← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

آخر: ... قَوْمٌ هُموا شَرُّ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمُ ... وَأَخْبَثُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الدِّينِ هُمْ فِي الظَّوَاهِرِ زُهَّادٌ أَوْلو وَرَعٍ ... وَفِي الْبَوَاطِنِ إِخْوَانُ الشَّيَاطِينِ يُحَرِّمُونَ الَّذِي حََلَّ الإلَه لَهُمْ ... وَيَسْتَبِيحُونَ أَمْوَالَ الْمَسَاكِينِ يَا بِئْسَ مَا فَعَلُوا يَا بِئْسَ مَا تَرَكُوا ... وَهُمْ يُعِدُّونَ فِينَا بِالْمَلايِينِ آخر: ... مِنْ أَيّ نَوَاحِي الأرض ألقَى رِضَاكم ... وَأَنْتُمْ أُنَاسٌ مَا لِمَرْضَاتِهِمْ نَحْوُ فَلا حَسَنٌ نَأْتِي بِهِ تَقْلِبُونَهُ ... وَلا إِنْ أَسَأنَا كَانَ عِنْدَكم عَفْوُ وَيَقُولُ الآخر فِي الْمُرَائِينَ بِأَعْمَالِهم: أَظْهَرُوا لِلنَّاسِ زُهْداً ... وَعَلَى الدِّينَارِ دَارُوا وَلَهُ صَلَّوْا وَصَامُوا ... وَلَهُ حَجُّوا وَزَارُوا لَوْ يُرَى فَوْقَ الثُّريّا ... وَلَهُمْ رِيشٌ لَطَارُوا آخر: إِنَّ الْجَلِيسَ يَقُولُ الْخَيْر تَحْسِبَهُ ... خَيْراً وَهَهْيَهَاتَ فَانْظُرْ مَا بِهِ الْتَمَسَا قال ابن رجب ﵀: واعْلم أن الْعَمَل لغَيْر الله أقسام فتَارة يكون رياءً محضاً كحال المنافقين كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . وهَذَا الرياء المحض لا يكاد يصدر عن مُؤْمِن فِي فرض الصَّلاة والصيام وقَدْ يصدر فِي الصدقة أو الحج الواجب أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدي نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز وهَذَا الْعَمَل لا يشك مسلم أنه حابط وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة وتَارة يكون الْعَمَل لله ويشاركه الرياء فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل عَلَى بطلانه أيضاً وحبوطه.

стр. 2277

شِعْراً: ... دَعِ الرِّيَاءَ لِمَنْ لَذَّ الرِّيَاءُ لَهُ ... فَإِنَّهُ الشِّرْكُ فَاحْذَرْ زَلَةَ القَدَمِ وَمُتْ عَلَى المِلَّةِ السَمْحَاءِ مَوْتَ فَتَى ... رَأي الْمَمَاتَ عَلَيْهَا أَكْرَمَ الكَرَمِ آخر: ... يُلْبِسُ اللهُ فِي العَلاَنْيَةِ الْعَبْدَ الَّذِي ... كَانَ يَخْتَفِي فِي السَّرِيْرَةِ حَسَناً كَانَ أَوْ قَبِيْحاً سَيُبْدَى ... كُلُّ مَا كَانَ ثُمَّ مِنْ كُلِّ سِيَرةِ فَاسْتَحِ مِنَ اللهِ أَنْ تُرائِي لِلنَّاسِ ... فإِنَّ الرِّيَاءَ بِئْسَ الذَّخِيْرَةِ وفِي صحيح مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ عن النَّبِيّ ? قال يَقُولُ الله ﵎: أَنَا أغني الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فِيه غيري تركته وشركه، وأخرجه ابن ماجه ولفظه فأنَا منه بريء وَهُوَ للذي أشرك. وأخرج الإمام أَحمَدُ عن شداد بن أوس عن النَّبِيّ ? قال: من صلي يرائي فقَدْ أشرك ومن تصدق يرائي فقَدْ أشرك فإن الله يَقُولُ: أَنَا خَيْر قسيم لمن أشرك بي شيئاً فإن جدة عمله قليله وكثيره لشريكه الَّذِي أشرك به أَنَا عنهُ غني، وأخرج الإمام أَحمَدُ والترمذي من حديث أبي سعيد ابن أبي فضالة وكَانَ من الصحابة قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: إِذَا جمَعَ الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فِيه نادا مناد من كَانَ أشرك فِي عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عِنْدَ غَيْر الله ، فإن الله أغني الشركاء عن الشرك انتهي وَاللهُ أَعْلم. (فَصْلٌ) القسم الرابع: من المرائين المتحدثين بأعمالهم بعد تمامها كأن يَقُولُ الواحد: صليت كَذَا وصمت كَذَا وحججت كَذَا من أفعال الْخَيْر وهَذَا وإن كَانَ لا يحبط الْعَمَل الَّذِي تم عَلَى وجه صحيح إلا أنه ينظر إلي مقصده من التحدث بذَلِكَ فإن كَانَ فساداً كَانَ محرماً وإن كَانَ فراراً من ذم النَّاس ورغبة فِي مدحهم بدون أن يقصد منها الوصول إلي غرض غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ ملوماً من جهة واحدة وأنه قصد رياء النَّاس بطاعة الله وقَدْ علمت أن ذَلِكَ لا يجوز.

стр. 2278

القسم الخامس: المراؤون بالهيئة والزي فتري الواحد من هؤلاء يتكلف الْعَمَل عَلَى نحول بدنه واصفرار وجهه كي يظهر بمظهر العابد الَّذِي أضناه وأنهكه السهر وانحل جسمه الصوم وَمِنْهُمْ من يتكلف خفض صوته أو يلبس ثوباً يختلف عن أثواب أهله وبني جنسه ليلفت أنظار النَّاس إليه هَذَا النوع من الرياء سخيف جداً لا يتأثر به إلا ضعاف العقول صغار النُّفُوس وكل هؤلاء من شرار النَّاس الَّذِينَ يجب عَلَى النَّاس أن يحذروا مِنْهُمْ ويمقتوهم ولا يبالوا بِهُمْ ولا بحليهم وأزيائهم. شِعْراً: ... تَقُوْمُ إِذَا مَا قِمْتَ تَشْفَعُ خُطْبَةً ... تُخَوِّفُ فِيه وَالدِمُوعُ تَزَيَّعُ كَأَنَّكَ صَيَّادٌ تَسِيْلُ دُمُوْعُهُ ... مِنَ البَرْدِ وَالصَّيَادُ يَفْرِي وَيَقْطَعُ يَجُذٌّ رِقَابَ الطَيِّرِ مِنْ غَيْرِ رَحْمَةٍ ... وعَيْنَاهُ مِنْ بَرْدِ العَشِيَّةِ تَدْمَعُ تُزَهَّدُ فِي الدُّنْيَا وأَنْتَ بِنَهْبِهَا ... مُلِحُّ عَلَى الدُّنْيَا تَكُدٌّ وَتَجْمَعٌ آخر: ... أَرَى النَّاسَ فِي الدُّنْيَا كَرَاعٍ تَنَكَرَتْ ... مَراعِيهِ حَتَى لَيْسَ فِيهنَّ مَرْتَعُ فَمَاءٌ بِلاَ مَرْعَى وَمَرْعَى بِغَيْرِ مَاءِ ... وَحَيْثُ تَرَى مَاءً فَمَرْعَى وَمَسْبَعُ ثُمَّ اعْلم: أن النِّيْة عَلَيْهَا مدار عَظِيم مدار الثواب والعقاب فإن المرء يتحدث بعمله الصالح أو يظهره ليكون قدوة صَالِحَة لهُمْ ومثإلا حسناً يقتدون به لا يريد بذَلِكَ إلا وجه الله وابتغاء مرضاته بنشر الفضيلة وإحيائها بين النَّاس من غَيْرَ أن ينظر إلي مدحهم لَهُ وذمهم لَهُ فلا يثنيه شَيْء عن عمل الصالحات ولا يغريه عَلَيْهَا رضاء أحد من النَّاس عَلَى أن يكون يقظاً نبيهاً لا يجعل للغرور والعجب إليه سبيلاً فإن عمله عَلَى ذَلِكَ الوجه الحسن لا يكون رياءً بل ربما يكون مستحباً إن تأكد من اقتداء النَّاس به فِي عمله الصالح وكَذَلِكَ تنظر الشريعة الإسلامية الكريمة إلي جَمِيع الأعمال فإن ترتب عَلَى الْعَمَل فسادٌ كانَ مذموماً وإن ترتب عَلَيْهِ صلاحٌ كَانَ ممدوحاً فجَمِيع أحكامها مبنية عَلَى جلب المصالح ودرء المفاسد وكلها ترمي إلي تهذيب النُّفُوس وتطهير

стр. 2279

القُلُوب وتربية النوع الإنساني أحسن تربية وتأديبه أفضل الأدب ويكفِي فِي ذَلِكَ قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} . وختاماً فعَلَى العاقل أن يتفكر ويعلم مضرة الرياء وما يفوته من صلاح قَلْبهُ وما يحرم عنهُ من التَّوْفِيق وما يتعرض لَهُ من العقاب والمقت الشديد والخزي الظاهر فمهما تفكر الإنسان وقابل ما يحصل لَهُ من العباد والتزين لّهُمْ فِي الدُّنْيَا بما يفوته فِي الآخرة وبما يحبط عَلَيْهِ من ثواب الأعمال فإنه يسهل عَلَيْهِ قطع الرغبة عنهُ كمن يعلم أن العسل لذيذ ولكن إِذَا بان لَهُ أن فِيه سماً أعرض عنهُ ثُمَّ أي غرض لَهُ فِي مدحهم وإيثار ذم الله لأجل حمدهم ولا يزيده حمد النَّاس رزقاً ولا أجلاً ولا ينفعه يوم فقره وفاقته. وأما الطمَعَ فيما فِي أيدي النَّاس فبأن يعلم أن الله تعالى هُوَ الرزاق وَهُوَ المسخر للقُلُوب بالمنع والإعطاء وأن الخلق مضطرون فيه. ولا رازق إلا الله ومن طمَعَ فِي الخلق لم يخل من الذل والخيبة وإن وصل إلي المراد لم يخل عن المنة والمهانة فَكَيْفَ يليق بعاقل أن يترك ما عِنْدَ الله برجَاءَ كاذب ووهم فاسد وقَدْ يصيب وقَدْ يخطيء وإِذَا أصاب فلا تفِي لذته بألم منته ومذلته. شِعْراً: ... أَمِنْ بَعْدِ غَوْصِي فِي عُلُومِ الحَقَائِقِ وَطُولِ انْبِسَاطِي فِي مَوَاهِبِ خَالِقِي وفِي حِيْنَ إشْرَافِي عَلَى مَلَكُوتِهِ أَرَى طَالِباً رِزْقاً إِلى غَيْرَ رَازِقِ وَأَيَّامُ عُمْرِ المَرْءِ مُتْعَةُ سَاعَةٍ تَجِيءُ حَثِيْثاً مِثْلَ لمحَةِ بَارِقِ ... >?

стр. 2280

.. وَقَدْ آذَنَتْ نَفْسِي بِتَقْوِيْضِ رَحْلِهَا وَأَسْرَعَ فِي سَوْقِي إِلى المَوْتِ سَائِقِي وَإِنِّي وَإِنْ أَوْغَلْتُ أَوْ سِرْتُ هَارِباً مِنَ المَوْتِ فِي الآفَاقِ فَالمَوْتُ لاَحِقِي آخر: ... شَادَ الأنَامُ قُصُورَهُمْ وَتَحَصَّنُوا مِنْ كُلِّ طَالِبِ حَاجَةٍ أَوْ رَاغِبِ فَارْغَبْ إِلى مَلِكِ المُلُوكِ وَلاَ تَكُنْ يَا ذَا الضَّراعَةِ طَالِباً مِنْ طَالِبِ ... >? وأما ذم الخلق لَهُ فلا يحذر منه فإنه لا يزيده ذمهم شيئاً ما لم يكتبه الله عَلَيْهِ ولا يعجل أجله ولا يؤخر رزقه ولا يجعله من أَهْل النار إن كَانَ من أَهْل الْجَنَّة ولا يبغضه إلي الله ولا يؤخر رزقه ولا يجعله من أَهْل النار إن كَانَ من الَّذِينَ يحبهم الله فالعباد كلهم عجزة لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً فإِذَا قرر فِي قَلْبهِ آفة هذه الأسباب وضررها فترت رغبته عَنِ الرياء وأقبل عَلَى الله قَلْبهُ والعاقل لا يرغب فيما يكثر ضرره ويقل نفعه فهَذَا دواء نافع قالع للرياء من أصله بإذن الله فهَذَا من الأدوية العلمية القالعة مغارس الرياء من أصله بإذن الله وأما الدواء العملي فهو أن يعود نَفْسه إخفاء العبادات وإغلاق الأبواب دونها كما تغلق الأبواب دون الفواحش فلا تنازعه نَفْسُهُ إلي طلب غَيْر الله به. وبالتالي: فمن كَانَ ذا عقل وعلم وبصيرة عرف شدة حاجته يوم القيامة وشدة فقره إلي صافِي الحسنات فخشي أن يأتي ذَلِكَ الْيَوْم بصلاة أو صيام أو حج أو جهاد أو نحو ذَلِكَ من الأعمال لم يخلصه لله فيحبط عمله فتصير حسناته أنقص من سيئاته ولَوْ كَانَ أخلص الْعَمَل لله فِي الدُّنْيَا لرجحت حسناته عَلَى سيئاته فيدخل الْجَنَّة فَلَمَّا فاته ذَلِكَ الإخلاص فلا تسأل عن ذهاب نفسه

стр. 2281

حسرات فيخاف اللبيب ذَلِكَ فيغلب عَلَى عقله حذر الرياء والتصنع للعباد ويقبل عَلَى تصحيح عمله وتنقيته من شوائب الرياء حتي يوافِي به يوم القيامة خالصاً صواباً. "موعظة" عِبَادَ اللهِ: أوصيكم ونفسي بتقوي الله فالزموها، وأحثكم عَلَى الأعمال الصَّالِحَة فاغتنموها، إن الزمان يطوي بكم مسافة الأعمار لا شك وأنتم راحلون عن هذه الدار فيا معشر الشيوخ ماذَا تنتظرون بعد المشيب وهل بعده إلا الموت فإن الموت قريب إنه لَيْسَ إلي البقاء من سبيل فماذَا تزودتم للرحيل ويا معشر الشباب أنفقتم غرر الأعمار عِنْدَ المذياع والكرة ونحو ذَلِكَ مِمَّا يصدكم عن ذكر الله وعن الصَّلاة ويا معشر التجار لَقَدْ ضاعت أعماركم فِي ألووَكم ربح فلان وَكم بيع البيت الفلاني والأرض الفلانية وخذ هذه الجريدة وأعطني الأخري إلا صرفتم بعض الوَقْت إلي المسابقة إلي غرف الْجَنَّة وأراضيها وأنفقتم بعض ما وهبكم الله من المكاسب إلي ما يرضي الله من تفقَدْ الفقراء الَّذِينَ لَيْسَ لّهُمْ موارد لا قليلة ولا كثيرة ممن يستعينون بِهَا عَلَى طاعة الله ومن مساجد تحتاج إلي ترميم أو فرش وإلي إنشاء مساجد عِنْدَ من لَيْسَ عندهم شَيْء منها أو إلي طباعة مصاحف طباعة جيدة فتوزعوها عَلَى التالين للقرآن آناء الليل والنَّهَارَ أو طبع كتب دينية فيها تقوية للشريعة ونشر لمحاسن الإسلام ككتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن رجب وابن مفلح وابن كثير والموفق والمجد والشَّيْخ المجدد الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الوهاب ونحوهم من العلماء العاملين بعلمهم المصلحين المخلصين الَّذِينَ لا تأخذهم فِي الله لومة لائم نسأل الله أن ييسر لنا فِي هذَا الزمان أمثالهم لنصر دينه إنه القادر عَلَى ذلك. شعراً: ... نَصَحْتُكَ لاَ تَصْحَبْ سِوَى كُلّ فَاضِلٍ ... كَرِيْمِ السَّجَايَا بِالتَّعَفُّفِ وَالظَّرْف وَلاَ تَعْتَمِدْ غَيْرَ الكِرَامِ فَوَاحِدٌ ... مِنَ النَّاسِ إَنْ حَصَّلْتَ خَيْرٌ مِنَ الألف

стр. 2282

شِعْراً: الْمَالُ يَذْهَبُ حِلَّهُ وَحَرَامَهُ طُرّاً وَتَبْقَى فِي غَدٍ آثَامَهُ لَيْسَ التَّقِيُّ بِمُتَّقِ لإلاهِهِ حَتَى يَطِيبُ شَرَابُهُ وطَعَامُهُ وَيَطِيبُ مَا يَحْوِي وَيَكْسِبُ كَفُّهُ وَيَكُوْنُ فِي حُسْنِ الْحَدِيثِ كَلاَمُهُ نَطَقَ النَّبِيُّ لَنَا بِهِ عن رَبِّهِ فعَلَى النَّبِيِّ صَلاَتُهُ وَسَلاَمُهُ ... >? اللَّهُمَّ طهر قلوبنا من النفاق وعملنا من الرياء وطهر مكسبنا من الربا وألسننا من الكذب ووفقنا لمصالحنا واعصمنا عن ذنوبنا وقبائحنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عَلَيْهِ ضمائرنا وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعائب وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. فصل فِي الكبر والعجب اعْلم وفقنا وَإِيَّاكَ وَجَمِيع المُسْلِمِيْنَ: أن مِمَّا يتأكد تحريمه واجتنابه فِي رمضان وغيره الكبر والإعجاب لأنهما يسلبان الفضائل ويكسبان الرذائل ولَيْسَ لمن استولينا عَلَيْهِ قبول النصح ولا قبول التأديب لأن المتكبر يعتقَدْ فِي نَفْسه أنه جليل عَظِيم متعال عن رتبة المتعلمين والكبر فِي اللغة العزة والعظمة ومثله الكبرياء وقَدْ فسر ? الكبر بأنه بطر الحق وغمط النَّاس والكبر والعجب من الصفات النفسية المرذولة التي كثيراً ما تثير الْغَضَب والحقد وتورث العداوة والبغضاء وتورث الاحتقار والازدراء بِالنَّاسِ واغتيابهم

стр. 2283

ويجافِي بين الصدق وكظم الغيظ وقبول النصح ويعمي المرء عن عيوبه ويحول بينه وبين العلم والانقياد للحق. والكبر نوعان: أحدهما التكبر عَلَى الحق وَهُوَ رده ودفعه وعدم قبوله وَهُوَ عَالم به سواء كَانَ من حقوق الله أو من حقوق عباده فمعني بطر الحق رده وجحده وَهُوَ عَالم به فكل من رد الحق فإنه مستكبر عنهُ بحسب ما رد من الحق ومعني غمط النَّاس احتقارهم وتنقصيهم وَذَلِكَ ناشَيْء عن عجب الإنسان بنفسه وتعاظمه عَلَيْهمْ فالعجب بالنفس يحمل عَلَى التكبر عَلَى الخلق واحتقارهم والاستهزاء بِهُمْ وتنقيصهم بقوله أنه ممتاز عنهُ بما سما به فِي نظر نَفْسه وإذن يري ذَلِكَ الغَيْر فِي درجة منحطة عن درجته فيعتقد حينئذ أن مستواه فوق مستوي غيره وَذَلِكَ هُوَ الكبر بعينه فالعجب عنهُ نشأ الكبر وعَلَى أصله تفرع. وللكبر أسباب كثيرة فقَدْ تَكُون عن صفة كمال كالعلم والنسب والجاه والسُّلْطَان وَرُبَّمَا نشأ عن غرور ووهم بحيث يعتقَدْ أنه أكمل من غيره خطأ وجهلاً وهَذَا برهان عَلَى نقص عقله ولذا يَقُولُ مُحَمَّد بن عَلَى الباقر ما دخل قلب امرءٍ شَيْء من الكبر إلا نقص من عقله مثل ما دخل من ذَلِكَ قل أو كثر. فإن كَانَ الكبر ناشئاً عن العلم كَانَ صاحبه مثالاً سيئاً وقدوة رديئة، خصوصاً إِذَا دفعه الكبر إلي صفة ذميمة كالحسد والحقد، أو أفضي به إلي ارتكاب مظلمة من المظالم بيده أو لِسَانه، فإن ضرر هَذَا لا يقدر، لأن النَّاس يقتدون بالعلماء فِي أقوالهم وأفعالهم، فيستسهلون عِنْدَ ذَلِكَ ارتكاب الجرائم، ويستبيحون الاتصاف بالصفات الذميمة، وفِي هذَا شرٌّ عَظِيم، وأيضاً فإن العَالم المتكبر ينصرف النَّاس عنه وينفضون من حوله، فلا ينتفع

стр. 2284

بعلمه إلا من يوافقه عَلَى هواه فلا يرده عن خطأ، ولا يشير عَلَيْهِ بحق ولا يزاحمه فِي غرض ومثل هَذَا لا فائدة من تعليمه لأنه ناقص النفس ضعيف الإرادة ومن كَانَ هَذَا شأنه فإن علمه وبال عليه. أما العلم النافع فهو الَّذِي يرَبِّي الأنفس، ويطهرها من الصفات الرديئة، ويعرف الْعَبْد ربه ونفسه وخطر أمره، وهَذَا يورث الخشية والتواضع، فيكون صاحبه مثإلا حسناً فِي النَّاس، وقدوة صَالِحَة فِي الأقوال والأفعال. وإن كَانَ الكبر ناشئاً عَن النسب فإنه ربما يكون سبباً للطعَن فِي ذَلِكَ النسب، وحمل النَّاس عَلَى اعتقاد أنه نسب رديء العنصر، خسيس الأصل، فإن النسب الشريف هُوَ الَّذِي يترتب عَلَيْهِ آثار صَالِحَة تدل عَلَى رفعته وكرمه، أما من يتكبر ويظلم ويؤذي عِبَادَ اللهِ ويحتقرهم فإنه لا يكون من عنصر طيب، ولا من أصل كريم غالباً، وقَدْ يتهم النَّاس من يفعل ذَلِكَ بأنه ولد زنا، وَذَلِكَ أن الله وصف النمام والفاجر والمناع للخَيْر بالوصف الذميم كما تقدم وَذَلِكَ لأن الأعمال الفاجرة تتبع خبث المني غالباً، ما لم ييسر الله لولد الزنا بيئة صَالِحَة يترَبِّي فيها وينزع من نَفْسه تلك الصفات الرديئة التي ورثها من أصله واكتسبهَا من والديه. وإن كَانَ الكبر ناشئاً عَن الجاه والسُّلْطَان فإنه غالباً يفضي إلي شر أنواع الظلم وانتهاك المحارم من حقوق الله وحقوق خلقه، فما ترتب عَلَيْهِ مظلمة أو ضياع حق فهو الكبر الضار. وأما العزة التي ينشأ عنهَا ما ينفع النَّاس، وما يحفظ كرامة المرء وعدالته ومكانته، مثل ترفع الحاكم عَن مخالطة العوام ومجالستهم ومجاملتهم بما يسقط هيبته أو يطعمهم فِي قضائه أو يسهل لهُمْ الإخلال بما

стр. 2285

يقتضيه الشرع، فإن مثل هَذَا لا يعد تكبراً لأنه إِذَا أهمله الإنسان لم يكن جديراً بالحكم إنما الكبر الممنوع هُوَ أن لا يبالي بِهمْ فلا يسمَعَ شكوي ضعيفهم ولا يسمح لَهُ بالدنو منه ليعبر عن مظالمه، أو يحقد عَلَى من توسع فِي الدفاع عن نَفْسه بما لا يرضيه، أو أعرض عن سماع النَّصِيحَة واستكبر عن الْعَمَل بالحق، فإنه فِي هذه الحال يكون متكبراً مذموماً ممقوتاً. ... لِكُلِّ بَنِي الدُّنْيَا مُرَادٌ وَمَقْصَدٌ وَإِنَّ مُرَادِي صِحَّةٌ وَفَرَاغُ لأَبْلُغَ فِي عِلْمِ الشَّرِيْعَةِ مَبْلَغاً يَكُونُ بِهِ لِي فِي الجِنَانِ بَلاَغُ ففِي مِثْلَ هَذَا فَلْيُنَافِسْ أُولِي النُّهَى وَحَسْبِي مِنَ الدُّنْيَا الغَرُوْرِ بَلاَغُ فَمَا الفَوْزُ إلا فِي نَعِيْمٍ مُؤَبَّدٍ بِهِ العَيْشُ رَغْدٌ وَالشَّرَابُ يُسِاغُ ... >? اللَّهُمَّ إنَا نسألك العفو والعافية فِي ديننا ودنيانَا وأهلنا وأموالنا ونسألك أن تغفر لنا ولوالدينا وَجَمِيع المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين. " موعظة " عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ توعد اللهُ عباده الَّذِينَ يخالفون أمره ويعرضون عن مراقبته وينصرفون عن عبادته وذكره ويجترؤون عَلَى معاصيه بشديد غضبه وعَظِيم سخطه وحذرهم بأسه وانتقامه فما بال المُسْلِمِيْنَ بعد القرون الأولي ودخولهم فِي هذه الأزمان عمدوا إلي محارم الله فارتكبوها ومنهياته فاستباحوها ومأموراته فاجتنبوها ونبذوها وقطعوا الأسباب بينهم وبين خالقهم ورازقهم

стр. 2286

وعادوا بمر الشكوي من تغَيْر الأحوال وانتزاع البركة من الأرزاق والآجال ولَيْسَ الغريب أن تذهب البركة من أرزاق العصاة وأموالهم فإن الله جَلَّ وَعَلا يغار عَلَى أوامره أن تجتنب ومحارمه أن ترتكب عِبَادَ اللهِ إن المحافظة عَلَى أوامره التي أمركم بِهَا فِي كتابه وعَلَى لسان نبيه مُحَمَّد ? بمنزلة العهد والميثاق بينكم وبينه تعالى أن يحوطكم برحمته ويسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة وأن يكون معكمْ بالعون والتَّوْفِيق فإِذَا حاربتموه بارتكاب معاصيه وإهمال أوامره فقَدْ حاربتم بديع السماوات والأرض ذا القوة المتين ولستم بمعجزيه أن يرسل عليكم عذاباً فِي الدُّنْيَا ولعذاب الآخرة أشد وأبقي عِبَادَ اللهِ اتقوا الله وراقبوه فِي سركم وجهركمْ وإياكمْ أن تظنوا أن الله يهمل المسيء فلا يجازيه ولا يحاسبه عَلَى جرمه وذنبه الَّذِي اقترفه ومن ظن ذَلِكَ كَانَ من الَّذِينَ يخادعون الله والَّذِينَ آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون يا عِبَادَ اللهِ: قَدْ كَانَ قبلكم من الأمم من اصطفاهم الله عَلَى علم عَلَى العالمين وآتاهم من الآيات ما فِيه بلاغ للعابدين وأسبغ عَلَيْهم نعمه ظاهرة وباطنة فما رعوها حق رعايتها وقَالُوا نَحْنُ أبناء الله وأحباؤه فَلَمَّا أفسدوا فِي الأرض لم تغن عنهم النذر شيئاً وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وفِي الْحَدِيث إن الله ليملي للظَالمِ فإِذَا أخذه لم يفلته. شِعْراً: ... نَامَتْ جُفُونُكَ وَالمَظْلُومُ مُنْتَبِهٌ ... يَدْعُو عَلَيْكَ وَعْيُنُ اللِه لم تَنَمِ آخر: ... وَمَا مِنْ يَدٍ إلا يَدُ اللهِ فَوقَهَا ... وَلاَ ظَالِمٌ إلا سَيُبْلَى بِظَالِمِ آخر: ... خَفِ اللهَ فِي ظُلْمِ الوَرَى واحْذَرَنَّهُ ... وَخَفْ يَوْمَ عَضَ الظَالِمِونَ عَلَى اليَدِ وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ عن ذَاكَ غَافِلاً ... وَلَكِنّهُ يُمْلِي لِمَنْ شَاءَ إِلى الغَدِ

стр. 2287

وَلاَ تَغْتَررْ بِالحِلْمِ عن ظُلْمِ ظَالِمٍ ... سَيَأخُذُهُ أَخْذاً وَبِيْلاً وعن يَدِ آخر: ... إِذَا المَرْءُ أحْمَى نَفْسَه كُلَّ شَهْوَةٍ ... ... لِصِحَّةِ أيَّامٍ تَبِيْدُ وَتَنْفَدُ فَمَا بَالُهُ لاَ يَحْتَمِي عن حَرَامِهَا ... لِصِحَّةِ مَا يَبْقَى لَهُ وَيُخَلَّدُ اللَّهُمَّ ثبتنا عَلَى نهج الاستقامة وأعذنا من موجبات الحَسْرَة والندامة يوم القيامة وخفف عنا ثقل الأوزار، وارزقنا عيشة الأبْرَار وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (وفِي كتاب الأخلاق) قال: والكبر أنواع وأعظم أنواع الكبر عَلَى الله وعَلَى رسله، وهَذَا شر أنواع الكبر، لأن الإنسان ضعيف المخلوق من ماء مهين، الَّذِي يصرعه أضعف الحيوانات إِذَا سلطه الله عَلَيْهِ لا يليق به ولا يحل لَهُ أن يتكبر عَلَى من خلقه وأوجده ومنه يستمد بقاءه ويحتاج إليه فِي كُلّ لحظة وفِي كُل حركة وسكون. ومن جهل قدر ربه فهو من بهيمة الأنعام أو أضل، كما أخبر الله عمن استكبروا عَلَيْهِ وعَلَى رسله، وكيف يجهل الإنسان قدر إلههِ القادر القاهر الَّذِي أبدع العَالَم عَلَى أحسن إحكام وأدق تكوين وله سُبْحَانَهُ فِي كُلّ جزء من خلقه شاهد واضح الدلالة، وحجة ظاهرة البيان، تدل عَلَى أنه هُوَ ذَلِكَ الصانع الَّذِي ﴿َيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فمن تكبر عَلَى الله فلم يؤمن بذاته وصفاته أو استكبر عن عبادته فإنه سيري نتيجة كبريائه ذلاً وصغاراً وعذاباً أليماً يوم البعث والنشور، فضلاً عما يصيب كثيراً من

стр. 2288

المتكبرين عن عبادة الله من الانتقام الدنيوي، كما وقع للنمرود وفرعون وغيرهم من المتكبرين. وأما المتكبر عَلَى رسل الله فهو كالمتكبر عَلَى الله فِي نتيجته فإن جزاءه الخلود فِي نار جهنم، لأنَّهُمْ إنما جاءوا بِتَوْحِيدِ اللهِ وتنزيهه عن كُلّ ما لا يليق به، وهداية النَّاس إلي سبيل السعادة، فمن استكبر عَلَيْهمْ ولم يؤمن بِهُمْ فقَدْ كفر بربه وخسر خسرانَاً مبيناً. ولَقَدْ قال المستكبرون من قريش: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ يريدون الوليد بن المغيرة من مَكَّة وأبا مسعود الثقفِي من أَهْل الطائف، دفعهم الكبر إلي أن يطلبوا من هُوَ عندهم وفِي زعمهم أعظم رئاسة من المُصْطَفَى ? لأنه غلام يتيم وإن كَانَ من أطهر أصلابهم وأشرف أنسابهم فرد الله عَلَيْهمْ بقوله ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ ، ذَلِكَ أنَّهُمْ جهلة متهورون غلاظ القُلُوب حسدة لم يقدروا الله الَّذِي خلقهم والَّذِينَ من قبلهم، الحكيم الَّذِي يضع الأشْيَاءِ مواضعها وينزل الأمور منازلها. وروي مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مَعَ رسول الله ? ونَحْنُ ستة نفر فَقَالَ المشركون: اطرد هؤلاء عنكَ فَإنَّهُمْ وإنَّهُمْ، قال فكنت أَنَا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما، قال فوقع فِي نفس النَّبِيّ ? من ذَلِكَ ما شَاءَ الله فحدث به نَفْسه، فأنزل الله ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ وروي عن خباب بن الأرت – فِي سبب نزول هذه الآية – قال: جَاءَ الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدوا النَّبِيّ ? قاعداً مَعَ بلال وعمار وصهيب وخباب، فِي ناس من الضعفاء من الْمُؤْمِنِين، فَلَمَّا رأوهم حقروهم، فخلوا به فَقَالُوا: إنَا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به

стр. 2289

الْعَرَب فضلنا، فإن وفود الْعَرَب تأتيك، فنستحي أن يرانَا الْعَرَب قعوداً مَعَ هذه الأعبد فإِذَا نَحْنُ جئناك فأقمهم عنا، فإِذَا نَحْنُ فرغنا فاقعدهم إن شئت، قال "نعم"، قَالُوا: فاكتب لنا عَلَيْكَ كتاباً، فدعا بالصحيفة، ليكتب لهُمْ، ودعا علياً ليكتب، فَلَمَّا أراد ذَلِكَ ونَحْنُ قعود فِي ناحية، إذ نزل جبريل ﵇، فَقَالَ: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ثُمَّ ذكر الأقرع وصاحبه فَقَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ . ثُمَّ ذكرنا فَقَالَ: ﴿وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فرمي رسول الله ? بالصحيفة ودعانَا فأتيناه وَهُوَ يَقُولُ ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ فدنونا منه حتي وضعنا ركبنا عِنْدَ ركبتيه فكَانَ رسول الله ? يجلس معنا فإِذَا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يَقُولُ لا تعد عيناك عنهم تجالس الأشراف ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ أما الَّذِي أغفل قَلْبه عن الذكر فهو عيينة بن حصن والأقرع، وأما فرطاً فهلاكاً، فإِذَا بلغنا الساعة التي كَانَ يقوم فيها قمنا وتركناه حتي يقوم، وإلا صبر أبداً حتي نقوم، رواه ابن أبي شيبة ورواه أبو نعيم. ومعني هَذَا أن هذين الرجلين حملهما الكبر والأنفة عَلَى احتقار بعض هؤلاء الْمُؤْمِنِين لضعفهم من جهة الْمَال والنسب فطلبا من النَّبِيّ ? أن يختصهم بمجلس لا يشمل هؤلاء الضعفاء وفِي رواية أنَّهُمْ يؤمنون به إن فعل ذَلِكَ وكَانَ ? حريصاً عَلَى إيمان النَّاس، كما ذكر الله عنهُ بقوله ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ .

стр. 2290

وَقَالَ {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} وَقَالَ {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً} وَقَالَ: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} ورأي أن هَذَا لا يضر أصحابه خصوصاً بعد أن يدخل هذان معهما، فإن الدين كفيل بإذن الله فِي تهذيبهما فأجابهما إلي طلبهما. شعراً: الدِّيْنُ رُوْحٌ بِهِ تَحْيَا الأنَامُ كَمَا ... دَمَارُهَا أَبَداً بِالكُفْرِ يَنْحَتِمُ وَالكُفْرُ شَيْنٌ بِهِ الإصْلاَحُ مُنْعَدِمٌ ... وَالدِّيْنٌ زَيْنٌ بِهِ الأحوال تَنْتَظِمُ ولكن الله تعالى الَّذِي شرع الدين وَهُوَ الَّذِي فوق عباده جميعاً أبي عَلَى نبيه ذَلِكَ وأعلمه أنه لا يبالي بالمتكبرين، ولا يحفل بدخولهم فِي دينه، ما دامت أنفسهم متأثرة بالعزة الكاذبة واحتقار الْمُؤْمِنِين لأن دينه تعالى قَدْ جَاءَ بالِقَضَاءِ عَلَى هذه الرذيلة ولم يجعل الاحترام وعلو الهمة والمنزلة ورفعة القدر مرتبطاً برفعة النسب أو كثرة الْمَال أو الجاه والسُّلْطَان، وإنما جعل ذَلِكَ مرتبطاً بالعلم النافع وتقوي الله، ولذا قال لنبيه {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} وَقَالَ: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} الآية فصدع ? بأمر الله تعالى وبلغ ما أوحي إليه. شِعْراً: ... رَغِبْتُ عن الدُّنْيَا لِعِلْمِيَ أَنَّهَا مَحَلُّ حَيَاةِ المَرْءِ فِيه إبَلاَغُ وقَدْ لاَحَ فِي فَوْدَيَّ شَيْبٌ عَلَى الرَّدَى دَلِيْلٌ وفِيه مَا أَرَدْتُ بَلاَغُ وَأَمَّلْتُ مِنْ مَوْلاَيَ نَظْرَةَ رَحْمَةٍ يَكُوْنُ بِهَا مِنِّي إِليْهِ بَلاَغُ ... >?

стр. 2291

.. فَأحْظَى إِذَا الأبْرَارُ قِيْلَ لَهُمْ غَداً هَلِمُّوا إِلى دَارِ النَّعِيْمِ فَرَاغُوا رَأَيْتُ بَنَيْها مَا رَمَتْهُمُ سِهَامُهَا فَطَاشَتْ وَلاَ حُمَّ الحِمَامُ فَرَاغُوا فَعُجِبْتُ إِلى دَارِ البَقَاءِ بِهِمَّتِي فَعِنْدِي عنهَا رَاحَةٌ وَفَرَاغُ ... >? اللَّهُمَّ مكن محبة القرآن فِي قلوبنا ووفقنا لتلاوته آناء الليل والنَّهَارَ اللَّهُمَّ وارزقنا الْعَمَل به والدعوة إليه واجعله حجة لنا وقائداً لنا إلي جنتك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين. " موعظة " عِبَادَ اللهِ: إنما يسعد المسلمون أن يتبعوا الحق ويدعوا إليه ولا تأخذهم فِي الله لومة لائم ويقبلوا النَّصِيحَة ممن ينصحهم ويعملوا بِهَا راضية نفوسهم شاكرة ألسنتهم غَيْرَ مستكبرين ولا متعنتين ولم يعمهم الهَوَى عن اتباع الحق إذ ذاك تكمل لهُمْ السعادة ويتم لهُمْ النَّعِيم وقَدْ فشا فِي النَّاس داء الكبر واستحكَم ولا أقصد بذَلِكَ من الكبر الخيلاء والتبختر فقط وإنما أقصد كبر المتكبر عن قبول نصح الناصح وإرشاد المشترشد فإن الأولَ وإن كان شراً لكن الثاني شر منه فإن المرء إذا لم يقبل نصيحة الناصح كَانَ راضياً عن نَفْسه ومتي رضي عن نَفْسه عميت عن عيوبِهَا فلا يؤثر فيها نصح ولا ينفع معها إرشاد لأن الغرور متحكم فيها والشهوات محيطة بِهَا فإِذَا أراد الله بعبده خيراً بصره بعيوب نَفْسه فأصلحها واتهمها دائماً بالنقص وطالبِهَا بالكمال حتي تلتحق بالنُّفُوس الزكية والأرواح الطاهرة وهكَذَا كَانَ سلفنا الصالح

стр. 2292

فكَانَ أمير الْمُؤْمِنِين عُمَرُ بنُ الْخَطَّاب ﵁ يَقُولُ: رحم الله امرأً أهدي إلي عيوب نفسي وكَانُوا إِذَا أرشدهم أخٌ من إخوأنهمْ إلي عيب فِي نفوسهم فرحوا بهَذَا التنبيه وطهروا نفوسهم منه وشكروا من نصحهم وجعلوا نصيحته منة لَهُ عَلَيْهمْ ولم يأنفوا أو لم يستكبروا لأنَّهُمْ يتهمون نفوسهم ويرونها ناقصة ويسعون إلي رفعتها إلي أوج الكمال وبهَذَا بلغوا ما بلغوا ونالوا ما نالوا، يا عِبَادَ اللهِ: كيف نرضي عن نُفُوسنا والله جَلَّ وَعَلا يَقُولُ: (إن النفس لأمارة بالسوء) عِبَادَ اللهِ: من منا بلغ معشار ما بلغه عمر فِي كمال نَفْسه وقوة إيمانه وشدة يقينه وقَدْ كَانَ يَقُولُ لأصحابه: من رأي منكم فِيَّ اعوجاجاً فليقومه هكَذَا كَانَ ظنه ﵁ بنفسه عَلَى جلالة قدره وعلو منزلته فِي دينه وكل ما كَانَ أكبر كَانَ أقل إعجاباً بنفسه وأكثر مطالبة لها بسلوك طَرِيق الحق. شِعْراً: ... نَالُوا بِذَلِكَ فَرْحَةً وَسُرُوراً ... وَسَعَوْا فَأَصْبَحَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورَا قَوْمٌ أَقَامُوْا لِلإِلَهِ نُفُوسَهُمْ ... فَكَسَا وُجُوْهَهُمُ الوَسِيمَةَ نُوْرَا تَرَكُوْا النَّعِيْمَ وَطَلَّقُوا لَذَّاتِهِمْ ... زُهْداً فَعَوَّضَّهُمْ بِذَاكَ سُرُوْرَا قَامُوا يُنَاجُوْنَ الإلَهَ بِأّدْمُعٍ ... تَجْريْ فَتَحْكِي لُؤْلُؤاً مَنْثُورَا سَتَروْا وُجُوهَهُمُوْا بِأَسْتَارِ الدُّجَى ... لَيْلاً فَأَضْحَتْ فِي النَّهَارِ بُدُوْرَا عَمِلُوا بِمَا عَلِمُوا فَجَادُوْا بالَّذِي ... وَجَدُوْا فَأَضْحَتْ حَظُّهُمْ مَوْفُورَا وإِذَا بَدَا لَيْلٌ سَمِعْتَ أَنِيْنَهُمْ ... وَشَهِدْتَ وَجْداً مِنْهُمُوْا وَزَفْيِرَا تَعِبُوْا قَلِيلاً فِي رِضَا مَحْبُوبِهِمْ ... فَأَرَاحَهُمْ يَوْمَ المَعَادِ كَثِيْرَا صَبَرُوا عَلَى بَلْوَاهُمُوا فَجَزَاهُمُوْا ... يَوْمَ القِيَامَةِ جَنَّةً وَحَرِّيْرَا اللَّهُمَّ اجعلنا من أَهْل الصلاح والنجاح والفلاح، ومن المؤيدين بنصرك وتأييدك ورضاك وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2293

(فَصْلٌ) وأما التكبر عَلَى خلق الله فهو من شر الرذائل وأسوأ الصفات، لأنه يستلزم مظَالم شائنة وجرائم ممقوتة وقَدْ يفضي به ذَلِكَ إلي التكبر عَلَى الله وعَلَى رسله لأن الله تعالى نهي عن ارتكاب تلك المظَالم، وحذر عاقبة شرها، فلم يبال به ولم يخشَ وعيده، ولم يخف بطشه، وفِي ذَلِكَ كبر وعتو وتمرد. وأيضاً فإن المستعظم عَلَى عبد من عِبَاد اللهِ لا يصغي لقوله مهما كَانَ حقاً مفروضاً ولا يدخر مجهوداً فِي رده بالْبَاطِل وهَذَا من أَخْلاق الكافرين الَّذِينَ يستكبرون عَلَى الله فمن أجل ذَلِكَ حرم الله الكبر ونهي عنه نهياً شديداً١ هـ بتصرف. وقَدْ وردت آيات وأحاديث فِي ذم الكبر والنهي عنهُ من ذَلِكَ آية سورة الأعراف المشيرة إلي حرمان الحق وعمي الْقَلْب عن معرفة آيات الله تعالى وفهم أحكامه، قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ . وَقَالَ تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ وَقَالَ: ﴿إنه لا يحب المستكبرين﴾ وَقَالَ تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً﴾ وَقَالَ: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ . وعن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ أن رسول الله ? قال: " لا

стр. 2294

ينظر الله يوم القيامة إلي من جر إزاره بطراً ". متفق عَلَيْهِ، وعنه أن رسول الله ? قال: " بينما رجل يمشي فِي حلة، تعجبه نَفْسهُ مرجل رأسه، يختال فِي مشيته خسف الله به فهو يتجلجل فِي الأرض إلي يوم القيامة ". متفق عليه. وعن ثوبان ﵁ قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: "من مَاتَ وَهُوَ بريء من الكبر والغلول والدين دخل الجنة ". رواه الترمذي واللفظ لَهُ والنسائي، وابن ماجه وابن حبان فِي صحيحه. وعن أبي سعيد وأَبِي هُرَيْرَةِ ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: " يَقُولُ الله : العزُّ إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني شيئاً مِنْهُمَا عذبته ". رواه مسلم بلفظ "يَقُولُ الله : العزُّ إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته ". وعن ابن عباس ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: " يَقُولُ الله جَلَّ وَعَلا: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً مِنْهُمَا ألقيته فِي النار". رواه ابن ماجة واللفظ لَهُ وابن حبان فِي صحيحه. وعن حارثة بن وهب ﵁ قال سمعت رسول الله ? يَقُولُ: " إلا أخبركم بأَهْل النار؟ . كُلّ عتل جواظ مستكبر ". رواه البخاري ومسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ? قال: "من تواضع لله درجة يرفعه الله درجة حتي يجعله الله فِي أعَلَى عليين ومن تكبر عَلَى الله درجة يضعه الله درجة، حتي يجعله فِي أسفل سافلين، ولَوْ أن أحدكم يعمل فِي صخرة صماء لَيْسَ عَلَيْهَا باب ولا كوة لخرج ما غيبه للناس كائناً ما كان" رواه ابن ماجة وابن حبان فِي صحيحه. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النَّبِيّ ? قال: " احتجت الْجَنَّة والنار فقَالَتْ النار: فِيَّ الجبارون والمتكبرون، وقَالَتْ الْجَنَّة: فيَّ

стр. 2295

ضعفاء المُسْلِمِيْنَ ومساكينهم، فقضي الله بينهما: إنك الْجَنَّة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي أعذب به من أشاء، ولكليكما عَلَىَّ ملؤها ". رواه مسلم. وعن أبي سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف قال: التقي عَبْدُ اللهِ بنُ عمر وعبدُ الله بنُ عمرو بن العاص ﵃ عَلَى المروة فتحدثا ثُمَّ مضي عَبْدُ اللهِ بنُ عمرو وبقي عَبْدُ اللهِ بنُ عمر يبكي فَقَالَ لَهُ رجل: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هذا. يعني عَبْد اللهِ بن عمرو زعم أنه سمَعَ رسول الله ? يَقُولُ: "من كَانَ فِي قَلْبهِ مثقال حبة من خردل من كبر كبَّه الله لوجهه فِي النار ". رواه أَحَمَد ورواته رواة الصحيح. بلغ يا أخي هَذَا الْحَدِيث حاملي الماجستير والدكتوراه والبكالوريوس والعالمية ونحوهم من يرون النَّاس بعين الاحتقار والتنقص لما عندهم من الكبر والعجب والعظمة. شِعْراً: ... لَوْ عَرَفَ الإنسان مِقْدَارِهِ ... لم يَفْخَرِ المَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ أَمْسَ الَّذِي مَرَّ عَلَى قُرْبِهِ ... يَعْجَزُ كُلُّ الخَلْقِ عن رَدِّهِ آخر: لاَ تَفْخَرَنَّ بِمَا أُوْتِيْتَ مِنْ نِعَمٍ ... عَلَى سِوَاكَ وَخَفْ مِنْ مَكْرِ جَبَّارِ فأَنْتَ فِي الأصْلِ بِالفَخَّارِ مُشْتَبِهٌ ... مَا أَسْرَعَ الكَسْرَ فِي الدُّنْيَا لِفَخَّارِ آخر: اعْجَبْ لِمُحْتَكِرِ الدُّنْيَا وَبَانِيْهَا وعن قَرِيْبٍ عَلَى كُرْه يُخَلّيْهَا دَارٌ عَواقِبُ مَفْرُوْحَاتِهَا حَزَنٌ إِذَا أَعَارَتْ أَسَاءَتْ فِي تَقَاضِيْهَا يَا مَنْ يُسَرُّ بِأَيَّامٍ تَسِيْرُ بِهِ إِلى الفَنَاءِ وَأَيَّامٍ يُقَضِّيْهَا ... >?

стр. 2296

.. قِفْ فِي مَنَازِلِ أَهْلِ العِزَّ مُعْتَبِراً وانْظُرْ إِلى أَيِّ شَيْءٍ صَارَ أَهْلُوهَا صَارُوْا إِلى حَدَثٍ فِيه مَحَاسِنُهُمْ عَلَى الثَّرَى وَدَوِيُ الدُوْدِ يَعْلُوهَا ... >? اللَّهُمَّ يسرنا لليسري وجنبنا العسري وَاجْعَلْنَا هداة مهتدين وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. " موعظة " عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ كانت القُلُوب موضع العناية التامة عِنْدَ السَّلَف الصالح لأنَّهُمْ يعلمون كما قال النَّبِيّ ?: " إِذَا صلحت صلح الجسد كله" وَذَلِكَ لأنها مبدأ الحركات البدنية، والإرادات النفسانية، فإن صدرت من القُلُوب إرادة صَالِحَة تحرك البدن حركة طاعة، وإن صدرت عنهَا إرادة فاسدة تحرك البدن حركة فاسدة، فهو كملك والأعضاء كالرعية، ولا شك أن الرعية تصلح بصلاح الملك وتفسد بفساده، وكَانَ واجباً عَلَيْنَا أن نكون كما كَانَ سلفنا فِي العناية بهاتيك القُلُوب لأن بِهَا سعادتنا بإذن الله وبِهَا شقاؤنا، ولكن يا للأسف ما كَانَ من ذَلِكَ شَيْء والَّذِي كَانَ منا أننا أهملنا قلوبنا إهمالاً تتجرح لَهُ القُلُوب، وتذوب لَهُ الأكباد ولذَلِكَ نشأ فينا نتيجة الإهمال كثرة الأمراض فِي القُلُوب وتشعبت وأعضلت وصعب شفاؤها، وانعدم أطباؤها ومن وصل إلي هَذَا الحد فهو فِي خطر عظيم. فمن الأمراض التي أزمنت فِي قلوبنا مرض الرياء الَّذِي لا يكاد يسلم منه إلا النوادر، ومن الأمراض التي أصبنا بِهَا مرض العجب، ولهَذَا يعتقد

стр. 2297

الصغَيْر منا والكبير الكمال فِي نَفْسه ومن اعتقَدْ ذَلِكَ فِي نَفْسه هوي لأنه لا يلتفت إلي ما به كمال الرِّجَال، ومرض ينتج مرضاً آخر هُوَ مرض الكبر وصف الأنذال والأرذال والجهال، والمتكبر لا ينظر إليه بعين الرِّضَا والكبر ينشأ عنهُ مرض الحسد والحسود يتمني زَوَال نعمة الله عن خلقه، والحسد يولد الحقد الَّذِي ربما حمل صاحبه عَلَى قتل من لا ذنب له إلا ما أولاه الله من النعم، ولَيْسَ هَذَا كُل ما فِي قلوبنا من الأمراض بل فيها مرض البخل والشح الَّذِي وصل بنا إلي منع الزَّكَاة أو بعضها، وغَيْرَ ذَلِكَ كثير وكلها أمراض مهلكات، ونَحْنُ لا نهتم بقلوبنا ولا بأمراضها وإنما نهتم بأمراض أجسامنا، ونبادر فِي علاجها إلي المستشفيات، وأمراضها يسيرة بسيطة بِالنِّسْبَةِ إلي أمراض القُلُوب، ونهتم أيضاً بجمال ظواهرنا فنبالغ فِي تحسين ملابسنا ومراكبنا ومساكننا ومجالسنا وأبداننا، انظر إلينا عِنْدَ الذهاب إلي مقر الْعَمَل لتعجب من تغفيلنا وانخداعنا، ولَوْ كانت عنايتنا بالقُلُوب كعنايتنا بالملابس فقط ما كنا بهذه الحالات المحزنات. شِعْراً: ... تَفَكَّرْتُ فِي الدُّنْيَا فَأبْصَرْتُ رُشْدَهَا ... وَذَلَّلْتُ بِالتَّقْوى مِنْ اللهِ حَدَّهَا أَسَأْتُ بِهَا ظَناً فَأَخْلَفْتُ وَعْدَهَا ... وَأَصْبَحْتُ مَوْلاَهَا وَقَدْ كُنْتُ عَبْدَهَا آخر: ... خَلِيْلَّيْ قُوْمَا فاحْمِلاَ لِي رِسَالَةً وَقُولاَ لِدُنْيَانَا الَّتِي تَتَصَنَّعُ عَرَفْنَاكِ يَا خَدَاعَةَ الخَلْقِ فَاذْهَبِي أَلَسْنَا نَرَى مَا تَصْنَعِيْنَ وَنَسْمَعُ فَلاَ تَتَجَلَّيْ لِلْعُيُونِ بِزِيْنَةٍ فَإِنَّا مَتَى مَا تَسْفُرِي نَتَقَنَّعُ نُغَطِي بِثَوْبِ اليَأْسِ عنكَ عُيُوبَنَا إِذَا لاَحَ يَوْماً مِنْ مَخَازِيْكِ مَطْمَعُ ... >?

стр. 2298

آخر: ... رَتَعنا وَجُلْنَا فِي مَرَاعِيْكِ كُلِّهَا فلم يَهْنَنَا فِي مَا رَعَيْنَاهُ مَرْتَعُ ... >? آخر: ... يَا آمِرِيْ بِاقْتِنَاءِ الْمَالِ مُجْتَهِداً ... كَيْمَا أَعِيْشُ لِمَالِي فِي غَدٍ رَغَداً هَبْنِيْ بِجَهْدِيَ قَدْ أَصْلَحْتُ أَمَرْ غَدٍ ... فَمَنْ ضَمِيْنِيْ بِتَحْصِيْلِ الحَيَاةِ غَداً اللَّهُمَّ أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الْبَاطِل باطلاً وجنبنا اتباعه، واغفر لنا ولولدينا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) عن حذيفة ﵁ قال: كنا مَعَ النَّبِيّ ? فِي جنازة قال: "ألا أخبركم بشر عِبَادِ اللهِ؟ : الفظ المستكبر، إلا أخبركم بخَيْر عِبَادِ اللهِ؟ الضعيف المستضعف لله، ذو الطمرين لا يؤبةَ لَهُ لَوْ أقسم عَلَى الله لأبره" رواه أَحَمَد ورواته رواة الصحيح إلا مُحَمَّد بن جابر. وعن عَبْد اللهِ بن سلام ﵁: أنه مر فِي السوق وعَلَيْهِ حزمة من حطب، فقيل لَهُ ما يحَمَلَكَ عَلَى هَذَا، وقَدْ أغناك الله عن هذا؟ قال أردت أن أدفع الكبر، سمعت رسول الله ? يَقُولُ "لا يدخل الْجَنَّة من فِي قَلْبهِ خردلة من كبر" رواه الطبراني بإسناد حسن والأصبهاني إلا أنه قال ذرة من كبر. وعن عمرو بن شعيب ﵁ عن أبيه عن جده قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر فِي صور الرِّجَال يغشاهم الذل من كُل مكَانَ يساقون إلي سجن فِي جهنم يُقَالُ لَهُ بولس، تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أَهْل النار طينة الخبال. رواه النسائي والترمذي واللفظ له

стр. 2299

وَقَالَ: حديث حسن وعن عَبْد اللهِ بن مسعود ﵁ عن النَّبِيّ ? قال: "لا يدخل الْجَنَّة من كَانَ فِي قَلْبهُ مثقال ذرة من كبر" فَقَالَ رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة قال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس" رواه مسلم والترمذي. وعَن ابن عمر ﵄ أن النَّبِيّ ? قال: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فَقَالَ أبو بكر ﵁:يَا رَسُولَ اللهِ إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده. فَقَالَ لَهُ رسول الله ?: "إنك لست ممن يفعله خيلاء" رواه مالك والبخاري واللفظ له. وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ? يَقُولُ: "من تعظم فِي نَفْسه واختال فِي مشيته لقي الله ﵎ وَهُوَ عَلَيْهِ غضبان" رواه الطبراني فِي الكبير واللفظ لَهُ ورواته محتج بِهم فِي الصحيح والحاكم بنحوه وَقَالَ صحيح عَلَى شرط مسلم. وعن خولة بنت قيس ﵄ أن النَّبِيّ ? قال: "إِذَا مشت أمتي المطيطأ، وخدمتهم فارس الروم، سلط بَعْضهمْ عَلَى بعض" رواه ابن حبان فِي صحيحه ورواه الترمذي وابن حبان أيضاً من حديث ابن عمر، وروري عن أسماء بنت عميس ﵂، قَالَتْ: سمعت رسول الله ? يَقُولُ: "بئس الْعَبْد عبد تخيل واختال ونسي الكبير المتعال، بئس الْعَبْد عبد تجبر واعتدي، ونسي الجبار الأعلَى، بئس الْعَبْد عبد سها ولها، ونسي المقابر والبلي، بئس الْعَبْد عبد عتي وطغي، ونسي المبتدأ والمنتهي بئس الْعَبْد عبد يختل الدُّنْيَا بالدين، بئس الْعَبْد عبد يختل الدين بالشبهات، بئس الْعَبْد عبد طمَعٌ يقوده، بئس الْعَبْد عبد هوي يضله، بئس الْعَبْد عبد رغب يذله رواه الترمذي. شِعْراً: ... لاَ تَبِخَلَنَّ بِدُنَياً وَهْيَ مُقِبْلَةٌ ... فَلاَ يَضُرُّ سِوَى التَّبْذِيْرُ وَالسّرَفُ وَإِنْ تَولَّتْ فَأحْرَى أَنْ تَجُودَ بِهَا ... فَالشُّكْرُ مِنْهَا إِذَا مَا أَدْبَرَ خَلِفُ

стр. 2300

آخر: ... إِنَّ المَؤُنَةَ وَالحِسَابَ كِلَيْهِمَا ... قُرِنَا بِهَذَا الدَّرْهَمِ المَذْمُوْمِ كَلِفَ الأنَامُ بِذِمِّهِ وَبِضَمِّهِ ... فَتَعَجَّبُوْا لِمُذَمّمٍ مُضْمُوْمِ وعن أَبِي هُرَيْرَةِ عنهُ قال قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم، شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر" رواه مسلم والنسائي، وعنه ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: " أربعة يبغضهم الله البياع الحلاف والفقير المختال، والشَّيْخ الزاني، والإمام الجائر ". رواه النسائي وابن حبان فِي صحيحه. وعنه ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: " عرض عَلَى أول ثلاثة يدخلون النار: أمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله فِيه، وفقير فخور" رواه ابن خزيمة وابن حبان فِي صحيحه. وأخرَجَ ابن ماجه والحاكم وصحح إسناده أن رسول الله ? بصق يوماً عَلَى كفه ووضع أصبعه عَلَيْهِ وَقَالَ: "يَقُولُ الله تعالى: ابن آدم أتعجزني وقَدْ خلقتك من مثل هذه؟ حتي إِذَا سويتك وعدلتك، مشيت بين بردين، وللأرض منك وئيد، جمعت ومنعت، حتي إِذَا بلغت التراقي، قُلْتُ أتصدق، وأني أوان الصدقة" وَاللهُ أَعْلم وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم. شِعْراً: ... دَعِ الكِبْرَ واجْنَحْ لِلتَّوَاضُعِ تَشْتَمِلْ ... وِدَادَ مَنِيْعِ الوِدِّ صَعْبٌ مَرَاقُهُ وَدَاوِ بِلِيْنٍ مَا جَرَحْتَ بِغِلْظَةٍ ... فَطِبُّ كَلاَمِ المَرْءِ طِيْبُ كَلاَمِهِ آخر: ... حَقَيق بِالتَوَاضُعِ مَنْ يَمُوْتُ ... وَيَكْفِي المَرْءَ مِنْ دُنْيَاهُ قُوْتُ فَمَا لِلْمَرْءِ يُصْبِحُ ذَا هَمُوُمٍ ... وَحِرْصٍ لَيْسَ يُدْرِكُهُ النُعُوْتُ فَيَا هَذَا سَتَرْحَلُ عن قَرِيْبٍ ... إِلى قَوْمٍ كَلاَمُهُمُ السُكُوْتُ آخر: ... تَذَلَّلْ لِمَنْ إِنْ تَذَلَلْتَ لَهُ ... يَرَى ذَاكَ لِلْفَضْلِ لاَ لِلْبَلَهْ

стр. 2301

.. وَجَانِبْ صَدَاقَةَ مَنْ لم يَزَلْ ... عَلَى الأصْدِقَاءِ يَرَى الفَضْلَ لَهُ آخر: ... إِذَا تَاهَ الصَّدِيْقُ عَلَيْكَ كِبْراًُ ... فَتِهْ كِبْراً عَلَى ذَاكَ الصَّدِيْقِ فَإيْجَابُ الحُقُوْقِ بِغَيْرِ رَاعِ ... حُقُوُقَكَ رَأْسُ تَضْيِيْعِ الحُقُوْقِ آخر: ... تَواضَعْ إِذَا مَا نِلْتَ فِي النَّاسِ رِفْعَةً ... فَإِنَّ رَفْيعَ القَوْمِ مَنْ يَتَوَاضَعُ وَدَاوِمْ عَلَى حَمْدِ الإلهِ وَشُكْرِهِ ... وَذْكر لَهُ فَهُوَ الَّذِي لَكَ رَافِعُ آخر: ... يَا غَافِلاً عن سَاعَةٍ مَقْرُوْنَةٍ ... بِنَوَادِب وَصَوَارِخٍ وَثَوَاكِلِ قَدِّمْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ صَالِحاً فَالمَوْتُ أَسْرَعُ مِنْ نُزُوْلِ الهَاطِلِ حَتَّامَ سَمْعُكَ لاَ يَعِي لِمُذَّكِرٍ وَصَمِيْمُ قَلْبِكَ لاَ يَلِيْنُ لِعَاذِلِ تَبْغِي مِنَ الدُّنْيَا الكَثْيِرَ وَإِنَمَا يَكْفِيكَ مِنْ دُنْيَاكَ زَادُ الرَّاحِلِ آيُ اْلكِتَابِ يَهُزُّ سَمْعَكَ دَائِماً وَتَصُمُّ عنهَا مُعْرِضاً كَالغَافِلِ كم لِلإِلَهِ عَلَيْكَ مِنْ نِعَمٍ تُرَى وَمَوَاهِبٍ وفَوَائِدٍ وَفَوَاضِلِ كم قَدْ أَنَالَكَ مِنْ مَوَانِحِ طَوْلِهِ فَأسْألْهُ عَفْواً فَهُوَ غَوْثُ السَّائِلِ ... >? اللَّهُمَّ مكن حبك فِي قلوبنا وألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا لامتثال طَاعَتكَ وأمرك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 2302

" موعظة " عِبَادَ اللهِ: من تكبر أذله ومن تواضع لله رفعه الله والمتكبرون يحشرون يوم القيامة فِي صور الذر تطؤهم النَّاس لهوانهم عَلَى الله تعالى المتكبرون شرار الخلق وأَهْل النار كُل جعظري جواظ مستكبر، المتكبر يشمخ بأنفه إِذَا تكلَم، ويجافِي مرفقيه عن جنبيه لاوياً عَنقه، يقارب خطاه إِذَا مشي، متطاولاً عَلَى إخوانه، مترفعاً عَلَى أقرانه، ينظر النَّاس شظراً بمؤخر العين، متقدماً عَلَيْهمْ إِذَا مشي، محتقراً للعامة، ولا فرق عنده بينهم وبين الحمير استهجإلا منه لهُمْ، فالمتكبر لا يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه، لأنه لا يقدر عَلَى ذَلِكَ، ولا يقدر عَلَى التواضع وَهُوَ رأس أَخْلاق المتقين، ولا يقدر عَلَى ترك الحقد، ولا يقدر أن يدوم عَلَى الصدق، ولا يقدر عَلَى ترك الْغَضَب، ولا عَلَى كظم الغيظ، ولا يسلم من الازدراء بِالنَّاسِ واحتقارهم ولا يسلم من اغتيابهم وتنقيصهم، لأن فِيه من العظمة والعزة والكبرياء، ما يمنعه من ذَلِكَ، فما من خلق ذميم إلا وصَاحِب الكبر والعظمة مضطر إليه، ليحفظ به عزه وعظمته، وما من خلق محمود إلا وَهُوَ عاجز عنهُ خوفاً من أن يفوته عزه وعظمته، ولذَلِكَ ورد فِي الْحَدِيث أنه لا يدخل الْجَنَّة من فِي قَلْبهِ مثقال ذرة من كبر، ومِمَّا جَاءَ فِي وصية لقمان لابنه ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ومن تعاليم ربنا لهذه الأمة ونبيها ﵊، بقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ فيا أيها المتكبر الناظر فِي عطفِيه، المتعاظم فِي نَفْسه، إن شأنك حقير، وقدرك صغَيْر ولست بمحسوب فِي العير، ولا فِي النفير، وما لك عِنْدَ عاقل من حساب، ولا تقدير، لا قليل ولا كثير، فهون عَلَيْكَ، وارفق بنفسك، فإنك مغرور، يا مسكين وتدبر كلام رب العالمين ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ، ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ وذم الكبر فِي القرآن كثير، والمتكبر

стр. 2303

عدو لله ولنفسه وللناس، ويقصر فِي الواجب ويدعي ما لَيْسَ لَهُ ويتشدق فِي الكلام، ويتألق فِي اللباس، وإنه لثقيل فِي حركاته وسكناته، بغيض فِي أمره ونهيه، ومجالسته، ومؤاكلته ومشاربته، والويل كُل الويل لمن صاهره أو شاركه أو ربطته به صلة، لأن داء الكبر يعدي ويسري فتبعد السلامة من المقترب منه رأي بعض أَهْل العلم من يختال فِي مشيته فغمز جنبه، ثُمَّ قال لَيْسَتْ هذه مشية من فِي بطنه خراء، وكيف يتكبر من أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يحمل البول والعذرة، هَذَا أكبر برهان عَلَى أنه دنس جاهل مجهول نكرة ممتلئاً كبراً وإعجاباً بنفسه وسمعة، ورياءً، ولؤماً وشؤماً وشرهاً فهو أشبه شَيْء بالدخان يملأ الفضاء ويتك صدور النَّاس وأصله من القمامَاتَ والأوساخ المبعثرة، نسأل الله أن يقلل هَذَا النوع المنحط وأن يكثر ضده من أَهْل التواضع واللين والعطف والحنان: قال الله تعالى ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ اللَّهُمَّ أنظمنا فِي سلك عبادك الأخيار ونجنا بِرَحْمَتِكَ من عذاب النار وأسكنا الْجَنَّة مَعَ أوليائك الأبْرَار وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) وللكبر آثار تظهر عَلَى الجوارح كُلّهَا تدور حول ذَلِكَ النظر، فتري المتكبر إن سمح بممشاه مَعَ النَّاس يكون متقدماً عَلَيْهمْ، حريصاً جداً أن يكونوا كلهم خلفه، وتراه إن جلس معهم ورضي أن يكونوا جلساءه، محتفظاً بصدر المجلس مستقلاً به ويسره أن يصغوا إلي كلامه، ويؤلمه كلام غيره وتجده ينتظر من النَّاس أن يتلقوا كلامه بالقبول والتصديق. شِعْراً: ... وَمُسْتَعْبَدٍ إِخْوَانَهُ بِثَرَائِهِ ... لَبِسْتُ لَهُ كِبْراً أَبَرَّ عَلَى الكِبْرِ وَقَدْ زَادَنِيْ تِيْهَاً عَلَى مُتَكَبِّرٍ ... أَرَانِيَ أَغْنَى وَإِنْ كُنْتُ ذَا فَقْرِ

стр. 2304

آخر: ... حَجَابٌ وَإِعْجَابٌ وَفَرْطُ تَصَلُّفٍ ... وَمَدُّ يَدٍ نَحْوَ العُلَى بِتَكَلُّفِ ولَوْ كَانَ هَذَا مِنْ وَرَاءِ كِفَايَةٍ ... عَذَرْنَا وَلَكَنْ مِنْ وَرَاءِ تَخَلُفِ آخر: ... يَا قَلْيلَ القَدْرِ مَوْفُورَ الصَّلَفْ ... والَّذِي فِي التِيْهِ قَدْ حَازَ السَّرَفْ كُنْ لَئِيْمَاً وَتَوَاضَعْ تُحْتَمَلْ ... أَوْ سَخِيَاً يُحْتَمَلْ مِنْكَ الصَّلَفْ آخر: ... فَخَرٌ بِلاَ حَسَبٍ عُجْبٌ بِلاَ أَدَبِ ... كِبْرٌ بِلاَ نَشَبٍ هَذَا مِنَ العَجَبِ آخر: ... الْمَرُء يُعْجِبُنِيْ وَمَا كَلمتُهُ ... ويُقَالُ لِيْ هَذَا اللَبِيْبُ اللَّهْذَمُ فَإِذَا قَدَحْتُ زِنَادَهُ وَوَرَيْتَهُ ... فِي الكَفِّ زَافَ كَمَا يَزْيِفُ الدِرْهَمُ ومن آثار الكبر: تصعير الخد، والنظر شزراً، وإطراق رأسه، وجلوسه متربعاً أو متكئاً. وتظهر آثار الكبر أيضاً فِي أقوال المتكبر حتي فِي صوته ونغمته وصيغة كلامه فِي الإيراد وقيل لأحمق تكبر وقام ساخطاً عَلَى أستاذه لماذَا قمت فَقَالَ دخلت ولم يحترمني وجلست فلم يكرمني ولم يدر من أَنَا واستشهد بقول الشاعر: (ولَوْ كَانَ إِدْرَاكُ الهُدَى بِتَذَلُلٍ رَأَيْتُ الهُدَى أَنْ لاَ أَمِيْلَ إِلى الهُدَى) ... >? آخر: ... كَالثَّوْرِ عَقْلاً وَمِثْلُ التَّيِسِ مَعْرِفَةً ... ... فَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والفَنَدِ الجَهْلُ شَخْصٌ يُنَادِي فَوْقَ هَامَتِهِ ... لاَ تَسْأَلِ الرَّبْعَ مَا فِي الرَّبْعَ مِنْ أَحَدِ آخر: ... وَمَنْ أمَنَ الآفَاتِ عُجْباً بِرَأْيِهِ ... أَحَاطَتْ بِهِ الآفَاتُ مِنْ حَيْثُ يَجْهَلُ آخر: ... وَمَا رَفَعَ النَفْسَ الوَضِيْعَةَ كَالتُقَى ... وَلاَ وَضَعَ النَّفَسَ الرَّفِيعَةَ كَالكُفْرِ ويظهر أيضاً أثر الكبر فِي مشيه وتبختره وقيامه وجلوسه وحركاته وسكناته وفِي تعاطيه لأفعاله، وفِي سائر تقلباته فِي أحواله وأقواله وأعماله. وفِي كتاب الخمول والتواضع لابن أبي الدُّنْيَا عن أبي بكر الهذلي قال: بينما نَحْنُ مَعَ الحسن، إذ مر عَلَيْهِ ابن الأهتم يريد المنصور وعَلَيْهِ جباب خز، قَدْ نضد بعضها فوق بعض عَلَى ساقه، وانفرج عنهَا قباؤه وهو

стр. 2305

يمشي ويتبختر، إذ نظر إليه الحسن نظرة فَقَالَ: أف أف، شامخ بأنفه ثاني عطفه، مصعر خده، ينظر فِي عطفِيه أي حميق ينظر فِي عطفِيه فِي نعم غَيْرَ مشكورة ولا مذكورة، غَيْرَ المأخوذ بأمر الله فيها، ولا المؤدي حق الله منها وَاللهِ أن يمشي أحدهم طبيعته يتلجلج تلجلج المجنون فِي كُل عضو منه نعمة وللشيطان بِهَا لعنة، فسمعه ابنُ الأهتم، فرجع يعتذر إليه، فَقَالَ: لا تعتذر إليَّ وتب إلي ربك، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ . ورأي ابن عمر رجلاً يخطر فِي مشيته فَقَالَ: إن للشياطين إخواناً. وروي عن عَلَى بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: من أراد أن ينظر إلي رجل من أَهْل النار فلينظر إلي رجل قاعد وبين يديه قوم قيام، وَقَالَ أنس: لم يكن شخص أحب إليهم من رسولِ الله ?، وكَانُوا إِذَا رأوه لم يقوموا لَهُ لما يعلمون من كراهته لذلك. ومن آثار الكبر أن المتكبر يحرص جداً عَلَى أن يمشي معه غيره ويكون الماشي معه خلفه، وكَانَ عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين عبيده إذ كَانَ لا يظهر فِي صورة ظاهرة، ومشي قوم خلف الحسن البصري فمنعهم، وكَانَ ? فِي بعض الأوقات يمشي مَعَ بعض أصحابه فيأمرهم بالتقدم ويمشي فِي غمارهم، إما لتعليم غيره أو لينفِي عن نَفْسه وساوس الشيطان بالكبر والإعجاب. ومن آثار الكبر أن يستنكف من جلوس غيره معه بالقرب منه إلا أن يجلس بين يديه، والتواضع خلافه، ومنها أن لا يتعاطي شغلاً فِي بيته، وقَدْ كَانَ النَّبِيّ ? كما روت عَائِشَة – فِي مهنة أهله يعني خدمتهم، من آثار الكبر أن لا يحمل متاعه إلي بيته ولَوْ كَانَ لا يثقله، وَهُوَ خلاف التواضع، فقَدْ كَانَ ? يفعل ذَلِكَ، وَقَالَ عَلَى كرم الله وجهه: لا ينقص الرجل الكامل من

стр. 2306

كماله من شَيْء إلا عياله، وكَانَ أبو عبيدة يحمل سطلاً لَهُ من خشب إلي الحمام وَهُوَ أمير. وَقَالَ ثابت بن مالك: رَأَيْت أبا هريرة أقبل من السوق يحمل حزمة حطب وَهُوَ يومئذ خليفة لمروان، فَقَالَ أوسع الطَرِيق للأمير يا ابن مالك، وعن الأصبغ بن نباتة قال: كأني أنظر إلي عمر ﵁ معلقاً لحماً فِي يده اليسري وفِي يده اليمني الدرة يدور فِي الأسواق حتي دخل رحله، وَقَالَ بَعْضهمْ رَأَيْت علياً ﵁ قَدْ اشتري لحماً بدرهم فحمله فِي ملحفته، فقُلْتُ لَهُ أحمل عنكَ يا أمير الْمُؤْمِنِين، فَقَالَ لا، أبو العيال أحق أن يحمل. وروي أن عمر بن عَبْد الْعَزِيز أتاه ليلة ضيف وكَانَ يكتب فكاد السراج يطفأ، فَقَالَ الضيف: أقوم إلي المصبح فأصلحه فَقَالَ: لَيْسَ من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه، قال: أفأنبه الغلام؟ فَقَالَ: هِيَ أول نومة نامها. فقام فأخذ البطة فملأ المصباح زيتاً، فَقَالَ الضيف: قمت أَنْتَ بنفسك يا أمير المؤمنين! فَقَالَ: ذهبت وأنَا عمر ورجعت وأنَا عمر ما نقص مني شَيْء وخَيْر النَّاس من كَانَ عِنْدَ الله متواضعاً ومن آثار الكبر تطويل الشارب الضي يسمي شنبات كأنها ريش الجعل إِذَا ابتدأ بالطيران أو نزل قبل أن يدخله، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ . وكَذَلِكَ إمالة العقال إلي الجبهة أو إلي جانب الرأس. ومن آثاره إسبال الثياب والتفاخر بها. وحكي أن مطرف بن عَبْد اللهِ بن الشخِّيْر نظر إلي المهلب بن أبي صفرة وعَلَيْهِ حلة يسحبِهَا ويمشي الخيلاء، فَقَالَ مطرف: يا عَبْد اللهِ ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله فَقَالَ المهلب: أما تعرفني وتنهاني مِمَّا رَأَيْت فَقَالَ: بل أعرفك أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وحشوك فيما بين ذَلِكَ بول وعذرة، قال بعضهم.

стр. 2307

شِعْراً: ... يَا مَنْ تَلَبَّسَ أَثْوَاباً يَتِيْهُ بِهَا ... تِيْهَ المُلُوكِ عَلَى بَعْضِ المَسَاكِيْنِ مَا غَيْرَ الجُلُّ أَخْلاَقَ الحَمِيْرِ وَلاَ ... نَقْشُ البَرَاذِعِ أَخْلاَقَ البَرَاذِيْنِ آخر: ... مَليءٌ بِبَهْرٍ وَالتِفَاتَ وَسَعْلَةِ ... وَمَسْحَةِ عُثْنُوْنٍ وَفَتْلِ الاصَابِعِ آخر: ... أَيُهَا المُدَعِي الفِخَارَ دَعِ الفَخُـ ... رِ لِذِيْ الكِبْرِيَاءِ وَالجَبَرُوْتُ نَسْجُ دَاوُوْدُ لم يُفِدْ لَيْلَةَ الغَا ... رِ وَكَانَ الفِخَارِ لِلْعنكَبُوتُ وَبَقاءُ السَّمَنْدَلِ فِي لَهَبِ النَّا ... رِ مُزِيْلٌ فَضِيْلَةَ اليَاقُوتُ يَا مُظْهِرَ الكِبْرِ إِعْجَاباً بِصُورَتِهِ ... ???? ... انْظُرْ خَلاَكَ فَإِنَّ النَّتْنَ تَثْرِيْبُ ... ???? ... لَوْ فَكَّرَ النَّاسُ فِي مَا فِي بُطُونِهِمْ ... ???? ... مَا اسْتَشْعَرَ الكِبْرَ شُبَّانُ وَلاَ شِيْبُ ... ???? ... هَلْ فِي ابْنِ آدَمَ مِثْلَ الرَّأْسِ مَكْرُمَةً ... ???? ... بِأَرْبَعٍ هُوَ فِي الاقْدَارِ مَضْرُوْبُ ... ???? ... أَنْفٌ يَسِيْلُ وَأُذْنٌ رِيْحُهَا سَهِكٌ ... ???? ... وَالعَيْنُ مُرْفَضَّةٌ وَالثَّغْرُ مَلْعُوْبُ ... ???? ... يَا ابْنَ التُّرَابِ وَمَأكُوْلَ التُرَابِ غَداً ... ???? ... اقْصُرْ فَإِنَّكَ مَأْكُوْلٌ وَمَشْرُوْبُ ... >? ... ????ومن آثاره: جعل خاتم ذهب أو ساعة فيها ذهب. ومن آثار الكبر جعل الكبكات فِي أكمام الثياب، وَقَالَ زيد بن وهب: رَأَيْت عُمَر بن الْخَطَّاب ﵁ خرج إلي السوق، وبيده الدرة، وعَلَيْهِ إزاره فِيه أربع عشرة رقعة بعضها من جلد وعوتب عَلَى كرم الله وجهه فِي إزار مرقوع، فَقَالَ: يقتدي به المُؤْمِن ويخشع لَهُ القلب. أين هؤلاء من أَهْل زماننا المظلم. ومن آثار الكبر: الأكل أو الشرب باليسار وَهُوَ خلاف السنة والعقل

стр. 2308

والأدب. فإن اليسار لما يستكره كالاستجمار والاستنجَاءَ والتمخط وإخراج ما فِي الأنف. أو فِي الجروح من صديد وغسل الأوساخ والنجاسات، أو لما يحرم ويستقذر كالدخان والخمر، وإليمني عَلَى العكس للأكل والشراب والتسوك والتطيب، وتقديمها للسلام وللمناولة ونحو ذَلِكَ مِمَّا هُوَ لائق بها. شِعْراً: ... وَتَاهَ سَعِيْدٌ أَنْ أُفِي د وِلاَيَةً ... وَقُلِّدَ أَمْراً لم يَكُنْ مِنْ رِجَالِهِ وَأَدْبَرَ عَنِّي عِنْدَ إِقْبَالِ حَظِهِ ... وغَيْرَ حَالِيْ عِنْدَهُ حُسْنُ حَالِهِ وَضَاقَ عَلَى حَقّي بِعُقْبِ اتَّسَاعِهِ ... فَأَوْسَعْتُهُ عُذْراً لِضِيْقِ احْتِمَالِهِ وقَدْ يصل الكبر ومثله العجب – بصاحبه إلي أن يورده موارد الكفر برب العالمين، كما حصل للمتكبرين عَلَى الله ورسله، فمن ذَلِكَ ما روي أن رجلاً كَانَ جالساً فِي طَرِيق فمرت به امرأة فقَالَتْ: يا عَبْد اللهِ كيف الطريق؟ فَقَالَ يا هناة أمثلي يكون من عبيد الله؟ وخطب رجل آخر فِي النَّاس، فَلَمَّا انتهي من خطبته قال لَهُ بعض الناس. أكثر الله من أمثالك فَقَالَ لهُمْ: لَقَدْ كلفتم الله شططا. أي أمراً بعيداً ومشقاً نعوذ بِاللهِ تعالى من حاله. وحالة أمثاله قللهم الله فِي المُسْلِمِيْنَ. وآخر أضل راحلته فالتمسها فلم يجدها فَقَالَ: إن لم يرد الله إلي راحلتي لا صليت لَهُ صلاة أبداً، فالتمسها النَّاس فوجدوها، فَقَالُوا لَهُ: قَدْ رد الله عَلَيْكَ راحلتي فصل، فَقَالَ: إن يميني يمين مصر، كأنه يهدد الله، نعوذ بِاللهِ من ذَلِكَ وآخر دخل مسجد البصرة فبسط ناس لَهُ أرديتهم تعظيماً لَهُ، فمشي عَلَيْهَا وَقَالَ لرجل يماشيه: (لمثل هَذَا فليعمل العاملون) اقتباساً من آية الصافات، إلي هَذَا الحد يصل الكبر بأهله قال ابن القيم ﵀: وَسَلِ العِيَاذَ مِنَ التَّكَبُرِ والهَوَى فَهُمَا لِكُلِ الشَّرِ جَامِعَتَانِ وَهُمَا يَصُدَانِ الفَتَى عن كُلِّ طُرْ قِ الْخَيْر إِذْ فِي قَلْبِهِ يَلِجَانِ فَتَراهُ يَمْنَعُهُ هَوَاهُ تَارَةً والكِبْرُ أُخْرَى ثُمَّ يَجْتَمِعَانِ ... >?

стр. 2309

.. وَاللهِ مَا فِي النَّارِ إلا تَابِعٌ هَذَيْنِ فَاسْألْ سَاكِنِي النِيْرَانِ ... >? آخر: ... قَدْ يَطْفَحُ اللُّؤْمُ حَتَى إِنَّ صَاحِبِهِ ... يَنْسَي الحَيَاةَ فَيَغْدُ يَدَعِي الكَرَمَا إِنَّ الجَهَالَةَ إِنْ كانَتْ قَذَى بَصَرٍ ... رَأى الضَلاَلَ هُدَىً واسْتَسْمَنَ الوَرَمَا كم مِنْ أَرَاذِلَ أَطْغَتْهَا سَفَهَاتُّهَا ... حَتَى إدَّعَتْ وَهِيَ أَذْنَاباً لَهَا الشَمَمَا إِنْ عُدَّتْ الوَحْشُ مَا عُدَّتْ وَلاَ بَقَرٌ ... أَوْ عُدَّتْ الطَيْرُ مَا عُدَّتْ وَلاَ رَخَمَا وَالنَّاسُ كَالنَّاسِ فِي خَلْقٍ وَبَيْنَهُمُوْا ... فِي الخُلْقِ بُوْنٌ فَذَا أرْضٌ وَذَا سَمَا ونصيب المتكبر من النَّاس أن يزدروه ويحتقروه ويمتهنوه ويمقتوه، ويعملوا خلاف ما يفهمون أنه يحبه مِنْهُمْ حتي يدعوه يغلي من معاملتهم غيظاً وحقداً، ولَوْ أمكن النَّاس أن يجعلوا المتكبر دائماً فِي غموم وهموم لما تأخروا عن ذَلِكَ، فالنَّاس لّهُمْ كرامة يفعلون بمن يكرهونه من أجل أنه يحتقرهم ويمتهن كرامتهم ويري نَفْسهُ فوقهم فهم يدركون أنه لئيم لا يتوضع إلا إِذَا أهنته ولا يعرف نَفْسهُ إلا إِذَا احتقرته وعاملته مثل معاملته وأنه ينطبق عَلَيْهِ قول الشاعر: فِي النَّاس مَنْ لاَ يُرْتَجَى نَفْعُهُ ... إلا إِذَا مُسَّ بِأَضْرَارِ كَالعُودِ لاَ تَطْمَعُ فِي رِيْحِهِ ... إلا إِذَا أُحْرِقَ بِالنَّارِ آخر: ... يَا مَنْ تَبَرَّمَتِ الدُّنْيَا بِطَلْعَتِهِ ... كَمَا تَبَرَّمَتِ الأجْفَانُ بِالسُّهُدِ يَمْشِي عَلَى الأرض مُخْتَإلا فَأحْسِبُهُ ... لِثِقْلِ طَلْعَتِهِ يَمْشِي عَلَى كَبِدِي آخر: ... لاَ تَلْطَفَنَّ بِدِي لُؤْمٍ فَتُطْغِيَهُ ... أَغْلَظْهُ يَأْتِيَكَ مِطْوَاعاً وَمِذْعَانَا إِنَّ الحَدِيْدَ تُليْنُ النَّارُ قَسْوَتَهُ ... ولَوْ صَبَبَتْ َعَلَيْهِ البَحْرَ مَا لاَنَا آخر: ... الكَلْبُ إِنْ جَاعَ لم يُعْدِمْكَ بَصْبَصَةً ... وَإِنْ يَنَلْ شِبْعَةٍ يَنْبَحْ عَلَى الاثَرِ آخر: ... أَهِنْ عَامِراً تَكْرُمْ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا ... أَخُوْ عَامِرٍ مَنْ مَسَّهُ بِهَوَانِ

стр. 2310

آخر: ... إِنَّ ذَا اللُّؤْمِ إِذَا أَكْرَمْتَهُ ... حَسِبَ الاكْرَامَ حَقاً لِزمَكْ فَأَهِنْهُ إِنَّهُ مِنْ لُؤْمِهِ ... إِنْ تَسُمْهُ بِهَوَانٍ أَكْرَمَكْ آخر: ... اثْنِانِ بُغْضُهُمْ غَالِباً عِنْدَ الكَثِيْرِ ... مُتَكَبِرُ فِي نَفْسِهِ وَبَخْيِلُ وأما نصيب المتكبر من الله فكما سمعت من الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة التي إِذَا سمعها المتواضع الموفق فتش عَلَى نَفْسهُ خشية أن يكون قَدْ دخل عَلَيْهِ الكبر وَهُوَ غَافِل عنه. عَجِبْتُ لِمَا تَتَوْقُ النَّفْسُ جَهْلاً ... إِلَيْهِ وَقَدْ تَصَرَّمَ لاِنْبِتَاتِ وَعِصْيَانِي العَذُوْلَ وَقَدْ دَعَانِي إِلى رُشْدِي وَمَا فِيه نَجَاتِي أُؤَمِّلُ أَنْ أَعِيْشَ وَكُلُّ يَوْمٍ بِسَمْعِيْ رَنَّةٌ مِنْ مُعْوِلاَتِي وَأَيْدِي الحَافِريْنَ تَكِلُّ مِمَّا تُسَوِّيْ مِنْ مَسَاكِنَ مُوْحِشَاتِ نُرَاعُ إِذَا الجَنَائِزُ قَابَلَتْنَا وَنَسْكُنُ حِيْنَ تَخْفَى ذَاهِبَاتِ كَرَوْعَةِ ثُلَّةٍ لِظُهُورِ ذِئْبٍ فَلَمَّا غَابَ عَادَتْ رَاتِعَاتِ فَإِنْ أَمَّلْتَ أَنْ تَبْقَى فَسَائِلْ بِمَا أَفْنَى القُرُوْنَ الخَالِيَاتِ فكم مِنْ ذِي مَصَانِعَ قَدْ بَنَاهَا وَشَيَّدَهَا قَلِيْلُ الخَوْفِ عَاتِي قَلِيلُ الهَمِّ ذِيْ بَالٍ رَخِيٍ أَصَّمَ عن النَّصَائِحِ والعِظَاتِ ... >?

стр. 2311

.. فَبَاتَ وَمَا يُرَوَّعُ مِنْ زَوَالٍ صَحِيْحَاً ثُمَّ أَصْبَحَ ذَا شِكَاتِ فَبَاكَرهُ الطَّبِيْبُ فَرِيْعَ لَمَّا رَآهُ لاَ يُجِيْبُ إَلى الدُّعَاةِ فَلَوْ أَنَّ المُفَرِّطَ وَهُوَ حَيٌ تَوْخَّى البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ لَفَازَ بِغِبْطَةٍ وَأَصَابَ حَظَاً وَلم يَغْشَ الامُوْرَ المُوْبِقَاتِ فَيَالَكِ عِنَدَهَا عِظَةً لِحَيٍ وَيَا لَكِ مِنْ قُلُوبٍ قَاسِيَاتِ وَكُلُ أَخِي ثَرَاءٍ سَوْفَ يُمْسِي عَدِيمَاً والجَمِيْعُ إِلى شَتَاتِ كَأَنْ لم يُلْفَ شَيْءٌ مَا تَقَضَّى وَلَيْسَ بِفَائِتٍ مَا سَوْفَ يَأْتِي ... >? اللَّهُمَّ إنَا نعوذ بك من سوء الِقَضَاءِ وشماتة الأعداء، وعضال الداء، وخيبة الرجَاءَ وزَوَال النعمة وفجأة النقمة، ونسألك أن تغفر لنا ولوالدينا، وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. فَصْلٌ وللكبرعلاج قَدْ ذكره العلماء: أولاً أن يعرف الإنسان ربه ويعرف نَفْسهُ، فإنه إِذَا عرف ربه حق المعرفة علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا بِاللهِ، وإِذَا عرف نَفْسهُ علم أنه ضعيف ذليل لا يليق به إلا الخضوع لله والتواضع والذلة، قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ﴾ .

стр. 2312

وَقَالَ تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ ففِي الآيات الإشارة إلي خلق الإنسان وإلي آخر أمره وإلي وسطه، أما أوله فهو أنه لم يكن شيئاً مذكوراً وقَدْ كَانَ فِي حيز العدم دهوراً، ثُمَّ خلقه العزيز الحكيم من تراب ثُمَّ من نطفة ثُمَّ من علقة ثُمَّ من مضغة ثُمَّ جعله عظاماً ثُمَّ كسا العظام لحماً، فقَدْ كَانَ هَذَا بداية وجوده أولاً جماداً لا يسمَعَ ولا يبصر ولا يحس ولا يتحرك ولا ينطق ولا يبطش ولا يدرك ولا يعلم، كَذَا خلقه الله. ثُمَّ امتن عَلَيْهِ فَقَالَ: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أي بينه وأوضحه وسهله، كما فِي قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ فالله جَلَّ وَعَلا هُوَ الَّذِي أحيا الإنسان بعد أن كَانَ جماداً ميتاً، تراباً أولاً ونطفة ثانياً، وأسمعه بعد أن كَانَ أصم وبصره بعد ما كَانَ فاقَدْ البصر، وقواه بعد الضعف، وعلمه بعد الجهل، كما قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . فمن كَانَ هَذَا أوله، وهذه أحواله، فمن أين لَهُ البطر والأشر والكبرياء والخيلاء؟ وَهُوَ الضعيف الحقير بِالنِّسْبَةِ إلي قدرة البارئ جَلَّ وَعَلا كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ﴾ وَقَالَ: ﴿خلقناهم مِمَّا يعلمون﴾ وَقَالَ: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ﴾ فليتأمل العاقل هل يليق الكبر بمن هَذَا أوله، وآخره أنه يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحسه وإدراكه وحركته وجماله وَجَمِيع أحواله، فيعود كما كَانَ أولاً جماداً، لا يبقي إلا شكل أعضائه وصورته فِيه ولا حركة، ثُمَّ يوضع فِيه ذَا التُّرَاب فيصير جيفة منتناً، كما كَانَ فِي الأول نطفة مذرة، تبلي أعضاؤه وتتفتت أجزاؤه، وتنخر عظامه ويصير رميماً وفاتاً ويأكل الدود أجزاءه،

стр. 2313

ويكون جيفةً يهرب منه كُلّ حيوان ويستقذره الإنسان، وأحسن أحواله أن يعود تراباً كما كَانَ، ثُمَّ يحييه الَّذِي خلقه أول مرة فيقاسي البَلاء والشدائد وأهوال المعجزات، فيخرج من قبره كما أخبر تعالى بقوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ فينظر إلي قيامة قائمة، وسماء منفرجة مشققة، وأرض مبدلة، وجبال مسيرة، ونجوم منكدرة، وشمس منكسفة، وأحوال مظلمة وملائكة غلاظ شداد، وجهنم تزفر قال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ ينظر إليها المجرم فيتحسر، ويري صحائف منشورة، فَيُقَالُ: ﴿اقْرَأْ كَتَابَكَ﴾ فِيه جَمِيع عمله من أوله إلي آخره ﴿يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ . فما لمن هَذَا حاله ومآلهُ والتكبر والتعاظم والتجبر، بل مآله وللفرح فِي لحظة واحدة، فضلاً عن الأشر والبطر، قال ?: " لَوْ تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ولما تلذذتم بالنساء عَلَى الفرش ". فهَذَا من أحسن الطرق لتذليل النفس وحملها عَلَى الخضوع التواضع لله الَّذِي لَهُ الكبرياء فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم. وأما العلاج الثاني فهو: التواضع لله بالْفِعْل ولسائر الخلق بالمواظبة عَلَى أَخْلاق المتواضعين المتبعين لطريقة سيد المرسلين ومن جملتها ما فيها من التواضع بالمثول قائماً وبالركوع والسجود " إنما أَنَا عبد آكل كما يأكل العبد" وقَدْ ذكرنا نموذجاً من تواضعه ? فِي فضل التواضع من أحب الزيادة فيرجع إليه قال بعض من رضي بالكفاف وقنعه

стр. 2314

الله بما آتاه ومن عَلَيْهِ بالتواضع. ... أَيَا لاَئِمِي مَالِي سِوَى البَيْتِ مَوْضِعٌ أَرَى فِيه عِزاً إِنَّهُ لِي أَنْفَعُ فِرِاشِي وَنَطْعِي فَرْوَتِي فَرَجِيْتِي لِحَافِي وَأَكْلِيْ مَا يَسُدُ وَيُشْبِعُ وَمَرْكُوْبِيَ الآنَ الأتَانُ وَنَجْلُهَا لأَخَلاَقِ أَهْلِ الدِّيْنِ وَالعِلْمِ أَتْبَعُ وَقَدْ يَسَرَ اللهُ الكَرِيْمُ بِفَضْلِهِ غِنَى النَّفْسِ مَعَ شَيْءٍ بِهِ أَتَقَنَّعُ أوْفِرُهُ لِلأَهْلِ خَوْفاً يَرَاهُمْ عَدُوٌ بِعَيْشٍ ضَيِّقٌ فَيُشَنَّعُ وَأصْبِرُ فِي نَفْسِي عَلَى مَا يَنُوْبُنِي وَأَطْلُبُ عَفْوَ اللهِ فَالعَفْوُ أَوْسَعُ وَمَا دُمْتُ أَرْضَى بِاليَسِيْرِ فَإِنَّنِي غَنِيٌ لِغَيْرِ اللهِ مَا كُنْتُ أَخْضَعُ وَرَبِّيَ قَدْ آتَانِي الصَّبْرَ وَالغِنَى عن النَّاسِ فِي هَذَا لِيَ العِزُ أَجْمَعُ وَقَدْ مَرَّ مِنْ عُمْرِي ثَلاَثٌ أَعُدُّهَا وَسِتُونَ فِي رَوْضٍ مِنَ اللُّطْفِ أَرْتَعُ وَوَجْهِيَ مِنْ ذُلِّ التَّبَذُلِ مُقْفِرٌ مُقِلٌ وَمِنْ عِزِّ القَنَاعَةِ مُوْسَعُ ... >?

стр. 2315

.. وَمِنْ حُسْنِ ظَنِّي أَنَّ ذَا يَسْتَمِرُ لِي ... إِلى المَوْتِ إِنَّ اللهَ يُعْطِي وَيَمْنَعُ وَإِنَّيَ لاَ أَلْجَأُ إِلى غَيْرِ بَابِهِ ... فَأَبْقَى كَمَا قَدْ قِيْلَ وَالقَوْلُ يُسْمَعُ نُوقِّعُ دُنْيَانَا بِتَمْزِيْقِ دِيْنِنَا ... فَلاَ دِيْنُنَا يَبْقَى وَلاَ مَا نُرَقِعُ فَطُوْبَى لِعَبْدٍ آثَرَ اللهَ رَبَّهُ ... وَجَادَ بِدُنْيَاهُ لِمَا يُتَوْقَّعُ اللَّهُمَّ انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، ووفقنا للعمل بما فهمتنا، اللَّهُمَّ إن كنا مقصرين فِي حفظ حقك، والوفاء بعهدك، فأَنْتَ تعلم صدقنا فِي رجَاءَ رفدك، وخالص ودك، اللَّهُمَّ أَنْتَ أعلم بنا منا، فبكمال جودك تجاوز عنا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ، الأحياء مِنْهُمْ والميتين، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. فصل: ولا يتم التواضع بعد المعرفة إلا بالْعَمَل، ولذَلِكَ أمر الْعَرَب الَّذِينَ تكبروا عَلَى الله ورسوله بالإيمان وبالصَّلاة جميعاً، وقيل الصَّلاة عماد الدين، وفِي الصَّلاة أسرار لأجلها كانت عماد الدين، ومن جملتها ما فيها من التواضع بالمثول قائماً وبالركوع والسجود، قال حكيم بن حزام: بايعت النَّبِيّ ? عَلَى أن لا آخر قائماً، فبايعه ? ثُمَّ فقه وكمل إيمانه بعد ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ السجود عندهم هُوَ منتهي الذلة والضعة أمروا به لتنكسر بذَلِكَ خيلاؤهم، ويزول كبرهم، ويستقر التواضع فِي قُلُوبهمْ، وبه أمر سائر الخلق، فإن الركوع والسجود والمثول قائما هُوَ الَّذِي يقتضيه التواضع فكَذَلِكَ من عرف نَفْسهُ، فينظر كُلّ ما يتقاضاه الكبر من الأفعال فليواظب عَلَى نقيضه، حتي يصير التواضع لَهُ خلقاً، فإن القُلُوب لا تتخلق بالأخلاق المحمودة إلا بالعلم والعمل. شِعْراً: ... إِذَا المَرْءُ لم يَحْفَظْ ثَلاَثاً فَخَلّهِ ... وَرَى الظَّهْرِ وَاصْحَبْ طَالِباً لِلسَّلاَمَةِ فَأْوَّلُهَا الإخْلاَصُ للهِ وَحْدَهُ ... وَثَانِيْهَا تَابِعْ مَنْ أَتَى بِالرِّسَالَةِ
следующие страницы →