Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
والعقول المضروبة بالخذلان، تري المعارضة بين العقل والنقل وبين الحكمة والشرع.
أقرب الوسائل إلي الله، ملازمة السنة والوقوف معها فِي الظاهر والباطن ودوام الافتقار إلي الله، وإرادة وجهه وحده بالأقوال والأفعال.
وما وصل أحد إلي الله إلا من هذه الثلاثة، وما انقطع عنهُ أحد إلا بانقطاعه عنهَا أو عن أحدها.
الأصول التي انبني عَلَيْهَا سعادة الْعَبْد ثلاثة، ولكل واحد منها ضد، فمن فقَدْ ذَلِكَ الأصل حصل عَلَى ضده، التَّوْحِيد وضده الشرك، والسنة وضدها البدعة، والطاعة وضدها المعصية.
ولهذه الثلاثة ضد واحد وَهُوَ: خلَوُ الْقَلْب من الرغبة فِي الله وفيما عنده، ومن الرهبة منه وما عنده.
إِذَا استغني النَّاس بالدُّنْيَا، فاستغن أَنْتَ بِاللهِ، وإِذَا فرحوا بالدُّنْيَا فافرح أَنْتَ بِاللهِ، وإِذَا أنسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله.
وإِذَا تعرفوا إلي ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بِهُمْ العزة والرفعة، فتعرف أَنْتَ إلي الله وتودد إليه، تنل بذَلِكَ غاية العز والرفعة.
قال بعض الزهاد: ما علمت أن أَحَدا سمَعَ بالْجَنَّة والنار تأتي عَلَيْهِ ساعة لا يطيع الله فيها بذكر أو صلاة أو قراءة أو إحسان. فَقَالَ لَهُ رجل إني أكثر البُكَاء فَقَالَ: إنك إن تضحك وأَنْتَ مقر بخطيئتك خَيْر من أن تبكي وأَنْتَ مدل بعملك، وأن المدل لا يصعد عمله فوق رأسه.
فَقَالَ: أوصني فَقَالَ: دع الدُّنْيَا لأهلها كما تركوا هم الآخرة لأهلها، وكن فِي الدُّنْيَا كالنحلة، إن أكلت أكلت طيباً، وإن أطعمت أطعمت طيباً، وإن سقطت عَلَى شَيْء لم تكسره ولم تخدشه.
стр. 2242
النعم ثلاثة: نعمة حاصلة يعلم بِهَا الْعَبْد، ونعمة منتظرة يرجوها، ونعمة هُوَ فيها لا يشعر بها. فإِذَا أراد إتمام نعمته عَلَى عبده، عرفه نعمته الحاضرة، وأعطاه من شكره قيداً يقيدها به حتي لا تشرد فإنها تشرد بالمعصية وتبقي بالشكر، ووفقه لعمل يستجلب به النعمة المنتظرة، وبصره بالطرق التي تسدد وتقطع طريقها، ووفقه لاجتنابِهَا، وإِذَا بِهَا قَدْ وافقته إليه عَلَى أتم الوجوه، وعرفه النعم التي هُوَ فيها ولا يشعر بها.
ويحكي أن أعرابياً دخل عَلَى الرشيد فَقَالَ: أمير الْمُؤْمِنِين ثَبِّتْ الله عَلَيْكَ النعم التي أَنْتَ فيها بإدامة شكرها، وحقق لك النعم التي ترجوها بحسن الظن به ودوام طاعته، وعرفك النعم التي أَنْتَ فيها ولا تعرفها لتشكرها، فأعجبه ذَلِكَ منه وَقَالَ: ما أحسن تقسيمه.
قال شقيق بن إبراهيم: أغلق باب التَّوْفِيق عن الخلق من ستة أشياء: اشتغالهم بالنعمة عن شكرها، ورغبتهم فِي العلم وتركهم العمل والمسارعة إلي الذنب وتأخَيْر التوبة، والاغترار بصحبة الصالحين وترك الاقتداء بأفعالهم، وإدبار الدُّنْيَا عنهم وهم يتبعونها، وإقبال الآخرة عَلَيْهمْ وهم معرضون عنها.
قُلْتُ: وأصل ذَلِكَ: عدم الرغبة والرهبة، وأصله ضعف اليقين، وأصله ضعف البصيرة، وأصله مهانة النفس ودناءتها، واستبدال الَّذِي هُوَ أدني بالَّذِي هُوَ خير.
النَّاس مُنْذُ خلقوا لم يزالوا مسافرين، ولَيْسَ لّهُمْ حط من رحالهم إلا فِي الْجَنَّة أو النار، والعاقل يعلم أن السفر مبني عَلَى المشقة وركوب الأخطار، ومن المحال عادة أن يطلب فِيه نعيم ولذة وراحة، إنما ذَلِكَ بعد انتهاء السفر.
стр. 2243
ومن المعلوم أن كُلّ وطأة قدم، أو كُلّ من آنات السفر غَيْر واقفة، ولا المكلف واقف، وقَدْ ثَبِّتْ أنه سافر عَلَى الحال التي يجب أن يكون المسافر عَلَيْهَا من نهيئة الزَادَ الموصل، وإِذَا نزل أو نام أو استراح، فعَلَى قدم الاستعداد للسير.
لله عَلَى الْعَبْد فِي كُلّ عضو من أعضائه أمر، وله عَلَيْهِ فِيه نهي، وله فِيه نعمة، وله فِيه منفعة ولذة، فإن قام فِي ذَلِكَ العضو بأمره واجتنب فِيه نهيه. فقَدْ أدي شكر الله عَلَيْهِ فِيه، وسعي فِي تكميل انتفاعه ولذته به، وإن عطل أمر الله ونهيه فِيه، عطله الله من انتفاعه بذَلِكَ العضو، وجعله من أكبر أسباب ألمه ومغرته.
وله عَلَيْهِ فِي كُلّ وَقْت من أوقاته عبودية تقدمه إليه وتقربه منه، فإن شغل وقته بعبودية الوَقْت، تقدم به إلي ربه، وإن شغله بهوي أو راحة وبطالة تأخر، فالْعَبْد لا يزال فِي تقدم أو تأخر، ولا وقوف فِي الطَرِيق البتة.
قال تعالى: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ .
وَاللهُ أَعْلم وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه وسلم.
وَقَالَ القحطاني ﵀:
يَا أَيُّهَا السُّنيُّ خُذْ بِوَصِيَّتِي ... وَأخْصُصْ بِذَلِكَ جُمْلَةَ الإخْوانِ
وَاقْبِلْ وَصِيَّةَ مُشْفِقٍ مَتَوَدِّدٍ ... وَأسْمَعْ بِفَهْمٍ حَاضِرٍ يَقْظَانِ
كُنْ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا مُتَوَسِّطاً ... عَدْلاً بِلاَ نَقْصٍ وَلاَ رُجْحَانِ
واعْلم بِأَنَّ اللهَ رَبٌّ وَاحِدٌ ... مُتَنَزَّهٌ عن ثَالِثٍ أَوْ ثَانِ
стр. 2244
.. الأوَّلُ المُبْدِي بِغَيْرِ بِدَايَةٍ ... والآخِرُ المُفْنِي وَلَيْسَ بِفَانِ
رُكْنُ الدَّيانَةِ أَنْ تُصَدِّقَ بِالقَضَا ... لاَ خَيْرَ فِيٍ بَيْتٍ بِلا أَرْكَانِ
فَاقْصِدْ هُدِيْتَ وَلاَ تَكُنْ مُتَغَالِياً ... إِنَّ القُدُوْرَ تَفُورُ بِالغَلَيَانِ
دِنْ بِالشَّرِيْعَةِ واْلكِتَابِ كِلَيْهِمَا ... فَكِلاَهُمَا لِلّدِينِ وَاسِطَتَانِ
وإِذَا دُعِيْتَ إِلى أَدَاءِ فَرْيْضَةٍ ... فَأنْشَطْ وَلاَ تَكُ فِي الإجَابَةِ وَانِ
قُمْ بِالصَّلاَةِ الخَمْسِ واعْرِفْ قَدْرَهَا ... فَلَهُنَّ عِنْدَ اللهِ أَعْظَمُ شَانِ
لاَ تَمْنَعَنَّ زَكَاةَ مَالِكَ ظَالِماً ... فَصَلاتَنَا وَزَكَاتَنَا أُخْتَانِ
لاَ تَعْتَقِدْ دِيْنَ الرَّوافِضِ أِنَّهُمْ ... أَهْلُ المُحَالِ وَشِيعَةُ الشَّيْطَانِ
إٍِنَّ الرَّوافِضَ شّرُّ مَنْ َوِطىءَ الحَصَا ... مِنْ كُلِّ إِنْسٍ نَاطِقٍ أَوْ جَانِ
مَدَحُوا النَّبِيَّ وَخَوَّنُوا أَصْحَابَهُ ... وَرَمَوْهُمْ بِالظُّلْمِْ والعُدْوَانِ
قُلْ إِنَّ خَيْرَ الأنْبِياءِ مُحَمَّدٌّ ... وَأَجَلُّ مَنْ يَمْشِي عَلَى الكُثْبَانِ
قُلْ خَيْر قَوْلٍ فِيٍ صَحَابَةِ أََحْمَدٍ ... وامْدَحْ جَمِيعَ الآلِ والنِّسْوانِ
دَعْ مَا جَرَى بَيْنَ الصَحَابَةِ فِي الوَغَى ... لِسُيُوفِهِمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ
لاَ تَقْبَلَنَّ مِنَ التَّوَارِخِ كُلَّ مَا ... جَمَعَ الرُّواةُ وَخَطَ كُلُّ بَنَانِ
ارْوِ الْحَدِيثَ المُنْتَقَى عن أَهْلِهِ ... سِيْمَا ذَوِي الأحْلاَمِ والأسْنَانِ
واحْفَظْ لأَهْلِ البَيْتِ وَاجِبَ حَقِّهِمْ ... وَاعْرِفْ عَلِياً أيَّمَا عِرْفَانِ
لاَ تَنْتَقِصْهُ وَلاَ تَزِدْ فِي قَدْرِهِ ... فعَلَيْهِ تَصْلَى النَّارَ طَائِفَتَانِ
إِحْدَاهُمَا لاَ تَرْتَضِيْهِ خَلِيْفَةً ... وَتَنُصُّهُ الأخْرى إِلهاً ثَانِ
احْذَرْ عِقَابِ اللهِ وَارْجُ ثَوَابَهُ ... حَتَّى تَكُونَ كَمَنْ لَهُ قَلْبَانِ
وإِذَا خَلَوْتَ بِريَبَةٍ فِي ظُلْمَةٍ ... وَالنَفْسُ دَاعِيَةٌ إِلى الطُغْيَانِ
فاسْتَحْيْ مِنْ نَظَرِ الإلَه وَقُلْ لَهَا ... إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الظَّلاَمَ يَرَانِي
стр. 2245
.. كُنْ طَالِباً لِلّعِلْمِ واعْمَلْ صَالِحاً ... فَهُمَا إِلى سُبْلِ الهُدَى سَبَبَانِ
لاَ تَعْصِ رَبَّكَ قَائِلاً أَوْ فَاعِلاً ... فَكِلاَهُمَا فِي الصُّحْفِ مَكْتُوبَانِ
جَمِّلْ زَمَانَكَ بِالُّسُكوِت فَإِنَّهُ ... زَيْنُ الحَلِيْمِ وَسِتْرَةُ الحَيْرانِ
كُنْ حِلْسَ بَيْتِكَ إِنْ سَمِعْتَ بِفِتْنَةٍ ... وَتَوَقَّ كُلُّ مُنَافِقٍ فَتَّانِ
أَدَ الفَرائِضَ لاَ تَكُنْ مُتَوانِياً ... فَتَكُونَ عِنْدَ اللهِ شَرَّ مُهَانِ
أَدَمِ السِّوَاكَ مَعَ الوُضُوءِ فَإِنَّهُ ... مُرْضِي الإلهِ مُطهَّرِ الأسْنَانِ
سَمِّ الإلَه لَدَى الوُضُوءِ بِنْيَّةٍ ... ثُمَّ اسْتَعِذْ مِنْ فِتْنَةِ الوَلْهَانِ
فَأَسَاسُ أَعْمَالِ الوَرَى نِيَّاتُهُمْ ... وعَلَى الأسَاسِ قَواعِدُ البُنْيَانِ
لاَ تَلْقَ رَبَّكَ سَارِقاً أَوْ خَائِناً ... أَوْ شَارِباً أَوْ ظَالِماً أَوْ زَانِي
أَيْقِنْ بِأَشْرَاطِ القِيَامَةِ كُلِّهَا ... واسْمَعْ هُدِيتَ نَصِيْحَتِي وَبَيَانِ
أَحْسِنْ صَلاَتَكَ رَاكِعاً أَوْ سَاجِداً ... بِتَطْمْؤُنٍ وَتَرَفُّقٍ وَتَدَانِ
حَصِّنْ صِيَامَكَ بِالسُّكُوتِ عن الخَنَا ... أَطْبِقْ عَلَى عَيْنَيْكَ بِالأجْفَانِ
لاَ تَمْشِ ذَا وَجْهَيْنِ مِنْ بَيْنِ الوَرَى ... شَرُّ البَرْيَّةِ مَنْ لَهُ وَجْهَانِ
لاَ تَحْسُدَنْ أَحَداً عَلَى نَعْمَائِهِ ... إِنَّ الحَسُودَ لِحُكَمِ رَبِّكَ شَانِ
لاَ تَسْعَ بَيْنَ الصَّاحِبَيْنِ نَمِيْمَةً ... فَلأَجْلِهَا يَتَبَاغَضُ الخِلاَنِ
وَتَحَرَّ بِرَّ الوَالِدّيْنِ فَإِنَهُ ... فرض عَلَيْكَ وطاعة السلطان
" فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ الإلَهِ فَإِنَهُ ... لاَ طَاعَةٌ لِلْخَلْقِ فِي العِصْيَانِ
لاَ تَخْرُجَنَّ عَلَى الإمام مُحَارِباً ... ولَوْ أَنَّهُ رَجُلِ مِنَ الحُبْشَانِ
وَمَتَى أُمِرْتَ بِبِدْعَةٍ أَوْ زَلَّةٍ ... فَاهْرُبْ بِدِيْنِكَ آخِرَ البُلْدَانِ
الدِّيْنُ رَأْسُ الْمَالِ فاسْتَمْسِكْ بِهِ ... فَضَيَاعُهُ مِنْ أَعْظَمِ الخُسْرَانِ
لاَ تَخْلُ بِامْرَأةٍ لَدَيْكَ بِرِيْبَةٍ ... لَوْ كُنْتَ فِي النُّسَّاكِ مِثْلَ بَنَانِ
стр. 2246
.. واغْضُضْ جُفُونَكَ عن مُلاَحَظَةِ النِّسَا ... وَمَحَاسِنِ الأحْدَاثِ وَالصِّبْيَانِ
واحْفِرْ لِسِرِّكَ فِي فُؤَادِكَ مَلْحَداً ... وادْفِنْهُ فِي الأحْشَاءِ أَيَّ دِفَانِ
لاَ يَبْدُ مِنْكَ إِلى صَدِيقِكَ زَلَّةٌ ... واجْعَلْ فُؤَادَكَ أَوْثَقَ الخُلاَّنِ
لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الذُّنُوبِ صِغَارَهَا ... فَالقَطْرُ مِنْهُ تَدَفُّقُ الخِلْجَانِ
وَإِذَا نَذَرْتَ فَكُنْ بِنَذْرِكَ مُوَفْياً ... فَالنَّذْرُ مِثْلُ العَهْدِ مَسْئُولاَنِ
لاَ تَشْغَلَنّ بِعَيْبِ غَيْرِكَ غَافِلاً ... عن عَيْبِ نَفْسِكَ إِنَّهُ عَيْبَانِ
لاَ تُفْنِ عُمْرَكَ فِي الجِدَالِ مُخَاصِماً ... إِنَّ الجِدَالَ يُخِلُّ بِالأدْيَانِ
وَاحْذَّرْ مُجَادَلَةَ الرِّجَال فَإِنَّهَا ... تَدْعُو إِلى الشَّحْنَاءِ وَالشَّنَآنِ
وَإِذَا اضْطُرِرْتَ إِلى الجِدَالِ وَلم تَجِدْ ... لَكَ مَهْرَباً وَتَلاَقَتَ الصَّفَانِ
فَاجْعَلْ كِتَابَ اللهِ دِرْعاً سَابِغاً ... وَالشَّرْعَ سَيْفَكَ وَابْدُ فِي المَيْدَانِ
وَالسُّنَةَ البَيْضَاءَ دُوْنَكَ جُنَّةًَ ... وَارْكَبْ جَوَادَ العَزْمِ فِي الجَوَلاَنِ
واثْبُتْ بِصَبْرِكَ تَحْتَ ألْوَيِةِ الهُدَى ... فَالصَّبْرُ أَوْثَقُ عُدَّةِ الإنسان
واطْعن بِرُمْحِ الحَقِ كُلَّ مُعَانِدٍ ... للهِ دَرُّ الفَارِسِ الطَّعَانِ
واحْمِلْ بِسَيْفِ الصِّدْقِ حَمْلةَ مُخْلِصٍ ... مُتَجَرِّدٍ للهِ غَيْرَ جَبَانِ
وَإِذَا غَلَبْتَ الخَصْمِ لاَ تَهْزَأْ بِهِ ... فَالعُجْبَ يُخْمِدُ جَمْرَةَ الإنسان
لاَ تَغْضَبَنَّ إِذَا سُئِلْتَ وَلاَ تَصِحْ ... فَكِلاَهُمَا خُلُقَانِ مَذْمُومَانِ
كُنْ طُوْلَ دَهْرِكَ سَاكِتاً مُتَواضِعاً ... فَهُمَا لِكُلِّ فَضِيْلَةٍ بَابَانِ
واخْلَعْ رِدَاءَ الكِبْرِ عنكَ فَإِنَّهُ ... لاَ يَسْتَقِلُّ بِحَمْلِهِ الكَتِفَانِ
كُنْ فَاعِلاً لِلّخَيْرِ قَوَّإلا لَهُ ... فَالقَوْلُ مِثْلُ الْفِعْلِ مُقْتَرِنَانِ
مِنْ غَوْثِ مَلْهُوْفٍ وَشَبْعَةِ جَائِعٍ ... وَدِثَارِ عُرْيَانٍ وَفِدْيَةِ عَانِ
فَإِذَا فَعَلْتَ الْخَيْرَ لاَ تَمْنُنْ بِهِ ... لاَ خَيْرَ فِي مُتَمَدِّحٍ مَنَانِ
стр. 2247
.. اشْكُرْ عَلَى النَّعْمَاءِ واصْبِرْ لِلْبَلاَ ... فَكِلاَهُمَا خُلُقَانِ مَمْدُوْحَانِ
لاَ تَشْكُوَنَّ بِعِلّةٍ أَوْ قِلَّةٍ ... فَهُمَا لِعِرَضِ المَرْءِ فَاضِحَتَانِ
صُنْ حُرَّ وَجْهِكَ بِالقَنَاعَةِ إِنَّمَا ... صَوْنَ الوُجُوهِ مُرُوْءَةُ الفِتْيَانِ
بِاللهِ ثِقْ وَلَهُ أَنِبْ وَبِهِ اسْتَعِنْ ... فَإِذَا فَعَلتَ فَأَنْتَ خَيْرُ مُعَانِ
وَإِذَا عَصَيْتَ فَتُبْ لِرَّبِكَ مُسْرِعاً ... حَذَرَ الْمَمَاتِ وَلاَ تَقُلْ لم يَانِ
وَإِذَا ابْتُلِيْتَ بِعُسْرَةٍ فَاصْبِرْ لَهَا ... فَالعُسْرُ فَرْدٌ بَعْدَهُ يُسْرَانِ
لاَ تَتَّبِعْ شَهَوَاتِ نَفْسِكَ مُسْرِفاً ... فَاللهُ يُبْغِضُ عَابِداً شَهْوَانِي
اعْرِضْ عن الدُّنْيَا الدَّنيَّةِ زَاهِداً ... فَالزُّهْدُ عِنْدَ أُولِي النُّهَى زُهْدَانِ
زُهْدّ عن الدُّنْيَا وَزُهْدّ فِي الثَّنَا ... طُوبَى لِمَنْ أَمْسَى لَهُ الزُّهْدَانِ
وَاحْفَظْ لِجَارِكَ حَقَّهُ وَذِمَامَهُ ... وَلِكُلَِّ جَارٍ مُسْلِمٍ حَقَّانِ
واضْحَكْ لِضَيْفِكَ حِيْنَ يُنْزِلُ رَحْلَهُ ... إِنَّ الكَرِيْمَ يُسَرُّ بِالضَّيِفَانِ
وَصِلْ ذَوِي الأرْحَامِ مِنْكَ وَإِنْ جَفَوْا ... فَوِصَالُهُمْ خَيْرٌ مِنْ الهِجْرانِ
وَاصْدُقْ وَلاَ تَحْلِفْ بِرَبِكَ كَاذِباً ... وَتَحَرَّ فِي كَفَّارَةِ الإيمان
وَتَوَقَّ أَيْمَانَ الغَمُوسِ فَإِنَّهَا ... تَدَعْ الدّيَارَ بِلاَقِعَ الحِيْطَانِ
أَعْرِضْ عن النِّسْوانِ جُهْدَكَ وانْتَدِبْ ... لِعِنْاقِ خَيْراتٍ هُنَاكَ حِسَانِ
فِي جَنَّةٍ طَابَتْ وَطَابَ نَعْيْمُهَا ... مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ بِهَا زَوْجَانِ
إِنْ كُنْتَ مُشْتَاقاً لَهَا كَلِفاً بِهَا ... شَوْقَ الغَرِيْبِ لِرُؤْيَةِ الأوْطَانِ
كُنْ مُحْسِناً فِي مَا اسْتَطَعْتَ فَرُبَما ... تُجْزَى عن الإحْسَانِ بِالإحْسَانِ
واعْمَلْ لِجَنَّاتِ النَّعِيْمِ وَطِيْبِهَا ... فَنَعِيْمُهَا يَبْقَى وَلَيْسَ بِفَانِ
قُمْ فِي الدُّجَى واتْلُ اْلكِتَابَ وَلاَ تَنَمِ ... إلا كَنَوْمَةِ حَائِرٍ وَلْهَانِ
فَلَرُبَما تَأْتِي المَنِيَّةُ بَغْتَةً ... فَتُسَاقُ مِنْ فُرُشٍ إِلى الأكْفَانِ
стр. 2248
.. يَا حَبَّذَا عَيْنَانِ فِي غَسَقِ الدُجَى ... مِنْ خَشْيَةِ الرَّحْمَنِ بَاكِيَتانِ
لاَ تَجْزَعَنَّ إِذَا دَهَتْكَ مُصِيْبَةٌ ... إِنَّ الصَّبْورَ ثَوَابُهُ ضِعْفَانِ
فَإِذَا ابْتُلِيْتَ بِنَكْبَةٍ فَاصْبِرْ لَهَا ... اللهُ حَسْبِي وَحْدَهُ وَكَفَانِي
وعَلَيْكَ بِالفِقْهِ المُبَيِّنِ شَرْعَنَا ... وَفَرَائِضِ المِيْرَاثِ وَالقُرْآنِ
أَمْرِرْ أَحَادِيثَ الصِّفَاتِ كَمَا أَتَتْ ... مَنْ غَيْرَ تَحْرِيْفٍ وَلاَ هَذَيَانِ
هُوَ مَذْهَبُ الزُّهْرِيُ وَوَافَقَ مَالِكٌ ... وَكِلاَهُمَا فِي شَرْعِنا عَلَمَانِ
واللهُ يَنْزِلُ كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ ... بِسَمَائِهِ الدُّنْيَا بِلاَ كِتْمَانِ
فَيَقُولُ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُجِيْبُهُ ... فَأَنَا القَرْيِبُ أُجِيْبُ مَنْ نَادَانِي
والأصْلُ أَنَّ اللهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ ... شَيْءٌ تعالى الرَّبُّ ذُو الإحْسَانِ
صَلَّى الإلَهُ عَلَى النَّبِيّ مُحَمَّدٍ ... مَا نَاحَ قَمْرِيٌّ عَلَى الأغْصَانِ
وعَلَى جَمِيْعِ بَنَاتِهِ وَنِسَائِهِ ... وعَلَى جَمِيْعِ الصَّحْبِ والإخْوانِ
(موعظة)
عِبَادَ اللهِ: أين الَّذِينَ سادوا وشادوا أوطاننا، وحكموا وأحكموا بنيانَا، وجمعوا فحشدوا أموالاً وأعوانَاً عوضوا بأرباح الهَوَى خسرانَاً، وبدلوا بإعزاز الكبر والتجبر هوانَاً وأخرجوا من ديارهم بعد الجموع وحدانَاً، وما استصحبوا مِمَّا جمعوا إلا أكفاناً.
نصِيْبُكَ مِمَّا تَجْمَعَ الدَّهْرَ كُلَّهُ ... رِدَاً أنِ تُطْوَى فِيه مَا وَحَنُوْطُ
آخر: ... فَمَا تَزَوَدَ مِمَّا كَانَ يَجْمَعُهُ ... سِوَى حَنُوطِ غَدَاةِ البَيْنِ فِي خَرَقِ
وغَيْرَ نِفْحَةِ أَعْوَادٍ تُشَبُ لَهُ ... وَقَلّ ذَلِكَ مِنْ زَادٍ لِمُنْطَلِقِ
يحملون عَلَى الأعناق ولا يسمون ركبانَاً، وينزلون بطون الألحاد ولا يسمون ضيفانَاً، متقاربين فِي القبور ولا يسمون جيراناً.
стр. 2249
أولَيْسَ قَدْ رأينا كيف ينقلون ولا كفانَا، فيا من قَدْ بقي من عمره القليل ولا يدري متي يقع الرحيل، كأنك بطرفك حين الموت يسيل والروح تنزع والكرب ثقيل، والنقلة قَدْ قربت وأين المقيل، أفِي الْجَنَّة ونعيمها والسلسبيل أم فِي الجحيم وأنكالها وأغلالها وبئس المقيل.
يا من تعد أنفاسه استدركها، يا من ستفوته أيامه أدركها، إن أعز الخلق عَلَيْكَ نفسك فلا تهلكها كم أغلقت باباً عَلَى قبيح، وكم أعرضت عن قول المخلص النصيح، أعظم الله أجرك فِي عمر قَدْ مضي ما رزقت فِيه العفو ولا الرضي.
انقضت فِيه اللذات كمن قضي، وصَارَت الحسرات من الشهوات عوضاً، قال الله جَلَّ وَعَلا وتقدس ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وَقَالَ تعالى ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ وَاللهُ أَعْلم وصلي الله عَلَى مُحَمَّد.
" موعظة "
عِبَادَ اللهِ: ما هذه الغَفْلَة وأنتم مستبصرون وما هذه الرقدة وأنتم مستيقظون كيف نسيتم الزَادَ وأنتم راحلون، أين من كَانَ قبلكم إلا تتفكرون أما رأيتك كيف نازلهم المنون ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
عِبَادَ اللهِ: لَوْ حضرت القُلُوب لجرت من العيون عيون فكأنكمْ بالآلام قَدْ اعترضت، وبالأجسام قَدْ انقضت، وبالأوصال قَدْ فصلت، فرحم الله عبداً أعتق نَفْسهُ من رق شهواتها ونظر لها قبل مماتها وأخذ من جدته عتاداً لفقره وادخر من صحته زَاداً لقبره قبل أن يفوت زمن الاستدراك بوقوع الهلاك.
فكأنكم بالموت قَدْ حل العراص، وأنشب مخالبيه فِي الأرواح للاقتناص، وأين لكم الفلات فلات حين مناص ثُمَّ يقومون للحساب والجزاء والقصاص.
وإِذَا الخلائق قَدْ حشرت، وإِذَا الصحف نشرت، وإِذَا جهنم
стр. 2250
قَدْ سيقت ومرارة الندم قَدْ ذيقت، فستنطق عليكم الجوارح وتنشر حين الِقَضَاءِ الفضائح.
فيا خجل المقصرين ويا أسف المذنبين ويا حَسْرَة المفرطين ويا سوء منقلب الظالمين، قال الله جَلَّ وَعَلا وتقدس وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ .
وَقَالَ تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ .
خَفِ اللهُ فِي ظُلْمِ الوَرَى واحْذَرَنَّهُ ... وَخَفْ يَوْمَ عَضَ الظَالِمِونَ عَلَى اليَدِ
وَاللهُ أَعْلم وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وسلم.
فصل: قال بعض السَّلَف: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بشَيْء وقر فِي صدره.
وَقَالَ بَعْضهمْ: الَّذِي كَانَ فِي صدر أبي بكر ﵁ المحبة لله والنصيحة لعباده
وَقَالَ طائفة من العارفين: ما بلغ من بلغ بكثرة صيام ولا صلاة ولكن بسخاوة الأنفس وسلامة الصدر والنَّصِيحَة للأمة، زَادَ بَعْضهمْ: وبذم نفوسهم.
وَقَالَ آخر: إنما تفاوتوا بالإرادات ولم يتفاوتوا بكثرة الصيام والصلوات.
وذكر لأبي سليمان: طول أعمار بني إسرائيل وشدة اجتهادهم فِي الأعمال، وأن من النَّاس من غبطهم بذَلِكَ، فَقَالَ: إنما يريد الله منكم صدق النِّيْة فيما عنده. أو كما قال.
стр. 2251
وَقَالَ ابن مسعود ﵁ لأصحابه: أنتم أكثر صوماً وصلاةً من أصحاب مُحَمَّد ?، وهم كَانُوا خيراً منكم، قَالُوا: وبما ذاك؟ قال: كَانُوا أزهد منكم فِي الدُّنْيَا وأرغب فِي الآخرة.
يشير إلي الصحابة ﵃ فاقوا عَلَى من بعدهم بشدة تعلق قُلُوبهمْ بالآخرة ورغبتهم فيها وإعراضهم عن الدُّنْيَا وتحقيرها وتصغيرها.
وهذه الحال ورثوها من نبيهم ?، فإنه كَانَ أشد الخلق فراغاً بقَلْبهُ من الدُّنْيَا وتعلقه بِاللهِ والدار الآخرة مَعَ ملابسته للخلق بظاهره، وقيامه بأعباء النبوة وسياسة الدين والدنيا.
وكَذَلِكَ خلفاؤه الراشدون بعده، وكَذَلِكَ أعيان التابعين لهُمْ بإحسان كالحسن وعمر بن عَبْد الْعَزِيز وقَدْ كَانَ فِي زمأنَّهُمْ من هُوَ أكثر مِنْهُمْ صوماً، اللَّهُمَّ ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب الْعَمَل الَّذِي يقربنا إلي حبك، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ إيماننا ثبوت الجبال الراسيات ووفقنا للعمل بالباقيات الصالحات واعصمنا يا مولانَا عن المحرمَاتَ والمشتبهات واغفر لنا جَمِيع الخطايا والزلات وافتح لدعائنا باب القبول والإجابات يا أجود الأجودين وأكرم الأكرمين وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
(فصل)
وَقَالَ ابن رجب ﵀ عَلَى " قوله ? فِي حديث أَبِي هُرَيْرَةِ وعَائِشَة ﵄ فسددوا وقاربوا: المراد بالتسديد الْعَمَل بالسداد، وَهُوَ القصد والتوسط فِي العبادة فلا يقصر فيما أمر به، ولا يتحمل منها ما لا يطيقه".
قال النضرُ بنُ شُمَيْلٍ: السداد القصد فِي الدين والسبيل، وكذا
стр. 2252
المقاربة، المراد التوسط بين التفريط والإفراط فهما كلمتان بمعني واحد أو متقارب، وَهُوَ المراد بقوله فِي الرواية الأخري: " عليكم هدياً قاصداً ".
قوله: وأبشروا يعني أن من مشي فِي طاعة الله عَلَى التسديد والمقاربة فليبشر، فإنه يصل ويسبق الدائب المجتهد فِي الأعمال فإن طريقة الاقتصاد والمقاربة أفضل من غيرها.
فمن سلكها فليبشر بالوصول فإن الاقتصاد فِي سنة خَيْر من الاجتهاد فِي غيرها. وخَيْر الهُدَى هدي مُحَمَّد ?، فمن سلك طريقه كَانَ أقرب إلي الله من غيره.
ولَيْسَتْ الفضائل بكثرة الأعمال البدنية، لكن بكونها خالصة لله صواباً عَلَى متابعة السنة وبكثرة معارف القُلُوب وأعمالها.
فمن كَانَ بِاللهِ أعلم وبدينه وأحكامه وشرائعه أعلم، وله أخوف وأحب وأرجي فهو أفضل ممن لَيْسَ كَذَلِكَ، وإن كَانَ أكثر منه عملاً بالجوارح.
وإلي هَذَا المعني الإشارة فِي حديث عَائِشَة ﵂ بقول النَّبِيّ ?: "سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أَحَداً منكم عمله الْجَنَّة، وإن أحب الأعمال إلي الله أدومها وإن قل".
فأمر بالاقتصاد فِي الْعَمَل وأن يضم إلي ذَلِكَ الْعَمَل بأحب الأعمال إلي الله، وبأن الْعَمَل وحده لا يدخل الجنة.
وصلاةً، ولكن لم يصل إلي ما وصلت إليه قُلُوب هؤلاء من ارتحاله عن الدُّنْيَا وتوطنها فِي الآخرة.
стр. 2253
فأفضل النَّاس من سلك طَرِيق النَّبِيّ ? وخواص أصحابه فِي الاقتصاد فِي العبادة البدنية والاجتهاد فِي الأحوال القبلية فإن سفر الآخرة يقطع بسير القُلُوب لا بسير الأبدان.
جَاءَ رجل إلي بعض العارفين فَقَالَ لَهُ: قطعت إليك مسافة، فَقَالَ لَهُ: لَيْسَ هَذَا الأمر بقطع المسافات، فارق نفسك بخطوة وقَدْ حصل لك مقصودك. قال أبو يزيد: رَأَيْت رب العزة فِي المنام فقُلْتُ لَهُ: يا رب كيف الطَرِيق إليك؟ قال: اترك نفسك وتعال.
ما أعطيت أمة ما أعطيت هذه الأمة ببركة متابعة نبيها ?، حيث كَانَ أفضل الخلق، وهديه أكمل الهُدَى مَعَ ما يسر الله عَلَى يديه من دينه، ووضع به الآصار والأغلال عن أمته، فمن أطاعه فقَدْ أطاع الله وأحبه الله، واهتدي بهدي الله.
فمن جملة ما حصل لأمته ببركته وتيسير شريعته أن من صلي مِنْهُمْ العشاء فِي جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلي الفجر فِي جماعة فكأنما قام الليل كله، فيكتب لَهُ قيام ليلة وَهُوَ نائم عَلَى فراشه، ولا سيما إن نام عَلَى طهر وذكر حتي تغلبه عيناه.
ومن صام مِنْهُمْ ثلاثة أيام من كُلّ شهر فقَدْ صام الشهر كله وَهُوَ صائم لبقية الشهر فِي ضيافة الله، ومفطر لَهُ فِي رخصه والطاعم الشاكر لَهُ أجر الصائم الصابر. ومن نوي أن يقوم من الليل فغلبته عَيْنَاهُ فنام كتب لَهُ ما نوي، وكَانَ نومه عَلَيْهِ صدقة.
وَقَالَ أبو الدرداء: يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم كيف يسبقون سهر الحمقي وصيامهم. ولهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الصحيح: "رب قائم حظه من قيامه السهر، وصائم حظه من صيامه الجوع والعطش" رواه الطبراني وأَحمَدُ بنُ حنبل.
стр. 2254
وَقَالَ بَعْضهمْ: كم من مستغفر ممقوت وساكت مرحوم، وهَذَا استغفر وقَلْبهُ فاجر، وهَذَا ساكت وقَلْبهُ ذاكر، وَقَالَ بَعْضهمْ: لَيْسَ الشأن فيمن يقوم الليل، إنما الشأن فيمن ينام عَلَى فراشه ثُمَّ يصبح وقَدْ سبق الركب.
اللَّهُمَّ وفقنا لما وفقت إليه القوم وأيقظنا من سنة الغَفْلَة والنوم وارزقنا الاستعداد لذَلِكَ الْيَوْم الَّذِي يربح فِيه المتقون، اللَّهُمَّ وعاملنا بإحسانك وَجَدَ عَلَيْنَا بِفَضْلِكَ وامتنانك وَاجْعَلْنَا مِنْ عبادك الَّذِينَ لا خوف عَلَيْهمْ ولا هم يحزنون اللَّهُمَّ ارحم ذلنا بين يديك واجعل رغبتنا فيما لديك، ولا تحرمنا بذنوبنا، ولا تطردنا بعيوبنا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
وَقَالَ ﵀:
قوله ?: " اغدوا وروحوا وشَيْء من الدلجة ". كقوله فِي الرواية الأخري: " استعينوا بالغدوة والروحة وشَيْء من الدلجة ". يعني أن هذه الأوقات الثلاثة تَكُون أوقات السير إلي الله بالطاعات، وهي آخر الليل وأول النَّهَارَ وآخره.
وقَدْ ذكر الله هذه الأوقات فِي قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ . وَقَالَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ .
стр. 2255
وذكر الله تعالى الذكر فِي طرفِي النَّهَارِ فِي مواضع كثيرة من كتابه كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ وَقَالَ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ . وقال: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ وَقَالَ: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ .
فهذه الأوقات الثلاثة منها وقتان وهما أول النَّهَار وآخره يجتمَعَ فِي كُل من هذين الوقتين عمل واجب هُوَ تطوع فأما الْعَمَل الواجب فهو صلاة الصبح وصلاة العصر وهما من أفضل الصلوات الخمس، وهما البردان اللذان من حافظ عَلَيْهِمَا دخل الْجَنَّة، وقَدْ قيل فِي كُلّ مِنْهُمَا أنها الصَّلاة الوسطي.
وأما الْعَمَل التطوع فهو ذكر الله بعد صلاة الصبح حتي تطلع الشمس، وبعد العصر حتي تغرب الشمس. وقَدْ وردت النصوص الكثيرة فِي أذكار الصباح والمساء وفِي فضل من ذكر الله حيث يصبح وحيث يمسي.
وقَدْ روي من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: " ابن آدم اذكرني ساعة من أول النَّهَارَ وساعة من آخره أغفر لك ما بين ذَلِكَ إلا الكبائر أو تتوب منها ". وكَانَ السَّلَف لآخر النَّهَارَ أشد تعظيماً من أوله.
قال ابن المبارك: بلغنا أنه من ختم نهاره بذكر الله كتب نهاره كله ذكراً. وَقَالَ أبو الجلد: بلغنا أن الله تعالى ينزل مساء كُلّ يوم إلي السماء الدُّنْيَا ينظر إلي أعمال بني آدم.
عَلَيْكَ يَاذَا الجَلاَلِ مُعْتَمَدِي ... طُوبَى لِمَنْ كُنْتَ أَنْتَ مَوْلاَهْ
طُوبَى لِمَنْ بَاتَ خَائِفاً وَجِلاً ... يَشْكُوا إِلى ذِي الجَلاَلِ بَلْوَاهْ
وَمَا بِهِ عِلَّةٌ وَلاَ سَقَمٌ ... أَكْثَرَ مِنْ حُبّهِ لِمَوْلاَهْ
стр. 2256
ورأي بعض السَّلَف أبا جعفر القاري فِي المنام فَقَالَ لَهُ: قل لأبي حازم – يعني الأعرج الزاهد الكيس: إن الله وملائكته يتراءون مجلسك بالعشيات. والظاهر أن أبا حازم كَانَ يقص عَلَى النَّاس آخر النهار.
وقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيث أن الذكر بعد الصبح أفضل من أربع رقاب وبعد العصر أحب من ثمان. وأيضاً فيوم الْجُمُعَة آخره أفضل من أوله لما يرجي فِي آخره من ساعة الإجابة.
ويوم عرفة آخره أفضل من أوله لأنه وَقْت الوقوف. وكَذَلِكَ آخر الليل أفضل من أوله، وَكَذَا قال السَّلَف، واستدلوا بحديث النزول الإلهي. وهَذَا كله مِمَّا يرجح به قول من قال أن صلاة العصر هِيَ الوسطي.
وأما الوَقْت الثالث فهو الدلجة. والإدلاج سير آخر الليل، والمراد هنا الْعَمَل فِي آخر الليل وَهُوَ وَقْت الاستغفار كما قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ وَقَالَ: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .
وهو آخر أوقات النزول الإلهي المتضمن لاستعراض حوائج السائلين، واستغفار المذنبين، وتوبة التائبين، وسط الليل للمحبين للخلوة بحبيبهم، وآخر الليل للمذنبين يستغفرون من ذنوبهم، من عجز عن مُشَارَكَة المحبين فِي الجري معهم فِي ذَلِكَ المضمار فلا أقل من مُشَارَكَة المذنبين فِي الاعتذار.
ورد فِي بعض الآثار: أن العرش يهتز من السحر. قال طاووس ما كنت أظن أن أَحَدًا ينام فِي السحر.
стр. 2257
وفِي الْحَدِيث الَّذِي خرجه الترمذي: " من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل. سير الدلجة آخر الليل يقطع به سفر الدُّنْيَا والآخرة ".
ولهَذَا الْحَدِيث الَّذِي أخرجه مسلم: " إِذَا سافرتم فعليكم بالدلجة فإن الأرض تطوي بالليل " وقَدْ دخل الأشتر عَلَى عَلَي ﵁ وَهُوَ يصلي فأنشد:
اصْبِرْ عَلَى مَضَضِ الإدْلاَجِ بِالسَّحَرِ ... وفِي الرَّواحِ عَلَى الطَاعَاتِ وَالبُكَرِ
لاَ تَضْجَرَنّ وَلاَ يُعْجِزْكَ مَطْلَبُهَا ... فَالهَمُ يَتْلَفُ بَيْنَ اليَأْسِ وَالضَّجَرِ
إِنّي رَأَيْتُ وفِي الأيَّامِ تَجْرُبَةٌ ... لِلصَّبْرِ عَاقِبَةٌ مَحْمُودَةُ الأثَرِ
وَقَلَّ مَنْ جَدَّ فِي أَمْرٍ تَطَلّبَهُ ... واسْتَصْحِبَ الصَّبْرَ إلا فَازَ بِالظَفَرِ
اللَّهُمَّ ألحقنا بعبادك الصالحين الأبْرَار، وآتنا فِي الدُّنْيَا حسنة وفِي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا، وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ الأحياء مِنْهُمْ والميتين، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وصلي الله عَلَى سيدنا مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
وَقَالَ ﵀:
وقوله ?: " والقصد القصد تبلغوا ". حث عَلَى الاقتصاد فِي العبادة، والتوسط فيها بين الغلَوْ والتقصير"، ولذَلِكَ كرره مرة بعد مرة. وفِي مسند البزار من حديث حذيفة ﵁: ما أحسن القصد فِي الفقر، وما أحسن القصد فِي الغني، وما أحسن القصد فِي العبادة.
وكَانَ مطرِّفُ بن عَبْد اللهِ بن الشخِّيْر قَدْ اجتهد فِي العبادة فَقَالَ له
стр. 2258
أبوه: خَيْر الأمور أوسطها، الحسنة بين السيئتين، وشر السير القحقحة أن يلح فِي شدة السير حتي تَقُوم عَلَيْهِ راحلته وتعطب فيبقي منقطع به سفره، انتهي.
ويشهد لهَذَا الْحَدِيث المروي عن عَبْد اللهِ بن عمرو ﵄ مرفوعاً: "إن هَذَا الدين متين فأوغل فِيه برفق ولا تبغض إلي نفسك عبادة الله، فإن المنبت لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقي فاعمل عمل امريء يظن أنه لن يموت إلا هرماً وَاحْذَر حذر امريء يخشي أن يموت غداً" أخرجه حميد بن زنجويه وغيره.
وفِي تكرير أمره بالقصد إشارة إلي المداومة عَلَيْهِ فإن شدة السير والاجتهاد مظنة السآمة والانقطاع، والقصد أقرب إلي الدوام، ولهَذَا جعل عاقبة القصد البلوغ. قال أدلج: بلغ المنزل.
فالمُؤْمِن فِي الدُّنْيَا يسير إلي ربه حتي يبلغ إليه كما قال تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلي ربك كدحاً فملاقيه) وَقَالَ تعالى: (واعبد ربك حتي يأتيك إليقين) ، قال الحسن: يا قوم: المداومة فإن الله لم يجعل لعمل المُؤْمِن أجلاً دون الموت ثُمَّ تلي هذه الآية.
وَقَالَ أيضاً: نفوسكم مطاياكم فأصلحوا مطاياكم تبلغكم إلي ربكم . وإصلاح المطايا، الرفق بِهَا وتعاهدها بما يصلحها من قوتها والرفق بِهَا فِي سيرها، فإِذَا أحس بِهَا بتوقف فِي السير تعاهدها تَارة بالتشويق وتَارة بالتخويف حتي تسير.
قال بعض السَّلَف: الرجَاءَ قائد والخوف سائق، والنفس بينهما، كالدابة الحرون، فمتي فتر قائدها وقصر سائقها وقفت فتحتاج إلي الرفق بِهَا والحدو لها حتي يطيب لها السير.
стр. 2259
قال خليد العصري: إن كُلّ حبيب يحب أن يلقي حبيبه فأحبوا ربكم وسيروا إليه مسيراً جميلاً لا مصعداً ولا مميلاً، فغاية السير يوصل المُؤْمِن إلي ربه، ومن لا يعرف الطَرِيق إلي ربه لم يسلك إليه فِيه، فهو والبهيمة سواء.
قال ذو النون: السفلة من لا يعرف الطَرِيق إلي الله ولا يتعرفه. والطَرِيق إلي الله هُوَ سلوك صراطه المستقيم الَّذِي بعث الله به رسوله وأنزل به كتابة وأمر الخلق كلهم بسلوكه والسير فيه.
قال ابن مسعود ﵁: الصراط المستقيم، تركنا مُحَمَّد ? فِي أدناه وطرفه فِي الْجَنَّة، وعن يمينه جواد وثُمَّ رِجَال يدعون من مر بِهُمْ، فمن أخذ فِي تلك الجواد انتهت به إلي النار، ومن أخذ عَلَى الصراط انتهي به إلي الجنة. ثُمَّ قَرَأَ: (وأن هَذَا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) أخرجه ابن جرير وغيره.
فالطَرِيق الموصل إلي الله واحد، وَهُوَ صراطه المستقيم، وبقية السبل كُلّهَا سبل الشيطان، من سلكها قطعت به عن الله، وأوصلته دار سخطه وغضبه وعقابه، فربما سلك الإنسان فِي أول أمره عَلَى الصراط المستقيم ثُمَّ ينحرف عنهُ آخر عمره فيسلك بعض سبل الشيطان فيقطع عن الله فيهلك.
"إن أحدكم ليعمل بعمل أَهْل الْجَنَّة حتي ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع فيعمل بعمل أَهْل النار فيدخل النار" وَرُبَّمَا سلك بالرجل أولاً بعض سبل الشيطان ثُمَّ تدركه السعادة فيسلك الصراط المستقيم فِي آخر عمره فيصل به إلي الله.
стр. 2260
والشأن كُلّ الشأن فِي الاستقامة عَلَى الصراط المستقيم من أول السير إلي الله (ذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يشاء) (والله يدعو إلي دار السَّلام ويهدي من يشاء إلي صراط مستقيم) . ما أكثر من يرجع أثناء الطَرِيق وينقطع، فإن القُلُوب بين أصبعين من أصابع الرحمن (يثَبِّتْ الله الَّذِينَ آمنوا بالقول الثابت) .
خَلِيْليَّ قُطّاعٌ الطَرِيقِ إِلى الحِمَا ... كَثِيرٌ وَأَمَّا الوَاصِلُونَ قَلِيْلُ
وفِي الْحَدِيث الصحيح الإلهي (القدسي) يَقُولُ الله : (من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة".
وفِي المسند زيادة: "والله أعلا وأجل والله أعلا وأجل"، وفِيه أيضاً: يَقُولُ الله: (ابن آدم قم إلي وامش إلي أهرول إليك) .
اللَّهُمَّ أعذنا بمعافاتك من عقوبتك وبرضاك من سخطك واحفظ جوارحنا من مخالفة أمرك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ الأحياء مِنْهُمْ جوارحنا من مخالفة أمرك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وصحبه.
(فَصْلٌ)
الوصول إلي الله نوعان: أحدهما فِي الدُّنْيَا، والثاني فِي الآخرة. فأما الوصول الدنيوي فالمراد به: أن القُلُوب تصل إلي معرفته، فإِذَا عرفته أحبته، وأنست به فوجدته منها قريباً، ولدعائها مجيباً، كما فِي بعض الآثار: " ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كُلّ شَيْء، وإن فتك فاتك كُلّ شيء ".
стр. 2261
الصراط المستقيم فِي الدُّنْيَا يشتمل عَلَى ثلاث درجات: درجة الإسلام، ودرجة الإيمان، ودرجة الإحسان. فمن سلك درجة الإسلام إلي أن يموت عَلَيْهَا منعته من الخلود فِي النار، ولم يكن لَهُ بد من دخول الْجَنَّة، وإن أصابه قبل ذَلِكَ ما أصابه.
ومن سلك عَلَى درجة الإيمان إلي أن يموت عَلَيْهَا منعته من دخول النار بالكلية فإن الإيمان يطفئ لهب نار جهنم حتي تَقُول: يا مُؤْمِن جز فقَدْ أطفأ نورك لهبي.
وفِي المسند عن جابر ﵁ مرفوعاً: "لا يبقي بر ولا فاجر إلا دخلها فتَكُون عَلَى المُؤْمِن برداً وسلاماً كما كانت عَلَى إبراهيم، حتي إن للنار ضجيجاً من بردهم، هَذَا ميراث ورِثَه المحبونه من حال أبيهم إبراهيم ﵇".
ومن سلك عَلَى درجة الإحسان إلي أن يموت عَلَيْهَا وصل بعد الموت إلي الله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ . وفِي الْحَدِيث الصحيح: "إِذَا دخل أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة نادي مناد يا أَهْل الْجَنَّة إن لكم عِنْدَ الله موعداً يريد أن ينجزكموه.
فيقولون: ما هو؟ ألم يبيِّض وجوهنا؟ ألم يثقل موازيننا؟ فوَاللهِ ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم، ولا أقر لأعينهم من النظر إليه، وَهُوَ الزيادة، ثُمَّ تلا: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ .
كل أَهْل الْجَنَّة يشتركون فِي الرواية ولكن يتفاوتون فِي القرب فِي حال الرؤية. عموم أَهْل الْجَنَّة يرون ربهم يوم المزيد وَهُوَ يوم الْجُمُعَة، وخواصهم ينظرون إلي وجه الله فِي كُلّ يوم مرتين بكرة وعشياً. العارفون لا يسليهم عن محبوبهم قصر ولا يرويهم دونه نهر.
стр. 2262
وَيَرُونَهُ سُبْحَانَهُ مِنْ فَوقِهِمْ ... نَظَرَ العِيَانِ كَمَا يُرَى القَمَرانِ
هَذَا تَوُاتَرَ عن رَسُوْلِ اللهِ لم ... يُنْكِرُهُ إلا فَاسِدُ الإيمان
وَأَتَى بِهِ القُرّآنُ تَصْرِيَحاً وَتَعْـ ... ـريْضاً هُمَا بسِيَاقِهِ نَوْعَانِ
وَهِيَ الزِيادَةُ قَدْ أَتَتْ فِي يُونُسٍ ... تَفْسِيرَ مَنْ قَدْ جَاءَ بِالقُرّآنِ
وَهِيَ المَزْيِدُ كَذَاكَ فَسَرَهُ أَبُو ... بَكْرٍ هُوَ الصِدْيِقُ ذُوْ الإيمان
وعَلَيْهِ أَصْحَابُ الرَّسُولِ تَتَابَعُو ... هُمْ بَعْدَهُمْ تَبَعِيَةَ الإحْسَانِ
اللَّهُمَّ امنُنْ عَلَيْنَا بإصلاح عيوبنا واجعل التقوي زادنا وفِي دينك اجتهادنا وعليك توكلنا واعتمادنا وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
وفِي المسند عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً: "إن أدني أَهْل الْجَنَّة منزلة لينظر فِي ملكه ألفِي سنة يري أقصاه كما يري أدناه، ينظر إلي أزواجه وخدمه، وإن أفضلهم منزلة لمن ينظر إلي وجه الله ﵎ كُلّ يوم مرتين" وأخرجه الترمذي، ولفظه "إن أدني أَهْل الْجَنَّة منزلة لمن ينظر إلي أزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة".
وأكرمهم عَلَى الله من ينظر إلي وجهه غدوة وعشياً ثُمَّ قَرَأَ رسول الله ?: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ولهَذَا المعني قَالَ رَسُولُ اللهِ ? فِي الْحَدِيث الصحيح حديث جرير بن عَبْد اللهِ البجلي: " إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون فِي رؤيته ". قال: " فإن استطعتم إلا تغلبوا عَلَى صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل
стр. 2263
غروبِهَا فافعلوا ". ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ .
ولما كَانَ هذان الوقتان فِي الْجَنَّة وقتان للرؤية فِي خواص أَهْل الْجَنَّة، خص ? عَلَى المحافظة عَلَى الصَّلاة فِي هذين الوقتين فِي الدُّنْيَا فمن حافظ عَلَى هاتين الصلاتين فِي الدُّنْيَا فِي هذين الوقتين وصلاهما عَلَى أكمل وجوههما وخشوعهما وحضورهما وأدبهما فإنه يرجي لَهُ أن يكون ممن يري الله فِي هذين الوقتين فِي الْجَنَّة، لا سيما إن حافظ بعدهما عَلَى الذكر وأنواع العبادات حتي تطلع الشمس أو تغرب.
فإن وصل الْعَبْد ذَلِكَ بدلجة آخر الليل فقَدْ اجتمَعَ لَهُ السير فِي الأوقات الثلاثة وهي: الدلجة، والغدوة، والروحة، فيوشك أن يعقبه الصدق فِي هذَا السير الوصول الأعظم إلي ما يطلبه فِي مقعد صدق عِنْدَ مليك مقتدر.
من لزم الصدق فِي طلبه أداه الصدق إلي مقعد الصدق. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ .
المحب لا يقطع السؤال عمن يحب ويتحسس الأخبار وينسم الرياح ويستدل بآثار السلوك عَلَى الطَرِيق إلي محبوبه.
لَقَدْ كبرت همة الله مطلوبِهَا وشرفت نفس الله محبوبِهَا ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ .
مَا لِلْمُحْبِ سِوَى إِرَادَةَ حُبِهِ ... إِنَّ المُحِبَ بِكُلِّ بَرٍ يُصْرَعُ
قيمة كُلّ امريءٍ ما يطلب، فمن كَانَ يطلب الله فلا قيمة لَهُ من طلب الله فهو أجل من أن يقوم. ومن طلب غيره فهو أخس من أن يكون لَهُ قيمة.
стр. 2264
قال الشبلي: من ركن إلي الدُّنْيَا أحرقته بنارها فصار رماداً تذروه الرياح، ومن ركن إلي الآخرة أحرقته بنورها فصار سبيكة ذهب ينتفع به، ومن ركن إلي الله أحرقه نور التَّوْحِيد فصار جوهراً لا قيمة له.
اللَّهُمَّ هب لنا ما وهبته لأوليائك وتوفنا وأَنْتَ راض عنا وقَدْ قبلت اليسير منا وَاجْعَلْنَا يا مولانَا من عبادك الَّذِينَ لا خوف عَلَيْهمْ ولا هم يحزنون وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أرحم الراحمين.
وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
فِي قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ هذه الآية كانت تشتد عَلَى الخائفين من العارفين، فإنها تقتضي أن من العباد من يبدو لَهُ عِنْدَ لقاء الله ما لم يكن يحتسب لَهُ، ولهَذَا قال عمر ﵁: لَوْ أن لي ملك الأرض لافتديت به من هول المطلع.
وفِي الْحَدِيث: " لا تمنوا الموت فإن هول المطلع شديد، وإن من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة ".
وَقَالَ بعض حكماء السَّلَف: كم موقف خزي يوم القيامة لم يخطر عَلَى بالك قط. ونظير هَذَا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ واشتمل عَلَى ما هُوَ أعم من ذَلِكَ وَهُوَ أن يكون لَهُ أعمال يرجو بِهَا الْخَيْر فتصير هباءً منثوراً وتبدل سيئاتٍ. وقَدْ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ
стр. 2265
كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ .
وَقَالَ: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً﴾ .
وَقَالَ الفضيل فِي هذه الآية: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ قال: عملوا أعمالاً وحسبوا أنها حسنات فإِذَا هِيَ سيئات. وقريب من هَذَا أن يعمل الإنسان ذنباً يحتقره ويستهون به فيكون هُوَ سبب هلاكه. كما قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ .
وَقَالَ بعض الصحابة: إنكم تعملون أعمالاً هِيَ فِي أعينكم أدق من الشعر، كنا نعهدها عَلَى عهد رسول الله ? من الموبقات، وأصعب من هَذَا زين لَهُ سوء عمله فرآه حسناً. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ .
قال ابن عيينة: لما حضرت مُحَمَّد بن المنكدر الوفاة جزع فدعوا لَهُ أبا حازم فَجَاءَ فَقَالَ لَهُ ابن المنكدر: إن الله يَقُولُ: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ فأخاف أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب. فجعلا يبكيان جميعاً. أخرجه ابن أبي حاتم. وزَادَ ابن أبي الدنيا. فَقَالَ لَهُ أهله: دعوناك لتخفف عَلَيْهِ فزدته فأخبرهم بما قال.
وَقَالَ الفضيل بن عياض: أخبرت عن سليمان التيمي أنه قيل لَهُ: أَنْتَ أَنْتَ ومن مثلك؟ فَقَالَ مه لا تقولوا هَذَا لا أدري ما يبدو لي من الله. سمعت الله يَقُولُ: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ .
وكَانَ سفيان الثوري يَقُولُ عِنْدَ هذه الآية: ويل لأَهْل الرياء من
стр. 2266
هذه الآية، وهَذَا كما فِي حديث الثلاثة الَّذِينَ هم أول من تسعر بِهُمْ النار، العَالم والمتصدق والمجاهد. وكَذَلِكَ من عمل أعمالاً صَالِحَة وكانت عَلَيْهِ مظَالم فهو يظن أن أعماله تنجيه فيبدو لَهُ ما لم يكن يحتسب، فيقتسم الغرماء أعماله كُلّهَا ثُمَّ يفضل لهُمْ فضل فيطرح من سيئاتهم عَلَيْهِ ثُمَّ يطرح فِي النار.
وقَدْ يناقش الحساب فيطلب منه شكر النعم فتَقُوم أصغر النعم فتستوعب أعماله كُلّهَا وتبقي بقية فيطالب بشكرها فيعذب.
ولهَذَا قال ﵊: " من نوقش الحساب عذب أو هلك". وقَدْ يكون لَهُ سيئات تحبط بعض أعماله أو أعمال جوارحه سوي التَّوْحِيد فيدخل النار.
وفِي سنن ابن ماجة من رواية ثوبان مرفوعاً: " إن من أمتي من يجيئ بأعمال أمثال الجبال فيجعلها الله هباءً منثوراً ". وفِيه: " وهم قوم من جلدتكم ويتكلمون بألسنتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون من الليل ولكنهم قوم إِذَا خلوا بمحارم الله انتهكوها ".
وأخرجَ يعقوب بن أبي شيبة وابن أبي الدُّنْيَا فِي حديث سالم مولي أبي حذيفة مرفوعاً: " ليجَاءَ يوم القيامة بأقوام معهم من الحسنات مثل جبال تهامة، حتي إِذَا جئ بِهمْ جعل الله أعمالهم هباءً ثُمَّ أكبهم فِي النار ".
قال سالم: خشيت أن أكون منهم. فَقَالَ أما أنَّهُمْ كَانُوا يصومون ويصلون ويأخذون هنيهة من الليل، لعلهم كَانُوا إِذَا عرض لهُمْ شَيْء سراً حراماً أخذوه فأدحض الله أعمالهم. وقَدْ يحبط الْعَمَل بآفة من رياء خفِي أو عجب به ونحو ذَلِكَ ولا يشعر به صاحبه.
قال ضيغم العابد: إن لم تأت الآخرة بالسرور لَقَدْ اجتمَعَ عليه
стр. 2267
الأمران هم الدُّنْيَا وشقاء الآخرة. فقيل لَهُ: كيف لا تأتيه الآخرة بالسرور وَهُوَ يتعب فِي دار الدُّنْيَا ويدأب؟ قال: كيف القبول، كيف بالسلامة.
ثُمَّ قال: كم من رجل يري أنه قَدْ أصلح عمله يجمَعَ ذَلِكَ كله يوم القيامة ثُمَّ يضرب به وجهه، ومن هنا كَانَ عامر بن عبد قيس وغيره يقلقون من هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ .
وَقَالَ ابن عون: لا تثق بكثرة الْعَمَل، فإنك لا تدري يقبل منك أم لا، ولا تأمن ذنوبك فإنك لا تدري هل كفرت عنكَ أم لا؟ لأن عملك عنكَ مغيب كله لا تدري ما الَّذِي صانع به. وبكي النخعي عِنْدَ الموت وَقَالَ: أنتظر رسول رَبِّي ما أدري أيبشرني بالْجَنَّة أو النار؟
وجزع غيره عِنْدَ الموت، قيل لَهُ تجزع؟ قال: إنما هِيَ ساعة ولا أدري أين يسلك بي؟ وجزع بعض الصحابة عِنْدَ موته، فسئل عن حاله فَقَالَ: إن الله قبض خلقه قبضتين، قبضة للجنة وقبضة للنار ولست أدري فِي أي القبضتين أنا؟
ومن تأمل هَذَا حق التأمل أوجب لَهُ القلق فإن ابن آدم متعرض لأهوال عظيمة من ذَلِكَ، الوقوف بين يدي الله ودخول النار ويخشي عَلَى نَفْسهِ الخلود فيها بأن يسلب إيمانه عِنْدَ الموت، ولم يأمن المُؤْمِن شيئاً من هذه الأمور ﴿فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ . فتحقق هَذَا، يمنع ابن آدم القرار.
إِذَا افْتَكَرَ اللَّبِيْبُ رَآى أُمُوْراً ... تَرُدُ الضَّاحِكَاتِ إِلى الوُجُوْمِ
стр. 2268
رأي بَعْضهمْ قائلاً يَقُولُ لَهُ:
وَكَيْفَ تَنَامُ العَيْنُ وَهِيَ قَرْيْرَةٌ ... وَلم تَدْرِ فِي أَيْ المَحَلَيْنِ تَنْزِلُ؟
وسئل بعض الموتي وكَانَ مجتهداً عن حاله؟ فأنشد يَقُولُ:
ولَيْسَ يَعْلَمُ مَا فِي القَبْرِ دَاخِلَهُ ... إلا الإلَهُ وَسَاكِنِ الأجْداثِ
وَقَالَ غيره:
أَمَا وَاللهِ لَوْ عَلِمَ الأنَامُ ... لِمَا خُلِقُوا لِمَا غَفَلُوا وَنَامُوا
لَقَدْ خُلِقُوا لِمَا لَوْ أبْصَرَتْهُ ... عُيِونُ قُلُوبِهِمْ تَاهُوا وَهَامُوا
مَمَاتٌ ثُمَّ قَبْرٌ ثُمَّ حَشْرٌ ... وَتَوبِيْخٌ وأَهْوالٌ عِظَامُ
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ إيماننا بك ومحبتك فِي قلوبنا ثبوت الجبال الراسيات واعصمنا يا مولانَا مِنْ جَمِيعِ الموبقات ووفقنا للعمل بالباقيات الصالحات وارفع منازلنا فِي فسيح الجنات وارزقنا النظر إلي وجهك الكريم يا حكيم يا عليم يا حي يا قيوم وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. . .
(فَصْلٌ فِي الرِّيَاءِ)
اعْلم عصمنا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع المُسْلِمِيْنَ أن القُلُوب تمرض كما تمرض الأبدان بل مرضها أشد ومن أمراضها الرياء وَهُوَ من أخطر أمراض القُلُوب ومن الأوباء الأخلاقية الضارة التي تحتاج إلي علاج دائم ويقظة مستمرة وَهُوَ مأخوذ من الرؤيا لأن المرائي يري النَّاس فعله للخَيْر ليثنوا عَلَيْهِ ويحمدوه ويأمنوه فيستولي بذَلِكَ عَلَى قُلُوبهمْ فيكون لَهُ سلطان عَلَيْهمْ يصل به
стр. 2269
إِلى لَذَّتِهِ وَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى تَحْصِيلِ شَهَوَاتِهِ وَهَذَا الرِّيَاء إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ رَجُلٍ قَصُرَ نَظَرَهُ وَرَقَّ دِينُهُ فَإِن هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَصَوَّرُ أَنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْهُ يُصَلِّي كَثِيراً أَوْ رَأَوْهُ يُطِيلُ الصَّلاة أَوْ يَصُومُ النَّوَافِلَ أَوْ يَحُجُّ أَوْ يَتَصَدَّقَ أَوْ يَفْعَلُ أَيَّ فَعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ الْخَيْرِ يَحْسِنُونَ بِهِ الظَّنَّ وَيُعَامِلُونَهُ مُعَامَلَةً خَاصَّةً تَتْرُكُهُ فِي دُنْيَاهُ فِي سُرُور.
شِعْراً: ... كُنْ بِخُمُولِ النُّفُوسِ قَانِعْ ... لا تَطْلُبْ الذكْرَ فِي الْمَجَامِعْ
فَلَنْ يَزَالَ الْفَتَى بِخَيْرٍ ... مَا لم تُشِر نَحْوَهُ الأصَابِعْ
وَأَمَّا الْعَاقِلُ بَعِيدُ النَّظَرِ صَادِقُ الإيمان فَإِنَّهُ يَعْلم عِلْماً يَقِيناً لا يَشُوبُهُ الظَّنُّ أَنَّ الأمر كُلّهُ دُنْيًا وَأخْرَى للهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ الْعَالم كُلَّهُ أَعْجَزُ مِنْ أَنْ يَدْفَعَ أَجَلاً أَوْ يُكْثِرَ رِزْقاً أَوْ يُجِيرَ مِنْ نَائِبَةٍ تَنْزِلُ عَلَى الإنسان كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ ?: «وَاعْلم أَنَّ الأمَّةَ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْء لم يَنْفَعُوكَ إلا بِشَيْء قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْء لم يَضُرُّوكَ إلا بِشَيْء قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ)) . فَإِذَا كَانَ الْخَلْقُ بِهَذَا الضَّعْفِ فَلا يَلْتَفِتُ لِمُرَاآتِهِمْ إلا مَنْ كَانَ سَخِيفَ الْعَقْلِ وَضَعِيفَ الدِّيْن عَلَى أَنَّ رِيَاءَ الْمُرَائِي لا يَخْفِي حَتَّى عَلَى الْخَلْقَ غَالِباً فَإِنَّ حَرَكَاتِهِ لا تَشْتَبِهُ بِأَعْمَالِ الْمُخْلِصِينَ الَّذِينَ قَدْ اسْتَوَتْ ظَوَاهِرُهُمْ وَبَوَاطِنُهُمْ عَلَى السَّوَاءِ.
قَالَ عَلَى كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: لِلْمُرَائِي ثَلاثُ عَلامَاتٍ أَوْلاً أَنَّهُ يَكْسَلُ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ وَيَنْشَطُ إِذَا كَانَ فِي النَّاسِ وَيَزِيدُ فِي الْعَمَل إِذَا أَثْنِيَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَيَنْقُصُ إِذَا ذُمَّ وَقَدْ وَرَدَتْ آيَاتُ وَأَحَادِيثُ وَآثَارٌ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّيَاءِ وَأَنَّهُ مَمْقُوتٌ مِنْهَا قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ وَقَالَ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ .
قَالَ مُجَاهِد: هُمْ أَهْلُ الرِّيَاءِ، وَقَالَ تعالى: ﴿َمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ
стр. 2270
عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ نَزَلَ ذَلِكَ فِي مَنْ يَطْلُبُ الأجَر وَالْحَمْدَ بِعِبَادَاتِهِ وَأَعْمَالِهِ.
وَأَمَّا الأحَادِيث فَعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ? يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيها؟ قَالَ: قَاتَلْتَ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالُ هُوَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيل ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أَلْقِيَ فِي النَّارِ.
وَرَجَلٌ تَعَلم الْعِلم وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلتَ فِيه قَالَ تَعَلمتَ الْعِلم وَعَلمتَهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنِ قَالَ كَذِبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلمتَ لِيُقَالُ عَالم وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالُ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أَلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجَلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَال فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيه اقَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيه إلا أَنْفَقْتَ فِيه لَكَ قَالَ كَذِبْتَ وَلِكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالُ هُوَ جَوَّادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أَلْقِيَ فِي النَّارِ)) . رَوَاهُ مُسْلم وَالنِّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّان.
وَعن عَبْدِ اللهِ بن عمرو بنِ العاصِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي عن الْجِهَادِ وَالْغَزْوِ فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللهِ بن عَمْرِو إِنْ قَاتَلْتَ صَابِراً مُحْتَسِباً بَعَثَكَ اللهُ صَابِراً مُحْتَسِباً وَإِنْ قَاتَلْتَ مُرَائِياً مُكَاثِراً بِعَثَكَ اللهُ مُرَائِياً مُكَاثِراً يَا عَبْدَ اللهِ بنَ عَمْروٍ عَلى أَيِّ حَالٍ قَاتَلْتَ أَوْ قُتِلْتَ بَعَثَكَ اللهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ)) . رواه أبو داود.
وَعن أَبِي بن كَعْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «بَشِّرْ هَذِهِ الأمَّةَ بِالسَّنَا وَالرِّفْعَةِ وَالدِّينِ وَالتَّمْكِينِ فِي الأرض فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمِلَ الآخرة لِلدُّنْيَا لم
стр. 2271
يَكُنْ لَهُ فِي الآخرة مِنْ نَصِيبٍ)) . رَوَاهُ أَحَمَدُ وَابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكم وَالْبَيْهَقِي، إِذَا فَهِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلم أَنَّ هُنَاكَ أُمُوراً خَمْسَةً ١- مُرَاءٍ وَهُوَ الْعَابِدُ الَّذِي يُظْهِرُ خِصَالَ الْخَيْر ٢- ومُرَائي وَهُمْ الْخَلْقُ الَّذِينَ يُظْهِرُ الْمُرَائِي لَهُمْ أَعْمَالَهُ ٣- وَمُرَاء لأَجْلِهِ وَهُوَ الْجَاهُ وَالْمَالُ وَالسُّلْطَانُ وَحُبُّ الْحَمْدِ وَكَرَاهَةُ الذَّمِّ وَرِيَاءٌ وَهُوَ قَصْدُ إِظْهَارِ الْعِبَادَةِ لذَلِكَ الْغَرَضِ، وَالْمُرَاؤن بالعبادات أَقْسَامٌ، الْقِسْمُ الأوَّلُ الْمُرَاؤُنَ فِي الْعَقَائِدَ الدِّينِيَّةِ وَهُمْ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ لِلنَّاسِ أنَّهُمْ مُوَحِّدُونَ يَشْهَدُونَ أَنَّ لا إِله إلا اللهِ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ خِلافَ ذَلِكَ أَوْ يُظْهِرُونَ أنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ وَيُظْهِرُونَ لِلنَّاسِ أنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالْمَلائِكَةِ وَيُصَدِّقُونَ بِوُجُودِهِمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ فِي قُلُوبِهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ وَلا رَيْبَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كُفْرٌ نَاقِلٌ عن الْمِلَّةِ الإسلاميَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ لأَنَّهُ تَكْذِيبٌ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَصَاحِبُه إِنْ لم يَتُبْ فَهُوَ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ.
قَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ فَهَذَا لِلْمُرَائِي الشِّرير الذَّلِق اللسانِ الَّذِي إِذَا تَكَلم رَاقَ كَلامُهُ لِلسَّامِعِ وَظَنَّهُ يَتَكَلم بِكَلامٍ نَافِعٍ وَيُؤَكَّد هَذَا الْمُرَائِي مَا يَقُولُ بِأَنَّهُ يُخْبِرُ أَنَّ اللهَ يَعْلم أَنْ مَا نَطَقَ بِهِ مُوَافِقٌ وَمُطَابِقٌ لِمَا فِي قَلْبهُ وَهُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ لأَنَّهُ يُخَالِفُ قَوْلُه فِعْلَه.
وَقَالَ تعالى فِي الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكم إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ .
وَمَا أَكْثَرَ أَشْبَاهِ هَؤلاءِ فِي زَمَنِنَا مِنْ مُنْكِرِي الْجِنِّ وَالْمَلائِكَة وَالْبَعْثَ مِمَّنْ نَجِدُهُمْ يَجْبَنُونَ عِنْدَ الْمُوَاجَهَةِ وَيَتَظَاهَرُونَ بِالإيمان عِنْدَ لِقَاءِ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 2272
وَيَعْتَرِفُونَ بِوُجُودِهِمْ لِيَتَّقُوا الأذَى وَلِيَتَّخِذُوا هَذَا السِّتَارَ وَسِيلَةً لِلأذَى وَإِذَا انْفَرَدُوا مَعَ أَوْلِيَائِهِمْ مِنْ شَيَاطِينِ الإنس صَرَّحُوا بِمُعْتَقَدَاتِ قُلُوبِهِمْ وَتَفَكَّهُوا بِأَكْلِ لُحُومِ الْمُؤْمِنِين وَطَعنوا فِي الدِّين وَحَمَلَتِهِ وَصَرَّحُوا بِإنْكَارِ الْجِنِّ وَالْمَلائِكَةِ وَهَؤُلاءِ كَفَرَةٌ مُنَافِقُونَ وَالرِّيَاءُ فِي الْعَقِيدَة عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ أَكْبَرِ دَرَجَاتِ الرِّيَاءِ وَأَشَدَّهَا أَثَراً وَضَرَراً.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْمُرَاؤُنَ فِي الْفَرَائِضِ وَالأرْكَانَ الشَّرْعِيَّةِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ أَرْكَانَ الدِّينِ مِنْ صَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍ أَمَامَ النَّاسِ مِنْ أَجْلِ غَرَضٍ مِن الأغْرَاضِ الَّتِي ذَكَرتُ آنِفًا فَإِذَا خَلا الْوَاحِدُ مِنْهُمْ بِنَفْسِهِ لم يَعْمَلْ شيئاً فَلْوَلا الْغَرَضُ الَّذِي يُرِيدُ تَحْقِيقَهُ مَا صَامَ وَلا صَلَّى وَلا حَجَّ وَلا زَكَّى فَهَذَا الْعَمَلُ بَاطِلٌ لأَنَّهُ لم يُرِدْ بِهِ وَجْهَ اللهِ فَعن أَنَسٍ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «تُعْرَضُ أَعْمَالُ بَنِي آدَمَ بَيْنَ يَدَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُحُفٍ مُخَتَّمَةٍ فَيَقُولُ اللهُ أَلْقُوا هَذَا وَاقْبَلُوا هَذَا فَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ يَا رَبُّ وَاللهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُ إلا خَيْراً فَيَقُولُ إِن عَمَلَهُ كَانَ لِغَيْرَ وَجْهِي وَلا أَقْبَلُ الْيَوْمَ مِن الْعَمَلِ إلا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهِي.
صَاحَ اسْتَمِعْ نُصْحًا أَتَاكَ مُفَصَّلاً
كَتَفَصُّلِ الْعِقِيَانِ فَوْقَ لَئَآلِي
بَادِرْ بَقَايَا عُمْرِكَ الْفَانِي فَلا
تَصْرِفْهُ إلا فِي الرِّضَا الْمُتَوَالي
وَاشْغَلْ فُؤَادَكَ دَائِباً مُتَفَكِّراً
فِي مَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِ الإجْلالِ
وَاخْلِصْ عِبَادَتَكَ الَّتِي بَاشَرْتَهَا
فِي الْقَوْلِ وَالأحوال وَالأفْعَالِ ... >?
стр. 2273
.. وَاشْغلْ بِذِكْرِ اللهِ قَلْبَكَ لاهِجاً
بِصِفَاتِهِ الْعُلْيَا بِلا إِمْلالِ
وَاجْعَلْ مَمَاتَكَ نَصْبَ عَيْنَيْكَ إِنَّهُ
أَوْلَى الأمُورِ وَأَنْصَحُ الأحوال
وَاعْلم بِأَنَّكَ بَعْدَ ذَاكَ مُحَاسِبٌ
فَاضْبُطْهُ لا تَكُ فِيه ذَا إِهْمَالِ
وَاعْلم بِأَنَّكَ بَعْدَ ذَلِكَ صَائِرٌ
إِمَّا إِلى بُؤْسٍ أَوْ الإفْضَالِ
وَادْأَبْ عَلَى حِفْظِ الشَّرِيعَةِ سَالِكًا
سُبْلَ الْهُدَى لا قَالِياً أَوْ غَالِي
وَابْدَأْ بِحِفْظِ الْقَلْبِ عن شُبُهَاتِهِ
وَاعْرَفْ مَسَاوِيهَا عَلَى الإجْمَالِ
ثُمَّ اسْقِهِ مَاءَ الْحَيَاةِ بِوَاعِظٍ
مِنْ مُحْكم التَّنْزِيلِ فِي إِجْلالِ
وَاحْرِسْ فَرَاغَكَ بِالتَّذَكُّرِ إِنَّهُ
عُمُرٌ إِذَا مَا ضَاعَ مِنْكَ لَغَالي
وَاحْفَظْ جَوَارِحَكَ الَّتِي أُوتِيتَهَا
عن كُلِّ مَا يَقْضِي بِكُلِّ نَكَالِ
وَاعْلم بِأَنَّكَ مَا خُلِقْتَ سَبَهْللاً
فَاعْبُدْ آلهَ الْعَرْشِ بِالإقْبَالِ
وَاجْعَلْ سَلاحَكَ دَعْوَةً بِإِنَابَةٍ
стр. 2274
.. وَالْجَأْ إِلىمَوْلاكَ غَيْرَ مُبَالِي
وَاسْأَلْهُ لا تَسْأَمْ فَإِنَّكَ عَبْدُهُ
فَهُوَ الْكَرِيمُ وَرَبُّ كُلِّ نَوَالِ
يَا رَبُّ فَاقْطَعْ عن فُؤَادِي كُلَّ مَا
أَرْجُوهُ إلا مِنْكَ مِنْ آمَالِ
وَاغْسِلْهُ مِنْ دَرَنِ الذُّنُوبِ فَإنَّهُ
مَرَضُ الْقُلُوبِ وَمُوجِبُ الإعْلالِ
وأَرِحْهُ مِنْ مَرَضِ الرِّيَاءِ فَإِنَّهُ
أَصْلُ الْفَسَادِ وَأَفْسَدُ الأشْغَالِ
وَاخْتُمْ بِنَا بِالْخَيْرِ عَاجِلِهِ الَّذِي
تَبْدُو حَلاوَةُ ذَوْقِهِ بِمَآلِ
وَاجْعَلْ صَلاتَكَ دَائِمًا تَتْرَى عَلَى
كِنْزِ الْمَعَالِي السَّيِدِ الْمِفْضَالِ
وَكَذَا عَلَى آلٍ لَهُ وَصَحَابَةٍ
أَهْلِ الْعُلا وَالْعِزِّ وَالإجْلالِ ... >?
(فَصْلٌ)
وَأَقْبَحُ أَنْوَاعُ الرِّيَاءِ: مَا فُعِلَ لِلْحُصُولِ عَلَى لَذَّةِ مُحَرَّمَةٍ كَأَنْ يَحْتَالَ عَلَى الْفِسْقِ بامْرَأَةٍ أَوْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى سَلْبِ مَالٍ ظُلْماً وَعُدْوَانَاً أَوْ يَتَوَسَّلُ بِهِ إِلى إِيذَاءِ بَرِيءٍ فِي عِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ دِينِهِ وَصَاحِبُ هَذَا الْعَمَلِ مُعَرَّضٌ نَفْسه لِلْمُجَازَاتِ عَلَى عَمَلِهِ أَشَدَّ الْجَزَاءِ وَالْعِقَابِ عَلَيْهِ أَسْوَأَ الْعِقَابِ فِي يَوْمٍ يُؤْخَذُ فِيه الْمُجْرِمُونَ بِالنَّوَاصِي إِنْ لم يَتُبْ مِنْ عَمَلِهِ ذَلِكَ تَوْبَةً نَصُوحاً.
وِمِنْ أَنْوَاعِ الرِّيَاءِ الرِّيَاءُ فِي الْفَرَائِضِ الدِّينِيَّةِ لِلْحُصُولِ عَلَى لَذَّةٍ مُبَاحَةٍ.
شِعْراً: ... لا يَغُرَّنَّكَ تَعْوِيجُ الْعنق ... وَلِبَاسُ الصُّوفِ وَالثَّوْبِ الْخَلَقْ
стр. 2275
.. وَخُشُوعِ الْمَرْءِ فِي ظَاهِرِهِ ... وَهُوَ فِي الْخَلْوَةِ تِنِّينٌ حنِقْ
يَبْلَعُ الْفِيلَ مُسِراً فَإِذَا ... بَلَعَ الذَّرَّةَ فِي الْجَهْرِ اخْتَنَقْ
وِمِنْ أَنْوَاعِ الرِّيَاءِ، الرِّيَاءُ فِي الْفَرَائِضِ الدِّينِيَّةِ لِلْحُصُولِ عَلَى لَذَّةٍ مُبَاحَةٍ.كَأَنْ يَحْتَالَ بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ عَلَى الْحُصُولِ عَلَى مَالٍ بِطَرِيقِ الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا وَلَوْلا هَذَا الْغَرَضَ مَا قَامَ بِأَدَائِهَا وَهَذَا شِرْك بِاللهِ بَلْ فِي الْحَقِيقَة عِبَادَةٌ لِلشَّهْوَةِ لا للهِ وَلَوْ كَانَ عِنْدَ صَاحِبِ هَذَا الْعَمَلِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن الأدَبِ وَالْحَيَاءِ لَخَجِلَ مِنْ خَالِقِهِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْلِصَ الْعِبَادَةَ لَهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَلَكِنَّهُ بَدَلاً مِنْ ذَلِكَ قَدْ جَعَلَ عِبَادَتَهُ وَسِيلَةً لاقْتِنَاصِ الْمَلاذِ وَالْحُصُولِ عَلَى الشَّهَوَاتِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْمُرَاؤُونَ بِالنَّوَافِلِ الَّتِي يُؤَدُّونَهَا فِي حَضْرَةِ النَّاسِ وَيَتْرُكُونَهَا إِذَا خَلَوْا أَوْ يَجِيدُونَ الْفَرَائِضَ وَيُطِيلُونَهَا فِي حَضْرَةِ النَّاسِ وَإِذَا انْفَرَدُوا خَفَّفُوا وَهَذَا أَيْضاً قَبِيحٌ وَلَكِنَّهُ دُونَ الأوَّلِ وَوَجْهُ قُبْحِهِ أَنَّ عِبَادَةَ اللهِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ خَالِصَةٌ لَهُ لا يَشُوبِهَا رِيَاءٌ أَبَداً فَمَنْ يُؤَدِّيهَا لَغَرَضٍ مِنْ الأغْرَاضِ فَقَدْ أَشْرَكَ فِيه مَعَ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ غَبِيٌّ مَمْقُوتٌ يَسْتَحِقُّ الذَّمِّ وَالْعِقَابَ إِنْ لم يَتُبْ لأَنَّهُ قَدْ اسْتَهَانِ بِعِبَادَةِ اللهِ وَجَعَلَهَا وَسِيلَةً لِلْحُصُولِ عَلَى الأغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالشَّهَوَاتِ الْجِسْمَانِيَّةِ مَعَ أَنَّ النَّوَافِلَ مَثَلاً لم تُشْرَعْ إلا لِلْحُصُولِ عَلَى الثَّوَابِ الْكَثِيرِ وَالدَّرَجَاتِ الرَّفِيعَةِ عِنْدَ اللهِ تعالى فَانْقَلَبَتْ عَلَى الْمُرَائِي بِهَا شَرّاً وَوَبَإلا بِفِعْلِهَا رِيَاءً وَأَصْبَحَ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا عِقَاباً وَذَلِكَ فَسَادٌ وَخَلَلٌ عَظِيمٌ فَكم مِنْ إِنْسَانٍ يُرَائِي يَتَظَاهَرُ بِالصَّلاحِ وَيَتَبَاعَدُ عن مُحَقِّرَاتِ الذُّنُوبِ وَنَفْسِهِ فَاجِرَةٌ لا يَتَوَرَّعُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَاسْتِحْلالِهَا بِأَدْنَى الْوَسَائِل وعِنْدَ مُعَامَلَتِهِ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ اسْتِئْجَارٍ يَظْهَرُ مَخْبَرُهُ عَكْسَ مَنْظَرِهِ عَلَى حَدِّ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
مَا فِي الْكَثِيرِينَ إلا الْمَكْرَ وَالْمَلَقُ ... شَوْكٌ إِذَا اخْتُبَرُوا زَهْرٌ إِذَا رَمِقُوا
فَإِنْ دَعَاكَ إِلى قُرْبِ بِِِهِمْ قَدَرٌ ... فَدَارَهِمْ وَاقْتَربْ مِمَّنْ بِهُمْ تَثِقُ
هُمْ أُمُّ غَيْلانَ لا أَصْلٌ وَلا ثَمَرٌ ... وَلا نَسِيمٌ ولا ظِلٌّ وَلا وَرَقُ
جَفُّوا مِنْ اللؤم حَتَّى لَوْ أَصَابَهُمْ ... ضُوءُ السُّهَى فِي ظَلامِ اللَّيْلِ لا احْتَرَقُوا
لَوْ صَافَحُوا الْمُزْنَ مَا ابْتَلَتْ أَنَامِلُهُمْ ... وَلَوْ يَخُوضُونَ بَحْرَ الصِّينِ مَا غَرِقُوا
стр. 2276
آخر: ... قَوْمٌ هُموا شَرُّ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمُ ... وَأَخْبَثُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الدِّينِ
هُمْ فِي الظَّوَاهِرِ زُهَّادٌ أَوْلو وَرَعٍ ... وَفِي الْبَوَاطِنِ إِخْوَانُ الشَّيَاطِينِ
يُحَرِّمُونَ الَّذِي حََلَّ الإلَه لَهُمْ ... وَيَسْتَبِيحُونَ أَمْوَالَ الْمَسَاكِينِ
يَا بِئْسَ مَا فَعَلُوا يَا بِئْسَ مَا تَرَكُوا ... وَهُمْ يُعِدُّونَ فِينَا بِالْمَلايِينِ
آخر: ... مِنْ أَيّ نَوَاحِي الأرض ألقَى رِضَاكم ... وَأَنْتُمْ أُنَاسٌ مَا لِمَرْضَاتِهِمْ نَحْوُ
فَلا حَسَنٌ نَأْتِي بِهِ تَقْلِبُونَهُ ... وَلا إِنْ أَسَأنَا كَانَ عِنْدَكم عَفْوُ
وَيَقُولُ الآخر فِي الْمُرَائِينَ بِأَعْمَالِهم:
أَظْهَرُوا لِلنَّاسِ زُهْداً ... وَعَلَى الدِّينَارِ دَارُوا
وَلَهُ صَلَّوْا وَصَامُوا ... وَلَهُ حَجُّوا وَزَارُوا
لَوْ يُرَى فَوْقَ الثُّريّا ... وَلَهُمْ رِيشٌ لَطَارُوا
آخر:
إِنَّ الْجَلِيسَ يَقُولُ الْخَيْر تَحْسِبَهُ ... خَيْراً وَهَهْيَهَاتَ فَانْظُرْ مَا بِهِ الْتَمَسَا
قال ابن رجب ﵀: واعْلم أن الْعَمَل لغَيْر الله أقسام فتَارة يكون رياءً محضاً كحال المنافقين كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ .
وهَذَا الرياء المحض لا يكاد يصدر عن مُؤْمِن فِي فرض الصَّلاة والصيام وقَدْ يصدر فِي الصدقة أو الحج الواجب أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدي نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز وهَذَا الْعَمَل لا يشك مسلم أنه حابط وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة وتَارة يكون الْعَمَل لله ويشاركه الرياء فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل عَلَى بطلانه أيضاً وحبوطه.
стр. 2277
شِعْراً: ... دَعِ الرِّيَاءَ لِمَنْ لَذَّ الرِّيَاءُ لَهُ ... فَإِنَّهُ الشِّرْكُ فَاحْذَرْ زَلَةَ القَدَمِ
وَمُتْ عَلَى المِلَّةِ السَمْحَاءِ مَوْتَ فَتَى ... رَأي الْمَمَاتَ عَلَيْهَا أَكْرَمَ الكَرَمِ
آخر: ... يُلْبِسُ اللهُ فِي العَلاَنْيَةِ الْعَبْدَ الَّذِي ... كَانَ يَخْتَفِي فِي السَّرِيْرَةِ
حَسَناً كَانَ أَوْ قَبِيْحاً سَيُبْدَى ... كُلُّ مَا كَانَ ثُمَّ مِنْ كُلِّ سِيَرةِ
فَاسْتَحِ مِنَ اللهِ أَنْ تُرائِي لِلنَّاسِ ... فإِنَّ الرِّيَاءَ بِئْسَ الذَّخِيْرَةِ
وفِي صحيح مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ عن النَّبِيّ ? قال يَقُولُ الله ﵎: أَنَا أغني الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فِيه غيري تركته وشركه، وأخرجه ابن ماجه ولفظه فأنَا منه بريء وَهُوَ للذي أشرك.
وأخرج الإمام أَحمَدُ عن شداد بن أوس عن النَّبِيّ ? قال: من صلي يرائي فقَدْ أشرك ومن تصدق يرائي فقَدْ أشرك فإن الله يَقُولُ: أَنَا خَيْر قسيم لمن أشرك بي شيئاً فإن جدة عمله قليله وكثيره لشريكه الَّذِي أشرك به أَنَا عنهُ غني، وأخرج الإمام أَحمَدُ والترمذي من حديث أبي سعيد ابن أبي فضالة وكَانَ من الصحابة قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: إِذَا جمَعَ الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فِيه نادا مناد من كَانَ أشرك فِي عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عِنْدَ غَيْر الله ، فإن الله أغني الشركاء عن الشرك انتهي وَاللهُ أَعْلم.
(فَصْلٌ)
القسم الرابع: من المرائين المتحدثين بأعمالهم بعد تمامها كأن يَقُولُ الواحد: صليت كَذَا وصمت كَذَا وحججت كَذَا من أفعال الْخَيْر وهَذَا وإن كَانَ لا يحبط الْعَمَل الَّذِي تم عَلَى وجه صحيح إلا أنه ينظر إلي مقصده من التحدث بذَلِكَ فإن كَانَ فساداً كَانَ محرماً وإن كَانَ فراراً من ذم النَّاس ورغبة فِي مدحهم بدون أن يقصد منها الوصول إلي غرض غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ ملوماً من جهة واحدة وأنه قصد رياء النَّاس بطاعة الله وقَدْ علمت أن ذَلِكَ لا يجوز.
стр. 2278
القسم الخامس: المراؤون بالهيئة والزي فتري الواحد من هؤلاء يتكلف الْعَمَل عَلَى نحول بدنه واصفرار وجهه كي يظهر بمظهر العابد الَّذِي أضناه وأنهكه السهر وانحل جسمه الصوم وَمِنْهُمْ من يتكلف خفض صوته أو يلبس ثوباً يختلف عن أثواب أهله وبني جنسه ليلفت أنظار النَّاس إليه هَذَا النوع من الرياء سخيف جداً لا يتأثر به إلا ضعاف العقول صغار النُّفُوس وكل هؤلاء من شرار النَّاس الَّذِينَ يجب عَلَى النَّاس أن يحذروا مِنْهُمْ ويمقتوهم ولا يبالوا بِهُمْ ولا بحليهم وأزيائهم.
شِعْراً: ... تَقُوْمُ إِذَا مَا قِمْتَ تَشْفَعُ خُطْبَةً ... تُخَوِّفُ فِيه وَالدِمُوعُ تَزَيَّعُ
كَأَنَّكَ صَيَّادٌ تَسِيْلُ دُمُوْعُهُ ... مِنَ البَرْدِ وَالصَّيَادُ يَفْرِي وَيَقْطَعُ
يَجُذٌّ رِقَابَ الطَيِّرِ مِنْ غَيْرِ رَحْمَةٍ ... وعَيْنَاهُ مِنْ بَرْدِ العَشِيَّةِ تَدْمَعُ
تُزَهَّدُ فِي الدُّنْيَا وأَنْتَ بِنَهْبِهَا ... مُلِحُّ عَلَى الدُّنْيَا تَكُدٌّ وَتَجْمَعٌ
آخر: ... أَرَى النَّاسَ فِي الدُّنْيَا كَرَاعٍ تَنَكَرَتْ ... مَراعِيهِ حَتَى لَيْسَ فِيهنَّ مَرْتَعُ
فَمَاءٌ بِلاَ مَرْعَى وَمَرْعَى بِغَيْرِ مَاءِ ... وَحَيْثُ تَرَى مَاءً فَمَرْعَى وَمَسْبَعُ
ثُمَّ اعْلم: أن النِّيْة عَلَيْهَا مدار عَظِيم مدار الثواب والعقاب فإن المرء يتحدث بعمله الصالح أو يظهره ليكون قدوة صَالِحَة لهُمْ ومثإلا حسناً يقتدون به لا يريد بذَلِكَ إلا وجه الله وابتغاء مرضاته بنشر الفضيلة وإحيائها بين النَّاس من غَيْرَ أن ينظر إلي مدحهم لَهُ وذمهم لَهُ فلا يثنيه شَيْء عن عمل الصالحات ولا يغريه عَلَيْهَا رضاء أحد من النَّاس عَلَى أن يكون يقظاً نبيهاً لا يجعل للغرور والعجب إليه سبيلاً فإن عمله عَلَى ذَلِكَ الوجه الحسن لا يكون رياءً بل ربما يكون مستحباً إن تأكد من اقتداء النَّاس به فِي عمله الصالح وكَذَلِكَ تنظر الشريعة الإسلامية الكريمة إلي جَمِيع الأعمال فإن ترتب عَلَى الْعَمَل فسادٌ كانَ مذموماً وإن ترتب عَلَيْهِ صلاحٌ كَانَ ممدوحاً فجَمِيع أحكامها مبنية عَلَى جلب المصالح ودرء المفاسد وكلها ترمي إلي تهذيب النُّفُوس وتطهير
стр. 2279
القُلُوب وتربية النوع الإنساني أحسن تربية وتأديبه أفضل الأدب ويكفِي فِي ذَلِكَ قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} .
وختاماً فعَلَى العاقل أن يتفكر ويعلم مضرة الرياء وما يفوته من صلاح قَلْبهُ وما يحرم عنهُ من التَّوْفِيق وما يتعرض لَهُ من العقاب والمقت الشديد والخزي الظاهر فمهما تفكر الإنسان وقابل ما يحصل لَهُ من العباد والتزين لّهُمْ فِي الدُّنْيَا بما يفوته فِي الآخرة وبما يحبط عَلَيْهِ من ثواب الأعمال فإنه يسهل عَلَيْهِ قطع الرغبة عنهُ كمن يعلم أن العسل لذيذ ولكن إِذَا بان لَهُ أن فِيه سماً أعرض عنهُ ثُمَّ أي غرض لَهُ فِي مدحهم وإيثار ذم الله لأجل حمدهم ولا يزيده حمد النَّاس رزقاً ولا أجلاً ولا ينفعه يوم فقره وفاقته.
وأما الطمَعَ فيما فِي أيدي النَّاس فبأن يعلم أن الله تعالى هُوَ الرزاق وَهُوَ المسخر للقُلُوب بالمنع والإعطاء وأن الخلق مضطرون فيه.
ولا رازق إلا الله ومن طمَعَ فِي الخلق لم يخل من الذل والخيبة وإن وصل إلي المراد لم يخل عن المنة والمهانة فَكَيْفَ يليق بعاقل أن يترك ما عِنْدَ الله برجَاءَ كاذب ووهم فاسد وقَدْ يصيب وقَدْ يخطيء وإِذَا أصاب فلا تفِي لذته بألم منته ومذلته.
شِعْراً: ... أَمِنْ بَعْدِ غَوْصِي فِي عُلُومِ الحَقَائِقِ
وَطُولِ انْبِسَاطِي فِي مَوَاهِبِ خَالِقِي
وفِي حِيْنَ إشْرَافِي عَلَى مَلَكُوتِهِ
أَرَى طَالِباً رِزْقاً إِلى غَيْرَ رَازِقِ
وَأَيَّامُ عُمْرِ المَرْءِ مُتْعَةُ سَاعَةٍ
تَجِيءُ حَثِيْثاً مِثْلَ لمحَةِ بَارِقِ ... >?
стр. 2280
.. وَقَدْ آذَنَتْ نَفْسِي بِتَقْوِيْضِ رَحْلِهَا
وَأَسْرَعَ فِي سَوْقِي إِلى المَوْتِ سَائِقِي
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْغَلْتُ أَوْ سِرْتُ هَارِباً
مِنَ المَوْتِ فِي الآفَاقِ فَالمَوْتُ لاَحِقِي
آخر: ... شَادَ الأنَامُ قُصُورَهُمْ وَتَحَصَّنُوا
مِنْ كُلِّ طَالِبِ حَاجَةٍ أَوْ رَاغِبِ
فَارْغَبْ إِلى مَلِكِ المُلُوكِ وَلاَ تَكُنْ
يَا ذَا الضَّراعَةِ طَالِباً مِنْ طَالِبِ ... >?
وأما ذم الخلق لَهُ فلا يحذر منه فإنه لا يزيده ذمهم شيئاً ما لم يكتبه الله عَلَيْهِ ولا يعجل أجله ولا يؤخر رزقه ولا يجعله من أَهْل النار إن كَانَ من أَهْل الْجَنَّة ولا يبغضه إلي الله ولا يؤخر رزقه ولا يجعله من أَهْل النار إن كَانَ من الَّذِينَ يحبهم الله فالعباد كلهم عجزة لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً فإِذَا قرر فِي قَلْبهِ آفة هذه الأسباب وضررها فترت رغبته عَنِ الرياء وأقبل عَلَى الله قَلْبهُ والعاقل لا يرغب فيما يكثر ضرره ويقل نفعه فهَذَا دواء نافع قالع للرياء من أصله بإذن الله فهَذَا من الأدوية العلمية القالعة مغارس الرياء من أصله بإذن الله وأما الدواء العملي فهو أن يعود نَفْسه إخفاء العبادات وإغلاق الأبواب دونها كما تغلق الأبواب دون الفواحش فلا تنازعه نَفْسُهُ إلي طلب غَيْر الله به. وبالتالي:
فمن كَانَ ذا عقل وعلم وبصيرة عرف شدة حاجته يوم القيامة وشدة فقره إلي صافِي الحسنات فخشي أن يأتي ذَلِكَ الْيَوْم بصلاة أو صيام أو حج أو جهاد أو نحو ذَلِكَ من الأعمال لم يخلصه لله فيحبط عمله فتصير حسناته أنقص من سيئاته ولَوْ كَانَ أخلص الْعَمَل لله فِي الدُّنْيَا لرجحت حسناته عَلَى سيئاته فيدخل الْجَنَّة فَلَمَّا فاته ذَلِكَ الإخلاص فلا تسأل عن ذهاب نفسه
следующие страницы →