Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
.. وَقَدْ كَشَفُوا تِلْكَ الرُّؤُوسِ تَوَاضُعًا ... ???? ... لِعِزَّةِ مَنْ تَعْنُوا الْوُجُوهُ وَتَسْلِمُ ... ???? ... يُهِلُّونَ بِالْبِيدَاءِ لَبَّيْكَ رَبَّنَا ... ???? ... لَكَ الْمُلْكُ وَالْحَمْدُ الَّذِي أَنْتَ تَعْلَمُ ... ???? ... دَعَاهُمْ فَلَبُّوه رِضىً وَمَحَبَّةً ... ???? ... فَلَمَّا دَعَوْهُ كَانَ أَقْرَبَ مِنْهُمُ ... ???? ... تَرَاهُمْ عَلَى الإِنْضَاءِ شُعْثًا رُؤُوسُهُمْ ... ???? ... وَغُبْرًا وَهُمْ فِيهَا أَسَرُّ وَأَنْعَمُ ... ???? ... وَقَدْ فَارَقُوا الأَوْطَانَ وَالأَهْلَ رَغْبَةً ... ???? ... وَلَمْ يَثْنِهِمْ لَذَّاتُهُمْ وَالتَّنَعُّمُ ... ???? ... يَسِيرُونَ مِنْ أَقْطَارِهَا وَفِجَاجِهَا ... ???? ... رِجَالاً وَرُكْبَانًا وَلله أَسْلَمُوا ... ???? ... وَلَمَّا رَأَتْ أَبْصَارُهُمْ بَيْتَهُ الَّذِي ... ???? ... قُلُوبُ الْوَرَى شَوْقًا إليه تَضَرَّمُ ... ???? ... كَأَنَّهُمْ لََمْ يَنْصِبُوا قَطُّ قَبْلَهُ ... ???? ... لأَنَّ شَقَاهُمْ قَدْ تَرَحَّلَ عَنْهُمُ ... ???? ... فَلِلَّهِ كَمْ مِنْ عِبْرَةٍ مُهَرَاقَةٍ ... ???? ... وَأُخْرَى عَلَى آثَارِهَا تَتَقَدَّمُ ... ???? ... وَقَدْ شَرِقَتْ عَيْنُ الْمُحِبِّ بِدَمْعِهَا ... ???? ... فَيَنْظُرُ مِنْ بَيْنِ الدُّمُوعِ وَيُسْجِمُ ... ???? ... إِذَا عَايَنَتْهُ الْعَيْنُ زَالَ ظَلامُهَا ... ???? ... وَزَالَ عَنِ الْقَلْبِ الْكَئِيبِ التَّأَلُّمُ ... ????
стр. 2872
.. وَلا يَعْرِفُ الطَّرْفُ الْمُعَاينُ حُسْنَهُ ... ???? ... إِلَى أَنْ يَعُودَ الطَّرْفُ وَالشَّوْقُ أَعْظَمُ ... ???? ... وَلا عَجَبٌ مِنْ ذَا فَحِينَ أَضَافَهُ ... ???? ... إِلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَنُ فَهُوَ الْمُعَظَّمُ ... ???? ... كَسَاهُ مِنَ الإِجْلالِ أَعْظَمَ حُلَّةٍ ... ???? ... عَلَيْهَا طِرَازٌ بِالْمَلاحَةِ مُعْلَمُ ... ???? ... فَمِنْ أَجْلِ ذَا كُلُّ الْقُلُوبِ تُحِبُّهُ ... ???? ... وَتَخْضَعُ إِجْلالاً لَهُ وَتُعَظِّمُ ... ???? ... وَرَاحُوا إِلَى التَّعْرِيفِ يَرْجُونَ رَحْمَةً ... ???? ... وَمَغْفِرَةً مِمَّنْ يَجُودُ وَيُكْرِمُ ... ???? ... فَلِلَّهِ ذَاكَ الْمَوْقِفُ الأَعْظَمُ الَّذِي ... ???? ... كَمَوْقِفِ الْعَرْضِ بَلْ ذَاكَ أَعْظَمُ ... ???? ... وَيَدْنُو بِهِ الْجَبَّارُ ﷻ ... ???? ... يُبَاهِي بِهِمْ أَمْلاكَهُ فَهُوَ أَكْرَمُ ... ???? ... يَقُولُ عِبَادِي قَدْ أَتَوْنِي مَحَبَّةً ... ???? ... وَإِنِّي بِهِمْ بَرٌّ أَجْوَدُ وَأَرْحَمُ ... ???? ... فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي غَفَرْتُ ذُنُوبَهُمْ ... ???? ... وَأَعْطَيْتُهُمْ مَا أَمَّلُوهُ وَأَنْعَمُ ... ???? ... فَبُشْرَاكُمْ يَا أَهْلَ ذَا الْمَوْقِفِ الَّذِي ... ???? ... بِهِ يَغْفِرُ اللهُ الذُّنُوبَ وَيَرْحَمُ ... ???? ... وَمَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ أَغْيَظُ فِي الْوَرَى ... ???? ... وَأَحْقَرَ مِنْهُ عِنْدَهَا وَهُوَ الأَمُ ... ????
стр. 2873
.. وَذَاكَ لأَمْرٍ قَدْ رَآهُ فَغَاظَهُ ... ???? ... فَأَقْبَلَ يَحْثُو التُّرْبَ غَيْظًا وَيَلْطِمُ ... ???? ... وَمَا عَايَنْتَ عَيْنَاهُ مِنْ رَحْمَةٍ أَتَتْ ... ???? ... وَمَغْفِرَةٍ مِنْ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ تُقْسَمُ ... ???? ... بَنَى مَا بَنَى حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ ... ???? ... تَمَكَّنَ مِنْ بُنْيَانِهِ فَهُوَ مُحْكَمُ ... ???? ... أَتَى اللهُ بُنْيَانًا لَهُ مِنْ أَسَاسِهِ ... ???? ... فَخَرَّ عَلَيْهِ سَاقِطًا يَتَهَدَّمُ ... ???? ... وَكَمْ قَدْرَ مَا يَعْلُوا الْبِنَاءُ وَيَنْتَهِي ... ???? ... إِذَا كَانَ يَبْنِيهِ وَذُو الْعَرْشِ يَهْدِمُ!! ... ???? ... وَرَاحُوا إِلَى جَمْعٍ فَبَاتُوا بِمَشْعَرِ الْـ ... ???? ... حَرَامِ وَصَلُّوا الْفَجْرَ ثُمَّ تَقَدَّمُوا ... ???? ... إِلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى يُرِيدُونَ رَمْيَهَا ... ???? ... لِوَقْتِ صَلاةِ الْعِيدِ ثُمَّ تَيَمَّمُوا ... ???? ... مَنَازِلَهُمْ لِلنَّحْرِ يَبْغُونَ فَضْلَهُ ... ???? ... وَإِحْيَاءَ نُسْكٍ مِنْ أَبِيهِم يُعَظَّمُ ... ???? ... فَلَوْ كَانَ يُرْضِي اللهَ نَحْرُ نُفُوسِهِمْ
لَدَانُوا بِهِ طَوْعًا وَلِلأَمْرِ سَلَّمُوا ... ???? ... كَمَا بَذَلُوا عِنْدَ الْجِهَادِ نُحُورَهُمْ ... ???? ... لأَعْدَائِهِ حَتَّى جَرَى مِنْهُمْ الدَّمُ ... >? ... ????
... وَلَكِنَّهُمْ دَانُوا بِوَضْعِ رُؤُوسِهِمْ ... ????
стр. 2874
.. وَذَلِكَ ذُلٌّ لِلْعَبِيدِ وَمِيسَمُ ... ???? ... وَلَمَّا تَقَضَّوْا ذَلِكَ التَّفَثَ الَّذِي ... ???? ... عَلَيْهمْ وَأَوْفُوا نَذْرَهُمْ ثُمَّ تَمَّمُوا ... ???? ... دَعَاهُمْ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ زِيَارَةً ... ???? ... فَيَا مَرْحَبًا بِالزَّائِرِينَ وَأَكْرِمُ ... ???? ... فَلِلَّهِ مَا أَبْهَى زِيَارَتَهُمْ لَهُ!! ... ???? ... وَقَدْ حُصِّلَتْ تِلْكَ الْجَوَائِزُ تُقْسَمُ ... ???? ... وَللهِ إِفْضَالُ هُنَاكَ وَنِعْمَةٌ ... ???? ... وَبِرٌّ وَإِحْسَانٌ وَجُودٌ وَمَرْحَمُ ... ???? ... وَعَادُوا إِلَى تِلْكَ الْمَنَازِلِ مِنْ مِنَى ... ???? ... وَنَالُوا مُنَاهُمْ عِنْدَهَا وَتَنَعَّمُوا ... ???? ... أَقَامُوا بِهَا يَوْمًا وَيَوْمًا ثَالِثًا ... ???? ... وَأُذِّنَ فِيهِمْ بِالرَّحِيلِ وَأُعْلِمُوا ... ???? ... وَرَاحُوا إِلَى رَمْيِ الْجِمَارِ عَشِيَّةً ... ???? ... شِعَارُهُمْ التَّكْبِيرُ وَاللهُ مَعْهُمُ ... ???? ... فَلَوْ أَبْصَرْتَ عَيْنَاكَ مَوْقِفَهُمْ بِهَا ... ???? ... وَقَدْ بَسَطُوا تِلْكَ الأَكُفَّ لِيُرْحَمُوا ... ???? ... يُنَادُونَهُ يَا رَبُّ يَا رَبُّ إِنَّنَا ... ???? ... عَبِيدُكَ لا نَدْعُو سِوَاكَ وَتَعْلَمُ ... ???? ... وَهَا نَحْنُ نَرْجُو مِنْكَ مَا أَنْتَ أَهْلُهُ ... ???? ... فَأَنْتَ الَّذِي تُعْطِي الْجَزِيلَ وَتُنْعِمُ ... ???? ... وَلَمَّا تَقَضَّوْا مِنْ مِنَى كُلَّ حَاجَةٍ ... ????
стр. 2875
.. وَسَالَتْ بِهِمْ تِلْكَ الْبِطَاحُ تَقَدَّمُوا ... ???? ... إِلَى الْكَعْبَةِ الْبَيْتَ الْحَرَامَ عَشِيَّةً ... ???? ... وَطَافُوا بِهَا سَبْعًا وَصَلُّوا وَسَلَّمُوا ... ???? ... وَلَمَّا دَنَا التَّوْدِيعُ مِنْهُمْ وَأَيْقَنُوا ... ???? ... بِأَنَّ التَّدَانِي حَبْلُهُ مُتَصَرِّمُ ... ???? ... وَلَمْ يَبْقَ إِلا وَقْفَةٌ لِمُوَدِّعٍ ... ???? ... فَلِلَّهِ أَجْفَانٌ هُنَالِكَ تَسْجُمُ!! ... ???? ... وَللهِ أَكْبَادٌ هُنَالِكَ أُودِعَ الْـ ... ???? ... غَرَامُ بِهَا!! فَالنَّارُ فِيهَا تَضَرَّمُ ... ???? ... وَللهِ أَنْفَاسٌ يَكَادُ بِحَرِّهَا ... ???? ... يَذُوبُ الْمُحِبُّ الْمُسْتَهَامُ الْمُتَيَّمُ ... ???? ... فَلَمْ تَرَ إِلا بَاهِتًا مُتَحَيِّرًا ... ???? ... وَآخِرَ يُبْدِي شَجْوَهُ يَتَرَنَّمُ ... ???? ... رَحَلْتُ وَأَشْوَاقِي إليكُمْ مُقِيمَةٌ ... ???? ... وَنَارُ الأَسَى مِنِّي تُشَبُّ وَتُضْرَمُ ... ???? ... أُوَدِّعُكُمْ وَالشَّوْقُ يَثْنِي أَعِنَّتِي ... ???? ... وَقَلْبِي أَمْسَى فِي حِمَاكُمْ مُخَيِّمُ ... ???? ... هُنَالِكَ لا تَثْرِيبَ يَوْمًا عَلَى امْرِئٍ ... ???? ... إِذَا مَا بَدَا مِنْهُ الَّذِي كَانَ يَكْتُمُ ... ???? ... فَيَا سَائِقِينَ الْعَيْسَ بِاللهِ رَبِّكُمْ ... ???? ... قِفُوا لِي عَلَى تِلْكَ الرُّبُوعِ وَسَلِّمُوا ... ???? ... وَقُولُوا مُحِبٌّ قَادَهُ الشَّوْقُ نَحْوَكُمْ ... ????
стр. 2876
.. قَضَى نَحْبَهُ فِيكُمْ تَعِيشُوا وَتَسْلَمُوا ... ???? ... قَضَى اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ فِيمَا قَضَى بِهِ ... ???? ... بِأَنَّ الْهَوَى يُعْمِي الْقُلُوبَ وَيُبْكِمُ ... ???? ... وَحُبُّكُمْ أَصْلُ الْهُدَى وَمَدَارُهُ ... ???? ... عَلَيْهِ وَفَوْزٌ لِلْمُحِبِّ وَمَغْنَمُ ... ???? ... وَتَفْنَى عِظَامُ الصَّبِّ بَعْدَ مَمَاتِهِ ... ???? ... وَأَشْوَاقُهُ وَقْفٌ عَلَيْهِ مُحَرَّمُ ... ???? ... فَيَا أَيُّهَا الْقَلْبُ الَّذِي مَلَكَ الْهَوَى ... ???? ... أَزِمَّتَهُ حَتَّى مَتَى ذَا التَّلوُّمُ؟! ... ???? ... وَحَتَّامَ لا تَصْحُوا؟! وَقَدْ قَرُبَ الْمَدَى ... ???? ... وَدُنَّتْ كُؤُوسُ السَّيْرِ وَالنَّاسُ نُوَّمُ ... ???? ... بَلَى سَوْفَ تَصْحُو حِينَ يَنْكَشِفُ الْغِطَا ... ???? ... وَيَبْدُو لَكَ الأَمْرُ الَّذِي أَنْتَ تَكْتُمُ ... ???? ... وَيَا مُوقِدًا نَارًا لِغَيْرِكَ ضَوْؤُهَا ... ???? ... وَحَرُّ لَظَاهَا بَيْنَ جَنْبَيْكَ يُضْرَمُ ... ???? ... أَهَذَا جَنَى الْعِلْمِ الَّذِي قَدْ رَضِيتَهُ ... ???? ... لِنَفْسِكَ فِي الدَّارَيْنِ جَاهٌ وَدِرْهَمُ؟! ... ???? ... وَهَذَا هُوَ الرِّبْحُ الَّذِي قَدْ كَسَبْتَهُ؟! ... ???? ... لعَمْرُكَ لا رِبْحٌ وَلا الأَصْلُ يَسْلَمُ!! ... ???? ... بَخِلْتَ بِشَيْءٍ لا يَضُرُّكَ بَذْلُهُ ... ???? ... وَجُدْتَ بِشَيْءٍ مِثْلُهُ لا يَقُومُ ... ???? ... بَخِلْتَ بِذَا الْحَظِّ الْخَسِيسِ دَنَاءَةً ... ????
стр. 2877
.. وَجُدْتَ بِدَارِ الْخُلْدِ لَوْ كُنْتَ تَفْهَمُ ... ???? ... وَبِعْتَ نَعِيمًا لا انْقِضَاءَ لَهُ وَلا ... ???? ... نَظِيرَ بِبَخْسٍ عَن قَلِيلٍ سَيُعْدَمُ ... ???? ... فَهَلا عَكَسْتَ الأَمْرِ إِنْ كُنْتَ حَازِمًا ... ???? ... وَلَكِنْ أَضَعْتَ الْحَزْمَ لَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ ... ???? ... وَتَهْدِمُ مَا تَبْنِي بِكَفِّكَ جَاهِدًا ... ???? ... فأَنْتَ مَدَى الأَيَّامِ تَبْنِي وَتَهْدِمُ ... ???? ... وَعِنْدَ مُرَادِ اللهِ تَفْنَى كَمَيِّتٍ ... ???? ... وعِنْدَ مُرَادِ النَّفْسِ تُسْدِي وَتُلْحِمُ ... ???? ... وَعِنْدَ خِلافِ الأَمْرِ تَحْتَجُّ بِالْقَضَا ... ???? ... ظَهِيرًا عَلَى الرَّحْمَنِ لِلْجَبْرِ تَزْعُمُ ... ???? ... تَنَزَّهُ مِنْكَ النَّفْسُ عَنْ سُوءِ فِعْلِهَا ... ???? ... وَتَعْتِبُ أَقْدَارَ الإِلَهِ وَتَظْلِمُ ... ???? ... تَحُلُّ أُمُورًا أَحْكَمَ الشَّرْعُ عَقْدَهَا ... ???? ... وَتَقْصُدُ مَا قَدْ حَلَّهُ الشَّرْعُ تُبْرِم ... ???? ... وَتَفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الرَّسُولِ خِلافَ مَا ... ???? ... أَرَادَ لأَنْ الْقَلْبَ مِنْكَ مُعَجَّمُ ... ???? ... مُطِيعٌ لِدَاعِي الْغَيِّ عَاصٍ لِرُشْدِهِ ... ???? ... إِلَى رَبِّهِ يَوْمًا يُرَدُّ وَيَعْلَمُ ... ???? ... مُضِيعُ لأَمْرِ اللهِ قَدْ غَشَّ نَفْسَهُ ... ???? ... مُهِينٌ لَهَا أَنَّى يُحِبُّ وَيُكْرَمُ ... ???? ... بَطِيءٌ عَنْ الطَّاعَاتِ أَسْرَعُ لِلْخَنَا ... ????
стр. 2878
.. مِنَ السَّيْلِ فِي مَجْرَاهُ لا يَتَقَسَّمُ ... ???? ... وَتَزْعُمُ مَعَ هَذَا بِأَنَّكَ عَارِفٌ ... ???? ... كَذَبْتَ يَقِينًا بِالَّذِي أَنْتَ تَزْعُمُ ... ???? ... وَمَا أَنْتَ إِلا جَاهِلٌ ثُمَّ ظَالِمٌ ... ???? ... وَأَنَّكَ بَيْنَ الْجَاهِلِينَ مُقَدَّمُ ... ???? ... إِذَا كَانَ هَذَا نُصْحُ عَبْدٍ لِنَفْسِهِ ... ???? ... فَمَنْ ذَا الَّذِي مِنْهُ الْهُدَى يُتَعَلَّمُ؟! ... ???? ... وَفِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ قَدْ قَالَ مَنْ مَضَى ... ???? ... وَأَحْسَنَ فِيمَا قَاله الْمُتَكَلِّمُ ... ???? ... (فَإِنْ كُنْتَ لا تَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ ... ???? ... وَإِنْ كُنْتَ تَدْرِي فَالْمُصِيبَةُ أَعْظَمُ) ... ???? ... وَلَوْ تُبْصِرُ الدُّنْيَا وَرَاءَ سُتُورِهَا ... ???? ... رَأَيْتَ خَيالاً فِي مَنَامٍ سَيُصْرَمُ ... ???? ... كَحُلْمٍ بِطَيْفٍ زَارَ فِي النَّوْمِ وَانْقَضَى الْـ ... ???? ... مَنَامُ وَرَاحَ الطَّيْفُ وَالصَّبُّ مُغْرَمُ ... ???? ... وَظِلٍّ أَرَتْهُ الشَّمْسَ عِنْدَ طُلُوعِهَا ... ???? ... سَيَقْلُصُ فِي وَقْتِ الزَّوَالِ وَيَفْصِمُ ... ???? ... وَمُزْنَةِ صَيْفٍ طَابَ مِنْهَا مَقِيلُهَا ... ???? ... فَوَلَّتْ سَرِيعًا وَالْحُرُورُ تَضَرَّمُ ... ???? ... وَمَطْعَمِ ضَيْفٍ لَذَّ مِنْهُ مَسَاغُهُ ... ???? ... وَبَعْدَ قَلِيلٍ حَاله تِلْكَ تُعْلَمُ ... ???? ... كَذَا هَذِهِ الدُّنْيَا كَأَحْلامِ نَائِمٍ ... ????
стр. 2879
.. وَمِنْ بَعْدِهَا دَارُ الْبَقَاءِ سَتَقْدَمُ ... ???? ... فَجُزْهَا مَمَرًّا لا مَقَرًّا وَكُنْ بِهَا ... ???? ... غَرِيبًا تَعْشِ فِيهَا حَمِيدًا وَتَسْلَمُ ... ???? ... أَوْ ابْنَ سَبِيلٍ قَالَ فِي ظِلِّ دَوْحَةٍ ... ???? ... وَرَاحَ وَخَلَّى ظِلَّهَا يَتَقَسَّمُ ... ???? ... أَخَا سَفَرٍ لا يَسْتَقِرُّ قَرَارُهُ ... ???? ... إِلَى أَنْ يَرَى أَوْطَانَهُ وَيُسْلِّمُ ... ???? ... فَيَا عَجَبًا!! كَمْ مَصْرَعٌ وَعَظَتْ بِهِ ... ???? ... بَنِيهَا!! وَلَكِنْ عَنْ مَصَارِعِهَا عَمُوا ... ???? ... سَقَتْهُمْ كُؤُوسَ الْحُبِّ حَتَّى إِذَا نَشَوْا ... ???? ... سَقَتْهُمْ كُؤُوسَ السُّمِّ وَالْقَوْمُ نُوَّمُ ... ???? ... وَأَعْجَبُ مَا فِي الْعَبْدِ رُؤْيَةُ هَذِهِ الْـ ... ???? ... عَظَائِمِ وَالْمَغْرُورُ فِيهَا مُتَيَّمُ ... ???? ... وَمَا ذَاكَ إِلا أَنَّ خَمْرَةَ حُبِّهَا ... ???? ... لَتَسْلِبُ عَقْلَ الْمَرْءِ مِنْهُ وَتَصْلِمُ ... ???? ... وَأَعْجَبُ مِنْ ذَا أَنَّ أَحْبَابَهَا الأُلَى ... ???? ... تَهِينُ وَلِلأَعْدَا تُرَاعِي وَتُكْرِمُ ... ???? ... وَذَلِكَ بُرْهَانٌ عَلَى أَنَّ قَدْرَهَا ... ???? ... جَنَاحُ بَعُوضٍ أَوْ أَدَقَّ وَأَلأَمُ ... ???? ... وَحَسْبُكَ مَا قَالَ الرَّسُولُ مُمَثِّلاً ... ???? ... لَهَا وَلِدَارِ الْخُلْدِ وَالْحَقُّ يُفْهَمُ ... ???? ... كَمَا يُدْلِيَ الإِنْسَانُ فِي اليمِّ أَصْبُعًا ... ????
стр. 2880
.. وَيَنْزِعُهَا مِنْهُ فَمَا ذَاكَ يَغْنَمُ ... ???? ... أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... ???? ... عَلَى حَذَرٍ مِنْهَا وَأَمْرِي مُبْرَمُ ... ???? ... وَهَلْ أَرِدَن مَاءَ الْحَيَاةِ وَأَرْتَوِي ... ???? ... عَلَى ظَمَأٍ مِنْ حَوْضِهِ وَهُوَ مُفْعَمُ ... ???? ... وَهَلْ تَبْدُونَ أَعْلامُهَا بَعْدَ مَا سَفَتْ ... ???? ... عَلَى رَبْعِهَا تِلْكَ السَّوَافِي فَتُعْلَمُ ... ???? ... وَهَلْ أَفْرِشَنْ خَدِّي ثَرَى عَتَبَاتِهِمْ ... ???? ... خُضُوعًا لَهُمْ كَيْمَا يَرِقُّوا وَيَرْحَمُوا ... ???? ... وَهَلْ أَرْمِينَ نَفْسِي طَرِيحًا بِبَابِهِمْ ... ???? ... وَطَيْرُ مَنَايَا الْحُبِّ فَوْقِي تُحَوِّمُ ... ???? ... فَيَا أَسَفِي تَفْنَى الْحَيَاةُ وَتَنْقَضِي ... ???? ... وَذَا الْعُتْبُ بَاقٍ مَا بَقِيتُمْ وَعِشْتُمُ ... ???? ... فَمَا مِنْكُمُ بُدَّ وَلا عَنْكُمُ غِنَى ... ???? ... وَمَا لِي مِنْ صَبْرٍ فَأَسْلُوَ عَنْكُمُ ... ???? ... وَمَنْ شَاءَ فَلْيَغْضَبْ سِوَاكُمْ فَلا إذًا ... ???? ... إِذَا كُنْتُمُ عَنْ عَبْدِكُمْ قَدْ رَضِيتُمُ ... ???? ... وَعُقْبَى اصْطِبَارِي فِي هَوَاكُمْ حَمِيدَةٌ ... ???? ... وَلَكِنَّهَا عَنْكُمْ عِقَابٌ وَمَأْثَمُ ... ???? ... وَمَا أَنَا بِالشَّاكِي لِمَا تَرْتَضُونَهُ ... ???? ... وَلَكِنَّنِي أَرْضَى بِهِ وَأُسَلَّمُ ... ???? ... وَحَسْبِي انْتِسَابِي مِنْ بَعِيدٍ إليكُمُ ... ????
стр. 2881
.. أَلا إِنَّهُ حَظٌّ عَظِيمٌ مُفَخَّمُ ... ???? ... إِذَا قِيلَ هَذَا عَبْدُهُمْ وَمُحِبُّهُمْ ... ???? ... تَهَلَّلَ بِشْرًا وَجْهُهُ يَتَبَسَّمُ ... ???? ... وَهَا هُوَ قَدْ أَنْدَى الضَّرَاعَةَ سَائِلاً ... ???? ... لَكُمْ بِلِسَانِ الْحَالِ وَالْقَالِ مُعْلِمُ ... ???? ... أَحِبَّتَهُ عَطْفًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ ... ???? ... لَمُظْمىً وَإِنَّ الْمَوْرِدَ الْعَذْبَ أَنْتُمُ ... ???? ... فَيَا سَاهِيًا فِي غَمْرَةِ الْجَهْلِ وَالْهَوَى ... ???? ... صَرِيعَ الأَمَانِي عَنْ قَرِيبٍ سَتَنْدَمُ ... ???? ... أَفِقْ قَدْ دَنَا الوَقْتُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ ... ???? ... سِوَى جَنَّةٍ أَوْ حَرٍّ نَارٍ تَضَرَّمُ ... ???? ... وَبِالسُّنَّةِ الْغَرَّاءِ كُنْ مُتَمَسِّكًا ... ???? ... هِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى الَّتِي لَيْسَ تُفْصَمُ ... ???? ... تَمَسَّكَ بِهَا مَسْكَ الْبَخِيلِ بِمَاله ... ???? ... وَعُضَّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ تَسْلَمُ ... ???? ... وَدَعْ عَنْكَ مَا قَدْ أَحْدَثَ النَّاسُ بَعْدَهَا ... ???? ... فَمُرْتَعُ هَاتِيكَ الْحَوَادِثِ أَوْخَمُ ... ???? ... وَهَيِءْ جَوَابًا عِنْدَمَا تَسْمَعُ النِّدَا ... ???? ... مِنَ اللهِ يَوْمَ الْعَرْضِ مَاذَا أَجَبْتُمُ ... ???? ... بِهِ رُسُلِي لَمَّا أَتَوْكُمْ فَمَنْ يَكُنْ ... ???? ... أَجَابَ سِوَاهُمْ سَوْفَ يُخْزَى وَيَنْدَمُ ... ???? ... وَخُذْ مِنْ تُقَى الرَّحْمَنِ أَعْظَمَ جُنَّةٍ ... ????
стр. 2882
.. لِيَوْمٍ بِهِ تَبْدُو عِيَانًا جَهَنَّمُ ... ???? ... وَيُنْصَبُ ذَاكَ الْجِسْرُ مِنْ فَوْقِ مَتْنِهَا ... ???? ... فَهَاوٍ وَمَخْدُوشٌ وَنَاجٍ مُسَلَّمُ ... ???? ... وَيَأْتِي إِلَهُ الْعَالَمِينَ لِوَعْدِهِ ... ???? ... فَيَفْصُلُ مَا بَيْنَ الْعِبَادِ وَيَحْكُمُ ... ???? ... وَيَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ رَبُّكَ حَقَّهُ ... ???? ... فَيَا بُؤْسَ عَبْدٍ لِلْخَلائِقِ يَظْلِمُ!! ... ???? ... وَيُنْشَرُ دِيوَانُ الْحِسَابِ وَتُوضَعُ الْـ ... ???? ... مَوَازِينُ بِالْقِسْطِ الَّذِي لَيْسَ يَظْلِمُ ... ???? ... فَلا مُجْرِمٌ يَخْشَى ظَلامَةَ ذَرَّةٍ ... ???? ... وَلا مُحْسِنٌ مِنْ أَجْرِهِ ذَاكَ يُهْضَمُ ... ???? ... وَتَشْهَدُ أَعْضَاءُ الْمُسِيءِ بِمَا جَنَى ... ???? ... كَذَاكَ عَلَى فِيهِ الْمُهَيْمِنُ يَخْتِمُ ... ???? ... فَيَا لَيْتَ شِعْرِي!! كَيْفَ حَالُكَ عِنْدَمَا ... ???? ... تَطَايَرُ كُتُبُ الْعَالَمِينَ وَتُقْسَمُ؟! ... ???? ... أَتَأْخُذُ بِاليمْنَى كِتَابِكَ أَمْ تَكُنْ ... ???? ... بِالأُخْرَى وَرَاءَ الظَّهْرِ مِنْكَ تَسَلَّمُ ... ???? ... وَتقْرَأُ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ عَمِلْتَهُ ... ???? ... فَيُشْرِقُ مِنْكَ الْوَجْهُ أَوْ هُوَ يُظْلِمُ ... ???? ... تَقُولُ كِتَابِي فَاقْرَؤُوهُ فَإِنَّهُ ... ???? ... يُبَشِّرُ بِالْفَوْزِ الْعَظِيمِ وَيُعْلِمُ ... ???? ... وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى فَإِنَّكَ قَائِلٌ ... ????
стр. 2883
.. أَلا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَهُ فَهُوَ مُغْرَمُ ... ???? ... فَبَادِرْ إِذَا مَا دَامَ فِي الْعُمْرِ فُسْحَةٌ ... ???? ... وَعَدْلُكَ مَقْبُولُ وَصَرْفُكَ قَيِّمُ ... ???? ... وَجُدَّ وَسَارِعْ وَاغْتَنِمْ زَمَنَ الصِّبَا ... ???? ... فَفِي زَمَنِ الإِمْكَانَ تَسْعَى وَتَغْنَمُ ... ???? ... وَسِرْ مُسْرِعًا فَالسَّيْلُ خَلْفُكَ مُسْرِعٌ ... ???? ... وَهَيْهَاتَ مَا مِنْهُ مَفَرٌّ وَمَهْزَمُ!! ... ???? ... (فَهُنَّ الْمَنَايَا أَيَّ وَادٍ نَزَلْتَهُ ... ???? ... عَلَيْهَا الْقُدُومُ أَوْ عَلَيْكَ سَتَقْدَمُ) ... ???? ... وَمَا ذَاكَ إِلا غَيْرَةٌ أَنْ يَنَالَهَا ... ???? ... سِوَى كُفْؤِهَا وَالرَّبُّ بِالْخَلْقِ أَعْلَمُ ... ???? ... وَإِنْ حُجِبَتْ عَنَّا بِكُلِّ كَرِيهَةٍ ... ???? ... وَحُفَّتْ بِمَا يُؤْذِي النُّفُوسَ وَيُؤْلِمُ ... ???? ... فَلِلَّهِ مَا فِي حَشْوِهَا مِنْ مَسَرَّةٍ ... ???? ... وَأَصْنَافِ لَذَّاتِ بِهَا يُتَنَعَّمُ!! ... ???? ... وَللهِ بَرْدُ الْعَيْشِ بَيْنَ خِيَامِهَا ... ???? ... وَرَوْضَاتِهَا وَالثَّغْرُ فِي الرَّوْضِ يَبْسِمُ ... ???? ... فَلِلَّهِ وَادِيهَا الَّذِي هُوَ مَوْعِدُ الْـ ... ???? ... مَزِيدِ لِوَفْدِ الْحُبِّ لَوْ كُنْتَ مِنْهُمُ ... ???? ... بِذَيَّالِكَ الْوَادِي يَهِيمُ صَبَابَةً ... ???? ... مُحِبٌّ يَرَى أَنَّ الصَّبَابَةَ مَغْنَمُ! ... ???? ... وَللهِ أَفْرَاحُ الْمُحِبِّينَ عِنْدَمَا ... ????
стр. 2884
.. يُخَاطِبُهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيُسَلِّمُ ... ???? ... وَللهِ أَبْصَارٌ تَرَى اللهَ جَهْرَةً ... ???? ... فَلا الضَّيْمُ يَغْشَاهَا وَلا هِيَ تَسْأَمُ ... ???? ... فَيَا نَظْرَةً أَهْدَتْ إِلَى الْوَجْهِ نَضْرَةً ... ???? ... أَمِنْ بَعْدِهَا يَسْلُو الْمُحِبُّ الْمُتَيَّمُ؟ ... ???? ... وَللهِ كَمْ مِنْ خَيْرَةٍ لَوْ تَبَسَّمَتْ ... ???? ... أَضَاءَ لَهَا نُورٌ مِنْ الْفَجْرِ أَعْظَمُ ... ???? ... فَيَا لَذَّةَ الأَبْصَارِ إِنْ هِيَ أَقْبَلَتْ ... ???? ... وَيَا لَذَّةَ الأَسْمَاعِ حِينَ تَكَلَّمُ ... ???? ... وَيَا خَجْلَةَ الْغُصْنِ الرَّطِيبِ إِذَا انْثَنَتْ ... ???? ... وَيَا خَجْلَةَ الْبَحْرَيْنِ حِينَ تَبَسَّمُ؟؟ ... ???? ... فَإِنْ كُنْتَ ذَا قَلْبٍ عَلِيلٍ بِحُبِّهَا ٌ ... ???? ... فَلَمْ يَبْقَ إِلا وَصْلُهَا لَكَ مَرْهَمُ ... ???? ... وَلاسِيَّمَا فِي لَثْمِهَا عِنْدَ ضَمِّهَا ... ???? ... وَقَدْ صَارَ مِنْهَا تَحْتَ جِيدِكَ مِعْصَمُ ... ???? ... يَرَاهَا إِذَا أَبْدَتْ لَهُ حُسْنَ وَجْهِهَا ... ???? ... يَلَذُّ بِهَا قَبْلَ الْوِصَالِ وَيَنْعَمُ ... ???? ... تَفَكَّهُ مِنْهَا الْعَيْنُ عِنْدَ اجْتِلائِهَا ... ???? ... فَوَاكِهَ شَتَّى طَلْعُهَا لَيْسَ يُعْدِمُ ... ???? ... عَنَاقِدُ مِنْ كَرْمٍ وَتُفَّاحُ جَنَّةٍ ... ???? ... وَرُمَّانُ أَغْصَانٍ بِهَا الْقَلْبُ مُغْرَمُ ... ???? ... وَلِلْوَرْدِ مَا قَدْ أَلْبِسْتَهُ خُدُودُهَا ... ????
стр. 2885
.. وَلِلْخَمْرِ مَا قَدْ ضَمَّهُ الرِّيقُ وَالْفَمُ ... ???? ... تَقَسَّمَ مِنْهَا الْحُسْنُ فِي جَمْعِ وَاحِدٍ ... ???? ... فَيَا عَجَبًا مِنْ وَاحِدٍ يَتَقَسَّمُ ... ???? ... تُذَكِّرُ بِالرَّحْمَنِ مَنْ هُوَ نَاظِرٌ ... ???? ... فَيَنْطِقُ بِالتَّسْبِيحِ لا يَتَلَعْثَمُ ... ???? ... لَهَا فِرَقٌ شَتَّى مِنَ الْحُسْنِ أَجْمَعَتْ ... ???? ... بِجُمْلَتِهَا إِنَّ السُّلُوَّ مُحْرَّمُ ... ???? ... إِذَا قَابَلَتْ جَيْشَ الْهُمُومِ بِوَجْهِهَا ... ???? ... تَوَلَّى عَلَى أَعْقَابِهِ الْجَيْشُ يُهْزَمُ ... ???? ... فَيَا خَاطِبَ الْحَسْنَاءِ إِنْ كُنْتَ رَاغِبًا ... ???? ... فَهَذَا زَمَانُ الْمَهْرِ فَهُوَ الْمُقَدَّمُ ... ???? ... وَلَمَّا جَرَى مَاءَ الشَّبَابِ بِغُصْنِهَا ... ???? ... تَيَقَّنَ حَقًّا أَنَّهُ لَيْسَ يَهْرَمُ ... ???? ... وَكُنْ مُبْغِضًا لِلْخَائِنَاتِ لِحُبِّهَا ... ???? ... لِتُحْظَى بِهَا مِنْ دُونِهِنَّ وَتَنْعَمُ ... ???? ... وَكُنْ أَيَّمَا مِمَّا سِوَاهَا فَإِنَّهَا ... ???? ... لِمِثْلِكَ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ تَأَيَّمُ ... ???? ... وَصُمْ يَوْمَكَ الأَدْنَى لَعَلَّكَ فِي غَدٍ ... ???? ... تَفُوزُ بِعِيدِ الْفِطْرِ وَالنَّاسُ صُوَّمُ ... ???? ... وَأَقْدَمْ وَلا تَقْنَعْ بِعَيْشٍ مُنَغَّصٍ ... ???? ... فَمَا فَازَ بِاللَّذَاتِ مَنْ لَيْسَ يُقْدِمُ ... ???? ... وَإِنْ ضَاقَتْ الدُّنْيَا عَلَيْكَ بِأَسْرِهَا ... ????
стр. 2886
.. وَلَمْ يَكُ فِيهَا مَنْزِلٌ لَكَ يُعْلَمُ ... ???? ... فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا ... ???? ... مَنَازِلُكَ الأُولَى وَفِيهَا الْمُخِيَّمُ ... ???? ... وَلَكِنَّنَا سَبْيُ الْعَدُوِّ فَهْلَ تَرَى ... ???? ... نُرَدُّ إِلَى أَوْطَانِنَا وَنُسَلِّمُ ... ???? ... وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ الْغَرِيبَ إِذَا نَأَى ... ???? ... وَشَطَّتْ بِهِ أَوْطَانُهُ فَهُوَ مُغْرَمُ ... ???? ... وَأَيُّ اغْتِرَابٍ فَوْقَ غُرْبَتِنَا الَّتِي ... ???? ... لَهَا أَضْحَتْ الأَعْدَاءُ فِينَا تَحَكَّمُ ... ???? ... وَحَيَّ عَلَى رَوْضَاتِهَا وَخِيَامِهَا ... ???? ... وَحَيَّ عَلَى عَيْشٍ بِهَا لَيْسَ يَسْأَمُ ... ???? ... وَحَيَّ عَلَى السُّوقِ الَّذِي يَلْتَقِي بِهِ الْـ ... ???? ... مُحِبُّونَ ذَاكَ السُّوقُ لِلْقَوْمِ يُعْلَمُ ... ???? ... فَمَا شِئْتَ خُذْ مِنْهُ بِلا ثَمَنٍ لَهُ ... ???? ... فَقَدْ أَسْلَفَ التُّجَّارُ فِيهِ وَأَسْلَمُوا ... ???? ... وَحَيَّ عَلَى يَوْمِ الْمَزِيدِ فَإِنَّهُ ... ???? ... لِمَوْعِدُ أَهْلِ الْحُبِّ حِينَ يُكَرَّمُوا ... ???? ... وَحَيَّ عَلَى وَادٍ هُنَالِكَ أَفْيَحٍ ... ???? ... وَتُرْبَتُهُ مِنْ أَذْفَرِ الْمِسْكِ أَعْظَمُ ... ???? ... مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ هُنَاكَ وَفِضَّةٍ ... ???? ... وَمِنْ خَالِصِ الْعِقْيَانِ لا تَتَفَصَّمُ ... ???? ... وَمِنْ حَوْلِهَا كُثْبَانُ مِسْكٍ مَقَاعِدُ ... ????
стр. 2887
.. لِمَنْ دُونَهُمْ هَذَا الْعَطَاءُ الْمُفَخَّمُ ... ???? ... يَرَوْنَ بِهِ الرَّحْمَنَ ﷻ ... ???? ... كَرُؤْيَةِ بَدْر التِّم لا يُتَوَهَّمُ ... ???? ... كَذَا الشَّمْسُ صَحْوًا لَيْسَ مِنْ دُونِ أُفِقْهَا ... ???? ... سَحَابٌ وَلا غَيْمٌ هُنَاكَ يُغَيِّمُ ... ???? ... فَبَيْنَاهُمْ فِي عَيْشِهِمْ وَسُرُورِهِمْ ... ???? ... وَأَرْزَاقُهُمْ تَجْرِي عَلَيْهِمْ وَتُقْسَمُ ... ???? ... إِذَا هُمْ بِنُورٍ سَاطِعٍ قَدْ بَدَا لَهُمْ ... ???? ... وَقَدْ رَفَعُوا أَبْصَارَهُمْ فَإِذَا هُمُ ... ???? ... بِرَبِّهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ قَائِلٌ لَهُمْ: ... ???? ... سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمُ وَنَعِمْتُمُ ... ???? ... سَلامٌ عَلَيْكُمْ يَسْمَعُونَ جَمِيعُهُمْ ... ???? ... بِآذَانِهِمْ تَسْلِيمَهُ إِذْ يُسَلِّمُ ... ???? ... يَقُولُ سَلُونِي مَا اشْتَهَيْتُمْ فَكُلَّ مَا ... ???? ... تُرِيدُونَ عِنْدِي إِنَّنِي أَنَا أَرْحَمُ ... ???? ... فَقَالُوا جَمِيعًا نَحْنُ نَسْأَلُكَ الرِّضَى ... ???? ... فَأَنْتَ الَّذِي تُولِي الْجَمِيلَ وَتَرْحَمُ ... ???? ... فَيُعْطِيهِمُ هَذَا وَيُشْهِدُ جَمْعَهُمْ ... ???? ... عَلَيْهِ تَعَالَى اللهُ فَاللهُ أَكْرَمُ ... ???? ... فَبِاللهِ مَا عُذْرُ امْرِئٍ هُوَ مُؤْمِنٌ ... ???? ... بِهَذَا وَلا يَسْعَى لَهُ وَيُقَدِّمُ؟! ... ???? ... وَلَكِنَّمَا التَّوْفِيقُ بِاللهِ إِنَّهُ ... ????
стр. 2888
.. يَخُصُّ بِهِ مَنْ شَاءَ فَضْلاً وَيَنْعَمُ ... ???? ... فَيَا بَائِعًا غَالٍ بِبَخْسٍ مُعَجَّلٍ ... ???? ... كَأَنَّكَ لا تَدْرِي بَلَى سَوْفَ تَعْلَمُ ... ???? ... فَقَدِّمْ فَدَتْكَ النَّفْسُ نَفْسَكَ إِنَّهَا ... ???? ... هِيَ الثَّمَنُ الْمَبْذُولُ حِينَ تُسَلَّمُ ... ???? ... وَخُضْ غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَارْقَ مَعَارِجَ الْـ ... ???? ... مَحَبَّةِ فِي مَرْضَاتِهِمْ تَتَسَنَّمُ ... ???? ... وَسَلَّمْ لَهُمْ مَا عَاقَدُوكَ عَلَيْهِ إِنْ ... ???? ... تُرِدْ مِنْهُمْ أَنْ يَبْذِلُوا وَيُسْلَّمُوا ... ???? ... فَمَا ظَفِرَتْ بِالْوَصْلِ نَفْسٌ مُهَيْنَةٌ ... ???? ... وَلا فَازَ عَبْدٌ بِالْبَطَالَةِ يَنْعَمُ ... ???? ... وَإِنْ تَكُ قَدْ عَاقَتْكَ سُعْدَى فَقَلْبُكَ الْـ ... ???? ... مُعَنى رَهِينٌ فِي يَدَيْهَا مُسَلَّمُ ... ???? ... وَقَدْ سَاعَدَتْ بِالْوَصْلِ غَيْرَكَ فَالْهَوَى ... ???? ... لَهَا مِنْكَ وَالْوَاشِي بِهَا يَتَنَعَّمُ ... ???? ... فَدَعْهَا وَسَلِّ النَّفْسَ عَنْهَا بِجَنَّةٍ ... ???? ... مِنَ الْعِلْمِ فِي رَوْضَاتِهَا الْحَقُّ يَبْسِمُ ... ???? ... وَقَدْ ذُلِّلَتْ مِنْهَا الْقُطُوفُ فَمَنْ يُرِدْ ... ???? ... جَنَاهَا يَنَلْهُ كَيْفَ شَاءَ وَيَطْعَمُ ... ???? ... وَقَدْ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَتَزَيَّنَتْ ... ???? ... لِخُطَّابِهَا فَالْحُسْنُ فِيهَا مُقَسَّمُ ... ???? ... وَقَدْ طَابَ مِنْهَا نَزْلُهَا وَنَزِيلُهَا ... ????
стр. 2889
.. فَطُوبَى لِمَنْ حَلُّوا بِهَا وَتَنَعَّمُوا ... ???? ... أَقَامَ عَلَى أَبْوَابِهَا دَاعِي الْهُدَى ... ???? ... هَلِمُّوا إِلَى دَارِ السَّعَادَةِ تَغْنَمُوا ... ???? ... وَقَدْ غَرَسَ الرَّحْمَنُ فِيهَا غِرَاسَةً ... ???? ... مِنَ النَّاسِ وَالرَّحْمَنُ بِالْخَلْقِ أَعْلَمُ ... ???? ... وَمَنْ يَغْرِسِ الرَّحْمَنُ فِيهَا فَإِنَّهُ ... ???? ... سَعِيدٌ وَإِلا فَالشَّقَاءُ مُحَتَّمُ ... >? ... ???? اللَّهُمَّ وفقنا لقول الحق وإتباعه وخلصنا من وساوس قلوبنا الحاملة على التورط في هوة الْبَاطِل وابتداعه واجعل إيماننا إيمانًا خالصًا صادقًا قويًا وكن لنا مؤيدًا ولا تجعل لفاجر عَلَيْنَا يدًا واجعل عيشنا عيشًا رغدًا. ولا تشمت بنا عدوًا ولا حاسدًا وارزقنا في محبتك علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا وعملاً متقبلاً وحفظًا كاملاً وفهمًا ذكيًا وطبعًا صفيًا وأدبًا مرضيًا، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
في الشفاعة العظمى
تأمل ما في حديث الشفاعة العظمى الَّذِي رواه أَبُو هُرَيْرَةِ ﵁، قال: كنا مَعَ النَّبِيّ ﷺ في دعوة، فرفع إليه الذراع - وكانت تعجبه - فنهس منها نهسة وَقَالَ: «أَنَا سيد النَّاس يوم القيامة هل تدرون مم ذاك؟ يجمَعَ الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنوا مِنْهُمْ الشمس، فيبلغ النَّاس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فَيَقُولُ النَّاس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فَيَقُولُ بعض النَّاس لبعض: أبوَكَمْ آدم، فيأتونه فيقولون: يا آدم أَنْتَ أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الْجَنَّة، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ ألا تَرَى ما نَحْنُ فيه وما
стр. 2890
بلغنا؟ فَقَالَ: إن رَبِّي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي، نفسي، نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح أَنْتَ أول رسول إلى أَهْل الأَرْض، وقَدْ سماك الله عبدًا شكورًا، ألا تَرَى إلى ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: إن رَبِّي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قَدْ كَانَ لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون: أَنْتَ نَبِيّ اللهِ وخليله من أَهْل الأَرْض، اشفع لنا إلى ربك، ألا تَرَى ما نَحْنُ فيه؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إن رَبِّي قَدْ غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات، فذكرها، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى مُوَسى، فيأتون مُوَسى فيقولون: يا مُوَسى أَنْتَ رسول الله فضلك الله برسالاته وبكلامه على النَّاس، اشفع لنا إلى ربك، أما تَرَى إلى ما نَحْنُ فيه؟ فَيَقُولُ: إن رَبِّي قَدْ غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قَدْ قتلت نفسًا لم أومر بقتلها، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى، فيقولون: أَنْتَ رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وكلمت النَّاس في المهد، اشفع لنا عِنْد ربك، ألا تَرَى إلى ما نَحْنُ فيه؟ فَيَقُولُ عيسى: إن رَبِّي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبًا، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمدٍ ﷺ فيأتون فيقولون: يا محمدًا أَنْتَ رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقَدْ غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا تَرَى إلى ما نَحْنُ فيه؟ فأنطلق فآتي العرش فأقع ساجدًا لرَبِّي، ثُمَّ يفتح الله علي من محامده، وحسن الثناء عَلَيْهِ شَيْئًا لم يفتحه على أحد قبلي، ثُمَّ يُقَالُ يا مُحَمَّد ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع
تشفع، فأرفع رأسي فأَقُول: أمتي يا رب، يا رب أمتي يا رب، فَيُقَالُ: يا مُحَمَّد أدخل من أمتك لا حساب عَلَيْهمْ من الْبَاب الأيمن من أبواب الْجَنَّة، وهم شركاء النَّاس فيما
стр. 2891
سِوَى ذَلِكَ من الأبواب، - ثُمَّ قال -: والَّذِي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الْجَنَّة كما بين مَكَّة وهجر، أو كما بين مَكَّة وبصرى» . رواه البخاري، ومسلم. وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.
اللَّهُمَّ توفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين الَّذِينَ لا خوف عَلَيْهمْ ولا هم يحزنون، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
شِعْرًا: ... إِلَهُ الْعَالَمِينَ وَكُلِّ أَرْضٍ ... وَرَبُّ الرَّاسِيَاتِ مِنَ الْجِبالِ
بَناهَا وَاِبْتَنَى سَبْعًا شِدَادًا
بِلا عَمَدٍ يُرَيْنَ وَلا رِجَالِ
وَسَوَّهَا وَزَيَّنَهَا بِنُورٍ
مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ وَالْهِلالِ
وَمِنْ شُهُبٍ تَلألأُ فِي دُجَاهَا
مَرَامِيهَا أَشَدُّ مِنَ النِّصَالِي
وَشَقَّ الأَرْضَ فَاِنْبَجَسَتْ عُيُونًا
وَأَنْهَارًا مِنَ الْعَذْبِ الزِّلالِ
وَبارَكَ فِي نَوَاحِيهَا وَزَكَّى
بِهَا مَا كَانَ مِنْ حَرْثٍ وَمَالِ
فَكُلُّ مُعَمَّرٍ لا بُدَّ يَوْمًا
وَذِي دُنْيَا يَصِيرُ إِلَى الزَّوَالِ ... >?
стр. 2892
.. وَيَفْنَى بَعْدَ جِدَّتِهِ وَيَبْلَى
سِوَى الْبَاقِي الْمُقَدَّسِ ذِي الْجَلالِ
وَسِيقَ الْمُجْرِمُونَ وَهُمْ عُرَاةٌ
إِلَى ذَاتِ السَّلاسِلِ وَالنَّكَالِ
فَنَادَوْا وَيْلَنَا وَيْلاً طَوِيلاً
وَعَجُّوا فِي سَلاسِلِهَا الطِّوَالِ
فَلَيْسُوا مَيِّتِينَ فَيَسْتَرِيحُوا
وَكُلُّهُمُ بَحَرِّ النَّارِ صَالِ
وَحَلَّ الْمُتَّقُونَ بِدَارِ صِدْقٍ
وَعَيْشٍ نَاعِمٍ تَحْتَ الضِّلالِ
لَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَمَا تَمَنُّوا
مَنَ الأفْرَاحِ فِيهَا وَالكَمَالِ ... >?
اللَّهُمَّ يا مثَبِّتْ القُلُوب ثَبِّتْ محبتك في قلوبنا وقوها ووفقنا لمحبة أوليائك وبغض أعدائك ويسرنا لليسرى وجنبنا العسرى وَاجْعَلْنَا هداة مهتدين وبِكِتَابِكَ وبرسلك مقتدين، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ وفقنا توفيقًا يقينًا عن معاصيك ووفقنا للعمل بما يرضيك، وارزقنا محبتك ومحبة من يحبك، وبغض من يعاديك، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
فَصْلٌ: وتأمل إذا جيء بجهنم إلى الموقف، تقاد بسبعين ألف زمام مَعَ كُلّ زمام سبعون ألف ملك يجرونها، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ
стр. 2893
لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ ، ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أليس هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين﴾ .
في ذَلِكَ الوَقْت يتذكر الإِنْسَان سعيه، ويستحضر إن كانَتْ أحوال الدُّنْيَا وشواغل المتاع أغفلته وأنسته، أيًّا كَانَ يتذكره، ويستحضره، ولكن حيث لا يفيد التذكر والاستحضار إِلا الحَسْرَة والندامة، وتصور ما وراء ذَلِكَ من الْعَذَاب والبلوى.
وَقَالَ في آية ق: ﴿لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ﴾ قوي لا يحجبه حجاب، وهَذَا هُوَ الموعد الَّذِي غفلت عَنْهُ، وهَذَا هُوَ الموقف الَّذِي لم تحسب له حسابه، وهذه هِيَ النهاية التي كنت لا تتوقعها، ولا تهتم لها وتستهين بها في الدُّنْيَا فالآن فَانْظُرْ ﴿فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ﴾ ، وفي الآيَة الأخرى يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ اليوم فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ .
стр. 2894
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، مَعَ كُلّ زمام سبعون ألف ملك يجرونها» . رواه مسلمٌ. فبينما النَّاس في الكروب والأهوال والشدائد سمعوا لها زفيرًا وجرجرةً.
تفصح عن شدة الغيظ والْغَضَب، فعِنْد ذَلِكَ أيقن المجرمون بالعطب، وجثت الأمم على الركب، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ ، ثَبِّتْ عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: «من كذب علي متعمدًا فليتبوء بين عيني جهنم مقعدًا» قَالُوا: وهل لها من عينين؟ قال: «نعم ألم تسمعوا قول الله تَعَالَى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قيل: المكَانَ الْبَعِيد مسيرة مائة عام، وقيل خمسمائة عام، وَذَلِكَ إذا أتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، يشد بكل زمام سبعون ألف ملك، لو تركت لأتت على كُلّ بر وفاجر» . وأخَرَجَ الترمذي من حديث أَبِي هُرَيْرَةِ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يخَرَجَ عنق من النار يوم القيامة له عينان يبصران وأذنان يسمعا، ولسان ينطق، يَقُولُ: إني وكلت بثلاثة، بمن جعل مَعَ الله إلهًا آخر، وبكل جبار عنيد، وبالمصور» . وعن ابن عباس قال: إن الْعَبْد ليجر إلى النار، فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشعير، ثُمَّ تزفر زفرة لا يبقى أحد إِلا خاف» . هكَذَا رواه ابْن أَبِي حَاتِم مختصرًا.
وعن ابن مسعود قال: إذا بقى في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار، فيها مسامير من نار، ثُمَّ جعلت تلك التوابيت في توابيت من نار، ثُمَّ جعلت تلك التوابيت في توابيت من نور، ثُمَّ قذفوا في نار
стр. 2895
الجحيم، فيرون أنه لا يعذب في النار غيرهم، ثُمَّ تلا ابن مسعود ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً﴾ .
وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: «إن الكافر ليرى جهنم فيظن أنها مواقعته من مسيرة أربعمائة سنة» . ليكون ذَلِكَ من باب تعجيل الهم والحزن لَهُمْ، فإن توقع الْعَذَاب والخوف منه قبل وقوعه عذاب ناجز، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ الآيات، أي يكاد بعضها ينفصل عن بعض من شدة غيظها عَلَيْهمْ، وحنقها بِهُمْ، وبعد قذفهم بها تغلي بِهُمْ، كما يغلي الحب القليل في الماء الكثير، قاله الْعُلَمَاء.
واعْلَمْ أن أول من تسعر بِهُمْ جهنم من ذكروا في ما ورد عن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ قال: الله رسول الله ﷺ : «إن أول ناس يقضى بينهم يوم القيامة رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يُقَالُ جريء، فقَدْ قيل، ثُمَّ أمر به فسحب على وجهه، ثُمَّ ألقى في النار ورجل تعلم العلم وعلمه، وقَرَأَ القرآن، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليُقَالُ عَالِم، وقرأت القرآن ليُقَالُ هُوَ قارئ، فقَدْ قيل، ثُمَّ أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عَلَيْهِ وأعطاه من أصناف الْمَال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إِلا أنفقت فيها لك، قال
стр. 2896
كذبت ولكنك فعلت ليُقَالُ هُوَ جواد، فقَدْ قيل، ثُمَّ أمر به فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار» أخرجه مسلم. والترمذي بمعناه، وَقَالَ معاذ بن جبل وذكر علماء السُّوء: من إذا وعظ عنف، أو وعظ أنف، فذاك في أول درك من النار، ومن الْعُلَمَاء من يأخذ علمه مأخذ السُّلْطَان فذَلِكَ في الدرك الثاني من النار، ومن الْعُلَمَاء من يحرز علمه، فذَلِكَ في الدرك الثالث من النار، ومن الْعُلَمَاء من يتخَيْر الكلام والعلم لوجوه النَّاس، ولا يرى سفلة النَّاس له مَوْضِعًا، فذَلِكَ في الدرك الرابع، ومن الْعُلَمَاء من يتكلم كلام اليهود والنَّصَارَى وأحاديثهم، ليكثر حديثهم، فذَلِكَ في الدرك الخامس من النار، ومن الْعُلَمَاء من ينصب نَفْسهُ للفتيا، يَقُولُ للناس: سلوني، فذَلِكَ الَّذِي يكتب عِنْد الله متَكَلُّفًا، والله لا يحب المتكلفين، فذَلِكَ في الدرك السادس من النار، ومن الْعُلَمَاء من يتخذ علمه مروءة وعقلاً، فذَلِكَ في الدرك السابع من النار، ذكره غير واحد من الْعُلَمَاء.
قال القرطبي: مثله لا يكون رأيًا، وإنما يدرك توقيفًا.
وفي حديث ذكره أسد بن مُوَسى أنه ﷺ قال: «إن في جهنم لواديًا، جهنم لتتعوذ من شر ذَلِكَ الوادي كُلّ يوم سبع مرات، وإن في ذَلِكَ الوادي لجبًا، إن جهنم وَذَلِكَ الوادي ليتعوذان بِاللهِ من شر ذَلِكَ الجب، وإن في ذَلِكَ الجب لحية، إن جهنم والوادي وَذَلِكَ الجب ليتعوذون من شر تلك الحية، أعدها الله للأشقياء من حملة القرآن» .
... لأَمْرٍ مَا تَصَدَّعَتِ الْقُلُوبُ ... وَبَاحَ بِسِرِّهَا دَمْعٌ سَكِيبُ
وَبَاتَتْ فِي الْجَوَانِحِ نَارُ ذِكْرَى ... لَهَا مِنْ خَارِجٍ أَثَرٌ عَجِيبُ
وَمَا خَفَّ اللَّبِيبُ لِغَيْرِ شَيْءٍ ... وَلا أَعْيَا بِمَنْطِقِهِ الأَرِيبُ
ذَرَاهُ لائِمَاهُ فَلا تَلُومَا ... فَرُيَّتَ لأئِمٍ فِيهِ يَحُوبُ
стр. 2897
رَأَى الأَيَّامَ قَدْ مَرَّتْ عَلَيْهِ ... مُرُورَ الرِّيحِ يَدْفَعُهَا الْهَبُوبُ
وَمَا نَفَسٌ يَمُرُّ عَلَيْهِ إِلا ... وَمِنْ جُثْمَانِهِ فِيهِ نَصِيبُ
وَبَيْنَ يَدَيْهِ لَوْ يَدْرِي مَقَامٌ ... بِهِ الْوِلْدَانُ مِنْ رَوْعِ تَشِيبُ
وَهَذَا الْمَوْتُ يُدْنِيهِ إليه ... كَمَا يُدْنِي إِلَى الْهَرَمِ الْمَشِيبُ
مَقَامٌ تُسْتَلَذُّ بِهِ الْمَنَايَا ... وَتُدْعَى فِيهِ لَوْ كَانَتْ تَجِيبُ
وَمَاذَا الْوَصْفُ بَالِغُهُ وَلَكِنْ ... هِيَ الأَمْثَالُ يَفْهَمُهَا اللَّبِيبُ
وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ.
(فَصْلٌ)
فما ظنك أيها المهمل المفرط في عمره بسكَانَ هذه الدار، ضيقة الأرجَاءَ، مظلمة المسالك، مبهمة المهالك، يخلد فيها الأسير، ويوقَدْ فيها السعير، طعام أهلها الزقوم، وشرابهم الحميم، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ * فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ والنزل هُوَ ما يعد للضيف عِنْد قدومه، فدلت هذه الآيات على أن أَهْل النار يتحفون عِنْد دخولها بالأكل من شجرة الزقوم، والشراب من الحميم، وهم إنما يساقون إليها عطاشًا، كما قال تَعَالَى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ ، قال أبو عمران الجوني بلغنا أن أَهْل النار يبعثون عطاشًا يقفون في مشاهد القيامة عطاشًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِّنْ حَمِيمٍ﴾ .
стр. 2898
خَرَجَ الترمذي، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِى دَارِ الدُّنْيَا لأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ» . وقَالَ الترمذى: صَحِيحٌ.
وروي موقوفًا عن ابن عباس، وعن سعيد بن جبير قال: إذا جاع أَهْل النار استغاثوا من الجوع، فأغيثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا منها فانسلخت وجوههم، حتى لو أن مارًا مر عَلَيْهمْ يعرفهم، لعرف جلود وجوههم، فإذا أكلوا منها ألقي عَلَيْهمْ العطش، فاستغاثوا من العطش فأغيثوا بماء كالمهل والمهل الَّذِي قَدْ انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم أنضج حره الوجوه، فيصهر به ما في بطونهم، ويضربون بمقامَعَ من حديد، فيسقط كُلّ عضو على حياله، يدعون بالثبور، ويدل على هَذَا قوله تَعَالَى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ، والمعنى: يترددون بين جهنم والحميم، فمرة إلى هَذَا ومرة إلى هَذَا، قاله قتادة وابن جريج وَغَيْرِهمَا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ وَقَالَ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ .
وروى الإمام أَحَمَد بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تَعَالَى: ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ قال: شوك يأخذ بالحلق لا يدخل ولا
стр. 2899
يخَرَجَ، وعن ابن عباس في قوله تَعَالَى: ﴿مِن ضَرِيعٍ﴾ قال: شجر في جهنم. وَقَالَ مجاهد: الضَرِيعٍ: الشبرق اليابس، وروي عن ابن عباس: الشبرق نبت ذو شوك لاط بالأَرْض، فإذا هاج سمي ضريعًا، وخرج الترمذي من حديث أبي الدرداء عن النَّبِيّ ﷺ : «يلقى على أَهْل النار الجوع فيعدل ما هم فيه من الْعَذَاب فيستغيثون، فيغاثون بطعام من ضريع، لا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون فيغاثون بطعام ذا غصة، فيذكرون أنهم كَانُوا يجيزون الغصص في الدُّنْيَا بالشراب، فيستغيثون، بالشراب، فيدفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد، فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم، فإذا وصلت بطونهم قطعت ما في بطونهم» وذكر بقية الْحَدِيث، وقَدْ روي هَذَا موقوفًا على أبي الدرداء.
وَقَالَ جَلَّ وَعَلا وتقدس: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليوم هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ﴾ روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿مِنْ غِسْلِينٍ﴾ قال: هُوَ صديد أَهْل النار. وَقَالَ شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: الغسلين الدم والماء يسيل من لحومهم، وَهُوَ طعامهم، وعن مقاتل قال: إذا سال القيح والدم بادروا إلى أكله، قبل أن تأكله النار.
وَقَالَ عز من قائل: ﴿وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ﴾ ، وَقَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾ ، وَقَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ ، وَقَالَ
стр. 2900
تَعَالَى: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ ، وَقَالَ عز من قائل: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ ، وَقَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً﴾ الحميم الَّذِي قَدْ انتهى حره، والغساق قيل: إنه ما يسيل من بين جلد الكافر ولحمه، وقيل: الزمهرير البارد الَّذِي يحرق من برده، قاله ابن عباس، وعن عَبْد اللهِ بن عمرو قال: الغساق القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهرق في المغرب لأنتنت أَهْل المشرق، ولو أهريقت في المشرق، لأنتنت أَهْل المغرب، وَقَالَ مجاهد: (غساق) الَّذِي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده، وَقَالَ قتادة: هُوَ ما يغسق أي يسيل من القيح والصديد من جلود أَهْل النار ولحومهم، وفروج الزناة ودموع أَهْل النار وعروقه، وَقَالَ كعب: غساق عين في جهنم يسيل إليها حمة كُلّ ذات حمة من حية وعقرب وغير ذَلِكَ، فيستنقع فيؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة واحدة، فيخَرَجَ وقَدْ سقط جلده ولحمه عن العظام.
ويتعلق جلده ولحمه في عقبيه وكعبيه ويجر لحمه كما يجر الرجل ثوبه. رواه ابْن أَبِي حَاتِم. وأما الصديد فَقَالَ مجاهد في قوله تَعَالَى: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ﴾ ، قال: يعني: القيح والدم، وَقَالَ قتادة: ما يسيل من بين لحمه وجلده، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ .
وخَرَجَ الإمام أَحَمَد، والترمذي من حديث أبي أمامة عن النَّبِيّ ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ﴾ قال: يقرب إلى فيه فيكرعه، فإذا أدْنِيَ منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه،
стр. 2901
فإذا شربه قطع أمعاءه، حتى يخَرَجَ من دبره، وفي صحيح مسلم عن جابر عن النَّبِيّ ﷺ قال: «إن لله عهدًا لمن شرب المسكرات ليسقينه من طينة الخبال» . قالوا: يا رسول الله ما طينة الخبال؟ قال: «عرق أهل النار أو عصارة أهل النار» .
وخرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «من مَاتَ مدمن خمر، سقاه الله من نهر الغوطة، قيل: ما نهر الغوطة، قال: نهر يخَرَجَ من فروج المومسات، يؤذي أَهْل النار نتن فروجهم» .
وعن أبي سعيد عن النَّبِيّ ﷺ في قول الله تَعَالَى: {كَالْمُهْلِ} قال: «كعكر الزيت، فإذا قرب إلى وجهه سقطت فروة وجهه» ، وَقَالَ عطية: سئل ابن عباس عن قوله تَعَالَى: {كَالْمُهْلِ} قال: غليظ كردي الزيت، وَقَالَ الضحاك: أذاب ابن مسعود فضة من بيت الْمَال، ثُمَّ أرسل إلى أَهْل المسجد، فَقَالَ: من أحب أينظر إلى المهل فلينظر إلى هَذَا.
وخرج الطبراني من طَرِيق تمام بن نجيح عن الحسن عن أنس عن النَّبِيّ ﷺ : «لو أن غربًا من حميم جهنم جعل في وسط الأَرْض، لآذى نتن ريحه وشدة حره ما بين المشرق والمغرب» .
أَخَافُ وَرَاءَ الْقَبْرِ إِنْ لَمْ يُعَافِنِي ... أَشَدَّ مِن الْقَبْرِ الْتِهَابًا وَأَضْيَقَا
إِذَا جَاءَنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَائِدٌ ... عَنِيتٌ وَسَوَّاقٌ يَقُودُ الْفَرَزْدَقَا
أَسَاقُ إِلَى نَارِ الْجَحِيمِ مُسَرْبَلاً ... سَرَابِيلَ قُطْرَانٍ لِبَاسًا مُحَرِّقًا
إِذَا شَرِبُوا فِيهَا الصَّدِيدَ رَأَيْتَهُمْ ... يَذُوبُونَ مِنْ حَرِّ الصَّدِيدِ تَمَزُّقَا
شِعْرًا:
أَفْنَى شَبَابَكَ كَرُ الطَّرْفِ وَالنَّفَسِ
فَالْمَوْتُ مُقْتَرِبٌ وَالدَّهْرُ ذُو خَلَسِ ... >?
стр. 2902
.. لا تَأْمَنِ الْمَوْتَ فِي طَرْفٍ وَلا نَفَسٍ
وَإِنْ تَمَنَّعْتَ بِالْحُجُّابِ وَالْحَرَسِ
فَمَا تَزَالُ سِهَامُ الْمَوْتِ صَائِبَةً
فِي جَنْبِ مُدَّرِعٍ مِنْهَا وَمُتَّرِسِ
أَرَاكَ لَسْتَ بِوَقَّافٍ وَلا حَذِرٍ
كَالْحَاطِبِ الْخَالطِ الأَعْوَادِ فِي الْغَلَسِ
تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا
إِنَّ السَّفِينَةَ لا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ
أَنَّى لَكَ الصَّحْوُ مِن سُكْرٍ وَأَنْتَ مَتَى
تَصِّحُ مِنْ سَكْرَةٍ تَغْشَاكَ مِنْ نَكَسِ
مَا بَالُ دِينِكَ تَرْضَى أَنْ تُدَنِّسَهُ
وَثَوْبُكَ الدَّهْرَ مَغْسُولٌ مِن الدَّنَسِ
لا تَأْمَنِ الْحَتْفَ فِيمَا تَسْتَلِذُّ وَإِنْ
لانَتْ مَلامِسُهُ فِي كَفِّ مُلْتَمِسِ
الْحَمْدُ للهِ شُكْرًا لا شَرِيكَ لَهُ
كَمْ مِنْ حَبِيبٍ مِن الأَهْلِينَ مُخْتَلَسِ ... >?
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ محبتك في قلوبنا وقوها وارزقنا القيام بِطَاعَتكَ وجنبنا ما يسخطك وأصلح نباتنا وذرياتنا وأعذنا من شر نُفُوسنَا وسيئات أعمالنا وأعذنا من عَدُوّكَ واجعل هوانَا تبعًا لما جَاءَ به رسولك ﷺ ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ يا حي يا قيوم يا علي يا عَظِيم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أَهْل طَاعَتكَ ويذل فيه أَهْل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن الْمُنْكَر
стр. 2903
اللَّهُمَّ اعمر قلوبنا وألسنتنا بِذِكْرِكَ وشكرك ووفقنا للامتثال لأَمْرِكَ وأمنا من سطوتك ومكرك وَاجْعَلْنَا مِنْ أولياءك المتقين وحزبك المفلحين، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
وأما كسوة أَهْل النار فقَدْ ذكر جَلَّ وَعَلا ثيابهم، فَقَالَ: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ .
وفي كتاب أبي داود، والنسائي، والترمذي عن بريدة أن النَّبِيّ ﷺ رأى على رجل خاتمًا من حديد، فَقَالَ: «ما لي أرى عَلَيْكَ حلية أَهْل النار» ، وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس أن النَّبِيّ ﷺ قال: «إن أول من يكسى حلة من النار إبلَيْسَ، يضعها على حاجبه، ويسحبها من خلفه ذريته خلفه، وَهُوَ يَقُولُ: يا ثبوره. وهم ينادون: يا ثبورهم. حتى يقفوا على النار، فَيَقُولُ: يا ثبوره ويقولون: يا ثبورهم، فَيُقَالُ: ﴿لَا تَدْعُوا اليوم ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ خرجه الإمام أَحَمَد.
وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري، عن النَّبِيّ ﷺ قال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة، وعَلَيْهَا سربال من قطران، ودرع من جرب» . وفي مسند الإمام أَحَمَد
стр. 2904
عن حبيب بن المغفل عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: «ما تحت الكعبين من الإزار في النار» قَالَ الْعُلَمَاءُ: إن المراد ما تحت الكعب من البدن والثوب معًا، وأنه يسحب ثوبه في النار كما كَانَ يسحبه في الدُّنْيَا خيلاء. وخَرَجَ أبو داود وغيره من حديث المستورد عن النَّبِيّ ﷺ قال: «من أكل برجل مسلم أكلة في الدُّنْيَا أطعمه الله مثلها في جهنم، ومن كسي أو اكتسى برجل مسلم ثوبًا كساه الله مثله في جهنم» .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ فطعامهم نار وشرابهم نار. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ﴾ ، ولباسهم نار، ومهادهم نار، قال تَعَالَى: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ فهم بين مقطعات النيران، وسرابيل القطران وضرب المقامَعَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّما أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ? قال: «لو أن مقمعًا من حديد وضع في الارض فاجتمَعَ له الثقلان ما أقلوه من الأَرْض» وعن أبي سعيد الخدري قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «لو ضرب الجبل بمقمَعَ من حديد لتفت ثُمَّ عاد كما كَانَ» .
وَقَالَ ابن عباس في قوله تَعَالَى: ﴿وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ قال يضربون بها، فيقع كُلّ عضو على حياله، فيدعون بالثبور.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ الغساق ما سال من جلود
стр. 2905
أَهْل النار من القيح والصديد، وَقَالَ القرطبي هُوَ عصارة أَهْل النار. وَقَالَ السدي: هُوَ الَّذِي يسيل من دموع أَهْل النار يسقونه من الحميم، وقوله: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أي عذاب آخر، أو مذوق آخر، أو نوع آخر من شكل الْعَذَاب.
ومعنى ﴿أَزْوَاجٌ﴾ : أجناس، وأنواع، وأشباه، ونظائر. وقيل: هُوَ الزمهرير، وقوله: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾ الآيَة أي الأتباع داخلون معكم بشدة، والاقتحام: الالقاء في الشَيْء بشدة، فَإِنَّهُمْ يضربون بمقامَعَ من حديد، حتى يقتحموها بأنفسهم خوفًا من تلك المقامَعَ، فأخبر جَلَّ وَعَلا عن قيل أَهْل النار، بَعْضهمْ لبعض كما قال تَعَالَى في الآيَة الأخرى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ .
فبدل السَّلام يتلاعنون، ويتكاذبون، ويكفر بَعْضهمْ ببعض، فَتَقُول الطائفة الأولى دخولاً للتي بعدها: لا مرحبًا بِهُمْ. أي: لا اتسعت منازلهم في النار، والرحب والسعة. والمعنى: لا كرامة لَهُمْ، وهَذَا إخبار من الله جَلَّ وَعَلا بانقطاع الْمَوَدَّة بينهم وأن مودتهم في الدُّنْيَا تصير عداوة، كما قال في الآيَة الأخرى: ﴿الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ .
فتأمل حال أولئك التعساء الَّذِينَ كَانَ بَعْضهمْ يملي لبعض في الضلال، كيف تناكروا، وتلاعنوا في جهنم، وأصبحوا يتقلبون في أنواع الْعَذَاب، ويعانون في جهنم ما لا تطيقه الجبال وما يفتت ذكره الأكباد، يقتحمون إلى جهنم إقتحامًا.
ويتجلجلون في مضائقها، ويتحطمون في دركاتها، ويضطربون بين غواشيها، ويطوفون بينها وبين حميم آن، ولا تسأل عما يعانونه من ثقل السلال والأغلال، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ
стр. 2906
وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
وَقَالَ: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ فهذه ثلاثة أنواع، أحدها: الأغلال، وهي في الأعناق، كما ذكر الله سُبْحَانَهُ، وَقَالَ معمر عن قتادة في قوله تَعَالَى: ﴿مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ قال: مقرنين في القيود والأغلال.
وروى ابْن أَبِي حَاتِم بإسناده عن مُوَسى بن أبي عَائِشَة أنه قَرَأَ قوله تَعَالَى: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال: تشتد أيديهم بالأغلال في النار، فيستقبلون الْعَذَاب بوجوههم قَدْ شدت أيديهم، فلا يقدرون على أن يتقوا بها كُلّ ما جَاءَ نوع من الْعَذَاب، يستقبلون بوجوههم وبإسناده عن فيض بن إسحاق عن فضيل بن عياض: إذا قال الرب ﵎: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ تبدره سبعون ألف ملك، كلهم يتبدر أيهم يجعل الغل في عنقه، النوع الثاني: الأنكال. وهي القيود. قاله ابن عباس، وعكرمة، ومُحَمَّد ابن كعب، وطاووس، وأبو عمران الجوني وغيرهم.
وَقَالَ أبو عمران الجوني القيود لا تحل وَاللهِ أبدًا. وروى أبو سنان عن الحسن: أما وعزته ما قيدهم مخافة أن يعجزوه، ولكن قيدهم لترسى في النار. اللَّهُمَّ وفقنا توفيقًا يقينًا عن معاصيك، وأرشدنا برشدك إلى السعي فيما يرضيك، وأجرنا يا مولانَا من خزيك وعذابك، وهب لنا ما وهبته لأوليائك وأحبابك، وآتنا في الدُّنْيَا حسنة، وفي الآخِرَة حسنة، وقنا عذاب النار، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 2907
شِعْرًا: ... لَوْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ أَهْلَ الشَّقَا ... فِي النَّارِ قَدْ غُلُّوا وَقَدْ طُوِّقُوا
تَقُولُ أَوْلاهُمْ لأُخْرَاهُمُ ... فِي لُجَحِ الْمُهْلِ وَقَدْ أُغْرِقُوا
وَقَدْ كُنْتُمُ حُذِّرْتُمْ حَرَّهَا ... لَكِنْ مِنْ النِّيرَانِ لَمْ تَفْرَقُوا
وَجِيءَ بِالنِّيرَانِ مَزْمُومَةً ... شَرَارُهَا مِنْ حَوْلِهَا مُحْدِقُ
وَقِيلَ لِلنِّيرَانِ أَنْ أَحْرِقِي ... وَقِيلَ لِلْخُزَّانِ أَنْ أَطْبِقُوا
وَأَوْلِيَاءُ اللهِ فِي جَنَّةٍ ... قَدْ تُوِّجُوا فِيهَا وَقَدْ مُنْطِقُوا
تَدَبَّرُوا كَمْ بَيْنَهُمْ إِخْوَتِي ... ثُمَّ أَجِيلُوا فِكْرَكُمْ وَانْتَقُوا
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ *
الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ قال مُحَمَّد بن كعب القرظي في قوله تَعَالَى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ تأكله النار إلى فؤاده فإذا بلغت فؤاده أنشئ خلقه.
وعن ثابت البناني أنه قَرَأَ هذه الآيَة ثُمَّ قال: تحرقهم إلى الأفئدة وهم أحياء، لَقَدْ بلغ مِنْهُمْ الْعَذَاب ثُمَّ يبكي.
وَقَالَ العوفي عن ابن عباس في قول الله تَعَالَى: ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ أدخلهم في عمد ممدة عَلَيْهمْ بعماد في أعناقهم السلاسل فسدت بها الأبواب.
اللَّهُمَّ اقبل توبتنا واغسل حوبتنا وأجب دعوتنا وثَبِّتْ حجتنا واهد قلوبنا وسدد ألسنتنا واسلل سخيمة قولبنا وَاجْعَلْنَا هداة مهتدين، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ قال ابن عباس: تسلك في دبره حتى تخَرَجَ من منخريه حتى لا يقوم على
стр. 2908
رجليه. وَقَالَ ابن جريج: قال ابن عباس: السلسة تدخل في استه، ثُمَّ تخَرَجَ من فيه، ثُمَّ ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود، حين يشوى. خرجه ابْن أَبِي حَاتِم.
وَقَالَ جويبر في قول الله تَعَالَى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ قال: يجمَعَ بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره.
وَقَالَ السدي - في هذه الآيَة -: يجمَعَ بين ناصية الكافر وقدميه، فتربط ناصيته بقدمه وظهره، ويفتل. وذكر الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال: يؤخذ بناصيته وقدميه ويكسر ظهره كما يكسر الحطب في التنور. وبئس المصير.
وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ عن أبي عن النَّبِيّ ﷺ قال: «تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته» . خرجه الإمام أَحَمَد، والترمذي، والحاكم وقالا: صحيح. وَقَالَ: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال عطاء: يرمى به في النار منكوسًا فأول شَيْء منه تمسه النار وجهه.
وقَدْ أجرى الله العادة أن الإِنْسَان يبقى وجهه بيديه وجسمه فأما هنا فهو لا يملك أن يدفع عن نَفْسهُ النار بيديه ولا برجليه فيدفعها بوجهه، ويتقي به سوء الْعَذَاب، مِمَّا يدل على شدة الهول والاضطراب فمجرد تصوره يزعج ويقلق ويفزع.
وفي زحمة هَذَا الْعَذَاب يتلقى التوبيخ، والتأنيب، وتدفع إليه حصيلة حَيَاتهُ، ويا لها من حصيلة، ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ وفي الآيَة الأخرى قال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ .
اللَّهُمَّ نور قلوبنا بنور الإِيمَان ووفقنا لمحبتك ومحبة من يحبك وألهمنا ذكرك وشكرك وَاجْعَلْنَا مِنْ عبادك الصالحين، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
قَدْ أمْسَتِ الطَّيْرُ وَالأَنْعَامُ آمِنَةً
стр. 2909
.. وَالنُّونُ فِي الْبَحْرِ لَمْ يُخْبَأَ لَهَا فَزَعُ
وَالآدَمِيُّ بِهَذَا الْكَسْبِ مُرْتَهَنٌ
لَهُ رَقِيبٌ عَلَى الأَسْرَارِ يُطَّلِعُ
إِذْ النَّبِيُّونَ وَالأَشْهَادُ قَائِمَةٌ
وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ وَالأَمْلاكُ قَدْ خَشَعُوا
وَطَارَتِ الصُّحْفُ فِي الأَيْدِي مُنَشَّرةً
فِيهَا السَّرَائِرُ وَالأَخْبَارُ تُطَّلَعُ
فَكَيْفَ سَهْوُكَ وَالأَنْبَاءُ وَاقِعَةٌ
عَمَّا قَلِيلٍ وَلا تَدْرِي بِمَا تَقَعُ
أَفِي الْجِنَانِ وَفَوْزِ لا انْقِطَاعَ لَهُ
أَم الْجَحِيمِ فَلا تُبْقِي وَلا تَذَرُ
تَهْوِي بِسَاكِنَهَا طَوْرًا وَتَرْفَعُهُمْ
إِذَا رَجَوْا مَخْرَجًا مِنْ غَمِّهَا قُمِعُوا
طَالَ الْبُكَاءُ فَلَمْ يَنْفَعْ تَضَرُّعُهُمْ
هَيْهَاتَ لا رِقَّةٌ تُغْنِي وَلا جَزَعُ
لِينْفَع الْعِلْمُ قَبْلَ الْمَوْتِ عَالِمَهُ
قَدْ سَالَ قَوْمٌ بِهَا الرُّجْعَى فَمَا رَجَعُوا ... >?
اللَّهُمَّ أتمم عَلَيْنَا نعمتك الوافية وارزقنا الإِخْلاص في أعمالنا والصدق في أقوالنا، وعد عَلَيْنَا بإصلاح قلوبنا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 2910
موعظة
عباد الله إن بين أيديكم يوم لا شك فيه ولا مراء، يقع فيه الفراق، وتنفصم فيه العرى، فتدبروا أمركم قبل أن تحضروا، وانظروا لأنفسكم نظر من قَدْ فهم ودرى، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ ، يا له من يوم يشيب فيه الولدان، وتسير فيه الجبال، وتظهر فيه الخفايا، وتنطق فيه الأعضاء، شاهدة بالأعمال، فانتبه يا من قَدْ وهي شبابه، وامتلأ بالأوزار كتابه، عباد الله أما بلغكم أن النار للكفار والعصاة أعدت، إنها لتحرق كُلّ ما يلقى فيها، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ ، وَقَالَ: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ عباد الله أما بلغكم أن طعام أهلها الزقوم، وشرابها الحميم، قال ﵊: «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الأَرْض لأمرت على أَهْل الدُّنْيَا معيشتهم» فَكَيْفَ بمن هُوَ طعامه، لا طعام له غيره، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ .
أخرَجَ الطبراني، وابْن أَبِي حَاتِم من طَرِيق منصور بن عمار حدثنا بشير بن طلحة عن خالد بن الدريك عن يعلى بن منية رفع الْحَدِيث إلى النَّبِيّ ﷺ قال: «ينشئ الله لأَهْل النار سحابة سوداء مظلمة، فَيُقَالُ: يا أَهْل النار أي شَيْء تطلبون؟ فيذكرون بها سحابة الدُّنْيَا، فيقولون: يا ربنا الشراب، فتمطر أغلالً تزيد في أغلالهم، وسلاسل تزيد في سلاسلهم، وجمرًا يلتهب عَلَيْهمْ» .
следующие страницы →