاحَ بَخُشُوعِ الْمُصَلِّي فِي صَلاتِه فَمَنْ فَاتَهُ خُشُوعُ الصَّلاةِ لَمْ يَكُنْ من أهلِ الْفَلاحِ وَيَسْتَحِيلُ حُصُولُ الْخُشوعِ مَعَ الْعَجَلَةِ والنَّقْرِ قَطْعًا بل لا يَحْصُلُ الْخُشُوعُ إلا مَعَ الطُّمَأنينةِ وَكُلَّما زادَتْ الطمأنينةُ ازدَاد خُشُوعًا وَكُلمَا قلَّ خُشوعُه اشتدَتْ عَجَلَتُه حَتَّى تَصيْرَ حَرَكةُ

стр. 257

يديهِ بِمَنْزِلَةِ العَبَث الذي لا يَصْحَبُه خُشوعٌ ولا إقبالٌ على العُبُوديةِ، ولا معرفةُ حَقِيقةِ العبوديةِ. واللهُ سُبْحَانَه قَد قَالَ: ﴿أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ ، وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ ، وقالَ إبراهيمُ ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ﴾ ، وقَالَ لِمُوسَى: ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ فلنَ تُكادُ تَجدُ ذِكْر الصلاةِ في مَوْضُوعٍ مِنْ التَّنْزِيلِ إلا مقرونًا بإقامَتِهَا. فَالمُصَلُّونَ في الناس قَليلٌ ومُقيمُ الصلاةِ مِنهُم أقلُّ القليلِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ ﵁: الحاجُّ قليلٌ والرَّاكِبُ كَثيرٌ، فالعَامِلونَ يعملونَ الأعمال المأمُورِ بِهَا على التَّرويجِ تَحِلَّهَ القَسَمِ وَيقولونَ: يَكْفينا أدنَى ما يقعُ عليه الأَسمُ ولَيْتَنَا نأتي به. ولو عَلِمَ هَؤلاءِ أنَّ المَلائكةَ تَصْعدُ بصلاتهمْ فتَعرضُها على الرّبِّ جلَّ وعلاَ بمنْزِلةَ الهَدَايَا التِّي يتقرّبُ بِهَا النّاسُ إلى مُلوكِهمْ وكُبرائِهم، فليسَ مَنْ عَمِدَ إِلى أَفْضلِ مَا يَقْدرُ عليهِ فَيُزَيّنه، ويُحسّنهُ، ما استطاعَ ثم يَتَقَرَّبُ به إلى مَنْ يَرجُوهُ، وَيَخَافُه، كَمَنْ يَعْمِدُ إلى أَسْقَطِ مَا عِنْدَهُ وَأهونِهِ عليهِ فَلْيَسْتَرِيح مِنْه وَيَبْعَثه إلى مَنْ لاَ يَقَعُ عِنْدَهُ بِمَوْقِع. وَليسَ مَنْ كَانَتْ صَلاَتُهُ رَبيعًا لِقَلْبِهِ، وَحَياةً لَهُ، وَرَاحَةً وَقُرَّةً لِعَيْنِهِ، وَجَلاَءً لِحُزْنِهِ وَذَهَابًا لِهَمِّهِ وَغَمِّهِ، وَمَفْزَعًا لَهُ في نوائِبِهِ وَنوَازِلِهِ، كَمَن هِي سِجْنٌ لِقَلْبِهِ، وَقَيْدٌ لِجَوَارِحِهِ، وَتَكْلِيفٌ لَهُ، وَثقلٌ عَلَيهِ، فَهِيَ كَبِيرَةٌ عَلَى هَذَا وَقُرَّة عَينٍ وَرَاحَةٌ لِذَلِكَ. وَقَالَ تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فإنمَّا كبُرَت على غير هؤلاء لخُلُّو قُلُوبهم مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ تعالى وَتْكبِيرِهِ وَتَعْظِيمِهِ

стр. 258

والخُشُوعِ لَهُ وَقِلَّةِ رَغبَتِهِمْ فيهِ فَإنَّ حُضُورَ العَبْدِ في الصَّلاةِ وَخُشُوعُهُ فِيهَا وَتَكْمِيلُهُ لَهَا واسْتِفْرَاغُهُ وُسْعَهُ فِي إِقَامَتِهَا وَإِتْمَامِهَا عَلَى قَدْرِ رَغْبَتِهِ في اللهِ. قَالَ الإمامُ أحمدُ: في رواية مُهَنَّا بن يَحْيَى: إِنَّمَا حَظُّهُمْ مِنَ الإسلامِ عَلى قدرِ حَظهمِ مِنَ الصلاةِ، وَرغبتهِم في الإسلامِ عَلى قدر رغبتِهِم في الصلاةِ فَاعْرَفْ نَفْسَكَ يَا عَبْدَ اللهِ وَاحْذَرْ أَنْ تَلْقَى اللهَ وَلاَ قَدْرَ لِلإسْلامِ عِندَكَ فَإنَّ قَدْرَ الإِسْلامِ في قَلْبِكَ كَقَدْرِِ الصَّلاةِ في قَلْبِكَ. (فصل) فأما صُورتُها الظاهرة في القيام والقراءة ُوالركوعُ والسجودُ وَنحو ذلك مِن وظائف الصلاة الظاهرة. وأما حقيقتُها الباطنةُ فمِثلُ الخشوع والإخباتِ وحُضُورِ القلبِ وكمال الإخلاصِ. مَنْ لَمْ يَكُنْ مُخْلِصًا لِلهِ في العَمَلِ ... فَلَيْسَ يَنْفَعُهُ قَوْلٌ وَلاَ عَمَلُ والتدبر والتفهم لمعاني القراءة ومعاني التسبيح ونحو ذلك من وظائف الصلاة الباطنة. فظاهر الصلاة حفظ البدن والجوارح وباطن الصلاة حفظ القلب. ومن المحافظة على الصلاة والإقامة لها كمال الطهارة والاحتياط في البدن والثوب والمكان. قال ﵊: «الطهور شطر الإيمان» وفي الحديث الآخر: «الطهور مفتاح الصلاة وإسباغ الوضوء وتثليثه من غير وسوسة ولا إسراف» . فإن الوَسْوَسَةَ في الطهارة والصلاة من عمل الشيطان يُلَبِّسُ بها على مَن ضَعُف عقلهُ وقَلَّ علمه.

стр. 259

وقد وردت الأحاديث الصحيحة: «أن مَن توضأ فَأَحْسَنَ الوضوء خَرجَتْ خطاياه مِن أعضائه ودخل في الصلاة نقيًا من الذنوب» . ومن المحافظة على الصلاة والإقَامَة لها المبادرة بها في أول مَوَاقِيتها وفي ذلك فضلٌ وأجر عظيم. وهو دليل على محبة العبد لربه وعلى المسارعة في مرضاته ومحابه قال ﷺ : «أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله» . وقبيح بالمؤمن العاقل أن يدخل عليه وقت الصلاة وهو على شغل من أشغال الدنيا فلا يتركه ويقوم إلى فريضة الله التي كتبها الله عليه فيؤديها. وما يفعل ذلك إلا من عظمت غفلته وقلَّت معرفته بالله وعظمته وضعُفتْ رَغبته فيما أعَدّ الله لأوليائه في الدار الآخرة. وأما تأخيرها عن وقْتها فلا يَجُوزُ وفيه إثم عظيم. ومِن المحافظة على الصلاة والإقامة لها: الخشوع وحُضور القلب وتدبرُ القِراءة وفهمُ مَعَانيها واسْتشعارُ الخُضُوعِ والتواضُعِ لله عند الركوع والسجود. وامْتِلاَءُ القلب بتعظيم الله وإجلاله وتقديسه عند التكبير والتسبيح وجميع أجْزَاءِ الصلاة. والحرص والاجتهاد في دفع الخواطر والهواجيس في شؤون الدنيا والإعراض عند حديث النفس في ذلك. ويكون همه في الصلاة وحُسنُ تأدِيتِهَا كما أمر الله. فإن الصلاة مع الغفلة وعدم الخشوع والحضور قليلة الجدْوَى. فاجتهد في تدَبُّر ما تقول من كلام ربك واحرص على الطمأنينة فيها. فإن الذي لا يتم الركوع والسجود في الصلاة سارق لها كما ورد في الحديث وورد أن من حافظ عليها وأتمها تخرج بيضاء تقول: حفظك الله كما حفظتني. والذي لا يتم الصلاة تخرج سَوْدَاءَ مُظْلِمة تقولُ: ضَيَّعَكَ الله كما ضَيَّعْتَني ثم تُلَفُّ كما يُلَفُّ الثوبُ الخَلَق فيضربُ بِها وجْهُهُ.

стр. 260

رأَى رَجُلٌ حَاتم الأصم واقفًا يَعِظُ النَّاسَ فقال: يا حاتَمُ أرَاكَ تَعظُ الناسَ أَفَتُحْسِنُ أَنْ تُصَلي؟ قَالَ: نعم. قال: كيف تُصَلي؟ قال: أقومُ بالأمرِ وأمْشِي بالسَّكِينَة وأدْخُل بالْهِيبَة وأُكَبِّرُ بالْعَظَمَةِ وأقرأ بالترتيل واجْلِسُ للتشهد بالتمام وأسلم على السنة وأسَلِمُهَا إلى ربي وأحْفَظُها أيامَ حَياتي وأرْجِعُ باللَّومِ على نفسِي وأخَافُ أن لا تُقْبَلَ منِّي وأرجُو أن تُقْبَلَ منِّي وَأَنَا بَيْنَ الرَّجَا والْخَوف وأشكر مَن عَلَّمَني وَأَعَلِّمُ مَن سَألنِي وأحمدُ رَبي إذ هَدَاني. اللَّهُمَّ اكْتُبْ في قُلُوبِنَا الإِيمانَ وأيِّدْنَا مِنْكَ يا نُورَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ اللَّهُمَّ وافْتَحْ لِدُعَائِنَا بَابَ الْقَبُولِ والإِجَابَةِ واغْفِرْ لَنَا وارحمنا برحمتك اللَّهُمَّ اسْلُكْ بِنَا سَبِيلَ الأَبْرَارِ واجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُصْطَفِينَ الأَخْيَارِ، وامْنُنْ عَلَيْنَا بِالْعَفْوِ والْعِتْقِ مِن النَّار وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فَصْلٌ) : يُسَنُّ ذِكْرُ اللهِ والدُّعَاء والاسْتِغْفَارُ عَقبَ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبةِ كَمَا وَرَدَ فِي الأَخْبَار فَيقُولُ: أستغفرُ اللهَ ثلاثَ مراتٍ وَيقول: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ ومنكَ السَّلامُ تَبَارَكْتَ يا ذَا الْجَلالِ والإكرامِ كَمَا وَرَدَ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ تَبَارَكْتَ يا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ» . رواه الجماعة إلا البخاري. ومِمَّا وَرَدَ مِنْ الذِّكْرِ: ما رُويَ عَنْ عبدِ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ: «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَليّ الْعَظِيم وَلا نَعْبُدُ إِلا إِيَّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» . قَالَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 261

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ. رواه أحمد، ومسلم. ومِمَّا وَرَدَ مَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبة: «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ،لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ويُسَبّحُ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وَيَحْمَدُ ثلاثًا وثلاثينَ، ويُكَبِّرُ ثلاثًا وثلاثينَ لِمَا فِي الصَّحِيحَينِ مِنْ رواية أبي صالح السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ وتَمَامُ الْمائَةِ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ الْمُلكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وهو على كلِ شيءٍ قَدِير، وَيَعْقِدُهُ بيدِهِ وَيَعْقِدُ الاستغفارَ بيدِه» . أي يَضْبِطُ عَدَدهُ بأصَابِعِهِ. وعن عبدِ الله بن عمرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَصْلَتَانِ لا يُحْصِيهمَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَهُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ يُسَبِّحُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ عَشْرًا وَيُكَبِّرُ عَشْرًا وَيَحْمَدُ عَشْرًا» . فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَعْقِدُهَا بِيَدِهِ «فَتِلْكَ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ بِاللِّسَانِ وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ وَإِذَا آوَى إلى فِراشِهِ سَبَّحَ وَحَمِدَ وَكَبَّرَ مِائَةً فَتِلْكَ مِائَةٌ بِاللِّسَانِ وَأَلْفٌ بالْمِيزَانِ» . رواه الخمسة، وصححه الترمذي. وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمَ بَنِيه هؤلاء الْكَلِماتِ ويقول: إنَّ رسول الله ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهنَّ دُبُر الصلاة اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. رواه البخاري، والترمذي وصححه. وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا صَلَّى

стр. 262

الصُّبْحَ حِينَ يُسَلِّمُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا طَيِّبًا وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً» . رواه أحمد، وابنَ ماجة. وعن أبي أُمَامَةَ قَال: قِيلَ: يا رسولَ اللهِ أيُّ الدُّعَاء أسْمَعْ قال: «جَوفُ الليلِ الآخرِ ودُبُر الصلواتِ الْمَكْتوباتِ» . وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رسولُ ﷺ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ» . رواه أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجة. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَبَّحَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ» . وَقَالَ: «تَمَامَ الْمِائَةِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وفي رواية أخرى: أن التكبيرَ أربعةً وثلاثون. وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لا تَدَعَنَّ دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ أَنْ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» . رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي بسند قوي. وعن أبي أمامةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَن قَرأ آيةَ الْكُرْسِي دُبُرّ كُلّ صلاةٍ مَكْتُوبةٍ لَمْ يَمْنَعُهُ من دخولِ الْجَنَّةِ إلا الْموتُ» . رواه النسائي، وصححه ابن حبان، وزاد فيه الطبراني: «وقل هو الله أحد» . وعنه قال: ما دَنَوتُ من رسولِ اللهِ ﷺ في دُبُرِ مكتوبةٍ ولا تَطُوع إلا سَمِعْتُهُ يقولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَخَطايَايَ كُلَّها، اللَّهُمَّ انْعِشْنِي وَاجْبُرْنِي واهدنِي لِصالحِ الأعمال والأخلاقِ إنَّه لا يَهْدِي لِصَالِحهَا وَلا يصرفُ سيئِهَا إلا أنت» .

стр. 263

وعن أبي سعيدٍ الخُدرِي أنَّ النبي ﷺ كان إذا فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ لا أَدْرِي قَبْلَ أَنْ يُسْلِّمَ أَوْ بَعْدَ أَنْ يُسَلِّم يقول ُ: «سُبحانَ ربِّكَ رَبِّ الِعزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلاَمٌ على المرسلين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين» . وعن أنس قال: كان النبي ﷺ يقولُ إِذَا انْصَرَفَ مِن الصلاةِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ عُمْرِي آخِرَهُ، وَخَيْرَ عَمَلِي خَوَاتِمَهُ، وَاجْعَلْ خَيْرَ أَيَّامِي يَومَ أَلقَاك» . وعن أبِي بكرٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقولُ في دُبُرِ الصلاةِ: «اللَّهُمَّ إني أعوُذُ بِكَ مِن الكفرِ والفقرِ وَعَذَابِ القَبْرِ» ، وعن أنسِ بن مالكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى الغداةَ في جَمَاعةٍ ثم قَعَدَ يَذْكُرُ اللهَ حتَّى تَطْلَعُ الشمسُ ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَة» ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَامَّةً، تَامَّةً، تَامَّةً» . وَعَنْ أبي ذَرٍّ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ قال في دُبُرِ صَلاةِ الصُّبحِ وهَو ثانٍ رِجْليَهِ قَبْلَ أَنْ يَتكلَّمُ: لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ ولهُ الحَمْدُ يُحْيِي وَيُميت وهوَ عَلى كُلِّ شيءٍ قَدير عَشْرَ مَرَّاتٍ كُتِبَ لَهُ عَشرُ حسناتٍ وَمُحِيَ عنهُ عَشرُ سَيئاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ وَكَانَ يَوْمَهُ ذَلِكَ في حِرْزٍ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَحُرِسَ مِنَ الشِّرْك بالله تَعَالَى» . قالَ التِّرْمِذيُّ: هذا حَديثٌ حسن. وفي بَعْضِ النُّسخ صَحيحٌ. وعن الحَارثِ بنِ مسلم التَّمِيميَّ ﵁ قالَ: قالَ لي النَّبيُّ ﷺ : «إذا صَلَّيتَ الصُّبحَ فَقُلْ قَبْلَ أنْ تَتَكَلَّمَ: اللَّهُمَّ أجرْنِي مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ مِنْ يَوْمِكَ كَتَبَ اللهُ لكَ جِوَارًا مِنَ النَّارِ وإذا صَليَّتَ المغربَ فَقُلْ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ

стр. 264

فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلتكَ كَتَبَ الله لكَ جِوارًا مِن النَّارِ» . رواه النسائيُّ وهذا لفظهُ، وأبو داود. وعن أبي أيّوبَ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ قالَ إذا أصْبَحَ: لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريك لَهُ، لَهُ الملكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِير عَشْرَ مَرَّاتٍ كَتَبَ اللهُ لهُ بِهِنَّ عَشْرَ حَسَناتٍ وَمَحَا بِهِنَّ عَشَرَ سَيئَاتِ وَرَفَعَ لَهُ بِهِنَّ عَشْرَ دَرَجَاتٍ وكُنَّ لَهُ عَدْلَ عِتَاقَة أَرْبَعَ رِقَابٍ وَكُنَّ لَهُ حَرَسًا حَتَّى يُمْسِي وَمَنْ قَالَهُنَّ إِذَا صَلَّى المغربَ دُبْرَ صَلاتِهِ فَمِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ» . رواه أحمدُ، والنَّسَائيُّ، وابنُ حِبَّانَ في صَحِيحهِ وَهذَا لفْظهُ. وعن أبي أمَامَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ دُبُرَ صَلاةِ الغَدَاةِ: لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ ولهُ الحَمْدُ يُحْيِي وَيُميتُ بيدهِ الخيرُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرِ مائة مَرَّةً قَبْلَ أَنْ يُثْنِي رِجْليهِ كَانَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَفْضَلِ أَهْلِ الأرضِ عَمَلاً إلا مَنْ قَالَ مِثْلِ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَى مَا قَالَ» . رواه الطَّبَرَانِيُّ في الأوسطِ بإسنادٍ جيدٍ. ورُويَ عن معاذِ بن جَبَلٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «مَنْ قَالَ بعدَ صَلاةِ الفَجْرِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ وبعدَ العَصْرِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ الذِّي لا إلهَ إلا هُو الحيُّ القيُّومُ وَأَتُوبُ إليهِ كُفِّرتْ عَنْهُ ذُنُوبِهِ وإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البحْر» . رواه ابنُ السني في كتابِهِ. وفي مُسندِ الإمامِ أحمد، وَسُنَنِ ابنِ ماجة، وَكِتَابِ ابن السنِي عن أمِ سَلمةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذَا صَلَّى الصُّبح قال: «اللَّهُمَّ إِني أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا وَعَمَلاً مُتَقبَّلاً وَرِزْقًا طيبًا» . وعن صهيْبٍ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ كَانَ يُحركُ شَفَتيهِ بعد صلاةِ الفَجْرِ بِشَيءٍ فقلتُ: يا رَسولَ الله ما هَذَا الذي

стр. 265

تَقُولَ قالَ: «اللَّهُمَّ بِكَ أُحَاوِلُ وَبِكَ أُصَاوِلُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ» ، وَيُسْتَحَبُّ الجهرُ بالتَّسبيحِ والتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ والتَّكْبيرِ لِقَوْلِ ابنِ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انصَرفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ. وفي رِوَايةٍ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاةِ النَّبي ﷺ بالتَّكْبِيرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. اللَّهُمَّ قوي إيماننا بك وبملائكتك وبرسلك وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، اللَّهُمَّ ألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا لطاعتك وامتثال أمرك واجعلنا من عبادك المفلحين الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فصل) وَمِنْ تَمامِ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلاةِ حُسْنُ المُحافظةِ على الرَّوَاتِبِ والنَّوَافِلِ وَهَذهِ المُطْلَقةُ فيها فَوائِدُ كَثِيرةٌ منها تكفيرُ السَّيئات وتكثيرُ الحَسَناتِ وَرَفْعُ الدرجَاتِ وَجَعلُ القُلوبِ مُتَّصلةً باللهِ مُعَظَّمَةٌ لَهُ وَأَنها سَبَبٌ لِتَقْوِيَةِ الحَيَاءَ مِنَ اللهِ ومنها التَلَذُّذُ بالمنَاجاةِ. وَمِنْهَا الحصولُ في منزلةِ المُبَاهَاةِ فِيمَنْ أقيْمَ مِنَ الملائكةِ في تلكَ الحالات. ومنها الشكرُ والنعمُ المتجددةُ والمَواهبُ المُتَعَدّدَةُ، وَعِمَارَة لِلْقُلُوبِ التي خُلِقَتْ لِذِكْرِ اللهِ تَعَالى. ومنها حِفْظُ الزَّمَنِ عَن ضَيَاعِهِ في غَيرِ طَاعةِ اللهِ. ومنها تكميلُ ما نقصَ مِن الفرائضِ، كما وَرَدَ في الحديث مِن رواية أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ أوَّلَ ما يُحَاسَبُ بِهِ العبدُ يومَ القيامةِ مِن عملِهِ صَلاتُهُ فإن صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِِنْ فَسَدَتْ فقد خَابَ وَخَسِرَ فَإِن انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْئًا فَإن الربَّ يقول: (انْظُروا هَلْ لِعَبْدِي مِن تَطَوُّعِ فَيُكَّمِلُ بها ما نَقَصَ مِنَ الفَرِيضَةِ) ثم يكون سَاَئِرُ عَمَلِه على ذلكَ» .

стр. 266

أخرجه الترمذي. وَمِنْهَا: مَحَبَّةُ اللهِ لَهُ، كما وَرَدَ في الحديث: (ولا يَزَالُ عبدي يَتَقَرَّبُ إليَّ بِالنوافلِ حتَّى أُحِبَّهُ فإذا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الذِّي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ التي يِبْطِشُ بِهَا وَرِجْلُهُ التي يَمْشِي بِهَا وَلَئِنْ سَأَلني لأعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعيذَنَّهُ) . رواه البخاري. ومنها: أنها سَبَبٌ لِتَسْهِيل عُسْر المَوْقِفِ في الحَشْرِ وَتَخْفِيفِ الحِسَابَ في دَارِ المآبِ لأَنَّهُ يَكْثِرُ ثَوَابُهُ إِذا وَفَقَّهُ اللهُ لِلتَّقَرُّبِ بِالنوافلِ، وَمِنْهَا: نَضَارَةُ الوَجْهِ وَتَنْشِيطِ الجَوَارِحِِ ومنها: أَنَّهَا تُوقِظُ الضَّمِير ومنها الاقْتِداءُ بالصالحينَ، ومنهَا: غَرْسُ الصِّدْقِ وَالأمانَةِ في النُّفُوسِ، وَمِنهَا: أنَّ النَّوَافِلَ تُقَوِّي شَجَرَةَ الإيمانِ وَتُنَمِّي الإيمانَ، وَمِنها: السُّمُوُّ إلى دَرَجَةِ الكَمَالِ، وَمِنها: أَنَّهُ إذا قَطَعه عنها مَرَضٌ أو سَفَرٌ كُتِبَتْ لَهُ كَامِلةً كما في حديث أبي مُوسَى الأَشْعري ﵁: «إَذا مَرِضَ العَبْدُ أَو سَافَرَ كُتِبَ له ما كان يَعْمَلُ صَحِيحًا مقيمًا» . روه البخاري. ومنها: مَحَبَّةُ أَهْلِ السَّمَاءِ لِمَنْ أَحَبَّهُ الله كما في حديث أبي هريرة أنَّ الله تعالى: إذا أَحَبَّ عَبْدًا دعا جِبْرِيلَ فقال: إني أُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي في السَّمَاءِ فَيقولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أهلُ السماءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ في الأرضِ. ومنها: اسْتِعْمَالِ نِعْمَةِ المُنْعِمِ في طاعتِهِ وهذا في غَايَةِ الحُسْنِ ولا يَخْفَى عَلى عاقلٍ أَنْصَفَ مِنْ عَقْلِهِ، ومنها: مُخَالَفَةُ المنافقين الذينَ إذا قاموا إلى صلاةِ الفريضةِ قاموا كسالى يُراءون النَّاسَ وَلا يذكرون اللهَ إلا قليلاً. ومنها: القُرْبُ مِن اللهِ للحديث المتقدم وَلِحَدِيثَ: «أَقْرَبُ ما يكون العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُو سَاجِد» . ومنها: مُخَالَفَةُ المُشْرِكِينَ العَابِدِينَ لِمَنْ لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي شَيئًا وَأَنْتَ تعبدُ مَن يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَعْلَمُ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَهو حَيٌّ لا يَمُوتُ ومنها قِيامُ العبدِ بينَ يَدَيْ سَيِّدِهِ مَقَامَ المُتَضَرَّعِ المتذَلِّلِ المسْكِينِ الضَّعِيفِ وَاضعًا يَدَهُ

стр. 267

اليُمْنَى على اليُسْرَى مُظْهِرًا العَجْزَ وَالضَّعْفَ وَأنه لا حَوْلَ ولا قوةَ إلا باللهِ العلي العظيمِ. اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ صِدْقَنَا في رَجَاءِ رِفْدِكَ وَخَالِصَ وِدِّكَ، يَا مَنْ عَمَّ الخلائقَ كَرمُه وجودُهُ، يَا أَوَّلَ بِلا بِدَايَةٍ وَيَا آخِرُ بِلا نِهَايَةٍ، يَا وَاحِدٌ لا شَريكَ لُهُ نَسْأَلكَ أَنْ ترحمَ ضَعْفَنَا وَتَغْفِرَ ذَنْبَنَا وَتَرْأَفَ بِنَا يَا رَؤُوفٌ يَا رَحِيم، ولا تَحْرِمْنَا لَذَّةَ النَّظَرِ إِلى وَجْهِكَ الكَريمِ في جناتِ النعيمِ. اللَّهُمَّ وَفِّقَنَا لِصَالِحِ الأَعْمَالَ، وَنَجِّنَا مِن جَمِيعِ الأهْوَالِ، وَأَمِّنَا مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ يَوْمَ الرجْفِ وَالزِلْزَالِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فَصْلٌ) : وقال ابنُ القيمِ ﵀: وأما فوائدُ الصلاةِ فَكثيرةٌ: أوَّلاً امتثالُ أَوَامِرِ اللهِ وَمُوَافَقَةُ اللهِ مَلائِكَتِهِ وتكفيرُ السيئاتِ وزيادةُ الحسناتِ ورفعةُ الدرجاتِ. ومنها: أنها سَبَبٌ لإجَابَةِ الدُّعَاء وَلِشَفَاعَةِ النَّبي ﷺ والقُربِ مِنْهُ وَلِكِفَايَةِ الهَمِّ والغَمِّ وَقَضَاءِ الحَوَائِجِ وَسَبَبٌ لِصَلاةِ اللهِ على المُصَلِّي وَصَلاَةُ مَلائِكَتِهِ وَهِيَ زَكَاةٌ لِلْمُصَلِّي وَطُهْرَةٌ لَهٌ وَسَبَبٌ لِلْتَبْشِيرِ بالجَنَّةِ والنَّجَاِة مِنَ النَّارِ وَسَبَبٌ لِرَدِّ النَّبي ﷺ السلام وَلِتَذْكِيرِ العَبْدِ مَا نَسِيَهُ وَلِطِيبِ المَجْلِسِ وَأْن لا يَعُودُ عَلى أَهْلِهِ حَسْرَةً وَلِنَفْيِ الفَقْرِ والبُخْلِ وَلِلنَّجَاةِ مَنْ نَتَن المَجْلِسِ الذي لا يُذْكَرُ اللهُ فيهِ وَلا رَسولُه وَلِتَمَامِ الكلامِ وَبَرَكَتِهِ وَلِوُفُورِ نُورِ العَبْدِ عَلى الِصراطِ وَلِلْخُرُوجِ مِنَ الجَفَاءِ ولإِبْقَاءِ الثَّنَاءِ الحَسَن لِلْمُصَلى عليه بين السماء والأرض وَلِلَبَرَكَةِ في ذَات المُصَلِّي عُمرهِ وَعَمَلِهِ وَأسباب مَصَالِحِهِ وَلِنَيلِ رَحْمَةِ اللهِ وَلِدَوَامِ مَحَبتِهِ ﷺ وَزِيَادَتِهَا وَتَضَاعُفِهَا وَلِمَحَبَّةِ الرسولِ ﷺ وسَبَبٌ لِحَيَاةِ القَلْبِ وَهِدَايَتِهِ وَسَبَبُ عَرْضِ اسم

стр. 268

الْمُصَلِّي على النبي ﷺ وسببُ لِتَثْبِيتِ الْقَدمَ على الصِّرَاطِ والْجوَاز عَلَيْهِ وَمُتَضَمِّنَةٌ لِذِكْرِ اللهِ وَشَكْرِهِ وَمَعْرِفَةِ إِنْعَامِ اللهِ على عَبِيدِهِ بإرسالِهِ ولأَدَاءِ قَليلٍ مِنْ حَقِّهِ. وهي دعاءٌ مِنْ الْعَبدِ وسؤالُهُ نَوعَان: أحدُهُما: سؤال مَطَالِبِهِ وَمَا يَنْوِيه. والثاني: سؤالهُ أنْ يُثْنِي عَلى حبيبهِ وخليلهِ وَيَزيدَ في تَشْريفِهِ وتكريمِهِ ورفْعِه ذكرَهُ ولا رَيبَ أَنّ الله يُحِبُ ذلكَ وَرَسُولُهُ يُحبُّهُ فالْمُصَلِّي قَدْ صَرَفَ سُؤاله لِما يُحِبُّهُ اللهُ ورَسُولُهُ وآثَر ذلكَ على طَلبِ حَوائجِهِ وَمَحابِّهِ هُو، بَلْ كانَ هَذَا الْمَطْلُوبُ مِن أَحَبِّ الأُمُورِ إِليهِ والْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ فَمَنْ آثرَ اللهَ على غَيرِه آثرَهُ اللهُ عَلى غيرِهِ. وَهَا هُنَا نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ عَلَّمَ أُمَّتُهُ دِينَهُ وَمَا جَاءَ بهِ وَدَعَاهُمْ إِليهِ وَصَبر على ذلِكَ وَهِيَ: أَنَّ النبيَّ ﷺ له مِن الأَجْرِ الزَّائِدِ على أَجْرِ أُمّتِهِ مِثْلُ أُجُورِ مِنْ تَبِعَهُ فَالدَّاعِي إِلى سُنَّتِهِ وَدِينِهِ والْمُعَلِّمُ الْخَيْرِ لِلأُمَّةِ إِذَا قَصَدَ تَوْفِيرَ هَذَا الْحَظ لِرَسولِ الله ﷺ وَصَرفَهُ إليهِ وَكانَ مَقْصُودَهُ بدُعَاءِ الْخَلقِ إلى اللهِ التقرُّبَ إِليهِ بإرشادِ عبادِهِ وَتَوْفِير أُجُورِ الْمُطِيعِينَ لَهُ على رسولِهِ مَعَ تَوْفِيَتِهِمِ أُجُورَهُمْ كامِلة كَان لَهُ مِنْ الأَجْرِ بدعوته وتَعْلِيمهِ بِحَسَب هذِه النَّيةِ وذلكَ فضلُ اللهِ يؤتيه مَن يشاء. اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًا وَارْزُقْنَا إتِّبَاعَه، وَأرِنا الباطل باطلاً وجَنِبْنَا إتِّبَاعَهَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. شِعْرًا: إلى كَمْ تَمَادَى فِي غُرُورٍ وَغَفْلَةٍ ... وَكَمْ هَكَذَا نَوْمٌ إلى غَيرِ يَقْظَةِ لَقَدْ ضَاعَ عُمْرٌ سَاعَةٌ مِنه تُشْتَرى ... بِمِلءِ السَّما وَالأرضِ أيَّةَ ضَيْعَةِ

стр. 269

أَتَرْضَى مِنْ العَيْشِ الرَّغِيدِ وَعَيْشَةٍ ... مَعْ الْمَلأ الأعْلَى بَعِيْشِ البَهِيمَةِ فَبَادُرَّةً بَيْنَ الْمَزَابِلِ أُلْقِيَتْ ... وَجَوْهَرَةً بِيعَتْ بَأَبْخَسِ قِيمَةِ أَفَانٍ بِبَاقٍ تَشْتَرِيهِ سَفَاهَةً ... وَسَخَطًا بِرِضْوَانٍ وَنَارًا بِجَنَّةِ أَأَنْتَ صَدِيقٌ أَمْ عَدُوٌ لِنَفْسِهِ ... فَإِنَّكَ تَرْمِيهَا بِكُلِّ مُصِيبَةِ وَلَوْ فَعَلَ الأَعْدَا بِنَفْسِكَ بَعْضَ مَا ... فَعَلْتَ لَمَسَّتْهُمْ لَهَا بَعْضُ رَحْمَةِ لَقَدْ بِعْتَهَا هَوْنًا عَلَيْكَ رَخِيصَةً ... وَكَانَتْ بِهَذَا مِنْكَ غَيْرَ حَقِيقَةِ كَلِفْتَ بِهَا دُنْيَا كَثِيرٍ غُرُورُهَا ... تُقَابِلُنَا فِي نُصْحِهَا فِي الخَدِيعَةِ عَلَيْكَ بِمَا يُجْدِي عَلَيْكَ مِنْ التُّقَى ... فَإنَّكَ فِي سَهْوٍ عَظِيمٍ وَغَفْلَةِ تُصَلِّي بَلا قَلْبٍ صَلاةً بِمْثلِهَا ... يَكُونُ الفَتَى مُسْتَوْجِبًا لِلْعُقُوبَةِ تُخَاطِبُهُ إِيَّاكَ نَعْبُدْ مُقْبِلاً ... عَلَى غَيرِه فِيهَا لِغَيرِ ضَرُورَةِ وَلَوْ رَدَّ مَن نَاجَاكَ لِلْغَيْرِ طَرْفَةُ ... تَمَيَّزتَ مِنْ غَيْظٍ عَليهِ وَغَيْرَةِ فَوَيْلَكَ تَدْرِي مَنْ تُنَاجِيهِ مُعْرِضًا ... وَبَيْنَ يَدِي مَن تَنْحَنِي غَيْرَ مُخْبِتِ أيَّا عَامِلاً لِلنَّارِ جِسْمُكَ لَيَّنٌ ... فَجَرَّبهُ تَمْرِينًا بَحَرِّ الظَّهِيرَةِ وَدَرِّبْهِ فِي لَسْعِ الزَّنَابِيرِ تَجْتَرِي ... عَلَى نَهْشِ حَيَّاتٍ هُنَاكَ عَظِيمَةِ فَإنْ كُنْتَ لا تَقْوَى فَوْيْلَكَ مَا الذي ... دَعَاكَ إلى إسْخَاطِ رَبِّ البَرِيَّةِ تَبَارزه بَالْمُنْكَراتِ عَشِيَّةِ ... وَتُصْبِحُ في أَثْوَابِ نُسْكٍ وَعِفَةِ نَسِيءُ بِهِ ظنًّا وَتُحْسِنُ تَارَةً ... عَلَى حَسْبِ مَا يَقْضِي الهَوى بالقَضِيَّةِ فَأَنْتَ عَلَيْهِ أَجْرَى منكَ عَلَى الوَرَى ... بِمَا فِيكَ مِنْ جَهْلٍ وَخُبْثِ طَويَّةِ تَقُولُ مَعَ العِصْيانِ رَبي غَافِرٌ ... صَدَقْتَ وَلَكِنْ غَافِرٌ بِالمَشِيئَةِ وَرَبُّكَ رَزَّاقٌ كَمَا هُوَ غَافِرٌ ... فَلِمْ لا تُصَدِّقْ فِيهمَا بالسَّوِيَّةِ فَكَيْفَ تُرَجِّي العَفْوَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ ... وَلَسْتَ تُرجِّي الرِّزْقَ إلا بحِيلَةِ عَلَى أَنَّهُ بالرِّزْق كَفَّلَ نَفْسَهُ ... وَلَمْ يَتَكَفَّلْ لِلأنَامِ بَجَنَّتِي وَمَا زَلْتَ تَسْعَى بالذي قَدْ كُفِيتَهَ ... وَتُهْمِلَ ما كُلِفَتَهُ مِنْ وَظِيفَةِ

стр. 270

.. إِلَهِي أَجِرْنَا مِنْ عَظِيمِ ذُنُوبِنَا ... وَلا تُخْزِنَا وانْظُرْ إِلِيْنَا بِرَحْمَةِ وَخُذْ بِنَواصِينَا إِليكَ وَهَبْ لَنَا ... يَقِينًا يَقينًا كُلَّ شَكٍ وَرِيبَةِ إِلَهِي اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ وَخُذْ بِنَا ... إلى الحَقِّ نَهْجًا فِي سَواء الطَّريقَةِ وَكُنْ شُغْلَنَا عَنْ كُلِّ شُغْلِ وَهَمَّنَا ... وَبُغْيتَنَا عن كُلِّ هَمٍّ وَبُغْيَةِ وَصَلَّ صَلاةً لا تَنَاهَى عَلى الذي ... جَعَلْتَ بِهِ مِسْكًا خِتَامَ النُّبوَّةِ اللَّهُمَّ انْهَجْ بِنَا مَنَاهِجَ الْمُفْلِحِين وأَلْبِسْنَا خِلَعَ الإِيمَانِ والْيَقِينَ وَخُصَّنَا مِنْكَ بالتَّوْفِيقِ الْمُبِين وَوَفِّقْنَا لِقَوْلِ الْحَقِّ وإتَّبَاعِهِ وَخَلَّصْنَا مِنْ الْبَاطِل وابْتِدَاعِهِ وَكَنْ لَنَا مَؤَيِّدًا وَلا تَجْعَلْ لِفَاجِرٍ عَلَيْنَا يَدًا وَاجْعَلْ لَنَا عَيْشًا رَغَدًا وَلا تُشْمِتْ بِنَا عَدوًّا وَلا حَاسِدًا وَارْزُقْنَا عِلْمًا نَافِعًا وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً وَفَهْمًا ذَكِيًّا وَطَبْعًا صَفِيًّا وَشِفًا مِنْ كُلّ دَاءٍ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. ٣١ - كتاب الزكاة ويبحث في: ١- الأموالِ التي تجب فيها الزكاة. ٢- نِصابِ الزكاة. ٣- مَصارفِ الزكاة. ٤- تعريفِ أهلِ الزكاةِ وبيانِ مِقدارِ ما يعطاهُ كلُّ صِنْف. ١- الأموالِ التي تجب فيها الزكاة: اعْلَمْ - رَحِمَك الله - أن اللهَ أَوْجَبَ على المؤمنين أصحابِ الأموالِ الزَّكويَّةِ زكاةً لِمن ذَكَرَهُمْ اللهُ في كتابِهِ، وقَسَّمها بَيْنَهُم وَرَتَّبَ الثوابَ عَلَى أدائِها، والْعِقَابَ على مَنْعِها، وقَرَنَها بالصلاةِ في مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ من كِتَابِهِ، تَعْظِيمًا لِشَأنِهَا، وَتَنْبِيهًا بِذِكْرِهَا، وَحَثًّا عَلى أَدَائِها لِتَطْهِيرِ النَّفس ِمِن دَرَنَ الشُّحِ وَالْبُخْلِ، ودَفعِ النَّفْسِ إلى

стр. 271

الْجُودِ، والتَّصَدُّقِ والإِنْفَاقِ في مَراضِي اللهِ تعالى لِتَحْصِيلِ النَّماءِ والزِّيادةِ والْبَركَةِ والْفَلاحِ والطَّهَارَةِ، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ . فَالزَّكَاةِ تُطَهِّرُ الْمُزَكِّي مِنْ أَنْجَاسِ الذُّنُوبِ، وَتَنُقِّيهِ مِنْ أَوْسَاخِهَا وَتُزَكِّي أَخَلاقَه بالتَّحَلِّي بالْجُودِ والسَّخَاءِ وَتُمَرِّنُهُ عَلَى السَّخَاءِ الذي يُحِبُّه كُلُّ بَرٍ وَفَاجِرٍ وَتُبْعِدُه عَنْ الشُّحِّ الذي هُو مَذْمُومٌ عندَ كلَّ أَحدٍ وَتُطَهِّرُ الْقَلْبَ عَنْ حُبِّ الدنيا ببذلِ الْيَسِيرِ فالْيَسِيرُ هُوَ الْوَاجِبُ وهوَ بذلُ الْقَلِيل مِنْ الكثيرِ قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ . فالشَّارِعُ الْحَكِيمُ اللطيفُ بعبادِهِ أَوْجَبَ شَيئًا يَسِيرًا بَعدَ مُدَّةٍ طَويلِةٍ إذا اعتادَ الإِنسانُ إِخْرَاجَهُ مِن الْمَالِ الْمَحْبُوبِ طَبْعًا امْتِثَالاً لأَمْرِ اللهِ ورَسُولِهِ اسْتَفَادَ حُبَّ خالِقِهِ الذي رَزَقَهُ إيَّاهُ وَوَعَدَهُ أَنْ يَخْلِفَ عليهِ مَا أنْفَقَهُ. قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ، وقال: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلا وَمَلَكَانِ يَنْزِلانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» . وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «قال تعالى: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ يُنْفِقْ عَلَيْكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. فصل: إذا فَهمْتَ ذَلكِ فاعلَمْ أنَّ الزكاةَ هِيَ أحدُ أركانِ الإِسلام

стр. 272

وَمَبَانِيه الْعِظَامِ الْمُشَارُ إليها بقوله ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلامُ على خَمْسٍ» ذَكَر منها إيتاءَ الزكاةِ. وَتَجَبُ الزَّكَاة في خمسةِ أشياءَ: ١- بهيمةِ الأنعامِ وهي: الإبلُ والبقرُ والغنمُ. ٢- الخارجِ مِنْ الأرضِ ومَا في مَعْنَاهُ كالْعَسَلِ الْخَارجِ مِن النحلِ. ٣- عُرُوضِ التجارةِ. ٤- الأَثْمَانِ. ٥- الثِّمَارِ. ولا زكاةَ في شيءٍ مِن ذلكَ حَتَّى يَبْلَغَ نِصَابًا، ولا زَكاةَ في مالٍ حَتَّى يَحوُل عليهِ الْحولُ، إلا في الخارج مِنَ الأرضِ لِقولِهِ تعالى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وإلا نِتَاجَ السَّائِمَةِ، وَرِبْحَ التِّجارةِ فإنَّ حَوْلَهُما حَوْلُ أَصْلِهِما إنْ كَانَ نِصَابًا، وإلا فابتدَاء الحولِ مِنْ حينِ كَمُلَ نِصَابًا. وَمَنْ كَانَ عندَهُ مالٌ وعليه دَيْنٌ فإن كان بمقدار ما عنده فلا زكاةَ فيه، فإن كان عندَه عشرةُ آلافٍ وعليه دينٌ عَشَرَةُ آلافٍ فَأَصْبَحَ مَا يَمْلِكُ شَيئًا، وإِنْ كَانَ عندَه عِشْرُونَ أَلْفًا وعليه عَشَرَةُ زَكَّى عَشَرَةً، وَإِنْ كَانَ عليهِ عَشْرُونَ وعندَه عَشَرَةٌ فَلَيْسَ عليه شَيءٍ ولَهُ الأَخذُ مِن الزكاةِ لأَنَّهُ مِنْ الفُقَراءِ ولأنه غارِمٌ. وَيُضَمَّ الْمُسْتَفَادُ إلى نِصَابٍ بيدِهِ مِن جِنْسِهِ، أو في حُكْمِهِ في وُجُوبِ الزَّكاةِ لا في الْحَوْلِ، فَيُرَكِي كلَّ واحدٍ إذا تَمَّ حَوْلُهُ. وَتجبُ الزكاةُ فيما زَادَ على النصابِ بحسَابِهِ إلا في السائِمةِ فلا زَكاةَ في وَقْصِهَا لما رَوَى أبُو عُبَيْدَةَ في غَرِيبِهِ: (وليسَ في الأوقاصِ صدقةَ) ، وقال: (الْوَقُصُ ما بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ) .

стр. 273

أَمَّا عُرُوضُ التِّجَارَةِ فهو كُل ما أُعِدَّ لِلْبَيْعِ والشرَاءِ لأَجْلِ الرِّبْحِ والتَّكسُّبِ من جَمِيع السِّلَعِ التُّجَارِيةِ: كالْمُجَوْهَرِاتِ والأَطْعِمَةِ والأَقْمِشَةِ والسَّيَّارَاتِ والْمَكَائِنِ. والثَّابِتَاتِ: كالْعَقَاراتِ من أَرَاضٍ وبُيُوتِ ونحوها، إذا تَمَلَّكَهَا بِفِعْلِهِ بِنَيَّةِ التِّجارةِ وَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا، لِمَا وَرَدَ عن سَمُرَةَ بن جُنْدِبِ ﵁ قال: (إنّ رسولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِمَّا نُعِدُّه لِلْبَيْعِ) . رواه أبو داود. فَتُقَوَّمُ الْعُرُوضُ إِذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، وَأَوَّلُهُ مِنْ حِينِ بُلُوغِ الْقِيمَةِ نِصَابًا بالأَحَصِ لِلْفُقَراءِ مِنْ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، ولا يُعْتَبَرُ مَا اشْتُرِيتْ بِهِ، وَيُخْرَجُ رُبُعُ عُشْرِ قِيمَتِهَا. وَمَنْ استفادَ مَالاً خارجًا عن ربحِ التجارَةِ كالأَجرةِ والرَّاتبِ ونحوهما، فإنه يَبْتَدِي حَوْلاً مِنْ حينِ الاسْتِفَادَةِ إن كان نِصابًا، وإلا فَمِنْ كَمَالِهِ وَيُزَكِّيهِ إِذَا تَمَّ حَوْلُه. وَأما الأثمانُ، وهِيَ النُّقُودُ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّة، أو مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِن فُلُوسٍ أو أَوْراقٍ نَقْدِيَّةٍ، وكذلكَ حُلِيَّ الذَّهَبِ والفضةِ إِذا بَلَغَ نِصَابًا بنفسِهِ، أو بما يَضُم إليهِ من جِنْسِهِ أَوْ في حُكْمِهِ ولم يكن مُعَدًا لِلاسْتعمالِ أو للإعَارَة ِ، فَإن أُعِدَّ للاستِعمالِ أو للإعَارَةِ فَلا زَكَاةَ فيه. وأقلُّ نِصَابَ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالاً، وفيها نِصْفُ مِثْقَالٍ وَهو رُبعَ العُشْرِ، لِحَديثِ عائشةَ وابن عُمرَ - رضِيَ اللهُ تعالى عنهما - مرفوعًا: (أنه كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ مِثْقَالاً نِصفَ مِثْقَال) . رواه ابنُ ماجَة. والله أعلم، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. ٢- فصل: والنِّصَابَ مِنَ الذَّهب بِالجنيهِ السُّعُوديّ أَحَدَ عَشَرَ جُنَيْهًا وَنِصفُ جُنَيهٍ تَقْرِيبًا، وكذلكَ بالجُنيهِ الإِفرَنْجي أَحَدَ عَشَرَ جُنَيْهًا وَنِصفُ جُنَيْهٍ تَقْرِيبًا، وَأَقَلُّ نِصَابُ الفِضَّةِ مَائَتَا دِرْهَمٍ، وَبالرِّيَالِ العَرَبي

стр. 274

سِتةٌ وَخَمْسُونَ رِيالاً تَقْرِيبًا، وبِالرِّيالِ الفَرَنْسي ثَلاثةٌ وَعِشْرُونَ رِيَالاً تَقْرِيبًا. وَأما الأوْرَاقُ المَوْجُودَةُ فإذا مَلَكَ مِنْهَا مَا يُقَابِلُ نِصَابًا مِنَ الفِضَّةِ وَحَالَ عَلَيْهِ الحَولُ فَإنَّهُ يُخْرِجُ منها رُبُعَ العُشْرِ. وَمَنْ كان عِنْدَهُ فِضَّةَ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ زَكاتها مِنَ الأَوْرَاقِ المَوْجُودَةِ المُتَعَامَلِ فِيها نَظَرَ إلى قِيمَةِ الفِضَّةِ مِنَ الأَوْرَاقِ وَأَخْرَجَ رُبُعَ عُشْرِ المُقَابِلِ لَهَا فَمَثَلاً إذا كان عِنْدَهُ أَلفُ رِيالٍ مِنَ الفِضَّةِ يُسَاوِي ثَلاثَة آلافٍ مِن الأَوْرَاقِ أَخْرَجَ عَن الفِضَّةِ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ رِيَالاً هِي مُقابِلُ زَكاةِ الألْفِ مِن الفِضَّةِ وهي خَمْسٌ وَعِشْرُون. وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ ذَهَبٌ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ زكاتهُ مِنَ الأَوْرَاقِ المُتَعَامَلِ فِيها نَظَرَ إِلى قِيمةِ الذَّهَبِ مِنَ الأَوْرَاقِ وَأَخْرَجَ رُبُعَ عُشْرِ المُقَابِلِ لَهَا فَمَثَلاً إِذَا كَان عِنْدَهُ مائةُ جُنَيْهٍ وَكَانَ الجُنَيْهُ يُساوِي خَمْسِينَ رِيَالاً (٥٠) فَتكون المائَة في خمسةِ آلاَفِ رِيَال فَزَكَاتُهَا مِنَ الأَوْرَاقِ مِائَةَ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ رِيَالاً هُوَ مُقَابِلُ زَكَاةِ مِائة الجُنَيْهِ وهو جُنَيْهَانِ وَنِصْفُ جُنَيْهٍ مِنْ زَكَاةِ المائةِ وهو جُنَيْهَانِ ونِصْفٌ. وَتَجِبُ الزكاةُ في مالِ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ لِعُمُومِ حَديثِ مُعَاذِ لَمَّا بَعَثَهُ ﷺ إِلَى اليَمَنِ، وَيُخْرِجُ عَنهما وَليُّهُما في مَالِهِما مِنْ مَالِهِمَا. اللَّهُمَّ ألهمنا ذكركَ ووفقنا لِلقيام بحقكَ، وخلّصنا مِن حقوقِ خلقكَ، وباركْ لنا في الحلالِ مِنْ رِزْقِكَ، وَلا تَفْضَحْنا بينَ خَلقكَ، يَا خَيْرَ مَنْ دَعَاهُ دَاعٍ وَأَفْضَلَ مَنْ رَجَاهُ رَاجٍ يا قَاضِيَ الحَاجَاتِ، ومُجِيبَ الدعواتِ، هَبْ لَنَا ما سَأَلْناهُ، وحقق رَجَاءَنَا فِيما تَمَنَيْنَاهُ، يَا مَنْ يَمْلِكُ حَوَائِجَ السائِلينَ وَيعلمُ ما في صُدُورِ الصَّامِتِيَن أذقنا بَرْدَ عَفْوِكَ وَحلاَوَةَ مَغْفِرَتِكَ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا بَدِيع

стр. 275

السَّمَاواتِ نَسْأَلُكَ أَنْ تُوفِّقَنا لِمَا فِيهِ صَلاَحُ دِينِنَا وَدُنْيَانَا، وَأَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا وَأَكْرِمْ مَثْوَانَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فصل) ٣- وَأَمَّا زَكاةُ الخَارِجِ مِنَ الأَرضِ فَتَجِبُ في كُلِّ مكِيلٍ مُدَّخَرٍ مِن الحَبِّ كَالقَمْحِ والشَّعِيرِ وَالذُرَةِ وَمِنَ الثَمرِ كالتَمْرِ وَالزَّبِيبِ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ وقولُهُ ﷺ : «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ والعُيُونُ أو كان عَثِريًا العُشْرُ وفيما سُقِي بالنَّضحِ نِصْفُ العُشْرِ» . رواه البخاري. وَإنما تَجِبُ فِيه بِشَرْطَينِ الأولُ: أن يَبْلُغَ نِصابًا وَقَدْرُهُ بَعْدَ تَصْفِيَةِ الحبِ وَجَفَافِ الثمرِ خَمْسَةُ أوسُقٍ، والوسَقُ سِتُّونَ صَاعًا نَبَوِيًّا فَتكونُ خَمْسَةُ الأَوْسُقِ (٣٠٠) ثَلاثمائةِ صَاعٍ بِالصَّاعِ النَبَوي وبالصَّاعِ الحَالِي مائَتَيْنِ وَثمَانِيةٍ وَعِشْرِينَ صَاعًا وَوَزْنُ الصَّاعِ النبوي بالرِّيَالِ الفَرَنْسِي ثَمَانُونَ رِيالاً (٨٠) وَوَزْنُ الصَّاعِ الحَالي بالرِّيَالِ الفَرَنْسِي مائَةُ وَأَرْبَعَةٌ (١٠٤) فيكونُ زَائِدًا على الصَّاعِ النَّبَوِي بِخُمُسٍ وَخُمُسِ الخُمُسِ تَقْرِيبًا. والشرط الثاني: أن يكون مالكًا لِلنِّصَابِ وَقْتَ وُجُوبِهَا فَوَقْتُ الوُجُوبِ في الحَبِّ إِذا اشْتَد وفي الثَّمَرِ إذا بَدَا صَلاَحُها لأنه حِينَئِذٍ يُقصَدُ لِلأَكْلِ وَالإِقتِيَاتِ بِهِ فأَشْبَهَ اليَابِسَ وعن عائشَةَ أنَّ النبي ﷺ كان يَبْعَثُ عَبْدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ إِلى يَهُودَ فَيَخْرِصُ عليهم النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أَنْ يُؤكَلَ مِنْهُ. رَواه أبو داود. وَيَجْبُ فَيما سُقِيَ بِلا مَؤنَةٍ العُشْرِ وَفيما سُقِيَ بِكُلْفَة نِصْفُ العُشُر

стр. 276

لِحَدِيثِ ابن عمرَ مَرفوعًا: «فيما سَقَت السَّمَاءُ الْعُشْرُ وفيما سُقِيَ بالنَّضْحِ نصفُ الْعَشْرِ» . رواه أحمد، والبخاري. وللنسائي، وأبي داود، وابن ماجة: «فيما سَقَتِ السماءُ والأنهارُ والْعيونُ أو كان بَعْلاً الْعشرُ وفيما سُقِيَ بالسَّوانِي والنُّضْحِ نصفُ الْعُشْرِ» . ويَجِبُ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْحَبِّ مُصَفَّى مِنْ قِشْرِهِ وَالثَّمَرِ يَابِسًا لِمَا وَرَدَ عَنْ عَتَّابِ بنِ أُسَيْدٍ أَن النبي ﷺ أَمَرَ أَنْ يُخْرِصَ الْعنبُ زبيبًا كما يُخْرَصُ التَّمْرُ ولا يُسَمَّى زَبِيبًا ولا تَمْرًا حَقِيقَةً إلا اليابسُ وقِيسَ الباقِي عليهما. ولا يَستَقِرُّ وُجُوبُها إلا بجَعْلِهَا في الْجَرِينِ أو في الْبَيْدَرِ أو في الْمِسْطَاحِ ونَحوِهِ. فإن تَلِفَتِ الْحُبُوبُ والثِّمَارُ التي تَجِبُ فِيها الزكاةُ قبلَ الْوضعِ بالْجَرين ونحوِهِ بَغَيْرِ تَعَدٍّ منه سَقَطَتْ، خُرصَتْ أو لم تُخْرَصْ، وإِنْ تَلِفَ الْبَعْضُ مِنَ الزرعِ والثَّمَرَ قَبْلَ الاسْتِقْرَارِ زَكّى الْبَاقِي إن كان نِصَابًا وإلا فلا زَكاةَ فيه لقوله ﷺ : «لَيْسَ فيما دُونَ خَمْسةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» . ولا تَتَكَرَّرُ زَكاةُ الْمُعَشَّر إِذَا لَم يَقْصُدْ بِهِ التِّجَارَةَ فإن كَانَتْ مُعَدَّةُ لِلتِّجَارَةِ كالذي يَشْتَرِي الْبُرَّ أو الأَرُزَّ أو الزَّيْتَ يَتَربَّصُ بِهِ أو يُقَطِّعُهُ فَهَذِهِ تُعْتَبَرُ عُرُوضًا إذَا كَانْتَ تَبْلُغُ نِصَابًا كُلَّمَا دَارَ عَلَيْهَا الْحَولُ قَوَّمَهَا بالأنْفَعِ لِلْفُقَراءِ من عَيْنٍ أَوْ وَرَقٍ ولا يُعْتَبَرُ مَا اشْتُرِيَتْ بِهِ. وَيُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ بَعْثُ خَارِصٍ لِثَمَرِ النَّخْلِ والْكَرْمِ إذا بَدَا صَلاحُها. وَشَرْطِ كَوْنهُ مُسْلَمًا أَمِينًا خَبِيرًا لِحَدِيث عائشة قالَتْ: كان ﵊ يَبْعَثُ عَبْدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ إِلى الْيهودِ يَخْرِصُ عليهم النَّخِيلَ قَبْلَ أنْ يُؤْكَلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 277

وفي حديثِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ عَلَى النَّاسِ مَنْ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ كُرُومَهُمْ وَثِمَارَهُمْ. رواه الترمذي، وابن ماجة. وَصَحَّ عنه ﷺ أَنَّهُ خَرَصَ على امرأةٍ بِوَادِي الْقُرَى حَديقَةً لَهَا وَحَدِيثُها في مُسْنَدِ أحمدَ. وَيَجِبُ أنْ يُتْرُكَ الْخَارِصُ لِرَبِّ الْمَالِ الثُّلثَ أَوْ الرُّبعَ فَيَجْتَهِدُ السَّاعِي بَحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ لِحَدِيثِ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبْعَ» . رواه الخمسة. واللهُ أَعْلَمْ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. (١٠) موعظة أَيُّهَا الْغَافِلُ رَاقِبْ مَنْ يَرَاكَ فِي كُلِّ حَالٍ، وَطَهِّر سِرَّكَ فَهُوَ عَلِيمٌ بِمَا يَخْطُرُ بَالْبَالِ، إلى مَتَى تَمِيلُ مَعَ الزَّخَارفَ وَإِلى كَمْ تَرْغَبْ لِسَمَاعِ الْمَلاهِي والْمَعَازِفِ والْمُحَرَّمَاتِ أَمَا آنَ لكَ أَنْ تُجَالِسَ صَاحِبَ الدِّين والصَّلاحِ الْعاكِفِ عَلَى عَمَلِهِ يَقْطَعُ لَيْلَهُ بالْقِيامِ حَتَّى الصَّبَاحِ وَنَهَارَهُ بالصِّيامِ لا يَمِلُّ وَلا يَتَوانَى رَجَاءَ الْفَوزِ بالأَرْبَاحِ، وَأَنْتَ فِي غَمْرِةِ هَوَاكَ مَفْتُونًا فِي الاِنْهِمَاكِ بِدُنْيَاكَ وكأني بكَ وقد هَجَمَ عَلَيْكَ مَا بَدَّدَ شَمْلَكَ وَأَوْهَنَ قُوَاكَ وَافْتَرَسَكَ مِنْ بَيْنِ أَهْلِكَ وَعَشِيرَتِكِ وَأَخِلائِكَ وَتَخَلَّى عَنْكَ خَلِيلُكَ وَأَصْدِقَاؤكَ لا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّ مَا نَزِلَ بِكَ وَلا تَجِدُ له كاشِفًا فانْتَبِهْ مَا دَامَ جِسْمُكَ صَحِيحًا والْعَمَلُ مِنْكَ فِي إِمْكَان. اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِصَالِحِ الأعْمالِ وَنَجِّنا مِن جميعِ الأهوالِ وأَمِّنَّا مِن الفزعِ والرجفِ والزِلزال، واغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

стр. 278

٣٣- فصلٌ في بيانِ مصارف الزكاة: ويُشْتَرَطُ لإِخْرَاجِهَا نِيَّةٌ مِنْ مُكَلَّفٍ، لَحَدِيثِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . فَيَنْوِي الزَّكَاةَ، أو الصدقةَ الواجبةَ أَوْ صَدَقَةَ الْمَالِ. ويُسنُّ أَنْ يُفَرِّقَ زَكاتَهُ على أقاربِهِ الذين لا تَلزَمُهُ مَؤونَتُهُم لما وَرَدَ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ رسول ﷺ : «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ، وَصِلَةٌ» . رواه أَحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ الْمُخْرِجُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا، وَلا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا. ويَحْمَدُ اللهَ على تَوْفِيقِهِ لأَدَائِهَا، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَعْطَيْتُمْ الزَّكَاةَ فَلا تَنْسَوْا ثَوَابَهَا أَنْ تَقُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا وَلا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا» . رواهُ ابن ماجة. وَيَقُولُ الآخِذُ وهو الْفَقِيرُ أَوْ الْمِسْكِينُ أو أَحَدُ الأَصْنَافِ: آجَرَكَ اللهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أَبْقَيْتَ وَجَعَلُهُ لَكَ طَهُورًا. قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ أَيْ ادْعُ لَهُمْ، كَمَا رَوى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أُتِيَ بصَدَقَةِ قومٍ صَلَّى عليهِم. فأتاه أبيّ بصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى آلِ أبِي أوفَى» . وللمُزَكِّيِ دفعُها إلى الإِمامِ وَإلى السَّاعِي، ويَبْرَأُ بذَلِكَ، ولا

стр. 279

يُجْزِي دَفْعَها إلى كافِرٍ غير مؤلَّف، وَلاحَظَّ فِيها لِغَنِيّ وَلا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ، لِمَا وَرَدَ عن عبدِ الله بن عَدِي ﵁ أَنَّ رَجلَين أخْبَرَاهُ أنهما أَتَيَا النبيَّ ﷺ يَسْأَلانِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَلَّبَ فِيهما الْبَصَرَ وَرَآهُما جَلْدَيْن فقال لَهُما: «إِنْ شِئتُمَا أَعْطَيتُكُمَا ولا حَظَّ لِغَنِي ولا لِقَوي مُكْتَسِب» . فالواجبُ تأمُلُ حالِ السائل، والتَّفَرُسُ فِيهِ كما فَعَل النبيُّ ﷺ فكم من إنسانِ يَدَّعي الفقَر وَهو غَنِي. وَكَمْ مِن مُتَعَارِجٍ وما بِهِ عَرَجٌ ولكِنْ لأَمْرٍ مَا تَعاَرُجُهُ. وَكَمْ مِنْ حَامِلِ وَرَقَةٍ يَأْكُلُ بِهَا لا يَدْرِي مَا فِيهَا وَلَوْ بَرَّقْتَ وَسَبَرْتَ بِدقٍ لَوَجَدْتَ الْعَجَائِبَ، لأنَّ الوازِع الدِّيِنِي قَدْ ضَعُفَ جِدًا واخْتَلَطَ الْحَابِلُ بالنَابِلِ فَلا يُمَيِّزُ الفقيرُ والْمُسْتَحِق للَّزكاةِ إلا إنْسَانٌ مُتَبَصِّرٌ بَعْدَ التَّأَمُلِ والْبَحْثِ التَّامِ والْحَرِيصُ على إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ وَإِيصَالِ زَكَاتِهِ إِلى الْمُسْتَحِقِّ لِهَا يَعْرِفُ كَيْفَ يِجِدُ مَوْضِعَها تَمَامًا مِمَن لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا الْمُحْتَاجِين الْمُخْتَفِينَ الْحَيِّينَ الأَرَامِلَ ذَوِيْ الْعَوائِلِ، ورُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ سَمِعَ سَائلاً يَسْألُ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قَومِهِ عَشِّ السَّائلَ فَعَشَّاهُ، ثُمَّ سَمِعَهُ ثَانِيًا يَسَألُ فَقَالَ: أَلَمْ أقلْ لَكَ عَشِّ السَّائلَ؟ قَالَ: قَدْ عَشَّيتُهُ فَنَظَرَ عُمُرُ لَه فإذا تَحْتَ يَدِهِ مِخْلاةٌ مَمْلُوءةٌ خُبْزًا فقال: لَسْتَ سَائِلاً لِكنَّكَ تَاجرٌ ثم أَخَذَ الْمِخْلاةَ وَنَثَرَهَا بَيْنَ يَدَيْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَضَرَبَهُ بالدُّرةِ وقال: لا تَعُدْ. وقال ﷺ : «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنيٍ وَلا لِذِي مِرَّةٍ سَويٍّ» . رواه أحمدُ، وأبو داود. ولا يَدْفَعُ بالزكاةِ مَذَمَّةً، ولا يَقِي بِها مَالَهُ، ولا يَسْتَخْدِمُ بها ويَلْزَمُ الإنسانُ الذي يُرِيدُ إِبْرَاءَ ذِمَّتِهِ صَحِيحًا أَنْ يُفَتِّشَ على أهلِ العوائدِ

стр. 280

ويَسْألْ عنهم بدِقّةٍ مِنْ يَعْرِفُ حَالَهُم مِن جِيرانٍ وَأَقَارِبَ حَتَّى يَتَأكَّدَ هَلْ هُمْ أَغْنِياءُ فلا يَدْفَعُهَا إليهِم لأنَّ دَفْعَهَا لهَم مَع الغنى وجُودُهُ كَعَدَمِهِ فلا تَبْرَأُ ذِمْتُهُ وَتَبْقَى الزَّكاةُ فِي ذِمَّتِهِ وَلا يَحْمِلُه الْحَياءُ فَيُعْطِي صَاحِبَ الْغِنَى قُبْلَ أنْ يَبْحَثَ عنه هَلْ هو على فَقْرِه. لأَنَّ كَثيرًا مِن الْفُقَراء في وَقْتِنَا انْفَتَحَ لَهُمْ أَبْوَابُ الرِّزْقِ مِن أَوْلادٍ أَوْ بَنَاتٍ أَوْ عَقَارٍ أَوْ شُؤونٍ وَلا يُبَالِي بغَضَبِ مِنْ مَنَعَهُ عَادَتَهُ مَعَ اسْتِغْنَائِهِ وَيَلْتَمِسُ رِضَا اللهِ جلَّ وَعَلا وَسَواء كَانُوا أقْرِبَاءَ أَوْ غَيْرَ أَقْربَاء. وَلا يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ لِغَيْرِ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الْمَذْكُورِينَ في الآية قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . فلا يَجُوزُ صَرْفُها في بِنَاءِ الْمَدَارِسِ أو الْمَسَاجِدِ، ولا وَقْفِ مَصَاحِفَ، ولا كُتْبِ علمٍ. ولا تكفينِ مَوْتَى، ولا تَوْقِيفِ مَقَابِرَ ولا غيرِهَا مِنْ جِهَاتِ الْخَير، لأَنَّ اللهَ تعالى تَوَلَّى الْحُكم فيها بنَفْسِهِ، فقدْ وَرَدَ عن زِيادِ ابنِ الْحارثِ الصُّدائِي ﵁ قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ فَبايَعْتُهُ، فذكرَ حديثًا طويلاً، فأَتاهُ رجلَ فقال: اعْطِنِي مِنِ الصَّدقَةِ، فَقَال رسول الله ﷺ : «إن اللهَ لم يَرْضَ بحُكْم نَبِي ولا غَيْرِهِ في الصَّدَقَاتِ، حَتَّى حَكَم فيها فَجَزَّأَهَا ثمانيةَ أجْزاءِ، فإن كَنتَ مِن تلكَ الأَجْزاءِ أَعطيتُكَ» . فيأخُذُ الْفَقِيرُ وهو مَن لا يَجدُ شيئًا أو بَعْضَ الْكِفَايةِ مِن الزكاة تَمَامَ كِفَايتِهِ مَعَ عَائِلَتِهِ سَنَةً لأَنَّ وُجُوبَ الزكاةِ يَتَكَرَّرُ بتكرر الْحَوْلِ.

стр. 281

وَيَأْخذُ الْمِسْكِينُ وهو مَن يَجدُ الْكِفَايَةَ أَوْ نِصْفَهَا تَمَامَ كِفَايَتِهِ مَعَ عَائِلتِهِ سَنةً لأنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ يَتَكررُ بِتكرُرِ الْحَوْلِ. ويُعْطَى مِن الزكاةِ الْعامِلُ وَهُوَ كَجَابٍ وَحَافِظٍ. وَكَاتِبٍ وَقَاسِمٍ وَجَامِعِ الْمَوَاشِي وَعَدَّدِهَا وَكَيَّالٍ ووزانٍ وَسَاعٍ وراعٍ وَحَمَّالٍ وَجَمالٍ قَدْرَ أجرتِهِ وإنْ تَلَفَتْ في يَدِهِ بلا تَفْريطٍ منه فَيُعْطَى أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لأنَّ لِلإِمَامِ رَزْقُهُ على عَمَلِه مِن بَيْتِ الْمَالِ. وَيُعْطَى مِن الزَّكَاةِ الْمُؤَلِّفُ وهوَ السِّيدُ الْمُطَاعُ فِي عَشَيرتِهِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التأليفُ لأنه الْمَقْصُودُ. ٥- ويُعْطَى مِن الزكاةِ الرِّقابُ وهُم الْمكاتَبُونَ وفَاءَ دَينِ الْكتابِةِ وَيَجُوزُ أَنْ يُفِدِي مِن الزكاةِ أسيرًا مُسْلِمًا في أيدي الْكفار. ٦- ويُعْطَى الْغارِمُ مِن الزَّكَاةِ وهو مَنْ تَدَيَّنَ لإِصْلاحِ ذاتِ بَيْنٍ أو تَحَمَّلَ بَسَبَبِ إتْلافِ نَفْسٍ أَو مَالٍ أََوْ نَهْبًا أو مَالاً لِتَسْكِينِ فِتنِةٍ وَقَعَتْ بَيْنَ طَائفَتَيْنِ وَيتوقَّفُ صُلُحُهُمَا على مَنْ يَتَحَمَّلُ ذَلكَ أو تَدَيّنَ لِشِرَاءِ نَفْسِهِ مِن كُفَّارٍ أو لِنَفْسِهِ في مُبَاحٍ وأَعْسَرَ وَفَاءَ دَينِهِ كمكاتَبٍ، وَدَينُ اللهِ كَدَينِ الآدَمِي. ٧- ويُعْطَى الْغَازِي في سَبِيلِ اللهِ ما يَحْتَاجُ لِغَزْوِهِ ذِهَابًا وإِيَابًا وإقامةً في أرضِ الْعَدُوِّ ونحو ثَمَنِ سِلاحٍ ودِرْعٍ وفَرَسٍ لِفَارِسٍ ويُعْطَى مِن الزَّكاةِ ابنُ السَّبِيل وهو الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطَعُ بهِ بغير بلدِهِ ما يُبَلِّغُه بَلَدَهُ أو مُنْتَهَى قَصْدِه وعَوْدِهِ إليهَا إن لم يَكُنْ سَفَرُهُ مُحْرَمًا أو مَكْرُوها. واللهُ أَعْلَمْ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (١١) موعظة عبادَ الله إنَّ وُجُودَ الْمَوتِ بينَ النَّاسِ مَوْعِظَةٌ كُبْرَى لو كَانُوا يعقلون

стр. 282

فإنه بلِسَانِ الْحَالِ يقولُ لِكُلِّ واحدٍ مِنا: سَأنْزلُ بكَ يومًا أو لَيلةً كما ترى الناسَ بعَيْنِكَ يَمُوتُونَ وقد يَكُونُ لأَحَدِهِم مِن المالِ والجاهِ والقوَّةِ والْجَمَالِ والْعِلمِ والْفَصَاحَةِ والْمَرْكَزِ الدُّنَيوي ما يُدْهشُ النَّاظرينَ لَهُ، وقد يكونُ قَدْ طَالَ عُمُرُهُ وطالَ أمَلُهُ حتى مَلَّ ومُلَّ مِنْهُ. وَبَيْنَ ما هو في حالٍ مِن النَّشَاطِ قويٌ مشْدُودٌ أسْرُهُ، ذو هِمَّةٍ تَضِيقُ بِها الدُّنيا، قَدْ أَقْبَلَتْ عليهِ الدُّنْيَا مِنْ كُلِّّ جهَةٍ، وَزَهَتْ لَهُ، إذا تَرَاهُ جُثَّةً هَامِدَةً أشْبَهَ بِأعْجَازِ النَّخْلِ الْخَاوِية لا حِسَّ لَهُ ولا حَرَكَةَ ولا أقوالٌ وَلا أفعالٌ قَدْ ضَيَّقَ على مَنْ حَوْلَهُ وإذا لَمْ يُسْرِعُوا بِهِ إلى الدَّفْنِ يَكُونُ جيفةَ مِنْ الْجِيفِ تُؤْذِي رَائِحَتُهَا الْكَرِيهةُ كَلَّ مَنْ قَرُبَ منها، هَذا كُلُّهُ يكونُ بعدَ ذلكَ النَّشَاطِ والْقُوَى لأنَّ هَادِمَ اللَّذَاتِ نَزَلَ بِهِ. وبَعْدَ نُزُولِه لا تَسْألُ كان لَهُ ما كَانَ، وفي الحالِ تُصْبحُ زَوْجَتُه أرْمَلَةٌ ويُصْبحُ أَوْلادُهُ أَيْتَامًا. وفي الْحَالِ تُقَسّم أَمْوَالُهُ التي جَمَعَهَا وَقَاسَى على جَمْعِهَا الشَّدَائِدَ. لأَنَّ الْمَوْتَ يُزيلُ مُلْكَهُ وينْقُلُهُ إلى مُلْكِ وَرَثَتِهِ نَقْلاً تَعْجَزُ عن نَقْضِهِ الأَيامُ، نَعَمْ إنَّهُ بالموت يزولُ مَالُه كُلُهُ وهِيَ أَكْبَرُ مُصِيبَةٍ مَاليَّةٍ. وأَكْبَرُ مِنَها أَنَّهُ يُسْألُ عنه كُلّهِ دَاخلاً وخَارجًا مِن حَلالٍ أَمْ مِن حَرَامٍ وبَعْدَ مُدَّةٍ يَسيرةٍ يُنْسَى هُو وَيُنْسَى مالُه وَيُنسَى جَاهُهُ ويُنْسَى مَرْكَزُهُ وَمَكَانَتُهُ ولو كان مَلِكًا أوْ وَزِيرًا ومَا كأنُه رَأَتْهُ الْعُيُونُ ولا سَمِعَتْ كَلامَهُ الآذانُ كما شِعْرًا: لِمَنْ يَا أَيُّهَا الْمَغْرُورُ تَحْوِي ... مِنَ الْمَالِ الْمُوَفَّرِ والأَثَاثِ سَتَمْضِي غَيْرَ مَحْمُودٍ فَرِيَدًا ... وَيَخْلُو بَعْلُ عِرْسِكَ بالتُّرَاثِ وَيَخْذُلُكَ الوَصيَّ بَلا وَفَاءٍ ... وَلا إصْلاحِ أَمْرِ ذِي التِّيَاثِ لَقَدْ وَفَّرْتَ وِزْرًا مَرَّ حِينًا ... يَسُدُّ عَلَيْكَ سُبْل الانْبِعَاثِ فَمَا لَكَ غَيْرَ تَقْوى الله حِرْزٌ ... وَلا وَزَرٌ وَمَا لَكَ مِنْ غَيَّاثِ

стр. 283

إن الناسَ يَرَوْنَ الْمَوْتَ كلَّ يَوْمٍ بأعْيُنِهم في بُيُوتِهِم أَوْ فِي الْمُسْتَشْفَيَاتِ، وَيَرَوْنَ مَالَهُ مِنْ آثارٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَمُوتَ بَيْنَهُمْ مَيّتٌ يَكُونُ مَنْهُمْ مَعَ مَوْتِهِ هَذَا مَا يُدْهِشُ الأَفْكَارَ فَتَرَى مِنْ أَقَارِبَهِ مَنْ يَتَسَابَقُونَ إِلَى الْبَحثِ عَمَّا خَلَّفَ، وانْتِهَابِ مَا اتَّصَلَتْ إِليه أيْديهِمِ من ماله، وربَّمَا شَبَّتْ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الْحُرُوبُ مِن أَجْلِ أَنْ يَتَمَيَّزَ كُلُ وَاحدٍ منهم في التَّرِكَةِ عَمَّنْ سِوَاهُ وَقَدْ تَشْتَدُّ بِهِم تِلكَ الْعَدَاوَةُ تَعْمَلُ عَمَلَهَا مَا بَقِيتْ تِلكَ. يَفْعَلونَ هَذَا كُلَّهُ عَقِبَ مَنْ يَمُوتُ بَدَلَ أنْ يَعْتَبُرُوا ويَتَّعِظُوا بِهِ فَيُزِهِّدُهُمْ هَذَا التَّفْكِيرُ والاِعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ المَالِ الفَانِي الذَّاهِبُ عَنْ أَيْدِيهِمْ عَنْ قَرِيبٍ كَمَا ذَهَبَ عَنْهُ مَنْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ مَنْ طَرِيقِهِ لَقَدْ سَبَقَ أَقْوَامٌ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بالْمَوْتِ حَقَّ الإِيمَانِ فَكَانُوا يُقَدِّرُون الدُّنْيَا حَقَّ التَّقْدِيرِ كَانُوا يَعْرَفُونَ أَنَّهَا فَانِيَةٌ وَأَنَّهَا غَرَّارَةٌ خَدَّاعَةٌ وَأَنَّهُمْ تَارِكُوهَا يَوْمًا رَغْمَ أَنُوفِهِمْ لا رُجُوعَ بَعْدَهُ لِقَلِيلٍ مِنْهَا وَلا كَثِيرٍ قَرؤُوُا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ فاسْتَعِدُّوا واقَرؤُوُا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ﴾ فَكَانُوا إِذَا حَصِلَ لَهُمْ شَيء مِنْ الدُّنْيَا صَرَفُوا ذَلِكَ لِمَا يَنْفَعُهُمْ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ. وَإِذَا سَمِعْتَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا فَلِمَا ذَكَرْنَا. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةَ كُنَّا نُحَامِلُ عَلَى ظُهُورِنَا فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيءٍ كَثيرٍ فَقَالُوا: مُرَائِي، وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَّدَقَ بِصَاعٍ فَقَالُوا: إِنَّ اللهً لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا، فَنَزَلَتْ الآيةُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . ومِنْ طَرِيقٍ آخَرَ حَثَّ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى الصَّدَقَةِ

стр. 284

يَعْنِي في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَنْ عَوْفٍ بأَرْبَعَةِ آلافٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَالِي ثَمَانِيَةُ آلافٍ جِئْتُكَ بِنِصْفِهَا وَأَمْسَكْتُ بِنِصْفِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أَمْسَكْتَ وَفِيمَا أَعْطَيْتَ» . وَجَاءَ أبُو عُقَيْل بَصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولُ للهِ أَصَبْتُ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ صَاعٍ أَقْرَضْتُهُ لِرَبِّي، وَصَاعِ لِعِيالِي. قَالَ: فَلَمَزَهُ الْمُنْافِقُونَ، وقاَلُوا: مَا أَعْطَى ابْنُ عَوْفٍ إلا رِياءُ، وقَالُوا: أَلَمْ يَكُنْ اللهُ وَرَسُولُهُ غَنَيِّينِ عَنْ صَاعِ هَذَا، وَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ يَجْعَلُونَ مَا نَالُوا مِنَ الدُّنْيَا وَسِيلَةً إلى الآخرة. شِعْرًا: ... ألا إنَّ رِزْقَ الله لَيْسَ يَفوتُ ... فلا تُرَعَنْ إِنَّ القَليلَ يَقُوتُ رَضِيتُ بِقسْمِ الله حَظًّا لأنَّهُ ... تكفَّلَ رِزْقِي مَنْ لَهُ الْمَلَكُوتُ سَأَقنعُ بالمالِ القَليلِ لأنني ... رَأَيتُ أَخَا المالِ الكثِيرِ يمُوتُ آخر: إذا اكْتَسَب المالَ الفَتَى مِنْ وُجُوهِهِ وَأحْسَنَ تَدبِيرًا لَهُ حِينَ يَجْمَعُ وَمَيَّزَ فِي إنْفَاقِهِ بَيْنَ مُصْلِحٍ مَعِيشَتَهُ فِيمَا يَضُرُ وَيَنْفَعُ وَأرْضَى بِهِ أَهْلَ الحُقُوقِ وَلَمْ يُضِعْ بِهِ الذُّخْرَ زَادًا لِلَّتِي هِيَ أَنْفَعُ فَذَاكَ الفَتَى لا جَامِعَ الْمَالِ ذَاخِرًا لأولادِ سُوءٍ حَيْثُ حَلُّوا وَأَوْضَعُوا آخر: فَكَّرْتُ في المالِ وفي جَمْعِهِ ... فَكَانَ مَا يَبْقَى هُوَ الفَانِي وَكَانَ مَا أَنْفَقْتُ في أوجهِ الـ ... ـبرِّ بِمَعْرُوفٍ وَإحْسَانِ هو الذي يَبْقَى وَأَجْزَي بِهِ ... يَوْم يُجازَى كُلُّ إنْسَانِ اللَّهُمَّ أنْظُمْنَا في سِلْكِ الْفَائِزِنَ بِرِضْوانِكَ، واجْعَلْنَا مِنْ الْمُتَّقِينَ الذِينَ

стр. 285

أعْدَدْتَ لَهُمْ فَسِيحَ جَنَّاتِكَ، وأَدْخِلْنَا بِرَحْمَتِكَ فِي دَارِ أَمَانِكَ وعافنا يا مَوْلانا في الدُّنْيَا والآخِرةِ مِن جَمِيعِ الْبَلايَا وأجْزِلْ لِنَا مِنْ مَوَاهِب فَضْلِكَ وَهِبَاتِكَ وَمَتَّعْنَا بالنَّظَر إلى وَجْهِكَ الْكَريمِ مَعَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالِحِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فصل) ٣٤– فِيَما وَرَدَ مِن الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ على تَرْكِ الزَّكَاة: إذا فَهِمْتَ ما تَقَدَّمَ مِمَّا تَجِبُ فيه الزكاةُ وبيانِ نِصَابِ الزكاةِ ومَصْرفها وما يَنْبَغِي أنْ يَقولَ الدَّافِعُ والْمَدْفُوعُ إليهِ. فاعْلَمْ أَنَّها مَا خَالَطَتْ مَالاً إلا أفسدَتْهُ ومحقتْ بَرَكَتَهُ وأيُّ خَيْرٍ وَنَفْعٍ فِي مالٍ مَمْحُوقِ الْبَرَكَةِ بَاقٍ شَرُّهُ وفِتْنَتُهُ وشُغْلُ الْبدنِ والْقَلبِ وإتْعَابُهُما؟ والْمَحْقُ: مِنْهُ ما هُوَ ظَاهِرٌ، وَهَوُ ذَهَابُ صُورَة الْمَالِ، وَرُجُوعُ الإِنْسَانِ بَعْدَ الاسْتِغْنَاءِ فَقِيرًا، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِخَلْقٍ كثيرٍ مِنْ الْمُتَسَاهِلِينَ بَأَمْرِ الزَّكَاةِ. وَمِنْ الْمَحْق: مَحْقُ بَاطِنٌ وهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ في الصُّورَةِ مَوْجُودًا وَكَثِيرًا ولكنْ لا يَنْتَفِعُ فيه صاحبُهُ لا في دِينِهِ في وجُوهِ الْبَرِّ والْمَشَارِيعِ الْخَيرِيَّةِ وبَذْلِ الْمَعْروفِ، ولا يَنْتَفَعُ فيه في نَفْسِهِ ومروءَتِهِ بالسَّتْرِ والصِّيانِةِ، ومَعَ ذلِكَ يَتَضَرَرُ بهِ تَضرُرًا كَثِيرًا بإمْسَاكِهِ عن حَقِّهِ وَوَضْعِهِ في غَيْر جَهَتِهِ إمَّا بِإنْفَاقِهِ بَالْمَعَاصِي والْعِيَاذُ باللهِ وَإمَّا فِي الشَّهَوَاتِ الْبَهِيمِيَّةِ التِي لا نَفْعَ فِيهَا وَلا حَاصِل. وقد وَرَدَ في مَنْعِ الزَّكاةِ عن اللهِ ورسُولِهِ تَشْدِيدَاتٌ هَائِلةٌ وَتَهْدِيدَاتٌ
следующие страницы →