Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
ولَيْسَ له أن يَقُولُ: أَنَا لم أظلمهم، بل ظلمهم من أخذ مِنْهُمْ الحصتين لأنه يُقَالُ أولاً: هَذَا الطالب قَدْ يكون مأمورًا ممن فوقه أن يأخذ ذَلِكَ الْمَال فلا يسقط عن بَعْضهمْ نصيبه إِلا إذا أخذه من أخذه من نصيب الآخِر فيكون أمره بأن لا يأخذ أمرًا بالظلم.
الثاني: أنه لو فرض أنه الآمر الأعلى فعَلَيْهِ أن يعدل بينهم فيما يطلبه مِنْهُمْ وأن أصل الطلب ظلمًا فعَلَيْهِ أن يعدل في هَذَا الظلم ولا يظلم فيه ظلمًا ثانيًا فيبقى ظلمًا مكررًا فإن الواحد منهم إذا كان قسطه مائة فطولب بمائتين كان قد ظلم ظلمًا مكررًا بخلاف ما إذا أخذ من كُلّ قسطه، ولأن النُّفُوس ترضى بالعدل بينها بالحرمان وفيما يؤخذ منها ظلمًا ولا ترضى بأن يخص بعضها بالعطاء أو الإعفاء.
الثالث: أنه إذا طلب من القاهر أن لا يأخذ منه وَهُوَ يعلم أنه يضع قسطه على غيره فقَدْ أمره بما يعلم أنه يظلم فيه غيره.
ولَيْسَ للإنسان أن يطلب من غيره ما يظلم فيه غيره وإن كَانَ هُوَ لم يأمره بالظلم كمن يولي شخصًا ويأمره أن لا يظلم وَهُوَ يعلم أنه يظلم فلَيْسَ له وكذلك من وكل وكيلاً وأمره أن لا يظلم وهو يعلم أنه يظلم فليس له أن يوليه ومن طلب من غيره أن يوفيه دينه من ماله الحلال وَهُوَ يعلم أنه لا يوفيه إِلا مِمَّا ظلمه من النَّاس وكَذَلِكَ إذا طلب منه أن يعفيه من الظلم وَهُوَ يعلم أنه لا يعفيه إِلا بظلم غيره فلَيْسَ له أن يطلب منه ذَلِكَ. أ. هـ.
وَقَالَ في تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين لما عد بعض الكبائر قال: ومنها الدخول على الظلمة بغير قصد صحيح بل إعانة لَهُمْ وتوقيرًا
стр. 2487
ومحبةً، قال الله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثُمَّ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾ وعن جابر ﵁: أن النَّبِيّ ﷺ قال: «ستَكُون أمراء، من دخل عَلَيْهمْ فأعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم فلَيْسَ مني، ولست منه، ولن يرد على الحوض» . رواه أَحَمَد والبزار بإسناد رجاله رِجَال الصحيح وابن حبان في صحيحه وهَذَا لفظه وساق غير هَذَا الْحَدِيث حول هَذَا الموضوع ثُمَّ قال: قَدْ يَقُولُ من اعتاد الدخول على الملوك الظلمة والقضاة الخونة إنما قصدي بذَلِكَ نصر المظلوم أو مساعدة ضعيف أو دفع ظلامة أو التسبب في معروف ونحو ذَلِكَ وهَذَا لا يخلو إما أن يكون ممن يتناول من مآكلهم ومشاربهم، ويشاركهم في مقاصدهم ومآربهم، ويقبل من أموالهم التي اكتسبوها من الجهات المحرمَاتَ أو وجوه المظَالِم والمكوس والمصادرات، ويداهنهم فيما يراه عندهم من المنكرات، فهَذَا لا يحتاج النظر في سوء حاله إلى دَلِيل إذ يشهد كُلّ ذي بصيرة أنه ضال عن سواء السبيل وأنه من ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ويزعمون أنهم ﴿مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ ثُمَّ قال: ليت شعري كيف يمكن من يأكل من أموالهم، أن ينكر قبيح أفعالهم، وأنى يرجع الظَالِم مِنْهُمْ إليه وَهُوَ يرى منته في الصحبة واللقمة عَلَيْهِ، وكيف يقبل منه الكلام وباطنه قَدْ امتلأ من ماله الحرام. واختصار الكلام في مثل هَذَا أليق والسَّلام وإن كَانَ ممن يعف عن مآكلهم ومشاربهم ولا يقبل مِنْهُمْ إدرارًا ولا صلةً وينكر عَلَيْهمْ ما قَدْ يراه عندهم من المنكر
стр. 2488
فهَذَا في محل اشتباه والحالة ميزان يعلم بها صحته من سقمه وَهُوَ أن يرى أنه كالمكره في دخوله عَلَيْهمْ وكلامه معهم ويود أن لو كفي بغيره ولو انتصر المظلوم بسواه ولا يتبجح بصحبتهم ولا بالاجتماع عَلَيْهمْ ولا في فلتات لِسَانه قُلْتُ للسلطان وَقَالَ لي السُّلْطَان وانتصر بي فلان فنصرته وطلب مني المساعدة فلان فساعدته ونحو ذَلِكَ ولو قدم السُّلْطَان المعروف لما شق عَلَيْهِ ذَلِكَ بل يجد عنده انشراحًا بذَلِكَ وفرحًا به إذا كفاه الله التعرض إلى هَذَا الخطر العَظِيم بما لا يثق بصحة قصده فيه، ولا يقطع بإخلاص نيته في القيام به. انتهى.
يَا طَالِبَ الْعِلْمِ مَهْلاً لا تُدَنِّسُهُ ... بِالْمُوبِقَاتِ فَمَا لِلْعِلْمِ مِنْ خَلَفِ
الْعِلْمُ يَرْفَعُ بَيْتًا لا عِمَادَ لَهُ ... وَالْجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ الْعِزِّ وَالشَّرَفِ
آخر: ... فَمَا لَكَ وَالْبَقَاءَ بِدَارِ ذُلٍّ ... وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَةُ الْفَضَاءِ
إِذَا خَانَ الأَمِيرُ وَكَاتِبَاهُ ... وَقَاضِي الأَرْضِ دَاهَنَ فِي الْقَضَاءِ
فَوَيْلٌ ثُمَّ وَيْلٌ ثُمَّ وَيْلٌ ... لِقَاضِي الأَرْضِ مِنْ قَاضِي السَّمَاءِ
آخر: ... عَنَوا يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ
شَبَابًا فَلَمَّا حَصَّلُوهُ وَحَشَّرُوا
وَصَحَّ لَهُمْ إِسْنَادُهُ وَأُصُولُهُ
وَصَارُوا شُيُوخًا ضَيَّعُوهُ وَأَدْبَرُوا
وَمَالُوا عَلَى الدُّنْيَا فَهُمْ يَحْلُبُونَهَا
بِأَخْلافِهَا مَفْتُوحَةً لا تُصَرَّرُوا ... >?
стр. 2489
ج
... فَيَا عُلَمَاءَ السُّوءِ أَيْنَ عُقُولُكُمْ
وَأَيْنَ الْحَدِيثُ الْمُسْنَدُ الْمُتَخَيِّرُ ... >?
آخر: ... رَأَيْتُ فَقِيهَ الشَّكْلِ لا عِلْمَ عِنْدَهُ ... وَيَقْنَعُ مِنْ حَالِ الْفَقَاهَةِ بِالاسمِ
آخر: ... فَقُلْتُ وَقَدْ وَافَى بِتَضْلِيعِ عِمَّةٍ ... تَضَلَّعَ جَهْلاً مَا تَضَلَّعَ بِالْعِلْمِ
عَجِبْتُ لأَهْلِ الْعِلْمِ كَيْفَ تَشَاغَلُوا
عَنِ الْعِلْمِ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَ الْمَمَالِكِ
يَطُوفُونَ حَوْلَ الظَّالِمِينَ كَأَنَّمَا
يَطُوفُونَ حَوْلَ الْبَيْتِ وَقْتَ الْمَنَاسِكِ ... >?
آخر: ... دَعِ الْمَنَاصِبْ لِنَاسٍ يُشْغَفُونَ بِهَا ... وَاضْرِبْ عَلَى النَّفْسِ لا تَسْمَعْ دَعَاوِيهَا
لا يَعْرِفُ الزُّهْدَ إِلا كُلُّ مَنْ عَزَفَت ... نَفْسٌ لَهُ عَنْ هَوَى الدُّنْيَا وَطَارِيهَا
وَاسْتَدْرَكَ الْعُمْرَ فِي الْقُرْآنِ يَقْرَؤُهُ ... وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَعْ كُتبٍ تُدَانِيهَا
اللَّهُمَّ إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والعزيمة على الرشد والغنيمة من كُلّ بر والسلامة من كُلّ إثُمَّ ونسألك أن تغفر لنا.
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قواعد الإِيمَان في قلوبنا وشيد فيها بنيانه ووطد فيها أركانه وألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا بِطَاعَتكَ وامتثال أمرك وآتنا في الدُّنْيَا حسنة وفي الآخِرَة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا وَلِوالدينَا وَجَمِيعِ المُسْلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ)
إذا فهمت ما تقدم من شناعة الظلم وقبح عاقبته وما ورد من
стр. 2490
الوعيد الشديد على مرتكبه وأن من مَاتَ قبل رد المظَالِم أحاط به يوم القيامة خصماؤه فهَذَا يأخذ بيده وهَذَا يقبض على ناصيته وهَذَا يمسك يده وهَذَا يتعلق بلببه وهَذَا يتعلق برقبته هَذَا يَقُولُ: ظلمني فغشني. وهَذَا يَقُولُ: ظلمني فبخسني. وهَذَا يَقُولُ: خدعني. وهَذَا يَقُولُ: قذفني. وهَذَا يَقُولُ: أكل مالي. وهَذَا يَقُولُ: شتمني. وهَذَا يَقُولُ: اغتابني. وهَذَا يَقُولُ: كذب علي. وهَذَا يَقُولُ: قطع رحمي.
وهَذَا يَقُولُ: جاورني فأساء مجاورتي. وهَذَا يَقُولُ: رآني مظلومًا فلم ينصرني. وهَذَا يَقُولُ: رآني على منكر فلم ينهني. وهَذَا يَقُولُ: جحد مالي. وهَذَا يَقُولُ: باعني وأخفى عني عيب السلعة. وهَذَا يَقُولُ: سرق مالي. وهَذَا يَقُولُ: قطع من ملكي.
وهَذَا يَقُولُ: شهد علي بالزور. وهَذَا يَقُولُ: سخر بي. وهذه زوجة تَقُول: لم يعدل بيني وبين زوجته الأخرى. وهذه تَقُول أكل صداقي. وهَذَا يَقُولُ: تعدى على محارمي. وهَذَا يَقُولُ: نشز زوجتي. وهذه تَقُول: نشز زوجي.
وهَذَا يَقُولُ: غدر بي. وهَذَا يَقُولُ: خانني. وهَذَا يَقُولُ: دلس علي. وهَذَا يَقُولُ: نجش علي في السلعة التي أريد شراءها. وهَذَا يَقُولُ: كادني. وهَذَا يَقُولُ: منعني النوم بملاهيه من مذياع وتلفزيونه وبكمه وسينمائه. فبينما أَنْتَ على تلك الحال المخيفة التي لا يرى فيها بغضك من كثرة من تعلق بك من الغرماء الَّذِينَ أنشبوا فيك مخالبهم وأحكموا في تلابيبك أيديهم وأَنْتَ مبهوت متحير مضطرب الفكر والعقل من كثرتهم ومطالبتهم حتى لم يبق أحد ممن جالستهم أو عاملتهم أو صاهرتهم أو شاركتهم ولو
стр. 2491
مدة قليلة إِلا وقَدْ استحق عَلَيْكَ مظلمة وقَدْ ضعفت عن مقاومتهم ومددت عنق الرجَاءَ إلى سيدك ومولاك لعله أن يخلصك من أيديهم.
إذا قرع سمعك نداء الجبار جَلَّ وَعَلا وتقدست أسماؤه: ﴿اليوم تُجْزَى كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ اليوم﴾ فعَنْدَ ذَلِكَ ينخلع قلبك وتضطرب أعضاؤك من الهيبة وتوقن نفسك بالبوار وتذكر ما أنذرك الله تَعَالَى به على لسان رسله حيث قال: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إليهمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ .
وقوله: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ الآيَة فيالها من مصيبة، وما أشدها من حَسْرَة في ذَلِكَ اليوم، إذا جَاءَ الرب جَلَّ وَعَلا للفصل بين عباده بحكمه العدل وشوفه الظَالِم بالخطاب وعلم أنه مفلس فقير عاجز مهين لا يقدر على أن يرد حقًّا أو يظهر عذرًا.
فعَنْدَ ذَلِكَ تؤخذ حسناته التي تعب عَلَيْهَا في عمره، ليلاً ونهارًا حضرًا وسفرًا وتنقل إلى الخصماء عوضًا عن حقوقهم وتقدم حديث أَبِي هُرَيْرَةِ في بيان المفلس من الأمة فلينظر العاقل إلى المصيبة في مثل ذَلِكَ اليوم الَّذِي ربما لا يسلم له فيه شَيْء من الحسنات فإن سلم شَيْء ابتدره الغرماء وأخذوه فَكَيْفَ تَكُون حال من رأى صحيفته خالية من حسناتٍ طالما تعب فيها، فإذا سأل عَنْهَا قيل له نقُلْتُ إلى صحيفة خصمائك الَّذِينَ ظلمتهم ويرى صحيفته مشحونة بسيئات لم يعملها،
стр. 2492
فإذا سأل عَنْهَا ومن أين جاءت إليه؟ قيل: هذه سيئات القوم الَّذِينَ طالما تمضمضت بهتك أعراضهم وتناولت أموالهم وقذفتهم وشتمتهم وقصدتهم بالسُّوء وخنتهم في المبايعة والمجاورة والمعاملة ونحو ذَلِكَ من أنواع الظلم اللَّهُمَّ قو إيماننا بك وبملائكتك وبكتبك وبرسلك وباليوم الآخِر وبالقدر خيره وشره وثبتنا على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
شِعْرًا: ... وَفِي النَّاسِ مِنْ ظُلْمُ الْوَرَى عَادَةً لَهُ
وَيَنْشُرُ أَعْذَارًا بِهَا يَتَأَوَّلُ
جَرِيءٌ عَلَى أَكْلِ الْحَرَامِ وَيَدَّعِي
بِأَنَّ لَهُ فِي حِلِّ ذَلِكَ مَحْمَلُ
فَيَا آكِلَ الْمَالِ الْحَرَامِ ابن لَنَا
بِأَيِّ كِتَابٍ حَلَّ مَا أَنْتَ تَأْكُلُ
أَلَمْ تَدْرِ أَنَّ اللهَ يَدْرِي بِمَا جَرَى
وَبَيْنَ الْبَرَايَا فِي الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ
حَنَانِيكَ لا تَظْلِمْ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ
وَبِالْبَعْثِ عَمَّا قَدْ تَوَلَّيْتُ تُسْأَلُ
وَتَوَقَّفُ لِلْمَظْلُومِ يَأْخُذُ حَقَّهُ
فَيَأْخُذُ يَوْمَ الْعَرْضِ مَا كُنْتُ تَعْمَلُ
وَيَأْخَذُ مِنْ وِرْزٍ لِمَنْ قَدْ ظَلَمْتَه
فَيُوضَعُ فَوْقَ الظُّهْرِ مِنْكَ وَيَجْعَلُ
فَيَأْخُذْ مِنْكَ اللهَ مَظْلَمَةَ الَّذِي
ظَلَمْتَ سَرِيعًا عَاجِلاً لا يُؤَجَّلُ ... >?
стр. 2493
.. تَفِرُّ مِن الْخَصْمِ الَّذِي قَدْ ظَلَمْتَهُ
وَأَنْتَ مُخَوَّفٌ مُوجَفُ الْقَلْبِ مُوجَلُ
تَفِرُّ فَلا يُغْنِي الْفِرَارُ مِن الْقَضَا
وَإِنْ تَتَوَجَّلْ لا يُفِيدُ التَّوَجُّلُ
فَيَقْتَصُّ مِنْكَ الْحَقَّ مَنْ قَدْ ظَلَمْتَهُ
بَلا رَأْفَةٍ كَلا وَلا مِنْكَ يَخْجَلُ ... >?
وحكي أن الرشيد حبس أبا العتاهية فكتب على جدار الحبس:
... أَمَا وَاللهِ إِنَّ الظُّلْمَ شُؤْمٌ
وَمَا زَالَ الْمُسِيءُ هُوَ الظَّلُومُ
إِلَى الدَّيَّانَ يَوْمَ الدِّينِ نَمْضِي
وَعِنْدَ اللهِ تَجْتَمِعُ الْخُصُومُ
سَتَعْلَمُ فِي الْحِسَابِ إِذَا الْتَقَيْنَا
غَدًا عِنْدَ الْمَلِيكِ مَنْ الظَّلُومُ
تَنَامُ وَلَمْ تَنَمْ عَنْكَ الْمَنَايَا
تَنَبَهْ لِلْمَنِيَّةِ يَا نَؤُومُ
لَهَوْتَ عَن الْفَنَاءِ وَأَنْتَ تَفْنَى
وَمَا حَيٌّ عَلَى الدُّنْيَا يَدُومُ
تَرُومُ الْخُلْدُ فِي دَارِ الْمَنَايَا
وَكَمْ قَدْ رَامَ غَيْرُكَ مَا تَرُومُ
سَلِ الأَيَّامَ عَنْ أُمَمٍ تَقَضَّتْ
سَتُخْبِرُكَ الْمَعَالِمُ وَالرُّسُومُ ... >?
стр. 2494
فأخبر الرشيد بذَلِكَ فَبَكَى بكاءً شديدًا ودعًا أبا العتاهية فأستحله ووهب له ألف دينارٍ لحبسه من غير موجبٍ شرعي.
آخر: ... مَا دَارُ دُنْيَا لِلْمُقِيمِ بِدَارِ ... وَبِهَا النُّفُوسُ فَرِيسَةُ الأَقْدَارِ
مَا بَيْنَ لَيْلٍ عَاكِفٍ وَنَهَارِهِ ... نَفَسَانِ مُرْتَشِفَانِ لِلأَعْمَارِ
طُولُ الْحَيَاةِ إِذَا مَضَى كَقَصِيرِهَا ... وَاليسْرُ لِلإِنْسَانِ كَالإِعْسَارِ
وَالْعَيْشُ يَعْقِبُ بِالْمَرَارَةِ حُلْوَهُ ... وَالصَّفْوُ فِيهِ مُخَلَّفُ الأَكْدَارِ
وَكَأَنَّمَا تَقْضِي بُنِيَّاتُ الرِّدَى ... لِفَنَائِنَا وَطْرًا مِن الأَوْطَارِ
وَالْمَرْءُ كَالطَّيْفِ الْمُطِيفِ وَعُمْرُهُ ... كَالنَّوْمُ بَيْنَ الْفَجْرِ وَالأَسْحَارِ
خَطْبٌ تَضَاءَلَتَ الْخُطُوبُ لِهَوْلِهِ ... أَخْطَارُهُ تَعْلُو عَلَى الأَخْطَارِ
نُلْقِي الصَّوَارِمَ وَالرِّمَاحَ لِهَوْلِهِ ... وَنَلُوذُ مِنْ حَرْبٍ إِلَى اسْتِشْعَارِ
إِنَّ الَّذِينَ بَنُوا مَشِيدًا وَانْثَنَوْا ... يَسْعُونَ سَعْي الْفَاتِكِ الْجَبَّارِ
سَلَبُوا النَّضَارَةَ وَالنَّعِيمَ فَأَصْبَحُوا ... مُتَوَسِّدِينَ وَسَائِدَ الأَحْجَارِ
تَرَكُوا دِيَارَهُمُ عَلَى أَعْدَاهِم ... وَتَوَسَّدُوا مَدَرًا بِغَيْرِ دِثَارِ
خَلَطَ الْحِمَامُ قَوِيَّهمُ بِضَعِيفِهِمْ ... وَغَنِيَّهمُ سَاوَى بِذِي الأَقْتَارِ
وَالْخَوْفُ يُعْجِلُنا عَلَى آثَارِهِمْ ... لا بُدَّ مِنْ صُبْحِ الْمُجِدِّ السَّارِي
وَتَعَاقُبُ الْمَلَوَيْنِ فِينَا نَاثِرٌ ... بِأَكَرِّ مَا نَظَمَا مِن الأَعْمَارِ
اللَّهُمَّ يا عَالِم الخفيات ويا سامَعَ الأصوات ويا باعث الأموات ويا مجيب الدعوات ويا قاضي الحاجات يا حالق الأَرْض والسماوات أَنْتَ الله الأحد الصمد الَّذِي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، الوهاب الَّذِي لا يبخل والحليم الَّذِي لا يعجل لا راد لأَمْرِكَ ولا معقب لحكمك نسألك أن تغفر ذنوبنا وتنور قلوبنا وتثَبِّتْ محبتك في قلوبنا وتسكننا دار كرامتك إنك على كُلّ شَيْء قدير وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 2495
موعظة
عباد الله لَقَدْ توعد الله الَّذِينَ يخالفون أمره ويتصرفون عن ذكره ويجترؤن على معاصيه بشديد غضبه وعَظِيم سخطه وحذرهم بأسه وانتقامه فما بال كثير من النَّاس بعد القرون الأولى عمدوا إلى محارم الله فارتكبوها ومأموراته فاجتنبوها ثُمَّ عادوا بمر الشكوى من تغبر الأَحْوَال وانتزاع البركة من الأرزاق والأموال.
أحسبت أنك يا ابن آدم تهمل وتترك فلا تعاقب، وتظلم وتتقلب في النَّعِيم كيف شئت ولا تحاسب أنسيت قول النَّبِيّ ﷺ : «إن ليملي للظَالِم حتى إذا أخذه لم يفلته» . كُلّ هَذَا من جهالتك وانطماس بصيرتك ولكن اعمل ما شئت فسيرى الله عملك ثُمَّ ترد إليه ويجازيك بما تستحق جهلت في حال النَّعِيم وكَانَ الواجب عَلَيْكَ أن تتعرف إِلَى اللهِ في الرخاء ليعرفك في الشدة، ولكن لم تفعل وأصبحت بعد زوالها منك شكو لمن؟ تشكو لمن عصيته بالأمس تشكو لمن خالفت أوامره وفعلت نواهيه مَعَ علمك أنه المنتقم الجبار تشكو لمن حاربته بالمعاصي المتنوعة وقَدْ أسبغ عَلَيْكَ نعمه ظاهرة وباطنة ولو شَاءَ لمنعها عَنْكَ لأنه الفعال لما يريد تشكو لمن تأكل نعمه في أرضه مستعينًا بها على معاصيه أليس عملك هَذَا في منتهى اللآمة والخساسة يمدك بالنعم وتبارزه بالمعاصي ألك صبر على جهنم وزمهريرها ألك طاقة بالويل والغساق والزقوم والحميم والضريع، عباد الله هَذَا الَّذِي نَحْنُ فيه من الانهماك في الدُّنْيَا وقتل كُلّ الوَقْت في جمعها والابتعاد عن الآخِرَة وانتشار المعاصي بسرعة هائلة ما هُوَ والله
стр. 2496
إِلا بما كسبت أيدينا قال تَعَالَى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} الآيَة. عباد الله إن غلاء الأسعار، وانتشار الأمراض، وما رأيتم من الفتن والتعقيد في الممتلكات والتقاطع والعقوق ما هُوَ وَاللهِ إِلا جزاء عملنا وما هُوَ إِلا قليل من كثير فقَدْ تمادينا في المعاصي والله يغار على أوامره أن تجتنب ومحارمه أن ترتكب قال ﷺ : «لا أحد أغير من الله» . الْحَدِيث.
تَيَقَنْتُ أَنِّي مُذْنِبٌ وَمُحَاسِبْ
وَلَمْ أَدْرِ هَلْ نَاجٍ أَنَا أَوْ مُعَاقَبُ
وَمَا أَنَا إِلا بَيْنَ أَمْرَيْنِ وَاقِفٌ
فَإِمَّا سَعِيدٌ أَمْ بِذَنْبِي مُطَالَبُ
وَقَدْ سَبَقْتَ مِنِّي ذُنُوبٌ عَظِيمَةٌ
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَا تَكُونُ الْعَوَاقِبُ
فَيَا مُنْقِذِ الْغَرْقَى وَيَا كَاشِفَ الْبَلا
وَيَا مَنْ لَهُ عِنْدَ الْمَمَاتِ مَوَاهِبُ
أَغِثْنَا بِغُفْرَانٍ فَإِنَّكَ لَمْ تَزَلْ
مُجِيبًا لِمَنْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَذَاهِبُ ... >?
اللَّهُمَّ أحينا في الدُّنْيَا مؤمنين طائعين وتوفنا مسلمين تائبين واغفر لنا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ)
وعن عَبْد اللهِ بن الزبير بن العوام ﵁ قال: لما نزلت هذه السورة على رسول الله ﷺ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قال الزبير
стр. 2497
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أي رسول الله أيكرر عَلَيْنَا ما كَانَ بيننا في الدُّنْيَا مَعَ خواص الذُّنُوب؟ قال ﷺ : «نعم ليكررن عليكم حتى يؤدي إلى كُلّ ذي حق حقه» . قال الزبير: وَاللهِ إن الأَمْر لشديد. رواه الترمذي.
وعن أبي سعيد ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((والَّذِي نفسي بيده إنه ليختصم حتى الشاتان فيما انتطحا)) . تفرد به أَحَمَد ﵀. وفي المسند عن أبي ذر ﵁ أنه قال: رأى النَّبِيّ ﷺ شاتين ينتطحان فَقَالَ: «أتدري فيما ينتطحان يا أبا ذر» ؟ قُلْتُ: لا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لكن الله يدري وسيحكم بينهما» .
فتفكر الآن في نفسك إن خلت صحيفتك عن المظَالِم وعفى الله عَنْكَ ورحمك فأيقنت بسعادة الأبد كيف يكون سرورك واغتباطك في منصرفك من فصل الِقَضَاءِ وقَدْ خلع عَلَيْكَ خلعة الرِّضَا وعدت بسعادة لَيْسَ بعدها شقاء ونعم بدنك بنعيم لا يدور بحواشيه الفناء وعَنْدَ ذَلِكَ طار قلبك سرورًا وأنسًا وابتهاجًا وفرحًا وصرت من الحزب الَّذِينَ ابيضت وجوههم واستنارت وأشرقت فتصور مشيك بين الخلائق رافعًا رأسك خَاليًا من الأوزار ظهرك، يعرف في وجهك نضرة النَّعِيم والخلق ينظرون إليك وإلى حالك ويغبطونك في حسنك وجمالك والملائكة يَمْشُونَ بين يديك يبشرونك بما يسرك.
وإن تكن الأخرى والعياذ بِاللهِ بأن خرجت الصحيفة مملؤة من المظَالِم ومقته الله ولعنه ونكس هَذَا المجرم رأسه الوجه أزرق
стр. 2498
العينين وأخذته الزبانية بناصيته يسحبونه على وجهه على ملأ من الخلق وهم ينظرون إليه وَهُوَ ينادي بالويل والثبور له ولأمثاله {لَا تَدْعُوا اليوم ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً} فما أعظم جرم من يستتر ويحترز عن ملاء من الخلق خشية الافتضاح عندهم في هذه الدُّنْيَا المضمحلة المنقرضة ثُمَّ لا يخشى من الافتضاح عَنْدَ علام الغيوب وفي ذَلِكَ الملاء العَظِيم مَعَ التعرض لسخط بديع السماوات والأَرْض فالق الحب والنوى.
شِعْرًا: ... تَوَارَى بِجُدْرَانِ الْبُيُوتِ عَنِ الْوَرَى
وَأَنْتَ بِعَيْنِ اللهِ لَوْ كُنْتَ تُنْظُرُ
وَتَخْشَى عُيُونَ النَّاسِ أَنْ يَنْظُرُوا بِهَا
وَلَمْ تَخْشَ عَيْنَ اللهِ وَاللهُ يَنْظُرُ
آخر: ... يَا مَنْ يَرَى مَدَّ الْبَعُوضِ جَنَاحَهَا
فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ الْبَهِيمِ الأَلِيلِ
وَيَرَى مَنَاطَ عُرُوقِهَا فِي نَحْرِهَا
وَالْمُخَّ فِي تِلْكَ الْعِظَامِ النُّحَلِ
وَيَرَى مَكَانَ الدَّمِ مِنْ أَعْضَائِهَا
مُتَنَقِّلاً مِنْ مَفْصِلٍ فِي مَفْصِلِ
وَيَرَى مَكَانَ الْمَشْيِ مِنْ أَقْدَامِهَا
وَخَطِيضَهَا فِي مَشْيِهَا الْمُسْتَعْجِلِ
وَيَرَى وَيَسْمَعُ حِسَّ مَا هُوَ صَوْتُهَا
فِي قَعْرِ بَحْرٍ غَامِضٍ مُتَجَدْوِلِ ... >?
стр. 2499
.. أَصْوَاتُهَا مَرْفُوعَةً عَِنْدَ النِّدَا
أَرْزَاقُهَا مَقْسُومَةٌ لِسُّؤَلِ
اغْفِرْ لِعَبْدٍ تَابَ مِنْ فَرَطَاتِهِ
مَا كََانَ مِنْهُ فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ
آخر: ... إِنَّ الْقُلُوبَ يَدُ الْبَارِي تُقَلِّبُهَا
فَاسْأَل مِن اللهِ تَوْفِيقًا وَتَثْبِيتًا
مَنْ يُضلِلِ اللهَ لا تَهْدِيهِ مَوْعِظَةُ
وَإِنْ هَدَاهُ فَلَوْ قَدْ كَانَ عِنْتِيْتَا
فَهَذِهِ غُرْبَةُ الإِسْلامِ أَنْتَ بِهَا ... فَكُنْ صَبُورًا إِذَا فِي اللهِ أَوْذِيتَا
وَاسْأَلْهُ مِنْ فَضْلِهِ خَيْرًا يَمُنَّ بِهِ ... عَلَيْكَ وَاصْبِرْ وَلَوْ فِي الدِّينِ عُودِيتَا
وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ مَخْلُوقٌ لِطَاعَتِهِ ... فَإِنْ أَجَبْتَ فَلِلْخَيْرَاتِ أُوتِينَا
وَسَوْفَ تَرْضَى غَدًا إِنْ كُنْتَ مُعْتَصِمًا ... بِالْوَاحِدِ الْفَرْدِ لا بِالشِّرْكِ إِنْ جِيتَا
اللَّهُمَّ نور قلوبنا بنور الإِيمَان وثَبِّتْ محبتك فيها وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا حب أوليائك وبغض أعدائك وآتنا في الدُّنْيَا حسنة وفي الآخِرَة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(مَوْعِظَةٌ في الحَثِّ عَلى الإقْبَالِ عَلى الآخِرَةِ)
إخواني أين رفقاؤنا وإخواننا أين ذهب معارفنا وجيرانَا أين أصدقاؤنا أين زملاؤنا وأقراننا أين علماؤنا العاملون بعلمهم أين آباؤنا
стр. 2500
وأجدادنا رحلوا وَاللهِ بعدهم بقاؤنا هذه مساكنهم فيها غيرهم قَدْ نسيناهم محبهم وجفاهم أين أصحاب القصور الحصينة، والأنساب العالية الرصينة والعقول الراجحة الرزينة قبضت عَلَيْهمْ يد الْمَنَايَا فظفرت ونقلوا إلى أجداثٍ ما مهدت إذ حفرت ورحلوا بذنوب لا يدرون هل غفرت أو بقيت فالصحيح مِنْهُمْ بالحزن قَدْ سقم والمدعو إلى دار البلى أسرع ولم يقم واْلكِتَاب قَدْ سطر بالذُّنُوب فرقم. ولذيذ عيشهم بالتنغيص قَدْ ختم وفراقهم لأحبابهم وأموالهم قَدْ حتم والولد قَدْ ذل ويتم فتفكروا في القوم كيف رحلوا وتذكروا ديارهم أين نزلوا، واسألوا منازلهم عنهم ماذا فعلوا فانتبه من رقادك قبل أن تصل ما وصلوا يا من غفل وسهى ولهى ونسي المقابر والبلى.
شِعْرًا: ... إِنَّ الْحَبِيبَ مِن الأَحْبَابِ مُخْتَلَسُ ... لا يَمْنَعُ الْمَوْتَ بَوَّابٌ وَلا حَرَسُ
فَكَيْفَ تَفْرَحُ بِالدُّنْيَا وَلَذَّتِهَا ... يَا مَنْ يُعَدُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَالنَّفْسُ
أَصْبَحْتَ يَا غَافِلاً فِي النُّقْصِ مُنْغَمِسًا ... وَأَنْتَ دَهْرَكَ فِي اللَّذَاتِ مُنْغَمِسُ
لا يَرْحَمُ الْمَوْتُ ذَا جَهْلٍ لِغَرَّتِهِ ... وَلا الَّذِي كَانَ مِنْهُ الْعِلْمُ يُقْتَبَسُ
كَمْ أَخْرَسَ الْمَوْتُ فِي قَبْرٍ وَقَفْتُ بِهِ ... عَنِ الْجَوَابِ لِسَانَا مَا بِهِ خَرْسُ
قَدْ كَانَ قَصْرُكَ مَعْمُورُ لَهُ شَرَفُ ... وَقَبْرُكَ اليوم فِي الأَجْدَاثِ مُنْدَرِسُ
آخر: ... لَنا كُلّ يَومٍ رَنَّةٌ خَلفَ ذاهِبٍ
وَمُسْتَهْلَكٌ بينَ النَوى وَالنَوائِبِ
وَقَلعَةُ إِخْوَان كَانَا وَرَاءَهُمْ
نُرامِقُ أَعْجَازَ النُّجُومِ الغَوَارِبِ ... >?
стр. 2501
.. نُوادِعُ أَحداثَ اللَيالي عَلى شَفًا
نُوادِعُ أَحداثَ اللَيالي عَلى شَفًا
وَنَأمُلُ مِن وَعدِ المُنى غَيرَ صادِقٍ
وَنَأمَلُ مِن وَعدِ الرَدى غَيرَ كاذِبِ
إِلى كَم نُمَنّى بِالغُرورِ وَنَنثَني
بِأَعناقِنا لِلمُطمِعاتِ الكَواذِبِ
نُراعُ إِذا ما شيكَ أَخمَصُ بَعضِنا
وَأَقدامُنا ما بَينَ شَوكِ العَقارِبِ
وَنُمشي بِآمالٍ طِوالٍ كَأَنَّنا
أَمِنّا بَناتَ الخَطبِ دونَ المَطالِبِ
نَعَم إِنَّها الدُّنْيَا سِمومٌ لِطاعِمٍ
وَخَوفٌ لِمَطلوبٍ وَهَمٍّ لِطالِبِ
وَإنَا لَنَهواها عَلى الغَدرِ وَالقِلا
وَنَمدَحُها مَع عِلمِنا بِالمَعائِبِ
وَمَن كانت الأَيّامُ ظَهرًا لِرَحلِهِ
فَيا قُربَ ما بَينَ المَدى وَالرَكائِبِ
تَحِلُّ الرَزايا بِالرِجالِ وَتَنجَلي
وَرُبَّ مُصابٍ يمُقْلِعِ عَن مَصائِبِ ... >?
آخر:
عَزّى بَعْضهمْ أخًا فَقَالَ:
... تَصَبَّرْ فَإِنَّ الأَجْرَ أَسْنَى وَأَعْظَمُ ... وَلازِمْ لِمَا يَهْدِي لِمَا هُوَ أَقْوَمُ
وَلَوْ جَازَ فَرْطُ الْحُزْنِ لِلْمَرْءِ لَمْ يُفِدْ ... فَمَا بَالَنَا لا نَسْتَفِيدُو نَأْثَمُ ج
стр. 2502
وَإِنِّي عَنْ نَدْبِ الأَحِبَّةِ سَاكِتُ ... وَإِنْ كَانَ قَلْبِي بِالأَسَى يَتَكَلَّمُ
وَقَالَ آخر مَاتَ له طفل:
فَإِنْ كُنْتَ تَبْكِيهِ طَلابًا لِنَفْعِهِ ... فَقَدْ نَالَ جَنَّاتِ النَّعِيمِ مُسَارِعًا
وَإِنْ كُنْتَ تَبْكِي أَنَّهُ فَاتَ عَوْدُهُ ... عَلَيْكَ بِنَفْعِ فَهُوَ قَدْ صَارَ شَافِعًا
آخر: ... جَاوَرْتُ أَعْدَائِي وَجَاوَرَ رَبِّهُ ... شَتَّانَ بَيْنَ جَوَارِهِ وَجِوَارِي
اللَّهُمَّ يا حي يا قيوم يا من لا تأخذه سنة ولا نوم يا ذا الجلال والإكرام يا واحد أحد يا فرد صمد يا بديع السماوات والأَرْض نسألك أن تنصر الإسلام والمسلمين وأن تعلى كلمة الحق والدين وأن تشمل بعنايتك وتوفيقك كُلّ من نصر الدين وأن تملأ قلوبنا بمحبتك ومحبة رسلك وأوليائك وأن تلهمنا ذكرك وشكرك وأن تأخذ بنواصينا إلى ما ترضاه وأن ترزقنا الاستعداد لما أمامنا وأن تهون أمر الدُّنْيَا عَلَيْنَا وأن تغفر لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين الأحياء مِنْهُمْ والمَيتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ) في تحريم القتل وإثُمَّ القاتل
اعْلَمْ وفقنا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع المسلمين أن القتل من أكبر الكبائر وأعظم الذُّنُوب وأشد الآثام بل هُوَ أغلظها جميعًا بعد الإشراك بِاللهِ وما زال النَّاس مُنْذُ تكونوا جماعات وظهر فيما بينهم تعارض الرغبات والشهوات وتمكنت بها في النُّفُوس بواعث التعدي يرون أن جريمة القتل من أكبر الجرائم وَذَلِكَ أنها سلب لحياة المجني عَلَيْهِ بغير حق وتيتيم لأولاده وترميل لنسائه وحرمان لأهله وأقاربه وإضاعةً لحقوقه،
стр. 2503
وقطع لأعمال حَيَاتهُ، والحيلولة بينه وبين التوبة والوصايا وغير ذَلِكَ وإيصال النَّاس حقوقهم إن كَانَ عَلَيْهِ لَهُمْ شَيْء وأَنْتَ إذا تتبعت المعاصي معصية معصية لا تجد لواحدةٍ منها فسادًا يساوي فساد القتل لأن الإِنْسَان إذا مَاتَ ومحي من الوجود ذهب كله ولم يبق ناحية من نواحيه ولَيْسَ ذَلِكَ المعنى في أي معصية ولذَلِكَ كانت هذه الكبيرة تلي الشرك بِاللهِ وورد عن أبي مُوَسى ﵁ عن النَّبِيّ ﷺ قال: «إذا أصبح إبلَيْسَ بث جنوده فَيَقُولُ: من أضل اليوم مسلما ألبسته التاج. قال: فيجيء هَذَا فَيَقُولُ: لم أزل به حتى طلق امرأته، فَيَقُولُ: يوشك أن يتزوج، ويجيء هَذَا فَيَقُولُ: لم أزل به حتى عق والديه، فَيَقُولُ: يوشك أن يبرهما، ويجيء هَذَا فَيَقُولُ: لم أزل به حتى أشرك فَيَقُولُ: أَنْتَ أَنْتَ، ويجيء هَذَا فَيَقُولُ: لم أزل به حتى قتل فَيَقُولُ: أَنْتَ أَنْتَ ويلبسه التاج» . رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه.
وأيضًا تحد لشعور الجماعة البشرية الَّذِي فطرت عَلَيْهِ من اعتقاد أن الحياة جعلها الله حقًّا لكل حيٍّ يمتع به ولا يجوز انتزاعه منه إِلا بحق شرعي.
وأيضًا جريمة القتل مزعزعة لما ترجو هذه الجماعة، من هدوء الحياة واستقرارها وأيضًا هدم لعمارة شادها الله تتَكُون منها ومن أمثالها العمارة لهَذَا الكون.
وهَذَا القرآن الكريم يحدثنا عن أول اعتداءٍ وقع من الإِنْسَان على أخيه ويصور لنا كيف كَانَ القاتل والمقتول كلاهما يعدان القتل جريمة آثمة تستوجب غضب الله وعقابه وأن القاتل لشعوره بهَذَا كَانَ يعالج في
стр. 2504
نفسه الأقدام على هذه الجريمة علاج الكاره المتحرج حتى ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ .
وَقَالَ بعض المفسرين علة قوله تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ من أجل الاعتداء الَّذِي لا موجب له ولا مبرر على المسالمين الوادعين الَّذِينَ لا يريدون شرًّا ولا مدافعة ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أن جريمة قتل نفس واحدة بلا مبرر من قصاص أو دفع لفساد عام كجريمة قتل النَّاس جميعًا وأن حماية نفس واحدة واستحياءها بهذه الحماية في أية صورة من صورها ومنها القصاص كأنها استحياء للناس جميعًا.
ذَلِكَ أن الاعتداء على نفس واحدة هُوَ اعتداء على حق الحياة الَّذِي يصون للناس جميعًا فالاستهتار بهَذَا الحق اعتداء على كُلّ من يدلي به ويتحصن به والمحافظة عَلَيْهِ محافظة على الحق الَّذِي تصان به دماء النَّاس وأرواحهم فلَيْسَتْ نفس مفردة هِيَ التي تقتل إنما هُوَ حقها في الحياة التي يشاركها فيها النَّاس، ولَيْسَتْ نفس مفردة هِيَ التي تصان إنما هِيَ كُلّ نفس مستحقة للصيانة بما استحقت به تلك النفس الواحدة. أ. هـ.
وقَدْ اختلف الْعُلَمَاء هل للقاتل من توبة أم ى فروى البخاري عن سعيد بن جبير قال: اختلف علماء الكوفة فيها فرحلت إلى ابن عباس ﵁ فسألته فَقَالَ: نزلت هذه الآيَة: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ . الآيَة وهي من آخر ما نزل، وما نسخها شَيْء.
стр. 2505
وعن سالم بن أبي الجعد قال: كنا عَنْدَ ابن عباس بعد ما كف بصره فأتاه رجل فناداه يا عَبْد اللهِ بن عباس ما تَرَى في رجل قتل مؤمنًا متعمدًا؟ فَقَالَ: ﴿فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ قال: أفرَأَيْت إن ﴿تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال ابن عباس: ثكلته أمه وأنى له التوبة والهدى والَّذِي نفسي بيده، لَقَدْ سمعت نبيكم ﷺ يَقُولُ: «ثكلته أمه، قاتل مُؤْمِن متعمدًا، جَاءَ يوم القيامة آخذ بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه في قبل عرش الرحمن يلزم قاتله بشماله وبيده الأخرى رأسه يَقُولُ: يا رب سل هَذَا فيما قتلني» ؟ وأيم الَّذِي نفس عَبْد اللهِ بيده لَقَدْ أنزلت هذه الآيَة فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم ﷺ وما نزل بعدها من برهان.
وعن عَبْد اللهِ بن مسعود عن النَّبِيّ ﷺ قال: «يجيء المقتول متعلقًا بقاتله يوم القيامة آخذ رأسه بيده فَيَقُولُ: يا رب سل هَذَا فيم قتلني قال: فَيَقُولُ قتلته لتَكُون العزة لفلان قال: فإنها لَيْسَتْ له بؤ بإثمه قال: فيهوى في النار سبعين خريفًا» .
وعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «كُلّ ذنب عَسَى الله أن يغفره إِلا الرجل يموت كافرًا أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا» . رواه أَحَمَد والنسائي، ولأبي داود من حديث أبي الدرداء كَذَلِكَ وعن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «من أعان على قتل مُؤْمِن بشطر كلمة لقي الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله» .
اللَّهُمَّ أَنَا نعوذ بك من شر أنفسنا وشر الدُّنْيَا والهوى ونعوذ بك من الشيطان الرجيم ونسألك أن تغفر وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
стр. 2506
(فَصْلٌ)
أخَرَجَ الطبراني في الكبير والضياء في المختَارَّة عن أنس بن مالك ﵁ أن النَّبِيّ ﷺ قال: «أبى الله أن يجعل لقاتل المُؤْمِن توبة» .
وروي عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لزَوَال الدُّنْيَا أَهْوَن على الله من قتل مُؤْمِن بغير حق» . رواه ابن ماجة بإسناد حسن. ورواه البيهقي والأصبهاني، وزَادَ فيه: «ولو أن أَهْل سماواته وأَهْل أرضه اشتركوا في دم مُؤْمِن لأدخلهم الله النار» .
وعن عَبْد اللهِ بن عمرو ﵁ أن النَّبِيّ ﷺ قال: لزَوَال الدُّنْيَا أَهْوَن عَنْدَ الله من قتل رجل مسلم» . رواه مسلم والنسائي والترمذي مرفوعًا وموقوفًا ورجح الموقوف.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِن مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاء» . رواه البخاري ومسلم وعن عَبْد اللهِ بن عمرو ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لن يزال المُؤْمِن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا» . وَقَالَ ابن عمر ﵄: إن من ورطات الأمور التي لا مخَرَجَ لمن أوقع نَفْسهُ فيها سفك الدم الحرام بغير حله. رواه البخاري والحاكم وَقَالَ: صحيح على شرطهما وروى ابن ماجة عن عَبْد اللهِ بن عمرو قال: رَأَيْت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة وَيَقُولُ «ما أطيبك وما أطيب ريحك ما أعظمك وما أعظم حرمتك والَّذِي نفس مُحَمَّد بيده لحرمة المُؤْمِن عَنْدَ الله أعظم من حرمتك ماله ودمه» . وعن أبي سعيد وأَبِي هُرَيْرَةِ ﵄ عن رسول الله
стр. 2507
صلى الله عَلَيْهِ وسلم: «لو أن أَهْل السماء وأَهْل الأَرْض اشتركوا في دم مُؤْمِن لأكبهم الله في النار» . رواه الترمذي وَقَالَ: حديث حسن غريب وروى الطبراني في الصغير من حديث أبي بكرة عن النَّبِيّ ﷺ قال: «لو أن أَهْل السماوات والأَرْض اجتمعوا على قتل مسلم لكبهم الله جميعًا على وجوههم في النار» .
وعن جندب بن عَبْد اللهِ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين الْجَنَّة ملء كف من دم امرئ مسلم أن يهريقه، كما يذبح به دجاجة كُلَّما تعرض لباب من أبواب الْجَنَّة حال الله بينه وبينه ومن استطاع منكم أن لا يجعل في بطنه إِلا طيبًا فليفعل فإن ما ينتن من الإِنْسَان بطنه» . رواه الطبراني ورواته ثقات.
وَقَالَ عبد الملك بن مروان كنت أجالس بريرة بالْمَدِينَة فكانت تَقُول لي: يا عبد الملك إني أرى فيك خصالاً، وإنك لخليق أن تلي الأَمْر فإن وليته فاحذر الدُّنْيَا فإني سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «إن الرجل ليدفع عن باب الْجَنَّة بعد أن ينظر إليها، بملء محجمة من دم يهريقه من مسلم بغير حق» . انتهى.
وعن ابن عباس ﵄ أن النَّبِيّ ﷺ قال: «أبغض النَّاس إِلَى اللهِ ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه» . رواه البخاري.
стр. 2508
قال شيخ الإسلام: أخبر ﷺ أن أبغض النَّاس إِلَى اللهِ هؤلاء الثلاثة وَذَلِكَ لأن الفساد إما في الدين وإما في الدُّنْيَا فأعظم فساد الدُّنْيَا قتل النُّفُوس بغير حق، ولهَذَا كَانَ أكبر الكبائر بعد أعظم فساد الدين الَّذِي هُوَ الكفر.
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «كُلّ ذنب عَسَى الله أن يغفره إِلا لرجل يموت مشركًا أو يقتل مؤمنًا متعمدًا» . رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم وَقَالَ: صحيح الإسناد وعن أبي مُوَسى ﵁ عن النَّبِيّ ﷺ قال: «إذا أصبح إبلَيْسَ بث جنوده، فَيَقُولُ: من أضل اليوم مسلمًا ألبسته التاج. قال: فيجيء هَذَا فَيَقُولُ: لم أزل به حتى طلق امرأته فَيَقُولُ: يوشك أن يتزوج، ويجيء هَذَا فَيَقُولُ: لم أزل به حتى عق والديه، فَيَقُولُ: يوشك أن يبرهما، ويجيء هَذَا فَيَقُولُ: لم أزل به حتى أشرك فَيَقُولُ: أَنْتَ أَنْتَ، ويجيء، فَيَقُولُ: لم أزل به حتى قتل فَيَقُولُ: أَنْتَ أَنْتَ، ويلبسه التاج» . رواه ابن حبان في صحيحه.
وعن أبي سعيد ﵁ عن النَّبِيّ ﷺ قال: «يخَرَجَ عنق من النار يتكلم فَيَقُولُ: وكلت اليوم بثلاثةٍ: بكل جبار عنيدٍ ومن جعل مَعَ الله إلهًا آخر ومن قتل نفسًا بغير حق فينطوي عَلَيْهمْ فيقذفهم في حمراء جهنم» . رواه أَحَمَد والبزار.
فَإِيَّاكَ قَتْلُ النَّفْسِ ظُلْمًا لِمُؤْمِنٍ
فَذَلِكَ بَعْدَ الشِّرْكِ كُبْرَى التَفَسُّدِ
كَفَى زَاجِرًا عَنْهُ توعُّدُ قَادِرٍ
بِنَارٍ وَلَعْنٍ ثُمَّ تَخْلِيدِ مُعْتَدِ
فَقَدْ قَالَ عَبْد اللهِ ذُو الْعِلْمِ وَالتُّقَى
بِنَفْيِ مَتَابِ الْقَاتِلِ الْمُتَعَمِّدِ ... >?
стр. 2509
اللَّهُمَّ يا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أيقظنا من نوم الغَفْلَة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة ووفقنا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عَلَيْهِ ضمائرنا وأنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعائب التي تعلمها منا وأمنن عَلَيْنَا يا مولانَا بتوبة تمحو بها عنا كُلّ ذنب وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين الأحياء مِنْهُمْ والمَيتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ)
وممن يرى أنه لا توبة لقاتل المُؤْمِن عمدًا أَبُو هُرَيْرَةِ وعبد الله بن عمرو وأبو سلمة وعبيد بن عمير والحسن والضحاك بن مزاحم نقله ابْن أَبِي حَاتِم عنهم وبالتالي فلو لم يرد في بيان ضخامة هَذَا الذنب ذنب القتل، وعظمه الَّذِي لا يتناهى إِلا قوله تَعَالَى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ .
لكَانَ فيها كفاية وموعظة وزجر، ففيها من الوعيد الشديد الَّذِي ترجف منه القُلُوب وتنصدع له الأفئدة وينزعج منه أولو العقول، فقرن القتل بالشرك، وبين أن جزاءه جهنم وأنه خالد فيها وأن مَعَ ذَلِكَ الْعَذَاب والخلود غضب الرب جَلَّ وَعَلا ولم تسكت الآيَة، بل أضافت إلى ذَلِكَ اللعن، وَهُوَ الطرد والإبعاد عن الرحمة ولم تنته الآيَة إلى هَذَا الحد من بيان عظم جزاء القاتل بل صرحت تصريحًا لا خفاء فيه بأن عذاب ذلك القاتل سيكون نوعًا وحده في الشدة لا يماثله عذاب أي معصية ما عدا الشرك، فذنبه أعظم الذُّنُوب وعقوبته أشد العقوبات هَذَا مِمَّا ورد في قتل الإِنْسَان غيره وأما قتل الإِنْسَان نَفْسهُ المعروف عندنا اليوم بالانتحار فهو نوع من قتل النفس التي حرم الله وَهُوَ جدير بأن يكون أفظع أنواع القتل لأن حرض الإِنْسَان على حَيَاتهُ أمر فطري يبعد
стр. 2510
كل البعد أن تثور عَلَيْهِ عوامل الْغَضَب والانتقام.
ونفس الإِنْسَان لَيْسَتْ ملكًا له فهو لم يخلق نَفْسهُ ولا عضوا من أعضائه، بل ولا خلية من خلاياه، وإنما نَفْسهُ وديعة وأمانة عنده استودعه الله إياه، فلا يجوز له التفريط فيها ولا التصرف فيها إِلا على وفق الشرع فيكف بالاعتداء عَلَيْهَا بالتخلص منها قال تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ فالمسلم يراد منه أن يكون صلب العود قوي العزم في مواجهة الشدائد ولم يبح له أن يهرب من الحياة، ويخلع ثوبها لبَلاء نزل به، أو أملٍ كَانَ يحلم به فخاب أمله فإن المُؤْمِن خلق للجهاد لا للعقود وللكفاح لا للفرار، وإيمانه بِاللهِ وخلقه يأبيان عَلَيْهِ أن يفر من ميدان الحياة ومعه السِّلاح الَّذِي لا يفل، والذخيرة التي لا تنفد، سلاح الإِيمَان المكين، وذخيرة الخلق المتين الَّذِي استمده من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قال تَعَالَى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إليك إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وفقنا الله وَجَمِيع المسلمين إلى الإقتداء بهما والتمسك بهما علمًا وعملاً.
وإذا كَانَ جزاء من قاتل المُؤْمِن عمدًا ما سمعت فإن رسول الله ﷺ يصور لنا جزاء قاتل نَفْسهُ من ذَلِكَ قوله ﷺ : «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأَ بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» . رواه البخاري ومسلم والترمذي وَأَبُو دَاود والنسائي، فهَذَا الْحَدِيث يصرح بالخلود المؤبد في حق قاتل نَفْسهُ ويفيد أن قاتل نَفْسهُ في أي آلة من
стр. 2511
الآلات القاتلة يعذب نَفْسهُ بتلك الآلة في نار جهنم فيستعملها هناك كما استعملها هنا عِنْدَمَا قتل نَفْسهُ فيجتمَعَ عَلَيْهِ عذابان عذاب النار وعذاب الآلة المذكورة نسأل الله العافية في الدُّنْيَا والآخِرَة وعن وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعَنُ نَفْسَهُ يَطْعَنُ نَفْسَهُ فِي النَّارِ والَّذِي يَقْتَحِمُ يَقْتَحِمُ فِي النَّارِ» . رواه البخاري.
ومن ذَلِكَ ما أخرجه الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ» . فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الَّذِي قُلْتَ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ قَدْ قَاتَلَ قِتَالاً شَدِيدًا وَقَدْ مَاتَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِلَى النَّارِ» . فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِين أَنْ يَرْتَابَ فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحة شَدِيدةٌ فَلَمَّا كَانَ مِنْ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ فَأَخَذَ ذُبَابَ سَيْفِهِ فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» . ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى بِالنَّاسِ «إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» . وعن جندب بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ قال ((كان ممن كان قيلكم رجل به جرح فجزع فاخذ سكينًا فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات فقال الله بادرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة)) وعن جابر بن سمرة ﵁: أن رجلاً كانت به جراحة فأتى قرنًا له فأخذ مشقصًا فذبح به نَفْسهُ فلم
стр. 2512
يصل عَلَيْهِ النَّبِيّ ﷺ . رواه ابن حبان في صحيحه.
عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ﵁ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ ﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا متعمدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْء عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيْء لَا يَمْلِكُ وَلَعْنُ الْمُؤمِنِ كَقَتْلِهِ وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِشَيْء عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِي وَمُسْلِمْ.
وجَاءَ في ترويع المسلم عدة أحاديث كقوله ﷺ : «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي، وإن كَانَ أخاه لأبيه وأمه» .
وَقَالَ ?: «من نظر إلى مسلم نظرة يخيفه فيها بغير حق أخافه الله يوم القيامة» .
وَقَالَ ?: «من أخاف مؤمنًا كَانَ حقًّا على الله ألا يؤمنه من أفزاع يوم القيامة» .
شِعْرًا: ... فَيَا عَجَبًا نَدْرِي بِنَارٍ وَجَنَّةٍ ... وَلَيْسَ لِذِي نَشْتَاقُ أَوْ تِلْكَ نَحْذَرُ
إِذَا لَمْ يَكُنْ خَوْفٌ وَشَوْقٌ وَلا حَيَا ... فَمَاذَا بَقِي فِينَا مِنَ الْخَيْرِ يُذْكَرُ
وَلَيْسَ لِحَرٍّ صَابِرِينَ وَلا بَلَى ... فَكَيْفَ عَلَى النِّيرَانِ يَا قَوْمُ نَصْبِرُ
وَفَوْتُ جِنَانِ الْخُلْدِ أَعْظَمُ حَسْرَةً ... عَلَى تِلْكَ فَلَلْيَسْتَحْسِرِ الْمُتَحَسِّرِ
فَأُفٍّ لَنَا أُفٍّ كِلابُ مَزَابِلٍ ... إِلَى بتْنِهَا نَغْدُوا وَلا نَتَذَبَّرُ
نَبِيعُ خَطِيرًا بِالْحَقِيرِ عِمَايَةً ... وَلَيْسَ لَنَا عَقْلُ وَلُبٌّ مُنَوَّرُ
стр. 2513
فَطُوبِي لِمَنْ يُؤْتَى الْقَنَاعَةَ وَالتُّقَى ... وَأَوْقَاتُهُ فِي طَاعَةِ اللهِ يَعْمُرُ
آخر: ... تَوَرَّعْ وَدَعْ مَا أَنْ يَرِيبُك كلّهُ ... جَمِيعًا إِلَى مَا لا يَرِيبِكَ تَسْلَمِ
وَحَافظَ عَلَى أَعْضَائِكَ السَّبْعِ جُمْلَةً ... وَرَاعِ حُقُوَق اللهِ فِي كُلُّ مُسْلِم
وَكُنْ رَاضِيًا بِاللهِ رَبًّا وَحَاكِمًا ... وَفَوّضْ إليه فِي الأُمُورِ وَسَلّم
آخر: ... لِكَسْرَةٌ مَنْ رَغِيفِ الْخُبْزِ تُشْبِعُنِي ... وَشَرْبَةٌ مِنْ قَرَاحٍ الْمَاءِ تُرْوِينِي
وَخِرْقَةٍ مِنْ خَشِينِ الثَّوْبِ تَسْتُرُنيِ ... حَيًّا وَإِنْ مِتُّ تَكْفِينِي لِتَكْفِينِي
لا أَبْتَغِي وَصْلَ مَنْ يَبْغِي مُفَارَقَتِي ... وَلا ألينُ لِمَنْ يَبْتَغِي لِينِي
آخر: ... قَنِعْتُ بِالْقُوتِ فِي زَمَانِي ... وَصُنْتُ نَفْسِي عَنِ الْهَوَانِ
خَوْفًا مِن النَّاسِ أَنْ يَقُولُوا ... فَضْل فُلانٍ عَلَى فُلانِ
مَنْ كُنْتُ عَنْ مَاله غَنِيًّا ... فَلا أُبَالي إِذَا جَفَانِي
وَمَنْ رَآنِي بِعَيْنِ نَقْصٍ ... رَأَيْتُه بِالَّذِي رَآنِي
وَمَنْ رَآنِي بِعَيْنِ تَمٍّ ... رَأَيْتُهُ كَامِلَ الْمَعَانِي
اللَّهُمَّ ألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا لامتثال أمرك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وسلم.
موعظة
عباد الله طلب الرزق الحلال فريضة على كُلّ مسلم فالتمس الرزق أيها المسلم من حله وَإِيَّاكَ وما نهاك الله عَنْهُ وحرمه فمتاع الدُّنْيَا قليل؛ أيها المسلم إن جمعك للمال من حله عبادة إذا كنت تريد به إعفاف نفسك، والقيام بما أوجبه الله عَلَيْكَ من الحقوق، وَاحْذَر من
стр. 2514
ترك الْعَمَل، وافعل الأسباب التي بها يحصل الرزق بإذن الله، واعْلَمْ أن من ترك الْعَمَل وغلب عَلَيْهِ الكسل حتى صار كلا على الخلق يعده أهله ثقلاً ويراه صاحبه بغيضًا، ولا يلقاه أحد إِلا وكره لقياه قال تَعَالَى حاثًا على طلب الرزق: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاة فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} ، وَقَالَ تَعَالَى: {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} والمُؤْمِن المحترف الكسوب الَّذِي يأكل من عمل يده مكرم محبوب محترم عَنْدَ أهله والأولاد وكَانَ نوح وداود يحترفان التجارة ومُحَمَّد ﷺ رعى الغنم، ومُوَسى كَانَ أجيرًا عَنْدَ صَاحِب مدين وكَانَ إدريس خياطًا، وما أبعد هذه الأعمال الشريفة عن الكسل والبطالة وكَانَ السَّلَف ﵃ عمالاً مكتسبين فكلهم ما بين غني شريف وفقير شريف عفيفٍ، لا تشغلهم الدُّنْيَا عن الآخِرَة ولا يمنعهم الدين عن طلب الكسب والقيام بالواجبات، وهم مَعَ هذا من أقوى النَّاس توكلاً على الله ورضى بما قدّر وقضاه وهَذَا أمر الله به ورضيه.
شِعْرًا:
لِمَنْ تَطْلُبَ الدُّنْيَا إِذَا لَمْ تَرِدْ بِهَا ... رِضَى الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ رَبِّ الْبَرِيَّةِ
آخر: ... وَكُنْ بِالَّذِي قَدْ خَطَّ بِاللَّوْحِ رَاضِيًا
فَلا مَهْرَبٌ مِمَّا قَضَاهُ وَخَطَّهُ
وَإِنَّ مَعَ الرِّزْقِ اشْتِرَاطُ الْتِمَاسِهِ
وَقَدْ يَتَعَدَّى إِنْ تَعَدَّيْتَ شَرْطَهُ
فَلَوْ شَاءَ أَلْقَى فِي فَمِّ الطَّيْرِ قُوتَهُ
وَلَكِنَّهُ أَوْحَى إِلَى الطَّيْرِ لَقْطَهُ ... >?
стр. 2515
آخر: ... وَمَا طَلَبُ الْمَعِيشَةِ بِالتَّمَنِي ... وَلِمَنْ أَلْقِ دَلْوَكَ بِالدَّلاءِ
تَجِيءُ يِمِلْئِهَا طَوْرًا وَطَورًا ... وَتَجِيءُ بِحَمْأةٍ وَقَلِيلِ مَاءِ
آخر:
لا تَقْعُدَنَّ بِكَسْرِ الْبَيْتِ مُكْتَئِبًا
يَفْنَى زَمَانُكَ بَيْنَ اليأَسِ وَالأَمَلِ
وَاِحْتَلْ لِنَفْسِكَ فِي رِزْقٍ تَعِيشُ بِهِ
فَإِنَّ أَكْثَرَ عَيْشِ النَّاسِ بِالْحِيَلِ
وَلا تَقُلْ إِنَّ رِزْقِي سَوْفَ يُدْرِكُنِي
وَإِنْ قَعَدَتُ فَلَيْسَ الرِّزْقُ كَالأَجَلِ ... >?
اللَّهُمَّ اغفر لنا ولا تعذبنا ووفقنا ولا تخذلنا ولا تسلب الإِيمَان منا لا ملجأ إِلا إليك ولا معول لنا إِلا عَلَيْكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فصل في التحذير من الزنا وآثاره في الدُّنْيَا والآخِرَة
اعْلَمْ وفقنا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع المسلمين لما يحبه ويرضاه أن الله جَلَّ وَعَلا من حكمته ورحمته ركب في الإِنْسَان شهوة الفرج تركيبًا قويًّا وجعل لها عَلَيْهِ سلطة شديدةً فإذا هاجت كانت أشد الشهوات عصيانًا على العقل فلا تقبل منه صرفًا ولا عدلاً فمن لم يجعله الله قوي الإرادة شجاعًا انقاد لها صاغرًا وأطاعها ذليلاً ولولا قوة هذه الشهوة التي جعلها الله وشدة سلطانها على الإِنْسَان لأبى أن يحتمل ما يترتب عَلَيْهَا من
стр. 2516
مشاق البيتوتة وتكاليف الزوجية وتربية الأولاد والكد والتعب من أجلهم والرضى بالآلام التي تنتابه إذا مرضوا أو أصيبوا بمكروهٍ.
فخلق الله هذه الشهوة من القوة من أوضح الدلالة على قدرة الخالق وكمال علمه وخبرته وجليل حكمته فإن الإِنْسَان مسوق إلى التناسل رغم أنفه ومسخر على احتمال كُلّ ما يترتب عَلَيْهِ من النصب ومَعَ ذَلِكَ فهو راضٍ كُلّ الرِّضَا.
وكَذَلِكَ المرأة لولا ما جعل الله فها من هذه الشهوة القوية ما كانت تستطيع حمل عبء الولادة والحمل ومشاق تربية الأولاد وهم صغار والسهر في الليالي والقيام على حراستهم ودفع الأضرار المكروهة عنهم وهم أطفال صغار واحتمال ما يعتريهم من الآلام وعدم الرَّاحَة وأيضًا فإن الله قَدْ خلق النساء على حالةٍ من الضعف لا يقدرن معها على احتمال تكاليف الحياة ومشاق الجهاد في معتركها.
فسخر الله لهن الرِّجَال يحملون عنهن كُلّ ما يعجزهن عن احتماله في سبيل حياتهن بدافع هذه الشهوة القوية التي أودعها العزيز الحكيم جَلَّ وَعَلا، ولولاها لما كَانَ للنساء هَذَا السُّلْطَان على النُّفُوس.
وإذا علمت ذَلِكَ من أن شهوة الفرج لها من القوة والتأثير هذه المكانة وأنها إنما خلقت لحكمة أرادها الله فاعْلَمْ أن العقل مسئول عن تصريف هذه الشهوة والوقوف معها عَنْدَ الحد الَّذِي خلقت من أجله ولا يتركها تهيج بالوسائل المختلفة بل يجب عَلَيْهِ أن يبعد عن كُلّ المناظر والأسباب التي تحركها وتبعثها إلى ما هُوَ ممنوع شرعًا. والأسباب التي
стр. 2517
تثير هذه الشهوة وتهيجها منها: النظر، والخلوة بالأجنبية، وحديث النفس، وتقدم الكلام على النظر والخلوة.
وشر مضار شهوة الفرج الزنا واللواط فالزنا اكبر الكبائر بعد الشرك والقتل وَهُوَ فاحشة مهلكة وجريمة موبقة وفساد لا تقف جرائمه عَنْدَ حد ولا تنتهي آثاره ونتائجه إلى غاية وَهُوَ ضلال في الدين وفساد في الأَخْلاق وانتهاك للحرمَاتَ والأعراض واستهتار بالشرف والمروءة، وداعية للبغضاء والعداوة.
وإليك ما قال أحد المتكلمين عَنْهُ: عاره يهدم البيوت الرفيعة ويطأطئ الرؤس العالية ويسود الوجوه البيض ويصبغ بأسود من القار أنصع العمائم بياضًا ويخرس الألسنة البليغة ويبدل أشجع النَّاس من شجاعتهم جبنًا لا يدانيه جبن ويهوي بأطول النَّاس أعناقًا وأسماهم مقامًا وأعرقهم عزًّا إلى هاوية من الذل والازدراء والحقارة لَيْسَ لها من قرارٍ.
وَهُوَ أقدر أنواع العار على نزع ثوب الجاه مهما تسع ونباهة الذكر مهما بعدت وإلباس ثوب من الخمول ينبو بالعيون عن أن تلفت إلى من كَانَ في بيوتهم لفتة احترامٍ وَهُوَ أي الزنا لطخة سوداء إذا لحقت تاريخ أسرة غمرت كُلّ صحائفه البيض وتركت العيون لا تَرَى منها إِلا سوادًا حالكًا.
وَهُوَ الذنب الظلوم الَّذِي إن كَانَ في قوم لا يقتصر على شين من قارفته من نسائهم بل يمتد شينه إلى من سواها مِنْهُمْ فيشينهن جميعًا شينًا يترك لهن من الأثر في أعين الناظرين ما يقضي على مستقبلهن النسوي وَهُوَ العار الَّذِي يطول عمره طولاً فقاتله الله من ذنب وقاتل فاعَلَيْهِ. أ. هـ.
وَقَالَ آخر: إن الزنى يحط نَفْسهُ من سماء الفضيلة إلى حضيض الرذيلة ويصبح بمكَانَ من غضب الله ومقته عَظِيم ويكون عَنْدَ الخلق
стр. 2518
ممقوتًا وفي دنياه مهين الجانب عديم الشرف منحط الكرامة ساقط العدالة تزدريه العامة من الفاسقين وإن كَانَ على أخلاقهم ويسير في ركابهم.
وتبعد عَنْهُ الخاصة من ذوي المروءة والكرامة والشرف، مخافة أن يلوثهم ويعديهم بجربه ولا تقبل روايته ولا تسمَعَ شهادته ولا يرغب في مجاورته بل يبتعد عَنْهُ كُلّ البعد ويكون متهمًا في حركاته وسكناته وَجَمِيع حالاته ولا يرغب في مصادقته ومخالطته ومعاملته.
إن سار قال النَّاس: أين يذهب هَذَا المجرم؟ وإن قعد قَالُوا: لم قعد هَذَا الفاسق في هَذَا المكَانَ وإن صاحبته أو عاملته أخذوك بذنبه ورموك بما رموه به غالبًا وإن جاورته فأعظم النَّاس إخلاصًا لك ومعرفةً بك شك في نزاهتك وأبعد عن زيارتك يخشى أن يظن أنه يريد بيت هَذَا الفاسق ولو جَاءَ إليه لأمر ضروري أكثر التلفت عَسَى أن لا يراه أحد وَهُوَ حول باب هَذَا الدنس النذل المجرم.
وإن مشت معه أنثى من أقاربه ظنوها أجنبية منه جريًا على ما اشتهر به وعلم عَنْهُ وإن جَاءَ إلى بيت إنسان شريف لأمر ضروري اشمأز منه وحرص على التخلص منه بسرعة لا يراه أحد وَهُوَ عَنْدَ بابه وإن مشى مَعَ شريف لحاجة في النَّهَارَ ود الشريف أنه كَانَ بالليل لئلا يراه أحد وَهُوَ يمشي مَعَ هَذَا الدنس العرض الساقط نسأل الله العافية.
اللَّهُمَّ اجعلنا لكتابك من التالين، ولك به من العاملين وبما صرفت فيه من الآيات منتفعين، وإلى لذيذ خطابه مستمتعين، ولأوامره ونواهيه خاضعين وبالأعمال مخلصين، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين الأحياء مِنْهُمْ والمَيتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
стр. 2519
ج
شِعْرًا: ... رَأَيتُكَ فَيْمَا يُخْطِئُ النَّاسُ تَنظُرُ
وَرَأسُكَ مِن مَاءِ الخَطيئةِ يَقْطُرُ
تَوَارَى بِجُدرانِ البُيوتِ عَنِ الوَرى
وَأَنْتَ بِعَينِ اللَهِ لَو كُنتَ تَشعُرُ
وَتَخشى عُيونَ الناسِ أَن يَنظُروا بِها
وَلَم تَخشَ عَينَ اللَهِ وَاللَهُ يَنظُرُ
وَكَمْ مِن قَبيحٍ قَد كَفى اللَهُ شَرَّهُ
أَلا إِنَّهُ يَعفو القَبيحَ وَيَستُرُ
إِلى كَم تَعامى عَن أُمورٍ مِنَ الهُدى
وَأَنْتَ إِذا مَرَّ الهَوى بِكَ تُبصِرُ
إِذا ما دَعاكَ الرُشدُ أَحجَمتَ دونَهُ
وَأَنْتَ إِلى ما قادَكَ الغَيُّ تَبدُرُ
وَلَيْسَ يَقومُ الشُكرُ مِنكَ بِنِعمَةٍ
وَلَكِن عَلَيكَ الشُكرُ إِن كُنتَ تَشكُرُ
وَما كُلُّ ما لَم تَأتِ إِلّا كَما مَضى
مِنَ اللَهوِ في اللَذاتِ إِن كُنتَ تَذكُرُ
وَما هِيَ إِلّا تَرحَةٌ بَعدَ فَرحَةٍ
كَذالِكَ شُربُ الدَهرِ يَصفو وَيَكدُرُ
كَأَنَّ الفَتى المُغتَرَّ لَم يَدرِ أَنَّهُ
تَروحُ عَلَيْهِ الحادِثاتُ وَتَبكُرُ
أَجَدَّكَ أَمّا كُنتَ وَاللَهوُ غالِبٌ
عَلَيكَ وَأَمّا السَهوُ مِنكا فَيَكثُرُ ... >?
стр. 2520
.. وَأَمّا بَنو الدُّنْيَا فَفي غَفَلاتِهِم
وَأَمّا يَدُ الدُّنْيَا فَتَفري وَتَجزُرُ
وَأَمّا جَميعُ الخَلقِ فيها فَمَيِّتٌ
وَلَكِنَّ آجالاً تَطولُ وَتَقصُرُ
لَهَوتَ وَكَمْ مِن عِبرَةٍ قَد حَضَرتَها
وَأَنْتَ تَرَى في ذَاك أَنَّكَ تَتْجُرُ
خُدِعتَ عَنِ الساعاتِ حَتّى غُبِنتَها
وَغَرَّتكَ أَيّامٌ قِصارٌ وَأَشهُرُ
فَيا بانِيَ الدُّنْيَا لِغَيرِكَ تَبتَني
وَيا عامِرَ الدُّنْيَا لِغَيرِكَ تَعمُرُ
وَمالَكَ إِلّا الصَبرُ وَالبِرُّ عُدَّةٌ
وَإِلا اعتِبارٌ ثاقِبٌ وَتَفَكُّرُ ... >?
وأَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
موعظة
عباد الله إن التوبة من الذُّنُوب مفتاح السعادة في هذه الدار وفي دار القرار، وإنما كانت التوبة كَذَلِكَ لأن بها يغفر الله الذُّنُوب جميعًا لا فرق بين صغارها والكبار ولأن التائب إذا صحت توبته بأن اجتمعت شروطها وانتفت الموانع يصبح التوبة أمينًا على دينه لا يخل بواجب من واجبات الإسلام فتوبوا عباد الله توبة نصوحًا لتستنير قلوبكم وأبدانكم بدل ظلمَاتَ كانت مخيمة عَلَيْهَا تثقلكم عن طاعة مولاكم وستجدون بإذن الله انشراحًا في صدوركم بدل انقباضها وضيقها فإن الذُّنُوب تؤثر على
стр. 2521
القُلُوب والأبدان انقباضًا يشتد على المصر على الذُّنُوب حتى يضيق به فسيح الأرجَاءَ ولك أيها التائب العامل بالطاعات الأمل القوي بتوالي الطاعات لأن الخيرات تنتج بإذن الله بعضها بعضًا ولك الأمل القوي بأن تنقاد لك الأرزاق بعد أن كانت ممتنعة فتصبح في يسر بعد أن كنت في إعسارٍ ولك الأمل في أن العداوات التي كانت بينك وبين الخلق تصبح بإذن الله حبًّا يلفت الأنظار ذَلِكَ أن الذُّنُوب والمعاصي هِيَ أسباب الشرور والعقوبات المؤلمَاتَ وأن المرء بالتوبة منها يرضي بديع الأَرْض والسماوات فتأكد أيها الأخ أن التوبة هِيَ الينبوع الفياض لكل خَيْر في الدُّنْيَا والآخِرَة فلا تشك في أن الله تَعَالَى يفيض من فضله وجوده ما يفيض على من أخلص الْعَمَل لجلاله فتب أيها الأخ واصدق في التوبة واسأله أن يبلغك بها رضوانه وأن يجعلك من حزبه المفلحين الَّذِينَ {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} فتعيش وتموت وتبعث في رعاية ربك ولطفه وغيرك ممن لم يتوبوا في إهانته البالغة يتقلبون فعَلَيْكَ بالاعتماد على الله والتوكل عَلَيْهِ واللجَاءَ إليه دائمًا متضرعًا متملقًا خصوصًا في آخر الليل.
شِعْرًا: ... إِذَا وَجَدَ الإِنْسَان لِلْخَيْرِ فُرْصَةً ... وَلَمْ يَغْتَنِمْهَا فَهُوَ لا شَكَّ خَاسِرُ
وَهَلْ مِثْلَ تَالي اللَّيْلِ لِلْعَفْوِ مَوْسِمُ ... وَلَكِنْ فَأَيْنَ الْعَامِلُ الْمُتَبَادِرُ
شِعْرًا: ... لَبِسْتُ ثَوْبَ الرَّجَا وَالنَّاسُ قَدْ رَقَدُوا
وَبِتُ أَشْكُو إِلَى مَوْلاي مَا أَجِدُ
فَقُلْتُ يَا أَمَلِي فِي كُلِّ نَائِبَةٍ
وَمَنْ عَلَيْهِ لِكَشْفِ الضُّرِّ أَعْتَمِدُ ... >?
стр. 2522
.. أَشْكُو إليك أُمُورًا أَنْتَ تَعْلَمُهَا
مَالي إِلَى حَمْلِهَا صَبْرٌ وَلا جَلَدُ
وقَدْ مَدَدْتُ يَدِي بِالذُّلِّ مُبْتَهِلاً
إليك يَا خَيْرَ مَنْ مُدَّتْ إليه يَدُ
فَلا تَرُدَنَّهَا يَا رَبُّ خَائِبَةً
فَبَحْرُ جُودِكَ يُرْوِي كُلَّ مَنْ يَرِدُ
آخر: ... عَطَاءُ ذِي الْعَرْشِ خَيْرٌ مِنْ عَطَائِكُمُ
وَسَيْبُهُ وَاسِعٌ يُرْجَى وَيَنْتَظَرُ
أَنْتُمْ يُكَدِّرُ مَا تُعْطُونَ مِنَّتُكُمْ
وَاللهُ يُعْطِي وَلا مَنٌّ وَلا كَدَرُ
لا حُكْمَ إِلا لِمَنْ تَمْضِي مَشِيئَتُهُ
لا حُكْمَ إِلا لِمَنْ تَمْضِي مَشِيئَتُهُ
آخر: ... شَادَ الْمُلُوكَ قُصُورَهُمْ فَتَحَصَّنُوا
عَنْ كُلِّ طَالِبِ حَاجَةً أَوْ رَاغِبِ
غَالَوْا بِأَبْوَابِ الْحَدِيدِ لِعِزِّهَا
وَتَتَوَّقُوا فِي قُبْحِ وَجْهِ الْحَاجِبِ
فَإِذَا تَلَطَّفَ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ
رَاجٍ تَلَقَّوْهُ بِوَعْدٍ كَاذِبِ
فَاقْصِدْ إِلَى مَلِكِ الْمُلُوكِ وَلا تَكُنْ
يَا ذَا الضَّرَاعَةِ طَالِبًا مِنْ طَالِبِ ... >?
اللَّهُمَّ وفقنا للتوبة النصوح، وَاجْعَلْنَا ممن يغدو مشمرًا في طاعتك
стр. 2523
ويروح وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
فَصْلٌ
(أدلة على تحريم الزنا)
قال الله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ .
ومن السنة ما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» . الْحَدِيث رواه البخاري ومسلم.
عَنْ ابْن مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» . رواه البخاري ومسلم.
وعن عَائِشَة ﵂ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يشهد أن لا إله إِلا الله، وأن محمدًا رسول الله إِلا في إحدى ثَلَاثٍ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ فإنه يرجم ورجل خَرَجَ محاربًا لله ولرسوله، فإنه يقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأَرْض أو يقتل نفسًا فيقتل بها» . رواه أبو دلود والنسائي.
عن عثمان بن أبي العاص ﵄ عن رسول الله
стр. 2524
صلى الله عَلَيْهِ وسلم قال: «تفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي مناد: هل من داع فيستجاب له، هل من سائل فيعطى، هل من مكروب فيفرج عَنْهُ، فلا يبقى مسلم يدعو بدعوة إِلا استجاب الله له، إِلا زانية تسعى بفرجها، أو عشارًا» . وفي رواية: «إن الله يدنو من خلقه فيغفر لمن يستغفر إِلا لبغي بفرجها أو عشار» . رواه أَحَمَد والطبراني.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ - حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ الْمُلاعَنَةِ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيْسَتْ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْء وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إليه احْتَجَبَ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ» . رواه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم عَنْدَ الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وَهُوَ خلقك» . قُلْتُ: إن ذَلِكَ لعَظِيم، ثُمَّ أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك» . قُلْتُ: ثُمَّ أي؟ قال: «أَنْتَ تزاني حليلة جارك» . رواه البخاري ومسلم ورواه الترمذي والنسائي.
وعن المقداد بن الأسود ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأصحابه: «ما تقولون في الزنا» ؟ قَالُوا: حرام حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة. فَقَالَ رسول الله ﷺ لأصحابه: «لأن يزني الرجل بعشر نسوةٍ، أيسر عَلَيْهِ من أن
стр. 2525
يزني بامرأة جاره» . رواه أَحَمَد ورواته ثقات والطبراني في الكبير والأوسط.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا عَنْهُمَا لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكَثَرَ مِنْ ذَلِكَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كَانَ الْكِفْلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَانَ لَا يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يَطَأَهَا فَلَمَّا أَرَادَهَا عَلَى نَفْسِهَا ارْتَعَدَتْ وَبَكَتْ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: لأنَّهُ عَمَلٌ مَا عَمِلْتُهُ قَطُّ وَمَا حَمَلَنِي عَلَيْهِ إِلَّا الْحَاجَةُ فَقَالَ: تَفْعَلِينَ أَنْتَ هَذَا مِنْ مَخَافَةِ اللهِ فَانَا أَحْرَى اذْهَبِي فََلِكَ مَا أَعْطَيْتُكَ وَوَاللَّهِ لَا أَعْصِيهِ بَعْدَهَا أَبَدًا فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِلْكِفْلِ فَعَجَبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ» . رواه الترمذي وَقَالَ: حديث حسن وابن حبان في صحيحه والحاكم وَقَالَ: صحيح الإسناد.
وعن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «إذا ظهر الزنا والربا في قوم، فقَدْ أحلوا بأنفسهم عذابًا» . رواه الحاكم وَقَالَ: صحيح الإسناد.
وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ مَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلًا مِنْ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ فَيَخُونُهُ إِلَّا وَقَفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شَاءَ، حَتَّىَ يَرْضَى» . ثُمَّ الْتَفَتَ إلينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «فَمَا ظَنُّكُمْ» ؟ رواه مسلم وَأَبُو دَاود.
следующие страницы →