← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

.. ـهِ وَلاَ مُسَاوَاةٍ وَلاَ نُقْصَانِ مَا خَلْقُ آدَمَ بِاليَدِيْنِ بِمُوْجِبٍ فَضْلاً عَلَى المَبْعُوْثِ بِالقُرْآنِ وَكَذَا خَصَائِصُ مَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ كُلِّ رُسْلِ اللهِ بِالبُرْهَانِ فَمُحَمَّدٌ أَعْلاَهُمُ فَوْقاً وَمَا حَكمتَ لَهُمْ بِمَزِيَّةِ الرُّجْحَانِ فَالحَائِزُ الخَمْسِيْنَ أَجْراً لم يَحُزْ هَا فِي جَمِْيعِ شَرَائِعِ الإيمان هَلْ حَازَهَا إِذْ كَانَ قَدْ عَدِمَ المُعِيْـ نَ وَهُمْ فَقَدْ كَانُوْا أْولِي أَعْوَانِ والرَّبُ لَيْسَ يُضِيْعُ مَا يَتَحَمَّلُ الْـ مُتَحَمَّلُونَ لأَجْلِهِ مِنْ شَانِ فَتَحَمُّلِ الْعَبْد الوَحْيِدِ رِضَاهُ مَعْ فَيْضِ الْعَدُوِّ وَقِلَّةِ الأعْوَانِ مِمَّا يَدُلَّ عَلَى يَقِيْنٍ صَادِقٍ وَمَحَبَّةٍ وحَقِيْقَةِ العِرْفَانِ يَكْفِيه ذُلاً وَاغْتِرَاباً قِلَّةُ الْـ أَنْصَارِ بَيْنَ عَسَاكِرِ الشَّيْطَانِ فِي كُلّ يَوْمٍ فِرْقَةٌ تَغْزُوْهُ إِنْ تَرْجِعْ يُوَافِيه الفَرِيْقُ الثَّانِي

стр. 2207

.. فَسَلِ الغَرِيْبَ المُسْتَضَامَ عن الّذِيْ يَلْقَاهُ بَيْنَ عِدَى بِلا حُسْبَانِ هَذَا وقَدْ بَعُدَ المَدَى وَتَطَاوَلْ الْـ عَهْدُ الَّذِي هُوَ مُوْجِبُ الإحْسَانِ ولِذَاكَ كَانَ كَقَابِضٍ جَمْراً فَسَلْ أَحْشَاءَهُ عن حَرِّ ذِيْ النِيْرَانِ وَاللهُ أَعْلم بالَّذِي فِي قَلْبهُ يَكْفِيه عِلْمُ الوَاحِدِ المَنَانِ فِي الْقَلْبِ أَمْرٌ لَيْسَ يَقْدُرُ قَدْرَهُ إلا الَّذِي آتَاهُ لِلإِنْسَانِ بِرٌ وَتَوْحِيْدٌ وَصَبْرٌ مَعَ رِضَا وَالشُّكْرُ والتَّحْكِيْمُ لِلْقُرْآنِ سُبْحَانَ قَاسِمِ فَضْلِهِ بَيْنَ العِبَا دِ فَذَاكَ مُوْلِ الفَضْلِ والإحْسَانِ فَالفَضْلُ عِنْدَ اللهِ لَيْسَ بِصُوْرَةِ الْـ أَعْمَالِ بَلْ بِحَقَائِقِ الإيمان وَتَفَاضُلُ الأعمال يَتْبَعُ مَا يَقُوْ مُ بِقَلْبِ صَاحِبَِِهَا مِنْ البُرْهَانِ حَتَّى يَكُونَ العَامِلاَنِ كِلاَهُمَا فِي رُتْبَةٍ تَبْدُوْ لَنَا بِعِيَانِ هَذَا وبَيَنْهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَا

стр. 2208

.. والأرض فِي فَضْلٍ وفِي رُجْحَانِ وَيَكُونُ بَيْنَ ثَوَابِ ذَا وَثَوَابِ ذَا رُتَبٌ مُضَاعَفَةٌ بِلا حُسْبَانِ هَذَا عَطَاءُ الرَّبِ ﷻ وَبِذَاكَ تُعْرَفُ حِكْمَةُ الرَّحْمنِ ... >? وَاللهُ أَعْلم وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه وسلم. " موعظة " عِبَادَ اللهِ إن لكم بأبدانكم عناية عظيمة لا تساميها العنايات بل كُلّ حياتكم ذاهبة فيما تبذلونه لخدمة هَذَا البدن من مجهودات ألَيْسَ ليلكمْ ونهاركمْ فِي كد مديم لجمع الأموال وهل كُلّ تلك الأموال إلا وسيلة تصلون بِهَا ما لهَذَا البدن من ملذوذات. لا بأس بالاعتناء بالبدن لكن بدون هَذَا الإفراط الَّذِي لا يرتضيه العاقل اللبيب لأن البدن مهما أكرم ماله إلي التُّرَاب تتمتع بلذيذ لحمه الديدان والَّذِي ينبغي أن تهتم به وتصرف عنايتك به نفسك قبل جسمك التي أَنْتَ بِهَا من صفوة هَذَا العَالم وعَلَى العناية بِهَا تتوقف سعادتك فِي هذه الحياة وبعد الْمَمَات. ولهذه النفس غذاء ولعلك تود أن تعرفه وَهُوَ جدير بالاعتناء منك والتقدير والجد لَهُ والتشمير لأن منفعته دنيا وأخرى ولا نسبةَ بينها وبين منفعة هذه الأبدان. ذَلِكَ الغذاء أو القوت هُوَ أنواع الطاعات كإخلاص الأعمال لله

стр. 2209

والذكر لَهُ وَالشُّكْر لَهُ ومحبته وتعظيمه والقيام التام بأركَان الإسلام الشهادتين والصَّلاة والزَّكَاة والصيام والحج وسائر الباقيات الصالحات وأنواع العلوم والمعارف أوحاها الله وأودعها هذه المصنوعات. والاعتناء بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وما إلي ذَلِكَ من أنواع القربات والَّذِي يظهر لنا من حالك وسيرتك أنك فِي شغل شاغل عن الإقبال عَلَى النفس وتغذيتها بما قلنا من أنواع الطاعات ذَلِكَ أن قلبك متعلق بتحصيل غذاء الجسم والاعتناء به فهو الَّذِي نصب عينيك. ولذَلِكَ تشب وتشيب وتموت وأَنْتَ جاهل بضروريات الدين الإسلامي وَرُبَّمَا مر عَلَيْكَ مدة طويلة بدون أن تتفكَّرَ بنعم الله وتذكره بلسانك وتشكره عَلَى ما أولاك وكَذَلِكَ الآخرة ربما أنها تمضي المدة ولا تذكرها ولا تستعد لها. وكما أن للأبدان أمراض كثيرة فللنفس أمراض أكثر وأعظم وأخطر وتلك الأمراض هِيَ السيئات التي من وقيها رحم قال الله تعالى: " وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم ". وكَذَلِكَ من أمراض النفس رذائل الأخلاق والجهل بالشرع الحكيم ولهذه الأمراض دواء نافع بإذن الله أن تتوب توبة نصوحاً إلي الله وتتخلق بضد الْفِعْل أو الخلق الذميم فهل لك شوق إلي هَذَا الدواء الشافِي بإذن الله كما أنك تشتاق بل تهرول وتسرع إلي طبيب الأبدان ومعك ما معك من الْمَال إِذَا أحسست بمرض فِي بدنك وإن لم تجد فِي بلادك ذهبت تطلب الشفاء ولَوْ فِي بلاد الحرية والكفر محكمة القوانين أعداء الله ورسوله والْمُؤْمِنِين.

стр. 2210

أما بديع السموات والأرض فلا أراك تلتجي لَهُ إلا عِنْدَ الشدائد وهَذَا وَاللهِ قبيح ممن يدين بدين الإسلام يؤمن بالبعث والنشور، فالتفت يا أخي لنفسك وذكرها بنعم الله عَلَيْكَ لتتمكن محبته وأقبل عَلَيْهَا وعودها عَلَى الآداب الشرعية. شِعْراً: ... يَا خَادِمَ الجِسْمِ كم تَسْعَى لِخِدْمَتِهِ أَتَطْلُبُ الرِّبْحَ مِمَّا فِيه خُسْرَانُ أَقْبِلْ عَلَى النَّفَسِ واسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا فأَنْتَ بِالنَّفْسِ لاَ بِالجِسْمِ إِنْسِانُ ... >? آخر: ... أَرَى وُجُوْدَكَ هَذَا لم يَكُنْ عَبَثاً إلا لِتَكْمُلَ مِنْكَ النَّفْسُ فَانْتَبِهِ فَاعْدِلْ عن الجِسْمِ لاَ تُقْبِلْ عَلَيْهِ وَمِلْ إِلى رِعَايَةِ مَا الإنسان أَنْتَ بِهِ فَمُؤْيِسُ النَّفْسِ عن أَهْوَائِهَا يَقِظٌ وَمُطْوِعُ النَّفْسِ فِيه غَيْرَ مُنْتَبِهِ واسْلُكْ سَبِيْلَ الهُدَى تَحْمِدْ مَغَبَّتَهُ فَمَنْهَجُ الحَقِّ بَادٍ غَيْرَ مُشْتَبِهِ ... >? إِذَا فهمت ذَلِكَ فاعْلم أن غذاء نفسك ودوائها عِنْدَ أَهْل العلم العاملين به الَّذِينَ يصدقون أقوالهم بأفعالهم المعظمون للشريعة الَّذِينَ إِذَا رأيتهم ذكرت الله الَّذِينَ لا يتشبهون بأعداء الله ولا يجاهرون بالمعاصي الصادعون بالحق الَّذِينَ لا تأخذهم فِي الله لومة لائمٍ الَّذِينَ لا تهمهم الدُّنْيَا وزخارفها البراقة.

стр. 2211

وكَذَلِكَ موجود الدواء الَّذِي ذكرنا فِي كتب العلماء السلفيين أتباع الصحابة والتابعين كالائمة الأربعة والموفق وابن أبي عمر وشيخ الإسلام وابن القيم وابن رجب وابن مفلح وابن كثير ومن تتلمذ عَلَى كتبهم ممن جَاءَ بعدهم واقتفي أثرهم وسار عَلى نهجهم فجزاهم الله عن الإسلام والمُسْلِمِيْنَ خيراً. شِعْراً: ... عِلْمُ الْحَدِيثِ أَجَلَّ السُؤْالِ والوَطَرِ ... فَاقّطَعْ بِهِ العَيْشَ تَعْرِفْ لَذَّةَ العُمُرِ وانْقُلْ رِحَالَكَ عن مَغْنَاكَ مُرْتَحِلاً ... لِكَي تَفُوْزَ بِنَقْلِ العِلْمِ والأثَرِ وَلاَ تَقُلْ: عَاقَنِي شُغْلٌ فلَيْسَ يًرَى ... فِي التَّرْكِ لِلعِلْمِ مِنْ عُذَرٍ لِمُعْتَذِرِ وَأَيُ شُغْلٍ كَمِثْلِ العِلْمِ تَطْلُبُهُ ... وَنَقْلِ مَا قَدْ رَوَوْا عن سَيِدِ البَشَرِ؟ ألْهَىْ عن العِلْمِ أَقْوَاماً تَطْلُبُهُمْ ... لَذّاتِ دُنْياً غَدَوْا مِنْهَا عَلَى غَرَرِ وَخَلَفُوا مَالَهُ حَظٌ وَمَكْرُمَةٌ ... إِلى الَّتِي هُيَ دَأْبُ الهُونِ والخَطَرِ وأَيُ فَخْرٍ بِدُنْيَاهُ لاَ بَقَاءَ لَهَا ... وَبِالعَفَافِ وَكَسْبِ العِلْمِ فَافْتَخِرِ يَفْنَى الرِّجَالُ وَيَبْقَى عِلْمُهُمْ لَهُمُ ... ذِكْراً يُجَّدِدُ فِي الآصَالِ والبُكُرِ وَيَذْهَبُ المَوُتَ بِالدُّنْيَا وَصَاحِبِهَا ... ولَيْسَ يَبْقَى لَهُ فِي النَّاسِ مِنْ أَثَرِ تَظُنُّ أَنَّكَ بالدُّنْيَا أَخُوُ كِبَرٍ ... وأَنْتَ بِالجَهْلِ قَدْ أَصْبَحْتَ ذَا صِغَرِ لَيْسَ الكَبْيِرُ عَظِيْمُ القَدْرِ غَيْرَ فَتَى ... مَا زَالَ بَالعِلْمِ مَشْغُولاً مَدَى العُمُرِ قَدْ زَاحَمَتْ رُكْبَتَاهُ كُلُّ ذِي شَرَفٍ ... فِي العِلْمِ والحِلْمِ لاَ فِي الفَخْرِ والبَطَرِ فَجَالِسِ العُلًماءِ المُقْتَدَى بِهِمُ ... تَسْتَجْلِبِ النَفْعَ أَوْ تَأمَنْ مِنَ الضَّرَرِ هُمْ سَادَةُ النَّاسِ حَقاً وَالجُلُوسُ لَهُمْ ... زِيَادَةٌ هَكَذَا قَدْ جَاءَ فِي الخَبَرِ والمَرْءُ يَحْسَبُ مِنْ قَوْمٍ يُصَاحِبُهُمْ ... فَارْكَنْ إِلى كُلِّ صَافِي العِرْضَ عن كَدَرِ فَمَنْ يُجَالِسْ كَرِيْماً نَالَ مَكَرْمَةً ... ولم يَشِنْ عِرضَهُ شَيْءٌ مِنْ الغِيْر

стр. 2212

كصَاحِبِ العِطْرِ إِنْ لم تَسْتَفِدْ هِبَةً ... مِنْ عِطْرِهِ لم تَخِبْ مِنْ رِيْحِهِ العَطِرِ وَمَنْ يُجَالِسْ رَدِيءَ الطَّبْعِ يُرْدِ بِهِ ... ونَالَهُ دَنَسٌ مِنْ عِرْضِهِ الكَدِرِ كصَاحِبِ الكِيْرِ إِنْ يَسْلم مُجَالِسُهُ ... مِنْ نَتْنِهِ لم يُوَقَّ الحَرْقَ بِالشَّرَرِ وَكُلُ مَنْ لَيْسَ يَنْهِاهُ الحَيَاءُ وَلاَ ... تَقْوَى فَخَفْ كُلَّ قُبْحٍ مِنْهُ وانْتَظِرِ وَالنَّاسُ أخْلاَقُهُمُ شَتَّى وَأَنْفُسُهُمْ ... مِنْهُمْ بَصِيرُ وَمِنْهُمْ مُخْطِئُ النَّظَرِ وَأَصُوْبُ النَّاسِ رَأْياً مَنْ تَصَرُّفُهُ ... فِي مَا بِهِ شَرَفُ الألْبَابِ وَالفِكَرِ وَارْكَنْ إِلى كُلِّ مَنْ فِي وِدِّهِ شَرَفٌ ... مِنْ نَابِهِ القَدْرِ بَيْنَ النَّاسِ مُشْتَهِرِ فَالمَرْءُ يَشْرُفُ بِالأخْيَارِ يَصْحَبُهُمْ ... وَإِنْ يَكُنْ قَبْلُ شيئاً غَيْرَ مُعْتَبَرِ إِنَّ العَقْيِقَ لَيَسُمْوُ عِنْدَ نَاظِرِهِ ... إِذَا بَدَا وَهُوَ مَنْظُومُ مَعَ الدُّرَرِ والمَرْءُ يَخْبُثُ بِالأشْْرَارِ يَألَفُهُمْ ... وَلَوْ غَدَا حَسَنَ الأخلاق وَالسِّيَرِ فَالمَاءُ صَفْوٌ طَهُورٌ فِي أَصَالَتِهِ ... حَتَى يُجَاوِرَهُ شَيْءٌ مِنْ الكَدَرِ فَكُنْ بِصَحْبِ رَسُولِ اللهِ مُقْتَدياً ... فَإنهُمْ لِلّهُدَى كَالأنْجُمِ الزُّهُرِ وَإِنْ عَجَزْتَ عن الحَدِ الَّذِي سَلَكُوا ... فَكُنْ عن الحُبِ فِيهمْ غَيْرَ مُقْتَصِرٍ وَالحَقْ بِقَوْمٍ إِذَا لاَحَتْ وُجُوهُهُمُ ... رَأْيْتَهَا مِنْ سَنَا التَّوْفِيقِ كَالقَمَرِ أضْحَوْا مِنَ السَنَةِ العَلْيَاءِ فِي سَنَنِ ... سَهْلٍ وَقَامُوْا بِحِفْظِ الدِّيْنِ وَالأثَرِ أَجَلُّ شَيْءٍ لَدَيْهِمْ: قَالَ أَخْبَرَنَا ... عن الرَّسُولِ بِمَا قَدْ صَحَّ مِنْ خَبَرِ هَذِي المَكَارِمُ لاَ قَعْبَانِ مِنْ لَبَنِ ... وَلاَ التَّمَتُعَ بِاللَّذَاتِ وَالأشَرِ لاَ شَيْءَ أَحْسَنَ مِنْ: قَالَ لِرَّسُوُل وَمَا ... أَجَلٌّ مِنْ سَنَدٍ عن كُلِّ مُشْتَهِرِ وَمَجْلِسٍ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ جَادَ بِمَا ... حَلاَ مِنَ الدُرِ أَوْ حُلّيٌ مِنَ الدُّرَرِ يَوْمٌ يَمُرُّ وَلم أَرْوِ الْحَدِيثَ بِهِ ... فَلَسْتَ أَحْسِبُ ذَاكَ الْيَوْمَ مِنْ عُمُرِي فَإِنَّ فِي دَرْسِ أَخْبَارِ الرَّسُولِ لَنَا ... تَمَتُّعاً فِي رِيَاضِ الْجَنَةِ الخُضُرِ

стр. 2213

.. تَعَلُلاً إِذْ عَدِمْنَا طِيْبَ رُؤْيَتِهِ ... مَنْ فَاتَهُ العَيْنُ هَدّا الشَوْقَ بِالأثَرِ كَأَنَهُ بَيْنَ ظَهْرِيْنَا نُشَاهِدُهُ ... فِي مَجْلِسِ الدَّرْسِ بِالآصَالِ وَالبُكُرِ زَيْنُ النُبُوَةِ عَيْنُ الرُّسْلِ خَاتِمُهُمْ ... بَعْثاً وَأَوّلُهُمْ فِي سَابِقِ القَدَرِ صَلَى عَلَيْهِ إِلَهُ العَرْشِ ثُمَّ عَلَى ... أشْيَاعِهِ مَا جَرَى طَلِّ عَلَى زَهَرِ مَعَ السَّلامِ دَوَماً والرِّضَا أَبَداً ... عن صَحْبِهِ الأكْرمِيْنَ الأنْجُمِ الزُّهُرِ وعن عَبِيْدِكَ نَحْنُ المُذْنِبِيْنَ فَجُدْ ... بِالأمْنِ مِنْ كُلِّ مَا نَخْشَاهُ مِنْ ضَرَرِ وَتُبْ عَلَى الكُلِّ مِنَا واعْطِنَا كَرَماً ... دُنْيا وأُخْرَى جَمِيْعَ السُؤْلِ وَالوَطَرِ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ محبتك فِي قلوبنا وقوها ووفقنا لشكرك وذكرك وارزقنا التأهب والاستعداد للقائك واجعل ختام صحائفنا كلمة التَّوْحِيد وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. قال ابن رجب ﵀: عَلَى حديث ابن عباس المتضمن لوصية النَّبِيّ ? فإنه تضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور الدين وأجلها حتي قال الإمام أبو الفرج ابن الجوزي فِي كتابه صيد الخاطر: تدبرت هَذَا الْحَدِيث فأدهشني وكدت أطيش ثُمَّ قال فوا أسفاً من الجهل بهَذَا الْحَدِيث وقلة الفهم لمعناه. فقوله ?: " احفظ الله: يحفظك يعني احفظ حدود الله وحقوقه وأوامره ونواهيه، وحفظ ذَلِكَ هُوَ الوقوف عِنْدَ أوامره بالامتثال وعِنْدَ نواهيه بالاجتناب وعِنْدَ حدوده فلا يتجاوز ولا يتعدي ما أمر به إلي ما نهي عنهُ ". ودخل فِي ذَلِكَ فعل الواجبات جميعاً وترك المحرمَاتَ كُلّهَا كما فِي حديث ثعلبة المرفوع: " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمَاتَ فلا تنتهكوها وحد حدوداً فلا تعتدوها ". وَذَلِكَ يدخل فِي حفظ حدود الله كما ذكره الله تعالى فِي قوله: " والحافظون لحدود الله " وَقَالَ تعالى: " هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ، مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنِ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ".

стр. 2214

وفسر الحفيظ هاهنا بالحافظ لأوامر الله وفسر بالحافظ لذنوبه حتي يرجع منها، وكلاهما يدخل فِي الآية. ومن حفظ وصية الله لعباده وامتثلها فهو داخل أيضاً، والكل يرجع إلي معني واحد. وقَدْ ورد فِي بعض ألفاظ حديث يوم المزيد فِي الْجَنَّة، إن الله تعالى يَقُولُ لأَهْل الْجَنَّة إِذَا استدعاهم لزيارته وكشف لهُمْ الحجاب: " مرحباً بعبادي الَّذِينَ حفظوا وصيتي ورعوا عهدي وخافوني بالغيب وكَانُوا مني عَلَى كُلّ حال مشفقين ". فأمره ? لابن عباس أن يحفظ الله يدخل فِيه هَذَا كله. ومن أعظم ما يجب حفظه من المأمورات الصلوات الخمس، قال الله تعالى: " وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ". وَقَالَ ?: " من حافظ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ عِنْدَ الله عهدٌ أن يدخله الْجَنَّة ". وفِي حديث آخر: " من حافظ عليهن كن نوراً وبرهانَاً ونجاةً يوم القيامة " وكَذَلِكَ الطهارة فإنها مفتاح الصَّلاة. وَقَالَ النَّبِيّ ?: " لا يحافظ عَلَى الوضوء إلا مُؤْمِنٌ فإن الْعَبْد تنتفض طهارته ولا يعلم بذَلِكَ إلا الله، فالمحافظة عَلَى الوضوء للصلاة دَلِيل عَلَى ثبوت الإيمان فِي الْقَلْب. ومِمَّا أمر الله بحفظه الإيمان لما ذكره كفارة اليمين قال: " ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكم إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكم ". فإن الإيمان كثيراً ما تقع من النَّاس وموجباتها مختلفة. فتَارة يجب بِهَا كفارة يمين وتَارة يجب فيها كفارة مغلظة وتَارة يلزم بِهَا

стр. 2215

المحلوف عَلَيْهِ من طلاق ونحوه. فمن حفظ أيمانه دل عَلَى دخول الإيمان فِي قَلْبهِ. وكَانَ السَّلَف كثيراً ما يحافظون عَلَى الأيمان فمِنْهُمْ من كَانَ لا يحلف بِاللهِ البتة. وَمِنْهُمْ من كَانَ يتورع حتي يكفر فيما شك فِيه الحنث. ووصي الإمام أَحَمَد ﵀ عِنْدَ موته أن يخرجَ عنهُ كفارة يمين. وَقَالَ أظن أني حنثت فِي يمين حلفتها. وقَدْ روى عن أيوب ﵇: أنه كَانَ إِذَا مر باثنين يحلفان بِاللهِ ذهب فكفر عنهما يمينهما لئلا يأثمان وهما لا يشعران. ولهَذَا لما حلف عَلَى ضرب امرأته مائة جلدة أفتاه الله بالرخصة لحفظه لأيمانه وأيمان غيره. وقَدْ اختلف العِلماء هل تتعدي الرخصة إلي غيره أم لا؟ وَقَالَ يزيد بن حبيب: بلغني أن من حملة العرش من يسيل من عينيه أمثال الأنهار من البُكَاء فإِذَا رفع رأسه قال: سبحانك ما تخشي حق خشيتك فَيَقُولُ الله تعالى: " لكن الَّذِينَ يحلفون باسمي كاذبين لا يعلمون ذَلِكَ " وقَدْ ورد التشديد العَظِيم فِي الحلف الكاذب بِاللهِ. ولا يصدر كثرة الحلف بِاللهِ إلا من الجهل بِاللهِ تعالى وقلة هيبةٍ فِي الصدور. ومِمَّا يلزم المُؤْمِن حفظه رأسه وبطنه كما فِي حديث ابن مسعود ﵁ المرفوع: " الاستحياء من الله حق الحياء أن يحفظ الرأس ما وعي ويحفظ البطن وما حوي " أخرجه الإمام أَحمَدُ والترمذي. وحفظ البطن وما حوى يتضمن حفظ الْقَلْبِ عن الإصرار عَلَى محرم.

стр. 2216

وقَدْ جمَعَ الله ذَلِكَ كله فِي قوله تعالى: " إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلّ أُولئِكَ كَانَ عنهُ مَسْؤُولاً ". ويدخل فِي حفظ البطن وما حوي حفظه من إدخال الحرام إليه من المأكولات والمشروبات. اللَّهُمَّ طهر قلوبنا من النفاق وعملنا منَ الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة وآذَاننا عن الاستماع إلي ما لا يرضيك وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) وَقَالَ ﵀: ومِمَّا يجب حفظه من المنهيات حفظ اللسان والفرج. وفِي حديث أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁: " من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الْجَنَّة " أخرجه الحاكَم، وأخرجه البخاري من حديث سهل بن سعد ﵁ عن النَّبِيّ ? ولفظه: " من يضمن لي ما بين لحييه ورجليه أضمن لَهُ الْجَنَّة ". وفِي مسند الإمام أَحَمَد عن أبي موسي عن النَّبِيّ ? قال: " من حفظ ما بين فقميه وفرجه دخل الْجَنَّة ". وقَدْ أمر الله بحفظ الفرج خاصة ومدح الحافظين قال الله تعالى: " قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ "، وَقَالَ: " والحافظين فروجهم والحافظات " وَقَالَ تعالى: " وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَأنهُمْ فَإنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ " وقَدْ روى عن أبي إدريس الخولاني: أن أول ما وصى الله به آدم عِنْدَ إهباطه إلي الأرض بحفظ فرجه وأن لا يضعه إلا فِي حلال.

стр. 2217

قوله: " بحفظك " يعني: أن من حفظ حدود الله وراعي حقوقه حفظه الله فإن الجزاء من جنس الْعَمَل كما قال تعالى: " وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم " وَقَالَ: " فاذكروني أذكركمْ ". وَقَالَ: " إن تنصروا الله ينصركم ". وحفظ الله تعالى لعبده يتضمن نوعين: أحدهما حفظه لَهُ فِي مصالح دنياه كحفظه فِي بدنه وولده وأهله وماله. وفِي حديث ابن عمرو ﵄ قال: لم يكن رسول الله ? يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: " اللَّهُمَّ إني أسألك العافية فِي الدُّنْيَا والآخرة، اللَّهُمَّ إني أسألك العفو والعافية فِي ديني ودنياي وآخرتي وأهلي ومالي، اللَّهُمَّ استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفِي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ". أخرجه الإمام أَحَمَدُ وَأَبُو دَاود والنسائي وابن ماجة. وهَذَا الدُّعَاء منتزع من قول الله تعالى: " لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ " الآية. قال ابن عباس ﵄: هم الملائكة يحفظونه بأمر الله فإِذَا جَاءَ القدر خلوا عنهُ. وَقَالَ عَلَى ﵁: إن مَعَ كُل رجل ملكين يحفظانه مِمَّا لم يقدر فإِذَا جَاءَ القدر خليا بينه وبينه وإن الأجل جنة حصينة. وَقَالَ مجاهد: ما من عبد إلا لَهُ ملك يحفظه فِي نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام فما من شَيْء يأتيه إلا قال وراءك إلا شيئاً قَدْ أذن الله فِيه فيصيبه. ومن حفظ الله للعبد أن يحفظه فِي صحة بدنه وقوته وعقله وماله. قال بعض السَّلَف: العَالِم لا يحزن، وَقَالَ بَعْضهمْ: مَن حفِظَ القرآنَ

стр. 2218

متع بعقله، وتأول ذَلِكَ بَعْضهمْ عَلَى قوله: (ثُمَّ رددناه أسفل سافلين إلا الَّذِينَ آمنوا وعملوا الصالحات) . وكَانَ الطيب أبو الطبري قَدْ جاوز المائة سنة وَهُوَ ممتع بعقله وقوته فوثب يوماً من سفينة كَانَ فيها إلي الأرض وثبة شديدة فعوتب عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: هذه جوارح حفظناها فِي الصغر فحفظها الله عَلَيْنَا فِي الكبر. وعكس هَذَا أن الجنيد رأي شيخاً يسأل النَّاس فَقَالَ: إن هَذَا ضيع الله فِي صغره فضيعه الله فِي كبره. وقَدْ يحفظ الله الْعَبْد بصلاحه فِي ولده وولد ولده كما قيل فِي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ إنهما حفظا بصلاح أبيهما. وَقَالَ مُحَمَّد بن المنكدر إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وقريته التي هُوَ فيها والدويرات التي حولها فما يزالون فِي حفظ الله وستره. وَاللهُ أَعْلم وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) وَقَالَ ﵀: ومتي كَانَ الْعَبْد منشغلاً بطاعة الله تعالى يحفظه فِي تلك الحال كما فِي مسند الإمام أَحمَد عن حميد بن هلال عن رجل قال: أتيت النَّبِيّ ? فإِذَا هُوَ برَبِّي بيتنا فَقَالَ: " إن امرأة كانت فِيه فخرجت فِي سرية من المُسْلِمِيْنَ وتركت ثنتي عشرة عنزاً وصيصيتها قال: ففقدت عنزاً وصيصيتها كانت تنسج بها. فقَالَتْ: يا رب إنك قَدْ ضمنت لمن خرج فِي سبيلك أن تحفظ عَلَيْهِ ولأني قَدْ فقدت عنزاً من غنمي وصيصيتي وإني أنشدك عنزي وصيصيتي وإني أنشدك عنزي وصيصيتي.

стр. 2219

قال: فجعل رسول الله ? يذكر شدة مناشدتها ربِهَا ﵎. قَالَ رَسُولُ اللهِ ? ": فأصبحت عنزها ومثلها وصيصيتها ومثلها وهاتيك فأتها إن شئت " قال: فقُلْتُ بل أصدقك. وكَانَ بعض السَّلَف بيده الميزان يزن به دراهم فسمَعَ الآذَان فنهض ونفضها عَلَى الأرض وذهب إلي الصَّلاة فَلَمَّا عاد جمعها فلم يذهب منها شيء. ومن أنواع حفظ الله لمن حفظه فِي دنياه أن يحفظه من كُلّ شر كُلّ من يريده بأذي من الجن والإنس كما قال تعالى: (ومن يتق الله يجعل لَهُ مخرجاً) قَالَتْ عَائِشَة ﵂: يكفِيه غم الدُّنْيَا وهمها. وَقَالَ الربيع بن خيثم: يجعل لَهُ مخرجاً من كُل ما ضاق عَلَى الناس. وكتبت عَائِشَة ﵂ إلي معاوية: إن اتقيت الله كفاك الناس. وإن اتقيت النَّاس لم يغنوا عنكَ من الله شيئاً. وكتب بعض الخلفاء إلي عمرو الغفاري كتاباً يأمره فِيه بأمرٍ يخالف كتاب الله، فكتب إليه: إني نظرت فِي كتاب الله فوجدته قبل كتاب أمير الْمُؤْمِنِين وإن السماوات والأرض لَوْ كانتا رتقاً عَلَى امرء فاتقي الله جعل لَهُ مخرجاً والسلام. وأنشد بَعْضهمْ: بتقوي الإلَه نجا من نجا. كتب بعض السَّلَف إلي أخيه: أما بعد فإنه من اتقي الله فقَدْ حفظ نَفْسه ومن ضيع تقواه فقَدْ ضيع نَفْسهُ والله الغني عنه. شِعْراً: ... عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ ... تَجِدْ نَفْعَهَا يَوْمَ الحِسَابِ المُطَوَّلِ ألا إِنَّ تَقْوَى اللهِ خَيْرُ بِضَاعَةٍ ... وَأَفْضَلُ زَادِ الضَّاعِنِ المُتَحَمِلِ آخر: ... وَلاَ خَيْرَ فِي طُوْلِ الحَيَاةِ وعَيْشِهَا ... إِذَا أَنْتَ مِنْهَا بِالتُّقَى لم تُزَوَّدِ

стр. 2220

ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه: أن يجعل الحيوانات المؤذية بِالطَّبْعِ حافظة لَهُ من الأذي وساعية فِي مصالحه كما جري لسفينة مولي النَّبِيّ ? حيث كسر به المركب وخرج إلي جزيرة فرأي السبع فَقَالَ: يا أبا الحارث أَنَا سفينة مولي النَّبِيّ ? فجعل يمشي حوله ويدله عَلَى الطَرِيق حتي أوقفه عَلَيْهَا ثُمَّ جعل يهمهم كأنه يودعه وانصرف عنه. وكَانَ أبو إبراهيم السايح قَدْ مرض فِي برية بقرب دير فَقَالَ لَوْ كنت عِنْدَ باب الدير لنزل الرهبان فعالجوني. فَجَاءَ السبع فاحتمله عَلَى ظهره حتي وضعه عَلَى باب الدير فرآه الرهبان فأسلموا وكَانُوا أربعمائة. وكَانَ إبراهيم بن أدهم نائماً فِي بستان وعنده حية فِي فمها طاقة نرجس فما زالت تذب عنهُ الذباب حتي استيقظ. فمن حفظ الله حفظه من الحيوانات المؤذية بِالطَّبْعِ وجعل تلك الحيوانات حافظة له. ومن ضيع الله ضيعه بين خلقه حتي يدخل عَلَيْهِ الضَّرَر ممن كَانَ يرجو أن ينفعه ويصير أخص أهله به وأرفقهم به يؤذيه. كما قال بَعْضهمْ: إني لأعصي الله فأعرف ذَلِكَ فِي خلق خادمي وحماري. يعني أن خادمه يسوء خلقه عَلَيْهِ ولا يطيعه وحماره يستعصي عَلَيْهِ فلا يواتيه لركوبه. فالْخَيْر كله مجموع فِي طاعة الله والإقبال عَلَيْهِ، والشر كله مجموع فِي معصية الله. شِعْراً: ... إِذَا انْتَسَبَ النَّاسُ كَانَ التَقيُّ ... بِتَقْوَاهُ أَفْضَلَ مَنْ يَنْتَسِبُ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَكْسِبْ بِهِ ... مِنَ الحَظِّ أَفْضَلَ مَا يُكْتَسَبُ وَمَنْ يَتْخِذْ سَبَباً لِلنَّجَاةِ ... فَإِنَّ تُقَى اللهِ خَيْرُ السَّبَبُ اللَّهُمَّ نورقلوبنا بنور الإيمان وثبتها عَلَى قولك فِي الحياة الدُّنْيَا وفِي الآخرة وَاجْعَلْنَا هداة مهتدين وتوفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين يا أكرم

стр. 2221

الأكرمين ويا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) النوع الثاني من الحفظ وَهُوَ أشرفها وأفضلها: حفظ الله تعالى لعبده فِي دينه فيحفظ عَلَيْهِ دينه وإيمانه فِي حَيَاتهُ عن الشبهات المردية والبدع المضلة والشهوات المحرمة ويحفظ عَلَيْهِ دينه عِنْدَ موته فيتوفاه عَلَى الإسلام. قال الحكم بن أبان عِنْدَ أبي مكي: إِذَا حضر الرجل الموت يُقَالُ للملك: شم رأسه، قال: أجد فِي رأسه القرآن، قال: شم قَلْبه، قال: أجد فِي قَلْبه الصيام، قال: شم قدميه، قال: أجد فِي قدميه القيام، قال: حفظ نَفْسه فحفظه الله . أخرجه بن أبي الدنيا. وقَدْ ثَبِّتْ فِي الصحيحين من حديث البراء بن عازب أن النَّبِيّ ? علمه أن يَقُولُ عِنْدَ منامه: "اللَّهُمَّ إن قبضت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين". وفِي حديث عمر عن النَّبِيّ ? أنه علمه أن يَقُولُ: " اللَّهُمَّ احفظني بالإسلام قائماً واحفظني بالإسلام قاعداً واحفظني بالإسلام راقداً ولا تطع فِي عدواً ولا حاسداً " أخرجه ابن حبان فِي صحيحه. وكَانَ النَّبِيّ ? إِذَا ودع من يريد السفر يَقُولُ لَهُ: " استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك ". وفِي رواية وكَانَ يَقُولُ: "إن الله إِذَا استودع شيئاً حفظه " أخرجه النسائي وغيره. وأخرج الطبراني حديثاً مرفوعاً: "إن الْعَبْد إِذَا صلي الصَّلاة عَلَى وجهها صعدت إلي الله ولها برهان كبرهان الشمس وَتَقُول لصاحبِهَا: حفظك الله كما حفظتني، وإِذَا ضيعها لفت كما يلف الثوب الخلق ثم

стр. 2222

يضرب بِهَا وجه صاحبِهَا وَتَقُول: ضيعك الله كما ضيعتني". وكَانَ عمر ﵁ يَقُولُ فِي خطبته: اللَّهُمَّ اعصمنا بحفظك وثبتنا عَلَى أمرك. ودعا رجل لبعض السَّلَف أن يحفظه الله. فَقَالَ: يا أخي لا تسألن عن الحفظ الدنيوي قَدْ يشترك فِيه البر والفاجر، فالله تعالى يحفظ عَلَى المُؤْمِن دينه وبين ما يفسده عَلَيْهِ بأسباب قَدْ لا يشعر بِهَا العبد. وقَدْ يكون ما يكرهه وهَذَا كما حفظ يوسف ﵇ قال تعالى: (كَذَلِكَ لنصرف عنهُ السُّوء والفحشاء) وعصمه الله منها من حيث لا يشعر وحال بينه وبين أسباب المعاصي المهلكة. كما رآي معروف الكرخي شباباً يتهاونون فِي الْخُرُوج إلي القتال فِي فتنة فَقَالَ: اللَّهُمَّ احفظهم فقيل لَهُ: تدعو لهؤلاء؟ فَقَالَ: إن حفظهم لم يخرجوا إلي القتال. وسمَعَ عمرُ رجلاً يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنك تحول بين المرء وقَلْبهُ فحل بيني وبين معاصيك فأعجب عمر ودعا لَهُ بخَيْر: وروي ابن عباس ﵄ فِي قوله تعالى: (يحول بين المرء وقلبه) قال: يحول بين المُؤْمِن وبين المعصية التي تجره إلي النار. حج بعض المتقدمين فبات بمَكَّة مَعَ قوم فهمَّ بمعصية فسمَعَ هاتفاً يهتف يَقُولُ: ويلك ألم تحج فعصمه الله مِمَّا همَّ به. وخرج بَعْضهمْ مَعَ رفقة إلي معصية فَلَمَّا هم بمواقعتها هتف به هاتف: كُلّ نفس بما كسبت رهينة " فتركها. ودخل رجل غيضة ذات شجر فَقَالَ: لَوْ خلوت ها هنا بمعصية من كَانَ يراني؟ فسمِعَ صوتاً ملأ بين حافتي الغيضة: ألا يعلَمُ من خلق وَهُوَ اللطيف الخبير.

стр. 2223

وهم رجل بمعصية فخرج إليها فمر فِي طريقه بقاص عَلَى النَّاس فوقف عَلَى حلقته فسمعه يَقُولُ: أيها الهامُّ بالمعصية أما علمت أن خالق الهمة مطلع عَلَى همتك فوقع مغشياً عَلَيْهِ فما أفاق إلا من توبة. وَمِنْهُمْ من عصم نَفْسهُ بموعظة جرت عَلَى لسان من أراد منه الموافقة عَلَى المعصية كما جري لأحد الثلاثة الَّذِينَ دخلوا الغار وانطبقت عَلَيْهمْ الصخرة، فإنه لما جلس من تلك المرأة مجلس الرجل من امرأته قَالَتْ لَهُ يا عَبْد اللهِ اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقام عنها. وكَذَلِكَ الكفل من بني إسرائيل كَانَ لا يتورع عن معصية فأعجبته امرأة فأعطاها ستين ديناراً فَلَمَّا قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وقَالَتْ: أكرهتك؟ قَالَتْ: لا، ولكن عمل ما عملته قط وإنما حملني عَلَيْهِ الحاجة. فَقَالَ: تخافين الله ولا أخافه ثُمَّ قام عنهَا ووهب لها الدنانير، وَقَالَ: وَاللهِ لا يعصي الله الكفل أبداً ومَاتَ من ليلته فأصبح مكتوباً عَلَى بابه قَدْ غفر الله للكفل. أخرج الإمام أَحَمَد والترمذي حديثه هَذَا من حديث ابن عمر مرفوعاً. وراود رجل امرأة عن نفسها وأمرها بغلق الأبواب فقلعت وقَالَتْ: بقي باب واحد. قال: أي باب؟ قَالَتْ: الْبَاب الَّذِي بيننا وبين الله تعالى فلم يتعرض لها. وراود رجل أعرابية قال: لها ما يرانَا إلا الكواكب. قَالَتْ: فأين مكوكبِهَا وهَذَا كله من ألطاف الله تعالى وحيلولته بين الْعَبْد ومعصيته. قال الحسن وذكر أَهْل المعاصي: هانوا عَلَيْهِ فعصوه ولَوْ عزوا عليه

стр. 2224

فعصمهم، وَقَالَ بشر: ما أصر عَلَى معصية الله كريم ولا آثر الدُّنْيَا عَلَى الآخرة حليم. وَاللهُ أَعْلم وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه وسلم. (فصل) ومن أنواع حفظ الله لعبده فِي دينه: أن الْعَبْد قَدْ يسعي فِي سبب من الدنيا؛ الولايات أو التجارات أو غَيْرَ ذَلِكَ فيحول الله بينه وبين ما أراده لما يعلم لَهُ من الخيرة فِي ذَلِكَ وَهُوَ لا يشعر مَعَ كراهته لذلك. قال ابن مسعود ﵁: إن الْعَبْد ليهم بالأمر من التجارة أو الإمارة فينظر الله إليه فَيَقُولُ للملائكة: اصرفوه عنهُ فإني إن يسرته لَهُ أدخلته النار فيصرفه الله عنهُ فيظِلّ يتطير يَقُولُ: سبقني فلان. دهاني فلان وما هُوَ إلا فضل الله . وأعجب من هَذَا الْعَبْد قَدْ يطلب باباً من أبواب الطاعات ولا يكون فِيه خَيْر لَهُ فيحول الله بينه وبينه صيانة لَهُ، وَهُوَ لا يشعر. وأخرج الطبراني وغيره حديث أنس مرفوعاً، يَقُولُ الله : "إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغني ولَوْ أفقرته لأفسده ذَلِكَ، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولَوْ أغنيته لأفسده ذلك". وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة ولَوْ أسقمته لأفسده ذَلِكَ وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا السقم ولَوْ صححته لأفسده ذلك. وإن من عبادي من يطلب باباً من العبادة فاكفه عنهُ كيلا يدخله العجب. إني أدبر. إني أدبر عبادي بعلمي بما فِي قُلُوبهمْ إني عليم خبير".

стр. 2225

كَانَ بعض المتقدمين يكثر سؤال الشهادة فهتف به هاتف إنك إن غزوت أسرت وإن أسرت تنصرت فكف عن سؤاله وفِي الجملة فمن حفظ حدود الله وراعي حقوقه تولي الله حفظه فِي أمور دينه ودنياه وفِي دنياه وآخرت. وقَدْ أخبر الله تعالى: أنه ولي الْمُؤْمِنِين وأنه يتولي الصالحين وَذَلِكَ يتضمن أنه يتولي مصالحهم فِي الدُّنْيَا والآخرة ولا يكلهم إلي غيره. قال تعالى: (الله ولي الَّذِينَ آمنوا يخرجهم من الظلمَاتَ إلي النور) وَقَالَ تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ وَقَالَ تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ وَقَالَ تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ . فمن قام بحقوق الله فإن الله يتكفل لَهُ بالقيام بجَمِيع مصالحه فِي الدُّنْيَا والآخرة. فمن أراد أن يتولي الله حفظه ورعايته فِي أموره كُلّهَا فليراع حقوق الله عليه. ومن أراد أن لا يصيبه شَيْء مِمَّا يكره فلا يأت شيئاً مِمَّا يكرهه الله. كَانَ بعض السَّلَف يدور عَلَى المجالس وَيَقُولُ: من أحب أن تدوم لَهُ الغاية فليتق الله. وَقَالَ العمري الزاهد لمن طلب منه الوصية: كما تحب أن يكون الله لك فهكَذَا كن لله . وفِي بعض الآثار يَقُولُ الله: (وعزتي وجلالي لا أطلع عَلَى قلب عبد فأعلم أن الغالب عَلَيْهِ حب التمسك بطاعتي إلا توليت سياسته وتقويمه) . وفِي بعض الكتب المتقدمة يَقُولُ الله : (ابن آدم لا تعلمني ما يصلحك ابن آدم اتقني. . . ونم حيث شئت) .

стр. 2226

والمعني: أنك إِذَا قمت بما عَلَيْكَ لله من حقوق التقوي فلا تهتم بعد ذَلِكَ بصالحك فإن الله هُوَ أعلم بِهَا منك وَهُوَ يوصلها إليك عَلَى أتم الوجوه من غَيْرَ اهتمام منك بها. وفِي حديث جابر ﵁ أن النَّبِيّ ? قال: "من كَانَ يحب أن يعلم منزلته عِنْدَ الله فلينظر كيف منزلة الله عنده فإن الله ينزل الْعَبْد منه حيث أنزله من نفسه ". فهَذَا يدل عَلَى أنه عَلَى قدر اهتمام الْعَبْد بحقوق الله وبأداء حقوقه مراعاة حقوقه ومراعاة حدوده واعتنائه بذَلِكَ وحفظه لَهُ يكون اعتناؤه به وحفظه له. فمن كَانَ غاية همه ﵁ وطلب قربه ومعرفته ومحبته وخدمته فإن الله يكون لَهُ عَلَى حسب ذَلِكَ كما قال تعالى: (فاذكروني أذكركم "، " وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم) بل هُوَ سُبْحَانَهُ أكرم الاكرمين فهو يجازي بالحسنة عشراً ويزيد. ومن تقرب منه شبراً تقرب منه ذراعاً، ومن تقرب من ذراعاً تقرب منه باعاً ومن أتاه يمشي أتاه هرولة. ما يؤتي الإنسان إلا من قبل نَفْسه ولا يصيبه المكروه إلا من تفريطه فِي حق ربه . قال عَلَي ﵁: لا يرجوَنَّ عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه. قال بَعْضهمْ: من صفِي صفِي له، ومن خلط خلط عليه. وَقَالَ مسروق: من راقب الله فِي خطرت قَلْبهُ عصمه الله فِي حركات جوارحه وبسط له. هَذَا المعني يطول جداً. وفيما أشرنا إليه كفاية ولله الحمد والمنة. شِعْراً: ... إِذَا صَدَرَتْ مِنْكَ الذُّنُوْبُ فَدَاوِهَا ... بِرَفْعِ يَدِ فِي اللَّيْلِ واللَّيِلُ مُظْلِمُ وَلاَ تَقْنَطَنْ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَمَّا ... قُنُوْطُكَ مِنْهَا مِنْ خَطَايَاكَ أَعْظَمُ فَرَحْمَتُهُ لِلْمُحْسِنِيْنَ كَرَامَةٌ ... وَرَحْمَتُهُ لِلْمُذْنِبِيْنَ تَكَرُّمُ

стр. 2227

اللَّهُمَّ ثبتنا عَلَى قولك الثابت فِي الحياة وبعدها، وَاجْعَلْنَا مِنْ عبادك المفلحين الَّذِينَ نورت قُلُوبهمْ بمعرفتك، وأهلتهم لخدمتك، وحرستهم من عَدُوّكَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) وقوله ? تجده أمامك وفِي رواية أخري تجاهك معناه: أن من حفظ حدود الله راعي حقوقه وَجَدَ الله معه فِي جَمِيع الأحوال يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويؤيده ويسدده فأنه قائم عَلَى كُلّ نفس بما كسبت. وهو تعالى ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ قال قتادة: ومن يتق الله ومن يتق الله يكن معه. ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب والحارس الَّذِي لا ينام والهادي الَّذِي لا يضل. كتب بعض السَّلَف إلي أخ لَهُ أما بعد: إن كَانَ الله معك فمن تخاف وإن كَانَ عَلَيْكَ فمن ترجو والسلام. وهذه المعية الخاصة بالمتقين غَيْرُ المعية العامة المذكورة فِي قوله تعالى: (وهو معكم أينما كنتم) وقوله: ﴿وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ . فإن المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والاعانة، كما قال تعالى لموسي ﵇ وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ . وكَانَ النَّبِيّ ? قَدْ قال لأبي بكر الصديق ﵁ فِي تلك الحال: " ما ظنك باثنين الله ثالثهما ".

стр. 2228

فهَذَا غَيْرُ المعني المذكور فِي قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ فإن ذَلِكَ عام لكل جماعة. ومن هَذَا المعني الْخَاص الْحَدِيث الالهي وقوله فِيه: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتي أحبه فإِذَا أحببته كنت سمعه الَّذِي يسمَعَ به وبصره الَّذِي يبصر به ويده التي يبطش بِهَا ورجله التي يمشي بها " إلي غَيْرَ ذَلِكَ من نصوص اْلكِتَاب والسنة الدالة عَلَى قرب الرب سُبْحَانَهُ ممن أطاعه واتقاه وحفظ حدوده وراعاه. دخل بنان الحمال البرية عَلَى طَرِيق تبوك فاستوحش فهتف به هاتف: لم تستوحش؟ ألَيْسَ حبيبك معك؟ فمن حفظ الله وراعي حقوقه وجده أمامه وتجاهه عَلَى كُلّ حال فليستأنس به وليستغن به عن خلقه. وفِي الْحَدِيث: " أفضل الإيمان أن يعلم الْعَبْد أن الله معه حيث كان " أخرجه الطبراني وغيره وبسط هَذَا القول يطول جداً. كَانَ بعض العِلماء الربانيين كثير السفر وحده فخرج النَّاس مرة معه يودعونه فردهم. اللَّهُمَّ يا من خلق الإنسان فِي أحسن تقويم وبقدرته التي لا يعجزها شَيْء يحيي العظام وهي رميم. نسألك أن تهدينا إلي صراطك المستقيم صراط الَّذِينَ أنعمت عَلَيْهمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأن تغفر لنا ولوالدينا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ الاحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2229

(فَصْلٌ) وَقَالَ ﵀ عَلَى قوله ?: "تعرف إلي الله فِي الرخاء يعرفك فِي الشدة ": المعني: أن الْعَبْد إِذَا اتقي الله وكَانَ بينه وبينه معرفة فعرفه ربه فِي الشدة وعرفه عمله فِي الرخاء فنجاه من الشدائد بتلك المعرفة. وهذه أيضاً معرفة خاصة تقتضي القرب من الله ومحبته لعبده وإجابته لدعائه ولَيْسَ المراد بِهَا المعرفة العامة، فإن الله لا يخفِي عَلَيْهِ حال أحد من خلقه كما قال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ وَقَالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ﴾ . وهَذَا التعرف الْخَاص هُوَ المشار إليه فِي الْحَدِيث الإلهي: " لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتي أحبه" إلي أن قال: "ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ". اجتمَعَ الفضيل بشعوانة العابدة فسألها الدُّعَاء، فقَالَتْ: يا فضيل وما بينك وبينه، إن دعوته أجابك. فشهق الفضيل شهقة خر مغشياً عليه. وَقَالَ أبو جعفر السائح: أتي الحسن إلي حبيب أبي مُحَمَّد هارباً من الحجاج فَقَالَ: يا أبا مُحَمَّد احفظني من الشرط هم عَلَى أثري. فَقَالَ: يا أبا سعيد ألَيْسَ بينك وبينه من الثِّقَة ما تدعوه فيسترك من هؤلاء، ادخل البيت، فدخل الشرط عَلَى أثره فلم يروه فذكروا ذَلِكَ للحجاج فَقَالَ: بل كَانَ فِي بيته إلا أن طمس عَلَى أعينهم فلم يروه.

стр. 2230

ومتي حصل هَذَا التعرف الْخَاص للعبد معرفة خاصة بربه توجب لَهُ الإنس به والحياء منه. وهذه معرفة خاصة غَيْر معرفة الْمُؤْمِنِين العامة. ومدار العارفين كلهم عَلَى هذه المعرفة وهَذَا التعرف وإشاراتهم تومئ إلي هذا. سمَعَ أبو سليمان رجلاً يَقُولُ: سهرت البارحة فِي ذكر النساء. فَقَالَ: ويحك أما تستحي منه يراك ساهراً فِي ذكَر غيره؟ ولكن كيف تستحي ممن لا تعرف؟ وَقَالَ أَحَمَد بن عاصم الأنطاكي: أحب أن لا أموت حتي أعرف مولاي. ولَيْسَ معرفته الإقرار به، ولكن المعرفة الَّذِي إِذَا عرفته استحييت منه. وهذه المعرفة الخاصة والتعرف الْخَاص توجب طمأنينة الْعَبْد بربه وثقته به فِي إنجائه من كُلّ شدة وكرب وتوجب استجابة الرب دعاء عبده. لما اختفِي الحسن البصري من الحجاج قيل لَهُ: لَوْ خرجت فإنَا نخاف أن يدل عليك. فبكي ثُمَّ قال: أخرج من مصري وأهلي وإخواني، إن معرفتي برَبِّي ونعمه عَلَى أن سينجيني منه إن شَاءَ الله تعالى. فما ضره الحجاج بشَيْء، ولَقَدْ كَانَ يكرمه بعد ذَلِكَ إكراماً شديداً. وَقَالَ رجل لمعروف: هيجك عَلَى الانقطاع والعبادة ذكر الموت والبرزخ والْجَنَّة والنار؟ فَقَالَ معروف: أي شَيْء هَذَا إن ملكاً هَذَا كله بيده إن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جَمِيع هذا. وَاللهُ أَعْلم. وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه وسلم.

стр. 2231

(فَصْلٌ) ومِمَّا يبين هَذَا ويوضحه الْحَدِيث الَّذِي أخرجه الترمذي من حديث أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ عن النَّبِيّ ?: "من سره أن يستجيب لَهُ عِنْدَ الشدائد فليكثر الدُّعَاء فِي الرخاء ". وخرج ابن أبي الدُّنْيَا وابن أبي حَاتِم وابن جرير وغيرهم من حديث يزيد الرقاشي عن أنس يرفعه: " إن يونس ﵇ لما دعي فِي بطن الحوت قَالَتْ الملائكة: يا رب هَذَا صوت معروف فِي بلاد غريبة؟ فَقَالَ الله: أما تعرفون ذلك؟ قَالُوا: ومن هو؟ قال: عبدي يونس. قَالُوا: عبدك يونس الَّذِي لم يزل يرفع عملاً متقبلاً ودعوة مستجابة؟ قال: نعم. قَالُوا: يا رب أفلا ترحم ما كَانَ يصنع فِي الرخاء فتنجيه به فِي البلاء؟ قال: بلي فأمر الله الحوت فطرحه بالعراء. وَقَالَ الضحاك بن قيس: اذكروا الله فِي الرخاء يذكركم فِي الشدة. إن يونس ﵇ كَانَ يذكر الله فَلَمَّا وقع فِي بطن الحوت قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . وإن فرعون كَانَ طاغياً ناسياً لذكر الله فَلَمَّا أدركه الغرق قال: آمنت. فَقَالَ الله تعالى: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ . وَقَالَ رشدين بن سعد: قال رجل لأبي الدرداء ﵁: أوصني، فَقَالَ: اذكر الله فِي السراء يذكرك فِي الضراء فإن الْعَبْد إِذَا ذكر فِي السراء فنزلت به ضراء فدعا الله قَالَتْ الملائكة: صوت معروف فشفعوا له.

стр. 2232

وإِذَا كَانَ لَيْسَ بدعاء فِي السراء فنزلت به ضراء فدعا الله قَالَتْ الملائكة صوت لَيْسَ بمعروف فلا يشفعون له. وحديث الثلاثة الَّذِينَ دخلوا الغار وانطبقت عَلَيْهمْ الصخرة يشهد لهَذَا أيضاً. فإن الله فرج عنهم بدعائهم بما كَانَ سبق مِنْهُمْ من الأعمال الصَّالِحَة الْخَالِصَة فِي حال الرخاء من بر الوالدين وترك الفجور وأداء الامانة الخفية. فإِذَا علم: أن التعرف إلي الله فِي الرخاء يوجب نعرفة الله لعبده فِي الشدة فلا شدة يلقاها الْعَبْد فِي الدُّنْيَا أعظم من شدة الموت وهي أَهْوَن مِمَّا بعدها إن لم يكن مصير الْعَبْد إلي خير. وإن كَانَ مصيره إلي خَيْر فهي آخر شدة يلقاها. فالواجب عَلَى الْعَبْد: الاستعداد للموت قبل نزوله، بالأعمال الصَّالِحَة والمبادرة إلي ذَلِكَ فإنه لا يدري المرء متي تنزل به هذه الشدة من ليل أو نهار. وذكر الأعمال الصَّالِحَة والمبادرة إلي ذَلِكَ فإنه لا يدري المرء متي تنزل به هذه الشدة من ليل أو نهار. وذكر الأعمال الصَّالِحَة عِنْدَ الموت مِمَّا يحسن ظن المُؤْمِن بربه ويهون عَلَيْهِ شدة الموت ويقوي رجاءه. قال بَعْضهمْ: يستحبون أن يكون للمرء خيبة من عمل صالح ليكون أَهْوَن عَلَيْهِ عِنْدَ نزول الموت أو كما قال. وكَانُوا يستحبون أن يموت الرجل عقب طاعة عملها من حج أو جهاد أو صيام. وَقَالَ النخعي: كَانُوا يستحبون أن يكون للمرء خيبة من عمل صالح ليكون أَهْوَن عَلَيْهِ عِنْدَ نزول الموت أو كما قال. وكَانُوا يستحبون أن يموت الرجل عقب طاعة عملها من حج أو جهاد أو صيام. وَقَالَ النخعي: كَانُوا يستحبون أن يلقنوا الْعَبْد محاسن عمله عِنْدَ موته لكي يحسن ظنه بربه. قال أبو عبد الرحمن السلمي فِي مرضه: كيف لا أرجو رَبِّي وقَدْ صمت لَهُ ثمانين رمضان. ولما احتضر أبو بكر ابن عياش وبكوا عَلَيْهِ قال: لا تبكوا

стр. 2233

فإني ختمت القرآن فِي هذه الزاوية ثلاثة عشر ألف ختمة. وروي أنه قال لابنه: أتري إن الله يضيع لأبيك أربعين سنة يختم كُل ليلة. وَقَالَ بعض السَّلَف لابنه عِنْدَ موته ورآه يبكي قال: لا تبكي فما أوتي أبوك قط. وختم آدم بن أبي إياس القرآن وَهُوَ مسجي للموت ثُمَّ قال: بحبي لك إلا رفقت بي فِيه ذَا المصرع؟ كنت أؤملك لهَذَا كنت أرجوك لهَذَا لا إله إلا الله، ثُمَّ قضي ﵀. وكَانَ عبد الصمد الزاهد يَقُولُ عِنْدَ موته: سيدي لهَذَا الساعة خبأتك حقق حسن ظني بك. وَقَالَ ابن عقيل عِنْدَ موته وقَدْ بكي النسوة: قَدْ وقفت منه خمسين سنة فدعوني أتهنأ بلقائه. ولما هجم القرامطة عَلَى الحجاج وقتلوهم فِي الطواف وكَانَ عَلَى بن باكوية الصوفِي يطوف فلم يقطع الطواف والسيوف تأخذه حتي وقع. تضرعٌ إلي فاطر السموات والأرض وثناء عليه يَا مَنْ عَلَيْهِ مَدَى الأيامِ مُعْتَمَدِي ... إِلَيْكَ وَجَّهْتُ وَجْهِي لاَ إِلى أَحْدِ يِا مَالِكَ المُلْكِ يَا مُعْطِيَ الجَزِيْلَ لِمَنْ ... يَرْجُوْ نَدَاهُ بِلاَ مَنٍ وَلاَ نَكَدِ مَا لِي سِوْاكَ وَمَا لِي غَيْرَ بَابِكَ يَا ... مَوْلاَيَ فَامْحُ بِعَفْوٍ مَا جَنَتْْهُ يَدِي وانْعِمْ وأَمْطِر عَلَيْنَا رَحْمَةً فَلَنَا ... عَوُائِدٌ مِنْكَ بِالإحْسَانِ وَالْمَدَدِ وانْظُرْ إِليْنَا فَكم أَوْلَيْتَنَا نِعَماً ... مَا أَنْ تَمُرُّ عَلَى بَالٍ وَلاَ خَلِدِ يَا مَنْ يُجْيِبُ دُعَائِيْ عِنْدَ مَسْأَلَتِي ... وَمَنْ عَلَيْهِ وَإِنْ أَخَطَأتُ مُعْتَمَدِي وَاللهُ أَعْلم. وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم.

стр. 2234

(فَصْلٌ) وَقَالَ ﵀: فمن أطاع الله واتقاه فِي حَيَاتهُ تولاه الله عِنْدَ وفاته عَلَى الإيمان وثبته بالقول الثابت فِي القبر عِنْدَ سؤال الملكين ودفع عنهُ عذاب القبر وآنس وحشته فِي تلك الوحدة والظلمة. قال بعض السَّلَف: إِذَا كَانَ الله معك عِنْدَ دخول القبر فلا بأس عَلَيْكَ ولا وحشة. ورؤي بعض الصالحين فِي النوم بعد موته فسئل عن حاله فَقَالَ: يؤنسني رَبِّي فمن كَانَ الله أنيسه فِي ظلمَاتَ اللحود إِذَا فارق الدُّنْيَا وتخلي عنها. وفِيه ذَا يَقُولُ بَعْضهمْ: فَيَا رَبُّ كُنْ لِي مُؤْنِساً يَوْمَ وَحْشَتِي ... فإني بما أنزلته لمصدق وَمَا ضَرَّنِي أَنِي إِلى اللهِ صَائِرٌ ... وَمَنْ هُوَ مِنَ أَهْلِي أَبَرُ وَأَشْفَقُ وكَذَلِكَ أهوال القيامة وأفزاعها وشدائدها إِذَا تولي الله عبده المطيع لَهُ فِي الدُّنْيَا أنجاه من ذَلِكَ كله. قال قتادة فِي قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ . قال: (من الكرب عِنْدَ الموت ومن أفزاع يوم القيامة) . وَقَالَ عَلَى بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ فِي هذه الآية: ينجيه من كُلّ كرب فِي الدُّنْيَا والآخرة. وَقَالَ زيد بن أسلم فِي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ . قال: يبشر فِي ذَلِكَ عِنْدَ موته وفِي قبره ويوم البعث فإنه لفِي الْجَنَّة، وما ذهبت فرحة البشارة من قلبه. وَقَالَ ثابت البناني فِي هذه الآية: بلغنا أن المُؤْمِن يبعثه الله من قبره يتلقاه الملكَانَ اللذان كانَا معه فِي الدُّنْيَا فيقولان لَهُ لا تخف ولا تحزن فيؤمن الله خوفه ويقر عينه.

стр. 2235

فما من عظيمة تغشي النَّاس يوم القيامة إلا وهي للمُؤْمِن قرة عين لما هداه الله ولما كَانَ يعمل فِي الدنيا. خرج ذَلِكَ كله ابْن أَبِي حَاتِم وغيره. وأما من لم يتعرف إلي الله فِي الرخاء فلَيْسَ لَهُ أن يعرفه فِي الشدة لا فِي الدُّنْيَا ولا فِي الآخرة، وشواهد هَذَا مشاهدة حالهم فِي الدُّنْيَا وحالهم فِي الآخرة أشد وما لهُمْ من ولي ولا نصير. قوله ?: "إِذَا سألت فاسأل الله" أمر بإفراد الله تعالى بالسؤال ونهي عن غيره من الخلق. وقَدْ أمر بسؤاله فَقَالَ: ﴿وَاسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ﴾ . وفِي الترمذي عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاًَ: " من لا يسأل الله يغضب عليه ". وفِيهِ أيضاً عن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁: " اسألوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل". وفِيهِ أيضاً: "إن الله يحب الملحين فِي الدعاء ". وفِي حديث آخر: " ليسأل أحدكم حاجته كلها حتي يسأل شسع نعله إِذَا انقطع ". وفِي هذَا المعني أحاديث كثيرة. وفِي النهي عن سؤال الخلق أحاديث كثيرة صحيحة. وفِي حديث ابن مسعود وابن عمر ﵄ مرفوعاً: " لا يزال الْعَبْد يسأل وَهُوَ غني حتي يخلق وجهه فلا يكون لَهُ عِنْدَ الله وجه ". وقَدْ بايع النَّبِيّ ? جماعة من الصحابة عَلَى أن لا يسألوا النَّاس شيئاً مِنْهُمْ الصديق ﵁ وأبو ذر وثوبان.

стр. 2236

وكَانَ أحدهم يسقط سوطه وخطام ناقته فلا يسأل أَحَداً أن يناوله إياه ﵃. واعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هُوَ المتعين عقلاً وشرعاً. وَذَلِكَ من وجوه متعددة منها أن السؤال فِيهِ بذل لماء الوجه وذل للسائل وَذَلِكَ لا يصلح إلا لله وحده. فلا يصلح الذل إلا لله بالعبادة والمسألة وَذَلِكَ من غاية المحبة الصادقة. سئل يوسف بن الحسين: ما بال المحبين يتلذذون بذلهم فِي المحبة فأنشد: ذُلَّ الفَتَى فِي الحُبِ مَكْرُمَةٌ ... وَخُضُوعُهُ لِحَبِيْبِهِ شَرَفُ وهَذَا الذل وهذه المحبة لا تصلح إلا لله وحده وهذه حَقِيقَة العبادة التي يختص بِهَا الإله الحق. كَانَ الإمام أَحمَدُ ﵀ يَقُولُ فِي دعائه: اللَّهُمَّ كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك. وَقَالَ أبو الحسين الأقطع: كنت بمَكَّة سنة فأصابتني فاقة وضرر فكنت كُلَّما أردت أن أخرج إلي المسألة هتف بي هاتف يَقُولُ: الوجه الَّذِي تسجد لي به تبذله لغيري. انتهي كلامه رَحِمَهُ اللهُ تعالى. وَاللهُ أَعْلم وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم. (فَصْلٌ) وَقَالَ ابن القيم ﵀: للعبد ستر بينه وبين الله وستر بينه وبين النَّاس فمن هتك الستر

стр. 2237

الَّذِي بينه وبين الله هتك الله الستر الَّذِي بينه وبين الناس. للعبد رب هُوَ ملاقيه، وبيت هُوَ ساكنه، فينبغي لَهُ أن يسترضي ربه قبل لقائه، ويعمر بيته قبل انتقاله إليه. إضاعة الوَقْت أشد من الموت، لأن إضاعة الوَقْت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدُّنْيَا وأهلها. الدُّنْيَا من أولها إلي آخرها لا تساوي غم ساعة فَكَيْفَ بغم العمر كله. محبوب الْيَوْم يعقب المكروه غداً، ومكروه الْيَوْم يعقب المحبوب غداً. أعظم الرِّبْح فِي الدُّنْيَا: أن تشغل نفسك كُلّ وَقْت بما هُوَ أولي بِهَا وأنفع لها فِي معادها. كيف يكون عاقلاً من باع الْجَنَّة بما فيها بشهوة ساعة. المخلوق إِذَا خفته استوحشت منه وهربت منه والرب تعالى إِذَا خفته أنست به وقربت إليه. لَوْ نفع العلم بلا عمل لما ذم الله سُبْحَانَهُ أحبار أَهْل اْلكِتَاب، ولَوْ نفع الْعَمَل بلا إخلاص لما ذم المنافقين. إِذَا جري عَلَى الْعَبْد مقدور يكرهه فله فِيهِ ست مشاهد: أحدها: مشهد التَّوْحِيد وأن الله هُوَ الَّذِي قدره وشاءه وخلقه وما شَاءَ الله كَانَ وما لم يشأ لم يكن. الثاني: مشهد العدل وأنه ماض فِيهِ حكمه عدل فِيهِ قضاؤه. الثالث: مشهد الرحمة وإن رحمته فِيه ذَا المقدور غالبة لغضبة وانتقامه ورحمته وعفوه.

стр. 2238

الرابع: مشهد الحكمة وإن حكمته سُبْحَانَهُ اقتضت ذَلِكَ لم يقدره سدي ولا قضاه عبثاً. الخامس: مشهد الحمد وأن لَهُ سُبْحَانَهُ الحمد التام عَلَى ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ وجوهه. السادس: مشهد العبودية وأنه محض من كُلّ وجه تجري عَلَيْهِ أحكام سيده وأقضيته بحكم كونه ملكه وعبده فيصرفه تحت أحكامه القدرية كما يصرفه تحت أحكامه الدينية فهو محل لجريان هذه الأحكام عليه. الاجتماع بالإخْوَان قسمان: أحدهما: اجتماع عَلَى مؤانسة الطبع وشغل الوَقْت، فهَذَا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فِيهِ أنه يفسد الْقَلْب ويضيع الوقت. الثاني: الاجتماع بِهُمْ عَلَى التعاون عَلَى أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر، فهَذَا من أعظم الغنيمة وأنفعها. ولكن فِيهِ ثلاث آفات: إحداها: تزين بَعْضهمْ لبعض. الثَّانِيَة: الكلام والخلطة أكثر من الحاجة. الثالثة: أن يصير ذَلِكَ شهوة وعادة ينقطع بِهَا عن المقصود. وبالجملة: فالاجتماع والخلطة لقاح، إما للنفس الأمارة، وإما للقلب والنفس المطمئنة والنتيجة مستفادة من اللقاح فمن طاب لقاحه طابت ثمرته. وهذه الأرواح الطيبة لقاحها من الملك والخبيثة لقاحها من الشيطان

стр. 2239

وقَدْ جعل الله سُبْحَانَهُ بحكمته الطيبات للطيبين والطيبين والطيبين للطيبات وعكس ذلك. بين الْعَبْد وبين الله والْجَنَّة قنطرة تقطع بخطوتين خطوة عن نَفْسه، وخطوة عن الخلق فيسقط نَفْسه ويلغيها فيما بينه وبين النَّاس ويسقط النَّاس ويلغيهم فيما بينه وبين الله؛ فلا يلتفت إلا إلي الله من دله عَلَى الله وعَلَى الطَرِيق الموصلة إليه. من عرف نَفْسه اشتغل بإصلاحها عن عيوب الناس. من عرف ربه اشتغل به عن هوي نفسه. أنفع الْعَمَل أن تغيب فِيه عن النَّاس بالإخلاص وعن نفسك بشهود المنة فلا تري فِيه نفسك ولا تري الخلق. دخل النَّاس النار من ثلاثة أبواب: باب شبهة أورثت شكاً فِي دين الله، وباب شهوة أورثت تقديم الهَوَى عَلَى طاعته ومرضاته، وباب غضب أورث العدوان عَلَى خلقه. أصول الخطايا كُلّهَا ثلاثة: الكبر، وَهُوَ الَّذِي أصار إبلَيْس إلي ما أصاره والحرص، وَهُوَ الَّذِي أخرج آدم من الجنة. والحسد، وَهُوَ الَّذِي جرأ أحد ابني آدم عَلَى أخيه. فمن وقي شر هذه الثلاثة فقَدْ وقي الشر، فالكفر من الكبر، والمعاصي من الحرص، والبغي والظلم من الحسد. جمَعَ النَّبِيّ ? فِي قوله: "فاتقوا الله وأجملوا فِي الطلب" بين مصالح الدُّنْيَا والآخرة. فالآخرة ونعيمها ولذاتها، إنما تنال بتقوي الله وراحة القلب

стр. 2240

والبدن وترك الاهتمام والحرص الشديد والتعب والعناء والكد والشقاء فِي طلب الدُّنْيَا، إنما ينال بالإجمال فِي الطلب. فمن اتقي الله فاز بلذة الآخرة ونعيمها، ومن أجمل فِي الطلب استراح من نكد الدُّنْيَا وهمومها، فالله المستعان: قَدْ نَادَتِ الدُّنْيَا عَلَى نَفْسِهَا ... لَوْ كَانَ فِي ذَي الخُلُقِ مَنْ يَسْمَعُ كم وَاثِقٍ بِالعَيْشِ أَهْلَكَتْهُ ... وَجَامِعٍ فَرَقَتْ مَا يَجْمَعُ سر التوكل عَلَى الله وحقيقته: هُوَ اعتماد الْقَلْب عَلَى الله وحده، فلا يضر مباشرة الأسباب مَعَ خلَوْ الْقَلْب من الاعتماد عَلَيْهَا والركون إليها، كما لا ينفعه قوله: توكلت عَلَى الله، مَعَ اعتماده عَلَى غيره وركونه إليه وثقته به. فتوكل اللسان شَيْء، وتوكل الْقَلْب شيء. كما أن توبة اللسان مَعَ إصرار الْقَلْب مَعَ اعتماده عَلَى غيره وركونه إليه وثقته به. فتوكل اللسان شَيْء، وتوكل الْقَلْب شيء. كما أن توبة اللسان مَعَ إصرار الْقَلْب مَعَ اعتماد قَلْبهُ عَلَى غيره، مثل قوله: تبت إلي الله وَهُوَ مصر عَلَى معصيته مرتكب لها. اتباع الهَوَى وطول الأمل، مادة كُلّ فساد، فإن اتباع الهَوَى يعمي عن الحق معرفة وقصداً، وطول الأمل ينسي الآخرة ويصد عن الاستعداد لها. إِذَا أراد الله بعبد خيراً جعله معترفاً بذنبه، ممسكاً عن ذنب غيره، جواداً بما عنده، محتملاً لأذي غيره، وإن أراد به شراً عكس ذَلِكَ عليه. العقول المقيدة بالتَّوْفِيق، تري أن ما جَاءَ به الرَّسُول ? هُوَ الحق الموافق للعقل والحكمة.

стр. 2241

والعقول المضروبة بالخذلان، تري المعارضة بين العقل والنقل وبين الحكمة والشرع. أقرب الوسائل إلي الله، ملازمة السنة والوقوف معها فِي الظاهر والباطن ودوام الافتقار إلي الله، وإرادة وجهه وحده بالأقوال والأفعال. وما وصل أحد إلي الله إلا من هذه الثلاثة، وما انقطع عنهُ أحد إلا بانقطاعه عنهَا أو عن أحدها. الأصول التي انبني عَلَيْهَا سعادة الْعَبْد ثلاثة، ولكل واحد منها ضد، فمن فقَدْ ذَلِكَ الأصل حصل عَلَى ضده، التَّوْحِيد وضده الشرك، والسنة وضدها البدعة، والطاعة وضدها المعصية. ولهذه الثلاثة ضد واحد وَهُوَ: خلَوُ الْقَلْب من الرغبة فِي الله وفيما عنده، ومن الرهبة منه وما عنده. إِذَا استغني النَّاس بالدُّنْيَا، فاستغن أَنْتَ بِاللهِ، وإِذَا فرحوا بالدُّنْيَا فافرح أَنْتَ بِاللهِ، وإِذَا أنسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله. وإِذَا تعرفوا إلي ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بِهُمْ العزة والرفعة، فتعرف أَنْتَ إلي الله وتودد إليه، تنل بذَلِكَ غاية العز والرفعة. قال بعض الزهاد: ما علمت أن أَحَدا سمَعَ بالْجَنَّة والنار تأتي عَلَيْهِ ساعة لا يطيع الله فيها بذكر أو صلاة أو قراءة أو إحسان. فَقَالَ لَهُ رجل إني أكثر البُكَاء فَقَالَ: إنك إن تضحك وأَنْتَ مقر بخطيئتك خَيْر من أن تبكي وأَنْتَ مدل بعملك، وأن المدل لا يصعد عمله فوق رأسه. فَقَالَ: أوصني فَقَالَ: دع الدُّنْيَا لأهلها كما تركوا هم الآخرة لأهلها، وكن فِي الدُّنْيَا كالنحلة، إن أكلت أكلت طيباً، وإن أطعمت أطعمت طيباً، وإن سقطت عَلَى شَيْء لم تكسره ولم تخدشه.

стр. 2242

النعم ثلاثة: نعمة حاصلة يعلم بِهَا الْعَبْد، ونعمة منتظرة يرجوها، ونعمة هُوَ فيها لا يشعر بها. فإِذَا أراد إتمام نعمته عَلَى عبده، عرفه نعمته الحاضرة، وأعطاه من شكره قيداً يقيدها به حتي لا تشرد فإنها تشرد بالمعصية وتبقي بالشكر، ووفقه لعمل يستجلب به النعمة المنتظرة، وبصره بالطرق التي تسدد وتقطع طريقها، ووفقه لاجتنابِهَا، وإِذَا بِهَا قَدْ وافقته إليه عَلَى أتم الوجوه، وعرفه النعم التي هُوَ فيها ولا يشعر بها. ويحكي أن أعرابياً دخل عَلَى الرشيد فَقَالَ: أمير الْمُؤْمِنِين ثَبِّتْ الله عَلَيْكَ النعم التي أَنْتَ فيها بإدامة شكرها، وحقق لك النعم التي ترجوها بحسن الظن به ودوام طاعته، وعرفك النعم التي أَنْتَ فيها ولا تعرفها لتشكرها، فأعجبه ذَلِكَ منه وَقَالَ: ما أحسن تقسيمه. قال شقيق بن إبراهيم: أغلق باب التَّوْفِيق عن الخلق من ستة أشياء: اشتغالهم بالنعمة عن شكرها، ورغبتهم فِي العلم وتركهم العمل والمسارعة إلي الذنب وتأخَيْر التوبة، والاغترار بصحبة الصالحين وترك الاقتداء بأفعالهم، وإدبار الدُّنْيَا عنهم وهم يتبعونها، وإقبال الآخرة عَلَيْهمْ وهم معرضون عنها. قُلْتُ: وأصل ذَلِكَ: عدم الرغبة والرهبة، وأصله ضعف اليقين، وأصله ضعف البصيرة، وأصله مهانة النفس ودناءتها، واستبدال الَّذِي هُوَ أدني بالَّذِي هُوَ خير. النَّاس مُنْذُ خلقوا لم يزالوا مسافرين، ولَيْسَ لّهُمْ حط من رحالهم إلا فِي الْجَنَّة أو النار، والعاقل يعلم أن السفر مبني عَلَى المشقة وركوب الأخطار، ومن المحال عادة أن يطلب فِيه نعيم ولذة وراحة، إنما ذَلِكَ بعد انتهاء السفر.

стр. 2243

ومن المعلوم أن كُلّ وطأة قدم، أو كُلّ من آنات السفر غَيْر واقفة، ولا المكلف واقف، وقَدْ ثَبِّتْ أنه سافر عَلَى الحال التي يجب أن يكون المسافر عَلَيْهَا من نهيئة الزَادَ الموصل، وإِذَا نزل أو نام أو استراح، فعَلَى قدم الاستعداد للسير. لله عَلَى الْعَبْد فِي كُلّ عضو من أعضائه أمر، وله عَلَيْهِ فِيه نهي، وله فِيه نعمة، وله فِيه منفعة ولذة، فإن قام فِي ذَلِكَ العضو بأمره واجتنب فِيه نهيه. فقَدْ أدي شكر الله عَلَيْهِ فِيه، وسعي فِي تكميل انتفاعه ولذته به، وإن عطل أمر الله ونهيه فِيه، عطله الله من انتفاعه بذَلِكَ العضو، وجعله من أكبر أسباب ألمه ومغرته. وله عَلَيْهِ فِي كُلّ وَقْت من أوقاته عبودية تقدمه إليه وتقربه منه، فإن شغل وقته بعبودية الوَقْت، تقدم به إلي ربه، وإن شغله بهوي أو راحة وبطالة تأخر، فالْعَبْد لا يزال فِي تقدم أو تأخر، ولا وقوف فِي الطَرِيق البتة. قال تعالى: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ . وَاللهُ أَعْلم وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه وسلم. وَقَالَ القحطاني ﵀: يَا أَيُّهَا السُّنيُّ خُذْ بِوَصِيَّتِي ... وَأخْصُصْ بِذَلِكَ جُمْلَةَ الإخْوانِ وَاقْبِلْ وَصِيَّةَ مُشْفِقٍ مَتَوَدِّدٍ ... وَأسْمَعْ بِفَهْمٍ حَاضِرٍ يَقْظَانِ كُنْ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا مُتَوَسِّطاً ... عَدْلاً بِلاَ نَقْصٍ وَلاَ رُجْحَانِ واعْلم بِأَنَّ اللهَ رَبٌّ وَاحِدٌ ... مُتَنَزَّهٌ عن ثَالِثٍ أَوْ ثَانِ

стр. 2244

.. الأوَّلُ المُبْدِي بِغَيْرِ بِدَايَةٍ ... والآخِرُ المُفْنِي وَلَيْسَ بِفَانِ رُكْنُ الدَّيانَةِ أَنْ تُصَدِّقَ بِالقَضَا ... لاَ خَيْرَ فِيٍ بَيْتٍ بِلا أَرْكَانِ فَاقْصِدْ هُدِيْتَ وَلاَ تَكُنْ مُتَغَالِياً ... إِنَّ القُدُوْرَ تَفُورُ بِالغَلَيَانِ دِنْ بِالشَّرِيْعَةِ واْلكِتَابِ كِلَيْهِمَا ... فَكِلاَهُمَا لِلّدِينِ وَاسِطَتَانِ وإِذَا دُعِيْتَ إِلى أَدَاءِ فَرْيْضَةٍ ... فَأنْشَطْ وَلاَ تَكُ فِي الإجَابَةِ وَانِ قُمْ بِالصَّلاَةِ الخَمْسِ واعْرِفْ قَدْرَهَا ... فَلَهُنَّ عِنْدَ اللهِ أَعْظَمُ شَانِ لاَ تَمْنَعَنَّ زَكَاةَ مَالِكَ ظَالِماً ... فَصَلاتَنَا وَزَكَاتَنَا أُخْتَانِ لاَ تَعْتَقِدْ دِيْنَ الرَّوافِضِ أِنَّهُمْ ... أَهْلُ المُحَالِ وَشِيعَةُ الشَّيْطَانِ إٍِنَّ الرَّوافِضَ شّرُّ مَنْ َوِطىءَ الحَصَا ... مِنْ كُلِّ إِنْسٍ نَاطِقٍ أَوْ جَانِ مَدَحُوا النَّبِيَّ وَخَوَّنُوا أَصْحَابَهُ ... وَرَمَوْهُمْ بِالظُّلْمِْ والعُدْوَانِ قُلْ إِنَّ خَيْرَ الأنْبِياءِ مُحَمَّدٌّ ... وَأَجَلُّ مَنْ يَمْشِي عَلَى الكُثْبَانِ قُلْ خَيْر قَوْلٍ فِيٍ صَحَابَةِ أََحْمَدٍ ... وامْدَحْ جَمِيعَ الآلِ والنِّسْوانِ دَعْ مَا جَرَى بَيْنَ الصَحَابَةِ فِي الوَغَى ... لِسُيُوفِهِمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ لاَ تَقْبَلَنَّ مِنَ التَّوَارِخِ كُلَّ مَا ... جَمَعَ الرُّواةُ وَخَطَ كُلُّ بَنَانِ ارْوِ الْحَدِيثَ المُنْتَقَى عن أَهْلِهِ ... سِيْمَا ذَوِي الأحْلاَمِ والأسْنَانِ واحْفَظْ لأَهْلِ البَيْتِ وَاجِبَ حَقِّهِمْ ... وَاعْرِفْ عَلِياً أيَّمَا عِرْفَانِ لاَ تَنْتَقِصْهُ وَلاَ تَزِدْ فِي قَدْرِهِ ... فعَلَيْهِ تَصْلَى النَّارَ طَائِفَتَانِ إِحْدَاهُمَا لاَ تَرْتَضِيْهِ خَلِيْفَةً ... وَتَنُصُّهُ الأخْرى إِلهاً ثَانِ احْذَرْ عِقَابِ اللهِ وَارْجُ ثَوَابَهُ ... حَتَّى تَكُونَ كَمَنْ لَهُ قَلْبَانِ وإِذَا خَلَوْتَ بِريَبَةٍ فِي ظُلْمَةٍ ... وَالنَفْسُ دَاعِيَةٌ إِلى الطُغْيَانِ فاسْتَحْيْ مِنْ نَظَرِ الإلَه وَقُلْ لَهَا ... إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الظَّلاَمَ يَرَانِي

стр. 2245

.. كُنْ طَالِباً لِلّعِلْمِ واعْمَلْ صَالِحاً ... فَهُمَا إِلى سُبْلِ الهُدَى سَبَبَانِ لاَ تَعْصِ رَبَّكَ قَائِلاً أَوْ فَاعِلاً ... فَكِلاَهُمَا فِي الصُّحْفِ مَكْتُوبَانِ جَمِّلْ زَمَانَكَ بِالُّسُكوِت فَإِنَّهُ ... زَيْنُ الحَلِيْمِ وَسِتْرَةُ الحَيْرانِ كُنْ حِلْسَ بَيْتِكَ إِنْ سَمِعْتَ بِفِتْنَةٍ ... وَتَوَقَّ كُلُّ مُنَافِقٍ فَتَّانِ أَدَ الفَرائِضَ لاَ تَكُنْ مُتَوانِياً ... فَتَكُونَ عِنْدَ اللهِ شَرَّ مُهَانِ أَدَمِ السِّوَاكَ مَعَ الوُضُوءِ فَإِنَّهُ ... مُرْضِي الإلهِ مُطهَّرِ الأسْنَانِ سَمِّ الإلَه لَدَى الوُضُوءِ بِنْيَّةٍ ... ثُمَّ اسْتَعِذْ مِنْ فِتْنَةِ الوَلْهَانِ فَأَسَاسُ أَعْمَالِ الوَرَى نِيَّاتُهُمْ ... وعَلَى الأسَاسِ قَواعِدُ البُنْيَانِ لاَ تَلْقَ رَبَّكَ سَارِقاً أَوْ خَائِناً ... أَوْ شَارِباً أَوْ ظَالِماً أَوْ زَانِي أَيْقِنْ بِأَشْرَاطِ القِيَامَةِ كُلِّهَا ... واسْمَعْ هُدِيتَ نَصِيْحَتِي وَبَيَانِ أَحْسِنْ صَلاَتَكَ رَاكِعاً أَوْ سَاجِداً ... بِتَطْمْؤُنٍ وَتَرَفُّقٍ وَتَدَانِ حَصِّنْ صِيَامَكَ بِالسُّكُوتِ عن الخَنَا ... أَطْبِقْ عَلَى عَيْنَيْكَ بِالأجْفَانِ لاَ تَمْشِ ذَا وَجْهَيْنِ مِنْ بَيْنِ الوَرَى ... شَرُّ البَرْيَّةِ مَنْ لَهُ وَجْهَانِ لاَ تَحْسُدَنْ أَحَداً عَلَى نَعْمَائِهِ ... إِنَّ الحَسُودَ لِحُكَمِ رَبِّكَ شَانِ لاَ تَسْعَ بَيْنَ الصَّاحِبَيْنِ نَمِيْمَةً ... فَلأَجْلِهَا يَتَبَاغَضُ الخِلاَنِ وَتَحَرَّ بِرَّ الوَالِدّيْنِ فَإِنَهُ ... فرض عَلَيْكَ وطاعة السلطان " فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ الإلَهِ فَإِنَهُ ... لاَ طَاعَةٌ لِلْخَلْقِ فِي العِصْيَانِ لاَ تَخْرُجَنَّ عَلَى الإمام مُحَارِباً ... ولَوْ أَنَّهُ رَجُلِ مِنَ الحُبْشَانِ وَمَتَى أُمِرْتَ بِبِدْعَةٍ أَوْ زَلَّةٍ ... فَاهْرُبْ بِدِيْنِكَ آخِرَ البُلْدَانِ الدِّيْنُ رَأْسُ الْمَالِ فاسْتَمْسِكْ بِهِ ... فَضَيَاعُهُ مِنْ أَعْظَمِ الخُسْرَانِ لاَ تَخْلُ بِامْرَأةٍ لَدَيْكَ بِرِيْبَةٍ ... لَوْ كُنْتَ فِي النُّسَّاكِ مِثْلَ بَنَانِ
следующие страницы →