Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
.. وَهالَني صُورَةً في العينِ إِذْ نَظَرَتْ
مِنْ هَوْلِ مَطْلَعِ ما قَدْ كَانَ أَدهَشَني
مِنْ مُنكَرٍ ونكيرٍ ما أَقولُ لَهُمْ
إذْ هَالَني مِنْهُمَا مَا كَانَ فَأَفْزَعَني
فَامْنُنْ عَلَيَّ بِعَفْوٍ مِنك يَا أَمَلي
فَإِنَّني مُوثَقٌ بِالذَّنْبِ مُرْتَهَنِ
تَقاسمَ الأهْلُ مالي بعدما انْصَرَفُوا
وَصَارَ وِزْرِي عَلى ظَهْرِي فَأَثْقَلَني
فَلا تَغُرَّنَّكَ الدُّنْيَا وَزِينَتُها
فَلا تَغُرَّنَّكَ الدُّنْيَا وَزِينَتُها
وانْظُرْ إِلى مَنْ حَوَى الدُّنْيَا بِأَجْمَعِها
هَلْ رَاحَ مِنْها بِغَيْرِ الزَّادِ والكَفَنِ ... >?
... خُذِ القَنَاعَةَ مِنْ دُنْيَاك وارْضَ بِها ... لَوْ لم يَكُنْ لَكَ إِلا رَاحَةُ البَدَنِ
يَا نَفْسُ كُفِّي عَنِ العِصْيانِ واكْتَسِبِي ... فِعْلاً جميلاً لَعَلَّ اللهَ يَرحَمُني
اللَّهُمَّ أيقظنا من غفلتنا بِفَضْلِكَ وإحسانك وتجاوز عن جرائمنا بعفوك وغفرانك وألحقنا بالَّذِينَ أنعمت عَلَيْهمْ في دار رضوانك وارزقنا كما رزقتهم من لذيذ مناجاتك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
فصل في التحذير عن تعاطي المسكرات والمخدرات
اعْلَمْ وفقنا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع المسلمين لما يحبه ويرضاه أن من أشرف هبات الله للإنسان عقله وقَدْ روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قول الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ أي في العقل، وورد عن المصطفى ? أنه قال: «ما اكتسب مكتسب مثل فضل علم يهدي صاحبه إلى هدى - أو يرده عن ردى، ولا استقام دينه حتى يستقيم عقله» .
стр. 2557
فالعقل جعله الله للإنسان ليميز به النافع من الضار ويفهم عن الله شرعه لماذا حسن الحسن وقبح القبيح ويفهم ما لله من الحقوق وما لرسله وما ينبغي نحو عباد الله.
فهو الجوهرة التي دون قدرها الأثمان وما يقدر بالأثمان بل الدُّنْيَا بأسرها لا قيمة لها بجانب هَذَا العقل العَظِيم الشأن الَّذِي رفع الله درجة بني آدم إلى أن أخاطبهم جَلَّ وَعَلا وَهُوَ الَّذِي صلح لأن يكون من خدمه تَعَالَى يؤدي ما له من واجباتٍ.
وَهُوَ الَّذِي به يكون أهلاً لأن يكون من ضيوفه تَعَالَى في دار الكرامَاتَ، بل هُوَ الَّذِي سما به إلى أن يرى ربه تَعَالَى في دار الرضوان، إن قيمة كُلّ شَيْء إنما تقدر بقدر ما له من آثار العقل، لا يدانيه فيها غيره، مهما كَانَ لذَلِكَ الغير من مقدار، إذ هُوَ أجل محنة منحها الله ابن آدم في هذه الدار بل لا تَكُون الْجَنَّة جنة إذا سلب العقل فيها من الإِنْسَان.
إذا علمت ذَلِكَ فاعْلَمْ أن النَّاس يتفاوتون في الدرجات بتفاوت ما لَهُمْ من عقول فكُلَّما كَانَ العقل أقوى كَانَ أقدر على دفع النفس عما لها من فضول ومن هَذَا نستطيع أن نقول إن أعقل الْمُؤْمِنِين أتقاهم لله أما ضعيف العقل فيضعف دفعه للنفس عن ما لها من شهوات.
هُوَ من الأَشْيَاءِ التي تشير أسماؤها إلى معناها سمي عقلاً لأنه يعقل صاحبه غالبًا عما لا ينبغي ولذَلِكَ إذا جن الإِنْسَان رأيته كالوحش الضاري يبطش بكل ما قابله.
مَا وَهَبَ اللهُ لامْرِئٍ هِبَهْ ... أَشْرَفَ مِنْ عَقْلِهِ وَمِنْ أَدَبِهْ
هُمَا حَيَاةُ الْفَتَى فَإِنْ فُقِدَا ... فَإِنَّ فَقْدَ الْحَيَاةِ أَجْمَلُ بِهْ
آخر: ... يَزينُ الْفَتَى فِي النَّاسِ صِحَّةُ عَقْلِهِ ... وَإِنْ كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ مَكَاسِبُهْ
стр. 2558
ج
وَيُرزِي بِهِ فِي النَّاسِ قِلَّةُ عَقْلِهِ ... وَإِنْ كَرُمَتْ أَعْرَاقُه وَمَنَاسِبُهُ
وَأَفْضَل قَسْمِ الله لِلْمَرْءِ عَقْلُهُ ... ولَيْسَ مِن الْخَيْرَاتِ شَيْءٌ يُقَارِبُهُ
إِذَا أَكْمَلَ الرَّحْمَنُ لِلْمَرْءِ عَقْلَهُ ... فَقَدْ كَملَتْ أَخْلاقُهُ وَضَرَائِبَهُ
آخر: ... إِذَا كُنْتَ ذَا عِلْمَ وَلَمْ تَكُ عَاقِلاً ... فَأَنْتَ كَذِي نَعْلٍ وَلَيْسَ لَهُ رِجْلُ
أَلا إِنَّمَا الإِنْسَانُ عُمْدٌ لِعَقْلِهِ ... وَلا خَيْرَ كَذِي نَعْلٍ وَلَيْسَ لَهُ رِجْلُ
أَلا إِنَّمَا الإِنْسَانُ عُمْدٌ لِعَقْلِهِ ... وَلا خَيْرَ فِي غِمْدٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَصْلُ
والمقصود من سياق هذه المقدمة حول العقل، هُوَ أنه يوَجَدَ قسم من النَّاس قَدْ عميت بصائرهم وأسقطوا أنفسهم من درجة الكمال الَّذِي أعدهم الله له، وأنزلوا أنفسهم إلى مرتبة الْحَيَوَان أو أنزل، ورضوا بأن يكونوا معاول لهدم الفضيلة ويدًا عاملة لنشر الرذيلة وهؤلاء قَدْ استحوذ عَلَيْهمْ الشيطان ولعب بِهُمْ وزين لَهُمْ أن يفارقوا عقولهم زمنًا بتناول المخدرات وتعاطي المسكرات ولَيْسَ هَذَا الاعتداء على العقل الَّذِي شرفهم الله به في العمر مرة بل ولا في السنة مرة لكنه عندهم دوامًا نسأل الله العافية أما علم أولئك التعساء أن الخمر أم الخبائث ورأس الْمُنْكَر كله وطَرِيق الفساد العام.
فساد الدين وفساد الأَخْلاق وفساد العقل وفساد الجسم وفساد الْمَال وفساد الذرية ولهَذَا قال ﷺ : «اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كُلّ الشر» . رواه الحاكم وَقَالَ: صحيح الإسناد، فالخمر محرمة باْلكِتَاب والسنة والإجماع.
أما اْلكِتَاب فقوله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ .
اللَّهُمَّ قوي إيماننا بك ونور قلوبنا بنور الإِيمَان وَاجْعَلْنَا هداة مهتدين
стр. 2559
اللَّهُمَّ يا ملقب القُلُوب ثَبِّتْ قلوبنا على دينك وألهمنا ذكرك وشكرك وأمنا من سطوتك ومكرك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ)
وأما السنة فقول النَّبِيّ ﷺ : «كُلّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» . رواه أبو داود والإمام أَحَمَد وروى عَبْدُ اللهِ بنَ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إليه» . رواه أبو داود.
وَقَالَ ﷺ : «من شرب الخمر في الدُّنْيَا، ومَاتَ ولم يتب منها، وَهُوَ مدمن لها، لم يشربها في الآخِرَة» . رواه مسلم وروى مسلم عن جابر ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إن على الله عهدًا لمن شرب المسكر، أن يسقيه الله من طينة الخبال» . قيل: يَا رَسُولَ اللهِ وما طينة الخبال؟ قال: «عرق أَهْل النار» .
وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «من شرب الخمر في الدُّنْيَا، يحرمها في الآخِرَة» . وورد أن مدمن الخمر كعابد وثن وروى النسائي من حديث عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا يدخل الْجَنَّة عاق، ولا مدمن خمر» . وفي رواية: «ثلاثة لا يدخلون الْجَنَّة: مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والديوث، وَهُوَ الَّذِي يقر السُّوء في أهله» .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ والتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ» . رواه البخاري،
стр. 2560
وفي الْحَدِيث: «من زنى أو شرب الخمر، نزع الله منه الإِيمَان كما يخلع الإِنْسَان القميص من رأسه» . وفيه عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: «ان رائحة الْجَنَّة لتوَجَدَ من مسيرة خمسمائة عام ولا يجد ريحها عاق ولا منان ولا مدمن خمر ولا عابد وثن» .
وروى الإمام أَحَمَد من حديث أبي مُوَسى الأشعري ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا يدخل الْجَنَّة مدمن خمر ولا مُؤْمِن بسحر ولا قاطع رحم ومن مَاتَ وَهُوَ يشرب الخمر سقاه الله من نهر الغوطة وَهُوَ ماء يجري من فروج المومسات - أي الزانيات - يؤذي أَهْل النار ريح فروجهن» .
وَقَالَ ابن عمر: أمرني رسول الله ﷺ أن آتيه بمدية وهي الشفرة فاتيته بها فأرسل بها فأرهفت ثُمَّ أعطانيها وَقَالَ: «اغد علي بها» . ففعلت فخَرَجَ بأصحابه إلى أسواق الْمَدِينَة، وفيها زقاق الخمر قَدْ جلبت من الشام فأخذ المدية مني فشق ما كَانَ من تلك الزقاق بحضرته ثُمَّ أعطانيها وأمر أصحابه الَّذِينَ كَانُوا معه أن يمضوا معي وأن يعاونوني وأمرني أن آتي الأسواق كُلّهَا فلا أجد فيها زق خمر إِلا شققته ففعلت فلم أترك في أسواها زقًا إِلا شققته.
وعن عَبْد اللهِ بن عمرو قال: إن هذه الآيَة التي في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال: هِيَ في التوراة إن الله أنزل الحق ليذهب به الْبَاطِل ويبطل به اللعب والمزامير والزفن، والكبارات يعني البرابط، والزمارات، يعني به الدف والطنابير والشعر، والخمر مرة لمن طعمها أقسم الله بيمينه وعزته من شربها بعد ما حرمتها لأعطشنه يوم القيامة، ومن تركها بعد ما حرمتها لأسقينه إياها في حظيرة القدس.
стр. 2561
اللَّهُمَّ اغفر لنا ذنوبنا حالت بيننا وبين ذكرك شكرك واعف عن تقصيرنا فِي طَاعَتكَ ووفقنا للزوم الطَرِيق الموصلة إليك وثبتنا عَلَيْهَا حتى الْمَمَات اللَّهُمَّ طهر قلوبنا من النفاق وعلمنا من الرياء وطهر مكسبنا من الربا وألسننا من الكذب ووفقنا لمصالحنا واعصمنا عن ذنوبنا وقبائحنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عَلَيْهِ ضمائرنا وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعائب وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وتوفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
قصيدة تحتوي على حكم ومواعظ
تَأوَّيني هَمُّ كَثِيرٌ بِلابِلُهْ ... طَرُوقًا فَغَالَ النَّوْم عَنِّي غَوَائِلُهْ
فَوَيْحِي مِنَ الْمَوْتِ الَّذِي هُوَ وَاقِعٌ ... وَلِلْمَوْتِ بَابٌ أَنْتَ لا بُدَّ دَاخِلُهْ
أَيَأْمَنُ رَيْبِ الدَّهْرِ يَا نَفْسُ وَاهِنٌ ... تَجِيشُ لَهُ بِالْمُفْظَعَاتِ مَرَاجِلُهْ
فَلَمْ أَرَ فِي الدُّنْيَا وَذُو الْجَهْلِ غَافِلٌ ... أَسِيرًا يَخَافُ الْقَتْلَ وَاللَّهْوُ شَاغِلُهْ
فَمَا بَاله يَفْدِي مِن الْمَوْتِ نَفْسَهُ ... وَيَأْمَنُ سَيْفَ الدَّهْرِ وَالدَّهْرُ قَاتِلُهْ
وَلا يَفْتَدِي مِن مَوْقِفٍ لَوْ رَمَى الرَّدَى ... بِهِ جَبَلاً أَضْحَتْ سَرَابَا جَنَادِلُهْ
وَبَعْدَ دُخُولِ الْقَبْرِ يَا نَفْسُ كُرْبَةٌ ... وَهَوْلٌ تُشِيبُ الْمُرْضِعِينَ زَلازِلُهْ
إِذَا الأَرْضُ خَفَّتَ بَعْدَ نَقْلٍ جِبَالِهَا ... وَخَلَّى سَبِيلَ الْبَحْرِ يَا نَفْسُ سَاحِلُهْ
فَلا يَرْتَجِي عَوْنًا عَلَى حَمْلِ وِزْرِهِ ... مُسِيءٌ وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْوِزْرِ حَامِلُهْ
إِذَا الْجَسَدُ الْمَعْمُورُ زَايَل رُوحَه ... خَوَى وَجَمَالُ الْبَيْتِ يَا نَفْسُ آهِلُهْ
وَقَدْ كَانَ فِيهِ الرُّوحُ حِينًا يَزِينُهُ ... وَمَا الْغِمْدُ لَوْلا نَصْلُهُ وَحَمَائِلُهْ
يُزَايلُنِي مَالي إِذَا النَّفْسُ حَشْرَجَتْ ... وَأَهْلِي وَكَدْحِي لازِمِي لا أَزَايلُهْ
إِذَا كَلَّ عِنْدَ الْجُهْدِ يَا نَفْسُ مُنْطِقِي ... وَعَايَنْتُ عِنْدَ الْمَوْتِ مَا لا أُحَاوِلُهْ
وَيَغْسِلُ مَا بِالْجِلْدِ مِنْ ظَاهِرِ الأَذَى ... وَلا يَغْسِلُ الذَّنْبَ الْمُخَالِفَ غَاسِلُهْ
وَمَنْ تُفْلِتِ الأَمْرَاضُ يَوْمًا فَإِنَّهُ ... سَيُوشِكُ يَوْمًا أَنْ تُصَابَ مَقَاتِلُهْ
стр. 2562
وَقَدْ تُفْلِتُ الْوَحْشَ الْجِبَالُ وَرُبَّمَا ... تَقَبَّضَتِ الْوَحْشِيَّ يَوْمًا حَبَائِلُهْ
إِذَا الْعِلْمُ لَمْ تَعْمَلْ بِهِ صَارَ حُجَّةً ... عَلَيْكَ وَلَمْ تُعْذَرْ بِمَا أَنْتَ جَاهِلُهْ
وَقَدْ يُنْعِشُ الذِّكْرُ الْقُلُوبَ، وَإِنَّمَا ... تَكُونُ حَيَاةُ الْعُودِ فِي الْمَاءِ وَابِلُهْ
أَرَى الْغُصْنَ لا يَنْمِي إِذَا جَفَّ أَصْلُهُ ... وَلَيْسَ بِبَاقٍ مَنْ أُبِيحَتْ أَوَائِلُهْ
فَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَبْصَرْتَ هَذَا فَإِنَّمَا ... يُصَدَّقُ قَوْلَ الْمَرْءِ مَا هُوَ فَاغِلُهْ
وَلا يَسْتَقِيمُ الدَّهْرَ سَهْمٌ لِوَجْهِهِ ... بِهِ مَيْلٌ حَتَّى يُقَوَّمَ مَائِلُهْ
وَفِيكَ إِلَى الدُّنْيَا اعْتِرَاضٌ وَإِنَّمَا ... تُكَالُ لَدَى الْمِيزَانِ مَا أَنْتَ كَائِلُهْ
فَلا تَنْتَكِثْ بَعْدَ الْهَوَى عَنْ بَصِيرَةٍ ... كَمَا نَكَثَ الْحَبْلَ الْمُضَاعَفَ فَاتِلُهْ
وَتَطْلُبُ فِي الدُّنْيَا الْمَنَازِلَ وَالْعُلا ... وَتَنْسَى نَعِيمًا دَائِمًا لا تُزَايلُهْ
كَمَنْ غَرَّهُ لَمعُ السَّرَابِ بَقِيعَةٍ ... فَقَصَّرَ عَنْ وِرْدٍ تَجِيشُ مَنَاهِلُهْ
وَقَدْ خَانَتْ الدُّنْيَا قُرونًا تَتَابَعُوا ... كَمَا خَانَ أَعْلَى الْبَيْتَ يَوْمًا أَسَافِلُهْ
وَتُصْبِحُ فِيهَا آمِنًا ثُمَّ لَمْ تَكُنْ ... لِتَأْمنَ فِي وَادٍ بِهِ الْخَوْفُ نَازِلُهْ
وَقَدْ خَتَلَتْنَا بِاللَّطِيفِ مِهَ الْهَوَى ... كَمَا يَخْتِلُ الْوَحْشِيَّ بِالشَيْءِ خَاتِلُهْ
رَضِينَا بِمَا فِيهَا سَفَاهًا وَلَمْ يَكُنْ ... يَبِيعُ سَمِينَ اللَّحْمِ بِالْغَيْثِ آكِلُهْ
وَعَاقِبَةُ اللَّذَاتِ تَخْشَى وَإِنَّمَا ... يُكَدِّرُ يَوْمًا عَاجِلَ الأَمْرِ آجِلُهْ
وَإِنْ فَرَحَتْ بِالْمَرْءِ يَوْمًا حَلائِلٌ ... فَلا بُدَّ يَوْمًا أَنْ تُرِنَّ حَلائِلُهْ
فَكَمْ مِنْ فَتَى قَدْ كَانَ فِي شِرِّةِ الصِّبَا ... فَأَقْصَرَ بَعْدَ الْعَذْلِ عَنْهُ عَوَاذِلُهْ
إِذَا مَا سَمَا حَقٌّ إليك وَبَاطِلٌ ... عَلَيْكَ فَلا يَذْهَبْ بِحَقَّكَ بَاطِلُهْ
وَقَدْ يَأْمَلُ الرَّاجِي فَيُكْذِبُ ظَنَّهُ ... أُمُورٌ وَيَلْقَى الشَّيْءَ مَا كَانَ يَأْمَلُهْ
اللَّهُمَّ انظمنا في سلك الفائزين برضوانك، وَاجْعَلْنَا مِنْ المتقين الَّذِينَ أعددت لَهُمْ فسيح جنانك وأدخلنا بِرَحْمَتِكَ في دار أمانك وعافنا يا مولانَا في الدُّنْيَا والآخِرَة مِنْ جَمِيعِ البلايا وأجزل لنا من مواهب فضلك وهباتك ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم مَعَ الَّذِينَ أنعمت عَلَيْهمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينِ
стр. 2563
الأحْيَاءِ مِنْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ)
وأجمعت الأمة على تحريم الخمر، وقليل الخمر وكثيره كله حرام لما أخرجه ابن حبان والطحاوي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره» .
وروى أَحَمَد وابن ماجة والدارقطني وصححه عن ابن عمر ﵄ عن النَّبِيّ ﷺ قال: «ما أسكر كثيره فقليله» .
وروى أَحَمَد في مسنده وَأَبُو دَاود في سننه بسندٍ صحيح عن أم سلمة ﵂ قَالَتْ: نهى رسول الله ﷺ عن كُلّ مسكر ومفتر ولم يكتف الشارع بتحريم شرب قليلها وكثيرها، بل حرم الاتجار بها ولو مَعَ غير المسلمين فلا يحل لمسلم يؤمن بِاللهِ واليوم الآخِر أن يعمل مستوردًا أو مصدَّرًا أو صَاحِب محل لبيع الخمر أو عاملاً في هَذَا المحل كيف وقَدْ لعن النَّبِيّ ﷺ عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له.
وَكَذَا يحرم إهداؤها فقَدْ روي عن جابر بن عَبْد اللهِ قال: كَانَ رجل يحمل الخمر من خيبر إلى الْمَدِينَة فيبيعها من المسلمين فحمل منها بمالٍ فقدم بها الْمَدِينَة فلقيه رجل من المسلمين فَقَالَ: يا فلان إن الخمرة قَدْ حرمت فوضعها حيث انتهى على تل وسجى عَلَيْهَا بأكسية ثُمَّ أتى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بلغني أن الخمر قَدْ حرمت قال: «أجل» . قال: لي أن أردها على من ابتعتها منه؟ قال: «لا يصح ردها» . قال: لي أن
стр. 2564
أهديها إلى من يكافيني منها؟ قال: «لا» قال: فإن فيها مالاً ليتامى في حجري. قال: «إذا أتانَا مال البحرين فانَا نعوض أيتامك من مالهم» . ثُمَّ نادى بالْمَدِينَة فَقَالَ رجل: يَا رَسُولَ اللهِ الأوعية ينتفع بها؟ قال: «فحلوا أوكيتها» . فانصبت حتى استقرت في بطن الوادي.
ويجب مقاطعة مجالس الخمر وشاربيها فعن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «من كَانَ يؤمن بِاللهِ واليوم الآخِر فلا يقعد على مائدة تدار عَلَيْهَا الخمر» . رواه أَحَمَد ومعناه عَنْدَ الترمذي. وروي عن عمر بن عَبْد الْعَزِيز أنه كَانَ يجلد شارَبِّي الخمر، ومن شهد مجلسهم، وإن لم يشرب، ورووا عَنْهُ أنه رفع إليه قوم شربوا الخمر فأمر بجلدهم فقيل إن فيهم فلانَا، وقَدْ كَانَ صائمًا، فَقَالَ: به ابدؤوا أما سمعتم قول الله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ﴾ .
وروى عن عثمان بن عفان أنه كَانَ يَقُولُ: اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث إنه كَانَ رجل فيمن كَانَ قبلكم يتعبد ويعتز النَّاس فعلقته امرأة غوية فأرسلت إليه جارتها أن تدعوه لشهادةٍ فدخل معها فطفقت كُلَّما دخل بابًا أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئةٍ عندها غلام وباطية خمر فقَالَتْ: إني وَاللهِ ما دعوتك لشهادةٍ ولكن دعوتك لتقع علي أو تقتل هَذَا الغلام أو تشرب هَذَا الخمر فسقته كأسًا فَقَالَ: زيدوني فلم يزل حتى وقع عَلَيْهَا وقتل النفس فاجتنبوا الخمر فإنها لا تجتمَعَ هِيَ والإِيمَان أبدًا أوشك أحدهما أن يخَرَجَ صاحبه. رواه البيهقي.
وروى الطبراني بسند صحيح والحاكم وَقَالَ: صحيح على شرط مسلم عن ابن عمر ﵄ أن أبا بكرٍ وعمر وناسًا جلسوا بعد
стр. 2565
وفاة رسول الله ﷺ فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم فيها علم فأرسلوني إلى عَبْد اللهِ بن عمرو أسأله فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر فأتيتهم فأخبرتهم فأنكروا ذَلِكَ ووثبوا إليه جميعًا حتى أتوه في داره فأخبرهم أن رسول الله ﷺ قال: «إن ملكًا من ملوك بني إسرائيل أخذ رجلاً فخيره بين أن يشرب الخمر أو يقتل نفسًا أو يزني أو يأكل لحم الخنزير أو يقتلوه فاختار الخمر وأنه لما شربها لم يمتنع من شَيْء أرادوه منه» .
وأن رسول الله ﷺ قال: «ما من أحد يشربها فتقبل له صلاة أربعين ليلة، ولا يموت وفي مثانته منها شَيْء إِلا حرمت عَلَيْهِ بها الْجَنَّة، فإذا مَاتَ في أربعين ليلة مَاتَ ميتة جاهلية» .
وفي تصوير إثُمَّ الخمر يَقُولُ أمير الْمُؤْمِنِين علي بن أبي طالب ﵁: لو وقعت قطرة منها في بئر فبنيت عَلَيْهِ منارة لم أؤذن عَلَيْهَا ولو وقعت في بحر فجف فنبت الكلأ لم أرعه.
وَقَالَ ابن عمر ﵄ لو دخلت أصبعي فيها لم تتبعني. قال بَعْضهمْ محذرًا عن الخمر:
إِلامَ وَأَنْتَ فِي زَهْوٍ وَلَهْوٍ ... وَإِنَّ الْعُمْرَ مُعْظَمُهُ تَقَلَّصْ
تُعَاقِرُ خَنْدَرِيسَ السُّوءِ دَوْمًا ... نَدِيمُكَ مَنْ إِلَى الْفَحْشَا تَرَبَّصْ
وَتَهْجُرُ كُلَّ ذِي هَدْيٍ قَوِيمٍ ... وَتُوصِلُ كُلَّ سِكِّيرٍ تَمَلَّصْ
بِذَا أَطْفَأْتَ نُورَ الْعَقْلِ حَتَّى ... ضَللْتَ عَنِ الْهِدَايَةِ يَا مُنْغَّصْ
أَنِرْ بِإِنَابَةِ للهِ عَقْلاً ... لَهُ نُورُ الْهُدَى بِالْحَقِّ حَصْحَصْ
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ لنا قلوبنا على دينك وألهمنا ذكرك وشكرك واختم لنا بخاتمة السعادة وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
موعظة: عباد الله إنما حرم الله عليكم الخمر لما فيه من الأضرار والأخطار، وما منعكم من شربها إِلا لما ينشأ عن ذَلِكَ من المفاسد
стр. 2566
والشرور والأضرار، فشارب الخمر ملعون على لسان نبيكم مُحَمَّد ﷺ وبائعها، وشاريها، وعاصرها ومعتصرها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، ومدمن شربها لا يدخل الْجَنَّة، بل يدخل النار ويسقى من طينة الخبال، عرق أَهْل النار وورد أن مدمن الخمر كعابد وثن فشارب الخمر مفسد لدينه، ومفسد لجسمه، وصحته وجان على نَفْسهُ، وعلى أولاده، وأقاربه، وأهله وجيرانه ومفرط في ماله ومسرف فيه وعابث بكرامته، وساع إلى الشر والفساد بيده، ورجله، ولِسَانه، وصائل، خبيث على الخلاق والأديان شارب الخمر عضو مسموم في جسم مواطنيه إذا لم يبادروه بالعلاج أو يقطعوه أصابهم ضرره، شارب الخمر يزين الشر ويحسنه، لبنيه، وبناته، وأصدقائه ويدعوهم بلسان حاله ومقاله، وأنتم تعلمون أن داعي الفساد مجاب قي كُلّ زمان ومكَانَ وأنصاره بلا عدٍّ ولا حسبان، وإذا دبت الخمر في رأس شاربها فقَدْ شعوره، وزنى، ولاط، أو ليط به، وجَاءَ بأنواع الفحش، والفجور، وسب وشتم، وقذف، ولعن، وطلق وسب الدين والمسلمين بل ربما وقع على أمه، أو بنته أو أخته أو على نساء جيرانه أو على بهائمه، وَرُبَّمَا كفر بِاللهِ وارتد عن الإسلام، وترك الصَّلاة، وأفطر في رمضان، وسب القرآن، وبالجملة أن من تعاطى الخمر سقط من شاهق مجده إلى مستوى الخنازير، والقردة يصدق بهَذَا من عاين شارب الخمر وقَدْ استولى عَلَيْهِ الشراب وغطى عقله فتَرَى من يقوده متعب، يجره كما يجر الدابة الحرون بل الدابة تمشي احيانَا هادئة إذا جرت لا تتعب القائد دائمًا، وأما السكران فيميل بقائده هكَذَا وهكَذَا حتى يكلفه متاعب عظيمة، والدابة إذا رأت حفرة امتنعت عَنْهَا وتباعدت عَنْهَا، أما شارب الخمر فتَكُون الحفرة أمامه، ويسقط فيها، والدابة ربما دافعت عن طعامها وشارب الخمر تسلب منه النقود، ولا
стр. 2567
يحصل منه أدنى ممانعة، ومعنى هَذَا أن البهيمة أرجح وأحسن حالاً منه وقَدْ قال الخبير بأحوال شراب الخمر: من أراد أن يعرف قدر السكير فلينظر إلى قهقهته، وضحكه، والخمار يوالي الصفعات على قفاه، ولينظر رقصه أمام البزور، كأنه قرد يرقصه صاحبه، ليضحك من يراه، ولينظره وَهُوَ يجري وراء أمه، أو بنته، ليقضي منها حاجته ومناه، ولينظر وامرأته تكنس ملابسه وتمسحها من الأوساخ التي يقذفها على ثيابه، والقاذورات، هَذَا قدر شارب الخمر عندنا، أما عَنْدَ الله فهو كعابد وثن ملعون نسأل الله جَلَّ وَعَلا أن يعصمنا وإخواننا المسلمين منها ومن سائر المعاصي وأن يلطف بنا ويوفقنا.
شِعْرًا: ... أَتَعْصِي اللهَ وَهُوَ يَرَاكَ جَهْرًا ... وَتَنْسَى فِي غَدٍ حَقًا لِقَاهُ
وَتَخْلُوا بِالْمَعَاصِي وَهُوَ دَانٍ ... إليك وَلَسْتَ تَخْشَى مِنْ سُطَاهُ
وَتُنْكُرُ فِعْلَهَا وَلَهُ شُهُودٌ ... عَلَى الإِنْسَانِ تُكْتُبُ مَا حَوَاهُ
فَوَيْلُ الْعَبْدِ مِنْ صُحْف وَفِيهَا ... مَسَاوِيهِ إِذَا وَافَى مَسَاهُ
وَيَا حُزْنَ الْمُسِيءِ لِشُؤْمِ ذَنْبٍ ... وَبَعْدَ الْحُزْنِ يَكْفِيهِ جَوَاهُ
وَيَنْدَمُ حَسْرَةً مِنْ بَعْدِ فَوْتٍ ... وَيَبْكِي حَيْثُ لا يُجْدِي بُكَاهُ
يَعَضُّ يَدَيْهِ مِنْ أَسَفٍ وَحُزْنٍ ... وَيَنْدَمُ حَسْرَةً مِمَّا دَهَاهُ
فَكُنْ بِاللهِ ذَا ثِقَةٍ وَحَاذِرٍ ... هُجُومَ الْمَوْتِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَرَاهُ
وَبَادِرْ بِالْمَتَابِ وَأَنْتَ حَيٌّ ... لَعَلَّكَ أَنْ تَنَالَ بِهِ رِضَاهُ
وَتَقْفُ الْمُصْطَفَى خَيْرَ الْبَرَايَا ... رَسُولاً قَدْ حَبَاهُ وَاجْتَبَاهُ
عَلَيْهِ مِنْ الْمُهَيْمِنِ كُلِّ وَقْتٍ ... سَلامٌ عَطَّرَ الدُّنْيَا شَذَاهُ
اللَّهُمَّ يا عَظِيم العفو يا واسع المغفرة يا قريب الرحمة، يا ذا الجلال والإكرام اللَّهُمَّ أذقنا عفوك وغفرانك واسلك بنا طَرِيق مرضاتك. وعاملنا بلطفك وإحسانك واقطع عنا ما يبعد عن طَاعَتكَ اللَّهُمَّ وثَبِّتْ محبتك في
стр. 2568
قلوبنا وقوها ويسر لنا ما يسرته لأوليائك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينِ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
فَصْلٌ: واعْلَمْ أن الخمر نجسة يغسل ما أصابته من بدن أو ثوب أو إناء ويصب على ما أصابته من الأَرْض ماء كنجاسة البول لما في حديث أبي ثعلبة الخشني أنه قال: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا بأرض قوم أَهْل كتاب يأكلون الخنزير ويشربون الخمر أفنأكل في آنيتهم قال: «لا، إِلا أن تجدوا غيرها، فاغسلوها ثُمَّ كلوا فيها» .
ولا يجوز التداوي بالخمر لما في صحيح مسلم عن طارق بن سويد الجعفي انه سال النَّبِيّ ﷺ عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها فَقَالَ: أصنعها للدواء فَقَالَ: «إنه لَيْسَ بدواءٍ ولكنه داء» . وروى أبو داود في سننه من حديث أبي الدرداء قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إن الله انزل الداء والدواء وجعل لكل داءٍ دواء، فتداووا ولا تتداووا بالمحرم» .
وذكر البخاري في صحيحه عن ابن مسعود أن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم وفي السُّنَن عن أَبِي هُرَيْرَةِ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث. وفي السُّنَن انه ﷺ سئل عن الخمر يجعل في الدواء؟ فَقَالَ: «إنها داء ولَيْسَ بالدواء» . رواه أبو داود والترمذي، ويذكر عَنْهُ ﷺ أنه قال: «من تداوى بالخمر فلا شفاه الله» .
وقَدْ نبه ابن القيم رجمه الله على جانب نفسي هام فَقَالَ: وها هنا سر لطيف في كون المحرمَاتَ لا يستشفى بها فإن شرط الشفاء بالدواء تلقيه بالقبول واعتقاد منفعته وما جعل الله فيه من بركة الشفاء فإن
стр. 2569
النافع وهو المبارك وأنفع الأَشْيَاءِ أبركها والمبارك من النَّاس هُوَ الَّذِي ينتفع به حيث حل ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين مِمَّا يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها وبين حسن ظنه بها وتلقي طبعه لها بالقبول بل كُلَّما كَانَ الْعَبْد أعظم إيمانَا كَانَ أكره لها وأسوأ اعتقادًا فيها وطبعه أكره شَيْء لها فإذا تناولها في هذه الحال كانت داءٌ لا دواءً إِلا أن يزول اعتقاد الخبث فيها وسوء الظن والكراهة بالمحبة وهَذَا ينافي الإِيمَان فلا يتناولها المُؤْمِن قط إِلا على وجه أنها داء. انتهى.
ومن ذَلِكَ تلك المواد التي تعرف باسم المخدرات مثل الحشيش، والكوكايين، والأفيون ونحوها مِمَّا عرف أثرها عَنْدَ متعاطيها أنها تؤثر في العقل فيرى الْبَعِيد قريبًا وبالعكس القريب بعيدًا ويذهل عن الواقع ويتخيل ما لَيْسَ بواقع ويسبح في بحر من الأوهام والأحلام وهَذَا ما يريد متعاطيها لأجل أن يذهلوا أنفسهم وينسوا دينهم ودنياهم ويهيموا في أودية الخيال.
وهَذَا غير ما تحدثه من فتور في الجسم وخدر في الأعصاب وهبوط في الصحة وفوق ذَلِكَ ما تحدثه من خور في النفس وتحلل الإرادة وتمييع للخلق وتضعيف للشعور بالواجب مِمَّا يجعل هؤلاء التعساء المدمنين لها أعضاء مضرة بالمجتمَعَ فضلاً عما وراء ذَلِكَ من إتلاف الأموال وخراب البيوت.
وَقَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه ما خلاصته: إن هذه الحشيشة الملعونة هِيَ وآكلوها ومستحلوها الموجبة لسخط الله ورسوله وسخط عباده الْمُؤْمِنِين المعرضة صاحبها لعقوبة الله تشتمل على ضررٍ في دين
стр. 2570
المرء وعقله وخلقه وطبعه وتفسد الأمزجة حتى جعلت خلقًا كثيرًا مجانين، وتورث من مهانة آكلها ودناءة نَفْسهُ وغير ذَلِكَ.
فضررها من بعض الوجوه أعظم من الخمر ولهَذَا قال الْفُقَهَاء: إنه يجب فيها الحد كما يجب في الخمر، والسكر منها حرام باتفاق المسلمين.
ومن استحل ذَلِكَ وزعم أنه حلال فإنه يستتاب فإن تاب وإِلا قتل مرتدًا لا يصلى عَلَيْهِ ولا يدفن في مقابر المسلمين.
إِلَى كَمْ ذَا التَّمَادِي بِالدَّسَائِسْ ... وَأَنْتَ بِحَمْأَةِ الْبُهْتَانِ غَاطِسْ
تُسَاعِدُ كُلَّ نَمَّامٍ بِإِفْكٍ ... وَتَغْتَالُ الأَكَارِمَ وَالأَوَانِسْ
تُسَابِقُ كُلَّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ... بِمَا تُبْدِيهِ مِنْ فِتَنِ الْوَسَاوِسْ
أَضَعْتَ الْعُمْرَ فِي زُورٍ وَوِزْرٍ ... وَلَهْوٍ مَعَ ذَوِي الْغَدْرِ الأَبَالِسْ
فَعَجِّلْ بِالْمَتَابِ لِنَيْلِ عَفْوٍ ... لِتُحْبَى مِنْ جَنَا مَا أَنْتَ غَارِسْ
وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فصل في بعض مضار الخمر
ونسوق إليك نموذجًا من مضار الخمر مِمَّا ذكره الْعُلَمَاء والأطباء:
١- أنها فساد في الدين.
٢- أنها فساد في الأَخْلاق.
٣- أنها فساد في العقل.
٤- أنها فساد في الجسم تحطم قوته وتهدم بنيته وتسقم الجسد.
٥- أنها فساد في الذرية.
стр. 2571
٦- أنها جناية على الشرف.
٧- أن الخمر رجس من عمل الشيطان.
٨- أنها نجسة، تنجس ما اتصلت به.
٩- أنها تورث الذل والمهانة.
١٠- أن ضررها متعدٍ.
١١- أنها تضر اقتصاديًا.
١٢- ما فيها من الضَّرَر الاجتماعي.
١٣- أن الجهاز الهضمي يصاب بالنزلة المعوية الحادة فيحصل فساد في الهضم وخمود في المعدة والتهاب في الأمعاء واستحالة في منسوج الكبد وتيبس والتهاب وتغير فيه وأخيرًا تفتت الكبد وتتلف وتنتهي حَيَاتهُ.
١٤- أن الجهاز البولي والتناسلي يحصل فيه تنبه، ينشأ عَنْهُ التهاب الكلى وفساد منسوجها وضعف الانعاظ وضياع محصل النسل.
١٥- الجهاز العصبي يصاب المخ باضطراب يكون منه الجنون السكري والخوف والخيالات المختلفة كرؤية الهيئات الشنيعة والارتعاش وفقَدْ الإحساس والشلل المحدود الَّذِي يؤول إلى شللٍ عمومي وقَدْ تؤدي الخمر إلى الصراع والتشنج واستحالة المراكز العصبية المخية الشوكية وعلى العموم يحصل في البنية اضطراب تضعف أمامه عن مقاومة المؤثرات الخارجية.
стр. 2572
١٦- أنه يعتري الْقَلْب ضمور والاستحالة الشحمية فينشأ عن ذَلِكَ إبطاء في الدورة الدموية بالرئة تحدث عَنْهُ النزل الشعبية وموت الفجأة.
١٧- أنه يسبب انسداد في بعض أوعية الرئة وَذَلِكَ ما تعرف أعراضه بالسعال.
١٨- أنها تعرقل هضم الطعام فينشأ عن ذَلِكَ التخم والحموضة في المعدة والقيء.
١٩- تضعف المناعة وتخدر الكرات الدموية البيضاء التي يجعلها الله حارسة لجسم الإِنْسَان.
٢٠- التعريض لفجأة ذهاب البصر.
٢١- مبادرة انقطاع شهوة الجماع وسرعة وقوف النسل.
٢٢- أن أكثر حوادث السيارات من شراب الخمر والمخدرات وبالحَقِيقَة أن الشيطان يصد الشارب عن ذكر الله وعن الصَّلاة ويوقعه في معصية الله وسخطه ويعرضه لخزي الدُّنْيَا وعذاب الآخِرَة يرتكب الكبائر ويقترف الجرائم والآثام ويخبط في الحرام، ويتجنب ما وجب عَلَيْهِ من الأحكام، فيفعل نكرًا وينطق بالعظائم من القول والزور ويسب ربه وأمه وأباه ويطلق ويزني ويلوط ويعبث بالأعراض والكرامَاتَ ويتلف أثاثه وأمواله ويوسخ ثيابه ويبول على نَفْسهُ ويبكي بلا سبب ويضحك من غير عجب فتهزأ به الصبيان ويعبث به الفساق ويسخر به السفهاء ويمقته العقلاء ويبغضه أهله للخطر المتوقع منه في سكره ليلاً ونهارً ويمقته
стр. 2573
جيرانه ولا يأمنون من وثباته إذا سكر ولا شك إن فتك أن الخبائث الخمر أشد من فتك الطاعون والحرب والمجاعات والعاهات لإن ضرر الخمر اقتصادي وصحي ونفسي واجتماعي وأخلاقي.
فشاربها عضو مسموم في جسم أمته ومواطنيه إن لم يعالج أو يسِوَى له عملية ويقطع سرى سمه وداؤه الفتاك إلى سائر الأعضاء وأثر على الجسم كله.
وقيل لعدي بن حَاتِم: مالك لا تشرب الخمر؟ فَقَالَ: ما أحب أن أصبح حكيم قومي وأمسي سفيههم وكَانَ بعض الملوك يجمَعَ أفاضل دولته ويلقي عَلَيْهمْ أسئلة علمية يتعرف بها فضلهم فيومًا حضر هَذَا المجلس رجل رث الهيئة فكَانَ إذا انتهى الْعُلَمَاء من إجابتهم تكلم بما لم يحم حوله واحد مِنْهُمْ وكَانَ ذَلِكَ حاله في كُلّ سؤال ولما انصرف الْعُلَمَاء أراد أن ينصرف هُوَ أيضًا فأشار إليه الملك أن لا ينصرف فَلَمَّا خليا أدناه الملك ثُمَّ أدناه حتى أجلسه إلى جنبه ثُمَّ عرض عَلَيْهِ كأسًا من الخمر فاستعفى فألح عَلَيْهِ أن يشربها فاستعفى وأخبره أنه لا يريدها ثُمَّ قال للملك: إني الآن في مجلس يحسدني عَلَيْهِ النَّاس جميعًا وَهُوَ إحسان ومكَانَ عَظِيم لم يوصلني إليه إِلا عقلي فلا أسيء إلى عقلي أبدًا باحتساء كأس من الخمر يقضي عَلَيْهِ فازداد إعجاب الملك به وازداد فضلاً عنده على فضله ولعله كَانَ يختبره بذَلِكَ.
وختامًا فإن الفلاح مرجو حصوله باجتنابها قال عز من قائل: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
نسأل الله أن يوقظ ولاتنا فيأخذوا على أيدي السفهاء منا ويزيل ما حدث من هذه المنكرات، وأن يوقفنا وَجَمِيع المسلمين لطاعته، ويتوفانا
стр. 2574
مسلمين، ويلحقنا بعباده الصالحين، وَيَغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينِ وَيَرْحَمْنَا بِرَحْمَتِهِ أنَّهُ أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فصل في التحذير عن المسكرات)
وَإِيَّاكَ شُرْبًا لِلْخُمُورِ فَإِنَّهَا
تُسَوَّدُ وَجْهَ الْعَبْدِ فِي اليوْمِ مَعْ غَدِ
أَلا إِنْ شُرْبَ الْخَمْرِ ذَنْبٌ مُعَظَّمٌ
يُزِيلُ صِفَاتِ الآدَمِي الْمُسَدَّدِ
فَيَلْحَقُ بِالأَنْعَامِ بَلْ هُوَ دُونَهَا
يُخَلِّطُ فِي أَفْعَاله غَيْرَ مُهَْدِ
وَيَسْخَرُ مِنْهُ كُلُّ رَاءٍ لِسُوءِ مَا
يُعَايِنُ مِنْ تَخْلِيطِهِ وَالتَّبَدُدِ
يُزِيلُ الْحَيَا عَنْهُ وَيَذْهَبُ بِالْغِنَا
وَيُوقِعُ فِي الْفَحْشَا وَقَتْلِ الْمُعَرْبَدِ
وَكُلُّ صِفَاتِ الذَّمِ فِيهَا تَجَمَّعَتْ
كَذَا سُمِّيتَ أُمَّ الْفُجُورِ فَاسْنِدِ
فَكَمْ آيَةٍ تُنْبِي بِتَحْرِيمِهَا لِمَنْ
فَكَمْ آيَةٍ تُنْبِي بِتَحْرِيمِهَا لِمَنْ
وَقَدْ لَعَنَ الْمُخْتَارُ فِي الْخَمْرِ تِسْعَةً
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ خَيْرِ مُرْشِدِ
وَأَقْسَمَ رَبُّ الْعَرْشِ أَنْ لَيُعَذِّبَنْ
عَلَيْهَا رَوَاهُ أَحْمَدٌ عَنْ مُحَمَّدِ
وَمَا قَدْ أَتَى فِي حَظْرِهَا بَالِغٌ إِذَا
تَأَمَلْتَهُ حَدَّ التَّوَاتُرِ فَاهْتَدِ ... >?
стр. 2575
.. وَاجْمَعْ عَلَى تَحْرِيمِهَا النَّاسُ كُلُّهُمْ
فَكَفِرْ مُبِيحِيهَا وَفِي النَّارِ خَلِّدِ
وَإِدْمَانِهَا إِحْدَى الْكَبَائِرِ فَاجْتَنِبْ
لَعَلَّكَ تُحْظَى بِالْفَلاحِ وَتَهْتَدِي
وَيَحْرُمُ مِنْهَا النَّزْرُ مِثْلَ كَثِيرِهَا
ولَيْسَتْ دَاوَءً بِلْ هِيَ الدَّاءُ فَابْعِدِ
فَمَا جَعَلَ اللهُ الْعَظِيمَ دَوَاءَنَا
بِمَا هُوَ مَحْظُورٌ بِمِلَّةِ أَحْمَدِ
وَكُلُّ شَرَابٍ إِنْ تَكَاثَرَ مُسْكِرٌ
يُحَرَّمُ مِنْهُ النَّزْرُ بِالْخَمْرِ فَاعْدِدِ
وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَحْرُمُ مُطْلَقًا
وَلَوْ كَانَ مَطْبُوخًا بِغَيْرِ تَقَيُّدِ
فَسِيَّانَ مِنْ بُرٍّ وَمِنْ ذُرَةٍ وَمِنْ
شَعِيرٍ وَتَمْرٍ أَيْ وَكُلِّ مُعَوَّدِ
سِوَى لِظَمَا الْمُضْطَّرِ إِنْ مُزِجَتْ بِمَا
يُرَوِّي وَلِلْمُغْتَصِّ إجْمَاعًا ازْرُدِ
ثَمَانِينَ فَاجْلِدْ مُسْلِمًا شَارِبًا رِضَى
عَلَيْهَا بِاسْكَارِ الْكَثِيرِ الْمُزَبِّدِ
وَمَنْ مَاتَ فِي حَدٍّ بِغَيْرِ تَزَيُّدٍ
فَلا غُرْمَ فِيهِ وَلْيُغَسَّلْ وَيُلْحَدِ ... >?
موعظة
عباد الله إن مفتاح سعادة المرء في دنياه وأخراه أن يراقب مولاه
стр. 2576
بحيث يكون في كُلّ حال من أحواله مستحضرًا عظمة ربه وجلاله ولا ينساه مؤمنًا بأنه تَعَالَى يراه أينما كَانَ ويعلم سره ونجواه فمن كَانَ هكَذَا أورثه ذَلِكَ خشية ربه في سره وعلانيته، فإذا خاف الإِنْسَان ربه خوفًا صحيحًا وقف ولا بد عِنْدَمَا حد له من حدود يفعل أوامره ويجتنب نواهيه لا يحمله على ذَلِكَ إِلا إجلاله لربه، ومن أبعد الْعَبْد أن يقرب المعصية من كَانَ هكَذَا، لأنه يستحضر أن الله تَعَالَى يراه، ويوقن أن الله تَعَالَى يجازيه على كُلّ ما قدم من طاعة أو معصية فإذا وصل الْعَبْد إلى هذه الحالة كَانَ مَعَ توفيق الله له من صفوة خلق الله المتقين الَّذِينَ لله تَعَالَى بِهُمْ عناية فوق ما يتصوره المتصورون هُوَ أنه تَعَالَى أخبره عن مبلغ هذه العناية في اْلكِتَاب المبين أخبر تَعَالَى أنه معهم لما هم عَلَيْهِ مِمَّا وفقهم له من تقوى وإحسان، وإذا كَانَ الأَمْر هكَذَا. فمن يغلب التقي ومعه القاهر الغلاب ومن يذله ومعه من بيده ناصية كل مخلوق ومن يحوجه ومعه من كُلّ العوالم تتقلب في بحبوحة جوده وكرمه الباهر، ومن يشقيه ومعه من لا سعادة إِلا وهي من فيض كرمه وإحسانه. فعَلَيْكَ بلزوم تقوى الله وطاعته تنل السعادة في الدُّنْيَا والآخِرَة، قال صل الله عَلَيْهِ وسلم: «أفضل الإِيمَان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت» . رواه الطبراني وصلى الله على نبينا مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
شِعْرًا: قصيدة وعظية زهدية ألق لها سمعك
... أَعَارَتْكَ دُنْيًا مُسْتَرَدٌّ مُعَارُهَا ... غَضَارَةَ عَيْشٍ سَوْفَ يَذْوِي اخْضِرَارُهَا
وَهَلْ يَتَمَنَّى الْمُحْكَمُ الرَّأْي عِيشَةً ... وَقَدْ حَانَ مِنْ دُهْمِ الْمَنَايَا مَزَارُهَا
وَكَيْفَ تَلَذُّ الْعَيْنُ هَجْعَةَ سَاعَةٍ ... وَقَدْ طَالَ فِيمَا عَايَنَتْهُ اعْتِبَارُهَا
وَكَيْفَ تَقِرُّ النَّفْسُ فِي دَارِ نُقْلَةٍ ... قَدْ اسْتَيْقَنَتْ أَنْ لَيْسَ فِيهَا قَرَارُهَا
стр. 2577
وَإِنِّي لَهَا فِي الأَرْضِ خَاطِرُ فِكْرَةٌ ... وَلَمْ تَدْرِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَيْنَ مَحَارُهَا
أليس لَهَا فِي السَّعْيِ لِلْفَوْزِ شَاغِلٌ ... أَمَا فِي تَوَقِّيهَا الْعَذَابَ ازْدِجَارُهَا
فَخَابَتْ نُفُوسُ قَادَهَا لَهْو سَاعَةٍ ... إِلَى حَرِّ نَارٍ لَيْسَ يَطْفَى أَوَارُهَا
لَهَا سَائِقٌ حَادِ حَثِيثٌ مُبَادِرٌ ... إِلَى غَيْرِ مَا أَضْحَى إليه مَدَارُهَا
تُرَادُ لأَمْرٍ وَهِيَ تَطْلُبُ غَيْرَهُ ... وَتَقْصِدْ وَجْهًا فِي سِوَاهُ سِفَارُهَا
أَمُسْرِعَةٌ فِيمَا يَسُوءُ قِيَامُهَا ... وَقَدْ أَيْقَنَتْ أَنَّ الْعَذَابَ قُصَارُهَا
تُعَطَّلُ مَفْرُوضًا وَتَعْنَى بِفَضْلَةٍ ... لَقَدْ شَفَّهَا طُغْيَانُهَا وَاغْتِرَارُهَا
إِلَى مَا لَهَا مِنْهُ الْبَلاءَ سُكُونُهَا ... وَعَمَّا لَهَا مِنْهُ النَّجَاحُ نِفَارُهَا
وَتُعْرِضُ عَنْ رَبٍّ دَعَاهَا لِرُشْدِهَا ... وَتَتَبعُ دُنْيًا جَدَّ عَنْهَا فِرَارُهَا
فَيَا أَيُّهَا الْمَغْرُورُ بَادِرْ بِرَجْعَةٍ ... فَلِلَّهِ دَارٌ لَيْسَ تَخْمُدُ نَارُهَا
وَلا تَتَخَيَّرْ فَانِيًا دُونَ خَالِدٍ ... دَلِيلٌ عَلَى مَحْضِ الْعُقُولِ اخْتِيَارُهَا
أَتَعْلَمْ أَنَّ الْحَقَّ فِيمَا تَرَكْتَهُ ... وَتَسْلُكُ سُبْلاً لَيْسَ يَخْفَى عَوَارُهَا
وَتَتْرُكَ بَيْضَاءَ الْمَنَاهِجَ ضِلَّةً ... لِبَهْمَاءَ يُؤْذِي الرِّجْلَ فِيهَا عُثَارُهَا
تُسَرُّ بِلَهْوٍ مُعْقِبٍ بِنَدَامَةٍ ... إِذَا مَا انْقَضَى لا يَنْقَضِي مُسْتَثَارُهَا
وَتَفْنَى اللَّيَالي وَالْمَسَرَّاتُ كُلَّهَا ... وَتَبْقَى تِبَاعَاتُ الذُّنُوبِ وَعَارُهَا
فَهَلْ أَنْتَ يَا مَغْبُونُ مُسْتَيْقِظٌ فَقَدْ ... تَبَيَّنَ مِن سِرِّ الْخُطُوبَ اسْتِتَارُهَا
فَعَجِّلْ إِلَى رِضْوَانِ رَبِّكَ وَاجْتَنِبْ ... نَوَاهِيَهُ إِذْ قَدْ تَجَلَّى مَنَارُهَا
تَجِدُّ مُرُورُ الدَّهْرِ عَنْكَ بِلاعِبِ ... وَتُغْرِي بِدُنْيَا سَاءَ فِيكَ سَرَارُهَا
فَكَمْ أُمَّةٍ قَدْ غَرَّهَا الدَّهْرُ قَبْلَنَا ... وَهَاتِيكَ مِنْهَا مُقْفِرَاتٌ دِيَارُهَا
تَذَكَّرْ عَلَى مَا قَدْ مَضَى وَاعْتَبِرْ بِهِ ... فَإِنَّ الْمُذَكِّي لِلْعُقُولِ اعْتِبَارُهَا
تَحَامَى ذُرَاهَا كُلَّ بَاغٍ وَطَالِبٍ ... وَكَانَ ضَمَانًا فِي الأَعَادِي انْتِصَارُهَا
تَوَافَتْ بِبَطْنِ الأَرْضِ وَأَنْشَتَّ شَمْلُهَا ... وَعَادَ إِلَى ذِي مُلكةِ مُسْتَعَارُهَا
وَكَمْ رَاقِدٍ فِي غَفْلَةٍ عَنْ مَنِيَّةٍ ... مُشَمِّرَةٍ فِي الْقَصْدِ وَهُوَ سِعَارُهَا
стр. 2578
وَمَظْلَمَةٍ قَدْ نَالَهَا مُتَسَلِّطٌ ... مُذِّلٌ بِأَيْدٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ ثَأْرُهَا
أَرَاكَ إِذَا حَاوَلْتَ دُنْيَاكَ سَاعِيًا ... عَلَى أَنَّهَا بَادٍ إليك أَزْوُرَارُهَا
وَفِي طَاعَةِ الرَّحْمَنِ يُقْعِدُكَ الْوَنَى ... وَتُبْدِي أَنَاةً لا يَصِحُّ اعْتِذَارُهَا
تُحَاذِرُ إِخْوَانًا سَتَفْنَى وَتَنْقَضِي ... وَتَنْسَى الَّتِي فَرْضٌ عَلَيْكَ حِذَارُهَا
كَأَنِّي أَرَى مِنْكَ التَّبَرَّمَ ظَاهِرًا ... مُبِينًا إِذَا الأَقْدَارِ حُلَّ اضْطِرَارُهَا
هُنَاكَ يَقُولُ الْمَرْءُ مَنْ لِي بِأَعْصُرٍ ... مَضَتْ كَانَ مِلْكًا فِي يَدَيَّ خِيَارُهَا
تَنَبَّهْ لِيَوْمٍ قَدْ أَظَلَّكَ وِرْدُهُ ... عَصِيبٍ يُوَافِي النَّفْسَ فِيهِ احْتِضَارُهَا
تَبَرّأ فِيهِ مِنْكَ كُلُّ مُخَالِطٍ ... وَأَنَّ مِن الآمَالِ فِيهِ انْهِيَارُهَا
فَأَوْدَعْتُ فِي ظَلْمَا ضَنْكٍ مَقَرُّهَا ... يَلُوحُ عَلَيْهَا لِلْعُيُونِ اغْبِرَارُهَا
تُنَادِي فَلا تَدْرِي الْمُنَادِي مُفْرَدًا ... وَقَدْ حُطَّ عَنْ وَجْهِ الْحَيَاةِ خِمَارُهَا
تُنَادَى إِلَى يَوْمٍ شَدِيدٍ مُفَزِّعٍ ... وَسَاعَةِ حَشْرٍ لَيْسَ يَخْفَى اشْتِهَارُهَا
إِذَا حُشرتْ فِيهِ الْوُحُوشُ وَجُمِّعَتْ ... صَحَائِفُنَا وَانْثَالَ فِينَا انْتِثَارُهَا
وَزُيَّنَتِ الْجَنَّاتِ فِيهِ وَأَزْلَفَتْ ... وَأُذِكيَ مِنْ نَارِ الْجَحِيمِ اسْتِعَارُهَا
وَكُوِّرَتِ الشَّمْسُ الْمُنِيرَةِ بِالضُّحَى ... وَأُسْرِعَ مِنْ زَهْرِ النُّجُومِ انْكِدَارُهَا
لَقَدْ جَلَّ أَمْرٌ كَانَ مِنْهُ انْتِظَامُهَا ... وَقَدْ عُطِّلَتْ مِنْ مَالِكيْهَا عِشَارُهَا
فَإِمَّا لِدَارٍ لَيْسَ يَفْنَى نَعِيمُهَا ... وَأَمَّا لِدَارٍ لا يُفَكُّ إِسَارُهَا
بِحَضْرَةِ جَبَّارٍ رَفِيقٍ مُعَاقِبٍ ... فَتُحْصَى الْمَعَاصِي كُبْرُهَا وَصِغَارُهَا
وَيَنْدَمُ يَوْمَ الْبَعْثِ جَانِي صِغَارِهَا ... وَتُهْلِكَ أَهْلِيهَا هُنَاكَ كِبَارُهَا
سَتُغْبَطُ أَجْسَادٌ وَتَحْيَا نُفُوسُهَا ... إِذَا مَا اسْتَوى أَسْرَارُهَا وَجِهَارُهَا
إِذَا حَفُّهُمْ عَفْوُ الإِلَهِ وَفَضْلُهُ ... وَأسْكَنَهُمْ دَارًا حَلالاً عِقَارُهَا
يَفزُّ بَنُو الدُّنْيَا بِدُنْيَاهُمْ الَّتِي ... يَظُنُّ عَلَى أَهْلِ الْحُظُوظِ اقْتِصَارُهَا
هَيِ الأُمُّ خَيْرُ الْبَرِّ فِيهَا عُقُوقُهَا ... وَلَيْسَ بِغَيْرِ الْبَذْلِ يُحْمَى ذِمَارُهَا
стр. 2579
ج
فَمَا نَالَ مِنْهَا الْحَظَّ إِلا مُهِينُهَا ... وَمَا الْهُلْكُ إِلا قُرْبُهَا وَاعْتِمَارُهَا
تَهَافَتَ فِيهَا طَامِعٌ بَعْدَ طَامِعٍ ... وَقَدْ بَانَ لِلُّبِ الذَّكِيّ اخْتِبَارُهَا
تَطَامَنْ لِغَمْرِ الْحَادِثَاتِ وَلا تَكُنْ ... لَهَا ذَا اعْتِمَارٍ يَجْتَنِبْكَ غِمَارُهَا
وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ مِنْهَا بِمَا تَرَى ... فَقَدْ صَحَّ فِي الْعَقْلِ الْجَلِيِّ عِيَارُهَا
رَأَيْت مُلُوكَ الأَرْضِ يَبْغُونَ عُدَّةً ... وَلَذَّةِ نَفْسٍ يُسْتَطَابُ اجْتِرَارُهَا
وَخَلُّوا طَرِيقَ الْقَصْدِ فِي مُبْتَغَاهُمُ ... لِمُتْبِعَةِ الصِّفَارُ جَمٌّ صِغَارُهَا
وَإِنَّ الَّتِي يَبْغُونَ نَهْجَ بَقِيَّةٍ ... مَكِين لِطُلابِ الْخَلاصِ اخْتِصَارُهَا
هَلْ الْعِزُّ إِلا هِمَّةٌ صَحَّ صَوْنُهَا ... إِذَا صَانَ هَمَّاتُ الرِّجَالِ انْكِسَارُهَا
وَهَلْ رَابِحٌ إِلا امْرُؤٌ مُتَوَكِّلٌ ... قُنُوعٌ غَنِيُّ النَّفْسِ بَادٍ وَقَارُهَا
وَيَلْقَى وُلاةُ الْمُلْكِ خَوْفًا وَفِكْرَةً ... تَضِيقُ بِهَا ذَرْعًا وَيَفْنَى اصْطِبَارُهَا
عَيَانًا نَرَى هَذَا وَلَكِنْ سَكْرَةً ... أَحَاطَتْ بِنَا مَا أَنْ يَفِيقُ خُمَارُهَا
تَدَبَّرْ مَن الْبَانِي عَلَى الأَرْضِ سَقْفَهَا ... وَفِي عَلْمِهِ مَعْمُورُهَا وَقِفَارُهَا
وَمَنْ يُمْسِكُ الإِجْرَامَ وَالأَرْضَ أَمْرُهُ ... بِلا عَمَدٍ يُبْنَى عَلَيْهِ قَرَارُهَا
وَمَنْ قَدَّرَ التَّدْبِيرَ فِيهَا بِحِكْمَةٍ ... فَصَحَّ لَدَيْهَا لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا
وَمن فَتقَ الأَمْوَاهَ فِي صَفْحِ وَجْهِهَا ... فَمِنْهَا يُغَذَّى حَبُّهَا وَثِمَارُهَا
وَمَنْ صَيَّرَ الأَلْوَانَ فِي نُورِ نَبْتِهَا ... فَأَشْرَقَ فِيهَا وَرْدُهَا وَبَهَارُهَا
فَمِنْهُنَّ مُخْضَرٌّ يَرُوقُ بِصَيْصُهُ ... وَمِنْهُنَّ مَا يَغْشَى اللِّحَاظَ احْمِرَارُهَا
وَمَنْ حَفَرَ الأَنْهَارَ دُونَ تَكلُّفٍ ... فَثَارَ مِنَ الصُّمِّ الصِّلابِ انْفِجَارُهَا
وَمَنْ رَتَّبَ الشَّمْسَ الْمُنِيرَ ابْيِضَاضُهَا ... غُدوًّا وَيَبْدُو بِالْعَشِيّ اصْفِرَارُهَا
وَمَنْ خَلَقَ الأَفَلاكَ فَامْتَدَّ جَرْيُهَا ... وَأَحْكَمَهَا حَتَّى اسْتَقَامَ مَدَارُهَا
وَمَنْ إِنْ أَلمتْ بِالْعُقُولِ رَزِيَّةٌ ... فَلَيْسَ إِلَى حَيٍّ سِوَاهُ افْتِقَارُهَا
تَجِدْ كُلَّ هَذَا رَاجِعٌ نَحْوَ خَالِقٍ ... لَهُ مُلْكُهَا مُنْقَادَةً وَائْتِمَارُهَا
стр. 2580
أَبَانَ لَنَا الآيَاتِ فِي أَنْبِيَائِهِ ... فَأَمْكَنَ بَعْدَ الْعَجْزِ فِيهَا اقْتِدَارُهَا
فَأَنْطَقَ أَفْوَاهًا بِأَلْفَاظِ حِكْمَةٍٍ ... وَمَا حَلَّهَا إِثْغَارُهَا وَاتِّغَارُهَا
وَأَبْرِزَ مِنْ صُمٍّ الْحِجَارَةِ نَاقَةً ... وَأَسْمَعُهُمْ فِي الْحِينِ مِنْهَا حُوَارُهَا
لِيُوقِنَ أَقْوَامٌ وَتَكَفُّرِ عُصْبَةً ... أَتَاهَا بِأَسْبَابِ الْهَلاكِ قدَارُهَا
وَشَقَّ لِمُوَسَى الْبَحْرَ دُونَ تَكَلُّفُ ... وَبَانَ مِنَ الأَمْوَاجِ فِيهِ انْحِسَارُهَا
وَسَلَّمَ مِنْ نَارِ الأَنُوقَ خَلِيلَهُ ... فَلَمْ يُؤْذِهِ إِحْرَاقُهَا وَاعْتِرَارُهَا
وَنَجَى مِن الطُّوفَانِ نُوحًا وَقَدْ هَدَّتْ ... بِهِ أُمَّةٌ أَبدَى الْفُسُوقَ شِرَارُهَا
وَمَكَّنَ دَاوُدًا بِأَيْدٍ وَابْنَهُ ... فَتَعْسِيرُهَا مُلْقَىً لَهُ وَبِدَارِهَا
وَذِلَّلِ جَبَّارَ الْبِلادِ بِأَمْرِهِ ... وَعَلَّمَ طَيْرًا فِي السَّمَاءِ حِوَارُهَا
وَفَضَّلَ بِالْقُرْآنِ أُمَّةَ أَحْمَدٍ ... وَمَكَّنَ فِي أَقْصَى الْبِلادِ مُغَارُهَا
وَشَقَّ لَهُ بَدْرَ السَّمَاءِ وَخَصَّهُ ... بِآيَاتٍ حَقٍّ لا يُخَلُّ مُعَارُهَا
وَأَنْقَذَنَا مِنْ كُفْرٍ أَرْبَابِنَا بِهِ ... وَقَدْ كَانَ عَلَى قُطْبِ الْهَلاكِ مَنَارُهَا
فَمَا بَالُنَا لا نَتْرُكُ الْجَهْلَ وَيْحَنَا ... لِنُسْلَمُ مِنْ نَارٍ تَرَامَى شَرَارُهَا
اللَّهُمَّ تب عَلَيْنَا قبل أن تشهد عَلَيْنَا الجوارح ونبهنا من رقدات الغفلات وسامحنا فأَنْتَ الحليم المسامح وانفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا فمنك الفضل والمنائح وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
فَصْلٌ في تَحْرِيمِ حَلْقِ اللِّحْيَةِ
ومِمَّا يتأكد اجتنابه والبعد عَنْهُ، والتحذير منه في رمضان وفي غيره حلق اللحية وقصها ونتفها لما يأتي من الآيات وَالأَحَادِيث.
стр. 2581
.. قال الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ قال البغوي ﵀ قيل: الرِّجَال باللحى، والنساء بالذوائب، وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ ، وَقَالَ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ وقَدْ رأى النَّبِيّ ﷺ على عَبْد اللهِ بن عمرو ثوبين معصفرين فَقَالَ له: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها» . رواه مسلم , فالعاقل المتدين البصير الورع يبعد كُلّ البعد عن تقليدهم والتشبه بِهُمْ، والدنو إلى مستواهم المنحط الشاذ وإليك ما ورد في التحذير عن التشبه بِهُمْ، والأَمْر بمخالفتهم لتَكُون على بصيرة من ذَلِكَ وتفهم الأدلة وتنصح من رأيته يقلدهم ويتشبه بِهُمْ وتبين له أنه قَدْ أمر ﷺ بإعفاء اللحية ومخالفة المشركين فعن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس» . رواه أَحَمَد ومسلم.
وعن ابن عمر عن النَّبِيّ ﷺ : «خالفوا المشركين وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب» . متفق عَلَيْهِ. وروى الإمام أَحَمَد عن أَبِي هُرَيْرَةِ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أعفوا اللحى وجزوا الشوارب، ولا تشبهوا باليهود والنَّصَارَى» . وللبزار: «لا تشبهوا بالأعاجم، أعفوا اللحى» .
وروى عن ابن عمر قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «من تشبه بقوم فهو مِنْهُمْ» . رواه أَحَمَد وَأَبُو دَاود.
стр. 2582
وَقَالَ أيضًا: «إن اليهود والنَّصَارَى لا يصبغون فخالفوهم» . رواه البخاري ومسلم.
وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ قال: «لَيْسَ منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا النَّصَارَى» . وروي عن ابن عمر: «من تشبه بِهُمْ حتى يموت حشر معهم» .
وفي كتاب عُمَر بن الْخَطَّاب ﵁ إلى عتبة بن فرقَدْ: وَإِيَّاكَ وزي أَهْل الشرك. رواه البخاري ومسلم.
قال ابن عقيل ﵀: النهي عن التشبه بالعجم للتحريم.
وَقَالَ شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية ﵀:
التشبه بالكفار منهي عَنْهُ بالإجماع. وَقَالَ على حديث ابن عمر: من تشبه بقوم فهو مِنْهُمْ. وقَدْ احتج الإمام أَحَمَد وغيره بهَذَا الْحَدِيث قال: وهَذَا أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بِهُمْ، وإن كَانَ ظاهره يقتضي كفر المتشبه بِهُمْ كما في قوله تَعَالَى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ . انتهى.
وقَدْ جَاءَ في حديث رواه ابن إسحاق وابن جرير أنه ﷺ قال: «إن الله أمرني بإعفاء لحيتي وقص شارَبِّي» .
ومن الأدلة على تحريم حلق اللحية قوله ﷺ : «من رغب عن سنتي فلَيْسَ مني» . ومن سنته صلى الله عَلَيْهِ وسلم
стр. 2583
إعفاء اللحية. وروى الإمام أَحَمَد في زوائد المسند بأسانيد جيدة عن علي ﵁ قال: كَانَ رسول الله ﷺ عَظِيم اللحية، وهَذَا يدل على أنه كَانَ يعفيها، ولا يأخذ منها شَيْئًا. وروى مسلم عن جابر ﵁ قال: كَانَ رسول الله ﷺ كثير اللحية وعن أنس ﵁ قال: لحيته قَدْ ملأت من ها هنا وأمر يده على عارضه.
وعن عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: كَانَ رسول الله ﷺ كث اللحية، تملأ عارضيه. وقال أبو معمر: قلنا لخباب ابن الأرت أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، فقلنا له: بم كنتم تعرفون قراءته؟ قال: باضطراب لحيته. رواه البخاري. وسئل ابن عمر ﵄: كيف كنتم تعرفون قراءة رسول الله ﷺ في السرية؟ قال: باضطراب لحيته.
وعن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته. رواه ابن ماجة والترمذي وصححه، فهذا يدل على عظمها وطولها وعن أنس أن النبي ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفًا من ماء فأدخله تحت حنكه، فخلل به لحيته، وقال: «هكذا أمرني ربي» . رواه أبو داود. وعن عمرو بن شعيب ﵁ عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «لا تنتفوا الشيب فإنه نور المسلم ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كتب الله له بها حسنة ورفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة» . رواه أحمد وأبو داود.
стр. 2584
وَالذي يَحْلِقُها قََدْ كَرهَ الشَّعْرَ الأسْوَدَ، فَضْلاً عنْ الأَبيضِ الذِي هُوَ نورُ المَسلِم، وقد أخْرَجَ مُسْلِمُ في الصَّحيْحِ مِن حَديْثِ قتادة عن أنسِ بن مالكٍ قالَ: كنّا نكرَهُ أنْ يَنِتفَ الرَّجُلُ الشَّعْرَةَ البَيْضاءَ مِن رأسِه ولِحْيَتِه.
وكانَ أبُو بكرٍ ﵁ كَثَّ اللحْيَةِ، وكَانَ عُثْمَانُ ﵁ رَقيْقَ اللَّحْيةِ، وَكانَ عليُّ عَرْيضَ اللحية، وَقَدْ مَلأتْ مَا بَيْنْ مَنْكِبَيْهِ ﵁، وَقدْ قالَ ﷺ : «عَلْيكُم بسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيَّينَ منْ بَعْدِيْ، عضُّوا عَليْهَا بالنَّواجِذِ، وَإيَّاكُمْ وَمُحْدثَاتُ الأمُورِ، فَإنَّ كُلَّ مُحْدَثةٍ بَدْعة» . الخ ومن الأدلة على تحريم حلق اللحية - مع ما تقدم، وأنه تشبه بأعداء الله اليهود والنصارى - أنه أيضًا تشبه بالنساء.
وبالأمرد في عدم الشعر بالوجه، وقد ورد اللعن للمتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، في عدة أحاديث تقدمت في فصل مفرد لها.
وأيضًا فحلق اللحية تغيير لخلق الله وتمثيل بالشعر، وقد ورد عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من مثل بالشعر فليس له عند الله خلاق» . رواه الطبراني. قال أهل اللغة: مثل بالشعر: صيرة مُثْلَه، بأن حلقه من الخدود أو نتفه، أو غيره بالسواد.
وقد عمت هذه البدعة في زمننا، وانتشرت انتشارًا يؤلم قلب كل
стр. 2585
مؤمن، فإنه إذا التفت إلى وجوه من حوله من الرجال وجد الأكثر منهم مغيرًا لما جمله الله به، وجعله - لو أبقاه - داعيًا إلى وقاره واحترامه وهيبته، ويندر جدًا أن ترى وجه المتأدب بآداب الشريعة، الذي لا يتعرض للحيته بحلق ولا قص ولا نتف، ولا تسويد الشعر الأبيض، عليه ما زينه الله به من سيما الرجولة والوقار حيث أبقاها، إذ هو بحلقها يزيل جماله الشاهد في بقائها وينفق ماله في حلقها وسيسأل عنه يوم القيامة ويهدم رجولته، ويعدم هيبته ووقاره، ويرضى لنفسه أن يعيش طول حياته متشبهًا بأعداء الإسلام الإفرنج، فإن حلقها علامتهم جميعًا في هذا الزمان كما نشاهد وأما إعفاء اللحية فعلامة المرسلين وأتباعهم وأحبائهم السائرين علي منهاجهم عباد الله الصالحين. نسأل الله أن يوفقنا لسلوك منهاجهم إنه القادر على ذلك.
قال ابن القيم: ثم تأمل لم صارت المرأة والرجل إذا أدركا اشتركا في نبات العانة ثم ينفرد الرجل عن المرأة باللحية، فإن الله لما جعل الرجل قَيِّمًا على المرأة، وجعلها كالخول والعاني في يديه، ميزة عليها بما فيه له المهابة والعز والوقار والجلالة، لكماله وحاجته إلى ذلك، ومنعتها المرأة، لكمال الاستمتاع بها والتلذذ، لتبقى نضارة وجهها وحسنه لا يَشِينُهُ الشعر. انتهى.
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
فصل: وقال في الدر المختار وأما الأخذ منها وهي دون القبضة كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال فلم يبحه أحد اهـ ورد عمر بن الخطاب ﵁ وابن أبي ليلى قاضي المدينة شهادة من كان ينتف لحيته والحلق أعظم بكثير، لأنه لا يبقي شيئًا منها
стр. 2586
وقال أبو شامة وقد حدث قوم يحلقون لحالهم وهو أشد مما نقل عن المجوس من أنهم كانوا يقصونها وقال في التمهيد: ويحرم حلق اللحية ولا يفعله إلا المخنثون من الرجال. أ. هـ.
قال بعضهم:
أَلا أَيُّهَا الْمَغْرُورُ فِي جَرِ ثَوْبِهِ ... وَجَزٍّ لِبَعْضٍ الرَّأْسِ فِعْلَ الأَسَافِلِ
فَمَا الْعِزُّ فِي حَلْقِ اللِّحَا أَوْ خَنَافِسٍ ... وَلا شُرْبِ دَخَّانٍ هَوَتْهُ الأَسَافِلِ
وَلَكِنَّهُ بِالْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالتُّقَى ... وَجُودٍ وَحِلْمٍ وَاقْتِنَاءِ الْفَضَائِلِ
آخر: ... لَيْسَ السِّيَادَةُ أَشْنَابًا مُفَتَّلَةً ... وَلا لِحًا أَنْهِكَتْ بِالْمُوسِ وَالنِّيَرِ
لَكِنَّهَا بِالتُّقَى وَالزُّهْدِ يَعْرِفُهَا ... مَنْ بِالْفَضَائِلِ مَشْهُورًا لَدَى الْبَشَرِ
آخر: ... لَعَمْرُكَ مَا الإِنْسَانُ إِلا ابْنُ دِينِهِ ... فَلا تَتْرُكِ التَّقْوَى اتِّكَالاً عَلَى النَّسَبْ
فَقَدْ رَفَعَ الإِسْلامُ سَلْمَانَ فَارِسٍ ... وَقَدْ وَضَعَ الشَّرْكُ الشَّقِيَّ أَبَا لَهَبْ
آخر: ... لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةٌ فِي الْوَرَى ... وَزِينَةُ الْمَرْءِ بِتَوْحِيدِهِ
قَدْ يُرْفَعُ الْمَرْءُ بِتَوْحِيدِهِ ... فِينَا وَإِنْ كَانَ وَضِيعَ النَّسَبْ
... وفي اللحية خصال نافعة: أولاً: مخالفة المشركين.
ثانيًا: تمييز الرجل عن المرأة. ثالثًا: تمييز الرجل عن الصبي وتغطية ما في منبتها من تشوية أو تثن لاسيما في الكبر. رابعًا: تعظيم الرجل الذي يعفيها وتوقيره. خامسًا: أن إعفاءها من سنن المرسلين. سادسًا: أنه ينظر إلى معفيها بعين التعظيم والإجلال والتقدير. سابعًا:
стр. 2587
تقديم من يعفيها على الجماعة وتعقيله والسلامة من تضييع قطعة من العمر في حلقها أو قصها ثامنًا: صحة إمامته بالجماعة. تاسعًا إبعاده عن مشابهه النساء والصبيان، واليهود والنصارى والمجوس والمخنثين.
ووصف بعض بني تميم من رهط الأحنف بن قيس، قال: وددت أنا اشترينا للأحنف لحية بعشرين ألفًا، فلم يذكر حنفه ولا عوره، وذكر كراهية عدم اللحية، لإن من لا لحية له يرى عند العقلاء ناقصًا، وكان الأحنف عاقلاً حليمًا، يضرب به المثل في الحلم، وذكر عن شريح القاضي، قال: وددت أن لي لحية بعشرة آلاف درهم وأهل زمننا بعضهم يود لو عدمها وساق آلافًا من الورق ولا تفيد معه النصائح مهما أيدت بالآيات والأحاديث، وذكر العلماء أن في اللحية إذا أزيلت بالكلية ولم تعد الدية كاملة، وهؤلاء المجاهرون بهذه المعصية العظيمة، المعاكسون لهدي المصطفى ﷺ في إبقائها وإكرامها، والمتشبهون باليهود والنصارى في حلقها، يرون الجمال والتمدن بالقضاء على أعظم الفوارق بين الذكر والأنثى وهو اللحية عكس رأي أهل الدين والصلاح، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ وأكثر حالقي لحاهم وصل بهم التشبه إلى حد إن أبقوا شواربهم واقفة ليس فيها قصير، وكأنهم بفعلهم هذا يعاندون المصطفى ﷺ ويعاكسونه، حيث أنه يأمر بإبقاء اللحى وإحفاء الشوارب، وزيادة على هذا يجعلون ما يسمى بالتواليت ويفرقونه ويكدونه، وبعضهم يزيد ويخنفس، فهل هذا التشبه والتتبع لسفاسف الأخلاق إلا من الانتكاس وعمى البصيرة والتقليد الأعمى ولا يفهم أن هذا إزالة
стр. 2588
للجمال والرجولة والهيبة والوقار والكمال، نعوذ بالله من الانتكاس وهذا من نتيجة تقليد الأجانب، ولهذا ترى كثيرًا من الناس أهملوا أمر الدين واستهانوا بحقوقه، وعبثوا بواجباته وانتهكوا حرمات الله، ولم يبالوا بارتكاب ما لا يرضاه الله من الشرور والمنكرات والقبائح، سائر كل منهم وراء شهوته وهواه، ونفسه الأمارة بالسوء.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ ويا ليت أنهم قلدوا الأجانب فيما يفيد وينفع من الصناعات.
وكل ما يرقي شؤونهم، من الفنون التي تعود إلى مصلحة الإسلام والمسلمين، لكن قلدوهم فيما يضر ولا ينفع، في حلق اللحى وشرب الدخان، ولعب القمار والمسكرات، والربا في البنوك وغيرها، وفي التأمينات، وفي الملاهي بأنواعها، وفي التصوير والتبرج والتهتك واللعب بالكرة، وضياع العمر عند المذياع والتلفزيون والسينماء، وسائر أنواع المحرمات التي قضت على العمر والوقت والمال والأخلاق، فيا للأسف على ذهاب العمر النفيس الذي لا قيمة له ولا خطر، ولا يعادلة جوهر ولا ذهب ولا فضة ولا در ولا مرجان، ولا لؤلؤ ولا عقيان عند الملاهي والمنكرات التي سوف يعضون أيديهم على ضياع الوقت عندها إذا نودوا للوقوف بين يدي العزيز الجبار.
اللهم اجعل الإيمان هادمًا للسيئات، كما جعلت الكفر هادمًا للحسنات ووفقنا للأعمال الصالحات، واجعلنا ممن توكل عليك فكفيته، واستهداك فهديته ودعاك فأجبته، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الرحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 2589
ج
شِعْرًا: ... أَعُوذُ بِرَبِّ الْعَرْشِ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ ... وَأَسْأَلُهُ عَفْوًا لِكُلِّ خَطِيئَةٍ
وَحِفْظًا لِدِينِي ثُمَّ دُنْيَايَ ثُمَّ مَا
أُكِنُّ وَمَا أَبْدِيهِ مَعْ حُسْنِ نِيَّةِ
فَأَحْيَا مُحِبًّا لِلنَّبِي وآله
وَأَصْحَابِهِ فِي خَيْرِ هَدْيٍ وَسُنَّةِ
فَمِنْ هَدْيِ خَيْرِ الْخَلْقِ إِعْفَاءٌ لِحْيَةٍ
وَمِنْ هَدْيِهِ يَا صَاحِ لُبْسٌ لِعَمَّةِ
وَقَدْ جَاءَ أَقْوَامٌ عَتَاةٌ تَجَاسَرُوا
عَلَى هَدْمِ أَعْلامِ الْهُدَى بِوَقَاحَةِ
وَيَا لَيْتَهُمْ لمَّا عَنْ الْحَقِّ أُعْرِضُوا
بِأَفْعَالِهِمْ مَا عَارَضُوا بِصَرَاحَةِ
هُمُ مَثَّلُوا مِنْ جَهْلِهِمْ بِوُجُوهِهِمْ
لَقَدْ بَلَغُوا فِي ذَاكَ حَدَّ الشَّنَاعَةِ
أَقُولُ لِمَنْ أَمْسَى عَن الدِّينِ نَاكِبًا
مُعَانِدًا أَعْلامَ الْهُدَى لِلشَّرِيعَةِ
يُجَاهِرُ فِي نُكْرٍ وَيُبْدِي تَشَبُّهًا
بِأَعْدَاءِ دِينٍ يَا لَهَا مِنْ خَسَارَةِ
يُمَثِّلُ فِي وَجْهٍ بِحَلْقٍ لِلحْيَةِ
لَعَمْرِي لَقَدْ سَاوَى لِوَجْهٍ بِعَانَةِ
فَأَصْبَحَ مِنْهُ الْوَجْهُ أُسْتًا مَشَوَّهًا
لَدَى كُلِّ ذِي عَقْلٍ بِأَقْبَحِ صُورَةِ
تَعَوَّدَ هَذَا الْخُلْقَ طَبْعًا لأَنَّهُ
يُلائِمُ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ خَلاعَةِ ... >?
стр. 2590
اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار واسكنا معهم في دار القرار، اللهم وفقنا بحسن الإقبال عليك والإصغاء إليك ووفقنا للتعاون في طاعتك والمبادرة إلى خدمتك وحسن الآداب في معاملتك والتسليم لأمرك والرضا بقضائك والصبر على بلائك والشكر لنعمائك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
... أَخِي اسْتَمِعْ مِنِّي هُدِيتَ نَصِيحَةٍ ... بِقَوْلٍ حَرِيٌّ بِالصَّوَابِ وَنَافِعِ
أَتَتْ مِنْ أَخِي وِدٍّ شَفِيقٍ عَلَى الَّذِي ... عَن الْكِبْرِ نَاءٍ مَائِلٍ لِلتَّوَاضِعِ
إِذَا أَبْصَرْتَ عَيْنَاكَ مَخْلُوقَ لِحْيَةٍ ... مُقَلِّدَ أَهْلِ الْغَرْبِ صُهْبَ الْمَفَارِعِ
فَلِلَّهِ فَالْجَأْ حَامِدًا مُتَضَرِّعًا ... وَقُلْ مَا أَتَى عَمَّنْ أَتَى بِالشَّرَائِعِ
لَعَلَّكَ أَنْ تَحْيَا سَعِيدًا مُنَابِذًا ... لأَخْلاقِهِمْ تُحْضَى بِأَعْلَى الْمَوَاضِعِ
وَتَعْنَى بِأَخْلاقِ النَّبِي وَصَحْبِهِ ... مُعَفِّي اللَّحَا أَهْلِ الْعُلُومِ الْجَوَامِعِ
فَكَمْ بَيْنَ مَنْ قَدْ شَابَهوا خَيْرَ مُرْسَلٍ ... بِإِعْفَائِهِمْ أَكْرِمْ بِهِمْ مِنْ مُتَابِعِ
وَمَنْ رَدَّ أَمْرَ الْمُصْطَفَى فَاغْتَدَى لَهَا ... بِحَلْقِ لَهَا أَوْ نَتْفِهَا بِالأَصَابِعِ
أَوْ الْقَصِّ أَوْ تَحْرِيقَهَا أَوْ بَكِيِّهَا ... يَرَى تَرْكَهَا مِنْ مُعْظَمَاتِ الْفَضَائِعِ
يُغَيِّرُ عَلَيْهَا كُلَّ صُبْحٍ بِمَا حَقٍ ... إِذَا مَا بَدَا شَعْرٌ عَلاهُ بِقَاطِعِ
كَأَنَّ لَهُ ثَأْرًا عَلَيْهَا مُضَاعَفًا ... فَمَا نَاصِحٍ مُغْنٍ وَلا شَفْعُ شَافِعِ
مُهَدَّةْ فِي كُلِّ صُبْحٍ وَرَوْحَةٍ ... فَمَا أَمْنُهَا إِلا بِجِلْدٍ مُمَانِعِ
إِذَا قُلْتُ لَمْ تَعْصِ النَّبِي مُحَمَّدًا ... فَتَحْلِقُهَا حَلْقَ الْعَنِيدِ الْمُدَافِعِ
أَمَا أَوْجَبَ الرَّحْمَنُ طَاعَةَ أَحْمَدٍ ... عَلَيْنَا وَعِصْيَانَ الْعَدُوِّ الْمُقَاطِعِ
أَمَا قَالَ أَرْخُوا لِلِّحَاءِ وَوَفِّرُوا ... فَوَفَّرْ تَكُنْ لِلْمُصْطَفَى بِمُتَابِعِ
فَاطْرَقَ حَتَّى أَنْ ظَنَنْتَ بِأَنَّهُ ... سَيَرْجِعُ عَنْ إِتْلافِهَا بِمُسَارِعِ
وَيَنْدَمُ عَمَّا قَدْ مَضَى مِنْهُ أَوَّلاً ... وَيَعْزِمُ فِي جِدَّ مِنَ الْجَزْمِ قَاطِعِ
فَقَالَ بِمَا قَالَ الْكَثِيرُ مُعَانِدًا ... أَلَسْتَ تَرَى غَيْرِي فَلَسْتَ بِسَامِعِ
فَقُلْتُ أليس الأَكْثَرُونَ عَن الْهُدَى ... تَوَلَّوْا فَضَلُّوا فِي وَخِيمِ الْبَلاقِعِ
стр. 2591
وَفِي تَافِهَةَ الأَشْيَاءِ لِلضِّدِّ قَلَّدُوا ... وَفِي الدِّينِ وَالأَخْلاقِ صُفْرُ الْبَضَائِعِ
فَيَا بُعْدَ مَا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ عِنْدَمَا ... تُقَارِنُ فِي عَدْلٍ عَن الْجُورِ شَاسِعِ
وَأَخْتمُ قَوْلِي حَوْلَ مَا قُلْتُ أَوَّلاً ... فَمَا فِي يَدِي حَوْلٌ وَلَسْتُ بِدَافِعِ
سَلامٌ عَلَى مُعْفِي اللِّحَا كُلَّ مَا بَدَا ... لَنَا شَعْرُهَا مَا بَيْنَ سُودِ وَنَاصِعِ
وَصلى إِلَهِي كُلَّ مَا ذَرَّ شَارِقٌ ... عَلَى أَحْمَدِ الْمُخْتَار جَمِّ الْمَنَافِعِ
وبالتالي فلو لم يكن في حلقها إلا أنه اعتراض على حكمة الله حيث جعلها ميزة للرجل عن الأنثى ثانيًا: أن من نواقض الإسلام كراهة ما جاء عن الله أو عن رسوله ويخشى على حالقها من ذلك. ثالثًا: أن حلقها معصية لله ولرسوله لقوله تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ وقد أمر الرسول بإعفائها. رابعًا: أن حلقها تمثيل بالشعر وتقدم حديث من مثل بالشعر فليس له عند الله خلاقٌ. خامسًا: أنه تشبه باليهود. سادسًا: أنه تشبه بالنصارى. سابعًا: أنه تشبه بالمجوس. ثامنًا: أنه تشبه بالنساء. تاسعًا: أنه تشبه بالمرد. عاشرًا: أنه دليل على أن حالقها يميل إلى غير أمته. الحادي عشر: أن من حلقها أو قص منها لرضاء الزوجة أو الزملاء ملتمس رضا الناس بسخط الله لأن من عصى أمر الرسول ﷺ فقد عصى الله.
اللهم ثبت وقوِّ محبتك في قلوبنا واشرح صدورنا ونورها بنور الإيمان واجعلنا هداة مهتدين وألهمنا ذكرك وشكرك واجعلنا ممن يفوز بالنظر إلى وجهك في جنات النعيم يا حليم ويا كريم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
موعظة: عباد الله ما بال الكثير اليوم لا يسمعون، وإذا سمعوا لا ينتفعون، أفي آذانهم صمم، أم هم في الأمر متهاونون، ولأي شيء يجتمعون، ويقوم فيهم الخطباء المجيدون، والوعاظ المبلغون، ويذكرونهم أيام
стр. 2592
الله فلا يخشع الوعاظ ولا الموعوظون، ويرغبونهم في الخير فلا يسارعون، وينذرونهم عواقب السوء فلا يتأثرون ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لقد كان السلف الصالح إذا وعظوا تأثر المستمع لهم تأثرًا عظيمًا، وفارق ما عنده من المنكرات والمحرمات، وفارق من أصر عليها من أقاربه، وأولاده، وإخوانه، وآبائه، وجدد توبة نصوحًا، عما سلف له من الأعمال، التي لا يرتضيها الدين الإسلامي، فأين أولئك من هؤلاء الخلف، الذين ضيعوا تعاليم الدين الإسلامي، وضيعوا العمل به، وتركوا الانقياد لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، تأمل كيف ترى أكثرهم أضاعوا الصلاة، وعطلوا الأحكام، وتساهلوا بأمر الحرام، يمرون بالمساجد، وقت الصلاة، فلا يعيرونها أي اهتمام أما الملاهي والمنكرات فإليها يسرعون وعليها يعكفون وإلى ما فيها من الأغاني والمجون والسخف يتسابقون فإنا لله وإنا إليه راجعون، أين الخوف من الجبار، أين الحياء من فاطر الأرض والسماوات، أين المروءة والاعتصام بالقرآن، وما كان عليه آباؤكم وأجدادكم العباد الكرام، الذين كانت المساجد تغص بهم شيوخًا وشبانًا، وكانت تعج بأصواتهم تسبيحًا، وتحميدًا وتهليلاً، وتكبيرًا، واستغفارًا، وقرآنًا، وكانوا يؤمون المساجد قبل الآذان زرافات ووحدانا، ولا يتخلف منهم إلا معذور، إما مريض أو غائب، أو نحو ذلك، وكان المار ببيوتهم ليلاً يسمع زجل التسبيح، والتهليل والبكاء والأنين والتضرع إلى بديع السماوات والأرض، والإلحاح بدعائه، والالتجاء إليه والإنابة، عكس ما عليه هؤلاء الخلف، الذين صدق عليهم قول الله تعالى ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ
стр. 2593
أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ الذين بحثت عنهم في الليل، وجدتهم حول الملاهي والمنكرات، متربعين أمام التلفزيون، وغناء المطربين، وإن بحثت عنهم في صلاة الفجر وجدتهم في فرشهم، إثر سهرهم حول تلك المنكرات، وإن بحثت عنهم وقت صلاة الظهر ففي شؤون الدنيا، وما يتعلق بها، وإن أردتهم في صلاة العصر، وجدت بعضهم عند الكورة، والبعض عند التلفزيون، والبعض عند المذياع، وأغانيه وملاهيه، وإن سألت عنهم وقت صلاة المغرب، وجدت بعضهم يمشي مترددًا، والبعض في الملعب، والبعض عند التلفزيون، أو المذياع، وأما العشاء الآخرة فتلك هم فيها أقسام أكثرهم حول التلفزيون أو في الأسواق، أو يلعبون ورقة، أو نحو ذلك من المنكرات وهكذا قتلوا أوقاتهم الثمينة، وضيعوها، وقضوا على مستقبلهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله والله أعلم بما أراده بعباده، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ والحالة هذه مخيفة لذوي العقول، والفهوم، لاسيما وقد توالت أسباب الهناء والراحة، والسرور، والاطمئنان، وقد قيل إذا رأيت الله تعالى أنعم على عبدٍ وهو مقيم على معصيته فاعلم أنه مستدرج وروى عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته فإنما ذلك استدراج ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ » . وقال قتادة: ما أخذ الله قومًا إلا عند سكرتهم وغرتهم، ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون.
شِعْرًا: ... كُلُّ الْمَصَائِبِ قَدْ تَمُرُّ عَلَى الْفَتَى ... فَتَهُونُ غَيْرَ مُصِيبَةٍ فِي الدِّينِ
стр. 2594
وقال ابن الجوزي ﵀: الحذر الحذر من المعاصي فإنها سيئة العواقب، والحذر الحذر من الذنوب خصوصًا ذنوب الخلوات، فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه سبحانه ولا ينال لذة المعاصي إلا دائم الغفلة.
فأما المؤمن اليقظان فإنه لا يلتذ بها، لأنه عند التذاذه يقف بإزائه علمه بتحريمها وحذره من عقوبتها، فإن قويت معرفته رأى بعين عمله قرب الناهي وهو الله) .
تَوَارَى بِجِدْرَانِ الْبُيُوتِ عَنِ الْوَرَى ... وَأَنْتَ بِعَيْنِ اللهِ لاشَكَّ تَنْظُرُ
فيتنغص عيشه في حال التذاذه فإن غلبه سكر الهوى كان القلب متنغصًا بهذه المراقبات وإن كان الطبع في شهوته فما هي إلا لحظة ثم خزي دائم وندم ملازم وبكاء متواصل وأسف على ما كان مع طول الزمان.
حتى إنه لو تيقن العفو وقف بإزائه حذار العتاب فأفٍ للذنوب ما أقبح آثارهًا وأسوء أخبارها انتهى كلامه.
أَمَا آنَ الرُّجُوعُ إِلَى الصَّفُوحِ ... عَن الزَّلاتِ وَالْفِعْلِ الْقَبِيحِ
تُبَادِرُهُ بِقُبْحِ الْفِعْلِ سِرًّا ... وَلا تَخْشَاهُ بِالْقَوْلِ الصَّرِيحِ
هَدَاكَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ... وَأَنْتَ ضَلَلْتَ عَنْ هَذَا الصَّحِيحِ
وَفِي دُنْيَاكَ تُؤثرُ كُلَّ فَانٍ ... عَنِ الْبَاقِي الْمُعَزَّزِ وَالْمَلِيحِ
آخر: ... يَا طَالِبَ الطِّبِّ مِنْ دَاءِ تَخَوَّفَهُ ... إِنَّ الطَّبيبَ الَّذِي أَبْلاكَ بِالدَّاءِ
هُوَ الطَّبِيبُ الَّذِي يُرْجَى لِعَافِيَةٍ ... لا مَنْ يُذِيبُ لَكَ التِّرْيَاقَ بِالْمَاءِ
اللهم يا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أيقظنا من نوم الغفلة ونبهنًا لإغتنام أوقات المهلة ووفقنًا لصالحنا واعصمنا من قبائحنا وذنوبنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عليه ضمائرنا واكنته سرائرنا من أنواع القبائح.
стр. 2595
والمعائب التي تعلمها منا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
فَصْلٌ في الحَثِّ عَلَى صِيَانَةِ الوَقْتِ
وصرفه فيما فيه النفع من صلاة وزكاة وصيام وحج وتسبيح وتهليل وتكبير، وسائر أنواع القربات لله، التي هي عمارة بيته الذي سيسكنه طويلا.
ومما يتأكد إجتنابه والتحذير منه في رمضان وغيره الجلوس في المجالس التي هي كفيلة بالخسران والندامة، كمجالس آلات اللهو من الاسطوانات والمذياع وأعظم من ذلك السينما والتلفزيون والفديو والكرة.
أما المذياع فلأنه آلة لهو محرم، لدخوله في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الآية وقد فسر لهو الحديث، كثير من السلف - من الصحابة والتابعين - بالغناء والمزامير، وفسره بعضهم بالأساطير والقصص من أخبار ملوك الأعاجم والروم، وبعضهم فسر لهو الحديث بكل باطل يلهي ويشغل عن الخير، فإن فسرت هذه الآية بالغناء والمزامير فهو رأس الملاهي كلها، وإن فسرت بما يجمع ذلك من كل باطل يلهي ويشغل عن الخير فهو الجامع لذلك، وفوق ذلك الوصف، ومن المعلوم لدى كل ذي عقل سليم منصف أن الراديو المقصود الأصلي منه اللهو والغناء، والاشغال عن طاعة الله.
وفي المذياع يجمع بين كلام الله والغناء، وهذا من أعظم التنقص والامتهان لكتاب الله، ومن جهة أخرى فهو استهزاء واستخفاف بكتاب الله وقد قال جل وعلا وتقدس: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ﴾ وعدم
следующие страницы →