← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وَيَأْخذُ الْمِسْكِينُ وهو مَن يَجدُ الْكِفَايَةَ أَوْ نِصْفَهَا تَمَامَ كِفَايَتِهِ مَعَ عَائِلتِهِ سَنةً لأنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ يَتَكررُ بِتكرُرِ الْحَوْلِ. ويُعْطَى مِن الزكاةِ الْعامِلُ وَهُوَ كَجَابٍ وَحَافِظٍ. وَكَاتِبٍ وَقَاسِمٍ وَجَامِعِ الْمَوَاشِي وَعَدَّدِهَا وَكَيَّالٍ ووزانٍ وَسَاعٍ وراعٍ وَحَمَّالٍ وَجَمالٍ قَدْرَ أجرتِهِ وإنْ تَلَفَتْ في يَدِهِ بلا تَفْريطٍ منه فَيُعْطَى أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لأنَّ لِلإِمَامِ رَزْقُهُ على عَمَلِه مِن بَيْتِ الْمَالِ. وَيُعْطَى مِن الزَّكَاةِ الْمُؤَلِّفُ وهوَ السِّيدُ الْمُطَاعُ فِي عَشَيرتِهِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التأليفُ لأنه الْمَقْصُودُ. ٥- ويُعْطَى مِن الزكاةِ الرِّقابُ وهُم الْمكاتَبُونَ وفَاءَ دَينِ الْكتابِةِ وَيَجُوزُ أَنْ يُفِدِي مِن الزكاةِ أسيرًا مُسْلِمًا في أيدي الْكفار. ٦- ويُعْطَى الْغارِمُ مِن الزَّكَاةِ وهو مَنْ تَدَيَّنَ لإِصْلاحِ ذاتِ بَيْنٍ أو تَحَمَّلَ بَسَبَبِ إتْلافِ نَفْسٍ أَو مَالٍ أََوْ نَهْبًا أو مَالاً لِتَسْكِينِ فِتنِةٍ وَقَعَتْ بَيْنَ طَائفَتَيْنِ وَيتوقَّفُ صُلُحُهُمَا على مَنْ يَتَحَمَّلُ ذَلكَ أو تَدَيّنَ لِشِرَاءِ نَفْسِهِ مِن كُفَّارٍ أو لِنَفْسِهِ في مُبَاحٍ وأَعْسَرَ وَفَاءَ دَينِهِ كمكاتَبٍ، وَدَينُ اللهِ كَدَينِ الآدَمِي. ٧- ويُعْطَى الْغَازِي في سَبِيلِ اللهِ ما يَحْتَاجُ لِغَزْوِهِ ذِهَابًا وإِيَابًا وإقامةً في أرضِ الْعَدُوِّ ونحو ثَمَنِ سِلاحٍ ودِرْعٍ وفَرَسٍ لِفَارِسٍ ويُعْطَى مِن الزَّكاةِ ابنُ السَّبِيل وهو الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطَعُ بهِ بغير بلدِهِ ما يُبَلِّغُه بَلَدَهُ أو مُنْتَهَى قَصْدِه وعَوْدِهِ إليهَا إن لم يَكُنْ سَفَرُهُ مُحْرَمًا أو مَكْرُوها. واللهُ أَعْلَمْ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (١١) موعظة عبادَ الله إنَّ وُجُودَ الْمَوتِ بينَ النَّاسِ مَوْعِظَةٌ كُبْرَى لو كَانُوا يعقلون

стр. 282

فإنه بلِسَانِ الْحَالِ يقولُ لِكُلِّ واحدٍ مِنا: سَأنْزلُ بكَ يومًا أو لَيلةً كما ترى الناسَ بعَيْنِكَ يَمُوتُونَ وقد يَكُونُ لأَحَدِهِم مِن المالِ والجاهِ والقوَّةِ والْجَمَالِ والْعِلمِ والْفَصَاحَةِ والْمَرْكَزِ الدُّنَيوي ما يُدْهشُ النَّاظرينَ لَهُ، وقد يكونُ قَدْ طَالَ عُمُرُهُ وطالَ أمَلُهُ حتى مَلَّ ومُلَّ مِنْهُ. وَبَيْنَ ما هو في حالٍ مِن النَّشَاطِ قويٌ مشْدُودٌ أسْرُهُ، ذو هِمَّةٍ تَضِيقُ بِها الدُّنيا، قَدْ أَقْبَلَتْ عليهِ الدُّنْيَا مِنْ كُلِّّ جهَةٍ، وَزَهَتْ لَهُ، إذا تَرَاهُ جُثَّةً هَامِدَةً أشْبَهَ بِأعْجَازِ النَّخْلِ الْخَاوِية لا حِسَّ لَهُ ولا حَرَكَةَ ولا أقوالٌ وَلا أفعالٌ قَدْ ضَيَّقَ على مَنْ حَوْلَهُ وإذا لَمْ يُسْرِعُوا بِهِ إلى الدَّفْنِ يَكُونُ جيفةَ مِنْ الْجِيفِ تُؤْذِي رَائِحَتُهَا الْكَرِيهةُ كَلَّ مَنْ قَرُبَ منها، هَذا كُلُّهُ يكونُ بعدَ ذلكَ النَّشَاطِ والْقُوَى لأنَّ هَادِمَ اللَّذَاتِ نَزَلَ بِهِ. وبَعْدَ نُزُولِه لا تَسْألُ كان لَهُ ما كَانَ، وفي الحالِ تُصْبحُ زَوْجَتُه أرْمَلَةٌ ويُصْبحُ أَوْلادُهُ أَيْتَامًا. وفي الْحَالِ تُقَسّم أَمْوَالُهُ التي جَمَعَهَا وَقَاسَى على جَمْعِهَا الشَّدَائِدَ. لأَنَّ الْمَوْتَ يُزيلُ مُلْكَهُ وينْقُلُهُ إلى مُلْكِ وَرَثَتِهِ نَقْلاً تَعْجَزُ عن نَقْضِهِ الأَيامُ، نَعَمْ إنَّهُ بالموت يزولُ مَالُه كُلُهُ وهِيَ أَكْبَرُ مُصِيبَةٍ مَاليَّةٍ. وأَكْبَرُ مِنَها أَنَّهُ يُسْألُ عنه كُلّهِ دَاخلاً وخَارجًا مِن حَلالٍ أَمْ مِن حَرَامٍ وبَعْدَ مُدَّةٍ يَسيرةٍ يُنْسَى هُو وَيُنْسَى مالُه وَيُنسَى جَاهُهُ ويُنْسَى مَرْكَزُهُ وَمَكَانَتُهُ ولو كان مَلِكًا أوْ وَزِيرًا ومَا كأنُه رَأَتْهُ الْعُيُونُ ولا سَمِعَتْ كَلامَهُ الآذانُ كما شِعْرًا: لِمَنْ يَا أَيُّهَا الْمَغْرُورُ تَحْوِي ... مِنَ الْمَالِ الْمُوَفَّرِ والأَثَاثِ سَتَمْضِي غَيْرَ مَحْمُودٍ فَرِيَدًا ... وَيَخْلُو بَعْلُ عِرْسِكَ بالتُّرَاثِ وَيَخْذُلُكَ الوَصيَّ بَلا وَفَاءٍ ... وَلا إصْلاحِ أَمْرِ ذِي التِّيَاثِ لَقَدْ وَفَّرْتَ وِزْرًا مَرَّ حِينًا ... يَسُدُّ عَلَيْكَ سُبْل الانْبِعَاثِ فَمَا لَكَ غَيْرَ تَقْوى الله حِرْزٌ ... وَلا وَزَرٌ وَمَا لَكَ مِنْ غَيَّاثِ

стр. 283

إن الناسَ يَرَوْنَ الْمَوْتَ كلَّ يَوْمٍ بأعْيُنِهم في بُيُوتِهِم أَوْ فِي الْمُسْتَشْفَيَاتِ، وَيَرَوْنَ مَالَهُ مِنْ آثارٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَمُوتَ بَيْنَهُمْ مَيّتٌ يَكُونُ مَنْهُمْ مَعَ مَوْتِهِ هَذَا مَا يُدْهِشُ الأَفْكَارَ فَتَرَى مِنْ أَقَارِبَهِ مَنْ يَتَسَابَقُونَ إِلَى الْبَحثِ عَمَّا خَلَّفَ، وانْتِهَابِ مَا اتَّصَلَتْ إِليه أيْديهِمِ من ماله، وربَّمَا شَبَّتْ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الْحُرُوبُ مِن أَجْلِ أَنْ يَتَمَيَّزَ كُلُ وَاحدٍ منهم في التَّرِكَةِ عَمَّنْ سِوَاهُ وَقَدْ تَشْتَدُّ بِهِم تِلكَ الْعَدَاوَةُ تَعْمَلُ عَمَلَهَا مَا بَقِيتْ تِلكَ. يَفْعَلونَ هَذَا كُلَّهُ عَقِبَ مَنْ يَمُوتُ بَدَلَ أنْ يَعْتَبُرُوا ويَتَّعِظُوا بِهِ فَيُزِهِّدُهُمْ هَذَا التَّفْكِيرُ والاِعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ المَالِ الفَانِي الذَّاهِبُ عَنْ أَيْدِيهِمْ عَنْ قَرِيبٍ كَمَا ذَهَبَ عَنْهُ مَنْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ مَنْ طَرِيقِهِ لَقَدْ سَبَقَ أَقْوَامٌ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بالْمَوْتِ حَقَّ الإِيمَانِ فَكَانُوا يُقَدِّرُون الدُّنْيَا حَقَّ التَّقْدِيرِ كَانُوا يَعْرَفُونَ أَنَّهَا فَانِيَةٌ وَأَنَّهَا غَرَّارَةٌ خَدَّاعَةٌ وَأَنَّهُمْ تَارِكُوهَا يَوْمًا رَغْمَ أَنُوفِهِمْ لا رُجُوعَ بَعْدَهُ لِقَلِيلٍ مِنْهَا وَلا كَثِيرٍ قَرؤُوُا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ فاسْتَعِدُّوا واقَرؤُوُا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ﴾ فَكَانُوا إِذَا حَصِلَ لَهُمْ شَيء مِنْ الدُّنْيَا صَرَفُوا ذَلِكَ لِمَا يَنْفَعُهُمْ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ. وَإِذَا سَمِعْتَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا فَلِمَا ذَكَرْنَا. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةَ كُنَّا نُحَامِلُ عَلَى ظُهُورِنَا فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيءٍ كَثيرٍ فَقَالُوا: مُرَائِي، وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَّدَقَ بِصَاعٍ فَقَالُوا: إِنَّ اللهً لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا، فَنَزَلَتْ الآيةُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . ومِنْ طَرِيقٍ آخَرَ حَثَّ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى الصَّدَقَةِ

стр. 284

يَعْنِي في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَنْ عَوْفٍ بأَرْبَعَةِ آلافٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَالِي ثَمَانِيَةُ آلافٍ جِئْتُكَ بِنِصْفِهَا وَأَمْسَكْتُ بِنِصْفِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أَمْسَكْتَ وَفِيمَا أَعْطَيْتَ» . وَجَاءَ أبُو عُقَيْل بَصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولُ للهِ أَصَبْتُ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ صَاعٍ أَقْرَضْتُهُ لِرَبِّي، وَصَاعِ لِعِيالِي. قَالَ: فَلَمَزَهُ الْمُنْافِقُونَ، وقاَلُوا: مَا أَعْطَى ابْنُ عَوْفٍ إلا رِياءُ، وقَالُوا: أَلَمْ يَكُنْ اللهُ وَرَسُولُهُ غَنَيِّينِ عَنْ صَاعِ هَذَا، وَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ يَجْعَلُونَ مَا نَالُوا مِنَ الدُّنْيَا وَسِيلَةً إلى الآخرة. شِعْرًا: ... ألا إنَّ رِزْقَ الله لَيْسَ يَفوتُ ... فلا تُرَعَنْ إِنَّ القَليلَ يَقُوتُ رَضِيتُ بِقسْمِ الله حَظًّا لأنَّهُ ... تكفَّلَ رِزْقِي مَنْ لَهُ الْمَلَكُوتُ سَأَقنعُ بالمالِ القَليلِ لأنني ... رَأَيتُ أَخَا المالِ الكثِيرِ يمُوتُ آخر: إذا اكْتَسَب المالَ الفَتَى مِنْ وُجُوهِهِ وَأحْسَنَ تَدبِيرًا لَهُ حِينَ يَجْمَعُ وَمَيَّزَ فِي إنْفَاقِهِ بَيْنَ مُصْلِحٍ مَعِيشَتَهُ فِيمَا يَضُرُ وَيَنْفَعُ وَأرْضَى بِهِ أَهْلَ الحُقُوقِ وَلَمْ يُضِعْ بِهِ الذُّخْرَ زَادًا لِلَّتِي هِيَ أَنْفَعُ فَذَاكَ الفَتَى لا جَامِعَ الْمَالِ ذَاخِرًا لأولادِ سُوءٍ حَيْثُ حَلُّوا وَأَوْضَعُوا آخر: فَكَّرْتُ في المالِ وفي جَمْعِهِ ... فَكَانَ مَا يَبْقَى هُوَ الفَانِي وَكَانَ مَا أَنْفَقْتُ في أوجهِ الـ ... ـبرِّ بِمَعْرُوفٍ وَإحْسَانِ هو الذي يَبْقَى وَأَجْزَي بِهِ ... يَوْم يُجازَى كُلُّ إنْسَانِ اللَّهُمَّ أنْظُمْنَا في سِلْكِ الْفَائِزِنَ بِرِضْوانِكَ، واجْعَلْنَا مِنْ الْمُتَّقِينَ الذِينَ

стр. 285

أعْدَدْتَ لَهُمْ فَسِيحَ جَنَّاتِكَ، وأَدْخِلْنَا بِرَحْمَتِكَ فِي دَارِ أَمَانِكَ وعافنا يا مَوْلانا في الدُّنْيَا والآخِرةِ مِن جَمِيعِ الْبَلايَا وأجْزِلْ لِنَا مِنْ مَوَاهِب فَضْلِكَ وَهِبَاتِكَ وَمَتَّعْنَا بالنَّظَر إلى وَجْهِكَ الْكَريمِ مَعَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالِحِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فصل) ٣٤– فِيَما وَرَدَ مِن الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ على تَرْكِ الزَّكَاة: إذا فَهِمْتَ ما تَقَدَّمَ مِمَّا تَجِبُ فيه الزكاةُ وبيانِ نِصَابِ الزكاةِ ومَصْرفها وما يَنْبَغِي أنْ يَقولَ الدَّافِعُ والْمَدْفُوعُ إليهِ. فاعْلَمْ أَنَّها مَا خَالَطَتْ مَالاً إلا أفسدَتْهُ ومحقتْ بَرَكَتَهُ وأيُّ خَيْرٍ وَنَفْعٍ فِي مالٍ مَمْحُوقِ الْبَرَكَةِ بَاقٍ شَرُّهُ وفِتْنَتُهُ وشُغْلُ الْبدنِ والْقَلبِ وإتْعَابُهُما؟ والْمَحْقُ: مِنْهُ ما هُوَ ظَاهِرٌ، وَهَوُ ذَهَابُ صُورَة الْمَالِ، وَرُجُوعُ الإِنْسَانِ بَعْدَ الاسْتِغْنَاءِ فَقِيرًا، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِخَلْقٍ كثيرٍ مِنْ الْمُتَسَاهِلِينَ بَأَمْرِ الزَّكَاةِ. وَمِنْ الْمَحْق: مَحْقُ بَاطِنٌ وهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ في الصُّورَةِ مَوْجُودًا وَكَثِيرًا ولكنْ لا يَنْتَفِعُ فيه صاحبُهُ لا في دِينِهِ في وجُوهِ الْبَرِّ والْمَشَارِيعِ الْخَيرِيَّةِ وبَذْلِ الْمَعْروفِ، ولا يَنْتَفَعُ فيه في نَفْسِهِ ومروءَتِهِ بالسَّتْرِ والصِّيانِةِ، ومَعَ ذلِكَ يَتَضَرَرُ بهِ تَضرُرًا كَثِيرًا بإمْسَاكِهِ عن حَقِّهِ وَوَضْعِهِ في غَيْر جَهَتِهِ إمَّا بِإنْفَاقِهِ بَالْمَعَاصِي والْعِيَاذُ باللهِ وَإمَّا فِي الشَّهَوَاتِ الْبَهِيمِيَّةِ التِي لا نَفْعَ فِيهَا وَلا حَاصِل. وقد وَرَدَ في مَنْعِ الزَّكاةِ عن اللهِ ورسُولِهِ تَشْدِيدَاتٌ هَائِلةٌ وَتَهْدِيدَاتٌ

стр. 286

عظيمة ويُخْشَى عَلَى مَانِعِ الزكاةِ مِن سُوُءِ الْخَاتِمِةِ والتَّعرُّضِ لوعيد اللهِ وغَضَبِهِ والْخُروجِ مِن الدُّنْيَا على غَيرِ مِلَّةِ الإِسلامِ ومِمَّا جَاءَ مِن الْوَعِيدِ في حَقِّ مَنْ بَخِلَ بِهَا أَوْ قَصَّرَ فِي إِخْرَاجِهَا قولُه تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ . شِعْرًا: فَإنْ تجمع الآفاتُ فَالْكُفْرُ شَرَّهَا وَشرٌ مَعَ الكُفْر النَّفِاقُ مع البُخْلِ شِعْرًا: ثلاث مُهْلِكَاتٌ لا مَحَالةْ ... غَوَى نَفْسٍ يَعُود إلى البَطَالَةْ وَشُحٌ لا يَزَالُ يُطَاعَ دَأبًا ... وَعُجْبٌ ظَاهرٌ في كُلِّ حَالَةْ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» . قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالإِبِلُ؟ قَالَ: «وَلا صَاحِبُ إِبِلٍ لا يُؤَدِّي حَقَّهَا - وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا - إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ

стр. 287

قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلا وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» . قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: «وَلا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلا خَلْجَاءُ وَلا عَضْبَاءُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلافِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أَوَّلَهَا رُدَّ عَلَيْهِ آخِرَهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» . وَعَنْ جَابِر ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ صَاحِبِ إِبلٍ لا يَفْعَلُ فِيها حَقَّهَا إِلا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ، وَقَعَدَ لَها بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَسْتَنُّ عَلَيْهِ بِقَوائِمِهَا وَأَخْفَافِهَا ولا صَاحِبِ بَقَرٍ لا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا إلا جَاءَتَ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ فَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَظْلافِهَا، لَيْسَ فِيهَا جَمَّاءُ ولا مُنْكَسِرٌ قَرْنُهَا ولا صَاحِبِ كِنْزٍ لا يَفْعَلُ فِيهِ حَقَّهُ إلا جَاءَ كَنْزُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ شُجَاعًا، أَقْرَعَ يَتْبَعُهُ فَاتِحًا فَاهُ، فَإِذَا أَتَاهُ فَرَّ مِنْهُ، فَيُنَادِيهِ خُذْ كَنْزِكَ الذي خَبَّأْتَهُ فَأنَا عَنْهُ غَنِيٌ، فَإِذَا رَأَى أَنْ لا بُدّ مِنْهُ سَلَكَ يَدَهُ في فِيهِ فَيقْضِمُهَا قَضْمَ الْفَحْلَ» . وَفِي رِوَايةٍ للنَّسَائِي قال: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ رَجُلٍ لا يُؤَدِّي زَكاةَ مَالِهِ إلا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاع مِنْ نَارِ فَتُكْوَى بِهَا جَبْهَتُهُ وَجَنْبُهُ وَظَهْرُهُ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ» . اللَّهُمَّ هَبْ لَنَا ما وهَبتهُ لأوْلِيائكَ وَتَوفّنَا وأنتَ رَاضٍ عَنَّا وقد قَبلْتَ الْيَسيرَ

стр. 288

منَّا واجْعَلْنَا يا مَوْلانَا مِنْ عِبَادِكَ الذينَ لا خَوْفَ عَليهمْ ولا هُمُ يَحْزَنُونَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فَصْلٌ) : وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ أَنْ أَدَّى الرَّجُلُ زَكاةِ مَالِهِ فقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أدى زَكَاةَ مَالِهِ فَقْدَ ذَهَبَ عَنْهُ شَرُّهُ» . وَعَنْ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ﵁ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَلإٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالْهَيْئَةِ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: بَشِّرْ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ فَيَتَزَلْزَلُ. ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ وَأَنَا لا أَدْرِي مَنْ هُوَ فَقُلْتُ: لا أُرَى الْقَوْمَ إِلا قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ، قَالَ: إِنَّهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا، قَالَ لِي خَلِيلِي، قُلْتُ: مَنْ خَلِيلُكَ؟ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : «أَتُبْصِرُ أُحُدًا» ؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ وَإِنَّ هَؤُلاءِ لا يَعْقِلُونَ، إِنَّمَا يَجْمَعُونَ، لا وَاللَّهِ لا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا وَلا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ » . وفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: «بَشِّرْ الْكَانِزِينَ بِكَيٍّ فِي ظُهُورِهِمْ فَيَخْرُجُ مِنْ جُنُوبِهِمْ وَبِكَيٍّ مِنْ قِبَلِ أَقْفَائِهِمْ حَتَّى يَخْرُجُ مِنْ جِبَاهِهِمْ» قَالَ: ثُمَّ تَنَحَّى فَقَعَدَ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا قَالُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ، قَالَ:

стр. 289

فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: مَا شَيْءٌ سَمِعْتُكَ تَقُولُ قُبَيْلُ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ إِلا شَيْئًا قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّهِمْ ﷺ قَالَ: قُلْتُ مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْعَطَاءِ قَالَ: خُذْهُ فَإِنَّ فِيهِ الْيَوْمَ مَعُونَةً فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعْهُ. وَروي عن أبي هريرة ﵁ قال: سَمِعْتُ مِنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ حَدِيثًا عن رسولِ اللهَ ﷺ ما سَمِعْتُهُ مِنْهُ، وكُنْتُ أَكْثَرَهُم لُزُومًا لِرَسُولِ الله ﷺ ، قال عُمَرُ: قال رسول الله ﷺ : «ما تَلِفَ مَالٌ في بَرٍ ولا بَحْرٍ إلا بحبسِ الزكاة» . وَعَنْ عائشة ﵂ قالتْ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «ما خَالَطَتِ الصَّدَقَةُ - أو قال الزكاةُ - مالاً إلا أفْسَدَتْهُ» . وعن الْحَسَنِ: أَنَّ رَسُولََ اللهِ ﷺ قال: «حَصِّنُوا أَمْوَالكُم بالزَّكاةِ، ودَاوُوا مَرْضَاكُم بالصَّدَقَةِ، واسْتَقْبِلُوا أَمْوَاجَ الْبَلاءِ بالدُّعَاءِ والتَّضَرُّعِ» . فَتَأَمَّلْ يَا أَخِي الآياتِ الْكَرِيمَاتِ والأَحَادِيثِ الشَّرِيفَاتِ. وانْظُر كَيْفَ يُؤتَى بالْمَالِ الذِي كان يُحِبُّهُ مَانِعُ الزَّكَاةِ حُبًّا شَدِيدًا ويُعزُّهُ الْعِزَّ الذِي يَصِلُ بِهِ إلى أَنْ يُمْسِكُهُ وَيَجْمَعَهُ وَيُوَعِيهِ وَلا يُفَرِّطُ في شَيءٍ مِنْهُ، حَتَّى مَا كَانَ مِنْهُ حَقًّا لِلْفُقَرَاءِ الْبُؤْسَاءِ الْمَسَاكِينِ يُؤتَى بِهِ بَعَيْنِهِ وَيُجْعلُ صَفَائِحَ، وَمَعَ أَن هَذِهِ الصَّفَائِحَ مِن نَارٍ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ لِتَشْتَدَّ حَرَارَتُهَا وَتَزْدَادَ لِيَكُونَ ألْمُهَا الْوَاقِعُ عَلَى بَدَن مَانِع الزَّكاةِ بَالِغًا النِّهَايَةَ فِي الشِّدَّةِ حِينَ يُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ. وَتَخْصِيصُ هَذِهِ الأَعْضَاءِ الثَّلاثَةِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لأنَّ الْمُعَذَّبَ

стр. 290

وَهُو مَانِعُ الزَّكاةِ إِذَا جَاءَهُ الْفَقِيرُ يَسْأَلُهُ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِ عَبَّسَ وَجْهَهُ وَعَقَدَ جَبِينَهُ عُبُوسًا وَتَعْقِيدًا يَدُلُ على كَرَاهَتِهِ لِهَذَا السُّؤالِ. فَإِذَا أَلَحّ الْفَقِيرُ عَلَيْهِ زادَ فِي عُبُوسِهِ أَنْ يَضُنَّ بِمُوَاجَهَةِ ذَلِكَ الْفَقِيرِ فَيَنْتَقِلُ مِن الْمُواجَهَةِ إلى الانْحِرَافِ عَنْهُ وَيَجْعَلُ جَنْبَهُ فِي وَجْهِ الْمِسْكِينِ السَّائِلِ مُبَالَغَةً في إظهارِ الْكَرَاهِيَةِ لِسُؤالهِ. شِعْرًا: فُرِضَتْ عَليَّ زكاةُ مَا مَلكَتْ يَدِيْ ... وَزكاةُ جَاهِي أَنْ أَعِيَن فَأَشْفَعَا فَإِذَا مَلكْتَ فَجُدْ فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ ... فاجْهَدْ بِوُسْعِكَ كُلَّهِ أَنْ تَنْفَعَا فإذا ازْدَادَ الْفَقِيرُ واشْتَدَّ فِي الطَّلَبِ والإِلْحَاحِ بَالَغَ الْمَسْئوُلُ فِي الْغَضَبِ فانْصَرَفَ عَنْهُ وَوَلاهُ ظَهْرَهُ مَاشِيًا مِنْ مَكَانِهِ وَتَارِكًا لَهُ يَهْوي في هُوَّاتٍ احْتِياجِهِ بدُونِ أي اكْتِرَاثٍ فَلمَّا كَانَ هَذَا حَالُ تِلْكَ الأَعْضَاءِ الثَّلاثَةِ في الدُّنْيَا خُصَّتْ في الآخِرِةِ بالْكَيَّ بِتِلْكَ الصَّفَائِحِ التي هِيَ مَالُه وبذلك يَعْرِفُ أَنهُ يُهانُ بالْمَالِ الذي كان يُعزّهُ في دُنْياه. وَلو كان يُهِينُهُ بالدُّنْيا بِمُفَارِقَةِ مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ منه لَكَانَ سَببًا لإِكْرَامِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الرَّهِيبِ الْمُفْزِعِ. وانْظُرْ كَيْفَ تَأتِي نِعَمُهُ إبلُهُ وَبَقَرُهُ وَغَنَمُهُ التي لَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللهِ فيها أَقْوَى مَا كَانَتْ وَأَوْفَرَهْ فَتَطَؤُهُ الإِبلُ بأخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بَأنْيَابِهَا الْحَادَّةِ وَتَطؤُهُ الْبقَرُ والْغَنَمُ بَأظلافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا السَّليمَةِ لِيَكُونَ النَّطْحُ بِهَا أَوْجَعَ وَآلَمَ وَلا تَجِيءُ بَقَرُةٌ ولا نَعْجَةٌ إِلا وَلَها قَرْنَاها لَيْسَ بِهِمَا أَيُّ مَانِعٍ يَمْنَعُ مِنْ تَوْجِيههِمَا إِلَيْهِ وَطَعْنِ الْمَانِعِ بِهَمَا الطَّعْنَ الأليمَ. وإنِّمَا كانَتْ أَقْوى مَا كَانَتْ لِيَكُونَ وطؤُها ونَطْحُهَا وَعَضُّهَا بِمُنْتَهى الْقُوَّةِ. وَإِذَا كَانَ مَبْطُوحًا لَهَا وهِيَ تَتَردَّدُ عَلَيهِ بالْوَطْءِ كَانَ أَمْكَنَ لَهَا فِي فِعْلِ مَا تُعَذِّبُهُ بِهِ وَهَذَا الْعَذابُ لا يكونُ زَمَنُه قَلِيلاً وَلَكنَّهُ يَدُومُ مَا دَامَ الْمَوقِفُ.

стр. 291

ومِقْدَارُ الْمَوْقِفِ خَمْسُونَ أَلفَ سَنَةٍ وَنَوْعٌ آخَرَ مِن الْعَذَابِ خَاصٌ بِمَانِعِ الزَّكاةِ وهو أنْ يُوضَعَ حَجَرٌ مُحْمَى عَلَيهِ وَقَدْ زِيدَ في حَرَارَتِهِ فَأُحْمِي عَلَيْهِ كَذَلِكَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فلا يَتَحَمَّلُ اللَّحْمُ شِدَّةً حَرَارَتِهِ فَيَذُوبُ ذَوَبانًا فَيَدْخُلُ الْحَجَرُ الْجِسْمَ واللَّحْمُ يَذَوْبُ أَمَامَهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْقِطْعَةِ الرَّقِيقَةِ التِي في طَرَفِ الْكتِفِ. ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى هَذِهِ الْقِطْعَةِ الرَّقِيقَةِ وَقَدْ عَادَ الْجِسْمُ إِلى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَيُفْعَلُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ يَخْرُجُ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ وَيَزِيدُ في الألَمِ حَالَ التَّعْذِيبِ أنَّ الْحَجَرَ يَتَزَلْزَلُ لا يَمُرُّ فِي الْبَدَنِ مُسْتَقِيمًا وَقْتَ نُفُوذِهِ. نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُعَامِلَنَا بِعَفْوِهِ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ لا يَكُونُ هَذَا الْعَذَابُ كَافِيًا فَيَكُونُ سَبِيلَهُ إِلى النَّار التِي فِيهَا أَلْوَانُ الْعَذَابِ الأَلِيم مِنْ زَقُّومٍ وَحَمَيمٍ وَغَسَّاقٍ وَضَرِيعٍ وَويلٍ وَغِسْلِينٍ. وَلِمَنْعِ الزَّكَاة ِشَكْلٌ آخَرٌ مِن الشُّؤْمِ الدُّنْيوي غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ كَمَا فِي حَدِيثِ «مَا تَلِفِ مَالٌ فِي بَرّ وَلا بَحْرٍ إلا بَحَبْس الزَّكَاةِ» فَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنُّهُ أَيُّ مَالٍ يَضِيعُ فِي أيِّ مَكَانٍ في بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ سَبَبُ تَلَفِهِ تَرْكُ الزَّكَاةِ. وَهِيَ عُقُوبَةٌ تَعْكِسُ عَلَى الْمَانِعِ قَصْدهَ، إذْ هُوَ يَقْصِدُ بِمَنْعِهِ لَهَا تَكْثِيرُ الْمَالِ والْهُرُوبِ من نَقْصِهِ بإخْراجِ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْهُ. ولوَ أَخْرَجَ الْقدْرَ الْوَاجَبَ وهُوَ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ، لَحُفْظَ مَالُه بإذْنِ اللهِ ولكانَ لَهُ ثَوابٌ عظيمٌ هوَ ثَوابُ رُكْن مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلامَ، لكانَ لَهُ مِن الْفضْلِ عَلَى الْمُعْطَى مَا لا يَنْسَاهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ. أَمَّا الْعُقُوبَةُ الأَخْرويَّةُ فالنَّارُ الِّتِي قال الله تعالى عنها: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ .

стр. 292

فَعَلَيْكَ أَيُّهَا الْعَاقِلُ أَنْ تُحَاسِبِ نَفْسَكَ بِدَقَّةٍ وَتُقَوِّمَ مَا أعْدَدْتَه لِلبَيْعِ والشِّرِاءِ وأن تُبْرِئ ذِمَّتَكَ بَيَقِينٍ بإخراجِ الزكاةِ كُلِّهَا إِذَا تَمْ الْحَولُ، وأَنْ لا تَدْفَعَهَا إلا لِمَنْ تَعَلَّمُ أَنَّهُ مِمَّنْ يَسْتِحِقها يَقِينًا أَوْ يَغْلِبُ عَلَى الظنِّ أَنَّهُ مِن أهلِها. شِعْرًا: أيَا جَامِعَ المالِ الكَثِيرِ بَجَهْلِهِ ... سَتَجْنِي جَنَى الخُسْرَانِ مِنْ حَيْثُ تَرْبَحُ أَلَمْ تَنْظُرِ الطَّاوُوسِ مِنْ أَجْلِ رِيشِهِ ... لِمَا فِيهِ مِنْ شبْهِ الدَّنَانيرِ يُذْبَحُ آخر: وَمَا المال إلا حَسْرةٌ إنْ تَرَكْتَهُ ... وَغُنْمٌ إِذَا قَدَمْتَهُ مُتَعَجِّلُ آخر: وَمَا فِي الأَرْض أشقَى من كُفورٍ ... عَصَى الرَّحْمنَ واتَّبَعَ الملاهِي تَرَاهُ دَائِمًا في جَمْعِ مَالٍ ... مَخَافَةَ فَقَرِهِ أَوْ لِلتَّبَاهِي آخر: وَمَا حَاجَتي في المال أَبْغِي وُفُورُهُ ... إِذَا لَمْ أَقَدِّمْهُ لِيْوِمِ التَّغَابُنِ واحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ التَّهَاوُنِ بِتَرْكِ شَيءٍ مِنْهَا أَوْ التَّسْويفِ بِهَا أَوْ سُلُوك الطُّرقِ الْمُلْتَويِةِ لِلتَّخَلُّصِ مِن أَدَائِهَا أَوْ التَّحَايلُ على تَرْكِ شَيءٍ مِنْهَا فَكُلُّ حِيلةٍ تُسْتَعْمَلُ لِتَضِييعِ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللهِ أَوْ حُقُوقِ عِبَادِهِ أَوْ تَبِيحُ مَا حَرَّمَ اللهُ أَوْ تُحَرَّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ فَهِيَ مِنْ الْحِيلِ الْمُحَرَّمَةِ التِي سَيُجَازَى عَليها أشَدَّ الْجَزَاءِ وَمَا رَبُّكَ بِظلامٍ لِلْعَبِيد. ويَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكاةِ لِحَولَين فَأَقَلَّ إِذَا كَمُلَ النِّصَابُ لِمَا وَرَدَ عَنْ عَلِيٍّ ﵇: أَنَّ الْعَبَّاسَ بن عبد الْمُطَّلب سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ. رواه الخمسة إلا النسائي. وعن أبي هريرةَ قال: بَعَثَ رسولُ اللهِ ﷺ عُمُرَ على الصدقةِ فَقِيلَ: مَنَعَ ابنُ جَميلٍ، وخالدُ بنُ الوليدِ، والْعَبَّاسُ فقال رسول اللهِ ﷺ : «ما يَنْقِمُ ابنُ جَمِيلٍ إلا أنَّهُ كان فقيرًا فأغْنَاهُ اللهُ

стр. 293

ورسولهُ، وَأَما خالدٌ فإنكم تظلمون خالدًا وقد حَبَسَ أدْرَاعَهُ وأَعْتَادَهُ فِي سبيلِ اللهِ، وأَمَّا العَبَّاسُ فَهِيَ حَقٌ عَلَيَّ ومثلُهَا مَعَهَا» ، ثُمَّ قَال يَا عُمَرُ: «أَمَا شَعرْتَ أَنَّ عَمَّ الرجل صِنُو أبيهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا قَطَعَ قُلُوبَنَا عن ذِكرك واعفُ عن تَقْصِيرنَا في طاعَتِكَ وشُكْرِكْ وأدمْ لَنَا لزُومَ الطريق إليكَ وهَبْ لَنَا نورًا نَهْتَدِي بِهِ إليكَ واسْلُكْ بنا سَبِيلَ أَهْلِ مَرْضَاتِكَ واقْطِعْ عَنَّا كُلَّ ما يُبعدُنا عَنْ سَبِيلِكَ ويَسِّرْ لَنَا ما يَسَّرْتَهُ لأَهْلِ مَحَبَّتِكَ وأَيْقِظْنَا مِنْ غَفَلاتِنَا وأَلْهِمْنَا رُشْدَنَا وَحَقَّقْ بِكَرَمِكَ قَصْدَنَا واسْتُرْنَا في دُنْيانا وآخرتِنَا واحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ الْمُتَّقِينَ وأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِين، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فصل) * في بعض آداب الزكاة: قال في منهاجِ القاصِدين: اعلم أن على مُرِيد الزكاةِ وظائفًا: الوَظِيفَةُ الأُولَى: أن يَفْهَمَ الْمرادَ مِنَ الزكاةِ، وهو ثَلاثَة أَشْيَاءَ: ابْتِلاءُ مُدَّعِي مَحَبةِ اللهِ تعالى بإخراجِ مَحْبُوبِهِ والتَّنزُّهُ عن صفةِ الْبُخْلِ الْمُهْلِكِ، وشُكْرُ نعمة الْمالِ. الوَظِيفَةُ الثَّانِيةُ: الإِسْرَارُ بإخْرَاجِهَا لقوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ وحديثِ السَّبعةِ وَعَدَّ مِنهم: «رَجُلاً تَصَدَّقَ بِصَدَقةٍ فأخْفَاهَا حتى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» لِكَوْنِهِ أَبْعَدَ عن الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، وفي الإِظْهَارِ إِذْلالٌ لِلْفَقِيرِ أَيْضًا، فإنْ خَافَ أَنْ يُتَّهَمَ بِعَدَمِ الإِخْرَاجِ أَعْطَى مَن لا يُبَالِي مِنَ الْفُقَراءِ بالأخْذِ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ عَلانِيةً وَأَعْطَى غَيْرَهُ سِرًا.

стр. 294

الوظيفةُ الثالثةُ: أَنْ لا يُفْسِدَها بالمَنِّ والأذَى. وَذَلِكَ أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا رَأَى نَفْسَهُ مُحْسِنًا إِلى الفَقِيرِ مُنْعِمًا عَلَيْهِ بالإعْطَاءِ، رُبَّمَا حَصَلَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَلَوْ حَقَّقَ النظرَ لَرَأَى الفقيَرَ مُحْسِنًا إِلَيْهِ، بِقَبُولِ حَقِّ الله الذي هُوَ طُهْرٍ لَهُ، وَإِذَا اسْتَحْضَرَ مَعْ ذَلِكَ أَنَّ إِخْرَاجَهُ لِلزَّكَاةِ شُكْرٌ لِنِعْمَةِ الْمالِ، فلا يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الفَقِير مُعَامَلَةٌ، وَلا يَنْبَغِي أَنْ يَحْتَقِرَ الفَقِيرَ بِفَقْرِهِ لأنَّ الفَضْلَ لَيْسَ بالْمالِ ولا النَّقْصِ بعدَمِهِ. شِعْرًا: أَكْرِمْ يَدَيْكَ عَنْ السُّؤالِ فَإنَّمَا ... قَدْرُ الحَيَاةِ أَقَلُّ مِنْ أَنْ تَسَألا آخر: وِإِذَا افْتَقَرْتَ فَلا تَكُنْ مُتَخَشِّعًا ... تَرْجُو الفَضَائِلَ عَنْدَ غَيْر الله آخر: يَقُولُ النَّاسُ لِي في الكَسْبِ عَارٌ ... فَقُلْتُ العَارُ في ذُلّ السُّؤالِ آخر: إِذَا كَفَّكَ الْمَيْسُورُ والعْرِضُ وَافِرٌ ... فَكل الذي فوق الكَفاف فُضُولُ آخر: وَمَا هِيَ إلا جَوْعَةٌ إِنْ سَدَدْتَهَا ... فكُلُّ طَعَامٌ بَيْنَ جَنْبَيْكَ وَاحِدُ الوظيفةُ الرابعةُ: أَنْ يَسْتَصْغِرَ العَطيَّة، فَإنَّ الْمُسْتَعِظمِ لِلْفِعْل مُعْجَبٌ بِهِ، وَقَدْ قِيلَ: لا يَتِمُّ الْمَعْرُوفُ إلا بِثلاثٍ: بِتَصغيرِهِ، وَتَعْجِيلِهِ، وَسَتْرِهِ. الوظيفةُ الخامسةُ: أَنْ يَنْتَقِي مِنْ مَالِهِ أَحلَّه وأَجْوَدَهُ وَأَحَبَّهُ إليهِ، أَمَّا الحِلُّ فإنَّ اللهَ تَعَالَى طَيَّبٌ لا يَقْبَلُ إلا طَيّبًا، وَأَمَّا الأَجْوَدُ فَقَدْ قَالَ الله تَعَالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ . وَعَنْ عبد اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قال: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ هُوَ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا» . قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يُبَاعُ أَصْلُها وَلا يُورَثُ وَلا يُوهَبُ. قال: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ وَذَوِيِ الْقُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ

стр. 295

وَالضَّيْفِ لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ، وفِي لَفْظ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ. رواه الجماعة. وَعَنْ أَنَسَ ﵁ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ ﵁ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالا مِنْ نَخْلٍ وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَيْكَ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ تعالى فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَمَرَكَ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَخٍ بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ» . فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَّّّّّّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيَنْبَغِي أنْ يُلاحِظَ في ذلك أمرين: أَحَدُهُمَا: حَقُّ اللهِ بالتَّعْظِيمِ لَهُ، فَإنَّهُ أَحَقَّ مَن اخْتيرَ لَهُ، وَلَوْ أَن الإنسانَ قَدَّمَ إلى ضِيفِهِ طعامًا رَدِيئًا لأوغَرَ صَدْرِهِ. والثاني: حَقُّ نَفسِهِ فإن الذي يُقَدِّمُهُ هو الذي يَلْقَاهُ غِدًا في القيامَةِ فَيْنَبَغِي أَنْ يَخْتَارَ الأَجْودَ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا أَحَبَّهُ إليه فَلقوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ . وكان ابن عُمَرَ ﵄ إِذَا اشتدَّ حبُّه لِشَيءٍ من مَالِهِ قَرَّبَهُ للهِ . وَرُوِيَ أنه نَزَلَ الجُحفَةَ وَهُوَ شَاكٍ، فقال: إنّي لأشْتَهِي حِيتَانًا فَالتَمَسُوا لَهُ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إلا حُوتًا فَأَخَذَتْهُ امْرأتُهُ فَصَنَعَتْهُ،

стр. 296

ثم قَرَّبَتْهُ إِليهِ فأتى مسكينٌ، فقال ابنُ عُمَر ﵄: خُذْهُ، فَقَالَ لَهُ أَهْلُهُ: سَبْحَانَ اللهِ قَدْ عَنِّيتَنا وَمَعَنَا زَادٌ نَعْطِيهِ، فَقَالَ: إن عبدَ الله يُحبُه. وَرُوِيَ أَنَّ سَائِلاً وَقَفَ بِبَابِ الربيع بن خَيْثَمَ رحمهَ اللهُ تَعَالى، فَقَالَ: أَطْعِمُوهُ سُكَّرًا، فَإِنَّ الرَّّبِيعَ يُحِبُّ السُّكر. الوظيفةَ السادِسَةُ: أَنْ يََطْلُب لِصَدَقَتِهِ مَن تَزكُو بِهِ، وَهُمْ خُصُوصُ مِنْ عُمُومِ الأصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَلَهُمْ صِفَاتٌ: الأَولى: التَّقْوَى، فَلْيَخُصَّ بِصَدَقَتِهِ الْمُتَّقِينَ فَإنَّهُ يَرُدُّ بِهَا همَهَم إلى اللهِ تعالى، وفي الحديث الذي رواه ابنَ حبانَ في صحيحهِ عن أبي سعيدِ الخدري عن النبي ﷺ : «أَطْعِمُوا الأتْقِيَاءَ وأَوْلُوا مَعْرُوفَكُمْ المؤمنين» . وقد كانَ عَامِرُ بِنُ عَبْدِ اللهِ بن الزبير يَتَخَيَّرَ العُبَّادِ وَهُم سُجُودٌ فيأتيهم بالصُّرَّةِ فِيهَا الدَّنَانيرُ والدَّراهِمُ فَيَضَعُهَا عِنْدَ نِعَالِهِم بِحَيثُ يُحِسونَ بِهَا وَلا يَشْعُرون بِمَكَانِهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُرْسِلَ بها إليهم؟ فيقُولُ: أَكَرَهُ أَنْ يَتَمَعَّرَ وَجْهُ أَحَدِهِم إِذَا نَظَر إلى رَسُولِي. الصِّفةُ الثَّانيةُ: العِلمُ فإن إعطَاءَ العالِم إعانَةٌ عَلَى العِلْمِ وَنَشْرِ الدِّينِ، وَذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِلشَّرِيعَةِ. الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَرَى الإِنْعَام مِنَ اللهِ وَحدَهُ وَلا يَلْتَْفِتُ إلى الأسْبَابِ إلا بَقَدْرِ مَا نُدِبَ إِلِيْهِ مِنْ شُكْرِهَا، فَأَمَّا الذي عَادَتُهُ الْمَدْحُ عندَ العَطَاءِ فَإنَّه سَيذُمُّ عِنْدَ الْمَنْعِ. الصِّفَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يكونَ صَائِنًا لِفَقْرِهِ، سَاتِرًا لِحَاجَتِهِ، كَاتِمًا لِلشَّكْوَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ . شِعْرًا: كَمْ فاقَةٍ مَسْتُورَةٍ بِمُرُوةٍ ... وَضَرُورَةٍ قَدْ غُطِّيَتْ بِتَجَمُّلِ ومِن ابتِسَامٍ تَحْتَهُ قَلْبٌ شَجِ ... قَدْ خَامَرَتْهُ لَوْعَةٌ مَا تَنْجَلِي

стр. 297

وَمن آداب الْمُزَكِّي التي تَتَأَكَّدُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ طَيَّبَ النَّفْسِ بإخْرَاجِهَا فَرِحًا مَسْرُورًا مُسْتَبْشِرًا بِقَبُولِ الفقيرِ الْمُسْتَحِقِّ لِزَكَاتِهِ، وَلْيَحْذَرْ مَنْ أَنْ يَكُونَ كَارِهًا لإخْرَاجِهَا فَإنَّهُ مِنْ صِفَاتِ المنافِقِين، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أن المنافِقَ يُصَلي ولكن لا يَأْتِيهَا إِلا وَهُوَ كَسْلان وَقَدْ يُزَكِّي ولكن مَعَ الكَرَاهَةِ، وقوله ﷺ : «مَنْ تَشَبَّه بقَومٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» . وفي لفظ: «ليسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بغيرنا» . وهو حديث جيد. والله أعلم. اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَثَبِّتْهَا عَلَى قَوْلِكَ الثَّابِتْ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينِ وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينِ يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قُلُوبَنَا، وَتَجْمَعُ بِهَا شَمْلَنَا، وَتَلُمُّ بَهَا شَعْثَنَا، وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدَنَا، وَتَحْفَظُ بِهَا غِائِبَنَا، وَتُزكِّي بِهَا أَعْمَالِنَا، وَتُلْهِمْنَا بِهَا رُشْدَنَا، وَتَعْصِمْنَا بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِين. اللَّهُمَّ يا هادِي الْمُضِلِّينَ وَيَا رَاحِمَ الْمُذْنِبِينَ، وَمُقِيلَ عَثَرَاتِ العَاثِرِينَ، نَسْأَلُكَ أَنْ تُلْحِقْنا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِن النَّبِيينَ والصِّدِّيقِينِ والشُّهَدَاء والصالحين آمين يا رب العالمين. (موعظة) : عبادَ اللهِ إن كُنْتُمْ فِي سِعَةٍ مِنْ العَيْشِ فَاحْمِدُوا اللهَ تَعَالى أَنْ جَعَلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الإِيْسَارِ وَأَدِيمُوا شُكْرَهُ يُدِمْ عَلَيْكُمِ النِّعْمَةَ وَيَزِدْهَا، وَهُو الكريمُ الجوادُ. ومِن تَمَامِ النِّعمَةِ أَنْ تَنَسَّخُوا مِنْ الزَّكَاةِ بَإخْرَاجِهَا كَامِلَةً إلى ذَوي الحَاجَاتِ لعلَّكم أنْ تَفُوزُوا بالخَلَفِ والثَّوَابِ الجَزِيلَ مِنْ فَاطِرِ الأَرْضِ والسَّمَاوَاتِ، أحْسِنُوا إلى عِبَادِ الله كَمَا أَحْسَنَ اللهَ إِلَيْكُمُ وَرَاعُوا عِنْدَ الإحْسَانِ الأدَبَ فلا تَمُنُّوا عَلَى الفَقِيرِ وَلا تُؤذُوه فَإنَّ ذَلِكَ مُحْبِطٌ لِلأعمَالِ واسْتُرُوا عَطَاءَكُم مُخْلِصِينَ مُتَيَقِنِينَ أَنَّ حَاجَتَكُمْ إلى الثَّوَابِ وَتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ أَشَدُّ مِنْ حَاجَةِ الفَقِير إلى ما تُخْرِجُونَ. واعْلَمُوا أن إِحْسَانَكُمْ إنَّمَا هُو لأَنْفُسِكُم وَاعْصُوا الشيطانَ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بَالبُخْلِ وَيَنْهَى عَنْ

стр. 298

العَطْفِ على الْمَسَاكِين، يُخْيفُكُمْ إِنْ تَصَدقتُم أنْ يَذَهَبَ مَالَكُمْ وَأَنْتُمْ تَعَلَمُونَ أَنَّ نَصِيحَةَ الْعَدُوِّ مَهْلَكَةٌ، وَقَد أَخْبَر َاللهُ جَلَّ وَعَلا أَنَّ الشَّيْطَانَ للإنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِين وأخْبَرَ ﷺ : «أنَّهُ مَا مِنْ يَوْمٍ يَصْبَحُ العِبَادُ إلا مَلَكَانِ يَنْزِلانَ فَيَقُولُ أحَدَهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مِنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ الآخرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» . رواه البخاري. اللَّهُمَّ اعْصِمْنَا عَنْ الْمُخَالَفةِ والعصيانِ وألْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ يَا كرِيمُ يَا مَنَّان، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ. اللَّهُمَّ اعصِمْنَا عَنْ المخالفةِ والعصيانِ وَأَلْهِمْنَا ذِكَرَكَ وَشُكْرَكَ يَا كِريمُ يَا مَنَّانَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ اللَّهُمَّ انْهَجْ بِنَا مَنَاهِجَ الْمُفْلِحِينَ وَأَلْبِسْنَا خِلَعَ الإِيمَانِ وَالْيَقِينَ، وَخصَّنَا مِنْكَ بالتَّوْفِيقِ الْمُبين، وَوَفِّقْنَا لِقَوْلِ الحَقِّ وإتِّبَاعِهِ وَخَلِّصْنَا مِنْ البَاطِل وابْتِدَاعِهِ وَكُنْ لَنَا مُؤَيِّدًا وَلا تَجْعَلَ لِفَاجِرِ عَلَيْنَا يَدًا وَاجْعَلْ لَنَا عَيْشًا رَغَدًا وَلا تُشْمِتْ بِنَا عَدُوًّا وَلا حَاسِدًا، وَارْزُقْنَا عِلْمًا نَافِعًا وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً، وَفِهْمًا ذَكِيًّا وَطَبْعًا صَفِيًّا وَشَفًا مِنْ كُلِّ دَاء، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فَصْلٌ) : فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةِ: اعْلَمْ وَفَّقْنَا اللهُ وَإيَّاكَ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مِمَّا يَتَعَيَّنُ على كُل مُؤْمنٍ أَنْ يَصُونَ نَفْسَه عنه، مَسأَلةَ النَّاسِ إِلا عَنْدَ الضَّرُورَةِ أَوْ الحَاجَةِ الشَّدِيدِةِ التي لا بُدَّ لَهُ مِنْهَا وَلا غِنَى لَهُ عَنْهَا، وَذَلِكَ لِمَا وَرَدَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلالِيِّ قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا فَقَالَ: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَآمُرَ لَكَ بِهَا» ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، أَوْ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ وَرَجُلٌ

стр. 299

أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ يَقُولُون: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ -: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ فَمَا سِوَاهُنَّ مِنْ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا» . واللهُ أَعْلَمْ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. فَصْلٌ فِي التَّحْذِيرُ مِنْ أَخْذِ الصَّدَقَةِ لِمن لا تَحِلُّ لَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلِل مِنْهُ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةٌ مِنْ لَحْمٍ» . وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ فَوَاللَّهِ لا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا فَتخرِجُ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا أَنَا كَارِهٌ لَهُ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ» . وَعَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا - يَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ - خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» . فالعاقل يعمل جهده ولا يميل إلى الكسل والملل وحب الراحة وقديمًا قيل: إِنَّ التَّوَانِي زَوَّجِّ العَجْزَ بِنْتَهُ ... وَسَاقَ إِلِيْهَا حِيْن زَوَّجَهَا مَهْرَا فِرَاشًا وَطِيئًا ثُمَّ قَالَ لَهَا اتْكِي ... قُصَارًا كُمَا لا بُدَّ أَنْ تَلِدَا الفَقْرَا آخر: كَمْ من حَيَاءٍ وَكَمْ عَجْزٍ وَكَمْ نَدَمً ... جَمٍّ تَولَّدَ للإنْسَانِ مِنْ كَسَلِ

стр. 300

آخر: دَعِي نَفْسِي التَّكَاسُلَ والتَّوَانِ ... وَإلا فَالْبَسِي ثَوابَ الهَوَانِ فَلَمْ نَرَى لِلْكُسَالى الحَظُ يَجْنِي ... ثِمَارًا غَيْرَ حِرْمَانِ الأَمَانِي وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا الْمَسَائِلُ كدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ إِلا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ أَوْ فِي أَمْرٍ لا يَجِدُ مِنْهُ بُدّ» . وعن عبدِ الله بن مسعودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَن سَأَلَ النَّاسَ وله ما يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ القيامة ومسألتَه خُمُوشُ أَوْ خُدُوشُ أو كُدُوحُ» ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ وما يُغْنِيه؟ قَال: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتْهَا مِنْ الذَّهَبِ» . ولأبِي دَاوُدَ عَنْ سَهْلِ بِنْ الحَنْظَلِيَّةِ قِيلِ: وَمَا الغِنَى الذي لا يَنْبَغِي مَعَهُ المسألة؟ قال ﷺ : «قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ أَوْ يُعْشِيهِ» . وَعَنْ أَنَسِ ﵁ أَنَّ رَجُلاً مِنْ الأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْأَلُهُ فَقَالَ: «مَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ» ؟ قَالَ: بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ الْمَاءِ، قَالَ: «ائْتِنِي بِهِمَا» . فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ وَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ» ؟ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ ﷺ : «مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ» ؟ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا قَالَ: رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ! فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ فَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِيَّ وَقَالَ: «اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ» فأتى به فَشَدَّ ﷺ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلا أَرَيَنَّكَ

стр. 301

خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا» فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَصْلُحُ إِلا لِثَلاثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُقْطِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ» . شِعْرًا: يَا نَفْسُ جُدِّي تَذُوقي لَذَّةِ العَمَلِ ... وَوَاظِبِي لَذَّةِ الإِحْسَانِ في مَهْلٍ فَكُلُ ذِي عَمَلٍ بَالخير مُغْتَبِطُ ... وفي بَلاءٍ وَلُؤْمٍ كُل ذِي كَسَلٍ وللترمذي نحوه عَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ وفيه: «وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ بِهِ مَالَهُ كَانَ خُمُوشًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَرَضْفًا يَأْكُلُهُ فِي جَهَنَّمَ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلِّلْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ» . وَعَنْ ابن مَسعودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَزَلَتْ فَاقَةٌ بِهِ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِاللَّهِ فَيُوشِكُ اللَّهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ» . شِعْرًا: ... لَمَّا افْتَقَرْتُ لِصَحْبِي مَا وَجَدْتُهُمُوا ... لَجأتُ لله لِبَّانَ وَأَغْنَانِي وَاهَا َعلى بُذْل وجْهِيِ للوَرَى سَفِهًا ... وَلَوْ بَذَلْتَ إلى مَوْلاي وَالاني آخر: وَلَيْسَ الغِنَى وَالفَقْرُ مِنْ حِيلَةِ الفَتَى ... ولاكِنِّهَا الأَرْزَاقُ يقسِمُها ربي وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ عَمْروٍ بِن سَعْدِ الأَنَّمَارِيُّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ثَلاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إِلا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا، وَلا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ» . أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا. شِعْرًا: صُنِ الوجْهَ الذي إِنْ لَمْ تَصُنْهُ ... بَقِيتَ وَأَنْتَ فِي الدُّنْيَا ذَلِيلُ وعِشْ حُرًّا وَلا يَحْمِلْكَ ضُرٍّ ... عَلَى مَرْعَىً لَهُ غِبٌ وَبِيلُ

стр. 302

.. فَلَيْسَ الرَّأَيُ إلا الصَّبْرُ حَتَّى ... يُدِيلُ اليُسْرَ مَوْلاكَ الجَلِيلُ وَعَنْ ثَوْبان ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ يَتَكَفَّل لِي أَنْ لا يَسْأَل النَّاسَ شَيْئًا أَتَكَفَّلُ لَهُ الجَنَّةِ» ؟ فَقُلْتُ: أَنَا! فَكَانَ لا يَسْأَلْ أَحَدًا شَيْئًا. وعن حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ «يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وكان كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ، والْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» . قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا. شِعْرًا: ... وَلَيْسَ بِزِينٍ لامْرِئٍ بَذْلُ وَجْهِهِ ... إلى غَيْرِ رَبِّ العَرْشِ بَارِي البَرِيَّةِ آخر: إِنَّ الغِنيَّ هُوَ الغَنِيُّ بِرَبِّهِ ... وَلَوْ أَنَّهُ عَارِي الْمَنَاكِبُ حَافِي آخر: وَإِذَا طَلَبْتَ مِنْ الحَوَائِجَ حَاجَةً ... فَادْعُ الإِلَهُ وَأحْسِنَ الأعْمَالا فَلَيُعْطِيَنَّكَ ما أَرَادَ بِقُدْرَةٍ ... فَهُو اللطِّيفُ لِمَا أَرَادَ فِعَالا وَدَعِ العِبَادِ وَلا تَكُنْ بِطلابَهمِ ... لَهجًا تَضَعْضَعُ لِلْعِبَادِ سُؤالا إن العبادَ وَشَأْنَهُم وَأُمُورَهُمْ ... بَيَدِ الإِلَهِ يُقَلّبُ الأحْوَالا آخر: أَيَا مَنْ لا يَخِيبُ لَدَيْهِ رَاجِ ... وَلَمْ يُبْرِمْهُ إلحَاحُ الْمُنَاجِي وَيَا ثِقَتِي عَلَى ظُلْمِي وَجُرْمِي ... وَإِيثَارِيِ التَّمَادِي فيِ اللِّجَاجِ أَقِلْنِي عَثَرَتِي وَتَلافُ أَمْرِي ... وَهَبْ لِي مِنْكَ عَفوًا واقْضِ حَاجِ فَمَا لِي غَيْر إقْرَارِي بِذَنْبِي ... لِنَفْسِي دُونَ عُذْرٍ واحْتِجَاِج مَوْعِظَةٌ: عِبَادَ اللهُ مَا أَحْسَنَ أَنْ يَعِيشَ الْمَرْءُ قَانِعًا بِمَا رَزَقَهُ اللهُ في هَذِهَ الحَيَاةِ فَلا يَمُدُّ بَصَرَهُ إلى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَلا تَتَطَلَّعُ نَفْسَُهُ إلى سَلْبِ حُقُوقِ النَّاسِ أَوْ ظُلْمِهِمْ والاعْتِدَاءِ عَلَى مَا وَهَبَ اللهُ لَهُمْ مِنْ نِعَمٍ جِسَامٍ فَإنَّ القَانِعَ يَشْعُرُ وَيُحِسُّ

стр. 303

بِسَكِينَةً وَطُمَأنِينةً كَمَا يَشْعُرْ بَأنَّهُ غَنِيُّ عَنْ كُلِّ الخلق قال الشاعر: إِذَا كُنْتَ في الدُّنْيَا قَنُوعًا ... فَأَنْتَ وَمَالِكُ الدُّنْيَا سَوَاءُ آخر: وَإِنَّ اقْتِنَاعَ النَّفسِ مِن أَحْسَنِ الغِنَى ... كَمَا أَنْ سُوءَ الحِرْصِ مِنْ أَعْظَمِ الفَقْرَ وَذَلِكَ أَنْ لَهُ نَفْسًا رَاضِيةً بِمَا قَسَم الله آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً لَمْ يَتَسَرَّبْ إِلِيْهَا الجَشَعُ وَالطَّمَعُ اللذَانِ هُمَا مِنْ أَقْبَحِ القَبَائِحِ وَأَسْوَأ الشَّمَائِلَ وَلا يَزَالُ صَاحِبُ هَذَيْنَ أَوْ أَحَدُهُمَا إِلا وَهُو مَذْمُومٌ وَبَأَقْبَحِ الصِّفَاتِ مَوْسُومٌ لا تَعْرُضُ لَهُ القِنَاعَةِ وَلَوْ كَانَتَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا لَهُ. قَدْ مَلأَ حُبَهَا قَلْبَهُ وَغَمَرَ مَحَبَّتُها والتَّفَانِي فِي طَلَبَا قَلْبَهُ وَصَارَ لا يَرْضَى مِنْهَا باليسِير وَلا يَقْنَعُ بالكَثِيرِ وَقَلَّمَا تَجِدُ مُتَّصِفًا بِهَذَا الوَصْفِ إلا وَهُوَ مُتَشَتِّتُ الفِكْرُ قَلِيلُ الرَّاحَةِ عِنْدَهُ مِنْ الحَسَدِ والهَلَعِ وَضَعْفِ التَّوَكُّلِ عَلى الله الشَّيْء الكَثِيرَ الذي يُخْشَى عَلَيْهِ مَعَ اسْتِدَامَتِهِ مَعَهُ مِنْ سُوءِ الخَاتِمَةِ. شِعْرًا: ... فَإِن تَكُنِ الدُنيا تُعَدُّ نَفيسَةً ... فَإِنَّ ثَوابَ اللَهِ أَعَلَى وَأَنْبَلُ وَإِنْ تَكُنِ الأَرْزَاقُ حَظًا وَقِسمَةً ... فَقِلَّةُ حِرصِ المَرءِ في الكَسْبِ أَجمَلُ وَإِن تَكُنِ الأَموالُ لِلتَركِ جَمعُها ... فَما بالُ مَتروكٍ بهِ المَرْءُ يَبخَلُ آخر: دَعِ الضَراعَةَ لِلمُحتاجِ مِثلِكَ إِذ ... ما في الخَلائِقِ طُرًا غَيْرَ مُحْتَاجِ واضْرَعْ إلى سَيِّدٍ تُغْنِي مَوَاهبُهُ ... عَنْ غَيْرِهِ وَهُوَ كِنْزُ القاصِدِ الرَّاِجي وَكَيفَ تَرجو سِوى المَولى وَأَنتَ تَرى ... ما في البَرِيَّةِ طَرًا غَيرَ مُحتاجِ آخر: فَاطْلُبْ إِلى مَلك الْمُلُوك ولا تَكُنْ ... بادِي الضَّرَاعَةِ طَالِبًا مِن طَالِبِ آخر: أَرَى اليأسَ مِنْ أَنْ تَسْأَلِ النَّاسِ رَاحَةً ... تميتُ بِهَا عُسْرًا وَتَحْيِي بِهَا يُسْرَا أَمَّا القَانِعُ ذُو النَّفْسِ الأَبَيَّةِ الرَّاضِيَةِ الْمُطْمَئِنَّةِ الْمُتَوَكِّلَةِ عَلَى اللهِ فَيُرْجَى لَهَا أَنْ تَنَالَها الآيَة الكَرِيمَةُ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ الآية. قَالَ ﷺ : «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًا فِي بَدَنِهِ مَعَهُ قُوتَ يَوْمِهِ فَكَأنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذِافِيرَهَا» .

стр. 304

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ مَا مِنْ يَوْمٍ إلا يُنَادِي فِيهِ مَلَكٌ مِنْ تَحْتِ العَرْشِ يا ابْنَ آدَمَ قَلِيلٌ يَكْفِيكَ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٌ يُطْغِيكَ. شِعْرًا: لا تَجْزَعَنَّ لِعُسْرَةٍ مِنْ بَعْدِهَا ... يَسْرَانِ وَعْدٌ لَيْسَ فِيهِ خِلافُ كَمْ عُسْرَةٍ ضَاقَ الفَتَى بِنُزُولِهَا ... لِلَّهِ فِي أَعْقَابِهَا أَلْطَافُ آخر: كَمْ كَافِرٍ باللهِ أَمْوَالِهِ ... تَزْدَادُ أَضْعَافًا عَلَى كُفْرِهِ وَمُؤمِنٌ لَيْسَ لَهُ دِرْهَمٍ ... يَزْدَادُ إِيمَانًا عَلَى فَقْرِهِ لا خَيْرَ فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ عَاقِلاً ... يَمُدُّ رِجْلَيهِ عَلَى قَدْرِهِ وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: أَطْيَبُ العَيْشِ القَنَاعَةُ وَأَنْكَدُ الْعَيْشِ الجَشَعُ وَمِنْ الأَخْلاقِ الذَّمِيمَةِ التي تَجْعَلُ الإِنْسَانَ بَخِيلاً بِمَا فِي يَدِهِ مُتَطَلِّعًا لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ الحِرْصُ والإفْرَاطُ في حُبِّ الدُّنْيَا وَجَمْعِهَا وَلَوْ أَدَّى ذَلِكَ إلى إهْدَارٍ الكَرَامَةِ وَإرَاقَةِ مَاءِ الوَجْهِ فَالْحَذرَ عِبَادَ اللهِ مِنْ الحْرِصِ عَلَى الدُّنْيَا فَإنَّ حُبَّهَا رَأْسُ كُلُّ خَطِيئَةٍ. شِعْرًا: إِنْ رُمْتَ عِزًا على فَقْرٍ تُكَابِدِ ... فَاسْتَغْنِ عَنْ مَالِ أَهْلِ البَذْخِ والبَطَرِ فَإنِّمَا النَّفْسُ مَا لَمْ تَنْأ عَنْ طَمَعٍ ... فَرِيسَةٌ بَيْنَ ذُلِّ النَّفْسِ والظُّفُرِ آخر: أَلا إِنَّما الدُنيا مَطِيَّةُ راكِبٍ ... تَسِيرُ بِهِ فِي مَهْمَةٍ وَسِبَاسِبِ فَإنَّا إلى خَيْرٍ يَسُرُّ نَوَالُهُ ... وَأمَّا إِلى شَرٍّ وَسُوءِ مَعَاطِبِ فَلولا ثَلاثٌ هُنَّ أَفْضَلُ مَقْصَدٍ ... لَمَا كُنْتُ فِي طُولِ الحَيَاةِ بِرَاغِبِ مُلازَمَةُ خَيْرِ اعْتِقَادٍ مُنَزِّهًا ... عَنْ النَّقْصِ وَالتَّشْبِيهِ رَبَّ الْمَوَاهِبِ وَنَشْرُ عُلُومِ لِلشَّرِيعَةِ نَاظِمًا ... عُقُودِ مُعَانِيهَا لِتَفْهِيمْ طَالِبِ وَصَوْنِي نَفْسِي عَنْ مُزَاحَمَةٍ عَلَى ... دَنِيِّ حُطَامٍ أَوْ عَلَى مَنَاصِبِ فَفِي ذَاكَ عَزٌّ بِالقُنُوعِ وَرَاحَةٌ ... مُعَجَّلةٌ مِنْ خَوْفِ ضِدِّ مُغَالِبِ وَحَسْبُكَ فِي ذَا قَوْلُ عَالِمِ عَصْرِهِ ... مَقَالُ مُحِقٍّ صَادِقٍ غَيْرِ كَاذِبِ كَمَالَ الفَتَى بالعِلْم لا بَالْمَنَاصِبِ ... وَرُتْبَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَسْنَى الْمَرَاتِبِ

стр. 305

آخر: إِذَا مَا حَذرتَ الأمر فَاِجعَل إزاءَه ... رُجُوعًا إلى رَبٍّ يَقِيكَ المَحَاذِرَا وَلا تَخْشَ أَمْرًا أَنْتَ فِيهِ مُفوِّضٌ ... إِلى اللَّهِ غَايَاتٍ لَهُ وَمَصَادِرَا وَكُنْ للّذِي يَقْضِي بِهِ اللهُ وَحْدَه ... وَإنْ لَمْ تَوَافِقُه الأَمَانِيُّ شَاكِرَا وَلا تَفخَرنْ إلا بِثَوبِ صِيانَةٍ ... إِذَا كُنْتَ يَومًا بَالفَضِيلَةِ فَاخِرَا وَإنِّي كَفيلٌ بِالنَّجَاء مَنَ الأَذَى ... لِمن لَم يَبتْ يَدْعُو سَوى الله نَاصِرَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِي مُنَاجَاتِهِ لِرَبِّهِ: إِلَهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلاي وَعِزتِكَ وَجَلالِكَ مَا أَرَدْتُ بِمَعْصِيتَكَ مُخَالَفَتَكَ، وَمَا عَصَيْتُكَ إِذْ عَصَيْتُكَ وأَنَا بِكَ جَاهِلٌ، وَلا بِعُقُوبَتِكم مُسْتَخِفٌ، وَلكِنْ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، وَغَلبَتْ عَلَيَّ شَقْوَتِي، واغْتَرَرْتُ بِسِتْرِكِ الْمُرْخِي عَلَيَّ فَعَصيْتُكُ بِجَهْلِي وَخَالَفْتُكَ بَسَفِهي وَأَسْوَأَتَاهُ مِنْ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدْيَكَ وَأخَجَلاه من العَرْضِ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَتُوبُ وَأَعُود، وَأَعَاهِدُ وَأَنْقُضُ العُهُودِ. آخر: ... وَإنِّي امْرؤُ بالطَّبِعْ أُلْغِي مَطَامِعِي وَأزْجُرْ نَفْسِي طَابِعًَا لا تَطَبُّعَا وَعِنْدِي غِنَى نَفْسٍ وَفَضْلُ قَنَاعَةٍ وَلَسْتَ كَمَنْ إِنْ ضَاقَ ذَرْعًا تَضَرُّعَا وَإِنْ مَدَّ نَحْوَ الزَّادِ قَوْمٌ أَكُفَّهَا تَأَخَّرْتُ بَاعًا إِنْ دَنَا القَوْمِ أَصْبُعَا وَمُذْ كَانَتْ الدُّنْيَا لَدَيَّ دَنِيئَةً تَعَرَّضْتُ لِلإعْرَاضِ عَنْهَا تَرْفُّعَا وَذَاكَ لِعِلْمِي إِنَّمَا اللهُ رَازِقٌ فَمَنْ غَيْرُهُ أَرْجُو وَأَخْشَى وَأَجْزَعَا فَلا الضَّعْفُ يُقْصِي الرِّزْقَ إِنْ كَانَ دَانِيًا ولا الحَوْلُ يُدْنِيهِ إِذَا مَا تَجَزَّعَا فَلا تَبْطِرَنْ إِنْ نِلْتَ مِنْ دَهْرِكَ الغِنَى وَكُنْ شَامِخًا بَالأَنْفِ إنْ كُنْتَ مُدْقِعًا

стр. 306

فَقَدْرُ الفَتَى مَا حَازَهُ وَأَفَادَهُ مِنْ العِلْمِ لا مَالٌ حَوَاهُ وَجَمَّعَا فَكُنْ عَالِمًا فِي النَّاسِ أَوْ مُتَعَلِّمًا وَإِنْ فَاتَكَ القِسْمَانِ أَصْغِ لِتَسْمَعَا وَلا تَكُ لِلأَقْسَامِ مَا اسْتَطَعْتَ رَابِعَا فَتَدْرَأَ عَنْ وُرْدِ النَّجَاةِ وَتُدْفَعَا اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ نَسْأَلُكَ أَنْ تُوفِّقْنَا لِمَا فِيهِ صَلاحَ دِينِنَا وَدُنْيَانَا وَأَحْسِنْ عَاقِبَتِنَا وَأَكْرِمْ مَثْوَانَا وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا. اللَّهُمَّ يَا مَنْ لا تَضُرُّهُ الْمَعْصِيَةُ وَلا تَنْفَعُه الطَّاعَةِ أَيْقِظْنَا مِنْ نَوْمِ الغَفْلَةِ وَنَبِّهْنَا لاغْتِنَامِ أَوْقَاتِ الْمُهْلَةِ وَوَفِّقْنَا لِمَصَالِحْنَا وَاعْصِمْنَا مِنْ قَبَائِحْنَا وَذُنُوبَنَا وَلا تُؤاخِذْنَا بِمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ ضَمَائِرُنَا وَأكنَّتْهُ سَرَائِرُنَا مِنْ أَنْوَاعِ القَبَائحِ والْمَعَائبِ التي تَعْلَمُهَا مِنَّا وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. فصل: عَنْ عَوْف بن مَالِكٍ الأَشْجَعِي قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيّ ﷺ تِسْعَة أَوْ ثَمَانِيَة أَوْ سَبْعَةً فَقَالَ: «أَلا تُبَايعُونَ رَسُولَ اللهِ» ؟ وَكُنَّا حَدِيثِي عَهْدِ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ! ثُمَّ قَالَ: «أَلا تُبَايعُونَ رَسُولَ اللهِ» ؟ قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيْنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ الله فَعَلامَ نُبَايعُكَ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَواتُ الخَمْسُ، وَتُطِيعُوا اللهَ، وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفيَّةً، وَلا تَسْأَلُونَ النَّاسَ شَيْئًا، فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاولُهُ إِيَّاهُ» . شِعْرًا: مَنِ استعانَ بغَيرِ اللهِ في طَلَبٍ ... فإنَّ ناصِرَهُ وعَجزٌ وخِذْلانُ آخر: مَنِ استعانَ بغَيرِ اللهِ في طَلَبٍ ... أَجَابَ كُلَّ سؤال عن هَلٍ بِلَمِ

стр. 307

آخر: فَحَسِّنِ الوَعْدَ بالإنْجَازِ تُتْبعُهُ ... إِذَا مَوَاعِيدُ قَوْمٍ شَانَهَا الخُلُفُ إنِّي لأَكْرِمُ وَجْهِي أَنْ أَوْجِّهَهُ ... عِنْدَ السُّؤالِ لِغَيْرِ الواحِدِ الصَّمَدِ عَزُّ القَنَاعَةِ وَالإِيمَانُ يَمْنَعُنِي ... مِنْ التَّعَرُض لِلْمَنَانَةِ النَّكِدَ رَضِيتُ بِاللهِ فِي يَوْمِي وَفِي غَدِهْ ... وَاللهُ أَكْرَمُ مَأْمُولِ لِبَعْدِ غَدِ آخر: ... اسْتَرْزِقِ الله فالأرَزَاقَ في يَده ... ولا تَمُدُّّ إلى غَيْرِ الإِلهِ يَدَا آخر: ... مَا شِقْوَةُ المَرْء في فَقرٍ يَعيشُ بِهِ ... وَلا سَعَادَتُهُ يَوْمًا بإكثار إنَّ الشَّّّّّّّّقيَّ الذي في النارِ مَنْزِلُهُ ... وَالفَوْزَ فَوْزُ الذي يَنْجُو مِن النَّارِ وَعَنْ زَيْدِ بِنْ أَسْلَمَ قَالَ: شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ لَبِنًا فَأعْجَبَهُ، فَسَأَلَ الذي سَقَاهُ: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ - قَدْ سَمَّاهُ - فَإِذَا نَعَم ُمِنْ نَعم الصَّدَقَةِ وَهُمْ يَسْقُونَ، فَحَلَبُوا مِنْ أَلْبَانها فَجَعَلْتُهُ فِي سَقَائِي فَهُو هَذَا فَأَدْخَلَ عُمَرُ يَدَهُ فِي فَمِهِ فَاسْتَقَاءَ. أَي: أَخْرَجَهُ مِنْ جَوْفِهِ. وَعَنْ عُمَرَ بِنْ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِينِي العَطَاءَ، فَأَقُولُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ مِنِّي، فَقَالَ: «خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ وَأَنْتَ غَيْرَ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وَمَا لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ السَّاعِدِي قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا وَأَدَّيْتُهَا إِلِيْهِ أَمَرَ لِي بِعَمَالَةٍ. فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ للهِ، قَالَ: خُذْ مَا أُعْطِيْتَ فَإِنِّي قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَعَمَّلَنِي، فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا أَعْطِيْتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَهُ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَعَنْ أَبِى سَعِيدٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 308

فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» . رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» . رَوَاهُ البُخَارِي، وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا. وَقَدْ اشْتَمَلَ الحَدِيثَانِ الأَخِيرَانِ عَلَى جُمَلٍ جَامِعَةٍ نَافِعَةٍ: الأولى: قَوْلُهُ ﷺ : «وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ» . فَفِيهَا الحَثُّ عَلَى مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ عَلَى انْصِرَافِهَا عَنْ التَّعَلَقُّ بَالْمَخْلُوقِينَ، وَذَلِكَ بِالاسْتِعْفَافِ عَمَّا فِي أَيْدِيهِمْ، فَلا يَطْلُبُ مِنْهُم شَيْئًا لا بِلِسَانِ الحَال ولا بِلِسَانِ الْمَقَالِ بَلْ يَكُونُ مُعْتمدًا على الله وحْدَهُ. شِعْرًا: ... أَحْسنْ الظَّنَّ بَربّ عَوَّدك ... حَسَنًا أَمْسَى وَسوَّى أَوَدَكْ إنَّ رَبًا يَكْفِيكَ الذي ... كَانَ بالأمْسِ سَيَكْفِيكَ غَدَكْ آخر: ... إِذَا مَا شِئْتَ طِيبَ العَيْشٍ فَانْظُرْ ... إِلى مَنْ بَاتَ أَسْوَأُ مِنْكَ حَالا وَاَخْفَضَ رُتْبَةً وَأَقَلَّ قَدْرًا ... وَأَنْكَدَ عَيْشَةً وَأَقَلَّ مَالاً آخر: لا تَسْأَلَنَّ إلى صَدِيق حَاجَةً ... فَيَحُولُ عَنْكَ كَمَا الزَّمَانُ يَحُولُ وَاسْتَعْن بالشيءِ القلِيلِ فَإنَّهُ ... مَا صَانَ عِرْضُكَ لا يُقَالَ قَلِيلُ مَنْ عَفَّ خَفَّ عَلَى الصَّدِيقِ لِقَاؤهُ ... وَأَخُو الحَوائجِ وَجْهُهُ مَمْلُولُ وَأَخُوكَ مَنْ وَفَّرْتَ مَا في كَفِهِ ... وَمَتَى عَلِقْتَ بِهِ فَأَنْتَ ثَقِيلُ آخر: ... نَصَحْتُكَ لا تَأتِي لِمَخْلُوقٍ سَائِلاً ... وَتَتْرُكُ بَابَ الله ذي الفَضْلِ جَانِبًا وَفي الجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ: وَهِي قَوْلُه ﷺ : «وَمَنْ

стр. 309

يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ» . الحَثُّ عَلَى الاسْتِغْنَاءِ باللهِ والثِّقَةِ بِهِ وَالاعْتِمَادِ عَلَيْهِ فِي الدَّقِيقِ والجَلِيلِ. وَالثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﷺ : «وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرُهُ اللهُ» . فَفِيهَا أَيْضًا الحَثُّ عَلَى مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ عَلَى الصَّبْرِ الذي هُوَ حَبْسُ النَّفْسِ عَلَى مَا تَكْرَهُ تَقَرُّبًا إلى اللهِ لأنَّهُ يَحْتَاجُ إلى الصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ حَتَّى يُؤَدِّيهَا وَعَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ حَتَّى يَتْرُكَهَا للهِ وَإلى الصَّبْرِ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ الْمُؤْلِمةِ فَلا يَتَسَخَّطْ. وَفِي الحَدِيثِ الآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : «لَيْسَ الغِنَى عَنْ كِثْرَةِ العْرَضِ ... » . إلخ بَيَانٌ أَنَّ الغِنَى لَيْسَ بِسَعَةِ الثَّرْوَةِ وَوَفْرَةِ الْمَالِ وَكثْرَةِ الْمَتَاعِ، وَلَكِنْ الغِنَى غَنَى النَّفْسِ، فَمَنِ اسْتَغْنَى بِمَا فِي يَدِه عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَلَمْ تَشْرُفْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ وَلَمْ تَتَطَلَّعْ إِلَيْهِ فَهُوَ الْغِنيُّ الجَدِيرُ بِلَقَبِ الغَنِيّ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ مُقِلاً، إِذْ رَضَاهُ بِمَا قَسَمَ اللهُ وَعِفَّتُهُ وَزُهْدهُ وَقَنَاعَتُهُ جَعَلَتْهُ فِي دَرَجَةٍ مِنْ الغِنَى دُونَهَا بِطَبَقَاتِ أَهْلِ الثَّرَاءِ الذينَ حُرمُوا الزَّهَادَةَ وَالقَنَاعَةَ وَالرِّضَا بِمَا كَتَبَ اللهُ لَهُمْ، الذِينَ تَذْهَبُ أَنْفُسُهُمْ حَسْرَةً إِذَا فَأتَتْهُم صَفَقَةٌ أَوْ ضَاعَتْ عَلَيْهِمْ فُرْصَةٌ. بَلْ مَا جَاءَهُ رِضَيَ بِهِ وَقَنِعَ بِخَلافِ مِنْ كَثُرَ مَالُهُ وَتَشَعَّبَتُ أَمْلاكُهُ وَصَارَ قَلْبُهُ مُوَزِّعًا بَيْنَ ضَيْعَتِهِ وَعِمَارَاتِهِ وَذَهبِهِ وَفِضَّتِهِ وَأَوْرَاقِهِ وَسَائِرِ أَمْوَالِهِ وَلَيْسَ لَهُ هَمَّ إِلا جَمْع الْمَالِ فَهُوَ مَعْشُوقُهُ يَحْرِصُ عَلَيْهِ أَشدَّ الحِرْصِ، واسمع إلى من يصرف المُبالغة في المدح إلى المخلوق وينسى الخالق: مَنْ زَارَ بَابَكَ لَمْ تَبْرحْ جَوَارِحُهُ ... تَرْوي أَحَادِيث ما أَوْلَيْتَ مِنْ منَنَ فَالْقَلْبُ عَنْ جَابْرٍ وَالكَفُ عَنْ صِلَةٍ ... وَالْعَيْنُ عَنْ قُرَّةٍ والسَّمْعُ عَن حَسَنِ آخر: وَمَا فِي الأَرْضِ أَشْقَى مِنْ جَهَولٍ ... عَصَى رَبَّ العِبَادِ مَدَى الحَيَاةِ يُضَيّعُ عُمْرهُ في جَمْع مَالٍ ... مَخَافَةَ فَقْرِهِ أو لِلتَّبَاهِي

стр. 310

وَيَتَمَيَّزُ غَيْظًا إذا فَاتَهُ مِنْهُ القَلِيلُ وَبُودّه لَوْ ضَمَّ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ إِلى مَا فِي يَدِهِ لا يَتَلذَّذُ بِمَأْكَلِ وَلا بِمَشْرَبٍ وَلا يَرْتَاحُ لِمُنَادَمَةِ جَلِيسٍ لاشْتِغَالِ قَلْبِهِ بِهِ فَهَذَا هُوَ الفَقِيرُ حَقًّا المَحْرُومْ صِدْقًا وَصَدَقَ مَنْ قَالَ: آخر: وذي حِرْصٍ تَرَاهُ يَلُمُّ وَفْرًا ... لِوَارثهِ وَيَدْفعُ عن حِمَاهُ كَكَلْبِ الصَّيْد يُمْسِكُ وَهُوَ طَاوٍ ... فَرِيَستَهُ لِيَأْكُلَهَا سِوَاهُ آخر: أَصْبَحَت الدُّنْيَا لَنَا عِبْرَةً ... والْحَمْدُ لله عَلى ذالِكَا قَدْ أَجْمَعَ النَّاسَ على ذَمِّهَا ... وَمَا أَرَى مِنْهُمْ لَهَا تَارِكَا آخر: يُفْنِي البَخِيلُ بجَمْعِ المالِ مُدَّتَهُ ... وَلِلْحَوَادِثِ وَالوُرَّاثِ مَا يَدَعُ كَدُودَةِ القَزِّ مَا تَبْنِيهِ يَهْدِمُهَا ... وَغَيْرُهَا بالذي تَبْنِيهِ يَنْتَفِعُ آخر: ... إِذَا زَادَكَ الْمَالُ افْتِقَارًا وَحَاجَةً ... إِلى جَامِعِيهِ فَالثَّرَاءُ هُوَ الفَقْرُ آخر: وَمَنْ يُنْفِقْ السَّاعَاتِ في جَمْعِ مَالِهِ ... مَخَافَة فَقْرٍ فَالذي فَعَلَ الفَقْرُ اللَّهُمَّ يسِّرْ لَنَا أَمْرَ الرِّزْقِ وَاعْصِمْنَا مِنْ الحِرْصِ وَالتَّعبِ فِي طَلَبِهِ وَمَنْ شَغْل القَلْبِ وَتَعَلُّقِ الهَمِّ بِهِ، وَمِنْ الذُّلِّ لِلْخَلْقِ بِسَبَبِهِ وَمِنْ التَّفْكِير والتَّدْبِيرِ فِي تَحْصِيلِهِ، وَمَنْ الشُّحِّ وَالحِرْصِ عَلَيْهِ بَعْدَ حُصُولِهِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. مَوْعِظَةٌ: عِبَادَ اللهِ أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ العَزيزِ العَلام الحَيِّ القَيُّومِ الذي لا يَنَامُ وَأُوصِيكُمْ في مُعَامَلَتِهِ بِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ فِي الأَقْدَامِ وَالأَحْجَامِ وَالفَزَعِ إِلَيْهِ عِنْدَ تفَاقُمْ الشَّدَائِدِ واشْتِبَاهِ الأَحْكامِ، وَالاعْتِمَادِ عَلَيْهِ فِي الدَّقِيقِ وَالجَلِيل، والتَّسْلِيم لَهُ في النَّقْض وَالإِبْرَام، وَالرَّغْبَةِ فِيمَا لَدَيْهِ فَبيَدَيهِ

стр. 311

الخَيْرُ وَهُو الكَرِيمُ الجَوَادُ، وَمَقَابَلَةِ قَضَائِه بِحَقِيقَةِ الرِّضَى وَالاسْتِسْلامِ، أَمَا شَرَّفكمُ وَفَضَّلَكمُ بِجَزِيلِ العُقُولِ وَالإِفْهَامِ، أَمَّا أَوْضْحَ لَكُمْ الطَّريقَ المُوصِلَ إلى دَارِ السَّلامِ، أَمَّا بَعَثَ إِلَيْكُمْ مُحَمَّدًا ﷺ لِتَبْلِيغِ الشَّرَائِعَ وَالأحْكَامِ، أَمَّا أَنْزَلَ عَلَيْهِ الذِّكْرَ لِيُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا أَوْدَعَهُ فِيهِ مِنْ الأَحْكَام، أَمَا دَعَاكُمْ إِلى التَّوَكّلِ عَلَيْهِ وَالاعْتِصَامِ، أَمَّا حَثَّكُم إلى العَمَلَ فِيمَا يُقَرِّبُ إلى دَارِ السَّلامِ، أَمَّا حَذَّرَكُمْ عَوَاقِبَ مَعَاصِيهِ وَنَهَاكُمْ عَنْ الآثَامِ، أَمَا أنْذَركُم هَوْلَ يَوْمٍ أَطْوَلَ الأَيَّامِ، اليَوْمُ الذي يَشِيبُ فِيهِ الوِلْدَانْ، وَتَنْفَطِرُ فِيهِ السَّمَاءُ، وَتَنْكَدِرُ فِيهِ النُّجُومِ، وَتَظْهَرُ فِيهِ أَمُورٌ عِظَامٌ، أَمَّا خَوَّفكمُ مَوَارِدُ الحَمَامِ، أَمَا ذَكَّرَكُمْ مَصَارِعَ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ الأَنَامِ، أَمَا أَمَدَّكُم بالأبْصَارِ وَالأَسْمَاعِ وَصِحَّةِ الأَجْسَامِ، أَمَا وَعَدَكَمُ بِقَبُولِ تَوْبَةِ التَّائِبِينَ رَحْمَةً مِنْهُ جَرَتْ بِهِ الأَقْلامُ، فَوَاللهِ لَحُقَّ لِهَذَا الرَّبِ العَظِيمِ أَنْ يُطَاعَ فَلا يُعْصَى عَلَى الدَّوَامِ، فَيَا أَيُّهَا الشُّيُوخُ بَادِرُوا فَمَا لِلزرْعِ إِذَا أَحْصَدَ إلا الصِّرَامُ، وَيَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ جُدُّوا في العَمَلِ فُرَبُّ امْرئٍ مَا بَلَغَ التَّمَامَ، وَاحْذَرُوا عِقَابَ رَبِّكُم يَوْمَ يُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ، يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضِ غَيْرَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ وَبَرَزُوا للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ، يَوْمٌ مَا أَطْوَلَ الوُقُوفَ فِيهِ وَأثْقَلَهُ عَلَى كُلِّ مُجْرِمٍ جَبَّارٍ يَوْمَ الْمُنَاقَشَةِ فِيهِ عَنْ الفَتِيلِ والنَّفِيرِ والقِطمِيرِ وَصَغَائِرَ الأعْمَالَ وَالكَبَائِرْ، فَتَأَهَّبُوا لِذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ وَاسْتَعِدوا لَهُ أَتَمَّ اسْتِعْدَادٍ. اللَّهُمَّ يَا عَظِيمَ العَفْوِ يَا وَاسِعَ الْمغْفِرَةِ يَا قَرِيبَ الرِّحْمةَ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ فَرِّغْنَا لِمَا خَلَقْتَنَا لَهُ، وَلا تَشْغَلْنَا بِمَا تَكَفَّلْتَ لَنَا بَهِ وَهَبْ لَنَا العَافِيةَ في الدُّنْيَا وَالآخِرة، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلىَ آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. لَكَ الحَمْدُ والنَّعْمَاءُ وَالْمُلْكُ رَبَّنَا ... وَلا شَيْءَ أَعْلا مِنْكَ مَجْدًا وَأَمْجَدًا

стр. 312

مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ لِعِزَّتِهِ تَعنو الوجوهُ وَتَسجُدُ فَسُبْحَانَ مَنْ لا يَقْدِرُ الخَلْقُ قَدْرَهُ وَمَنْ هُوَ فَوْقَ العَرْشِ فَرْدٌ مُوَحَّدٌ وَمَنْ لَمْ تُنَازِعْهُ الخَلائِقُ مُلْكَهُ وَإِنْ لَمْ تُفَرِّدْهُ العِبَادُ فَمُفْرَدُ مَليكُ السَمَاواتِ الشِدادِ وَأَرضِها وَلَيسَ بِشَيءٍ عَن قَضاهُ تَأَوُّدُ هَوَ اللهُ باري الخَلقِ وَالخَلقُ كُلُّهُم إِماءٌ لَهُ طَوعاً جَميعاً وَأَعبُدُ وَأنَّى يَكونُ الخَلقُ كَالخالِقِ الَذي يُمِيتُ وَيُحْيِي دَائِبًا لَيْسَ يَهْمدُ تُسَبِّحُهُ الطَّيْرُ الجَوَانِحُ في الخَفَا وَإذْ هِيَ فِي جَوِّ السَّمَاءِ تُصَعِّدُ وَمِنْ خَوْفِ رَبِّي سَبَّحَ الرَّعْدُ فَوْقَنَا وَسَبَّحَهُ الأَشْجَارُ والوَحْشُ أَبَّدُ وَسَبَّحَهُ النِّيْنَانُ وَالبَحْرُ زَاخِرًا وَمَا طَمَّ مِنْ شَيءٍ وَمَا هُوَ مُقْلَدُ أَلا أَيُّهَا القَلْبُ الْمُقِيمُ عَلَى الهَوَى إلى أيِّ حِينٍ مِنْكَ هَذَا التَّصَدُّدُ عَنْ الحَقِّ كَالأَعْمَى الْمُمِيطِ عَنْ الهُدَى وَلَيْسَ يَرُدُّ الحَقَّ إلا مُفَنَّدُ وَحَالاتُ دُنْيًا لا تَدُومُ لأَهلِهَا

стр. 313

فَبَين الفَتَى فِيهَا مَهِيبٌ مُسَوَّدُ إِذا اِنْقَلَبَتْ عَنهُ وَزَالَ نَعِيمُهُا وَأَصبَحَ مِن تَربِ القُبورِ يوَسَّدُ وَفَارَقَ رُوحًا كَانَ بَيْنَ جَنانِهِ وَجاوَرَ مَوْتَى مَا لَهُم مُتَرَدَّدُ فأَي فَتىً قَبلي رأَيتَ مُخَلَّدًا لَهُ في قَديمِ الدَهرِ ما يَتَوَدَّدُ فَلَم تَسلَم الدُنيا وَإِن ظَنَّ أَهلُها بِصِحَّتِها وَالدَهرُ قَد يَتَجَرَّدُ أَلَستَ تَرى في ما مَضَى لَكَ عِبرَةً فَمَه لا تَكُن يا قَلبُ أَعمى يُلَدَّدُ فَكُن خائِفًا لِلمَوتِ وَالبَعثِ بَعدَهُ وَلا تَكُ مِمَّن غَرَّهُ اليَومُ أَو غَدُ فَإِنَّكَ في دُنْيَا غُرُورٍ لأَهْلِهَا وَفِيهَا عَدُوٌّ كَاشِحُ الصَّدْرِ يُوْقِدُ اللَّهُمَّ أحْي قُلُوبًا أَمَاتَهَا البُعْدُ عَنْ بَابِكَ، وَلا تُعَذّبْنَا بَأليمِ عِقَابِكَ يَا أَكْرَمَ مَنْ سَمَحَ بالنَّوَالِ وَجَادَ بَالأفْضَالِ، اللَّهُمَّ أَيْقَضْنَا مِنْ غَفْلَتِنَا بُلطْفِكَ وَإِحْسَانِكَ، وَتَجَاوَزْ عَنْ جَرَائِمِنَا بَعَفْوِكَ وَغُفْرَانِكَ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. فَصْلٌ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُعْ ١- مَا وَرَدَ مِنْ الآثَارِ الشَّرْعِيَّةِ في فَضْلِهَا.

стр. 314

٢- أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ. ٣- بَيَانُ عِظَمِ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ في شَهْرِ رَمَضَانَ، وفي الحَرَمَيْنِ. ٤- الأَوْلَوِيَّةُ في الصَّدَقَةِ لِلأقرِبَاءِ وَطُلابِ العِلْمِ. ١- مَا وَرَدَ مِنْ الآثَارِ الشَّرْعِيَّةِ في فَضْلِهَا: تُسَنُّ صَدَقَةُ التَّطَوُعِ في كُلِّ وَقْتٍ، قَالَ تَعَالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ... ﴾ الآية. وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ، فإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: كُنَّا فِي صَدْرِ النَّهَارِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ. فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلاَلاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ وَالآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ حَتَّى قَالَ: «وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» ، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَتِفُهُ تَعْجَزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجَزَتْ. ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ

стр. 315

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا الكَلامُ البَلِيغُ دَعْوَةٌ إلى التَّنَافُسِ في الخَيْرِ والتَّسَابُقِ في افْتِتَاحِ مَشْرُوعَاتِهِ. وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ. فَقَالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُمِائَةِ نَاقِةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ» . وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ مَرْفُوعَا: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» . رَوَاهُ التِّرمذِي وَحَسَّنَهُ. وَكَمَا أَنَّهَا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ ﵎ فَهِيَ تُطْفِئُ الذُّنُوبَ وَالخَطَايَا كَمَا يُطْفِئُ الماءُ النَّارَ. وَعَنْ مِرْثَد بن عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ يَقُولُ: «إِنَّ ظِلَّ الْمُؤمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ صَدَقَتُهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَصَدَقَةُ السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ العَلانِيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ» . وَذَكَرَ مِنْهُمْ: «رَجُلاً تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ

стр. 316

فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وفي رواية الترمذي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقَال: «أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلاَةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ شِعَارُ الصَّالِحِين» . ثُمَّ تَلاَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ وَفِي بَعْضِ الآثَارِ: بَاكِرُوا بَالصَّدَقَةِ فَإنَّ البَلاءَ لا يَتَخَطَّاهَا. وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بِنْ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنِ سُمْرَةَ بِنْ جُنْدَبِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا وَكُنَّا فِي صُفَّةٍ بَالْمَدِينَةِ فَقَامَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «إِنِّي رَأَيْتُ البَارِحَةَ عَجَبًا، رَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي أَتَاهُ مَلكَ الْمَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوُحَهُ فَجَاءَ بِرُّهُ بِوَالِدَيْهِ فَرَدَّ مَلَكَ الْمَوْتِ عَنْهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي قَدْ بُسِطَ عَلَيْهِ عَذَابُ القَبْرِ فَجَاءَهُ وُضُوئُهُ فَاسْتَنْقَذَهُ مَنْ ذَلِكَ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي قَدْ احْتَوَشَتْهُ الشَّيَاطِينِ فَجَاءَهُ ذِكْرُ اللهِ وَطَرَدَ الشَّيَاطِينَ عَنْهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي قَدْ احْتَوَشَتْهُ مَلائِكَةُ العَذَابِ فَجَاءَتْهُ صَلاتِهِ فَاسْتَنْقَذَتْهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي يَلْتَهِبُ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «يَلَهْثُ عَطَشًا كُلَّمَا دَنَا مِنْ حَوْضٍ مُنِعَ وَطُرِدَ فَجَاءَهُ صِيَامُ رَمَضَانَ فَسَقَاهُ وَأَرْوَاهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي، وَرَأَيْتُ النَّبِيِّينَ جُلُوسًا حِلَقًا حِلقًا كُلَّمَا دَنَا إِلى حِلْقَةٍ طُرِدَ فَجَاءَهُ غُسْلُهُ مِنْ الجَنَابَةِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَقْعَدَهُ إِلى جَنْبِي، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ ظُلْمَةٌ وَمِنْ خَلْفِهِ ظُلْمَةٌ وَعَنْ يَمِينِهِ ظُلْمَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ ظُلْمَةٌ وَمِنْ فَوْقِهِ ظُلْمَةٌ وَهُوَ مُتَحَيِّرٌ فِيهَا فَجَاءَهُ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ فَاسْتَخْرَجَاهُ مِنْ الظُّلْمَةٌ وَأَدْخَلاهُ فِي النُّورِ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي يَتَّقِي بِوَجْهِهِ وَهَجَ النَّارِ وَشَرَرَه فَجَاءَتْهُ صَدَقَتُهُ فَصَارَتْ سُتْرَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ

стр. 317

وَظَلَّلَتْ عَلَى رَأْسِهِ وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي يُكَلِّمُ الْمُؤْمِنينَ. وَلا يُكَلمُونَهُ فَجَاءَتْهُ صِلَتُهُ لِرِحِمِهِ فَقَالَتْ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّهُ كَانَ وَصُولاً لِرِحِمِهِ فَكَلِّمُوهُ فَكَلَّمَهُ الْمُؤْمِنُونَ وَصَافَحُوهُ وَصَافَحَهُمْ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي قَدْ احْتَوَشَتْهُ الشَّيَاطِينُ فَجَاءَهُ أَمْرُهُ بالْمَعْرُوفِ وَنَهْيهِ عَنْ الْمُنْكَرِ فَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ أَيْدَيِهِمْ وَأَدْخَلَهُ فِي مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي جَاثِيًا عَلَى رُكْبَتِيهِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ فَجَاءَهُ حُسْنُ خُلُقِهِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَأَدْخَلَهُ عَلَى اللهِ. وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي قَدْ ذَهَبَتْ صَحِيفَتُهُ مِنْ قِبَل شِمَالِهِ فَجَاءَهُ خَوْفُهُ مِنْ اللهِ فَأَخَذَ صَحِيفَتَهُ فَوَضَعَهَا فِي يَمِينِهِ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي خَفَّ مِيزَانَهُ فَجَاءَهُ أفْرَاطُهُ فَثَقَّلُوا مِيزَانَهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي قَائِمًا عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَجَاءَهُ رَجَاؤُهُ فِي اللهِ فَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ ذَلِكَ وَمَضَى. وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي قَدْ أَهْوَى فِي النَّارِ فَجَاءَتْهُ دمْعَتُهُ التِي بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللهِ فَاسْتَنْقَذَتْهُ مِنْ ذَلِكَ. وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي قَائِمًا عَلَى الصِّرَاطِ يَرْعُدُ كَمَا تَرْعُدُ السَّعْفَةُ فِي رِيحٍ عَاصِفٍ فَجَاءَه حُسْنُ ظَنِّهِ بِاللهِ فَسَكَنَ رِعْدَتَهُ وَمَضَى، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي يَزْحَفُ عَلَى الصِّرَاطِ وَيَحْبُو أَحْيَانًا وَيَتَعَلَّقُ أَحْيَانًا فَجَاءَتْهُ صَلاتُهُ فَأَقَامَتْهُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَأَنْقَذَتْهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي انْتَهَى إِلى أَبْوابِ الجَنَّةِ فَغُلِّقَتْ الأَبْوَابُ دُونَهُ فَجَاءَتْهُ شِهَادَةُ أَنْ لا إِلهَ إلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ فَفُتِحَتْ لَهُ الأَبْوابُ وَأَدْخَلتُهُ الجَنَّةُ» . رَوَاهُ الحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِي. قَالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: وَكَانَ شَيْخُ الإِسْلامِ ابنْ تَيمِيَّةَ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ يُعَظِّمُ شَأَنْ هَذَا الحَدِيثِ، وَبَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ شَوَاهِدُ الصِّحَّةِ عَلَيْهِ. انْتَهَى.

стр. 318

وَبِمُنَاسَبَةِ سِيَاقِهِ هُنَا قَوْلُهُ: «فَجَاءَتْهُ صَدَقَتُهُ فَصَارَتْ سِتْرًا بِيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ وَظَلَّلَتْ عَلى رَأْسِهِ» . قَالَ ﵀: وَفِي تَمْثِيلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلصَّدَقَةِ بِمَنْ قُدِّمَ لِيُضْرَبَ عُنُقُهُ فَافْتَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ بِمَالِهِ كِفَايَةَ، فَإنَّ الصَّدَقَةِ تَفْدِي العَبْدَ مِنْ عَذَابِ اللِه تَعَالى فَإنَّ ذُنُوبَهُ وَخَطَايَاهُ تَقْتَضِي هَلاكَهُ فَتَجِيءُ الصَّدَقَةُ تَفْدِيهِ مِنْ العَذَابِ وَتَفُكُّهُ مِنْهُ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ لَمَّا خَطَبَ النِّسَاءَ يَوْمَ العِيدِ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» . وَكَأَنَّهُ حَضَّهُنَّ وَرَغْبَهُنَّ عَلَى مَا يَفْدِينَ بِهِ أَنْفُسَهُنَّ مِنْ النَّارِ. اللَّهُمَّ قَوِّ إِيمَانَنَا بِكَ وَبِمَلائِكَتِكَ وَبِكُتُبِكَ وَبِرُسُلِكَ وَبَاليَوْمِ الآخِر، وَبالقَدَرِ خَيْره وَشَرهِ، وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْ قُلُوبَنَا مَمْلُوءَةً بِحُبِّكَ، وَأَلْسِنَتَنَا رَطْبَةً بِذِكْرِكَ، وَنُفُوسَنَا مُطِيعَةٌ لأَمْرِكَ، وَأَمِّنَا مِنْ سَطْوَتِكَ وَمَكْرِكْ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ العَافِيةَ فِي دِينِنَا وَدُنْيَانَا وَأخْرَانَا وَأَهْلُنَا وَمَالِنَا، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَأَمِّنْ رَوْعَاتِنَا، وَاحْفَظَنَا مِن بَيْنَ أَيْدِينَا وَمِنْ خَلْفَنَا وَعَنْ أَيْمَانِنَا وَعَنْ شَمَائِلنَا وَمِنْ فَوقَنا، وَنَعُوذُ بعَظَمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ مِنْ تَحْتِنَا، وَاغْفِرْ لَنَا ولِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيِنَ. (فَصْلٌ) : وَصَدَقَةُ التَّطَوُعِ بِطَيْبِ نَفْسٍ أَفْضَلُ مِنْهَا بِدُونِهِ لِمَا فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ الغَاضِرِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ثَلاثَ مِنْ فَعَلهُنَ فَقَد ذَاقَ طَعْمَ الإيِمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللهَ وَحْدَهُ، وَعَلِمَ أَنْ لا إِله إِلا الله، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبةً بِهَا نَفْسِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. والصَّدَقَةُ في الصِّحَّةِ أَفْضَلْ مِنْهَا فِي غَيْرِهَا، وَلِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلاَ تُهْمِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلاَنٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلاَنٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 319

فَالعَاقِلُ مَنْ يُسَابِقُ فِي مَيْدَانِ الخَيْرَاتِ بِمَا يُقَدِّمُهُ مِنْ الصِّلَةِ وَالإِحْسَانِ لإِخْوَانِهِ الفقَرَاءِ الذين أَنَاخَ الفَقْرُ عَلَيْهِمْ وَعَضَّهُمْ البُؤْسُ بِنَابِهِ وَأَوْجَعَهُمْ بِكِلابِهِ الذين لا مَوَارِدَ لَهُمْ لا قَلِيلٌ وَلا كَثِيرٌ، الذين لَوْ رَأَيْتَهُمْ لظَنَنْتَهُمْ مِنْ الأَغْنِيَاءِ وَأَهْلِ الثَّرْوَةِ وَالْمَالِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُقَاسُونَهُ مِنْ الدِّيوُنِ لِمَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ الصِّغَارِ وَالكِبَارِ، وَمَا يُقَاسُونَ مِنْ أَلَمِ الجُوعِ وَالفَقْرِ وَالشِّدَةِ والعُسْرِ لَكَنْ يَمْنَعُهُمْ الحَيَاءُ وَعِزَّةُ النَّفْس أَنْ يَمُدُّوا أَيْدِيهِمْ لِلسُّؤَالِ وَأَنْ يَطْلُبُوا الرِّزْقَ إلا مِنْ اللهِ الكَبِيرِ الْمُتَعَالِي الرَّزَّاقِ وَهَؤُلاِء هُمْ الذين يَنْبَغِي الاعْتِنَاءُ بِهِمْ وَالبَحْثُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ وَذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ جِيرَانِهِمْ وَأَقْرِبَائِهِمْ حَتَّى تَقَعَ الصَّدَقَةُ مَوْقِعَهَا وَقَد وَرَدَ فِي القُرْآنِ وَصَفُهُمْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ . وَأَوْصَى بِهِمْ النَّبِي ﷺ فَفِي الحَدِيثِ الذي رَوَاهُ البُخَارِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لاَ يَجِدُ غِنىً يُغْنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ لهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسُ» . وَلَمَّا كَانَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ حَرِيصِيْنَ جِدًّا عَلَى مَا يُقَرِّبُ إلى اللهِ مِن أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ سَأَلَ أَحَدُهُم النَّبِي ﷺ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ فَأجَابَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ» أَيْ الجِسْمُ «مُعَافًا فِي البَدَنِ» ، تَتَمَتَّعُ بِقَواكَ العَقْلَيَّةِ والجَسْمِيَّةِ، «شَحِيحٌ تَأْملُ الغِنَى» ، أَيْ تَطْمَعُ فِيهِ لِقُدْرَتِكَ عَلَيْهِ عَنْ طَرِيقِ الْمَكَاسِبَ وَالأَرْبَاحَ وَتَخْشَى الفَقْرَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الصَّدَقَةُ فِي هَذِهِ الحَالِ أَفْضَلُ لِمَا تَسْتََدْعِيهِ مِنْ شِدَّةِ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ عَلى إِخْرَاجِ الْمَالِ مَعَ قِيامِ الْمَانِعِ وَهُو الشُّحُّ فَإخْرَاجُهُ حِينَئِذٍ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى قُوَّةِ الإِيمَانِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ

стр. 320

وَصِحَّةِ القَصْدِ وَشِدَّةِ الرَّغْبَةُ فِيمَا يُقَرِّبُ إلى اللهِ «ولا تُهْمِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومُ» ، أي بَلَغَتِ الرُّوحُ مَجْرَى النَّفْسِ وَذَلِكَ عِنْدَ الغَرْغَرَةِ «قُلْتِ كَذَا، وَلِفُلانِ كَذَا» وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ الْمُوصِي وَالْمُوصَى لَهُ، فَالْحَدِيثِ يُرْشِدْنَا إِلى أَنَّهُ لا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُؤَخِّرِ الصَّدَقَةَ إلى وَقْتُ مُعَايَنَةِ الْمَوْتِ وَالإِيذَانِ بَالانْصِرَافِ عَنْ الدُّنْيَا وَمُفَارَقَةِ نَعِيمَهَا وَقَدْ نَبَّهْنَا اللهُ جَلَّ وَعَلا عَلَى هَذَا حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ . شِعْرًا: فَعُقبى كُلِّ شَيءٍ نَحنُ فيهِ ... مِنَ الجَمعِ الكَثيفِ إِلى شَتاتِ وَما حُزناهُ مِن حلٍّ وَحُرمٍ ... يُوَزَّعُ في البَنينِ وَفي البَناتِ وَفيمَن لَم نُؤَهِّلهُم بِفلسٍ ... وَقيمَةِ حَبَّةٍ قَبلَ المَماتِ وَتَنسانا الأَحِبَّةُ بَعدَ عَشرٍ ... وَقَد صِرنا عِظاماً بالِياتِ كَأَنّا لَم نُعاشِرهُم بِوُدٍّ ... وَلَم يَكُ فيهِمُ خِلٌّ مُؤاتِ آخر: وَمَا طَربْتُ لِمَشْرُوبٍ أَلَذُ بِهِ ... وَلا لِعِشْقِ ظَبَاءِ العُجْمِ وَالعَرَبِ لَكِنْ طَرِيتُ إِلى وَقْتٍ أَنَالَ بِهِ ... غِنَىً فَأبذِلُهُ فِي طَاعَةِ الصَّمَدِ آخر: ... وَمَا ضَرَّنِي إِتْلافُ عُمْرِي كُلِّهِ ... إِذَا كَانَ وَقْتِي فِي رِضَا خَالِقِي يَجْرِي اللَّهُمَّ قَوِّي إِيمَانِنَا بِكَ وَنَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ، اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ وَأَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ، وَأَمِّنَّا مَنْ سَطْوَتِكَ وَمَكْرِكَ، اللَّهُمَّ أَنْظِمْنَا فِي سِلكَ حِزبكَ الْمُفِلِحِين، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُخْلِصِينَ، وَآمِّنَّا يومَ الفَزَعَ الأَكْبر يومَ الدِّين، وَاحْشُرْنَا مَعَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيين وَالصِّدقِينَ والشُّهْداء والصالحِينِ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
следующие страницы →