Полный текст (3 875 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية الترمذي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقَال: «أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلاَةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ شِعَارُ الصَّالِحِين» . ثُمَّ تَلاَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ وَفِي بَعْضِ الآثَارِ: بَاكِرُوا بَالصَّدَقَةِ فَإنَّ البَلاءَ لا يَتَخَطَّاهَا.
وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بِنْ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنِ سُمْرَةَ بِنْ جُنْدَبِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا وَكُنَّا فِي صُفَّةٍ بَالْمَدِينَةِ فَقَامَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «إِنِّي رَأَيْتُ البَارِحَةَ عَجَبًا، رَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي أَتَاهُ مَلكَ الْمَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوُحَهُ فَجَاءَ بِرُّهُ بِوَالِدَيْهِ فَرَدَّ مَلَكَ الْمَوْتِ عَنْهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي قَدْ بُسِطَ عَلَيْهِ عَذَابُ القَبْرِ فَجَاءَهُ وُضُوئُهُ فَاسْتَنْقَذَهُ مَنْ ذَلِكَ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي قَدْ احْتَوَشَتْهُ الشَّيَاطِينِ فَجَاءَهُ ذِكْرُ اللهِ وَطَرَدَ الشَّيَاطِينَ عَنْهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي قَدْ احْتَوَشَتْهُ مَلائِكَةُ العَذَابِ فَجَاءَتْهُ صَلاتِهِ فَاسْتَنْقَذَتْهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي يَلْتَهِبُ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «يَلَهْثُ عَطَشًا كُلَّمَا دَنَا مِنْ حَوْضٍ مُنِعَ وَطُرِدَ فَجَاءَهُ صِيَامُ رَمَضَانَ فَسَقَاهُ وَأَرْوَاهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي، وَرَأَيْتُ النَّبِيِّينَ جُلُوسًا حِلَقًا حِلقًا كُلَّمَا دَنَا إِلى حِلْقَةٍ طُرِدَ فَجَاءَهُ غُسْلُهُ مِنْ الجَنَابَةِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَقْعَدَهُ إِلى جَنْبِي، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ ظُلْمَةٌ وَمِنْ خَلْفِهِ ظُلْمَةٌ وَعَنْ يَمِينِهِ ظُلْمَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ ظُلْمَةٌ وَمِنْ فَوْقِهِ ظُلْمَةٌ وَهُوَ مُتَحَيِّرٌ فِيهَا فَجَاءَهُ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ فَاسْتَخْرَجَاهُ مِنْ الظُّلْمَةٌ وَأَدْخَلاهُ فِي النُّورِ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي يَتَّقِي بِوَجْهِهِ وَهَجَ النَّارِ وَشَرَرَه فَجَاءَتْهُ صَدَقَتُهُ فَصَارَتْ سُتْرَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ
стр. 317
وَظَلَّلَتْ عَلَى رَأْسِهِ وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي يُكَلِّمُ الْمُؤْمِنينَ. وَلا يُكَلمُونَهُ فَجَاءَتْهُ صِلَتُهُ لِرِحِمِهِ فَقَالَتْ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّهُ كَانَ وَصُولاً لِرِحِمِهِ فَكَلِّمُوهُ فَكَلَّمَهُ الْمُؤْمِنُونَ وَصَافَحُوهُ وَصَافَحَهُمْ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي قَدْ احْتَوَشَتْهُ الشَّيَاطِينُ فَجَاءَهُ أَمْرُهُ بالْمَعْرُوفِ وَنَهْيهِ عَنْ الْمُنْكَرِ فَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ أَيْدَيِهِمْ وَأَدْخَلَهُ فِي مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي جَاثِيًا عَلَى رُكْبَتِيهِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ فَجَاءَهُ حُسْنُ خُلُقِهِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَأَدْخَلَهُ عَلَى اللهِ.
وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي قَدْ ذَهَبَتْ صَحِيفَتُهُ مِنْ قِبَل شِمَالِهِ فَجَاءَهُ خَوْفُهُ مِنْ اللهِ فَأَخَذَ صَحِيفَتَهُ فَوَضَعَهَا فِي يَمِينِهِ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي خَفَّ مِيزَانَهُ فَجَاءَهُ أفْرَاطُهُ فَثَقَّلُوا مِيزَانَهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي قَائِمًا عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَجَاءَهُ رَجَاؤُهُ فِي اللهِ فَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ ذَلِكَ وَمَضَى.
وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي قَدْ أَهْوَى فِي النَّارِ فَجَاءَتْهُ دمْعَتُهُ التِي بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللهِ فَاسْتَنْقَذَتْهُ مِنْ ذَلِكَ.
وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي قَائِمًا عَلَى الصِّرَاطِ يَرْعُدُ كَمَا تَرْعُدُ السَّعْفَةُ فِي رِيحٍ عَاصِفٍ فَجَاءَه حُسْنُ ظَنِّهِ بِاللهِ فَسَكَنَ رِعْدَتَهُ وَمَضَى، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي يَزْحَفُ عَلَى الصِّرَاطِ وَيَحْبُو أَحْيَانًا وَيَتَعَلَّقُ أَحْيَانًا فَجَاءَتْهُ صَلاتُهُ فَأَقَامَتْهُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَأَنْقَذَتْهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي انْتَهَى إِلى أَبْوابِ الجَنَّةِ فَغُلِّقَتْ الأَبْوَابُ دُونَهُ فَجَاءَتْهُ شِهَادَةُ أَنْ لا إِلهَ إلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ فَفُتِحَتْ لَهُ الأَبْوابُ وَأَدْخَلتُهُ الجَنَّةُ» . رَوَاهُ الحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِي. قَالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: وَكَانَ شَيْخُ الإِسْلامِ ابنْ تَيمِيَّةَ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ يُعَظِّمُ شَأَنْ هَذَا الحَدِيثِ، وَبَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ شَوَاهِدُ الصِّحَّةِ عَلَيْهِ. انْتَهَى.
стр. 318
وَبِمُنَاسَبَةِ سِيَاقِهِ هُنَا قَوْلُهُ: «فَجَاءَتْهُ صَدَقَتُهُ فَصَارَتْ سِتْرًا بِيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ وَظَلَّلَتْ عَلى رَأْسِهِ» . قَالَ ﵀: وَفِي تَمْثِيلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلصَّدَقَةِ بِمَنْ قُدِّمَ لِيُضْرَبَ عُنُقُهُ فَافْتَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ بِمَالِهِ كِفَايَةَ، فَإنَّ الصَّدَقَةِ تَفْدِي العَبْدَ مِنْ عَذَابِ اللِه تَعَالى فَإنَّ ذُنُوبَهُ وَخَطَايَاهُ تَقْتَضِي هَلاكَهُ فَتَجِيءُ الصَّدَقَةُ تَفْدِيهِ مِنْ العَذَابِ وَتَفُكُّهُ مِنْهُ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ لَمَّا خَطَبَ النِّسَاءَ يَوْمَ العِيدِ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» . وَكَأَنَّهُ حَضَّهُنَّ وَرَغْبَهُنَّ عَلَى مَا يَفْدِينَ بِهِ أَنْفُسَهُنَّ مِنْ النَّارِ.
اللَّهُمَّ قَوِّ إِيمَانَنَا بِكَ وَبِمَلائِكَتِكَ وَبِكُتُبِكَ وَبِرُسُلِكَ وَبَاليَوْمِ الآخِر، وَبالقَدَرِ خَيْره وَشَرهِ، وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ، اللَّهُمَّ وَاجْعَلْ قُلُوبَنَا مَمْلُوءَةً بِحُبِّكَ، وَأَلْسِنَتَنَا رَطْبَةً بِذِكْرِكَ، وَنُفُوسَنَا مُطِيعَةٌ لأَمْرِكَ، وَأَمِّنَا مِنْ سَطْوَتِكَ وَمَكْرِكْ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ العَافِيةَ فِي دِينِنَا وَدُنْيَانَا وَأخْرَانَا وَأَهْلُنَا وَمَالِنَا، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَأَمِّنْ رَوْعَاتِنَا، وَاحْفَظَنَا مِن بَيْنَ أَيْدِينَا وَمِنْ خَلْفَنَا وَعَنْ أَيْمَانِنَا وَعَنْ شَمَائِلنَا وَمِنْ فَوقَنا، وَنَعُوذُ بعَظَمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ مِنْ تَحْتِنَا، وَاغْفِرْ لَنَا ولِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيِنَ.
(فَصْلٌ) : وَصَدَقَةُ التَّطَوُعِ بِطَيْبِ نَفْسٍ أَفْضَلُ مِنْهَا بِدُونِهِ لِمَا فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ الغَاضِرِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ثَلاثَ مِنْ فَعَلهُنَ فَقَد ذَاقَ طَعْمَ الإيِمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللهَ وَحْدَهُ، وَعَلِمَ أَنْ لا إِله إِلا الله، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبةً بِهَا نَفْسِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
والصَّدَقَةُ في الصِّحَّةِ أَفْضَلْ مِنْهَا فِي غَيْرِهَا، وَلِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلاَ تُهْمِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلاَنٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلاَنٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 319
فَالعَاقِلُ مَنْ يُسَابِقُ فِي مَيْدَانِ الخَيْرَاتِ بِمَا يُقَدِّمُهُ مِنْ الصِّلَةِ وَالإِحْسَانِ لإِخْوَانِهِ الفقَرَاءِ الذين أَنَاخَ الفَقْرُ عَلَيْهِمْ وَعَضَّهُمْ البُؤْسُ بِنَابِهِ وَأَوْجَعَهُمْ بِكِلابِهِ الذين لا مَوَارِدَ لَهُمْ لا قَلِيلٌ وَلا كَثِيرٌ، الذين لَوْ رَأَيْتَهُمْ لظَنَنْتَهُمْ مِنْ الأَغْنِيَاءِ وَأَهْلِ الثَّرْوَةِ وَالْمَالِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُقَاسُونَهُ مِنْ الدِّيوُنِ لِمَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ الصِّغَارِ وَالكِبَارِ، وَمَا يُقَاسُونَ مِنْ أَلَمِ الجُوعِ وَالفَقْرِ وَالشِّدَةِ والعُسْرِ لَكَنْ يَمْنَعُهُمْ الحَيَاءُ وَعِزَّةُ النَّفْس أَنْ يَمُدُّوا أَيْدِيهِمْ لِلسُّؤَالِ وَأَنْ يَطْلُبُوا الرِّزْقَ إلا مِنْ اللهِ الكَبِيرِ الْمُتَعَالِي الرَّزَّاقِ وَهَؤُلاِء هُمْ الذين يَنْبَغِي الاعْتِنَاءُ بِهِمْ وَالبَحْثُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ وَذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ جِيرَانِهِمْ وَأَقْرِبَائِهِمْ حَتَّى تَقَعَ الصَّدَقَةُ مَوْقِعَهَا وَقَد وَرَدَ فِي القُرْآنِ وَصَفُهُمْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ .
وَأَوْصَى بِهِمْ النَّبِي ﷺ فَفِي الحَدِيثِ الذي رَوَاهُ البُخَارِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لاَ يَجِدُ غِنىً يُغْنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ لهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسُ» .
وَلَمَّا كَانَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ حَرِيصِيْنَ جِدًّا عَلَى مَا يُقَرِّبُ إلى اللهِ مِن أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ سَأَلَ أَحَدُهُم النَّبِي ﷺ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ فَأجَابَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ» أَيْ الجِسْمُ «مُعَافًا فِي البَدَنِ» ، تَتَمَتَّعُ بِقَواكَ العَقْلَيَّةِ والجَسْمِيَّةِ، «شَحِيحٌ تَأْملُ الغِنَى» ، أَيْ تَطْمَعُ فِيهِ لِقُدْرَتِكَ عَلَيْهِ عَنْ طَرِيقِ الْمَكَاسِبَ وَالأَرْبَاحَ وَتَخْشَى الفَقْرَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الصَّدَقَةُ فِي هَذِهِ الحَالِ أَفْضَلُ لِمَا تَسْتََدْعِيهِ مِنْ شِدَّةِ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ عَلى إِخْرَاجِ الْمَالِ مَعَ قِيامِ الْمَانِعِ وَهُو الشُّحُّ فَإخْرَاجُهُ حِينَئِذٍ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى قُوَّةِ الإِيمَانِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ
стр. 320
وَصِحَّةِ القَصْدِ وَشِدَّةِ الرَّغْبَةُ فِيمَا يُقَرِّبُ إلى اللهِ «ولا تُهْمِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومُ» ، أي بَلَغَتِ الرُّوحُ مَجْرَى النَّفْسِ وَذَلِكَ عِنْدَ الغَرْغَرَةِ «قُلْتِ كَذَا، وَلِفُلانِ كَذَا» وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ الْمُوصِي وَالْمُوصَى لَهُ، فَالْحَدِيثِ يُرْشِدْنَا إِلى أَنَّهُ لا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُؤَخِّرِ الصَّدَقَةَ إلى وَقْتُ مُعَايَنَةِ الْمَوْتِ وَالإِيذَانِ بَالانْصِرَافِ عَنْ الدُّنْيَا وَمُفَارَقَةِ نَعِيمَهَا وَقَدْ نَبَّهْنَا اللهُ جَلَّ وَعَلا عَلَى هَذَا حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .
شِعْرًا:
فَعُقبى كُلِّ شَيءٍ نَحنُ فيهِ ... مِنَ الجَمعِ الكَثيفِ إِلى شَتاتِ
وَما حُزناهُ مِن حلٍّ وَحُرمٍ ... يُوَزَّعُ في البَنينِ وَفي البَناتِ
وَفيمَن لَم نُؤَهِّلهُم بِفلسٍ ... وَقيمَةِ حَبَّةٍ قَبلَ المَماتِ
وَتَنسانا الأَحِبَّةُ بَعدَ عَشرٍ ... وَقَد صِرنا عِظاماً بالِياتِ
كَأَنّا لَم نُعاشِرهُم بِوُدٍّ ... وَلَم يَكُ فيهِمُ خِلٌّ مُؤاتِ
آخر:
وَمَا طَربْتُ لِمَشْرُوبٍ أَلَذُ بِهِ ... وَلا لِعِشْقِ ظَبَاءِ العُجْمِ وَالعَرَبِ
لَكِنْ طَرِيتُ إِلى وَقْتٍ أَنَالَ بِهِ ... غِنَىً فَأبذِلُهُ فِي طَاعَةِ الصَّمَدِ
آخر: ... وَمَا ضَرَّنِي إِتْلافُ عُمْرِي كُلِّهِ ... إِذَا كَانَ وَقْتِي فِي رِضَا خَالِقِي يَجْرِي
اللَّهُمَّ قَوِّي إِيمَانِنَا بِكَ وَنَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ، اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ وَأَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ، وَأَمِّنَّا مَنْ سَطْوَتِكَ وَمَكْرِكَ، اللَّهُمَّ أَنْظِمْنَا فِي سِلكَ حِزبكَ الْمُفِلِحِين، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُخْلِصِينَ، وَآمِّنَّا يومَ الفَزَعَ الأَكْبر يومَ الدِّين، وَاحْشُرْنَا مَعَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيين وَالصِّدقِينَ والشُّهْداء والصالحِينِ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 321
(فَصْلٌ)
رَوَى البُخَارِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ» ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ. قَالَ «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ» .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي مَالي، وَإنِّمَا مَالَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ أَعْطَى فَأَقْنَى، وَمَا سِوَى ذَلِكَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِنَّاسِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٢- وَأَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدٌ مِنْ مُقلِ:
وَكَانَ السَّلَفُ يُؤْثِرُون َعلَىَ أَنْفُسِهِمْ فَيُقَدِّمُونَ الْمَحَاوِيجَ عَلَى حَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ وَيَبْدَؤُونَ بِالنَّاسِ قَبْلَهُمْ فِي حَالِ احْتِيَاجِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدِ الْمُقِلِّ» . وَهَذَا الْمَقَامُ أَعْلَى مِنْ حَالَ الذِينَ وَصَفَهُمْ اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً﴾ ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ فَإِنَّ هَؤُلاءِ تَصَدَّقُوا وَهُمْ يُحِبُّونَ مَا تَصَدَّقُوا بِهِ وَقَدْ لا يَكُونَ لَهُمْ حَاجَةٌ إِلَيْهِ وَلا ضَرُورَةِ وَهؤلاء آثُروا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مَعَ خَصَاصَتْهِمْ وَحَاجَتِهِمْ إلى مَا أَنْفَقوهُ، وَمِنْ هَذَا الْمَقَامِ تَصَدَّقَ الصِّدِّيقِ ﵁ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ» ؟ فَقَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمْ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَهَكَذَا الْمَاءُ الذي عُرِضَ عَلَى عِكْرِمَةَ وَأَصْحَابِهِ يَوْمَ اليَرْمُوكِ فَكُلٌّ مِنْهُمْ يَأْمُرُ بِدَفْعِهِ إلى
стр. 322
صَاحِبهِ وَهُوَ جَرِيحٌ مُثْقلٌ أَحْوَجَ مَا يَكُونَ إِلى الْمَاءِ، فَرَدَّ الآخَرُ إلى الثَّالِثِ فَمَا وَصَلَ إلى الثَّالِث حَتَّى مَاتُوا عَنْ آخِرَهِمْ وَلَمْ يَشْرَبْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ ﵃ وَأَرْضَاهُمْ.
٣- بَيَانُ عِظَمْ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَفِي الحَرَمِينِ:
وَالصَّدَقَةِ فِي رَمَضَانِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ لِحَدِيثِ ابْنُ عَبَّاسَ ﵁ قال: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونِ فِي رَمَضَانِ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانِ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآن، فَلَرَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بَالخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) .
وَلأَنَّ الصَّدَقَةَ فِي رَمَضَانَِ إِعَانَةٌ عَلَى أَدَاءِ فَرِيضَةِ الصَّوْمِ، وَفِي أَوْقَاتِ الحَاجَاتِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ .
وَالصَّدَقَةُ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَاضِلٍ كَالعَشْرِ، أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهَا لِحَدِيثِ ابنِ عَبَّاسِ ﵁: «مَا مَنْ أَيَّامِ العَمَلُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إلى اللِه مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ» . يَعْنِي: أَيَّامِ العَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: «وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» .
وَالصَّدَقَةُ فِي الحَرَمَيْنِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهِمَا لِتَضَاعُفِ الحَسَنَاتِ بَالأمْكِنَةِ الفَاضِلَةِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنْ النَّبِي ﷺ قَالَ: «صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا الْمَسْجِدَ الحَرَامَ» . وَزَادَ في
стр. 323
رِوَايَةٍ: «فَإِنِّي خَيْرُ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ مَسْجِدِي خَيْرُ الْمَسَاجِدِ» . وَزَادَ: «صَلاةٌ فِي الْمَسْجِدْ الحَرَامَ أَفْضَلُ مِنْ مائةِ أَلْف صَلاة فِيمَا سِوَاهُ» .
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَا وَفَّقْتَ إِلَيْهِ القَوْمِ وَأَيْقِظْنَا مِنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ وَالنَّوْمِ وَارْزُقْنَا الاسْتِعْدَادَ لِذَلِكَ اليَوْمِ الذي يَرْبَحُ فِيهِ الْمُتَّقُونَ، اللَّهُمَّ وَعَامِلْنَا بَإحْسَانِكَ وَجُدْ عَلَيْنَا بِفَضْلِكَ وَامْتِنَانِكَ وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الذين لا خَوْفٌ عَلَيْهُمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ ذُلَّنَا بَيْنَ يَدَيْكَ وَاجْعَلْ رَغْبَتِنَا فِيمَا لَدَيْكَ، وَلا تَحْرِمْنَا بِذُنُوبِنَا، وَلا تَطْرُدْنَا بِعُيُوبِنَا، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فصل) ٤- الأَوْلَوِيَّةِ فِي الصَّدَقَةِ لِلأَقْرَبَاءِ وَالجَارِ وَطُلابِ العِلْمِ:
وَالصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحَمِ أَفْضَلُ مِنْهَا عَلَى غَيْرِهِ لاسِيَّمَا مَعَ عَدَاوَةٍ، أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا فِي القَرَابَةِ فَلِحَدِيثِ سَلْمَانَ الْمُتَقَدِّمَ: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ، وَصِلَةٌ» .
وَلِقَوْلِهِ ﷺ لأَبِي طَلْحَةَ:
«وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ» . فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ فقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةٍ فِي أَقَارَبِهِ وَبِنِي عَمِّهِ.
وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى التَّأَكُّدِ مَعَ العَدَاوَةَ فَلِمَا وَرَدَ عَنْ أُمِّ كُلْثُومِ ﵂ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الكَاشِحْ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِي وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ.
وَعَنْ حَكِيمِ بِنْ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً سَأَلَ
стр. 324
رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ الصَّدقَاتِ أَيُّهَا أَفْضَلُ؟ قَالَ: «عَلَى ذِي الرَّحِمِ الكَاشِحِ» .
ثُمَّ الصَّدَقَةُ عَلَى الجَارِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ﵄ قَالا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا زَالَ جَبْرِيلُ يُوصِينِي بَالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» .
وَعَنْ أَبِي شَرِيحُ الخُزَاعِي: أَنَّ النَّّبِيَّ ﷺ قَالَ: « ... وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليوْمِ الآخِرِ فَلَيُحْسِنْ إِلى جَارِهِ» .
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخُصَّ بالصَّدَقَةِ مَنْ اشْتَدَّتْ حَاجَتَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ، وَكَوْنُهَا عَلَى عَالِمٍ أَفْضَلُ، لأَنَّ فِي إِعْطَائِهِ إِعَانَةُ عَلَى العِلْمِ وَنَشْرِ الدِّينِ وَذَلِكَ لِتَقْوَيَةِ الشَّرِيعَةِ، وَكَوْنُهَا عَلَى صَاحِبِ دِينٍ أَفْضَلُ، وَكَذَا عَلَى ذِي عَائِلَةٍ أَفْضَلُ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَالْمَنُّ بَالصَّدَقَةِ كَبِيرَةٌ، وَيَبْطُلُ الثَّوَابُ بِهِ، قَالَ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ .
وَمَنْ أَخْرَجَ شَيْئًا يَتَصَدَّقُ بِهِ، أَوْ وَكَّلَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لا يَتَصَدَّقُ بِهِ اسْتُحِبَّ أَنْ يُمْضِيَهُ، وَلا يَجِبُ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرو بْنِ العَاصِ ﵄ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَخْرَجَ طَعَامًا لِسَائِلِ فَلَمْ يَجِدْهُ عَزَلَهُ حَتَّى يَجِيءَ آخَرُ. وَقَالَهُ الحَسَنُ. وَيَتَصَدَّقُ بالجَيِّدٍ وَلا يَقْصِدُ الخَبِيثَ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾
стр. 325
وَأَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ الْمُقِلِّ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا قِيلَ: يَا رَسُولِ الله أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ الْمِقِلِّ» .
لَيْسَ العَطَاءُ مِنْ الفُضُولِ سَمَاحَةً ... حَتَّى تَجُودَ وَمَا لَدَيْكَ قَلِيلُ
آخر:
إِنِّي لأَعْسِرُ أَحْيَانًا فَيُدْرِ كُنْفِي ... بُشْرَى مِنْ اللهِ إِنَّ العُسْرَ قَدْ زَالا
يَقُولُ خَيْرُ الوَرَى فِي سُنَّةٍ ثبتَتْ ... أنْفِقْ وَلا تَخْشَ مِنْ ذِي العَرْشِ إِقْلالا
موعظة أخْوَانِي إِنَّكُمْ فِي دَارٍ هِيَ مَحَلُّ العِبَرِ وَالآفَاتِ، وَأَنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ، وَالطَّرِيقُ كَثِيرَةُ الْمُخَافَاتِ، فَتَزَوَّدُوا مِنْ دُنْيَاكُم قَبْلَ الْمَمَاتِ، وَتَدَارَكُوا هَفَوَاتِكُمْ قَبْلَ الفَوَاتِ، وَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ وَرَاقِبُوا اللهَ فِي الخَلَواتِ، وَتَفَكَّرُوا فِيمَا أَرَاكُمْ مِنْ الآيَاتِ، وَبَادِرُوا بالأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وَاسْتَكْثِرُوا فِي أَعْمَارِكُمْ القَصِيرَةِ مِنْ الحَسَنَاتِ، قَبْْلَ أَنْ يُنَادِي بِكُمْ مُنَادِ الشَّتَاتِ، قَبْلَ أَنْ يُفَاجِئكُمْ هَادِمُ اللَّذَاتِ، قَبْلَ أَنْ يَتَصَاعَدَ مِنْكُمْ الأَنِينُ وَالزَّفَرَاتِ، قَبْلَ أَنْ تَنْقَطِعَ قُلُوبَكُمْ عِنْدَ فِرَاقِكُمْ حَسَرَاتٍ، قَبْلَ أَنْ يَغْشَاكُمْ مِنْ غَمَّ الْمَوْتِ الغَمَرَاتُ، قَبْلَ أَنْ تُزْعَجُوا مِنْ القُصُورِ إلى بُطُونِ الفَلَوَاتِ، قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَا تَشْتَهُونَ مِنْ هَذِهِ الحَيَاةِ، قَبْلَ أَنْ تَتَمَنَّوا رُجُوعَكُمْ إلى الدُّنْيَا وَهَيْهَاتَ.
شِعْرًا:
أَيَا لا هِيًا في غَمْرَةِ الجَهْلِ وَالهَوَى
صَرِيعًا عَلَى فُرُشِ الرَّدَى يَتَقَلَّبُ
تَأَمَّلْ هَدَاكَ اللهُ مَا ثَمَّ وَانْتَبِهْ
فَهَذَا شَرَابُ القَوْمِ حَقًّا يُرَكَّبُ
وَتَرْكِِيبُهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ إنْ تَفُتْ
стр. 326
فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ الْمَنِيّةِ مَطْلَبُ
فَيَا عَجَبًا مِنْ مُعْرِضٍ عَنْ حَيَاتِهِ
وَعَن حَظهِ العَالي وَيَلْهُو وَيَلْعَبُ
وَلَوْ عَلِمَ المَحْرُومُ أَيَّ بِضَاعَةٍ
أَضَاعَ لأَمْسَى قَلْبَهُ يَتَلَهَّبُ
فَإِنْ كَانَ لا يَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيُبَةٌ
وَإِنْ كَانَ يَدْرِي فَالْمُصِيبَةُ أَصْعَبُ
بَلَى سَوْفَ يَدْرِي حِينَ يَنْكَشِفُ الغِطَا
وَيُصْبِحُ مَسْلُوبًا يَنُوحُ وَيَنْدِبُ
وَتَعْجَبُ مِمَّنْ بَاعَ شَيْئًا بِدُونِ مَا
يُسَاوِي بِلا عِلْمٍ وَأَمْرُكَ أَعْجَبُ
لأَنَّكَ قَدْ بِعْتَ الحَيَاةَ وَطِيْبَهَا
بِلَذَّةِ حُلْمٍ عَنْ قَلِيلٍ سَيَذْهَبُ
فَهَلا عَكَسْتَ الأَمْرَا إِنْ كُنْتَ حَازِمًا
وَلَكِنْ أَضَعْتَ الحَزْمَ والحُكْمُ يَغْلِبُ
تَصُدُّ وَتَنْأى عَنْ حَبِيبِكَ دَائِمًا
فَأَيْنَ عَنْ الأَحْبَابِ وَيْحَكَ تَذْهَبَ
سَتَعْلَمُ يَوْمَ الحَشْرِ أَيَّ تِجَارَةٍ
أَضَعْتَ إِذَا تِلْكَ الْمَوَازِينُ تُنْصَبَ
اللَّهُمَّ يَا عَالَم الخَفياتِ وَيَا سَامِعَ الأَصْوَاتِ وَيَا بَاعِثَ الأَمْواتِ وَيَا مُجِيبَ الدَّعَوَاتِ وَيَا قَاضِي الحَاجَاتِ يَا خَالَق الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ أَنْتَ اللهُ الأحدُ الصمدُ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد، الوَهَّابُ الذي لا يَبْخَلُ
стр. 327
وَالحِليمُ الذي لا يَعْجَلُ، لا رَادَّ لأمْركَ وَلا مُعَقِّبَ لِحُكَمِكَ، نَسْأَلَكَ أَنْ تَغفرَ ذُنوبَنَا وَتُنَورَ قلوبنَا وَتُثَبِّتَ مَحَبَّتَكَ فِي قُلُوبِنَا وَتُسْكِنَنَا دَارَ كَرَامَتِكَ إِنك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) : في ذِكْرِ طِرَفٍ مِنَ الفَوَائِدِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَى أَدَاءِ الزَّكَاةَ
وَبَذْلِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ والْمَضَارِّ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى مَنْعِ الزَّكَاةِ: أولاً:
١- امْتَثَالُ أَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ.
٢- تَقْدِيمُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ عَلَى مَحَبَّةِ الْمَالِ.
٣- أَنَّ الصَّدَقَةَ بُرْهَانٌ عَلَى إِيمَانِ صَاحِبِهَا كَمَا فِي الحَدِيثِ وَالصَّدقَةُ بُرْهَانٌ.
٤- شُكْرُ نِعْمَةِ اللهِ الْمُتَفَضِّلِ عَلَى الْمُخْرِجِ بِمَا أَعْطَاهُ مِنْ الْمَالِ.
٥- السَّلامَةُ مِنْ وَبَالِ الْمَالِ في الآخِرَةِ.
٦- تَنْمِيَةُ الأَخْلاقِ الحَسَنَةِ وَالأَعْمَالِ الفَاضِلَةِ الصَّالِحَةِ.
٧- التَّطْهِيرُ مِنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ وَالأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ قَالَ اللهَ تَعَالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ .
٨- أَضْعَافُ مَادَّةِ الحَسَدِ وَالحِقْدِ وَالبُغْضِ أَوْ قَطْعِهَا كُلِّيًا.
٩- تَحْصِينُ الْمَالِ وَحِفْظِهِ لِحَدِيثِ: «حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بَالزَّكَاةِ» .
١٠- إِنَّ الصَّدَقَةَ دَوَاءٌ مِنْ الأَمْرَاضِ لِحَدِيثِ: «دَاوُو مَرْضَاكُمْ بَالصَّدَقَةِ» .
стр. 328
١١- الاتِّصَافِ بَأَوْصَافِ الكُرَمَاءِ.
١٢- إِنَّهَا سَبَبٌ لِدَفْعِ البَلاءَ.
١٣- التَّمَرُّنِ عَلى البَذْلِ والعَطَاءِ.
١٤- أَنَّهَا سَبَبٌ لِدَفْعِ جَمِيعِ الأَسْقَامِ لِحَدِيثِ: «بَاكِرُوا بالصَّدَقَةِ فَإِنَّ البَلاءَ لا يَتَخَطَّاهَا» .
١٥- أَنَّهَا سَبَبٌ لِجَلْبِ الْمَوَدَّةِ لأنَّهَا إِحْسَانٌ، وَالنُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا.
١٦- أَنَّهَا سَبَبٌ لِلدُّعَاءِ مِنْ القَابِضِ لِلدَّافِعِ وَتَقَدَّمَتْ الأَدِلَّةُ.
١٧- أَنَّ مَنْعَ الزَّكَاةِ سَبَبٌ لِمَنْعِ القَطْرِ لِحَدِيثِ: «وَلا مَنَعُوا الزَّكَاةَ إِلا حٌبِسَ عَنْهُمْ القَطْرُ» .
١٩- الفَوْزُ بَالْمَطْلُوبِ وَالنَّجَاةِ مِنْ الْمَرْهُوبِ، قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وَقَدْ فُسِّرَ الفَلاحَ بِأَنَّهُ الفَوْزُ بَالْمَطْلُوبِ وَالنَّجَاةُ مِنْ الْمَرْهُوبِ وَهَذَا مِنْ جَوَامِعِ الكَلِمْ.
٢٠- أَنَّهَا تَدْفَعُ مَيْتَةَ السَّوءِ كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيْتَةَ السُّوءِ» .
٢١- أَنَّ الْمُتَصَدِّقَ يَكُونُ فِي ظَلِّ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا فِي الحَدِيثِ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ وَذَكَرَ مِنْهُمْ َرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» . الحَدِيثِ وَتَقَدَّمَ، وِفِي الحَدِيثِ الآخَرِ: «وَإِنَّمَا يَسْتَظِلُّ الْمُؤْمِنُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ» .
٢٢- الفَوْزُ بالثَّنَاءِ مِنْ اللهِ لأنَّ اللهَ مَدَحَ الْمُنْفِقِينَ وَالْمُتَصَدِّقِينَ.
стр. 329
٢٣، ٢٤، ٢٥ - الفَوْزَ بالأَجْرِ مِنْ اللهِ وَالأَمْنِ مِمَّا يُخَافُ مِنْهُ وَنَفْي الحَزَنَ عَنًهُمْ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .
٢٦- أَنَّ أَدَاءَ الزَّكَاةِ سَبَبٌ لِنُزُولِ القَطْرِ كَمَا أنَّ مَنْعَهَا سَبَبٌ لِحَبْسِهِ.
٢٧- أَنَّهَا سَبَبٌ لِمَحَبَّةِ اللهِ لأنَّ الْمُتَصَدِّقَ مُحْسِنٌ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
اللَّهُمَّ نَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ النَّارِ وَعَافِنَا مِنْ دَارِ الخِزْيِ وَالبَوَادِ، وَأَدْخِلْنَا بِفَضْلِكَ الجَنَّةِ دَارَ القَرَارِ، وَعَامِلْنَا بِكَرَمِكَ وَجُودِكَ يَا كِرِيمُ يَا غَفَّارُ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) : ٢٨- السَّلامَةُ مِنْ كُفْرِ نِعْمَةِ اللهِ.
٢٩- الخُرُوجُ مِنْ حُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ الضُّعَفَاءِ.
٣٠، ٣١، ٣٢- أَنَّهَا سَبَبٌ لِلرِّزْقِ وَالنَّصْرِ كَمَا فِي الحَدِيثِ: «وَكَثْرَةُ الصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَالعَلانِيَةِ تُرْزَقُوا وَتُنْصَرُوا وَتُجْبَرُوا» .
٣٣- أَنَّهَا تُطْفِئُ عَنْ أَهْلِهَا حَرَّ القُبُورِ كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ عَنْ أَهْلِهَا حَرَّ القُبُورِ» .
٣٤- أَنَّهَا تَزِيدُ فِي العُمْرِ كَمَا فِي الحَدِيثِ: «أَنَّ صَدَقَةَ الْمُسْلِمِ تَزِيدُ فِي العُمْرِ» .
٣٥- السَّلامَةُ مِنْ الَّلعْنِ الوَارِدِ فِي مَانِعِ الزَّكَاةِ لِمَا رَوَى الأَصْبَهَانِي عَنْ عَلَيَّ ﵁ قَالَ: (لَعَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آكِلَ
стр. 330
الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَهُ وَكَاتِبَهُ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَمَانِعَ الصَّدَقَةِ وَالْمُحَلِّلَ وَالمُحَلَّلَ لَهُ) .
٣٦- الفَوزُ بالقُرْبِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ قَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ . وَقَالَ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الآيَةِ.
٣٧- الوَعْدُ بَالخَلَفِ لِلْمُنْفِقِ لِحَدِيثُ: «اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا» .
٣٨- الظَّفَرُ بِدُعَاءِ الْمَلائِكَةِ لِلْمُنْفِقِ.
٣٩- أَنَّ فِي إخْرَاجِ الزَّكَاةِ حَلٌّ لِلأَزَمَاتِ الاقْتِصَادِيَّةِ وَسُوءِ الحَالَةِ الاجْتَمَاعِيَّةِ فَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الأَمْوَالِ الزَّكَويَّةِ تَنَسَّخُوا مِنْهَا وَوَضَعُوهَا فِي مَوَاضِعِهَا لَقَامَتْ الْمَصَالِحُ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ وَزَالَتْ الضَّرورَاتِ وَانْدَفَعَتْ شُرُورُ الفُقُرَاءِ وَكَانَ ذَلِكَ أَعْظَمُ حَاجِزِ وَسَدّ يَمْنَعُ عَبَثَ الْمُفْسِدِينَ، وَفِي الْحَدِيثِ: «وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَمَلَهُم عَلى أَنْ سَفُكُوا دِمَاءَهُم وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» .
٤٠- أَنَّ اللهَ يُعِينُ الْمُتَصَدِّقَ عَلَى الطَّاعَةِ وَيُهَيِّئْ لَهُ طَرِيقُ السَّدَادِ وَالرَّشَادِ وَيُذَلِّلُ لَهُ سُبُلَ السَّعَادَةِ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ .
٤١- أَنَّ مَنْعَ الزَّكَاةِ يُخَبِّثُ الْمَالَ الطَّيِّبَ لِحَدِيثِ: «مَنْ كَسَبَ طَيِّبًا خَبَّثَهُ مَنْعُ الزَّكَاةِ، وَمَنْ كَسَبَ خَبِيثًا لَمْ تُطَيِّبْهُ الزَّكَاةُ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِي في الكَبِيرِ مَوْقُوفًا بِإسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ.
٤٢- أَنَّ مَنْعَ الزَّكَاةِ سَبَبٌ لِتَلَفِ الْمَالِ لِحَدِيثِ: «مَا تَلِفَ مَالٌ فِي بَرٍّ
стр. 331
وَلا بَحْرٍ إلا بَحَبْسِ الزَّكَاةِ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِي فِي الأَوْسَطِ وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
٤٣- أَنَّ مَنْعَ الزَّكَاةِ سَبَبٌ لِلابْتِلاءِ بِالسِّنِينَ لِمَا فِي الحَدِيثِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مَنَعَ قُوْمٌ الزَّكَاةَ إلا ابْتَلاهُم اللهُ بالسِّنِينَ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِي فِي الأَوْسَطِ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
٤٤- أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤَدِّي حَقَّ اللهِ فِي مَالِهِ أَنَّهُ أَحَدُ الثَّلاثَةِ الذين هُمْ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلاثَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: فَالشَّهِيدُ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ، وَأَمَّا أَوَّلُ ثَلاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ: فَأَمِيرٌ مُسَلِّطٌ، وَذُو ثَرْوَةٍ مِنْ مَالٍ لا يُؤَدِّي حَقَّ اللهِ فِي مَالِهِ، وَفَقِيرٌ فَخُورٌ» . رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ مُفَرَّقًا فِي مَوْضِعِينِ.
٤٥، ٤٦- أَنَّ الصَّدَقَةَ يُذْهِبُ اللهُ بِهَا الكِبْرَ وَالْفَخْرَ لِحَدِيثِ: «إِنَّ صَدَقَةَ الْمُسْلِمِ تَزِيدُ فِي العُمْرِ وَتَمْنَعُ مَيْتَةَ السُّوءِ وَيَذْهَبُ بِهَا الكِبْرُ وَالفَخْرُ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِي.
٤٧- السَّلامَةُ مِنْ التَّطْوِيقِ بِالشُّجَاعِ الأَقْرَعِ كَمَا في الحَدِيثِ: «مَا مِنْ أَحَدٍ لا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلا مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَطَوَّقُ بِهِ عُنُقَهُ» .
٤٨- السَّلامَةُ مِنْ صِفَةِ الْمُنَافِقِيَن لِمَا فِي الحَدِيثِ: «ظَهَرَتْ لَهُمْ الصَّلاةُ فَقَبِلُوهَا، وَخَفِيَتْ لَهُمْ الزَّكَاةُ فَأَكَلُوهَا أُولَئِكَ هُمْ الْمُنَافِقُونَ» . رَوَاهُ البَزارُ.
٤٩، ٥٠- «إِنَّ البَلاءَ لا يَتَخَطَّى الصَّدَقَةَ وَأَنَّهَا تَسُدُّ سَبْعِينَ بَابًا مِنْ
стр. 332
السُّوءِ» . رَوَاهُ الطَّبَرانِي فِي الكَبِيرِ، وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «بَاكِرُوا بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْبَلاَءَ لاَ يَتَخَطَّاها» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِي مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا عَلَى أَنَسٍ وَلَعَلَّهُ أَشْبَهُ.
٥١- أَنَّ الصَّدَقَةَ حِجَابٌ مِنْ النَّارِ لِمَنْ احْتَسَبَهَا، لِمَا رُوِيَ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍ أَنَّها قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفْتِنَا عَنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ: «إِنَّهَا حِجَابٌ مِنْ النَّارِ لِمَنْ احْتَسَبَهَا يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ » . رَوَاهُ الطَّبَرَانِي.
٥٢- أَنَّ إخْرِاجَ الصَّدَقَةِ يُؤْلِمُ سَبْعِينَ شِيْطَانًا، لِمَا وَرَدَ عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا يُخْرِجُ شَيْئًا مِنْ الصَّدَقَةِ حَتَّى يَفُكَّ عَنْهَا لِحْيَيْ سَبْعِينَ شَيْطَانًا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِي، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ.
٥٣- أَنَّ اللهَ يُسَخِّرُ لِلْمُتَصَدِّقِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِنُمُوِّ مَالِهِ كَبَرَكَةٍ فِي ظَماءِ نَهْرٍ وَسَقْيِ أَرْضٍ، كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «بَيْنَا رَجُلٌ فِي فَلاَةٍ مِنْ الأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابٍة: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاج قَدْ اسْتَوْعَبَتِ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٍ قَائِمٍ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمَسْحَاتِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلاَنٍ للإسْمِ الذي سَمِعْ فِي السَّحَابَةِ فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنْ اسْمِي؟ قال: سَمِعْتُ فِي السَحَابِ الذي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ لاسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذَ قُلْتَ فَإِنِّي أنْظُرُ إلى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلثَه، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلَثهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
стр. 333
٥٤- أَنَّ الصَّدَقَةَ لا تُنْقِصُ الْمَالَ خِلافًا لِمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الجُهَّالِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» . الحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٥٥- أَنَّ الصَّدَقَةَ إِذَا كَانَتْ مِنْ كَسْبِ طَيِّبِ فَإِنَّ اللهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَرُبُّهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلا يَقْبَلُ اللهُ إِلا الطَّيبَ فَإِنَّ اللهَ يَقْبَلها بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكم فُلُوِّه حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٥٦- أَنَّ الصَّدَقَةَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْمَعِيَّةِ الخَاصَّةِ لأَنَّ الْمُتَصَدِّقَ مُحْسِنٌ وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ .
٥٧- أَنَّ الْمُصَّدِقِينَ يُضَاعِفُ اللهُ لَهم ثَوَابَ أَعْمَالِهم الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلى سَبْعِمائةِ ضِعْفٍ إِلى حَيْثُ شَاءَ اللهُ قَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ .
٥٨- «أَنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» . رَوَاهُ التِّرمذي، وابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَقَالَ التِّرمِذِي: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
٥٩- أَنَّ بِإخْرَاجِ الزَّكَاةِ كُلَّ سَنَةٍ يَرَى الفُقَرَاءُ أَنَّ الأَغْنِيَاء لَهُمْ فَضْلٌ عَلَيْهِمْ فَيُدَافِعُونَ عَنْهُمْ مَا اسْتَطَاعُوا أَمَّا كَفُّ اليَدِ عَنْهُمْ وَمَنْعُ مَعْرُوفِهِمْ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يُوغِرُ صُدُورَهُمْ وَيَمْلَؤُهَا حِقْدًا عَلَيْهِمْ وَيَجْتَهِدُونَ فِي سَلْبِ حَيَاتِهِمْ لِلْوُصُولِ إِلى أَمْوَالِهِمْ الْمَخْوُزْنَةِ فَتَكُونُ الحَيَاةُ مُهَدَّدَةٌ وَالأَمْنُ مَفْقُودًا.
стр. 334
٦٠- أَنَّ مَنْعَ الصَّدَقَاتِ يُزِيلُ النِّعَمَ وَيُخَرِّبُ الدِّيَارَ العَامِرَةَ وَتَأَمَّلْ قِصَّةَ أَصْحَابِ الجَنَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي سُورَةِ نُ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ قَالَ تَعَالى: ﴿فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ * فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ﴾ . إِلى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ . وَتَأَمَّلْ قِصَّةَ ثَعْلَبَةَ في سُورَةِ التَّوْبَةِ قَالَ تَعَالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ . وَاللهُ أَعْلَم وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.
(١٣) موعظة
عِبَادَ اللهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ باللهِ حَقًّا يَبْتَعِدُ عَنْ الْمَعَاصِي كَمَا يَبْتَعِدُ عَنْ النَّارِ فَإِذَا زَلَّ مَرَّةً مِنَ الْمَرَّاتِ اضْطَرَبَتْ أَعْصَابُهُ وَجَعَلَ قَلْبُهُ يَخْفِقُ وَأَصَابَهُ نَدَمٌ عَظِيمٌ وَكُلَّمَا تَذَكَّرَ تِلْكَ الهَفْوَةِ احْمَرَّ وَجْهُهُ خَجَلاً وَهَاجَتْ عَلَيْهِ أَحْزَانُهُ وَتَذَكَّرَ عِصْيَانَهُ لِسَيِّدِهِ وَمَوْلاهُ وَلا يَزَالُ مُوجَعَ القَلْبِ مِنْكَسِرُهُ حَتَّى يُفَارِقُ الدُّنْيَا وَيُوَارَى في التُّرَابِ.
هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ الْمُؤْمِنِ، وَلا يُعْرَفُ سِوَاهُ فِي أَهْلِ الإِيمَانِ لأَنَّهم يُدْرِكُونَ تَمَامًا أَنَّهُم إِنْ عَصَوا خَالِقَهُم وَرَازِقَهُم أَنَّهُم سَيَنْدَمُونَ وَيُعَاقَبُونَ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا إِلى مَوْلاهُمْ، هَذَا مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ، وَانْظُرْ مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ اليَوْمَ فِي هَذَا العَصْرِ الْمُظْلِمِ مِنْ الجُرْأَةِ عَلَى انْتِهَاكِ مَحَارِمِ اللهِ تَتَمَثَّلُ أَمَامَكَ حَالُهُم بِحَالَةِ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِثَوَابٍ وَلا عِقَابٍ تَرَاهُمْ قَدْ أَضَاعُوا الصَّلاةِ، وَأَصَرُّوا عَلَى مَنْعِ الزَّكَاةِ إِلا النَّوَادِرَ مِنْهُمْ، تَرَاهُم يُطَارِدُونَ النِّسَاءَ فِي الأَسْوَاقِ، وَيَشْرَبُونَ الدُّخَانَ عَلنًا
стр. 335
وَيَحْلِقُونَ اللحَى، كَذَلِكَ وَيَغُشُّونَ فِي مُعَامَلاتِهم، تَرَاهُمْ أَمَامَ الْمَلاهِي وَالْمُنْكَرَاتِ لِيلاً وَنَهَارًا، تَرَاهُمْ يُوَالُونَ أَعْدَاءَ اللهِ وَيُعَظِّمُونَهُمْ، تَرَاهُمْ لَمْ يَكْتَفُوا بالْمَعَاصِي فِي بِلادِهِم بَلْ يَذْهَبُونَ إلى البِلادِ الأُخْرَى، بِلادِ الفِسْقِ وَالفُجُورِ وَالحُرِّيَةِ وَيُنْفِقُونَ فِيهَا الأَمْوَالَ الطَّائِلَةَ فِي مَا يُغْضِبُ اللهَ الذي أَغْنَى وَأَقْنَى وَلَكِنْ لِيَعْلَمْ هَؤُلاءِ الفَسَقَةُ أَنَّ اللهَ لا يَغْفَلُ عَنْ أَعْمَالِهِم السَّيِّئَةِ وَسَوْفَ تَشْهَدُ عَلَيْهِم بِهَا الأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتِ، وَلا تَبْكِي عَلَيْهِمْ لا هَذِهِ وَلا هَذِهِ يَوْمَ يَتَجَرَّعُونَ كَأْسَ الْمَمَاتِ، وَيَشْهَدُ بِهَا عَلَيْهِمْ الْمَلَكَانِ كَاتِبُ الحَسَنَاتِ، وَكَاتِبُ السَّيِّئَاتِ، وَيَشْهَدُ بِهَا عَلَيْهِمْ الحَفَظَةَ الذينَ يَتَعَاقَبُونَ عَلَى حِفْظِهِمْ تَعَاقُبَ الحُرَّاسِ وَيَشْهَدُ بِهَا عَلَيْهِمْ جَوَارِحُهُمْ التي بَاشَرَتْ فِعْلَ الْمَعَاصِي وَيَشْهَدُ بِهَا خَيْرُ شَاهِدٍ وَهُوَ مَوْلاهُمْ جَلَّ وَعَلا الذي تَسْتَرِي الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ وَالغُيُوبُ، وَيَشْهَدُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ كُتُبُ أَعْمَالِهِمْ التي كُلُّ مَا فَعَلُوا بِهَا مَكْتُوبٌ حَتَّى إِذَا رَأَوْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي حِسَابٍ فَزِعُوا وَقَالُوا: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ ، كُلُّ هَؤُلاءِ يَشْهَدُونَ عَلَى العَاصِينَ بالْمَعَاصِي فَيُسَجِّلُونَ عَلَيْهِمْ مَا قَدَّمَتْهُ أَيْدِيهِمْ وَلَيْسَ لِذَلِكَ نَتِيجَةٌ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا إِلا غَضَبُ الرَّبِّ عَلَيْهِمْ، وَإلْقَاؤُهُمْ في دَارِ المُجْرِمِينَ الجَانِينَ جَهَنَّمَ، وَإِذَا كَانَ الأَمْرُ هَكَذَا فَلِمَاذَا يَفْرَحُ العُصَاةُ، وَمِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ التِي لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ. التِي تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ.
شِعْرًا:
وَلَم يَمرُر بِهِ يَومٌ فَظيعٌ ... أَشَدُّ عَلَيهِ مِن يَومِ الحِمامِ
وَلَم يَمرُر بِهِ يَومٌ فَظيعٌ ... أَشَدُّ عَلَيهِ مِن يَومِ الحِمامِ
وَيَومُ الحَشرِ أَفظَعُ مِنهُ هَولاً ... إِذا وَقَفَ الخَلائِقُ بِالمَقامِ
فَكَم مِن ظالِمٍ يَبقى ذَليلاً ... وَمَظلومٍ تَشَمَّرَ لِلخِصامِ
وَشَخصٍ كانَ في الدُّنْيَا فَقيراً ... تَبَوَّأَ مَنزِلَ النُجبِ الكِرامِ
стр. 336
وَعَفوُ اللَهِ أَوسَعُ كُلّ شَيءٍ ... تَعالى اللَهُ خَلاقُ الأَنامِ
آخر:
وَكَيْفَ قَرَّتْ لأهْلِ العِلْمِ أَعْيُنُهُمْ
أَوْ اسَتَلَذُّوا لِذِيذَ النَّوْمِ أَوْ هَجَعُوا
وَالمَوْتُ يُنْذِرُهُمْ جَهْرًا عَلانِيَةً
لَوْ كَانِ لِلْقَوْمِ أَسْمَاعٌ لَقَدْ سَمِعُوا
وَالنَّارُ ضَاحِيَةٌ لا بُدَّ مَوْرِدُهُمْ
وَلَيْسَ يَدْرُونَ مَنْ يَنْجُو وَمَنْ يَقَعُ
آخر:
وَكَيْفَ يَلَذُّ العَيْشَ مَنْ كَانَ مُوقِنًا
بَأَنَّ الْمَنَايَا بَغْتَةً سَتُعَاجِلُهْ
وَكَيْفَ يَلَذُّ العَيْشَ مَنْ كَانَ مُوقِنًا
بَأَنْ إِلهَ الخَلْقِ لا بُدَّ سَائِلُهْ
نَسْأَلُ اللهَ تَعَالى النَّجَاةَ مِنْهَا وَأَنْ يُوَفِّقْنَا لِلأَعْمَالِ الْمؤَهِّلَةِ لِدَارِ الخُلْدِ وَأَنْ يُوَفقَ وُلاتَنَا لِلْقِيَامِ عَلَى هَؤُلاءِ المُجْرِمينِ، وَرَدْعِهِمْ وَإِلْزَامِهِمْ سُلُوكَ طُرِقِ الحَقِّ إِنَّهُ القَادِرُ عَلَى ذَلِكَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ في قُلُوبِنَا نُورًا نَهْتَدِي بِهِ إِلَيْكَ وَتَوَلَّنَا بِحُسْنِ رِعَايَتِكَ حَتَّى نَتَوَكَلَ عَلَيْكَ وَارْزُقْنَا حَلاوَةَ التَّذَلُّلَ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.
الفَصْلُ الأَوَّلُ
شَهْرُ رَمَضَانَ
١- دَرْسُ اليَوْمِ الأَوَّلِ:
يَقُولُ اللهُ تَعَالى:
стр. 337
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ:
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى مُخَاطِبًا الْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَآمِرًا لَهُمْ بِالصِّيَامِ وَهُوَ الإِمْسَاكُ عَنْ الطَّعَامِ، وَالشَّرَابِ، وَالوِقَاعِ، بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ للهِ لِمَا فِيهِ مِنْ زَكَاةِ النُّفُوسِ وَطَهَارَتِهَا وَتَنْقِيَتِهَا مِنْ الأَخْلاطِ الرَّدِيئَةِ وَالأَخْلاقِ الرَّّّذِيلَةِ وَذَكَرَ أَنَّهُ كَمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ فَقَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهِمْ فَلَهُم فِيهِمْ أُسْوَةٌ وَلِيَجْتَهِدَ هَؤُلاءِ فِي أَدَاءِ هَذَا الفَرْضِ أَكْمَلَ مِمَّا فَعَلَهُ أُولئِكَ. (انْتَهَى كَلامُهُ ﵀ .
وَقَدْ وَرَدَتْ فِي فَضْلِهِ، وَمُضَاعَفَةِ أَجْرِهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ:
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالنِّسَائِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ بِقُدومِ شَهْرِ رَمَضَانَ فَيَقُولُ:
«جَاءَكُمْ شَهْرُ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ فِيهِ تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينِ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ» .
وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: (هَذَا الحَدِيثُ أَصْلٌ فِي تَهْنِئَةِ النَّاسِ بَعْضَهُمْ بَعْضًا بِشَهْرِ رَمَضَانَ) .
وَفِي الحَدِيثِ الآخَرِ:
«لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي رَمَضَانَ لَتَمَنَّتُ أُمَّتِي أَنْ يَكُونَ رَمَضَانُ السَّنَةَ كُلَّهَا» .
وَعَنْ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا:
стр. 338
«أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرُ بَرَكَةٍ، يغْشَاكُمْ اللهُ فِيهِ، فَيُنْزِلُ الرَّحْمَةُ، وَيَحُطُّ الخَطَايَا، وَيَسْتَجِيبُ فِيهِ الدُّعاءَ، يَنْظُرُ اللهُ إِلى تَنَافُسِكُمْ فِيهِ، وَيُبَاهِي بِكُمْ مَلائِكَتَهُ، فَأَرُوا اللهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا، فَإِنَّ الشَّقِي مَنْ حُرِمَ فِيهِ رَحْمَةً اللهِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النبي ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» .
ولمسلم: «فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ» . وَفِي الصَّحِيحيْنِ عَنْ النَّبِي ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ غَيْرُهُمْ» . وفي رواية: «فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ البَابُ» . وفي رواية: «من َدَخَلَ مِنْهُ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا» .
ولمسلم أيضًا: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَأغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» .
وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النّيران،ِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ. وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ» .
وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» .
стр. 339
وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي لأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذي وَحَسَنٌهُ، وابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِصَالِحِ الأَعْمَالَ، وَنَجِّنَا مِنْ جَمِيعِ الأَهْوَالِ، وَأَمَنّا مِنَ الفَزَع الأَكْبَر يومَ الرجْفِ والزلْزَالْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.
(فصل) وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُعْطِيتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ في رَمَضَانَ لَمْ تُعْطَهَا أُمَّةٌ قَبْلَهُمْ: خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمْ الحِيتَانُ حَتَّى يُفْطِرُوا، وَيُزَيِّنُ اللهُ كُلَّ يَوْمٍ جَنَّتَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: يُوشِكُ عِبَادِي الصَّالِحُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمْ الْمُئْوَنَةَ، وَيَصِيرُوا إِلَيْكِ، وَتُصْفَدُ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينَ فلا يَخْلُصُوا فِيهِ إِلى مَا كَانُوا يَخْلصُونَ إِلْيهِ فِي غَيْرِهِ، وَيَغْفِرُ لَهُمْ في آخِر لَيْلَةٍ» .
قِيلَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ أَهِي لَيْلَةُ القَدْرِ؟
قَالَ: «لا، وَلَكِنَّ العَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرُهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ» .
وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِي ﷺ صَعِدْ الْمَنْبَرَ، فَقَالَ: «آمِينَ، آمينَ، آمِينَ» . قِيلَ يَا رَسُولُ اللهِ: إِنَّكَ صَعِدْتَ الْمِنْبَرَ فَقُلْتَ: «آمِينَ، آمينَ، آمِينَ» ، فَقَالَ: «إِنَّ جَبْرَيلُ ﵇ أَتَانِي فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهْ، فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللهُ قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ» . الحَدِيثِ.
стр. 340
وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَظَلَّكُم شَهْرُكُمْ هَذَا، بِمَحْلُوفِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا مَرَّ بَالْمُسْلِمِينَ شَهْرٌ خَيْرُ لَهُمْ مِنْهُ، وَلا مَرَّ بِالْمُنَافِقِينَ شَهْرُ شَرٍّ لَهُمْ مِنْهُ بِمَحْلُوفِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِنَّ اللهَ لَيَكْتُبُ أَجْرَهُ وَنَوَافِلَهُ قِبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُ، وَيَكْتُبُ إِصْرَهُ وَشَقَاءَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُعِدُّ فِيهِ القُوتَ وَالنَّفَقَةَ لِلْعِبَادَةِ، وَيَعُدُّ فِيهِ الْمُنَافِقُ أتبَاعَ غَفَلاتٍ الْمُؤمِنِينَ وإتِّبَاعَ عَوْرَاتِهِم، فَغُنْمٌ يَغْنَمُهُ الْمُؤْمِنُ» .
وَقَالَ بَنْدَارُ فِي حَدِيثِهِ: «فَهُوَ غُنْمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغْتَنِمُهُ الفَاجِرُ» . رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ.
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِبُلُوغِ رَمَضَانَ، فَكَانَ إذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِي وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ بن مَرَوَانَ: (كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ عِنْدَ حُضُورِ شَهْرِ رَمَضَانَ: اللَّهُمَّ قَدْ أَظَلَّنَا شَهْرُ رَمَضَانَ وَحَضرَ فَسَلِّمْهُ لَنَا وَسَلِّمْنَا لَهُ، وَارْزُقْنَا صِيَامَهُ وَقِيامَهُ، وَارْزُقْنَا فِيهِ الجِدَّ وَالاجْتِهَادَ وَالنَّشَاطَ، وَأَعِذْْنَا فِيهِ مِنْ الفِتَنِ» .
وَقَالَ مُعَلَّى بْنِ الفَضْلِ: كَانُوا يَدْعُونَ الله سِتَّةَ أَشْهُرِ أَنْ يُبَلِّغَهُمْ رَمَضَانُ، ثُمَّ يَدْعُونَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَنْ يَتَقَبَّلَهُ مِنْهُمْ. وَقَالَ يَحْيَى بِنْ أَبِي كَثِيرِ كَانَ مِنْ دُعَائِهِمْ: (اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي إلى رَمَضَانَ وَسَلِّمْ لِي رَمَضَانُ وَتَسَلَّمْهُ مِنّي مُتَقَبَّلاً) .
اللَّهُمَّ يَا مَنْ فَتَحَ بَابَهُ للطَّالِبَيْنَ، وَأَظْهَرَ غِنَاهُ لِلرَّاغِبينَ نَسْأَلُكَ أَنْ تَسْلَكَ بِنَا سَبِيلَ عِبَادِكَ الصَّادِقِينَ، وَأَنْ تَلْحِقَنَا بِعبَادِكَ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ أُحْيِ قُلُوبًا أَمَاتَهَا البُعْدُ عَنْ بَابِكَ، وَلا تَعذِّبْهَا بَأَلِيمٍ عِقَابِكَ، يَا كَرِيمُ يَا مَنَّانُ، يَا مَنْ جَادَ عَلَى
стр. 341
عِبَادِهِ بالأنْعَامِ وَالأفضَالِ، اللَّهُمَّ أَيْقِظْنَا مِنْ غَفْلَتِنَا بُلُطْفِكَ وَإِحْسَانِكَ وَتَجَاوَزْ عَنْ جَرَائِمْنَا بِعَفْوِكَ وَغُفْرَانِكَ، وَارْزُقْنَا مَا رَزَقْتَ أَوْلِيَاءِكَ، مِنْ نَعِيم قُرْبكِ، وَلَذَّةِ مُنَاجَاتِكَ، وَصِدْقِ حُبِّكَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.
وَخُذْ فِي بَيَانِ الصَّومِ غَيْرُ مُقَصِّرٍ
عِبَادَةِ سِرِّ ضِدَّ طَبْعٍ مُعَوَّدِ
وَصَبْرُ لِفَقْدِ الإِلْفِ مِنْ حَالَةِ الصِّبَا
وَفَطْمٌ عَنْ المَحْبُوبِ وَالْمُتَعَوَّدِ
فَثِقْ فِيهِ بَالْوَعْدِ القَدِيمِ مِنْ الذِي
لَهُ الصَّوْمُ يُجْزِي غَيْرَ مُخْلِفِ مَوْعِدِ
وَحَافِظْ عَلى شَهْرِ الصِّيَامِ فَإِنَّهُ
لَخَامِسُ أَرْكَانٍ لِدِينِ مُحَمَّدِ
تُغَلِّقُ أَبْوَابُ الجَحِيمِ إِذَا أَتَى
وَتُفْتَحُ أَبْوَابُ الجِنَانِ لِعُبَّدِ
تُزَخْرَفُ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَحُورُهَا
لأَهْلِ الرِّضَا فِيهِ وَأَهْلُ التَّعَبُّدِ
وَقَدْ خَصَّهُ اللهُ العَظِيمُ بِلَيْلَةٍ
عَلَى أَلْفِ شَهْرٍ فُضِّلَتْ فَلْتُرَصَّدِ
فَارْغِمْ بَأنْفِ القَاطِعِ الشَّهْرِ غَافِلاً
وَأَعْظِمْ بَأَجْرِ الْمُخْلِصِ الْمُتَعَبِّدِ
فَقُمْ لَيْلَةُ وَاطْوِ نَهَارَكَ صَائِمًا
وَصُنْ صَوْمَهُ عَنْ كُلِّ مُوْهٍ وَمُفْسِدِ
стр. 342
اللَّهُمَّ أَهِلَّ شَهْرَنَا عَلَيْنَا بِالسَّلامَةِ وَالإِسْلامِ وَالأَمْنِ وَالإِيمَانِ، وَاغْفِرْ لَنَا كُلَّ قَبِيحٍ سَلَفَ وَكَانَ، وَأَعْتِقْنَا فِيهِ مِنْ لَفَحَاتِ النِّيرَان، وَأَعِنَّا عَلَى الخَيْرِ يَا كَرِيمُ يَا مَنَّانُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.
موعظة
عِبَادَ اللهِ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِِيحِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» . عِبَادَ اللهِ إِنَّ هَذَا الحَدِيثُ عَلَى إِيجَازِهِ لَيَحْتَوِي عَلَى وَصِيَّةٍ ثَمِينَةٍ مِنْ أَبْلَغِ الوَصَايَا وَأَقْيَمِهَا وَأَجَلِّهَا وَأَنْفَعِهَا فَقَدْ اشْتَمَلَ عَلى الأَمْرِ بِحِفْظِ عُضْوَينِ عَلَيْهِمَا مَدَارٌ عَظِيمٌ حَقِيقِينَ بِتَعَاهُدِهمَا بالرِّعَايَةِ وَالاسْتِقَامَةِ وَالرَّقَابَةِ وَالصِّيَانَةِ أَلا وَهمَا: اللسَانُ، وَالفَرْجُ، وَلا شَكَّ أَنَّهُمَا إِنْ أُطْلِقَ سَرَاحُهُمَا فِي الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَاتِ وَطُرُقِ الغَيِّ وَالفَسَادِ كَانَا أَصْلاً لِلْبَلاءِ وَالفِتْنَةِ وَالشِّرِّ وَالَهَلاكِ وَالدَّمَارِ.
وَقَالَ ﷺ : «مَنْ وُقِيَ شَرَّ قَبْقَبِهِ وَذَبْذَبِهِ وَلَقْلَقِهِ فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» . الحَدِيثِ أَخْرَجَهُ مَنْصُورُ الدَّيْلَمِي مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁. وَالقَبْقَبُ: البَطْنُ. والذَّبْذَبُ: الفَرْجُ. وَاللقْلَقُ: اللسَانُ.
فَهَذِهِ الشَّهَواتِ بِهَا يَهْلَكُ أَكْثَرُ الخَلْقِ وَسُئِلَ ﷺ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّارَ فَقَالَ: «الأَجْوَفَانِ: الفَمَّ، وَالفَرْجُ» .
فَالْعَاقِلُ مَنْ يُبْصِرُ مَوَاقِعَ الكَلامِ وَيَحْفَظُ لِسَانَهُ مِنْ الفُضُولِ وَالْهَذَيَانِ وَلا يَتَعَدَّى بِفَرْجِهِ زَوْجَتَهُ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينَهُ.
شِعْرًا:
إِذَا مَا أَرَدْتَ النُّطْقَ فَانْطِقْ بِحِكْمَةٍ ... وَزِنْ قَبْلَ نُطْقَ مَا تَقُولُ وَقَوِّمِ
стр. 343
فَمَنْ لَمْ يَزِنَ ما قال لا عَقْل عِنْدهُ ... وَنُطْقٌ بِوَزْنٍ كَالبِنَاءِ المُحَكَّمِ
فَإِنْ لَمْ تَجِدْ طُرْقَ المقالِ حَمِيدَةً ... تَجَمَّلْ بحُسْنِ الصَّمْتِ تُحْمَد وتَسْلَمِ
فَكَمْ صَامِتًا يَلْقَى المَحَامِدَ دَائِمًا ... وَكَمْ نَاطِقٍ يَجْنِي ثِمارَ التَّنَدُّمِ
وَقَالَ ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» إِذَا فَهِمْتَ ذَلِكَ فَاْعْلَمْ أَنَّ زَلاتِ اللسَانِ عَظِيمَةٌ فَزَلَّةٌ مِنْ زَلاتِهِ قَدْ تُؤَدِّي بِالإنْسَانِ إلَى الهَلاكِ وَالعَطَبِ وَمُفَارَقَةِ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَأَصْدِقَائِهِ وَجِيرَانِهِ فَلْيَحْذَرْ الإِنْسَانُ مِمَّا يَجْرِي بِهِ لِسَانُهُ.
قَالَ ﷺ : «لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلا يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ» . الحَدِيثِ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَرْفُوعًا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ أصبحت الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُذَكِّرُ اللِّسَانَ أَيْ تَقُولُ: اتَّقِ اللهِ فِينَا فَإِنَّكَ إِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإْن اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا» ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بَنْ الخطَّابِ ﵁ رَأَى أَبا بَكْرٍ الصِّديقُ ﵁ وَهُوَ يَمُدُّ لِسَانَهُ بِيَدِهِ فَقَال لَهُ: مَا تَصْنَعُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: هَذَا أَوْرَدَنِي المَوَارِدَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ شَيءٌ مِنْ الجَسَدِ إلا يَشْكو إلى اللهِ اللِسَانَ عَلَى حِدَّتِهِ» .
وَعَنْ ابنِ مَسْعُودٍ أَنَّه كَانَ عَلى الصَّفَا يُلَبِّي وَيَقُولُ: يَا لِسَانُ قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ وَاسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمُ مِنْ قَبْلِ أنْ تَنْدَمَ فَقِيلَ: يَا أَبَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَهَذَا شَيءٌ تَقُولُه أَوْ شَيءٌ سَمِعْتَهُ فَقَالَ لا بَلْ شيءٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَكْثَرَ خَطَايَا ابْنِ آدَم في لِسَانِهِ» .
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كَفَّ لِسَانَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ مَلَكَ غَضَبَهُ وَقَاهُ اللهُ عَذَابَهُ وَمَنْ اعْتَذَرَ إَلَى اللهِ قَبِلَ اللهُ عُذْرَهُ.
стр. 344
شِعْرًا:
وَإِذَا خَشِيتَ مَلامةً مِنْ مَنْظِقٍ ... فاَخْزِنْ لِسَانَكَ في اللَّهَاةِ وَأَطْرِقِ
وَاحْفَظْ لِسَانَكَ أَنْ تَقُولَ فَتُبْتَلَى ... إِنَّ البَلاءَ مُوَكَّلٌ بالمَنْطِقِ
وَقَالَ ﷺ : «إِخْزِنْ لِسَانَكَ إلا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّكَ بِذَلِكَ تَغْلِبُ الشَّيْطَانَ» . وَقَالَ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُم المُؤْمِنَ صَمُوتًا وَقُورًا فادْنُوا مِنْهُ فَإْنَّهُ يُلَقَّنُ الحِكْمَةَ» .
وَأَخْرَجَهُ ابنُ مَاجَة مِنْ حَدِيثِ خَلادٍ بِلَفْظ: «إِذَا رَأَيْتُم الرَّجُلَ قَدْ أُعْطِيَ زُهْدًا في الدُّنْيَا وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ فَاقْتَرِبُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلقَّى الحِكْمَةَ» .
وَلا تَحْسَبَنَّ حِفْظَ اللِّسَانِ قَاصِراً عَلَى الصَّمْتِ في مَوْضِعِهِ أَوْ الكَلامَ بل يَتَعَدَّى إلَى حِفْظِهِ مِنْ طَعَامٍ مَشْبُوهٍ أَوْ حَرَامٍ وَإنَّ مِنْ المَعْلُومِ أَنَّ اللِّسَانَ هُو الوَسِيلَةُ لِمَضْغِ مَا يَأْكُلُهُ المَرْءُ وَقَذْفِهِ في المَعِدَةِ بَيْتِ الطَّعَامِ وَمُسْتَقَرُّهُ مِنْ الزَّلَلِ وَالحَرَامِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ في عَاقِبَةِ أَمْرَهِ.
وَأَمَّا حِفْظُ الفَرْجِ فَبِتَرْكِ التَّعَدِّي عَلَى أَعْرَاضِ النَّاسِ وَحُرُمَاتِهِم وَوَضْعِهِ في الحَلالِ في الطُّرُقِ المَشْرُوعَةِ وَكفِّهِ عَن الزِّنَا وَالحَرَامِ وَالزِّنَا آفةٌ وَبَيْلَةٌ عَلَى المُجْتَمَعِ الإِنْسَانِي وَقَدْ بَيَّنَا مَضَارَّهُ في الجُزْءِ الثَّانِي. واللهُ أَعْلَمُ.
عَجِبْتُ لِذي التَّجارِبِ كَيفَ يَسْهُو ... وَيَتْلُو اللَّهوَ بَعْدَ الإحتِباكِ
وَمُرْتَهَنُ الفَضائِحِ وَالخَطايا ... يُقَصِّرُ بِاِجتِهادٍ لِلفِكاكِ
وَموبِقُ نَفسِهِ كَسَلاً وَجَهَلاً ... وَمورِدُها مَخوفاتِ الهَلاكِ
بِتَجديدِ المَآثِمِ كُلَّ يَومٍ ... وَقَصدٍ لِلمُحَرَّمِ بِاِنتِهاكِ
سَيَعلَمُ حينَ تَفجُؤُهُ المَنايَا ... وَيَكثُفُ حَولَهُ جَمعُ البَواكي
اللَّهُمَّ جُدْ عَلَيْنَا بِكَرمِكَ، وَافض علينا مِن نِعَمِكَ، وَتَغَمَّدْنَا بِرَحْمَتِكَ،
стр. 345
وعاملنا بِرأفْتكْ، وَوَفِّقْنَا لِخدْمَتِكَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ مَكِّنْ حُبَّكَ في قُلُوبِنَا وَأَلْهِمْنَا ذَكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَوَفِّقْنَا لامْتِثَالِ طَاعَتِكَ وَأَمْرِكَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فصل)
٥- لا يَصِحُّ صَوْمُ رَمَضَانَ وَلا غَيْرُهُ مِنَ الصِّيَامِ الوَاجِبِ إلا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ لِكُلِّ يَوْمٍ.
١- حُكْمُ صَوْمِ رَمَضَانَ:
صَوْمُ رَمَضَانَ فَرِيضَةً: وَالأصْلُ في فَرِيضَتِهِ: الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَالإِجْمَاعِ.
أَمَّا الدَّلِيلُ مِنَ الكِتَابِ فُقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ» .
وَأَمَّا الإِجْمَاعُ، فَأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى فَرِيضَةِ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
٢- بَيَانُ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ:
وَيُفْتَرَضُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ قَادِرٍ أَدَاءٌ وَقَضَاءً وَلا يَجِبُ عَلَى كَافَرٍ - سَوَاءٌ كَانَ أَصْلِيًا أًوْ مُرْتَدًا - لإنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ لا تَصِحُّ مِنْهُ في حِالِ كُفْرِهِ، وَلا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ .
стр. 346
وَلأنَّ فِي إِيجَابِ قَضَاءِ مَا فَاتَ في حَالِ كُفْرِهِ تَنْفِيرًا عَنِ الإِسْلامِ وَلَوْ أَسْلَمَ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا مَضَى مِنْ الأَيَّامِ وَيَصُومُ مَا بَقِيَ مِنَ الشَّهْرِ.
وَلِحَدِيثِ ابن مَاجَة في وَفْدِ ثَقِيفٍ: قَدِمُوا عَلَيْهِ في رَمَضَانَ فَضَرَبَ عَلَيْهِمْ قُبَّةٌ بِالمَسْجِدِ. فَلَمَّا أَسْلَمُوا صَامُوا مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّهْرِ، إِذْ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ عِبَادَةٌ مُفْرَدَةٌ.
وَلا يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى مَجْنُونٍ، وَلا صَبِيٍّ حَتَّى يَبْلُغَ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٌ: عَنْ الصَّبِي حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ، وَعَنِ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» .
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ القُدْرَةِ عَلَى الصَّوْمِ فَلأَنَّ مَنْ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِحَالٍ وَهُوَ الكَبِيرُ وَالعَجُوزُ - إَذا كَانَ الصَّوْمُ يُجْهِدُهُمَا وَيَشُقُّ عَلَيْهِمَا مَشَقَّةَ شَدِيدَةً - فَلَهُمَا أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ : لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ فِي الشَّّّّّيْخِ الكَبِيرِ، وَالمَرْأَةِ الكَبِيرَةِ اللَّذَيْنِ لا يَسْتَطِيعَانِ الصَّوْمِ فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
وَرُوِيَ أَنَّ أَنس بنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - ضَعُفَ عَنِ الصَّوْمِ فَصَنَعَ جِفْنَةً مِنْ ثَرِيدٍ، فَدَعَا ثَلاثِينَ مِسْكِينًا فَأَطْعَمَهُمْ.
وَالمرِيضُ الذي لا يُرْجَى بُرْؤُهُ، حُكْمُهُ حُكْمُ الشَّيْخِ الكَبِيرِ، يُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. واللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
(فصل)
٣- مَا يَثْبُتُ بِهِ الشَّهْرُ:
وَيَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ هِلالِهِ، أَوْ إِكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ
стр. 347
يَوْمًا وَتَثْبُتْ رُؤْيَةُ هِلالِ رَمَضَانَ بِخَبَرِ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ عَدْلٍ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ أُنْثَى.
قَالَ اللهُ ﵎: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ .
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بِنْ عُمَرَ – ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإَذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غَمَّ عَلَيْكُمْ فَاقدُرُوا له» .
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: (تَرَاءى النَّاسُ الهِلالَ فَأَخْبَرْتُ النَّبي ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: (إِنَّ أَعْرَابِيًا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَال: إِنِّي رَأَيْتُ الهِلالَ، فَقَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ» ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ» ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: «فَأَذِّن فِي النَّاسِ يَا بِلالُ أَنْ يَصُومُوا غَدًا» .
وَيُسْتَحَبُّ إِذَا رَأَى الهِلالُ أَنْ يَقُولَ مَا وَرَدَ، وَمِنْهُ حَدِيثُ ابنِ عُمَرٍ ﵄ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهَ ﷺ إِذَا رَأَى الهِلالَ قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالأَمْنِ وَالإِيمَانِ، وَالسَّلامَةِ وَالإِسْلامِ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ طَلْحَةَ بِن عَبْدِ اللهِ ﵁، (أَنَّ النَّبِي ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الهِلالَ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالأَمْنِ وَالإِيمَانِ، وَالسَّلامَةِ وَالإِسْلامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ، هِلالٌ رُشْدٍ وَخَيْرٍ» .
وَإِنَّ حَالَ دُونَ مَطْلَعِ الهِلالِ لَيْلَةَ الثَّلاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ أَوْ غَيْرُهُمَا، فَإِنَّهُ لا يِجِبُ صَوْمُهُ وَلا يُسْتَحَّبُ، بَلْ المَشْرُوعُ فِطْرُهُ لِمَا وَرَدَ
стр. 348
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأْكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ» .
وَعَنْ عَمَّارِ بِنْ يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: (مَنْ صَامَ اليَوْمَ الذي يَشكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ » .
وَعَنْ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُم وَبَيْنَهُ سَحَابٌ فَكَمِّلُوا العِدَّةِ ثَلاثِين وَلا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبالاً» .
وَيُسْتَثْنَى القَضَاء، والنَّذُرُ وَالعَادَةُ، فَيَجُوزُ صَوْمُهَا فِيهِ.
وَعَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ إِلا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمُهُ» . واللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
(فصل)
٤- فِيَما يَتَرتَّبُ عَلى ثُبُوتِ رُؤْيَةِ الهِلالِ:
وإِذَا ثَبَتَ رُؤْيَةُ هِلالِ رَمَضَانَ بِبَلَدٍ لَزِمَ النَّاسَ كُلَّهُم الصَّوْمُ إِذَا اتَّفَقَتْ المَطَالِعُ لَما رَوَى (كُرَيْبٌ) قالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ، وَاسْتَهَلَّ عَليّ رَمَضَانَ وَأَنَا بالشَّام، فَرَأَيْتُ الهِلالَ لَيْلَةَ الجُمُعَةَ، ثَمَّ قَدِمْتُ المَدِينَة في آخر الشَّهْر فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللهِ بن عَبَّاسٍ. ثُمَّ ذَكَرَ الهِلالَ فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُم الهِلالَ؟ قُلْتُ: رََأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةَ فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلا نَزَالُ نَصُومَ حَتَّى نَكْمِلَ ثَلاثِينَ أَوْ نَرَاهُ. فَقُلْتُ: أَفَلا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصَيَامِهَ؟ فَقَالَ: لا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ .
стр. 349
وَمَنْ رََأَى وَحْدَهُ هِلالَ رَمَضَانَ وَرُدَّ قَوْلُهُ لَزِمَهُ الصَّوْمُ وَجَمِيعُ أَحْكَامِ الشَّهْرِ مِنْ طَلاقٍ وَعِتْقٍ، وَغَيْرِهِمَا مُعَلَّقَيْنِ بِهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَلأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَلَزِمَهُ صَوْمُه وَأَحْكَامُهُ بِخِلافِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ، وَمَنْ رَأَى وَحْدَهُ هِلالَ شَوَّالَ لَمْ يُفْطِرْ لِحَدِيثِ: «الفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالأَضْحَى يَوْمَ يُضْحِّي النَّاسُ» .
وَحَدِيثِ: «الفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُونَ، وَالأَضْحَى يَوْمَ يُضْحُّونَ» .
وَرَوَى أَبُو رَجَاءٍ عَنْ أَبِي قَلابَةَ: أَنَّ رَجُلَيْنِ قَدِمَا الْمَدِينَةِ وَقَدْ رَأَيَا الهِلالَ، وَقَدْ أَصْبَحَ النَّاسُ صِيامًا فَأَتيَا عُمَرَ، فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لأحَدِهِمَا: أَصَائِمٌ أَنْتَ؟ قَالَ: بَلْ مُفْطِرٌ. قَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ لَمْ أَكُنْ لأَصُومَ وَقَدْ رَأَيْتُ الهِلالَ، وَقَالَ لِلآخَرِ، قَالَ إِنِّي صَائِمٌ، قَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: لَمْ أَكُنْ لأفْطِرَ وَالنَّاسُ صِيَامٌ. فَقَالَ لِلذِي أَفْطَرَ: لَوْلا مَكَانَ هَذَا لأَوْجَعْتُ رَأْسَكَ، ثُمَّ نُودِيَ فِي النَّاسِ أَنْ أَخْرُجُوا.
وَإِنَّمَا أَرَادَ ضَرْبَهُ لإِفْطَارِهِ بِرُؤْيَتِهِ وَحْدَهُ، وَدَفَعَ عَنْهُ الضَّرْبَ لِكَمَالِ الشَّهَادَةِ بِهِ، وَلَوْ جَازَ لَهُ الفِطْرُ لَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ وَلا تَوَعَّدَهُ، وَإِنْ صَامَ النَّاسُ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ: ثَلاثِينَ يَوْمًا فَلَمْ يَرَوْا الهِلالَ أَفْطَرُوا لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلاَثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا» .
وَإِذَا قَامَتْ البََيِّنَةُ أَثْنَاءَ النَّهَارِ لَزِمَ أَهْلَ وُجُوبِ الصَّوْمِ الإِمْسَاكَ وَلَوْ بَعْدَ أَكْلِهِمْ لِتَعَذُّرِ إمْسَاكِ الجَمِيعِ فَوَجَبَ أَنْ يَأْتُوا بِمَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وَحَدِيثِ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
٥- لا يَصِحُّ صِيَامُ رَمَضِانَ إلا بِنِيَّةٍ مِنْ الليْلِ:
стр. 350
وَلا يَصِحُّ صَوْمَ رَمَضَانَ وَلا غَيْرِهِ مِنْ الصِّيَامِ الوَاجِبِ إلا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ لِكُلَّ يَوْمٍ. رَوَتْ حَفْصَةُ ﵂ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ» .
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ» .
وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ مِنْ اللَّيْلِ ثُمَّ أَتَى بَعْدَ النِّيَّةِ فِي اللَّيْلِ بِمَا يُبْطِلُ الصِّيَامَ كَالأَكْلِ، لَمْ تَبْطُلُ النِّيَةُ لِظَاهِرِ الخَبَرِ وَلأَنَّ اللهَ أَبَاحَ الأَكْلَ إِلى آخِرِ اللَّيْلِ فَلَوْ بَطَلَتْ بِهِ فَاتَ مَحَلُّهَا، وَمَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ أَنَّهُ صَائِمٌ غَدًا فَقَدْ نَوَى، لأَنَّ النِّيةَ مَحَلُّهَا القَلْبُ، وَالأَكْلُ وَالشُّرْبُ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ نِيَّةٌ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُو حِينَ يَتَعَشَّى عَشَاءَ مَنْ يُرِيدُ الصَّوْمَ، وَلَوْ نَوَتْ حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءُ صَوْمَ غَدٍ وَقَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا تَطْهُرُ لَيْلاً صَحَّ لِمَشَقَّةِ الْمُقَارَنَةِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
يَا ذَا الذي مَا كَفَاهُ الذَّنْبُ فِي رَجَبٍ ... حَتَّى عَصَى رَبَّهُ فِي شَهْر شَعْبَانِ
لَقَدْ أَظَلَّكَ شَهْرُ الصَّوْمِ بَعْدهُمَا ... فَلا تُصَيِّرهُ أَيْضًا شَهْرَ عِصْيانِ
وَاتْل القُرْآنَ وَسَبِّحْ فِيهِ مُجْتَهِدًا ... فَإِنَّهُ شَهْرُ تَسْبِيحٍ وَقُرْآنِ
كَمْ كُنْتَ تَعْرِفُ مِمَّنْ صَامَ في سَلَفٍ ... مَنْ بَيْنِ أَهْلٍ وَجِيرَانٍ وَإخْوَانِ
أَفْنَاهُمُ الْمَوْتُ واسْتبقاكَ بَعْدَهُمُ ... حَيًا فَمَا أَقْرَبَ القَاصِي مِنْ الدَّانِ
اللَّهُمَّ أنْظُمْنَا فِي سِلْكِ الفَائِزِينَ بِرِضْوَانِكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ الْمُتَّقِينَ الذِينَ أَعْدَدْتَ لَهُمْ فَسِيحَ جِنَانِكَ، وَأَدْخِلْنَا بِرَحْمَتِكَ فِي دَارِ أَمَانِكَ وَعَافِنَا يَا مَوْلانَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مِنْ جَمِيعِ البَلايَا وَأَجْزِلْ لَنَا مِنْ مَوَاهِبِ فَضْلِكَ وَهِبَاتِكَ وَمَتِّعْنَا بَالنَّظَرِ إِلى وَجْهِكَ الكَرِيمِ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ
стр. 351
المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ)
وَيَبْحَثُ في:
١- حُكْمِ صَوْمِ التَّطَوّعِ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ.
٢- فِيمَنْ يُبَاحُ لَهُ الفِطْرُ وَمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ.
٣- مَنْ عَرَضَ لَهُ جُنُونٌ أَوْ إِغْمَاءٌ.
١- حُكْمِ صَوْمِ التَّطَوّعِ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ:
وَيَصِحُّ صَوْمُ التَّطَوّعِ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ لِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذات يَوْم فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ» ؟ فَقُلْنَا: لا، فقَالَ: «فَإِنِّي إذَنْ صَائِمٌ» ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: «أَرِنِيهُ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا» فَأَكَلَ.
وَزَادَ النِّسَائِي، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ الْمُتَطَوِّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا» . وَمِنْ لَفْظٍ لَهُ أَيْضًا قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّمَا مَنْزِلَةُ مَنْ صَامَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ أَوْ فِي التَّطَوُّعِ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَخْرَجَ صَدَقَةَ مَالِهِ فَجَادَ مِنْهَا بِمَا شَاءَ فَأَمْضَاهُ وَبَخِلَ مِنْهَا بِمَا شَاءَ فَأَمْسَكَهُ» .
شِعْرًا:
وَفي النَّاس مَنْ أَعْطَى الجَمِيلَ بَدَيهَةً ... وَظَنَّ بِفِعْلِ الخَيْرِ لِمَّا تَفَكَّرَا
آخر:
وَمَا كُلُّ هَاوٍ لِلْجَمِيلِ بِفَاعِلٍ ... وَمَا كُلُّ فَعَّالٍ لَهُ بِمُتَمِّمِ
قَالَ البُخَارِي: وَقَالَتْ أُمَّ الدَّرْدَاءِ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لا، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي. قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ،
стр. 352
وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةُ ﵃.
وَيُحْكَمُ بالصَّوْمِ الْمُثَابِ عَلَيْهِ مَنْ وَقْتَ النِّيَّةِ، لِحَدِيثِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلَّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . وَمَا قَبْلَهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ قَصْدُ القُرْبَةِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ لا يُوجَدَ مُنَافٍ غَيْر نِيَّةِ الإفْطَارِ، اقْتِصَارًا عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، وَنَظرًا إِلى أَنَّ الإِمْسَاكَ هُوَ الْمَقْصُودُ الأَعْظَمُ، فَلا يُعْفَى عَنْهُ أَصْلاً، فَإِنْ فَعَلَ قَبْلََ النِّيةِ مَا يُفَطِّرُهُ لَمْ يَجُزْ الصِّيَامُ، فَلا يَصِحُّ صَوْمُ مَنْ أَكَلَ ثُمَّ نَوَى بَقِيَّةَ يَوْمِهِ لِعَدَمِ حُصُولِ حِكْمَةِ الصَّوْمِ، وَيَصِحُّ تَطَوُّعُ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ طَهُرَتْ فِي يَوْمٍ بِصَوْمِ بَقِيَّتِهِ وَتَطَوُّعُ كَافِرٍ أَسْلَمَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَأتِيَا فِيهِ بِمُفْسِدٍ مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ وَنَحْوِهِمَا وَإِنْ بَلَغَ صَبِيُّ، أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ، أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، وَهُمْ مُفْطِرُونَ، لَزِمَهُمْ الإِمْسَاكُ عَنْ مُفْسِدَاتِ الصَّوْمِ، لِحُرْمَةِ الوَقْتِ وَلِزَوَالِ الْمُبِيحِ، وَإِنْ طَهُرَتْ حَائِضٌ أَوْ نُفْسَاءَ، أَوْ قَدِمَ مُسَافِرٌ مُفْطِرٌ.
فَعَلَيْهِمْ الإِمْسَاكُ وَالقَضَاءُ وَلا خِلاف فِي وُجُوبِ القَضَاءَ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿ ... فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ .
وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فُنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ. وَكَذَا الحُكْمُ فِي الْمَرِيضِ إِذَا صَحَّ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ وَكَانَ مُفْطِرًا.
وَيُسَنُّ الفِطْرُ لِمُسَافِرٍ يُبَاحُ لَهُ القَصْرُ، وَلِمَرِيضٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ، وَلِحَدِيثِ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ثُمَّ قَالَ سَوُلُ اللهِ ﷺ :
стр. 353
« ... عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ التي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا» وَإنْ صَامِ أَجْزَأَهُ.
ولِحَدِيْثِ: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ» .
وَعن َحَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ أنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : َأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ» . وَاللهُ أَعْلَمَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ.
(فصل)
٢- فِيمَنْ يُبَاحُ لَهُ الفِطْرُ وَمَنْ يَجِبْ عَلَيِْهِ:
وَيُبَاحُ الفِطْرُ، لِحَاضِرٍ سَافر في أَثْنَاءِ النَّهَارِ. لِحَدِيثِ أَبِي بَصْرَةَ الغِفَارِي: أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةِ مِنْ الفِسْطَاطَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَدَفَعَ، ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ، فَلَمْ يُجَاوِزْ البُيُوتَ حَتَّى دَعَا بَالسُّفْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتَرِبْ! قِيلَ: أَلَسْتَ تَرَى البُيُوتَ؟ قال: أَتَرْغَبْ عَنْ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَأَكَلَ.
وَإنْ صَامِ أَجْزَأَهُ، لِحَدِيْثِ: «هِي رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ» .
وَيُبَاحُ الفِطْرُ لِحَامِلٍ، وَمُرْضِعٍ، إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، فَيُفْطِرَانُ وَيَقْضِيَانِ كَالْمَرِيضِ الخَائِفْ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلِدَيْهِمَا أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا، وَلَزِمَ وَليُّ الوَلَدِ إطْعَامُ مُسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخ الكَبِيرِ، وَالْمَرْأَةِ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَالحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
стр. 354
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَلا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَة وَلَيْسَ لِمَنْ جَازَ لَهُ الفِطْرُ بِرَمَضَانَ أَنْ يَصُومَ غَيْرَهُ فِيهِ لأَنَّهُ لا يَسْعُ غَيْرَ مَا فُرِضَ فِيهِ وَلا يَصْلحُ لِسِوَاهُ، وَيَجِبْ الفِطْرُ عَلَى مَنْ احْتَاجَهُ لإِنْقَاذِ مَعْصُومٍ مِنْ مَهْلَكَةٍ. كَغَرَقٍ لأَنَّهُ يُمْكِنْهُ تَدَارُكَ الصَّوْمِ بَالقَضَاءِ بِخَلافِ الغَرِيقِ وَنَحْوِهِ، وَيَجِبُ الفِطْرُ عَلَى الحَائِض وَالنُّفَسَاءَ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدَرِيْ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٣- مَنْ عَرَضَ لَهُ جُنونٌ أَوْ إِغْمَاءٌ:
وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ ثُمَّ جَنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ، وَلَمْ يُفِقْ جُزْءًا مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ لأَنَّ الصَّوْمَ: الإِمْسَاكُ مَعَ النِّيَّةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَالَ اللهُ : كُلَّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أُجْزِي بِهِ يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي ... » . فَأَضَافَ التَّرْكَ إِلَيْهِ، وَهُوَ لا يُضَافُ إِلى المَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ وَالنَّيةُ وَحْدَهَا لا تُجزِي، وَيَصِحُّ الصَّوْمُ مِمَّنْ أَفَاقَ جُزْءًا مِنْهُ حَيْثُ نَوَى لَيْلاً لِصِحَّةِ إِضَافَةِ التَّرْكِ إِلَيْهِ إِذًا، وَيُفَارِقُ الجُنُونُ الحَيْضَ بِأَنَّهُ لا يَمْنَعُ الوُجُوبَ بَلْ يَمْنَعُ الصِّحَّةِ وَيَحْرُمُ فعْلُهُ، وَيَصَحُّ صَوْمُ مِنْ نَامَ جَمِيعَ النَّهَارِ لأَنَّ النَّوْمَ عَادَة لا يَزُولُ الإِحْسَاسُ بِهِ بالكُلِّية لأَنَّهُ مَتَى نُبِّهَ انْتَبَهَ. وَيَقْضِي مُغْمَى عَلَيْه زَمَنَ إغْمَائِهِ لأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، وَلأَنَّ مُدَّةَ الإغْمَاء لا تَطُولُ غَالِبًا، وَلا ثَبْتُتْ الولايَةُ عَلَيْهِ، وَلا يَقْضِي مَجْنُونٌ زَمَنَ جُنُونِهِ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ.
اللَّهُمَّ أحْي قُلُوبًا أَمَاتَهَا البُعْدُ عَنْ بَابِكَ، وَلا تُعَذّبْنَا بَأليمِ عِقَابِكَ يَا أَكْرَمَ مَنْ سَمَحَ بالنَّوَالِ وَجَادَ بَالإِفْضَالِ، اللَّهُمَّ أَيْقَضْنَا مِنْ غَفْلَتِنَا بُلطْفِكَ وَإِحْسَانِكَ،
стр. 355
وَتَجَاوَزْ عَنْ جَرَائِمِنَا بَعَفْوِكَ وَغُفْرَانِكَ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(١٤) موعظة
إخْوَانِي إِنَّ الغَفْلَةَ عَنْ اللهِ مُصِيبَةٌ عَظِيمَةٌ قَالَ تَعَالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ فَمَنْ غَفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَأَلْهَتْهُ الدُّنْيَا عَنْ العَمَلِ لِلدَّارِ الآخِرَةِ أنْسَاهُ العَمَلَ لِمَصَالِحَ نَفْسِهِ فَلا يَسْعَى لَهَا بِمَا فِيهِ نَفْعُهَا وَلا يَأْخُذُ فِي أَسْبَابِ سَعَادَتِهَا وَإِصْلاحِهَا وَمَا يُكَمِّلُهَا وَيَنْسَى كَذَلِكَ أَمْرَاضَ نَفْسِهِ وَقَلْبِهِ وَآلامَهُ فَلا يَخْطُرْ بِبَالِهِ مُعَالَجَتُهَا وَلا السَّعْي في إِزَالَةِ عِلَلِهَا وَأَمْرَاضِهَا التي تَؤُلُ إِلى الْهَلاكِ وَالدَّمَارِ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمُ العُقُوبَاتِ فَأَيُّ عُقُوبَةٍ أَعْظَمُ مِنْ عُقُوبَةِ مِنْ أَهْمَلَ نَفْسَهُ وَضَيَّعَهَا وَنَسِيَ مَصَالِحَهَا وَدَاءَهَا وَدَوَاءَهَا وَأَسْبَابَ سَعَادَتِهَا وَفَلاحِهَا وَحَيَاتِهَا الأَبَدِيَّةِ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا الْمَوْضِعَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الخَلْقِ قَدْ نَسُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَيَّعُوهَا وَأَضَاعُوا حَظَّهَا وَبَاعُوهَا بِثَمَنٍ بَخْسٍ بَيْعَ الْمَغْبُونِ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ كُلَّهُ يَوْمَ التَّغَابُنِ ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ الآيةُ.
﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ إنَّهَا لَحَسْرَةٌ عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ دُونَهَا كُلُّ حَسْرَةٍ، هَؤُلاءِ هُمْ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ. نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ.
شِعْرًا:
القَلْبُ أَعْلَمُ يَا عَذُولُ بِدَائِهِ ... مَا غَيَرُ دَاءِ الذَّنْبِ مِنْ أَدْوَائِهِ
وَالذَّنْبُ أَوْلَى مَا بَكَاهُ أَخُو التُّقَى ... وَأَحَقُّ مِنْكَ بِجَفْنِهِ وَبِمَائِهِ
فَوَمَنْ أُحِبُّ لأَعْصِيَنَّ عَواذِلي ... قَسَمًا بِهِ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ
следующие страницы →