Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
القُلُوب والأبدان انقباضًا يشتد على المصر على الذُّنُوب حتى يضيق به فسيح الأرجَاءَ ولك أيها التائب العامل بالطاعات الأمل القوي بتوالي الطاعات لأن الخيرات تنتج بإذن الله بعضها بعضًا ولك الأمل القوي بأن تنقاد لك الأرزاق بعد أن كانت ممتنعة فتصبح في يسر بعد أن كنت في إعسارٍ ولك الأمل في أن العداوات التي كانت بينك وبين الخلق تصبح بإذن الله حبًّا يلفت الأنظار ذَلِكَ أن الذُّنُوب والمعاصي هِيَ أسباب الشرور والعقوبات المؤلمَاتَ وأن المرء بالتوبة منها يرضي بديع الأَرْض والسماوات فتأكد أيها الأخ أن التوبة هِيَ الينبوع الفياض لكل خَيْر في الدُّنْيَا والآخِرَة فلا تشك في أن الله تَعَالَى يفيض من فضله وجوده ما يفيض على من أخلص الْعَمَل لجلاله فتب أيها الأخ واصدق في التوبة واسأله أن يبلغك بها رضوانه وأن يجعلك من حزبه المفلحين الَّذِينَ {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} فتعيش وتموت وتبعث في رعاية ربك ولطفه وغيرك ممن لم يتوبوا في إهانته البالغة يتقلبون فعَلَيْكَ بالاعتماد على الله والتوكل عَلَيْهِ واللجَاءَ إليه دائمًا متضرعًا متملقًا خصوصًا في آخر الليل.
شِعْرًا: ... إِذَا وَجَدَ الإِنْسَان لِلْخَيْرِ فُرْصَةً ... وَلَمْ يَغْتَنِمْهَا فَهُوَ لا شَكَّ خَاسِرُ
وَهَلْ مِثْلَ تَالي اللَّيْلِ لِلْعَفْوِ مَوْسِمُ ... وَلَكِنْ فَأَيْنَ الْعَامِلُ الْمُتَبَادِرُ
شِعْرًا: ... لَبِسْتُ ثَوْبَ الرَّجَا وَالنَّاسُ قَدْ رَقَدُوا
وَبِتُ أَشْكُو إِلَى مَوْلاي مَا أَجِدُ
فَقُلْتُ يَا أَمَلِي فِي كُلِّ نَائِبَةٍ
وَمَنْ عَلَيْهِ لِكَشْفِ الضُّرِّ أَعْتَمِدُ ... >?
стр. 2522
.. أَشْكُو إليك أُمُورًا أَنْتَ تَعْلَمُهَا
مَالي إِلَى حَمْلِهَا صَبْرٌ وَلا جَلَدُ
وقَدْ مَدَدْتُ يَدِي بِالذُّلِّ مُبْتَهِلاً
إليك يَا خَيْرَ مَنْ مُدَّتْ إليه يَدُ
فَلا تَرُدَنَّهَا يَا رَبُّ خَائِبَةً
فَبَحْرُ جُودِكَ يُرْوِي كُلَّ مَنْ يَرِدُ
آخر: ... عَطَاءُ ذِي الْعَرْشِ خَيْرٌ مِنْ عَطَائِكُمُ
وَسَيْبُهُ وَاسِعٌ يُرْجَى وَيَنْتَظَرُ
أَنْتُمْ يُكَدِّرُ مَا تُعْطُونَ مِنَّتُكُمْ
وَاللهُ يُعْطِي وَلا مَنٌّ وَلا كَدَرُ
لا حُكْمَ إِلا لِمَنْ تَمْضِي مَشِيئَتُهُ
لا حُكْمَ إِلا لِمَنْ تَمْضِي مَشِيئَتُهُ
آخر: ... شَادَ الْمُلُوكَ قُصُورَهُمْ فَتَحَصَّنُوا
عَنْ كُلِّ طَالِبِ حَاجَةً أَوْ رَاغِبِ
غَالَوْا بِأَبْوَابِ الْحَدِيدِ لِعِزِّهَا
وَتَتَوَّقُوا فِي قُبْحِ وَجْهِ الْحَاجِبِ
فَإِذَا تَلَطَّفَ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ
رَاجٍ تَلَقَّوْهُ بِوَعْدٍ كَاذِبِ
فَاقْصِدْ إِلَى مَلِكِ الْمُلُوكِ وَلا تَكُنْ
يَا ذَا الضَّرَاعَةِ طَالِبًا مِنْ طَالِبِ ... >?
اللَّهُمَّ وفقنا للتوبة النصوح، وَاجْعَلْنَا ممن يغدو مشمرًا في طاعتك
стр. 2523
ويروح وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
فَصْلٌ
(أدلة على تحريم الزنا)
قال الله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ .
ومن السنة ما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» . الْحَدِيث رواه البخاري ومسلم.
عَنْ ابْن مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» . رواه البخاري ومسلم.
وعن عَائِشَة ﵂ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يشهد أن لا إله إِلا الله، وأن محمدًا رسول الله إِلا في إحدى ثَلَاثٍ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ فإنه يرجم ورجل خَرَجَ محاربًا لله ولرسوله، فإنه يقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأَرْض أو يقتل نفسًا فيقتل بها» . رواه أبو دلود والنسائي.
عن عثمان بن أبي العاص ﵄ عن رسول الله
стр. 2524
صلى الله عَلَيْهِ وسلم قال: «تفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي مناد: هل من داع فيستجاب له، هل من سائل فيعطى، هل من مكروب فيفرج عَنْهُ، فلا يبقى مسلم يدعو بدعوة إِلا استجاب الله له، إِلا زانية تسعى بفرجها، أو عشارًا» . وفي رواية: «إن الله يدنو من خلقه فيغفر لمن يستغفر إِلا لبغي بفرجها أو عشار» . رواه أَحَمَد والطبراني.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ - حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ الْمُلاعَنَةِ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيْسَتْ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْء وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إليه احْتَجَبَ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ» . رواه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم عَنْدَ الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وَهُوَ خلقك» . قُلْتُ: إن ذَلِكَ لعَظِيم، ثُمَّ أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك» . قُلْتُ: ثُمَّ أي؟ قال: «أَنْتَ تزاني حليلة جارك» . رواه البخاري ومسلم ورواه الترمذي والنسائي.
وعن المقداد بن الأسود ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأصحابه: «ما تقولون في الزنا» ؟ قَالُوا: حرام حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة. فَقَالَ رسول الله ﷺ لأصحابه: «لأن يزني الرجل بعشر نسوةٍ، أيسر عَلَيْهِ من أن
стр. 2525
يزني بامرأة جاره» . رواه أَحَمَد ورواته ثقات والطبراني في الكبير والأوسط.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا عَنْهُمَا لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكَثَرَ مِنْ ذَلِكَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كَانَ الْكِفْلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَانَ لَا يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يَطَأَهَا فَلَمَّا أَرَادَهَا عَلَى نَفْسِهَا ارْتَعَدَتْ وَبَكَتْ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: لأنَّهُ عَمَلٌ مَا عَمِلْتُهُ قَطُّ وَمَا حَمَلَنِي عَلَيْهِ إِلَّا الْحَاجَةُ فَقَالَ: تَفْعَلِينَ أَنْتَ هَذَا مِنْ مَخَافَةِ اللهِ فَانَا أَحْرَى اذْهَبِي فََلِكَ مَا أَعْطَيْتُكَ وَوَاللَّهِ لَا أَعْصِيهِ بَعْدَهَا أَبَدًا فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِلْكِفْلِ فَعَجَبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ» . رواه الترمذي وَقَالَ: حديث حسن وابن حبان في صحيحه والحاكم وَقَالَ: صحيح الإسناد.
وعن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «إذا ظهر الزنا والربا في قوم، فقَدْ أحلوا بأنفسهم عذابًا» . رواه الحاكم وَقَالَ: صحيح الإسناد.
وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ مَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلًا مِنْ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ فَيَخُونُهُ إِلَّا وَقَفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شَاءَ، حَتَّىَ يَرْضَى» . ثُمَّ الْتَفَتَ إلينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «فَمَا ظَنُّكُمْ» ؟ رواه مسلم وَأَبُو دَاود.
стр. 2526
وروى أبو يعلى وأَحَمَد وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ من حديث: «وَمَنْ مَاتَ مُدْمِنُ خَمْرْ سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ نَهْرِ الْغُوطَةِ» . قِيلَ: وَمَا نَهْرُ الْغُوطَةِ؟ قَالَ: «نَهْرٌ يَجْرِي مِنْ فُرُوجِ الْمُومِسَاتِ يُؤْذِي أَهْلَ النَّارِ رِيحُ فُرُوجِهِمْ» .
شِعْرًا: ... تَبِيتُ عَلَى الْمَعَاصِي وَالْمَسَاوِي ... فَأَنْتَ بِغَفْلَةٍ وَاللهِ بِتَّا
يُدِيمُ عَلَيْكَ إِحْسَانًا وَفَضْلاً ... وَأَنْتَ تُدِيمُ لُؤْمًا أَيْنَ كُنْتَا
وَبِالْعِصْيَانِ تَخْطُر بِاخْتِيَالٍ ... سَكَرْتَ مِنَ الْغُرُور وَمَا صَحَوْتَا
أَفِقْ مِنْ غَفْلَةٍ وَأَنِبْ لِرَبَّ ... تَنَلْ مِنْهُ السَّمَاحَ إِذَا أَنَبْتَا
وَتَظْفَرُ بِالْقُبُولِ وَبِالأَمَانِي ... وَفِي الدَّارَيْنِ بِالإِسْعَادِ فُزْتَا
اللَّهُمَّ ارحم غربتنا في القبور وآمنا يوم البعث والنشور وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
فَصْلٌ
عباد الله كلنا يعلم أن الزنا من كبائر الذُّنُوب وأن فيه فسادًا للزاني والزانية أما فساده للزانية فهو واضح لأنها بذَلِكَ الجرم العَظِيم - جرم الزنا - تجد حلاوة فتفسد كُلّ من اتصل بها، فيصبحون في تعلقهم بالنساء كالكلب المسعور هَذَا من جهةٍ ومن جهةٍ أخرى تفسد فراش زوجها إن كَانَ ذات زوجٍ وَرُبَّمَا أدخلت عَلَيْهِ أولادًا من الزناة ينفق عَلَيْهمْ طول حَيَاتهُ ويرثون منه بعد وفاته، ويتفوظون حرم الزوج، وَرُبَّمَا تولوا عقَدْ نكاح لهن، أو صاروا محارم لهن في حج، أو نحو ذَلِكَ نسأل الله العافية ومن جهة فساد الزاني فإنه بالزنا ينكلب ويتولع فيه، وكل أنثى يتعدى عَلَيْهَا يحلو لها هَذَا السفاح فنفسد كالأولى كثيرين من الناس
стр. 2527
تنبهوا بعد أن كَانُوا غافلين فيفسدون من النساء كثيرات وهكَذَا فالواني لص يسرق ثروة النَّاس في حياتهم وبعد الْمَمَات بما يدخله عَلَيْهمْ من أولاد يعولونهم وإن كانت المرأة التي تعدى عَلَيْهَا غير متزوجة فقَدْ أفسد حياتها بهتك عرضها وصرف أنظار راغبي الزواج عَنْهَا فتعيش بعد جرم الزنا عيشة ذل وهوان لا زوج يحصنها ولا عائل يعولها هَذَا مضافًا إلى سوء السمعة وإلى الجناية على شرفها وأهلها فيقفون منه موقف الانتقام غالبًا وَرُبَّمَا قضوا عَلَيْهِ أو على ابنتهم وإن لم يقضوا وثَبِّتْ ذَلِكَ بطرق الشرع فإما جلد مائة وإما رجم يؤدي بالنفسين، هَذَا عاقبة هذه الكبيرة عصمنا الله وإياكم منها ومِنْ جَمِيعِ المعاصي فعلى الإِنْسَان أن يفكر ويعرف عواقب الجنايات على الأعراض ليحذر ويحذر عَنْهَا أجنبية أو قريبة ولا ادري كيف يقدم الزاني على الزنا وَهُوَ يؤمن أن الله مطلع عَلَيْهِ لا تخفى عَلَيْهِ منه خافية وأن جزاءه إن لم يتب توبةً نصوحًا الهاوية نسال الله السلامة منها ولا أدري كيف يزني وَهُوَ لا يشك أنه سيجازى على فعله في الدُّنْيَا قبل الآخِرَة ومن كَانَ الزنا من أعماله فلا يؤمن حتى على محارمه ولا يرغب في مصاهرته ولا مجاورته ولا مشاركته ولا معاملته ولا الإجتماع معه في محل عمله قال الله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ وَقَالَ ﷺ : «إذا ظهر الزنا والربا في قرية، فقَدْ أحلوا بأنفسهم عذاب الله» . رواه الحاكم اللَّهُمَّ احمنا من الفواحش ما ظهر منها وما بطن وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
مُحَمَّد اللَّهُمَّ اكتب في قلوبنا الإِيمَان وأيدنا بنور منك يا نور السماوات والأرض اللَّهُمَّ وافتح لدعائنا باب القبول والإجابة واغفر لنا وارحمنا
стр. 2528
بِرَحْمَتِكَ الواسعة إنك أَنْتَ الغفور الرحيم وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين.
فَصْلٌ
ومن مضار الزنا وآثاره السيئة في المجتمَعَ الإنساني ضياع النسل والجناية عَلَيْهِ فالزاني والزانية لو أدركا متا قَدْ يترتب على زنيتهما التي تنقضي على الفور من الآثام والشرور لهان عَلَيْهِمَا أن ينفيا من الوجود ولا يرتكبا تك الجريمة الشنعاء فقَدْ يترتب على عملهما وجود ولدٍ قَدْ تخنقه تلك الفاسقة في مهده وتسقطه جنينًا.
وقَدْ تلده إنسانَا كاملاً ثُمَّ تطرحه في شارع أو مسجد أو نحو ذَلِكَ معرضًا لمحن الحياة ومصائب الليالي والأيام لا يعرف له أمًا تحنو عَلَيْهِ ولا أبًا يرحم طفولته، ويحفل بتربيته، وقَدْ يؤول إلى حضانة إنسان غير مستقيم فيربيه على غير دين الإسلام أو على أَخْلاق فاسدة فينشأ عضوًا ضارًا بالمجتمَعَ الإنساني وَذَلِكَ بَلاء عَظِيم وضرر مبين.
فإن كانت المزني بها ذات زوج كانت خيانتها أشد وجنايتها أعظم فإنها تدخل عنصرًا غريبًا بين أبنائها تغش به زوجها فيربى غير بنيه يكد يومه ويسهر ليله لينفق على من ظنه له ولدًا وَهُوَ في الحَقِيقَة لَيْسَ له أبًا وقد يكون هذا الولد الذي أدخل على هذا الإنسان نكبة على الأسرة بتمامها فإنه قَدْ ينزع إلى أبيه الحقيق ويتبعه في أخلاقه وفساده وإجرامه فيفسد على الإِنْسَان الأسرة بأكملها.
وإن كانت غير متزوجة فإن هَذَا الفاسق المتعدي تعدى على شرفها وعائلتها وأقاربها، فأفسد حياتهم، وأهان كرامتها، وأساء
стр. 2529
سمعتها وسمعتهم وعرضها للقتل أو للعقوبة الشديدة أو عرض عرضها للسقوط في بوءةٍ لا ينقذها منها إِلا الموت فإن قتلت فهو السبب الأول في قتلها، وإن أسقطت فهو الجاني، والإثُمَّ أوله وآخره، قَدْ نال منه ذَلِكَ الغادر المعتدي الحظ الأوفر.
ولو قيل لهَذَا المجرم الفاسق هل ترضى عملك أن يعمل في بناتك وأخوتك لبطش بالقائل إن كَانَ ضعيفًا يقدر على الانتقام منه والنَّبِيّ ﷺ يَقُولُ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه» . رواه البخاري فما أبعد هَذَا المعتدي عن الْعَمَل بهَذَا الْحَدِيث.
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ أَنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي الزِّنَا فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ؟ فَقَالَ: «أدْنُهْ» . فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا قَالَ: «اجْلِسْ» . فَجَلَسَ فَقَالَ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ» ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ» . قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ» ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ» . قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ» ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ» . قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ» ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ» . قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ» ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ» . قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ» قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْء. وورد عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: «ما من ذنب بعد الشرك أعظم عَنْدَ الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له» .
стр. 2530
ومن مضار الزنا أن هَذَا الولد المدخل على البريء منه يرث من ماله ويكون محرمًا لبناته وزوجاته ولا يحتجبن عَنْهُ.
ومن مضاره أنه إضاعة للمال الَّذِي نهي عن إضاعته.
ومن مضاره اختلاط الأنساب وإفساد الأَخْلاق وأنه يفضى إلى فناء الأمة وأنه يدعو إلى الشقاق والفساد وأنه يوقع في الأمراض وينشرها ومن آثاره السيئة على البدن السيلان والسل الرئوي، والزهري والتشويش والقروح الأكالة.
ومن آثاره السيئة أنه يصرف الْقَلْب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه.
ومن ذَلِكَ أنه يعمي الْقَلْب ويطمس نوره وأنه يحقر النفس ويقمعها وأنه يسقط كرامة الإِنْسَان عَنْدَ الله وعَنْدَ خلقه وأنه يؤثر في نقصان العقل وانه يمحق بركة العمر وأنه يضعف في الْقَلْب تعَظِيم الله ومثله سائر المعاصي نسأل الله العفو والمعافاة من ذَلِكَ كله.
وَالسِّرّ في كثرة الزنا إلى هَذَا الحد موت غيرة كثير من النَّاس على نسائهم لا يبالون بهن ولا تتحرك مِنْهُمْ شعرة غيرة وحمية، يدلك على ذَلِكَ أن الرجل يرى امرأته بعينيه تتزين وتخَرَجَ من بيته إلى حيث لا يعلم ليلاً ونهارًا وتركب مَعَ أي سائق شاءت، وتدخل على أي خياط أرادت وتذهب إلى أي دكتورٍ باسم الكشف والعلاج وزوجها مشغول بدنياه لا يهتم لها تَرَى في خروجها رجالاً أجمل منه وأقوى منه وأنظف منه.
وَمِنْهُمْ الأفصح الأحلى كلامًا منه وهَذَا يحادثها وذاك يسامرها وقل -
стр. 2531
ولا تبال -: إن بَعْضهمْ يغازلها، وكثيرًا ما تمتد إليها الأيدي الخائنة فهل هِيَ حجر كلا إنها بشر وناقصة عقل ودين فقل من تقوى على الوقوف أمام شهواتها فلا تقف مخافة الله بينها وبين هيجانها الحيواني.
بل الرجل الَّذِي هُوَ أقوى منها عقلاً ودينًا لا يستطيع أن يقف أمام نَفْسهُ إذا هاجت وطلبت هَذَا الشَيْء وأصبحت تشعر بلذة لم تشعر بها في حياتها. أما البكر فواضح وأما المتزوجة فإن لذة الحلال عندها ناقصة لا تساوي لذة الحرام ولا تدانيها فإن الممنوع أحب وألذ كما قيل:
وَزَادَنِي كَلَفًا فِي الْحُبِّ أَنْ مَنَعَتْ
أَحَبُّ شَيْءٍ إِلَى الإِنْسَانِ مَا مُنِعَا ... >?
لاسيما وإبلَيْسَ يساعد عَلَيْهِ والنفس الأمارة بالسُّوء والهوى. فإذا ذاقت هذه اللذة الجديدة اشتد حرصها عَلَيْهَا كُلّ وَقْت وحينئذ تَكُون هِيَ الطالبة لا المطلوبة فتصبح تفتك بالرِّجَال فتكًا وكل رجل يزني ينكلب فيفتك النساء.
وكل امرأة يفتك بها الرجل تنكلب فتفك بالرِّجَال ويكون في هَذَا من الفساد في الأَرْض ما لا يعلم مداه إِلا الله وفي هذه الجيوش الفاسدة الجرب من الأمراض المختلفة والأوباء الكثيرة ما لا يعلم له قدر ولا حصر وباختلاطهم والحال هذه تسري أمراضهم إلى الأصحاء نسأل الله أن يعصمنا وإخواننا المسلمين منها وأن يقمَعَ أهلها والراضين بها والقادرين على إزالتها ولم يزيلوها.
стр. 2532
اللَّهُمَّ قوي إيماننا بك وبملائكتك وبكتبك وبرسلك وباليوم الآخِر وبالقدر خيره وشره اللَّهُمَّ وفقنا للهداية وجنبنا أسباب الجهالة والغواية اللَّهُمَّ ثبتنا على الإسلام والسنة ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أَنْتَ الوهاب، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين الأحياء مِنْهُمْ والمَيتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ)
إذا فهمت ذَلِكَ فاعْلَمْ أن الزنا أعاذنا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع المسلمين منه تختلف درجاته في غلظه فلَيْسَ الزنا في امرأة الكافر المحارب مثله في امرأة المعاهد ولَيْسَ هُوَ في امرأة المعاهد مثله في امرأة المسلم ولَيْسَ هُوَ في امرأة المسلم الَّذِي لَيْسَ لك بجار مثله في امرأ الجارة ولَيْسَ هُوَ في امرأة الجار مثله في امرأة الجار القريب منك وامرأة الأقرب أشد من امرأة القريب وامرأة المجاهد أشد من امرأة غيره وغير ذات الزوج لَيْسَ الزنا بها كالزنا بذات الزوج وهكَذَا تتفاوت درجاته.
وَقَالَ ابن القيم ﵀: وأعظم أنواع الزنا أن يزني بحليلة جاره فإن مفسدة الزنا تتضاعف بتضاعف ما ينتهكه من الحرمة، فالزنا بالمرأة التي لها زوج، أعظم إثمًا وعقوبة من التي لا زوج لها إذ فيه انتهاك حرمة الزوج وإفساد فراشه وتعليق نسب غيره عَلَيْهِ وغير ذَلِكَ من أنواع أذاه فهو أعظم إثمًا وجرمًا من الزنا بغير ذات البعل، فإن كَانَ زوجها جارًا له إنضاف إلى ذَلِكَ سوء الجوار.
وقَدْ ثَبِّتْ عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: «لا يدخل الْجَنَّة
стр. 2533
من لا يأمن جاره بوائقه» . ولا بائقة أعظم من الزنا بامرأته فالزنا بمائة امرأةٍ لا زوج لها أيسر عَنْدَ الله من الزنا بامرأة الجار فإن كَانَ الجار أخًا له أو قريبًا من أقاربه انضم إلى ذَلِكَ قطيعة الرحم فيتضاعف الإثُمَّ فإن كَانَ الجار غائبًا في طاعة الله كالصَّلاة وطلب العلم والجهاد تضاعف الإثُمَّ.
حتى إن الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله يوقف له يوم القيامة ويُقَالُ خذ من حسناته ما شئت قال النَّبِيّ ﷺ : «فما ظنكم» ؟ أي ما ظنكم أن يترك له من حسنات قَدْ حكم في أن يأخذ منها ما شَاءَ على شدة الحاجة إلى حسنةٍ واحدةٍ حيث لا يترك الأب لابنه ولا الصديق لصديقه حقًّا يجب عَلَيْهِ.
فإن اتفق أن تَكُون المرأة رحمًا منه إنصاف إلى ذَلِكَ قطيعة رحمها فإن اتفق أن يكون الزاني محصنًا كَانَ الإثُمَّ أعظم فإن كَانَ شيخًا كَانَ أعظم إثمًا وَهُوَ أحد الثلاثة الَّذِينَ ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أََلِيمٌ﴾ فإن اقترن بذَلِكَ وقوعه في شهرٍ حرامٍ، أو بلدٍ حرامٍ، أو وقتٍ معظمٌ عَنْدَ اللهِ كأوقات الصلواتِ وأوقات الإجابة تضاعف الإثُمَّ والعقوبة وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ وَاللهُ أَعْلَمُ وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم.
وَقَالَ ﵀: ومفسدة الزنا مناقضة لصلاح العَالِم فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها زوجها وأقاربها ونكست رؤوسهم بين النَّاس وإن حملت من الزنا، فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنا والقتل وإن أبقته حملته على الزوج فأدخلت على أهلها وأهله
стр. 2534
أجنبيًا لَيْسَ مِنْهُمْ فورثهم ولَيْسَ مِنْهُمْ ورآهم وخلا بِهُمْ وانتسب إليهم ولَيْسَ مِنْهُمْ وأما زنا الرجل فإنه يوَجَدَ اختلاط الأنساب أيضًا وإفساد المرأة المصونة وتعريضها للتلف والفساد ففي هذه الكبيرة خراب الدُّنْيَا والدين.
ومن خاصيته أنه يوجب الفقر ويقصر العمر ويكسو صاحبه سواد الوجه وثوب المقت بين النَّاس.
ومن خاصيته أيضًا أنه يشتت الْقَلْب ويمرضه ويجلب الهم والحزن والخوف ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من الشيطان فلَيْسَ بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدته ولهَذَا شرع فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها ولو بلغ الْعَبْد أن امرأته أو حرمته قتلت كَانَ أسهل عَلَيْهِ من أن يبلغه أنها زنت.
وفي الصحيحين من خطبة النَّبِيّ ﷺ في صلاة الكسوف أنه قال: «يا أمة مُحَمَّد، وَاللهِ إنه لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمدٍ، وَاللهِ لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا» ثُمَّ رفع يديه فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هل بلغت» .
وفي ذكر هذه الكبيرة بخصوصها عقب صلاة الكسوف سر بديع لمن تأمله فظهور الزنا من أمارات خراب العَالِم وَهُوَ من أشراط الساعة كما في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: لأحدثكم حديثًا لا يحدثكموه أحد بعدي سمعته من النَّبِيّ ﷺ يَقُولُ: «من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا، ويقل الرجل وتكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد وقَدْ جرت سنة الله سُبْحَانَهُ في خلقه أنه عَنْدَ ظهور الزنا يغضب
стр. 2535
الله ويشتد غضبه فَلا بُدَّ أن يؤثر غضبه في الأَرْض عقوبة» .
وخص سُبْحَانَهُ حد الزنا من بين سائر الحدود بثلاث خصائص، أحدها القتل فإنه أبشع القتلات وحيث خففه فقَدْ جمَعَ فيه بين العقوبة على البدن بالجلد وعلى الْقَلْب بتغريبه عن وطنه سنة، الثاني أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه بحيث تمنعهم من إقامة الحد عَلَيْهمْ.
الثالث: أنه سُبْحَانَهُ أمر أن يكون حدهما بمشهد من الْمُؤْمِنِين فلا يكون في خلوة حيث لا يراهما أحد وَذَلِكَ أبلغ في مصلحة الحد وحكمة الزجر.
ومن الأسباب التي ربما تَكُون سببًا إلى الوقوع في هذه المعصية خروج النساء إلى الأسواق متبرجات لسان حالهن يدعو إليهن الفسقة فخروجهن في هَذَا الزمان إلى الأسواق خطر عليهن من أكبر الأخطار فقل أن تسلم المرأة من التعرض لها إذا خرجت قولاً أو فعلاً وقَدْ يكون معها أبوها أو أخوها ولا تسلم من الاعتداء.
ومن الأسباب دخول الجانب على المرأة فإن الأجنبي إذا وقعت عينه على المرأة فأعجبته أو أعجبها كَانَ وراء ذَلِكَ الأمور التي تخشى عواقبها وأخطر الأجانب على المرأة أقارب زوجها وأقارب أبويها فَإِنَّهُمْ يترددون غالبًا وَرُبَّمَا كَانَ يجمعهم بيت واحدٌ وتَارَّة تَكُون وحدها في البيت عَنْدَ دخول أحدهم.
وفي ظِلّ ذَلِكَ التردد والتزاور والاجتماع يكون ما يكون مَعَ الدوام
стр. 2536
والاستمرار ومن الأسباب وجود الخدامين والخدامَاتَ والمربيات والسواقين والطباخين والخيطاطين والخياطات ونحو ذَلِكَ.
ومن الأسباب تأخَيْر من بلغ من الشابات والشبان فإنه بمجرد بلوغه تهيج عَلَيْهِ الشهوة هيجان النيران فإذا لم يكن بجانبه حلال يطفئ ذَلِكَ الهيجان رما أطفأه بما يعقب له العار في الدُّنْيَا ويعقبه في الآخِرَة إن لم يتب النار.
ومن تلك الأسباب اعوجاج الأزواج وخيانتهم بالاتصال بغيرهن على غير الوجه الشرعي فإن المرأة إذا علمت أن زوجها أصبح لغيرها أصبحت لغيره مقلدة له في ذَلِكَ ومتبعة لطريقته فسفلت فباعت عرضها تسفلاً منها وانتقامًا من زوجها الَّذِي فتح أمامها باب الإثُمَّ وسار أمامها في مهاوي الخطيئة والمرأة غالبًا على دين زوجها، أفلا يكون هَذَا الرجل هُوَ الفاسق الآثُمَّ لأنه الَّذِي سن لها هذه السنة السيئة ومن سن سنة سيئة فعَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة وَرُبَّمَا كَانَ مثالاً سيئًا يقتدى به في ذَلِكَ وَرُبَّمَا قلدته بناته وأولاده وأخواته وقديمًا قيل في الزوجة.
... لا تَطّلِعْ مِنْكَ عَلَى رَيْبَةٍ
فَيَتْبَعُ الْمَقْرُونُ حَبْلَ الْقَرِينِ ... >?
آخر: ... وَلا تَجْلِسْ إِلَى أَهْلِ الدَّنَايَا ... فَإِنَّ خَلائِقَ الْفُسَّاقِ تُعْدِي
وروى القاسم بن بشير في أماليه وابن عدي عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: عفوا تعف نساؤكم» . وروى ابن ماجة بإسناد حسن عن ابن عباس ﵄ عن النَّبِيّ ﷺ قال: «من ستر عورة أخيه ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة
стр. 2537
أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها» . قال بَعْضهمْ:
يَا هَاتِكًا حَرَمَ الرِّجَالِ وَتَابِعًا
طُرُقَ الْفَنَادِ فَأَنْتَ غَيْرُ مُكَرَّمِ
مَنْ يَزْنِ فِي قَوْمٍ بِأَلْفَيْ دِرْهَمْ
فِي أَهْلِهِ يُزْنَى بِرُبْعِ الدِّرْهَمِ
إِنَّ الزِّنَا دِينٌ إِذَا اسْتَقْرَضْتَهُ
كَانَ الْوَفَاءُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ فَاعْلَمِ ... >?
وإنه لينذر جدًا أن تَرَى فاجرًا من بيت عفيف أو عفيفًا من بيتٍ فاجر وإن وَجَدَ ذَلِكَ على ندرته فَلا بُدَّ وَاللهُ أَعْلَمُ أن يكون من تأثير بيئة أخرى غير بيئة المنزل التي هِيَ المزرعة الأولى لبذور الأَخْلاق.
شِعْرًا: ... أَرَى صَاحِبَ النِّسْوَانِ يَحْسَبُ أَنَّهَا ... سَوَاءٌ وَبُونٌ بَيْنَهُنَّ بَعِيدُ
فَمِنْهُنَّ جَنَّاتٌ يَفِيءُ ضَلالُهَا ... وَمِنْهُنَّ نِيْرَاةٌ لَهُنَّ وَقُودُ
آخر: ... بَعْضُ النِّسَاءِ وَإِنْ عُرِفْنَ بِعِفَّمةٍ ... جِيَفٌ عَلَيْهِنَّ النُّسُورُ الْحُوَّمُ
اليوم عِنْدَكَ جِيدُهَا وَحَدِيثُهَا ... وَغَدًا لِغَيْرِكَ عَطْفُهَا وَالْمُعْصَمُ
كَالْخَانِ تَنْزِلُهُ وَتَصْبِحُ رَاحِلاً ... عَنْهُ وَيَنْزِلُ فِيهَا مَنْ لا يَعْلَمُ
وأولى النَّاس بالعفة والحرص على التحلي بفضيلتها والابتعاد عن مواقع الريب هم الْعُلَمَاء والعظماء لأنهم قدوة يقتدى بِهُمْ.
أقوالهم مأثورة، وأفعالهم منظورة، وهفواتهم عظائم، وزلاتهم من أكبر الجرائم فعَلَيْهمْ أن يعرفوا أقدار أنفسهم ويقدروا لها موضعها من الكرامة.
стр. 2538
أَدْرِكُوا الْعِلْمَ وَصُونُوا أَهْلَهُ ... عَنْ ظَلُومٍ حَادَ عَنْ تَبْجِيلِهِ
إِنَّمَا يَعْرِفُ قَدْرَ الْعِلْمِ مَنْ ... سَهِرَتَ عَيْنَاهُ فِي تَحْصِيلِهِ
آخر: ... يَا خَائِفَ الْمَوْتِ لَو أَمْسَيْتَ خائِفَهُ
كانت دُمُوعُكَ طُولَ الدَّهْرِ تَنْبَجِسُ
أَمَا يَهُولُكَ يَومٌ لا دِفَاعَ لَهُ
إِذْ أَنْتَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ مُنْغَمِسُ
أَمَا تَهُولُكَ كَأسٌ أَنْتَ شارِبُها
وَالْعَقْلُ مِنْكَ لِكُوبِ الْمَوْتِ مُلْتَبِسُ
لِلْمَوْتِ مَا تَلِدُ الأَقْوَامُ كُلُّهُمْ
وَلِلْبِلَى كُلُّ مَا بَنُوا وَمَا غَرَسُوا
إِيّاكَ إِيّاكَ وَالدُّنْيَا وَلَذَّتَها
فَالْمَوتُ فِيهَا لِخَلْقِ اللهِ مُفْتَرِسُ
إِنَّ الْخَلائِقَ فِي الدُّنْيَا لَوِ اجتَهَدوا
أَنْ يَحبِسُوا عَنْكَ هَذَا الْمَوْتَ ما حَبَسُوا
إِنَّ الْمَنِيَّةَ حَوْضٌ أَنْتَ تَكرَهُهُ
وَأَنْتَ عَمّا قَليلِ سَوْفَ تَنغَمِسُ
ما لي رَأَيتُ بَني الدُّنْيَا قَدِ اِفتَتَنوا
كَأَنَّمَا هَذِهِ الدُّنْيَا لَهُمْ عُرُسُ
إِذَا وَصَفْتُ لَهُم دُنْيَاهُمُ ضَحِكوا
وَإِن وَصَفْتُ لَهُمْ أُخْرَاهُمُ عَبَسُوا
مَا لِي رَأَيْتُ بَنِي الدُّنْيَا وَإِخْوَتِهَا
كَأَنَّهُم لِكِتَابِ اللهِ مَا دَرَسُوا ... >?
стр. 2539
اللَّهُمَّ وفقنا لسلوك مناهج المتقين وخصنا بالتَّوْفِيق المبين وَاجْعَلْنَا بِفَضْلِكَ من المخلصين الَّذِينَ لا خوف عَلَيْهمْ ولا هم يحزنون.
اللَّهُمَّ وفقنا للعمل بما يرضيك وجنبنا أسباب سخطك ومعاصيك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
فصل في إثُمَّ فاحشة اللواط
اعْلَمْ وفقنا الله وَإِيَّاكَ لما يحبه ويرضاه وجنبنا وَإِيَّاكَ ما يكرهه ولا يرضاه أن اللواط رذيلة من أسوء الرذائل وخصلة من شر الخصال التي لا تليق بالإِنْسَان فإن الله خلق الإِنْسَان من ذكر وأنثى وجعل الأنثى محلاً لِقَضَاءِ الشهوة ومَكَانًا لذَلِكَ الْعَمَل الْخَاص فهو مسوق بفطرته إلى ذَلِكَ المعنى.
واللواط - أعاذنا الله وَإِيَّاكَ منه - خروج عن ذَلِكَ، واعتداءٌ صريح على الطبيعة التي ركبها الله وَذَلِكَ شر وبيل وفساد كبير وفيه عار الزنا وإثمه وعقابه بل هُوَ أشد عارًا أعظم إجرامًا ونَحْنُ بالبداهة ندرك أن عار امرأة يزنى بها لَيْسَ كعار رجل يلاط به كما أن احتقارنا وبغضنا إياها مهما كَانَ شديدًا أخف على كُلّ حال من نفرتنا من اللوطي ومقتنا له.
والسبب في هَذَا أن الزنا وإن خالف مقتضى الشرعة لم يخالف مقتضى الطبيعة التي ركبها الله في الإِنْسَان بخلاف اللواط فقَدْ خالف مقتضى الشريعة والطبيعة معًا. وقَدْ أجمَعَ أَهْل العلم على تحريم اللواط وقَدْ ذمه الله تَعَالَى في كتابه وعاب من فعله وذمه رسول الله ﷺ .
قال الله تَعَالَى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾
стр. 2540
وفي قصة قوم لوط يبدو انحراف الفطرة واضحًا حتى لأن لوطًا ليجيبهم بأنهم بدع دون خلق الله فيها وأنهم في هَذَا الانحراف الشنيع غير مسبوقين.
قال عمرو بن دينار في قوله تَعَالَى: ﴿مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال: ما نزل ذكر على ذكر حتى كَانَ قوم لوط. وَقَالَ الوليد ابن عبد الملك لولا أن الله قص عَلَيْنَا خبر قوم لوط ما ظننت أن ذكرًا يعلو ذكرًا.
وعجب أن نرى تلك العادة الشائنة القبيحة تنتقل من أولئك الأَشْرَار الَّذِينَ خسف الله بِهُمْ إلى غيرهم من النوع الإنساني مَعَ إنها لم تكد توَجَدَ في الحيوانات الأخرى فإنك لا تكاد تجد حيوانَا من الذكور يأتي ذكرًا مثله اللَّهُمَّ إِلا قليلاً نادرًا كبعض الحمر الأهلية وإلى ذَلِكَ تشير الآيَة الكريمة فإنه تَعَالَى يَقُولُ لَهُمْ: إن تلك الفاحشة لم يسبقكم بها أحد من العالمين والعَالِم كُلّ ما سِوَى الله فيشمل الإِنْسَان والْحَيَوَان قال في كتاب الأَخْلاق الدينية.
وإذا كَانَ الإِنْسَان تسوقه شهوته إلى أن يفعل ما تأباه نفوس الحيوانات العجماء فماذا يكون حاله أليس من أكبر المصائب أن تنحط درجة الإِنْسَان في شهوة الفرج عن درجة الْحَيَوَان.
اللَّهُمَّ إن في ذَلِكَ من الخزي والعار ما لا تطيقه النُّفُوس الكريمة ولا تحتمله الطباع السليمة فلو لم يكن في رذيلة اللواط سِوَى ذَلِكَ لكفى بها ذمًا يصرف النَّاس عَنْهَا ويزهدهم فيها ولكنها فوق ذَلِكَ يترتب عَلَيْهَا من المضار والمفاسد ما يؤذي المجتمَعَ الإنساني.
وإليك البيان. أولاً: إذا فشت تلك العادة في أمة من الأمم وأصبحت
стр. 2541
داء خلقيًّا فيها لا تلبث أن تتعرض للفناء بانقراض نسلها ولو بعد حين لأن الرِّجَال فيها تنصرف عن النساء، فيقل النسل تدريجيًا وتنقرض الأمة فِي وَقْت ما.
ثانيًا: أنم اللائط يستغني بالذكر عن المرأة فإن كَانَ متزوجًا يهمل زوجته، فيعرضها للخنا والفساد، وإن كَانَ أعزب، لم يفكر في الحصول على زواج وإذا عمت اللواطية أمة استغنت رجالها عن نسائها وأصبحت النساء ضائعات لا يجدن موئلاً ولا يظفرن بمعين يرحم ضعفهن وفي ذَلِكَ من الخطر الاجتماعي والعمراني ما فيه.
وَقَالَ: فداء اللواطية ماله الانصراف عن النساء ومَعَ ذَلِكَ فإن إتيان النساء في غير محل الولادة عادة مرذولة يترتب عَلَيْهَا ضياع النسل كما قدمنا.
ثالثًا: أن اللائط لا يبالي أن يستهوي الأحداث الَّذِينَ لا يدركون العار ولا يعرفون الفضيحة فيمرنهم على فساد الأَخْلاق ويولد عندهم ذَلِكَ الداء فإذا ما بلغوا حد الرجولة وجدوا أنفسهم منغمسين في الرذيلة فيضيع الحياء من وجوههم ولا يبالون بارتكاب الجرائم الأخلاقية، ولا يتعففون عن المحرمَاتَ الدنيئة ويكون ذَلِكَ الوزر في عنق اللائط الَّذِي عمل على إفساد أخلاقهم وكَانَ سببًا في انتزاع ماء الحياء من وجوههم وَذَلِكَ عَظِيم عَنْدَ الله تَعَالَى ومن يفعله يضاعف له الْعَذَاب يوم القيامة لأن عَلَيْهِ ورزين وزر ذَلِكَ الْعَمَل الشائن ووزر إفساد الغلام الَّذِي لم يكلف لتلك الشهوة الفاسدة التي تخلف وراءها ذَلِكَ البَلاء المبين. أ. هـ. وَاللهُ أَعْلَمُ وصلى.
اللَّهُمَّ يا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أيقظنا من نوم الغَفْلَة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة ووفقنا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عَلَيْهِ ضمائرنا وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعائب التي تعلمها منا وأمنن عَلَيْنَا يا مولانَا بتوبة تمحو بها عنا كُلّ ذنب وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا
стр. 2542
وَلِجَمِيعِ المُسْلمين الأحياء مِنْهُمْ والمَيتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
فَصْلٌ: والدَلِيل من السنة على تحريم اللواط وعظم جرمه وعقوبة فاعله قوله ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» . رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي.
عَنْ جَابِرِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ» . رواه ابن ماجة والترمذي وَقَالَ: حديث حسن غريب والحاكم وَقَالَ: صحيح الإسناد وَقَالَ ﷺ : «لعن الله من عمل عمل قوم لوط لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط» . رواه النسائي وعن ابن عباس ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال: لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً، أو امرأة في دبرها» . رواه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه، ومِمَّا جَاءَ في إتيان النساء في أدبارهن ما يلي.
وعن عَبْد اللهِ بن عمرو ﵄ أن النَّبِيّ ﷺ قال: «هِيَ اللوطية الصغرى يعني الرجل يأتي امرأته في دبرها. وعن عمر ﵁ قال: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «اسْتَحْيُوا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنْ الْحَقِّ لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ» . رواه أَحَمَد والبزار ورجالهما رِجَال الصحيح.
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: عشر خصال من أعمال قوم لوط: تصفيف الشعر، وحل الإزار، ورمي البندق، والخذف بالحصا، واللعب بالحمام الطيارة، والصفير بالأصابع، وفرقعة الأكعب، وإسبال الإزار، وحل أزر الأقبية، وإدمان شرب الخمر، وإتيان الذكور وستزيد
стр. 2543
عَلَيْهَا هذه الأمة مساحقة النساء في أدبارهن» . رواه أبو يعلى بإسناد جيد وروي عن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ثلاثة لا تقبل لَهُمْ شهادة أن لا إله إِلا الله: الراكب والمركوب، والراكبة والمركوبة، والإمام الجائر» . حديث غريب جدًا رواه الطبراني في الأوسط. وعن جابر رض الله عَنْهُ أن النَّبِيّ ﷺ نهى عن محاش النساء. رواه الطبراني في الأوسط ورواته ثقات. وروى ابن ماجة والبيهقي كلاهما عن الحارث بن مخلدة عن أَبِي هُرَيْرَةِ عن النَّبِيّ ﷺ قال: «لا ينظر الله إلى رجل جامَعَ امرأة في دبرها» . وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ملعون من أتى امرأة في دبرها» . رواه أَحَمَد وَأَبُو دَاود وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أتى حائضًا، أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فصدقه كفر بما أنزل على مُحَمَّد ﷺ » . وعن مجاهد عن أَبِي هُرَيْرَةِ قال: من أتى صبيًا فقَدْ كفر.
وروي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «من مَاتَ من أمتي يعمل عمل قوم لوط نقله الله تَعَالَى إليهم حتى يحشره معهم» . وخَرَجَ الطبراني من حديث جابر ﵁ عن النَّبِيّ ﷺ قال فيه: «وإذا كثر اللواطية رفع الله يده عن الخلق، فلا يبالي في أي وادٍ هلكوا» . وَاللهُ أَعْلَمُ وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم.
(فَصْلٌ)
ولما كانت فاحشة اللواط شأنها في القبح كما ذكر اختلف أئمة الإسلام في عقوبتها لمن ثبتت عَلَيْهِ فَقَالَ قوم: إنها كالزنا تمامًا أي يرجم فيها المحصن، ويجلد غيره مائة جلدةٍ ويغرب. وَقَالَ آخرون: يرجم
стр. 2544
الفاعل والمفعول به على أي حال كَانُوا عملاً بالْحَدِيث المتقدم قوله ﷺ : «فاقتلوا الفاعل والمفعول به» .
قال ابن القيم ﵀ وقَدْ أطبق أصحاب رسول الله ﷺ على قتله لم يختلف فيه مِنْهُمْ رجلان وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله.
ومن تأمل قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ ، وقوله في اللواط: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ﴾ تبين له تفاوت ما بينهما فإنه سُبْحَانَهُ نكر الفاحشة في الزنا أي هُوَ فاحشة من الفواحش وعرفها في اللواط، وَذَلِكَ يفيد انه جامَعَ لمعاني اسم الفاحشة كما تَقُول: زيد الرجل، ونعم الرجل زيد، أي: أتأتون الخصلة التي استقر فحشها عَنْدَ كُلّ أحد فهي لظهور فحشها وكماله غنية عن ذكرها بحيث لا ينصرف الاسم إلى غيرها، ثُمَّ أكد سُبْحَانَهُ شأن فحشها بأنها لم يعملها أحد من العالمين قبلهم ﴿مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ﴾ .
ثُمَّ زَادَ في التأكيد بأن صرح بما تشمئز منه القُلُوب وتنبو عَنْهُ الأسماع وتنفر منه أشد النفور وَهُوَ إتيان الرجل رجلاً مثله ينكحه كما ينكح الأنثى فَقَالَ: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال﴾ ثُمَّ نبه على استغنائهم عن ذَلِكَ.
وأن الحامل لَهُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ إِلا مجرد الشهوة لا الحاجة التي لأجلها مال الذكر إلى الأنثى من قضاء الوطر ولذة الاستمتاع وحصول الْمَوَدَّة والرحمة التي تنسى المرأة لها أبويها وتذكر بعلها، وحصول النسل الَّذِي هُوَ حفظ هَذَا النوع الَّذِي هُوَ أشرف المخلوقات وتحصين المرأة.
وقضاء الوطر وحصول علاقة المصاهرة التي هِيَ أخت النسب وقيام الرجل على النساء وخروج أحب الخلق إِلَى اللهِ من جماعهن
стр. 2545
كالأنبياء والأَوْلِيَاء والْمُؤْمِنِين ومكاثرة النَّبِيّ ﷺ الأنبياء بأمته إلى غير ذَلِكَ من مصالح النكاح.
والمفسدة التي في اللواط تقاوم ذَلِكَ كله وترَبِّي عَلَيْهِ بما لا يمكن حصر فساده ولا يعلم تفصيله إِلا الله ثُمَّ أكد سُبْحَانَهُ قبح ذَلِكَ بأن اللواطية عكسوا فطرة الله التي فطر الله عَلَيْهَا الرِّجَال وقلبوا الطبيعة التي ركبها الله في الذكور وهي شهوة النساء دون الذكور فقلبوا الأَمْر وعكسوا الفطرة والطبيعة فأتوا الرِّجَال شهوة من دون النساء.
ولهَذَا قلب الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهمْ ديارهم فجعل عإليها سافلها، وكَذَلِكَ قلبوا هم ونكسوا في الْعَذَاب على رؤوسهم ثُمَّ أكد سُبْحَانَهُ قبح ذَلِكَ بأن حكم عَلَيْهمْ بالإسراف وَهُوَ مجاوزة الحد فَقَالَ: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ فتأمل هل جَاءَ مثل ذَلِكَ أو قريب منه في الزنا؟ .
وأكد سُبْحَانَهُ عَلَيْهمْ بقوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ ثُمَّ أكد سُبْحَانَهُ عَلَيْهمْ الذم بوصفين في غاية القبح فَقَالَ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ وسماهم مفسدين في قول نبيهم: ﴿قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ وسماهم ظالمين في قول الملائكة لإبراهيم ﵇: ﴿أَنَا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ فتأمل من عوقب بمثل هذه العقوبات ومن ذمه الله بمثل هذه المذمَاتَ ولما جادل فيهم خليله إبراهيم الملائكة وقَدْ أخبروه بإهلاكهم قيل له: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ .
стр. 2546
شِعْرًا: ... وَكُن ناصِحًا لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعِهِمْ
بِإِرْشَادِهِمْ لَلْحَقِّ عِنْدَ خَفَائِهِ
وَمُرْهُم بِمَعْرُوفِ الشَّرِيعَةِ وَاِنْهِهِمْ
عَنِ السُّوءِ وَاِزْجُر ذَا الْخَنَا عَن خَنائِهِ
وَعِظْهُمْ بِآيَاتِ الإِلَهِ بِحِكْمَةٍ
لَعَلَّكَ تُبْرِي دَاءَهُمُ بِدَوَائِهِ
فَإِنْ يَهْدِي مَوْلانَا بِوَعْظِكَ وَاحِدًا
تَنَلْ مِنْهُ يَوْمَ الْحَشْرِ خَيْرِ عَطَائِهِ
وَإِلا فَقَدْ أَدَّيْتُ مَا كَانَ وَاجِبًا
عَلَيْكَ وَمَا مَلَكْتَ أَمْرَ اِهْتِدَائِهِ ... >?
اللَّهُمَّ اجعلنا من حزبك المفلحين وعبادك الصالحين الَّذِينَ أهلتهم لخدمتك وجعلتهم ممن قبلت أعماله يارب العالمين وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
موعظة
عباد الله ذنب اللواط من أعظم الذُّنُوب يغضب رب العباد إنها لفاحشة يضيق بها الفضا وتعج لها السماء ويحل بها البَلاء فكشف حال، وسوء مآل، وداء عضال، وقبح أفعال وعيب دونه سائر العيوب، عيب تموت به الفضيلة وتحيا به الرذيلة وتتفتت على أهلها الأكباد، وتذوب من أجلها حياة القُلُوب، فعمل مسبوب، ووضع مقُلُوب، وفاعل ملعون، ومفعول به عَلَيْهِ مغضوب، وخلق فاسد، وشرف مسلوب، وعرض ممزق، وكرامة معدومة، وزهري، وجرب ذو ألوان، وقذر وأنتان، ووساخة دونها كُلّ وساخة، اللَّهُمَّ إن في هذه
стр. 2547
الفعلة الشنيعة من الخزي والعار ما لا تطيقه الطباع السليمة، كانت أمة قديم عصرها، باق ذكرها، كثير شرها تسكن بين الحجاز والشام، ترتكب هذه الفاحشة الشنيعة والجريمة الفظيعة علنًا في نواديهم ويذرون ما خلق الله من أزواج، ولا يبالون بمن يعتب عَلَيْهمْ ويشنع عَلَيْهمْ ولا يخافون لومة اللوام، فبعث الله إليهم لوطًا عَلَيْهِ وعلى نبينا أفضل الصَّلاة والسَّلام فدعاهم إلى التَّوْحِيد، وترك عبادة الأصنام وحذرهم من فعل فاحشة اللواط وبالغ في إنذارهم وتحذيرهم، وكَانَ الجزاء والجواب مِنْهُمْ على هذه النَّصِيحَة أن قَالُوا: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ومقصود هؤلاء الأشقياء بهَذَا الوصف السخرية والتهكم بلوط ومن معه، وهَذَا كما يقوله الفساق والمرجة المعاصرون لبعض الصلحاء إذا أنكروا عَلَيْهمْ ووعظوهم، أخرجوا عنا هذا المتدين، أو هَذَا المتزهد، وهَذَا برهان واضح على أن قُلُوبهمْ ممتلئة من الحقَدْ والحسد والغيظ على الْمُؤْمِنِين فليموتوا بغيظهم ولله در القائل:
... إِذَا بَعُدَ الْعُنْقُودُ عَنْهُ وَلَمْ يَصِلْ ... إليه بِوَجْهٍ قَالَ مُرٌّ وَحَامِضُ
وَيَقُولُ الآخر:
دَعِ الْحَسُودَ وَمَا يَلْقَاهُ مِنْ كَمَدٍ ... كَفَاكَ مِنْهُ لَهِيبُ النَّارِ فِي كَبِدِهْ
إِنْ لُمْتَ ذَا حَسَدِ نَفَّسْتَ كُرْبَتَهُ ... وَإِنْ سَكَتَّ فَقَدْ عَذَّبْتَهُ بِيَدِهْ
آخر: ... ضَارِي الطِّبَاعِ سُرُورُ النَّاسِ يُحْزِنُهُ ... وَلا انْشِرَاحَ لَهُ إِلا إِذَا آذَى
آخر: ... فَدْمٌ يَذُمُّ فُنُونَ الْعِلْمِ مُحْتَقِرًا ... بِهَا وَمِنْ جَهْلِ الأَشْيَاءِ عَادَاهَا
стр. 2548
آخر: ... أَصَمَّكَ سُوءُ فَهْمِكَ عَنْ خِطَابِي ... وَأَعْمَاكَ الضَّلالُ عَنْ اهْتِدَائِي
قال الله ﵎: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} .
وَقَالَ آخر:
وَلا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ
بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ ... >?
فقلبت مدينتهم أي قوم لوط واتبعوا بحجارة من سجيل مسومة عَنْدَ الله للمسرفين أيها المسلم أتدري لماذا ذكر الله أخبارهم في كتابه العَظِيم وعلى لسان نبيه الكريم إنه وَاللهُ أَعْلَمُ لنعتبر بما أصابهم، ونحذر كُلّ الحذر ما كَانُوا عَلَيْهِ من سوء الحال، وقبح الفعال، قال الله تَعَالَى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ سبحان الله كيف يقع ذكر على ذكر وَهُوَ يعلم أن الله جَلَّ وَعَلا يراه وقَدْ نهاه ويعلم ما في ذَلِكَ من مخالفة العقل والدين، وما فيه من مرض خطير، وشر مستطير، وخزي وعار، هَذَا بالحَقِيقَة فعل تترفع عَنْهُ طباع الكلاب. والبغال والحمير، بل والقردة والخنازير، وما ظهر اللواط في أمة إِلا أذلت وأخزيت، وسلب عزها، وإذا أرادها الله إهلاك قرية فسق فيها المترفون فاستحقت الخراب والدمار، قال الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ فانتبهوا أيها الإِخْوَان وتناصحوا واحفظوا أولادكم واعلموا أنكم مسئولون عنهم وعن همالكم لَهُمْ احرصوا عَلَيْهمْ فوق حرصكم على أموالكم لعلكم تنجوا من التبعات وتسلموا من العقوبات جعلنا الله وإياكم ممن إذا خوف بِاللهِ ندم وخاف
стр. 2549
ورزقنا وإياكم من الإنابة والإنصاف ما يلحقنا بصالح الأسلاف وغفر لَنَا وَلَكُمْ وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ)
وتأمل خبث اللواطية وفرط تمردهم على الله حيث جاءوا نبيهم لوطًا لما سمعوا بأنه قَدْ طرقه أضياف هم من حسن البشر صوروا فأقبل اللواطية إليه يهرعون، فلم رآهم قال لَهُمْ: ﴿يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ ففدى أضيافه ببناته يزوجهم بهنَّ خوفًا على نَفْسهُ وعلى أضيافه من العار الشديد.
فَقَالَ: ﴿يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أليس مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ فردوا عَلَيْهِ ولكن رد جبار عنيد ﴿قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ فنفث نَبِيّ اللهِ نفثة مصدور خرجت من قلب مكروب، فَقَالَ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ .
فكشف له رسل الله عن حَقِيقَة الحال وأعلموه أنهم ممن لَيْسَ يوصل إليهم ولا إليه بسببهم فلا تخف مِنْهُمْ ولا تعبأ بِهُمْ وهون عَلَيْكَ، فَقَالُوا: ﴿يَا لُوطُ أَنَا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إليك﴾ وبشروه بما جاءوا به من الوعد له، ومن الوعد المصيب لقومه فَقَالُوا: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ فاستبطأ نَبِيّ اللهِ ﵇ موعد هلاكهم، وَقَالَ: أريد أعجل من هَذَا فقَالَتْ الملائكة: ﴿أليس الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ .
стр. 2550
فوَاللهِ ما كَانَ بين إهلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه إِلا ما بين السحر وطلوع الفجر وإذا بديارهم قَدْ اقتلعت من أصولها ورفعت نحو السماء حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب ونهيق الحمير، فبرز المرسوم الَّذِي لا يرد، من عَنْدَ الرب الجليل، على يدي عبده ورسوله جبريل بأن يقلبها عَلَيْهمْ، كما أخبر به في محكم التنزيل.
فَقَالَ من قائل: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَإليها سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً} فجعلهم آية للعالمين وموعظة للمتقين ونكالاً وسلفًا لمن شاركها في أعمالهم من المجرمين وجعل ديارهم بطَرِيق السالكين {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ} أخذوا على غرة وهم نائمون، وجاءهم بأسه وهم في سكرتهم يعمهون فما أغنى عنهم ما كَانُوا يكسبون تقلبوا على تلك اللذات طويلاً فأصبحوا بها يعذبون.
... مَآرِبَ كَانَتْ فِي الْحَيَاةِ لأَهْلِهَا
مَآرِبَ كَانَتْ فِي الْحَيَاةِ لأَهْلِهَا ... >?
ذهبت اللذات وأعقبت الحسرات وانقضت الشهوات وأورثت الحسرات تمتعوا قليلاً وعذبوا طويلاً رتعوا مرتعًا وخيمًا فأعقبهم عذابًا أليمًا أسكرتهم خمرة تلك الشهوات فما استفاقوا منها إِلا وَهُوَ في منازل الهالكين فندموا وَاللهِ أشد الندامة حين لا ينفع الندم وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم فلو رَأَيْت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة والنار تخَرَجَ من منافذ وجوههم وأبدانهم وهم بين أطباق الجحيم، وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم، ويُقَالُ لَهُمْ وهم على وجوههم يسحبون ﴿ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ، ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاء عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ولَقَدْ قرب سبحانه
стр. 2551
مسافة الْعَذَاب بين هذه الأمة وبين إخوانهم في الْعَمَل، فَقَالَ مخوفًا لَهُمْ {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} . انتهى.
ومن الأسباب التي ربما تَكُون سببًا إلى هذه المعصية النظر إلى الأمرد، فعلى الإِنْسَان أن يمنع نَفْسهُ من ذَلِكَ، فقَدْ صح عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: «زنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، وزنا اليد لبطش، وزنا الرجل الخطا، وزنا الأذن الاستماع، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذَلِكَ أو يكذبه» . ولأجل ذَلِكَ بالغ الصالحون في الأعراض عن المردان وعن النظر إليهم وعن مخاطبتهم وعن مجالستهم قال الحسن بن ذكوان: لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لَهُمْ صورًا كصور العذارى فهم أشد فتنة من النساء. وَقَالَ بعض التابعين: ما أَنَا بأخوف على الشاب الناسك مَعَ سبعٍ ضارٍ من الغلام الأمرد يقعد إليه وكَانَ يقال: لا يبيتن رجل مَعَ أمرد في مكَانَ واحد وحرم قياسًا على المرأة لأن النَّبِيّ ﷺ قال: «ما خلا رجل بامرأة إِلا كَانَ الشيطان ثالثهما» . وفي المردان من يفوق النساء بحسنه فالفتنة به أعظم وانه يمكن في حقه من الشر ما لا يمكن في حق النساء ويسهل في حقه من طَرِيق الريبة والشر ما لا يتسهل في حق المرأة، فهو بالتحريم أولى، وأقوال السَّلَف في التنفير مِنْهُمْ والتحذير من رؤيتهم أكثر من أن تحصر.
شِعْرًا:
... صُنِ الْحُسْنَ بِالتَّقْوَى وَإِلا فَيَذْهَبُ
فَنُورُ التُّقَى يَكْسُو جَمَالاً وَيَكْسِبُ
وَمَا يَنْفَعُ الْوَجْهَ الْجَمِيلَ جَمَاله
وَلَيْسَ لَهُ فِعْلٌ جَمِيلٌ مُهَذَّبُ ... >?
стр. 2552
.. فَيَا حَسَنَ الْوَجْهِ اتَّقِ اللهَ إِنْ تُرِدْ
دَوَامَ جَمَالٍ لَيْسَ يَفْنَى وَيَذْهَبُ
يَزِيدُ التُّقَى ذَا الْحُسْنِ حُسْنًا وَبَهْجَة
وَأَمَّا الْمَعَاصِي فَهِيَ لِلْحُسْنِ تَسْلِبُ
وَتَكْسِفُ نُورَ الْوَجْهِ بَعْدَ بَهَائِهِ
وَتَكْسُوهُ قُبْحًا ثُمَّ لِلْقَلْبِ تَقْلِبُ
فَسَارِعْ إِلَى التَّقْوَى هُنَا تَجِدِ الْهَنَا
غَدًا فِي صَفَا عَيْشٍ يَدُومُ وَيَعْذُبُ
فَمَا بَعْدَ ذِي الدُّنْيَا سِوَى جَثَّةٍ بِهَا
نَعِيمٌ مُقِيمٌ أَوْ لَظَى تَتَلَهَّبُ ... >?
وَاللهُ أَعْلَمُ وصلى الله على مُحَمَّد وآله وسلم.
موعظة روى أبو الدرداء ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تفرغوا من الدُّنْيَا، فإنه من كانت الدُّنْيَا أكبر همه، فرق الله عَلَيْهِ أمره وجعل فقره بين عينيه ومن كانت الآخِرَة أكبر همه جمَعَ الله له أموره وجعل غناه في قَلْبهُ وما أقبل عبد بقَلْبهُ إِلَى اللهِ إِلا جعل الله قُلُوب الْمُؤْمِنِين تفد إليه بالود والرحمة وكَانَ الله إليه بكل خَيْر أسرع» . ولما دخل أبو الدرداء الشام قال: يا أَهْل الشام اسمعوا قول أخٍ ناصحٍ فاجتمعوا إليه فَقَالَ: ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون وتؤملون ما لا تدركون إن الَّذِينَ كَانُوا قبلكم بنوا مشيدًا وأملوا بعيدًا وجمعوا عتيدًا فأصبح أملهم غرورًا ومساكنهم قبورًا. وَقَالَ بَعْضهمْ:
... أَجِدّكَ مَا الدُّنْيَا وَمَاذَا نَعِيمُهَا ... وَهَلْ هِيَ إِلا جَمْرَةٌ تَتَوَقَّدُ
لَعمرِي لَقَدْ شَاهَدْتُ فِيهَا عَجَائِبًا ... وَصَاحِبْنِي فِيهَا مَسْودٌ وَسَيِّدُ
رَأَيْتُ بِهَا أَهْلُ الْمَوَاهِبِ مَرَّةً ... وَقَدْ طَابَ عَيْشٌ وَالسُّرُورُ يُجَدَّدُ
стр. 2553
فَمَا رَاعَهمُ إِلا الرَّزَايَا ثَوَابِتٌ ... عَلَيْهِمْ وَقَامَتْ فِي أَذَاهُمْ تُحَشِّدُ
وَأَسْقَتْهُمُوا كَأْسًا مِن الذُّلِ مُتْرَعًا ... وَكَانَ لَهُمْ فَوْقَ السَّمَاكِينِ مَقْعَدُ
وَدَانَتْ لِمَنْ نَاوَاهُمُ بَعْضَ بُرْهَةٍ ... عَلَى نَكَدٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ يُجَدَّدُ
آخر: ... أَأمل أن أخلد والْمَنَايَا ... تدور علي من كُلّ النواحي
وما أدري وإن أمسيت يومًا ... لعلي لا أعيش إلى الصباح
إن كُلّ يوم يمر بكم يحمل ما ثَبِّتْ فيه من خَيْر أو شر يمضي فلا يعود أبدًا فإن قدرتم أن تحظوا كُلّ يوم بمكرمةٍ وتثبتوا فيه حسنةً فلا تؤخروا فإن الأيام صحائف فخلدوا فيها الجميل فقَدْ رأيتم حفظها لما استودعت من المحامد والمحاسن والمكارم في قديم الدهر وحديثه.
شِعْرًا:
لَيْسَ الغَريبُ غَريبَ الشَّامِ واليمَنِ
إِنَّ الغَريبَ غَريبُ اللَّحدِ والكَفَنِ
تَمُرُّ ساعاتُ أَيَّامي بِلا نَدَمٍ
ولا بُكاءٍ وَلا خَوْفٍ ولا حَزَنِ
سَفَري بَعيدٌ وَزادي لا يُبَلِّغَني
سَفَري بَعيدٌ وَزادي لا يُبَلِّغَني
مَا أَحْلَمَ اللهَ عَني حَيْثُ أَمْهَلَني
وقَدْ تَمادَيْتُ في ذَنْبي ويَسْتُرُنِي
أَنَا الَّذِي أُغْلِقُ الأَبْوابَ مُجْتَهِداً
عَلى المعاصِي وَعَيْنُ اللهِ تَنْظُرُني
يَا زَلَّةً كُتِبَتْ يَا غَفْلَةٍ ذَهَبَتْ
يَا حَسْرَةً بَقِيَتْ في القَلبِ تَقْتُلْنِي ... >?
стр. 2554
ج
... دَعْ عَنْكَ عَذْلِي يا مَنْ كَانَ يَعْذِلُنِي
لَوْ كُنْتَ تَعْلَمْ مَا بِي كُنْتُ تَعْذُرُنِي
دَعْني أَنُوحُ عَلى نَفْسي وَأَنْدِبُها
دَعْني أَنُوحُ عَلى نَفْسي وَأَنْدِبُها
دَعْنِي أَسِحُّ دُمُوعًا لا انقطاع لَهَا
فَهَلْ عَسَى عَبْرَةٌ مِنْهَا تُخَلِّصُنْي
كَأَنَّني بَينَ تلك الأَهلِ مُنطَرِحًا
عَلى الفِراشِ وَأَيْديهِمْ تُقَلِّبُني
وَقَدْ أَتَوْا بِطَبيبٍ كَيْ يُعالِجَني
وَلَمْ أَرَ مِنْ طَبِيبِ اليوم يَنْفَعُني
واشَتد نَزْعِي وَصَار المَوتُ يَجْذِبُها
مِن كُلّ عِرْقٍ بِلا رِفقٍ ولا هَوَنِ
واستَخْرَجَ الرُّوحَ مِني في تَغَرْغُرِها
وصَارَ في الحَلْقَ مُرًا حِينَ غَرْغَرَني
وَغَمَّضُوني وَراحَ الكُلُّ وانْصَرَفوا
بَعْدَ الإِياسِ وَجَدُّوا في شِرَا كَفَنِي
وَقامَ مَنْ كانَ أَوْلَى النّاسِ في عَجَلٍ
وَقامَ مَنْ كانَ أَوْلَى النّاسِ في عَجَلٍ
وَقالَ يا قَوْمِ نَبْغِي غاسِلاً حَذِقًا
حُرًا أَدِيْبًا أَرِيبًا عَارِفًا فَطِنِي
فَجاءَني رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَرَّدَني
مِنَ الثِّيابِ وَأَعْرَاني وأَفْرَدَني
стр. 2555
.. واطَّرَّحُونِي عَلى الأَلْواحِ مُنْفَرِدًا
وَصَارَ فَوْقي خَرِيرُ الماءِ يَنْظِفُني
وَأَسْكَبَ الماءَ مِنْ فَوقي وَغَسَّلَني
غُسْلاً ثَلاثاً وَنَادَى القَوْمَ بِالكَفَنِ
وَأَلْبَسُوني ثِيابًا لا كِمومَ لها
وَصارَ زَادي حَنُوطًِا حينَ حَنَّطَني
وَقَدَّموني إِلى المحرابِ وانصَرَفوا
خَلْفَ الإِمَامِ فَصَلَّى ثُمَّ وَدَّعَني
صَلَّوْا عَلَيَّ صَلاةً لا رُكوعَ لها
ولا سُجودَ لَعَلَّ اللهَ يَرْحَمُني
وَأَنْزَلوني في قَبري على مَهَلٍ
وَأَنْزَلُوا واحِدًا مِنْهُمْ يُلَحِّدُني
وَكَشَّفَ الثّوْبَ عَن وَجْهي لِيَنْظُرَني
وَأَسْبلَ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنيهِ أَغْرَقَني
فَقامَ مُحتَرِمًا بِالعَزمِ مُشْتَمِلاً
وَصَفَّفَ اللَّبِنَ مِنْ فَوْقِي وفارَقَني
وقَالَ هُلُّوا عَلَيْهِ التُّرْبَ واغْتَنِموا
حُسْنَ الثَّوابِ مِنَ الرَّحمنِ ذِي المِنَنِ
في ظُلْمَةِ القبرِ لا أُمٌّ هناك ولا
أَبٌ شَفيقٌ ولا أَخٌ يُؤَنِّسُني
وَأَوْدَعُونِي وَلَجُوا في سُؤ الهِمُوا
مَا لِي سِوَاكَ إِلَهِي مَنْ يُخَلِّصْنِ
стр. 2556
.. وَهالَني صُورَةً في العينِ إِذْ نَظَرَتْ
مِنْ هَوْلِ مَطْلَعِ ما قَدْ كَانَ أَدهَشَني
مِنْ مُنكَرٍ ونكيرٍ ما أَقولُ لَهُمْ
إذْ هَالَني مِنْهُمَا مَا كَانَ فَأَفْزَعَني
فَامْنُنْ عَلَيَّ بِعَفْوٍ مِنك يَا أَمَلي
فَإِنَّني مُوثَقٌ بِالذَّنْبِ مُرْتَهَنِ
تَقاسمَ الأهْلُ مالي بعدما انْصَرَفُوا
وَصَارَ وِزْرِي عَلى ظَهْرِي فَأَثْقَلَني
فَلا تَغُرَّنَّكَ الدُّنْيَا وَزِينَتُها
فَلا تَغُرَّنَّكَ الدُّنْيَا وَزِينَتُها
وانْظُرْ إِلى مَنْ حَوَى الدُّنْيَا بِأَجْمَعِها
هَلْ رَاحَ مِنْها بِغَيْرِ الزَّادِ والكَفَنِ ... >?
... خُذِ القَنَاعَةَ مِنْ دُنْيَاك وارْضَ بِها ... لَوْ لم يَكُنْ لَكَ إِلا رَاحَةُ البَدَنِ
يَا نَفْسُ كُفِّي عَنِ العِصْيانِ واكْتَسِبِي ... فِعْلاً جميلاً لَعَلَّ اللهَ يَرحَمُني
اللَّهُمَّ أيقظنا من غفلتنا بِفَضْلِكَ وإحسانك وتجاوز عن جرائمنا بعفوك وغفرانك وألحقنا بالَّذِينَ أنعمت عَلَيْهمْ في دار رضوانك وارزقنا كما رزقتهم من لذيذ مناجاتك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
فصل في التحذير عن تعاطي المسكرات والمخدرات
اعْلَمْ وفقنا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع المسلمين لما يحبه ويرضاه أن من أشرف هبات الله للإنسان عقله وقَدْ روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قول الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ أي في العقل، وورد عن المصطفى ? أنه قال: «ما اكتسب مكتسب مثل فضل علم يهدي صاحبه إلى هدى - أو يرده عن ردى، ولا استقام دينه حتى يستقيم عقله» .
стр. 2557
فالعقل جعله الله للإنسان ليميز به النافع من الضار ويفهم عن الله شرعه لماذا حسن الحسن وقبح القبيح ويفهم ما لله من الحقوق وما لرسله وما ينبغي نحو عباد الله.
فهو الجوهرة التي دون قدرها الأثمان وما يقدر بالأثمان بل الدُّنْيَا بأسرها لا قيمة لها بجانب هَذَا العقل العَظِيم الشأن الَّذِي رفع الله درجة بني آدم إلى أن أخاطبهم جَلَّ وَعَلا وَهُوَ الَّذِي صلح لأن يكون من خدمه تَعَالَى يؤدي ما له من واجباتٍ.
وَهُوَ الَّذِي به يكون أهلاً لأن يكون من ضيوفه تَعَالَى في دار الكرامَاتَ، بل هُوَ الَّذِي سما به إلى أن يرى ربه تَعَالَى في دار الرضوان، إن قيمة كُلّ شَيْء إنما تقدر بقدر ما له من آثار العقل، لا يدانيه فيها غيره، مهما كَانَ لذَلِكَ الغير من مقدار، إذ هُوَ أجل محنة منحها الله ابن آدم في هذه الدار بل لا تَكُون الْجَنَّة جنة إذا سلب العقل فيها من الإِنْسَان.
إذا علمت ذَلِكَ فاعْلَمْ أن النَّاس يتفاوتون في الدرجات بتفاوت ما لَهُمْ من عقول فكُلَّما كَانَ العقل أقوى كَانَ أقدر على دفع النفس عما لها من فضول ومن هَذَا نستطيع أن نقول إن أعقل الْمُؤْمِنِين أتقاهم لله أما ضعيف العقل فيضعف دفعه للنفس عن ما لها من شهوات.
هُوَ من الأَشْيَاءِ التي تشير أسماؤها إلى معناها سمي عقلاً لأنه يعقل صاحبه غالبًا عما لا ينبغي ولذَلِكَ إذا جن الإِنْسَان رأيته كالوحش الضاري يبطش بكل ما قابله.
مَا وَهَبَ اللهُ لامْرِئٍ هِبَهْ ... أَشْرَفَ مِنْ عَقْلِهِ وَمِنْ أَدَبِهْ
هُمَا حَيَاةُ الْفَتَى فَإِنْ فُقِدَا ... فَإِنَّ فَقْدَ الْحَيَاةِ أَجْمَلُ بِهْ
آخر: ... يَزينُ الْفَتَى فِي النَّاسِ صِحَّةُ عَقْلِهِ ... وَإِنْ كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ مَكَاسِبُهْ
стр. 2558
ج
وَيُرزِي بِهِ فِي النَّاسِ قِلَّةُ عَقْلِهِ ... وَإِنْ كَرُمَتْ أَعْرَاقُه وَمَنَاسِبُهُ
وَأَفْضَل قَسْمِ الله لِلْمَرْءِ عَقْلُهُ ... ولَيْسَ مِن الْخَيْرَاتِ شَيْءٌ يُقَارِبُهُ
إِذَا أَكْمَلَ الرَّحْمَنُ لِلْمَرْءِ عَقْلَهُ ... فَقَدْ كَملَتْ أَخْلاقُهُ وَضَرَائِبَهُ
آخر: ... إِذَا كُنْتَ ذَا عِلْمَ وَلَمْ تَكُ عَاقِلاً ... فَأَنْتَ كَذِي نَعْلٍ وَلَيْسَ لَهُ رِجْلُ
أَلا إِنَّمَا الإِنْسَانُ عُمْدٌ لِعَقْلِهِ ... وَلا خَيْرَ كَذِي نَعْلٍ وَلَيْسَ لَهُ رِجْلُ
أَلا إِنَّمَا الإِنْسَانُ عُمْدٌ لِعَقْلِهِ ... وَلا خَيْرَ فِي غِمْدٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَصْلُ
والمقصود من سياق هذه المقدمة حول العقل، هُوَ أنه يوَجَدَ قسم من النَّاس قَدْ عميت بصائرهم وأسقطوا أنفسهم من درجة الكمال الَّذِي أعدهم الله له، وأنزلوا أنفسهم إلى مرتبة الْحَيَوَان أو أنزل، ورضوا بأن يكونوا معاول لهدم الفضيلة ويدًا عاملة لنشر الرذيلة وهؤلاء قَدْ استحوذ عَلَيْهمْ الشيطان ولعب بِهُمْ وزين لَهُمْ أن يفارقوا عقولهم زمنًا بتناول المخدرات وتعاطي المسكرات ولَيْسَ هَذَا الاعتداء على العقل الَّذِي شرفهم الله به في العمر مرة بل ولا في السنة مرة لكنه عندهم دوامًا نسأل الله العافية أما علم أولئك التعساء أن الخمر أم الخبائث ورأس الْمُنْكَر كله وطَرِيق الفساد العام.
فساد الدين وفساد الأَخْلاق وفساد العقل وفساد الجسم وفساد الْمَال وفساد الذرية ولهَذَا قال ﷺ : «اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كُلّ الشر» . رواه الحاكم وَقَالَ: صحيح الإسناد، فالخمر محرمة باْلكِتَاب والسنة والإجماع.
أما اْلكِتَاب فقوله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ .
اللَّهُمَّ قوي إيماننا بك ونور قلوبنا بنور الإِيمَان وَاجْعَلْنَا هداة مهتدين
стр. 2559
اللَّهُمَّ يا ملقب القُلُوب ثَبِّتْ قلوبنا على دينك وألهمنا ذكرك وشكرك وأمنا من سطوتك ومكرك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ)
وأما السنة فقول النَّبِيّ ﷺ : «كُلّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» . رواه أبو داود والإمام أَحَمَد وروى عَبْدُ اللهِ بنَ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إليه» . رواه أبو داود.
وَقَالَ ﷺ : «من شرب الخمر في الدُّنْيَا، ومَاتَ ولم يتب منها، وَهُوَ مدمن لها، لم يشربها في الآخِرَة» . رواه مسلم وروى مسلم عن جابر ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إن على الله عهدًا لمن شرب المسكر، أن يسقيه الله من طينة الخبال» . قيل: يَا رَسُولَ اللهِ وما طينة الخبال؟ قال: «عرق أَهْل النار» .
وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «من شرب الخمر في الدُّنْيَا، يحرمها في الآخِرَة» . وورد أن مدمن الخمر كعابد وثن وروى النسائي من حديث عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا يدخل الْجَنَّة عاق، ولا مدمن خمر» . وفي رواية: «ثلاثة لا يدخلون الْجَنَّة: مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والديوث، وَهُوَ الَّذِي يقر السُّوء في أهله» .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ والتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ» . رواه البخاري،
стр. 2560
وفي الْحَدِيث: «من زنى أو شرب الخمر، نزع الله منه الإِيمَان كما يخلع الإِنْسَان القميص من رأسه» . وفيه عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: «ان رائحة الْجَنَّة لتوَجَدَ من مسيرة خمسمائة عام ولا يجد ريحها عاق ولا منان ولا مدمن خمر ولا عابد وثن» .
وروى الإمام أَحَمَد من حديث أبي مُوَسى الأشعري ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا يدخل الْجَنَّة مدمن خمر ولا مُؤْمِن بسحر ولا قاطع رحم ومن مَاتَ وَهُوَ يشرب الخمر سقاه الله من نهر الغوطة وَهُوَ ماء يجري من فروج المومسات - أي الزانيات - يؤذي أَهْل النار ريح فروجهن» .
وَقَالَ ابن عمر: أمرني رسول الله ﷺ أن آتيه بمدية وهي الشفرة فاتيته بها فأرسل بها فأرهفت ثُمَّ أعطانيها وَقَالَ: «اغد علي بها» . ففعلت فخَرَجَ بأصحابه إلى أسواق الْمَدِينَة، وفيها زقاق الخمر قَدْ جلبت من الشام فأخذ المدية مني فشق ما كَانَ من تلك الزقاق بحضرته ثُمَّ أعطانيها وأمر أصحابه الَّذِينَ كَانُوا معه أن يمضوا معي وأن يعاونوني وأمرني أن آتي الأسواق كُلّهَا فلا أجد فيها زق خمر إِلا شققته ففعلت فلم أترك في أسواها زقًا إِلا شققته.
وعن عَبْد اللهِ بن عمرو قال: إن هذه الآيَة التي في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال: هِيَ في التوراة إن الله أنزل الحق ليذهب به الْبَاطِل ويبطل به اللعب والمزامير والزفن، والكبارات يعني البرابط، والزمارات، يعني به الدف والطنابير والشعر، والخمر مرة لمن طعمها أقسم الله بيمينه وعزته من شربها بعد ما حرمتها لأعطشنه يوم القيامة، ومن تركها بعد ما حرمتها لأسقينه إياها في حظيرة القدس.
следующие страницы →