Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
وَقَالَ: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ فهذه ثلاثة أنواع، أحدها: الأغلال، وهي في الأعناق، كما ذكر الله سُبْحَانَهُ، وَقَالَ معمر عن قتادة في قوله تَعَالَى: ﴿مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ قال: مقرنين في القيود والأغلال.
وروى ابْن أَبِي حَاتِم بإسناده عن مُوَسى بن أبي عَائِشَة أنه قَرَأَ قوله تَعَالَى: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال: تشتد أيديهم بالأغلال في النار، فيستقبلون الْعَذَاب بوجوههم قَدْ شدت أيديهم، فلا يقدرون على أن يتقوا بها كُلّ ما جَاءَ نوع من الْعَذَاب، يستقبلون بوجوههم وبإسناده عن فيض بن إسحاق عن فضيل بن عياض: إذا قال الرب ﵎: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ تبدره سبعون ألف ملك، كلهم يتبدر أيهم يجعل الغل في عنقه، النوع الثاني: الأنكال. وهي القيود. قاله ابن عباس، وعكرمة، ومُحَمَّد ابن كعب، وطاووس، وأبو عمران الجوني وغيرهم.
وَقَالَ أبو عمران الجوني القيود لا تحل وَاللهِ أبدًا. وروى أبو سنان عن الحسن: أما وعزته ما قيدهم مخافة أن يعجزوه، ولكن قيدهم لترسى في النار. اللَّهُمَّ وفقنا توفيقًا يقينًا عن معاصيك، وأرشدنا برشدك إلى السعي فيما يرضيك، وأجرنا يا مولانَا من خزيك وعذابك، وهب لنا ما وهبته لأوليائك وأحبابك، وآتنا في الدُّنْيَا حسنة، وفي الآخِرَة حسنة، وقنا عذاب النار، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 2907
شِعْرًا: ... لَوْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ أَهْلَ الشَّقَا ... فِي النَّارِ قَدْ غُلُّوا وَقَدْ طُوِّقُوا
تَقُولُ أَوْلاهُمْ لأُخْرَاهُمُ ... فِي لُجَحِ الْمُهْلِ وَقَدْ أُغْرِقُوا
وَقَدْ كُنْتُمُ حُذِّرْتُمْ حَرَّهَا ... لَكِنْ مِنْ النِّيرَانِ لَمْ تَفْرَقُوا
وَجِيءَ بِالنِّيرَانِ مَزْمُومَةً ... شَرَارُهَا مِنْ حَوْلِهَا مُحْدِقُ
وَقِيلَ لِلنِّيرَانِ أَنْ أَحْرِقِي ... وَقِيلَ لِلْخُزَّانِ أَنْ أَطْبِقُوا
وَأَوْلِيَاءُ اللهِ فِي جَنَّةٍ ... قَدْ تُوِّجُوا فِيهَا وَقَدْ مُنْطِقُوا
تَدَبَّرُوا كَمْ بَيْنَهُمْ إِخْوَتِي ... ثُمَّ أَجِيلُوا فِكْرَكُمْ وَانْتَقُوا
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ *
الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ قال مُحَمَّد بن كعب القرظي في قوله تَعَالَى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ تأكله النار إلى فؤاده فإذا بلغت فؤاده أنشئ خلقه.
وعن ثابت البناني أنه قَرَأَ هذه الآيَة ثُمَّ قال: تحرقهم إلى الأفئدة وهم أحياء، لَقَدْ بلغ مِنْهُمْ الْعَذَاب ثُمَّ يبكي.
وَقَالَ العوفي عن ابن عباس في قول الله تَعَالَى: ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ أدخلهم في عمد ممدة عَلَيْهمْ بعماد في أعناقهم السلاسل فسدت بها الأبواب.
اللَّهُمَّ اقبل توبتنا واغسل حوبتنا وأجب دعوتنا وثَبِّتْ حجتنا واهد قلوبنا وسدد ألسنتنا واسلل سخيمة قولبنا وَاجْعَلْنَا هداة مهتدين، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ قال ابن عباس: تسلك في دبره حتى تخَرَجَ من منخريه حتى لا يقوم على
стр. 2908
رجليه. وَقَالَ ابن جريج: قال ابن عباس: السلسة تدخل في استه، ثُمَّ تخَرَجَ من فيه، ثُمَّ ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود، حين يشوى. خرجه ابْن أَبِي حَاتِم.
وَقَالَ جويبر في قول الله تَعَالَى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ قال: يجمَعَ بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره.
وَقَالَ السدي - في هذه الآيَة -: يجمَعَ بين ناصية الكافر وقدميه، فتربط ناصيته بقدمه وظهره، ويفتل. وذكر الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال: يؤخذ بناصيته وقدميه ويكسر ظهره كما يكسر الحطب في التنور. وبئس المصير.
وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ عن أبي عن النَّبِيّ ﷺ قال: «تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته» . خرجه الإمام أَحَمَد، والترمذي، والحاكم وقالا: صحيح. وَقَالَ: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال عطاء: يرمى به في النار منكوسًا فأول شَيْء منه تمسه النار وجهه.
وقَدْ أجرى الله العادة أن الإِنْسَان يبقى وجهه بيديه وجسمه فأما هنا فهو لا يملك أن يدفع عن نَفْسهُ النار بيديه ولا برجليه فيدفعها بوجهه، ويتقي به سوء الْعَذَاب، مِمَّا يدل على شدة الهول والاضطراب فمجرد تصوره يزعج ويقلق ويفزع.
وفي زحمة هَذَا الْعَذَاب يتلقى التوبيخ، والتأنيب، وتدفع إليه حصيلة حَيَاتهُ، ويا لها من حصيلة، ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ وفي الآيَة الأخرى قال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ .
اللَّهُمَّ نور قلوبنا بنور الإِيمَان ووفقنا لمحبتك ومحبة من يحبك وألهمنا ذكرك وشكرك وَاجْعَلْنَا مِنْ عبادك الصالحين، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
قَدْ أمْسَتِ الطَّيْرُ وَالأَنْعَامُ آمِنَةً
стр. 2909
.. وَالنُّونُ فِي الْبَحْرِ لَمْ يُخْبَأَ لَهَا فَزَعُ
وَالآدَمِيُّ بِهَذَا الْكَسْبِ مُرْتَهَنٌ
لَهُ رَقِيبٌ عَلَى الأَسْرَارِ يُطَّلِعُ
إِذْ النَّبِيُّونَ وَالأَشْهَادُ قَائِمَةٌ
وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ وَالأَمْلاكُ قَدْ خَشَعُوا
وَطَارَتِ الصُّحْفُ فِي الأَيْدِي مُنَشَّرةً
فِيهَا السَّرَائِرُ وَالأَخْبَارُ تُطَّلَعُ
فَكَيْفَ سَهْوُكَ وَالأَنْبَاءُ وَاقِعَةٌ
عَمَّا قَلِيلٍ وَلا تَدْرِي بِمَا تَقَعُ
أَفِي الْجِنَانِ وَفَوْزِ لا انْقِطَاعَ لَهُ
أَم الْجَحِيمِ فَلا تُبْقِي وَلا تَذَرُ
تَهْوِي بِسَاكِنَهَا طَوْرًا وَتَرْفَعُهُمْ
إِذَا رَجَوْا مَخْرَجًا مِنْ غَمِّهَا قُمِعُوا
طَالَ الْبُكَاءُ فَلَمْ يَنْفَعْ تَضَرُّعُهُمْ
هَيْهَاتَ لا رِقَّةٌ تُغْنِي وَلا جَزَعُ
لِينْفَع الْعِلْمُ قَبْلَ الْمَوْتِ عَالِمَهُ
قَدْ سَالَ قَوْمٌ بِهَا الرُّجْعَى فَمَا رَجَعُوا ... >?
اللَّهُمَّ أتمم عَلَيْنَا نعمتك الوافية وارزقنا الإِخْلاص في أعمالنا والصدق في أقوالنا، وعد عَلَيْنَا بإصلاح قلوبنا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 2910
موعظة
عباد الله إن بين أيديكم يوم لا شك فيه ولا مراء، يقع فيه الفراق، وتنفصم فيه العرى، فتدبروا أمركم قبل أن تحضروا، وانظروا لأنفسكم نظر من قَدْ فهم ودرى، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ ، يا له من يوم يشيب فيه الولدان، وتسير فيه الجبال، وتظهر فيه الخفايا، وتنطق فيه الأعضاء، شاهدة بالأعمال، فانتبه يا من قَدْ وهي شبابه، وامتلأ بالأوزار كتابه، عباد الله أما بلغكم أن النار للكفار والعصاة أعدت، إنها لتحرق كُلّ ما يلقى فيها، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ ، وَقَالَ: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ عباد الله أما بلغكم أن طعام أهلها الزقوم، وشرابها الحميم، قال ﵊: «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الأَرْض لأمرت على أَهْل الدُّنْيَا معيشتهم» فَكَيْفَ بمن هُوَ طعامه، لا طعام له غيره، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ .
أخرَجَ الطبراني، وابْن أَبِي حَاتِم من طَرِيق منصور بن عمار حدثنا بشير بن طلحة عن خالد بن الدريك عن يعلى بن منية رفع الْحَدِيث إلى النَّبِيّ ﷺ قال: «ينشئ الله لأَهْل النار سحابة سوداء مظلمة، فَيُقَالُ: يا أَهْل النار أي شَيْء تطلبون؟ فيذكرون بها سحابة الدُّنْيَا، فيقولون: يا ربنا الشراب، فتمطر أغلالً تزيد في أغلالهم، وسلاسل تزيد في سلاسلهم، وجمرًا يلتهب عَلَيْهمْ» .
стр. 2911
شِعْرًا: ... مَثِّلْ وُقُوفَكَ أَيُّهَا الْمَغْرُورُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَمُورُ
مَاذَا تَقُولُ إِذَا وَقَفْتَ بِمَوْقِفٍ
فَرْدًا وَجَاءَكَ مُنْكَرٌ وَنَكِيرُ
مَاذَا تَقُولُ إِذَا وَقَفْتَ بِمَوْقِفٍ
فَرْدًا ذَلِيلاً وَالْحِسَابُ عَسِيرُ
وَتَعَلَّقَتْ فِيكَ الْخُصُومُ وَأَنْتَ فِي
يَوْمِ الْحِسَابِ مُسَلْسَلٌ مَجْرُورُ
وَتَفَرَّقَتْ عَنْكَ الْجُنُودُ وَأَنْتَ فِي
ضِيقِ الْقُبُورِ مُوَسَّدٌ مَقْبُورُ
وَوَدِدْتَ أَنَّكَ مَا وَلِيتَ وَلايَةً
يَوْمًا وَلا قَالَ الأَنَامُ أَمِيرُ
وَبَقِيتَ بَعْدَ الْعِزِّ رَهْنَ حَفِيرَةٍ
فِي عَالَمِ الْمَوْتَى وَأَنْتَ حَقِيرُ
وَحُشِرْتَ عَرْيَانًا حَزِينًا بَاكِيًا
قَلِقًا وَمَا لَكَ فِي الأَنَامِ مُجِيرُ
أَرَضِيتَ أَنْ تَحْيَا وَقَلْبَكَ دَارِسٌ
عَافِي الْخَرَابَ وَجِسْمُكَ الْمَعْمُورُ
أَرَضِيتَ أَنْ يُحْظَى سِوَاكَ بِقُرْبِهِ
أَبَدًا وَأَنْتَ مُعَذَّبٌ مَهْجُورُ
مَهِّدْ لِنَفْسِكَ حُجَّةً تَنْجُو بِهَا
يَوْمَ الْمِعَادِ وَيَوْمَ تَبْدُو الْعُورُ ... >?
стр. 2912
اللَّهُمَّ اغفر لنا ذنوبنا قبل أن تشهد عَلَيْنَا الجوارح ونبهنا من رقدات الغفلات فأَنْتَ الحليم المسامح، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ وفقنا توفيقًا يقينًا عن معاصيك، ووفقنا للعمل بما يرضيك، وارزقنا محبتك ومحبة من يحبك وبغض من يعاديك، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
تفكر عافنا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع المسلمين، وأدم الفكر في جهنم، واعْلَمْ أن لها سبعة أبواب كما أخبر جَلَّ وَعَلا، قال عز من قائل: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ . وخرج الإمام أَحَمَد، والترمذي من حديث ابن عمر عن النَّبِيّ ﷺ قال: «إن لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سل سيفه على أمتي» .
وفي حديث أبي رزين العقيلي عن النَّبِيّ ﷺ قال لعمر: «إن للنار سبعة أبواب، ما منهن بابان إِلا ويسر الراكب بينهما سبعين عامًا» . خرجه عَبْد اللهِ بن الإمام أَحَمَد، وابن أبي عاصم، والطبراني، والحاكم وغيرهم.
وخَرَجَ ابْن أَبِي حَاتِم من طَرِيق حطان الرقاشي قال: سمعت عليًا يَقُولُ: هل تدرون كيف أبواب جهنم، قلنا: هِيَ مثل أبوابنا هذه، قال: لا، هِيَ هكَذَا بعضها فوق بعض. وفي رواية له: بعضها أسفل بعض.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا
стр. 2913
فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} فتأمل حال هؤلاء الأشقياء الكفار كيف يساقون سوقًا عنيفًا إلى جهنم، بزجر وتوبيخ، وتقريع وتهديد، ووعيد كما قال : {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً} أي يدفعون إليها دفعًا، هَذَا وهم عطاش ظماء جياع نصبون وجلون قَدْ بلغ مِنْهُمْ الخوف والرعب كُلّ مبلغ. قال تَعَالَى: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً} وهم في تلك الحال صم وبكم وعمي مِنْهُمْ من يمشي على وجهه، قال تَعَالَى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} .
وروى مخلد بن الحسن عن هشام بن حسان قال: خرجنا حجَّاجًا فنزلنا منزلاً في بعض الطَرِيق، فقَرَأَ رجل معنا هذه الآيَة: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} فسمعته امرأةٌ ف قَالَتْ: أعد رَحِمَكَ اللهُ. فأعادها ف قَالَتْ: خلفت في البيت سبعة أعبد، أشهدكم أنهم أحرار، لكل باب واحد مِنْهُمْ. خرجه ابن أبي الدُّنْيَا.
شِعْرًا:
... يَا غَافِلاً عَنْ مَنَايَا سَاقَهَا الْقَدَرُ
مَاذَا الَّذِي بَعْدَ شَيْبِ الرَّأْسُ تَنْتَظِرُ
عَايِنْ بِقَلْبِكَ إِنَّ الْعَيْنَ غَافِلَةٌ
عَنِ الْحَقِيقَةِ وَاعْلَمْ أَنَّهَا سَقَرُ ... >?
стр. 2914
.. سَوْدَاءُ تَزْفُرُ مِنْ غَيْظٍ إِذا سُعِرَتْ
لِلظَّالِمِينَ فَمَا تُبْقِي وَلا تَذَرُ
لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ غَيْرَ الْمَوْتِ مَوْعِظةٌ
لَكَانَ فِيهِ عَنِ اللَّذَّاتِ مُزْدَجَرُ ... >?
آخر: ... اسْلُكْ بُنَيَّ مَنَاهِجَ السَّادَاتِ ... وَتَخَلَّقَنَ بِأَشْرَفِ العَادَاتِ
لا تُلهِيَنَّكَ عَن مَعادِكَ لَذَّةٌ ... تَفْنَى وَتُوَرِثُ دَائِمَ الْحَسَراتِ
وَإِذا اتَّسَعتَ بِرِزْقِ رَبِّكَ فَاِجْعَلَنْ ... مِنْهُ الأَجَلَّ لأَوْجُهِ الصَّدَقَاتِ
وَارْعَ الْجِوارِ لأَهْلِهِ مُتَبَرِّعًا ... بِقَضَاءِ مَا طَلَبُوا مِنَ الْحَاجَاتِ
قال الضحاك في قول الله تَعَالَى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ هِيَ سبعة أدراك بعضها فوق بعض فأعلاها: فيه أَهْل التَّوْحِيد يعذبون عَلَى قَدْرِ ذنوبهم ثُمَّ يخرجون، والثاني: فيه النَّصَارَى، والثالث: فيه اليهود، والرابع: الصابئون، والخامس: فيه المجوس، والسادس: فيه مشركوا الْعَرَب، والسابع: فيه المنافقون.
وعن ابن جريج في قوله تَعَالَى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ ، قال: أولها جهنم، ثُمَّ لظى، ثُمَّ الحطمة، ثُمَّ السعير، ثُمَّ سقر، ثُمَّ الجحيم، وفيها أبو جهل، ثُمَّ الهاوية. خرجه ابن أبي الدُّنْيَا وغيره. وقَدْ وصف الله الأبواب بأنها مغلقة عَلَيْهمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهمْ مُّؤْصَدَةٌ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿عَلَيْهمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ ، قال مقاتل: يعني: أبوابها مطبقة عَلَيْهمْ، فلا يفتح لها باب، ولا يخَرَجَ منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.
وهَذَا الإطباق نوعان: أحدهما خاص لمن يدخل في النار أو من يريد الله التضييق عَلَيْهِ، أجارنا الله والمسلمين من ذَلِكَ، قال أبو توبة اليزني: إن في النار أقوامًا مؤصدة عَلَيْهمْ كما يطبق الحق على طبقه. خرجه ابْن أَبِي حَاتِم.
стр. 2915
والثاني الإطباق العام وَهُوَ إطباق النار على أهلها المخلدين فيها. وقَدْ قال سفيان وغيره في قول الله تَعَالَى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ قَالُوا: هُوَ طبق النار على أهلها.
وَقَالَ أبو الزعراء عن ابن مسعود: وإذا قيل لَهُمْ: ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ أطبقت عَلَيْهمْ، فلا يخَرَجَ مِنْهُمْ أحد.
وَقَالَ أبو عمران الجوني: إذا كَانَ يوم القيامة أمر الله بكل جبار عنيد، وكل شيطان مريد، وبكل من يخاف من شره العبيد، فأوثقوا بالحديد، ثُمَّ أمر بِهُمْ إلى جهنم التي لا تبيد، ثُمَّ أوصدها عَلَيْهمْ ملائكة رب العبيد، قال: فلا وَاللهِ لا تستقر أقدامهم على قرارٍ أبدًا، ولا وَاللهِ لا ينظرون فيها إلى أديم سماءٍ أبدًا، ولا وَاللهِ لا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبدًا، ولا وَاللهِ لا يذوقون فيها بارد ولا شراب أبدًا.
وقَدْ أخبر أن الكفار يحاولون الْخُرُوج ويرغمون على البقاء فيها.
قال تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّما أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآيَة. فلا يزالون يريدون الْخُرُوج مِمَّا هم فيه من الشدة وأليم مس الْعَذَاب ولا سبيل لَهُمْ إلى ذَلِكَ، كُلَّما رفعهم اللهب فصاروا في أعلا جهنم ضربتهم الزبانية بمقامَعَ الحديد فيردونهم إلى أسفلها.
وأخبر جَلَّ وَعَلا أنهم يطلبون منه الْخُرُوج منها فَقَالَ مخبرًا عما قَالُوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ . والجواب على ذَلِكَ يَقُولُ
стр. 2916
الرب جَلَّ وَعَلا: ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ .
أمانيهم فيها الهلاك وما لَهُمْ من النار فكاك قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ الآيَة. وَقَالَ: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ .
وَقَالَ: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ ، وَقَالَ: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ ، وَقَالَ: ﴿أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي﴾ ، وَقَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ ، وَقَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ، وَقَالَ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ .
ومن السنة ما خرجه الشيخان عن ابن عمر ﵄ عن النَّبِيّ ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار: ثم يقوم مؤذن بينهم يا أهل النار لا موت ويا أهل الجنة لا موت كل خالد بما هو فيه» .
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الْجَنَّة والنار ويذبح ويُقَالُ: يا أَهْل الْجَنَّة خلود فلا موت، ويا أَهْل النار خلود فلا موت» . رواه البخاري.
وما أخرجه الطبراني وأبو نعيم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لو قيل لأَهْل النار: إنكم ماكثون في النار عدد كُلّ حصاة في الدُّنْيَا لفرحوا، ولو قيل لأَهْل الْجَنَّة: إنكم ماكثون
стр. 2917
في الْجَنَّة عدد كُلّ حصاة لحزنوا ولكن جعل لَهُمْ الأبد» . هَذَا مِمَّا يدل على عدم فناء النار وبقاء أهلها فيها ينقلبون في أنواع الْعَذَاب لا راحة ولا نوم، ولا هدوء ولا قرار لَهُمْ، بل من عذاب إلى آخر، ولكل واحد مِنْهُمْ حد معلوم عَلَى قَدْرِ عصيانه وذنبه، إِلا أن أقلهم لو عرضت عَلَيْهِ الدُّنْيَا بحذافيرها لافتدى بها من شدة ما هُوَ فيه، قال ﷺ : «إن أدنى أَهْل النار عذابًا يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه» من حرارة نعله فَانْظُرْ الآن إلى من خفف عَلَيْهِ، واعتبر بمن شدد عَلَيْهِ الْعَذَاب ممن يسحبون على وجوههم في النار، ويُقَالُ لَهُمْ: ذوقوا مس سقر، وَقَالَ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ . أي: تأكل لحومهم وعروقهم وعصبهم وجلودهم، ثُمَّ تبدل غير ذَلِكَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ قال قتادة: قال ابن عباس ﴿صَعُوداً﴾ صخرة في جهنم يسحب عَلَيْهَا الكافر على وجهه. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
موعظة
عباد الله عليكم بتقوى الله، فإن تقواه عروة مالها انفصام وقدوة يأتم بها الكرام، وسراج يضيء للأفهام، من تعلق بها حمته بإذن الله محذور العاقبة، ومن تحقق بحملها وقته بإذن الله شرور كُلّ نائبة، والحذر من دار فرقة مالها أسلاف، وقرار حرقة مالها انصراف، وأماني رجعة مالها إسعاف، فانهضوا عباد الله في استعمال ما يقربكم من دار القرار، واتركوا كُلّ ما يدنيكم من دار البوار، فإنها المصيبة الجامعة
стр. 2918
والعقوبة الواقعة، يا لها دار انقطع من الرجَاءَ انحلالها، وامتنع من الفناء بقاء نكالها، وشعار أهلها الويل الطويل، ودثارهم البُكَاء والعويل، وسرابيل الخزي الوبيل، ومقيلهم الهاوية وبئس المقيل، يقطع مِنْهُمْ الحميم أمعاء طالما ولعت بأكل الحرام، وتضعضع مِنْهُمْ الجحيم أعضاء طالما أسرعت إلى اكتساب الآثام قَدْ كثر مِنْهُمْ الأنين، وحلت بِهُمْ المثلات، فجلودهم كُلَّما نضجت بدلت جلودًا غيرها، وكرر عَلَيْهمْ الْعَذَاب، ووجوههم مسودة لسوء الحساب، والزبانية تقمعهم فيذوقون أليم العقاب، ينادون إلهًا ضيعوا أوامره وارتكبوا نواهيه ونسوه، وحق عَلَيْهمْ في الآجلة حكمه لما أغضبوه يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ ، ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيجيبهم بعد حين إجابة دعوى ذي قوة متين: ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ فحينئذٍ ينقطع عندها وَاللهِ تأميل المذنبين، ويجتمَعَ التنكيل على المذنبين، ويرتفع في جهنم عويل المجرمين المعذبين ﴿فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ فيا لها من حَسْرَة ويا لها من ندامة لا تشبهها ندامة ويا لها من خسارة لا تعادلها خسارة ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ . اللَّهُمَّ أَنَا نعوذ بك من شر أنفسنا وشر الدُّنْيَا والهوى، ونعوذ بك من الشيطان الرجيم ونسألك أن تَغْفِرِ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
شِعْرًا:
إِنْ كُنْتَ تَطْمَعُ فِي الْحَيَاةِ فَهَاتِ
كَمْ مِنْ أَبٍ لَكَ صَارَ فِي الأَمْوَاتِ
مَا أَقْرَبَ الشَّيْءَ الْجَدِيدَ مِنَ الْبِلَى
يَوْمًا وَأَسْرَعَ كُلَّ مَا هُوَ آتِ
اللَّيْلُ يَعْمَلُ وَالنَّهَارَ وَنَحْنُ عَمَّـ
ـمَا يَعْمَلانِ بِأَغْفَلِ الْغَفِلاتِ
стр. 2919
.. يَا ذَا الَّذي اتَّخَذَ الزَّمَانَ مَطِيَّةً
وَخُطَا الزَّمَانِ كَثِيرَةُ الْعَثَراتِ
مَاذَا تَقُولُ وَلَيْسَ عِنْدَكَ حُجَّةٌ
لَوْ قَدْ أَتَاكَ مُنَغِّصُ اللَّذَاتِ
أَوْ مَا تَقُولُ إِذَا حَلَلْتَ مَحَلَّةً
لَيْسَ الثِّقَاتُ لأَهْلِهَا بِثِقَاتِ
أَوْ مَا تَقُولُ وَلَيْسَ حُكْمُكَ نَافِذًا
فِيمَا تُخَلِّفُهُ مِن التَّرِكَاتِ
مَا مِنْ أَحَبَّ رِضَاكَ عَنْكَ بِخَارِجٍ
مَا مِنْ أَحَبَّ رِضَاكَ عَنْكَ بِخَارِجٍ
زُرْتُ الْقُبُورَ قُبُورَ أَهْلِ الْمُلْكِ فِي الدُّ
نْيَا وَأَهْلِ الرَّتْعِ فِي الشَّهَوَاتِ
كَانُوا مُلُوكَ مَآكِلٍ وَمَشَارِبٍ
وَمَلابِسٍ وَرَوَائِحٍ عَطِرَاتِ ... >?
стр. 2920
.. فَإِذَا بِأَجْسَادٍ عَرِينَ مِن الْكِسَا
وِبِأَوْجُهٍ فِي التُّرْبِ مُنْعَفِرَاتِ
لَمْ تُبْقِ مِنْهَا الأَرْضُ غَيْرَ جَمَاجِمٍ
بِيضٍ تَلُوحُ وَأَعْظُمٍ نَخَرَاتِ
إِنَّ الْمَقَابِرَ مَا عَلِمْتُ لَمَنْظِرٌ
يَهْدِي الشَّجَا وَيُهَيِّجُ الْعَبَرَاتِ
سُبْحَانَ مَنْ قَهَرَ الْعِبَادَ بِقُدْرَةٍ
بَارِي السُّكُونِ وَنَاشِرِ الْحَرَكَاتِ ... >?
اللَّهُمَّ ألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا لامتثال أمرك، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.
اللَّهُمَّ نور قلوبنا واشرح صدورنا واستر عيوبنا وأمن خوفنا واختم بالصالحات أعمالنا وَاجْعَلْنَا مِنْ عبادك الصالحين وحزبك المفلحين الَّذِينَ لا خوف عَلَيْهمْ ولا هم يحزنون. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
فتفكر يا أخي في حال هؤلاء الَّذِينَ قَدْ عريت من اللحم عظامهم فبقيت الأرواح منوطة بالعروق وعلائق العصب وهي تنش في لفح تلك النيران، وهم مَعَ ذَلِكَ يتمنون الموت فلا يموتون، فَكَيْفَ بك أيها العاصي لو نظرت إلى هؤلاء المجرمين وقَدْ اسودت وجوههم، وأعميت أبصارهم، وأبكمت ألسنتهم، وقصمت ظهورهم، وكسرت عظامهم، وجدعت آنافهم، وآذانهم، ومزقت جلودهم، وغلت أيديهم إلى أعناقهم وجمَعَ بين نواصيهم وأقدامهم، ولهيب النار سار في بواطنهم، وحيات جهنم وعقاربها متشبثة بظواهرهم.
стр. 2921
ثُمَّ انظر في أودية جهنم وشعابها، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النَّبِيّ ﷺ قال: «ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره» . رواه أَحَمَد، والترمذي. إِلا أنه قال: «واد بين جبلين يهوي فيه الكافر سبعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره» .
وعن ابن مسعود ﵁: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ قال: واد في جهنم يقذف فيه الَّذِينَ يتبعون الشهوات. رواه الطبراني، والبيهقي.
وعن علي ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تعوذوا بِاللهِ من جب الحزن أو وادي الحزن» قيل: يَا رَسُولَ اللهِ وما جب الحزن أو وادي الحزن؟ قال: «واد في جهنم تتعوذ منه جهنم كُلّ يوم سبعين مرة أعده الله للقراء المرائين» . رواه البيهقي بإسناد حسن.
ثُمَّ انظر يا أخي وتأمل في قعر جهنم وظلماتها وتفاوت دركاتها فعن خالد بن عمير قال: خطب عتبة بن غزوان ري الله عَنْهُ فَقَالَ: إنه ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عامًا ما يدرك لها قعرًا وَاللهِ لتملأنه أفعجبتم. رواه مسلم هكَذَا.
وعن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ قال: كنا عِنْد النَّبِيّ ﷺ فسمعنا وجبة فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «أتدرون ما هَذَا» ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: «هَذَا حجر أرسله الله في جهنم مُنْذُ سبعين خريفًا فالآن حين انتهى إلى قعرها» . رواه مسلم.
وعن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ عن النَّبِيّ ﷺ قال:
стр. 2922
«أوقَدْ على النار ألف سنة حتى ابيضت، ثُمَّ أوقَدْ عَلَيْهَا ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة» رواه مالك، والترمذي.
وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «نار ابن آدم التي يوقدون منها جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم» ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وإن كانَتْ لكافية، قال: «فإنها فضلت بتسعة وستين جزءًا» . أخرجه مال، ومسلم وزَادَ: «كُلّهَا مثل حرها» . وعن أنس ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إن ناركم هذه جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم ولولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما انتفعتم بها وإنها لتدعوا الله أن لا يعيدها فيها» . رواه ابن ماجة.
وروى الأئمة عن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اشتكت النار إلى ربها فقَالَتْ: رَبِّي أكل بعضي بعضًا، فجعل لها نفسين: نفسًا في الشتاء، ونفسًا في الصيف، فشدة ما يجدون من البرد من زمهريرها، وشدة ما يجدون من الحر من سمومها» . أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
اللَّهُمَّ ثبتنا عِنْد نزول غمرات هادم اللذات، وخفف عنا شدة كرب السياق، وغصص السكرات، الله وآنس وحشتنا في القبر الضيق العطن، ولقنا جواب الملك الموكل بالفتن وارحمنا عِنْد مضاجعة التُّرَاب والديدان ومفارقة الأَهْل والإِخْوَان، وأمنا عِنْد طلوع هول المطلع الفظيع وبلوغ صوت المنادي إلى أذن كُلّ سميع، وثَبِّتْ قلوبنا عِنْد تقلب القُلُوب إذا مد الصراط على النيران وتطاير العقول إذا نصب الميزان ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم يا ذا الفضل العميم بمنك وجود يا كريم، وَاغْفِرْ لَنَا
стр. 2923
وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
ثُمَّ تفكر بقلبك، وألق السمَعَ لقوله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ الآيَة وقوله عَزَّ من قائل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ، وقوله تَعَالَى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ ، وقوله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وقوله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أليس هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ الآيتين.
روى الأعمش عن يزيد الرقاشي عن أنس عن النَّبِيّ ﷺ قال: «يلقى البُكَاء على أَهْل النار، فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثُمَّ يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كيهئة الأخدود، ولو أرسلت فيه السفن لجرت» . خرجه ابن ماجة، وروى سلام بن مسكين عن قتادة عن أبي بردة بن أبي مُوَسى عن أبيه قال: إن أَهْل النار ليبكون الدموع في النار، حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت،
стр. 2924
ثُمَّ إنهم ليبكون بالدم بعد الدموع، ولمثل ما هم فيه فليبك. وَقَالَ صالح المري: بلغني أنهم يصرخون في النار حتى تنقطع أصواتهم فلا يبقى مِنْهُمْ إِلا كهيئة الأنين من المدنف.
وروى الوليد بن مسلم عن أبي سلمة الدوسي - واسمه ثابت بن شريح - عن سالم بن عَبْد اللهِ عن النَّبِيّ ﷺ أنه كَانَ يدعو: «اللَّهُمَّ ارزقني عينين هطالتين يشفيان الْقَلْب بذروف الدموع من خشيتك، قبل أن يكون الدمَعَ دمًا، والأضراس جمرًا» . سالم بن عَبْد اللهِ هُوَ المحارَبِّي، وحديثه مرسل. وروى الوليد بن مسلم أيضًا عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله قال: إن داود ﵇ قال: (رب ارزقني عينين هطالتين يبكيان بذروف الدموع ويشفيان من خشيتك، قبل أن يعود الدمَعَ دمًا، والأضراس جمرًا) ، قال وكَانَ داود ﵇ يعاتب في كثرة البُكَاء، فَيَقُولُ: دعوني أبكي قبل يوم البُكَاء، قبل تحرق العظام، واشتعال اللحى،، وقبل أن يؤمر بي ﴿مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ وروى يونس بن ميسرة عن أبي إدريس الخولاني قال: إن داود ﵇ قال: أبكي نفسي قبل يوم البُكَاء، أبكي نفسي قبل أن لا ينفع البُكَاء، ثُمَّ دعا بجمر فوضع يده عَلَيْهِ، حتى إذا حره رفعها، وَقَالَ: أَوَّهْ لعذاب الله، أَوَّهْ أَوَّهْ قبل أن لا ينفع أَوَّهْ.
وروى ثابت البناني عن صفوان بن محرز قال: كَانَ لداود ﵇ يومًا يتأوه فيه، يَقُولُ: أَوَّهْ أَوَّهْ من عذاب الله قبل أن لا ينفع أَوَّهْ، قال: فذكره صفوان ذات يوم في مجلس فَبَكَى حتى
стр. 2925
غلبه البُكَاء فقام. وَقَالَ عَبْد اللهِ بن رباح الأنصاري: سمعت كعبًا يَقُولُ: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} قال: كَانَ إذا ذكر النار قال: أَوَّهْ من النار، أَوَّهْ من النار. والتأوه هُوَ التوجع والتحزن. قال المثقف العبدي:
... إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ ... ???? ... تَأَوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ ... >? ... ???? وفي حديث الأعمش عن شمر بن عطية عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء في ذكر أَهْل النار قال: «فيقولون ادعوا خزنة جهنم، فيقولون: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ قال: فيقولون: ادعوا مالكًا، فيقولون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ قال الأعمش: نبئت أن بين دعاءهم وبين إجابة مالك لَهُمْ ألف عام، قال: فيقولون: ادعوا ربكم فإنه لَيْسَ أحد خيرًا من ربكم فيقولون: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ قال: فيجيبهم: ﴿قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ ، قال: فعِنْد ذَلِكَ يئسوا من كُلّ خَيْر، وعِنْد ذَلِكَ يأخذون في الحَسْرَة والزفير والويل» . خرجه الترمذي مرفوعًا، وموقوفًا على أبي الدرداء.
وروى أبو معشر عن مُحَمَّد بن كعب القرظي قال: لأَهْل النار خمس دعوات، يكلمون في أربع منها، ويسكت عنهم في الخامسة فلا يكلمون، يقولون: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا
стр. 2926
فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} فيرد عَلَيْهمْ: {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا} ثُمَّ يقولون: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} فيرد عَلَيْهمْ: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلّ نَفْسٍ هُدَاهَا} إلى آخر الآيتين، ثُمَّ يقولون: {رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} فيرد عَلَيْهمْ: {أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ} ثُمَّ يقولون: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} فيرد عَلَيْهمْ: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ} ثُمَّ يقولون: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} فيرد عَلَيْهمْ: {قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} إلى قوله: {وَكُنتُم مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} قال: فلا يتكلمون بعد ذَلِكَ. أخرجه آدم بن أبي إياس وابْن أَبِي حَاتِم.
قال ابن القيم ﵀:
... فَيَا سَاهِيًا فِي غَمْرَةِ الْجَهْلِ وَالْهَوَى ... ???? ... صَرِيعَ الأَمَانِي عَنْ قَرِيبٍ سَتَنْدَمُ ... ???? ... أَفِقْ قَدْ دَنَى الْوَقْتُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ
سِوَى جَنَّةٍ أَوْ حَرِّ نَارٍ تَضَرَّمُ ... ???? ... وَبِالسُّنَّةِ الْغَرَّاءِ كُنْ مُتَمَسِّكًا ... ???? ... هِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى الَّتِي لَيْسَ تُفْصَمُ ... ???? ... تَمَسَّكْ بِهَا مَسْكَ الْبَخِيلِ بِمَاله ... ???? ... وَعَضَّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ تَسْلَمِ ... ???? ... وَدَعْ عَنْكَ مَا قَدْ أَحْدَثَ النَّاسُ بَعْدَهَا ... ???? ... فَمَرْتَعُ هَاتِيكَ الْحَوَادِثِ أَوْخَمُ ... >? ... ????
стр. 2927
.. وَهَيِّءْ جَوَابًا عِنْدَمَا تَسْمَعُ النِّدَا ... ???? ... مِنَ اللهِ يَوْمَ الْعَرْضِ مَاذَا أَجَبْتُمُ ... ???? ... بِهِ رُسُلِي لِمَا أَتَوْكُمْ فَمَنْ يَكُنْ ... ???? ... أَجَابَ سِوَاهُمْ سَوْفَ يُخْزَى وَيَنْدَمُ ... ???? ... وَخُذْ مِنْ تُقَى الرَّحْمَنِ أَعْظَمَ جُنَّةٍ ... ???? ... لِيَوْمٍ بِهِ تَبْدُو عِيَانًا جَهَنَّمُ ... ???? ... وَيُنْصَبُ ذَاكَ الْجَسْرُ مِنْ فَوْق مَتْنِهَا ... ???? ... فَهَاوٍٍ وَمَخْدُوشٌ وَنَاجٍ مُسَلَّمُ ... ???? ... وَيَأْتِي إلهُ الْعَالَمِينَ لِوَعْدِهِ ... ???? ... فَيَفْصِلُ مَا بَيْنَ الْعِبَادِ وَيَحْكُمُ ... ???? ... وَيَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ رَبُّكَ حَقَّهُ ... ???? ... فَيَا بُؤْسَ عَبْدٍ لِلْخَلائِقِ يَظْلِمُ ... ???? ... وَيُنْشَرُ دِيوَانُ الْحِسَابِ وَتُوضَعُ الْـ ... ???? ... ـمَوَازِينُ بِالْقِسْطِ الَّذِي لَيْسَ يَظْلِمُ ... ???? ... فَلا مُجْرِمٌ يَخْشَى ظَلامَةَ ذَرَّةٍ ... ???? ... وَلا مُحْسِنٌ مِنْ أَجْرِهِ ذَاكَ يُهْضَمُ ... ???? ... وَتَشْهَدُ أَعْضَاءُ الْمُسِيء بِمَا جَنَى ... ???? ... كَذَاكَ عَلَى فِيهِ الْمُهَيْمِنُ يَخْتُمُ ... ???? ... فَيَالَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ حَالِكُ عِنْدَمَا ... ???? ... تَطَايَرُ كُتُبُ الْعَالَمِينَ وَتُقْسَمُ ... >? ... ????
стр. 2928
.. أَتَأْخُذُ بِالْيُمْنَى كِتَابَكَ أَمْ تَكُنْ ... ???? ... بِالأُخْرَى وَرَاءَ الظَّهْرِ مِنْكَ تَسَلَّمُ ... ???? ... وَتَقْرَأُ فِيهَا كُلَّ شَيْءٍ عَمِلْتَهُ ... ???? ... فَيُشْرِقُ مِنْكَ الْوَجْهُ أَوْ هُوَ يُظْلِمُ ... ???? ... تَقُولُ كِتَابِي فَاقْرَؤُهُ فَإِنَّهُ ... ???? ... يُبَشِّرُ بِالْفَوْزِ الْعَظِيمِ وَيُعْلِمُ ... ???? ... وَإِنْ تَكُنْ الأُخْرَى فَإِنَّكَ قَائِلٌ ... ???? ... أَلا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَهُ فَهُوَ مَغْرَمُ ... ???? ... فَبَادِرْ إِذَا مَا دَامَ فِي الْعُمْرِ فُسْحَةٌ ... ???? ... وَعَدْلُكَ مَقْبُولٌ وَصَرْفُكَ قَيِّمُ ... ???? ... وَجُدَّ وَسَارِعْ وَاغْتَنِمْ زَمَنَ الصِّبَا ... ???? ... فَفِي زَمَنِ الإِمْكَانِ تَسْعَى وَتَغْنَمُ ... ???? ... وَسِرْ مُسْرِعًا فَالْمَوْتُ خَلْفَكَ مُسْرِعًا ... ???? ... وَسِرْ مُسْرِعًا فَالْمَوْتُ خَلْفَكَ مُسْرِعًا ... >? ... ????
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ وقو محبتك في قلوبنا واشرح صدورنا ونورها بنور الإِيمَان وَاجْعَلْنَا هداة مهتدين وألهمنا ذكرك وشكرك وَاجْعَلْنَا ممن يفوز بالنظر إلى وجهك في جنات النَّعِيم يا حليم ويا كريم، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
في الثناء على أَهْل الْجَنَّة وتبشيرهم، وتبكيت أَهْل النار، وتقريعهم على إهمالهم وتفريطهم.
стр. 2929
روى صفوان بن عمرو قال: سمعت أيفع بن عبد الكلاعي يَقُولُ: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة، وأَهْل النار النار، قال الله: يا أَهْل الحنة ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قال: نعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، رحمتي ورضواني وجنتي، امكثوا فيها خالدين مخلدين. ثُمَّ يَقُولُ لأَهْل النار: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فَيَقُولُ: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم سخطي ومعصيتي وناري، امكثوا فيها خالدين مخلدين، فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنََّا ظَالِمُونَ﴾ فَيَقُولُ: ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ فيكون ذَلِكَ آخر عهدهم بكلام ربهم » . خرجه أبو نعيم، وَقَالَ: كَذَا رواه أيفع مرسلاً.
وعن أنس ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ النَّاسِ يَومَ القِيَامةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤُسٌ قَطُّ، وَلاَ رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ» . أخرجه مسلم، وأخرجه ابن ماجة أيضًا عن أنس بن مالك قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يؤتى يوم القيامة بأنعم أَهْل الدُّنْيَا من الكفار، فَيُقَالُ: اغمسوه في النار غمسة فيغمس فيها ثُمَّ يخَرَجَ، فَيُقَالُ: أي فلان هل أصابك نعيم قط؟ فَيَقُولُ: ما أصابني نعيم قط، ويؤتى بأشد الْمُؤْمِنِين ضررًا وبَلاء، فَيُقَالُ: اغمسوه
стр. 2930
في الْجَنَّة غمسة، فيغمس فيها غمسة، فَيُقَالُ له: أي فلان هل أصابك ضر وبَلاء فَيَقُولُ: لا ما أصابني ضر قط ولا بَلاء» .
قال ابن رجب ﵀: وأعظم أَهْل النار حجابهم عن الله وإبعادهم عَنْهُ، وإعراضه عنهم، وسخطه عَلَيْهمْ كما أن رضوان الله على أَهْل الْجَنَّة أفضل من كُلّ نعيم الْجَنَّة وتجليه لَهُمْ ورؤيتهم إياه، أعظم مِنْ جَمِيعِ أنواع نعيم الْجَنَّة، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فذكر تَعَالَى لَهُمْ ثلاثة أنواع من الْعَذَاب: حجابهم عَنْهُ، ثُمَّ صليهم الجحيم، ثُمَّ توبيخهم بتكذيبهم به في الدُّنْيَا، ووصفهم بالران على قُلُوبهمْ، وَهُوَ صدأ الذُّنُوب الَّذِي اسودت به قُلُوبهمْ، فلم يصل إليها بعد ذَلِكَ في الدُّنْيَا شَيْء من معرفة الله، ولا من إجلاله ومهابته، وخشيته ومحبته، فكما حجبت قُلُوبهمْ في الدُّنْيَا عن الله حجبوا في الآخِرَة عن رؤيته، وهَذَا بخلاف حال أَهْل الْجَنَّة، قال تَعَالَى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ﴾ والَّذِينَ أحسنوا هم أَهْل الإحسان والإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه) كما فسره النَّبِيّ ﷺ لما سأله عَنْهُ جبريل ﵇، فجعل جزاء الإحسان الحسنى - وَهُوَ الْجَنَّة - والزيادة - وهي النظر إلى وجه الله كما فسره بذَلِكَ رسول الله ﷺ في حديث صهيب وغيره. انتهى.
اللَّهُمَّ قوي إيماننا بك ونور قلوبنا بنور الإِيمَان وَاجْعَلْنَا هداة مهتدين اللهم يا مقلب القُلُوب ثَبِّتْ قلوبنا على دينك وألهمنا ذكرك وشكرك وأمنا من سطوتك ومكرك، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 2931
وَقَالَ ابن القيم ﵀:
... أَوَ مَا سَمِعْتَ مُنَادِي الإِيمَانِ
يُخْبِرُ عَنْ مُنَادِي جَنَّةِ الْحَيَوَانِ
يَا أَهْلَهَا لَكُمُ لَدَى الرَّحْمَنُ وَعْـ
ـدُ هُوَ مُنْجِزُهُ لَكُمْ بِضَمَانِ
قَالُوا أَمَا بَيَّضْتَ أَوْجُهَنَا كَذَا
أَعْمَالَنَا ثَقَّلْتَ فِي الْمِيزَانِ
وَكَذَاكَ قَدْ أَدْخَلْتَنَا الْجَنَّاتِ حِيـ
ـنَ أَجَرْتَنَا مِنْ مَدْخَلِ النِّيرَانِ
فَيَقُولُ عِنْدِي مَوْعِدٌ قَدْ آنَ أَنْ
أُعْطِيكُمُوهُ بِرَحْمَتِي وَحَنَانِي
فَيَرَوْنَهُ مِنْ بَعْدِ كَشْفِ حِجَابِهِ
جَهْرًا رَوَى ذَا مُسْلِم بِبَيَانِ
وَلَقَدْ أَتَانَا فِي الصَّحِيحَيْنِ اللَّذَيْ
نِ هُمَا أَصَحُّ الْكُتُبِ بَعْدَ قُرْآنِ
بِرِوَايَةِ الثِّقَةِ الصَّدُوقِ جَرِيرٍ الْـ
ـبجَلِيِّ عَمَّنْ جَاءَ بِالْقُرْآنِ
أَنَّ الْعِبَادَ يَرَوْنَهُ سُبْحَانَهُ
رُؤْيَا الْعِيَانَ كَمَا يُرَى الْقَمَرَانِ
فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ كُلَّ وَقْتٍ فَاحْفَظُوا الْـ
ـبَرْدَيْنِ مَا عِشْتُمْ مَدَى الأَزْمَانِ ... >?
стр. 2932
.. وَلَقَدْ رَوَى بِضْعٌ وَعِشْرُونَ امْرُوءٌ
مِنْ صَحْبِ أَحْمَدِ خَيْرَةِ الرَّحْمَنِ
أَخْبَارَ هَذَا الْبَابِ عَمَّنْ قَدْ أَتَى
بِالْوَحْيِ تَفْصِيلاً بِلا كِتْمَانِ
وَأَلَذُّ شَيْءٍ لِلْقُلُوبِ فَهِذِهِ الْـ
أَخْبَارُ مَعَ أَمْثَالِهَا هِيَ بَهْجَةُ الإِيمَانِ
وَاللهِ لَوْلا رُؤْيَةُ الرَّحْمَنِ فِي الْـ
جَنَّاتٍ مَا طَابَت لِذِي الْعِرْفَانِ
أَعْلَى النَّعِيمِ نَعِيمُ رُؤْيَةِ وَجْهِهِ
وَخِطَابُه فِي جَنَّةِ الْحَيَوَانِ
وَأَشَدُّ شَيْءٍ فِي الْعَذَابِ حِجَابُهُ
سُبْحَانَهُ عَنْ سَاكِنِي النِّيرَانِ
وَإِذَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ نَسُوا الَّذِي
هُمْ فِيهِ مِمَّا نَالَتِ الْعَيْنَانِ
فَإِذَا تَوَارَى عَنْهُمْ عَادُوا إِلَى
لَذَّاتِهِمْ مِنْ سَائِرِ الأَلْوَانِ
فَلَهُمْ نَعِيمٌ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ سِوَى
هَذَا النَّعِيمِ فَحَبَذَا الأَمْرَانِ
أَوَ مَا سَمِعْتَ سُؤَالَ أَعْرفِ خَلْقِهِ
بِجَلالِهِ الْمَبْعُوثِ بِالْقُرْآنِ ... >?
стр. 2933
.. شَوْقًا إليه وَلَذَّةِ النَّظَرِ الَّذِي
بِجَلالِ وَجْهِ الرَّبِّ ذِي السُّلْطَانِ
فَالشَّوْقُ لَذَّةٌ رُوُحه فِي هَذِهِ الدُّ
نْيَا وَيَوْمَ قِيَامَةِ الأَبْدَانِ
تَلْتَذُّ بِالنَّظَرِ الَّذِي فَازَتْ بِهِ
دُونَ الْجَوَارِحِ هَذِهِ الْعَيْنَانِ
وَاللهِ مَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا أَلَـ
ـذُّ مِنْ اشْتِيَاقِ الْعَبْدِ لِلرَّحْمَنِ
وَكَذَاكَ رُؤْيَةُ وَجْهِهِ سُبْحَانَهُ
هِيَ أَكْمَلُ اللَّذَاتِ لِلإِنْسَانِ ... >?
اللَّهُمَّ انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، ووفقنا للعمل بما فهمتنا، اللَّهُمَّ إن كنا مقصرين في حفظ حقك والوفاء بعهدك فأَنْتَ تعلم صدقنا في رجَاءَ رفاك، وخالص ودك، اللَّهُمَّ أَنْتَ أعلم بنا منا فبكمال جودك تجاوز عنا، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجعلنا لكتابك من التالين ولك به من العاملين وبما صرفت فيه من الآيات منتفعين، وإلى لذيذ خطابه مستمعين، ولأوامره ونواهيه خاضعين وبالأعمال مخلصين، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
عباد الله وقَدْ سبق ذكر النار وأهوالها، وغمومها وأنكالها وطباقتها، وشراب أهلها وطعامهم، وما إلى ذَلِكَ مِمَّا أعده الله جَلَّ وَعَلا لأهلها من أنواع الْعَذَاب الأليمِ الأبدي السرمدي أعاذنا الله وإياكم وَجَمِيع
стр. 2934
المسلمين منها، ويقابلها دار أخرى دار قرار ونعيم، وسرور وحبور، وأمن وصحة، وحياة أبدية فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مِمَّا لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، دار جعلها الكريم الرحيم الغافر الجواد الماجد، دار ضيافة يكرم فيها عباده الأخيار الَّذِينَ وفقهم الله لخدمته والْعَمَل بطاعته، ولا تظنن هذه الضيافة فيها محدودة، ولا أن الكرامة فيها تنتهي، بل الكرامة كُلّ ما تحبه وتتمناه أمامك، إن كنت ممن سبقت له من الله الحسنى.
فاستثر الخوف من قلبك، بطول فكرك في أصحاب جهنم، وفي أحوالهم وتقلباتهم، وحسرتهم، وندامتهم على تفريطهم، واذكر طعامهم وشرابهم، وألوان عذابهم وخلودهم، واستثر الرجَاءَ، بطول فكرك فيما أعده الله لأولياءه وأصفيائه في دار كرامته من النَّعِيم الْمُقِيم والعيش السَّلِيم الموعود لأَهْل الْجَنَّة، جعلنا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع المسلمين ممن يحلها، وسق نفسك بسوط الخوف، وقدها بزمام الرجَاءَ إلى الصراط المستقيم لتنال الملك العَظِيم، وتسلم من الْعَذَاب الأليمِ، وتفكر في قدوم أَهْل الْجَنَّة، وما يلاقون من الحفاوة والتكريم، وما يُقَالُ لَهُمْ عَنْدَ قدومهم.
قال تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بعد أن ذكر جَلَّ وَعَلا أحوال الأشقياء، وما يلاقونه يوم القيامة من الأهوال والكروب والشدائد، أردف ذَلِكَ بذكر أحوال السعداء، وما
стр. 2935
يلاقونه إذ ذاك من النَّعِيم، وما يُقَالُ لَهُمْ والمراد بالسوق هنا الإسراع بِهُمْ إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يكرم من الوافدين على بعض الملوك، بخلاف السوق المتقدم في حق الكفار، فإنه طردهم إلى الْعَذَاب والذل والهوان، كما يفل بالمجرم الأسير إذا سيق إلى السجن أو القتل فشتان ما بين السوقين ﴿حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ المعنى أنهم إذا وصلوا إليها وقَدْ فتحت أبوابها لَهُمْ كما تفتح الخدم باب المنزل للضيف عَنْدَ قدومه، وتقف له منتظرة حضوره فرحًا واستبشارًا لقدومه، فرحوا بما أفاء الله عَلَيْهمْ من النَّعِيم، وبما شاهدت أعينهم مِمَّا لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثُمَّ أخبر جَلَّ وَعَلا أن خزنة الْجَنَّة يسلمون على الْمُؤْمِنِين، فَقَالَ عز من قائل: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ فبدؤهم بالسلام، التضمن للسلامة من كل شر ومكروه أي سلمتم فلا يلقكم بعد اليوم ما تكرهون ثم قالوا لهم: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ .
أي سلامتكم ودخولكم بطيبكم، فإن الله حرمها إِلا على الطيبين، فبشروهم بالسلامة والطيب، والدخول والخلود، ثُمَّ أخبر عما يقوله المؤمنون إذا عاينوا ذَلِكَ النَّعِيم الْمُقِيم والعطاء الجزيل بعد دخولهم واستقرارهم، حامدين لله على ما أولاهم ومن به عَلَيْهمْ وهداهم له، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء﴾ ونحو هذه الآيَة ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ .
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ إيماننا بك ومحبتك في قلوبنا ثبوت الجبال الراسيات واعصمنا يا مولانَا مِنْ جَمِيعِ الموبقات ووفقنا للعمل بالباقيات الصالحات
стр. 2936
وارفع منازلنا في فسيح الجنات وارزقنا النظر إلى وجهك الكريم يا حكيم يا عليم يا حي يا قيوم وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
قال ابن القيم:
... أَبْوَابُهَا حَقُّ ثَمَانِيَةٌ أَتَتْ
فِي النَّصِّ وَهِيَ لِصَاحِبِ الإِحْسَانِ
بَابُ الْجِهَادِ وَذَاكَ أَعْلاهَا وَبَا
بُ الصَّوْمِ يُدْعَى الْبَابُ بِالرَّيَّانِ
وَلِكُلِّ سَعْيٍ صَالِحٍ بَابُ وَرَ
بُ السَّعْيِ مِنْهُ دَاخِلٌ بِأَمَانِ
وَلَسَوْفَ يُدْعَى الْمَرْءُ مِنْ أَبْوَابِهَا
جَمْعًا إِذَا وَافَى حُلَى الإِيمَانِ
مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ هُوَ الصِّدِّيقُ ذَا
كَ خَلِيفَةُ الْمُبْعُوثِ بِالْقُرْآنِ ... >?
وتفكر في وجوه أَهْل الْجَنَّة التي أخبر الله عَنْهَا بقوله: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أي بهاءه ونضارته ورونقه فإن توالي اللذات والمسرات والأفراح يكسب الوجه نورًا وحسنًا، وبهجة وإشراقًا، تبرق منه أسارير الوجه.
ثُمَّ أخبر جَلَّ وَعَلا عما يسقاه الأَبْرَار من الشراب الطيب اللذيذ، فَقَالَ: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ الرحيق من أسماء الخمر. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد. وَقَالَ الإمام أَحَمَد: حدثنا حسن حدثنا زهير عن سعيد عن أبي المحاصر الطائي عن عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد الخدري أراه قَدْ رفعه إلى النَّبِيّ ﷺ قال: «أيما مُؤْمِن
стр. 2937
سقى مؤمنًا شربة ماء على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مُؤْمِن أطعم مؤمنًا على جوع أطعمه الله من ثمار الْجَنَّة، وأيما مُؤْمِن كسا مؤمنًا ثوبًا على عُرْيٍ كساه الله من خضر الْجَنَّة» ، وقوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي خلطه مسك.
وعن أبي الدرداء: هُوَ شراب أبيض مثل الفضة، يختمون به شرابهم، ولو أن رجلاً من أَهْل الدُّنْيَا أدخل أصبعه فيه ثُمَّ أخرجها، لم يبق ذو روح إِلا وَجَدَ طيبها، وقوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ المعنى - وَاللهُ أَعْلَمُ - وفي مثل هَذَا الحال فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله، وليتفاخر المتفاخرون، وليتباهى المتباهْوَن، ويكاثر ويستبق إلى مثله المستبقون، كقوله تَعَالَى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ ، وقوله: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ المعنى أن هَذَا الشراب الموصوف المختوم بالمسك: يفض ختمه، ثُمَّ يمزج بشَيْء من هذه العين المسماة ﴿تَسْنِيمٍ﴾ التي ﴿يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ وَهُوَ أشرف شراب أَهْل الْجَنَّة وأعلاه، قاله أبو صالح، والضحاك. ولهَذَا قال: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي يشربها المقربون، وقيل: يشرب منها المقربون، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَأَنْتَ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً * عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً * وَيَطُوفُ عَلَيْهمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً﴾ بعد ما أخبر جَلَّ وَعَلا أنه وقاهم شر ذَلِكَ اليوم، فلا يحزنهم الفزع الأكبر، وأنه لقاهم نضرة في وجوههم، وَسُرُورًا في قُلُوبهمْ، فجمَعَ لَهُمْ بين النَّعِيم الظاهر، والنَّعِيم الباطن، وأنه ﴿جَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ ، وأنهم في جلسة مريحة مطمئنة، والجو حولهم رخاء ناعم، دافئ في غير حر نَدِيِ، في غير برد، فلا شمس تلهب،
стр. 2938
ولا برد يقرس، وقريبة أغصانها وثمارها من مريدها يناله قاعدًا أو قائمًا، أخبر عما يدور به الولدان والخدم، من الطعام والشراب الَّذِي عَلَى قَدْرِ ريهم، لا يزيد عَنْهُ ولا ينقص، قال ابن القيم ﵀ واصفًا لطعامهم وشرابهم:
... وَطَعَامُهُمْ مَا تَشْتَهِيهِ نُفُوسُهُمْ
وَلُحُومُ طَيْرٍ نَاعِمٍ وَسِمَانِ
وَفَوَاكِهٌ شَتَّى بِحَسْبِ مُنَاهُمُ
يَا شِبْعَة كَمُلَتْ لِذِي الإِيمَانِ
لَحْمٌ وَخَمْرٌ وَالنِّسَا وَفَوَاكِهٌ
وَالطِّيبُ مَعْ رُوحٍ وَمَعْ رَيْحَانِ
وَصِحَافُهُمْ ذَهَبٌ تَطُوفُ عَلَيْهِمْ
بِأَكَفِّ خُدَّامٍ مِن الْوِلْدَانِ
وَانْظُرْ إِلَى جَعْلِ اللَّذَاذَةِ لِلْعُيُو
نِ وَشَهْوَةٍ لِلنَّفْسِ فِي الْقُرْآنِ
لِلْعَيْنِ مِنْهَا لَذَّةٌ تَدْعُو إِلَى
شَهَوَاتِهَا بِالنَّفْسِ وَالأَمْرَانِ
سَبَبُ التَّنَاوُلِ وَهُوَ يُوجِبُ لَذَّةً
أُخْرَى سِوَى مَا نَالَتِ الْعَيْنَانِ ... >?
اللَّهُمَّ ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب الْعَمَل الَّذِي يقربنا إلى حبك، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ إيماننا ثبوت الجبال الراسيات ووفقنا للعمل بالباقيات الصالحات واعصمنا يا مولانَا عن المحرمَاتَ والمشتبهات واغفر لنا جَمِيع الخطايا والزلات وافتح لدعائنا باب القبول والإجابات يا أجود الأجودين.
اللَّهُمَّ امنن عَلَيْنَا بإصلاح عيوبنا واجعل التقوى زادانَا وفي دينك
стр. 2939
اجتهادنا وعَلَيْكَ توكلنا واعتمادنا، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ هَذَا الكلام استئناف مسوق لشرح محاسن الْجَنَّة الموعود بها الْمُؤْمِنِين وبيان كيفية أنهارها التي أشير إليها وأنها تجري من تحتهم، فَقَالَ - مفسرًا لذَلِكَ - ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ﴾ أي غير متغيرة الطعم والريح واللون، بل هُوَ أعذب المياه وأصفاها، وأطيبها وألذها شربًا والثاني: ﴿وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ لا بحموضة ولا غيرها.
الثالث: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ لم تدنسها الأرجل، ولم تكدرها الأيدي، ولَيْسَ فيها كراهة طعم ولا ريح ولا غائلة سكر، بل يلتذ شاربها لذة عظيمة، لا كخمر الدُّنْيَا التي يكره مذاقها، وتصدع الرأس، وتزيل العقل.
والرابع: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ أي قَدْ صفي عن القذى والوسخ، وما يكون في عسل الدُّنْيَا قبل تصفيته من الشمَعَ، وفضالات النحل وغيرها، وبدئ بالماء لأنه لا يستغنى عَنْهُ في الدُّنْيَا، ثُمَّ باللبن لأنه يجري مجرى الطعام لكثير من الْعَرَب في غالب أوقاتهم، ثُمَّ بالخمر، لأنه إذا حصل
стр. 2940
الري والشبع تشوَقْت النفس لما يستلذ به، ثُمَّ بالعسل لأن فيه الشفاء في الدُّنْيَا مِمَّا يمرض من المطعوم والمشروب.
الخامس: {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثَّمَرَاتِ} أي ولهم في الْجَنَّة أنواع من الثمار المختلفة الطعوم والروائح والأشكال، من نخيل وأعناب، وتفاح ورمان وتين وغير ذَلِكَ، مِمَّا لا نظير له في الدُّنْيَا: وَقَالَ ابن القيم ﵀ في شراب أَهْل الْجَنَّة:
... يُسْقَوْنَ مِنْ خَمْرٍ لَذِيذِ شُرْبُهَا
بِالْمِسْكِ أَوَّلَهُ كَمِثْلِ الثَّانِي
مَن خَمْرَةٍ لَذَّتْ لِشَارِبِهَا بِلا
غَوْلٍ وَلا دَاءٍ وَلا نُقْصَانِ
وَالْخَمْرُ فِي الدُّنْيَا فَهَذَا وَصْفُهَا
تَغْتَالُ عَقْلَ الشَّارِبِ السَّكْرَانِ
وَبِهَا مِن الأَدَّوَاءِ مَا هِيَ أَهْلُهُ
وَيُخَافُ مِنْ عَدَمِ لِذِي الْوِجْدَانِ
فَنَفَى لَنَا الرَّحْمَنُ أَجْمَعَهَا عَنْ الْـ
ـخَمْر الَّتِي فِي جَنَّةِ الْحَيَوَانِ
وَشَرَابُهُمْ مِنْ سَلْسَبِيلِ مَزْجُهُ الْـ
ـكَافُورُ ذَاكَ شَرَابُ ذِي الإِحْسَانِ
هَذَا شَرَابُ أُولِي اليمِين وَلَكِنْ الْـ
أَبْرَارُ شُرْبُهُمْ شَرَابُ ثَانِي ... >?
стр. 2941
.. يُدْعَى بِتَسْنِيمٍ سَنَامُ شَرَابِهِمْ
شُرْبٌ الْمُقَرَّبِ خِيرَةِ الرَّحْمَنِ
صَفَّى الْمُقَرَّبُ سَعْيَهُ فَصَفَا لَهُ
ذَاكَ الشَّرَابُ فَتِلْكَ تَصْفِيَتَانِ
لَكِنَّ أَصْحَابَ الْيَمينِ فَأَهْلُ مَزْ
جٍ بِالْمُبَاحِ وَلَيْسَ بِالْعِصْيَانِ
مُزِجَ الشَّرَابُ لَهُمْ كَمَا مَزَجُوا هُمُ
أَعْمَالَ ذَاكَ الْمَزْجُ بِالْمِيزَانِ
هَذَا وَذُو التَّخْلِيطِ مَزْجًا أَمْرُهُ
وَالْحُكْمُ فِيهِ لِرَبِّنَا الدَّيَّانُ ... >?
اللَّهُمَّ اكتب في قلوبنا الإِيمَان وأيدنا بنور منك يا نور السماوات والأَرْض اللَّهُمَّ وافتح لدعائنا باب القبول والإجابة، واغفر لنا بِرَحْمَتِكَ الواسعة إنك أَنْتَ الغفور الرحيم، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
قال تَعَالَى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً * وَإِذَا رَأَيْتَ ثُمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾ بعد أن ذكر جَلَّ وَعَلا وصف أواني مشروبهم، ووصف مشروبهم، ذكر أوصاف السقاة الَّذِينَ يسقونهم ذَلِكَ الشراب، وأنهم ولدان من ولدان الْجَنَّة، يأتون على ما هم عَلَيْهِ من الشباب والطراوة والنظارة، لا يهرمون ولا يتغيرون، ولا تضعف أجسامهم عن الخدمة، وإنك إذا رَأَيْت هؤلاء الولدان خلتهم لحسن ألوانهم، ونضارة وجوههم لؤلؤًا
стр. 2942
منثورًا، ولما ذكر جَلَّ وَعَلا نعيم أَهْل الْجَنَّة، ذكر أن هناك أمور عالية عظيمة، يعني في الْجَنَّة وسعتها وارتفاعها، وما فيها من المساكن، والغرف المزينة المزخرفة، مِمَّا لا يدركه الوصف، ولديه من البساتين الزاهرة، والثمار الدانية، والفواكه الشهية، ولحوم الطيور الطرية، والأنهار التي قال الله جَلَّ وَعَلا عَنْهَا: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثَّمَرَاتِ﴾ .
وَقَالَ في سورة الواقعة - مخبرًا عما هم فيه من النَّعِيم وأنهم مخدومون في شرابهم وطعامهم، مكفيون مؤنة ما يريدون -: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ﴾ وبعد وصف الشراب، وصف جَلَّ وَعَلا الطعام، فَقَالَ: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ثُمَّ بعد ذكر الطعام والشراب ذكر نساءهم فَقَالَ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ .
ثُمَّ ذكر السبب في متعتهم بكل هَذَا النَّعِيم فَقَالَ: ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فكما حسنت مِنْهُمْ الأعمال، أحسن الله لَهُمْ الجزاء، ووفر لَهُمْ الفوز والنَّعِيم، فجازاهم على ما عملوا وأثابهم بما كسبوا في الدُّنْيَا، وزكوا به أنفسهم من صالح الأعمال، ونصبوا له بأداء فرائضه على أتم الوجوه وأكملها، فهم كَانُوا قوامين الليل، صوامين النَّهَارَ ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ .
... وَأَهْوَى مِنَ الْفِتْيَانِ كُلَّ مُوَحِّدٍ ... مُلازَمِ ذِكْرِ اللهِ فِي كُلِّ سَاعَةِ
لَهُ عِفَّةٌ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ مُحَرَّمٍ ... وَذُو رَغْبَةٍ فِيمَا يُؤَدِّي لِجَنَّةِ
стр. 2943
وبعد أن وصف نساءهم وصف جَلَّ وَعَلا حديثهم حينئذٍ فَقَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً﴾ ، أي: لا يسمعون في الْجَنَّة اللغو أي الهراء من الْحَدِيث، ولا هجر القول، ما تتقزز منه النُّفُوس الراقية، ذات الأَخْلاق العالية ولا يسمعون كلامًا يؤثم صاحبه، ولكن يسمعون أطيب الكلام وَهُوَ التسليم من بَعْضهمْ على بعض، وَذَلِكَ أنها دار الطيبين، ولا يكون فيها إِلا كُلّ طيب، وهَذَا دَلِيل على حسن أدب أَهْل الْجَنَّة في خطابهم فيما بينهم، وأنه أطيب السَّلام، وسامي الكلام، مِمَّا يستساغ، كما قال تَعَالَى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
ثُمَّ بعد أن ذكر حال السابقين وبين مالهم من نعيم مقيم في جنات النَّعِيم، أردف ذَلِكَ بذكر أصحاب اليمين فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَا أَصْحَابُ اليمين * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وَظِلّ مَّمْدُودٍ * وَمَاء مَّسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لِّأَصْحَابِ اليمين﴾ . ففيها كُلّ ما تشتهيه النُّفُوس، وتلذ الأعين به، من مطاعم ومشارب، وملابس ومناكح، ومناظر حسنة، ويرى فيها الأشجار الملتفة، والمباني المزخرفة، ويرى فيها الرياض المعجبة، والطيور المطربة المشجية، ما يأخذ بالقُلُوب، ويسر النُّفُوس ويفرحها، وتجد الواحد عنده من الزوجات اللآتي في غاية الجمال، الجامعات لجمال الظاهر والباطن، اللآتي قال الله عنهم: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ ما يملأ الْقَلْب سرورًا ولذة وفرحًا، وعنده
стр. 2944
من الخدم والغلمان المخلدين ما به تحصل الرَّاحَة وَالطُّمَأْنِينَة والأُنْس، وتتم به لذة العيش، وتكمل به الغبطة، وفوق ذَلِكَ رضى بديع السماوات والأَرْض، وسماع كلامه، ولذة القرب منه، والابتهاج والسرور برضاه، والخلود الدائم الأبدي، الخالي من المكدرات والمنغصات، وتزايد ما هم فيه من النَّعِيم الْمُقِيم، والعيش السَّلِيم، كُلّ وَقْت وحين، قال ابن القيم ﵀ في صفة عرائس الْجَنَّة، وحسنهن وجمالهن، ولذة وصالهن ومهورهن:
يا مَنْ يَطُوفُ بِكَعْبَةِ الْحُسْنِ الَّتِي
حُفَّتْ بِذَاكَ الْحِجْرِ وَالأَرْكَانِ
وَيَظَلُّ يَسْعَى دَائِمًا بَيْنَ الصَّفَا
وَمُحَسِّرٌ مَسْعَاهُ لا الْعَلَمَانِ
وَيَرُومُ قُرْبَانَ الْوِصَالِ عَلَى مِنَى
وَالْخَيْفُ يَحْجِبُهُ عَنِ الْقُرْبَانِ
فَلِذَا تَرَاهُ مُحْرِمًا أَبَدًا وَمَوْ
ضِعُ حِلِّهِ مِنْهُ فَلَيْسَ بِدَانِي
يَبْغِي التَّمَتُعَ مُفْرَدًا عَنْ حِبِّهِ
مُتَجَرِّدًا يَبْغِي شَفِيعَ قِرَانِ
فَيَظَلُّ بِالْجَمَرَاتِ يَرْمِي قَلْبَهُ
هَذِي مَنَاسِكُهُ وَكُلُّ زَمَانِ
وَالنَّاسُ قَدْ قَضَّوْا مَنَاسِكَهُمْ وَقَدْ
حَثُوا رَكَائِبَهُمْ إِلَى الأَوْطَانِ ... >?
стр. 2945
ج
... وَخَدَتْ بِهِمْ هِمَمٌ لَهُمْ وَعَزَائِمُ
نَحْوَ الْمَنَازِلَ أَوَّلَ الأَزْمَانِ
رُفِعَتْ لَهُمْ فِي السَّيْرِ أَعْلامُ الْوِصَا
لِ فَشَمِّرُوا يَا خَيْبَةَ الْكَسْلانِ
وَرَأَوا عَلَى بُعْدٍ خِيَامًا مُشْرِفَا
تٍ مُشْرِقَاتِ النُّورِ وَالْبُرْهَانِ
فَتَيَمَّمُوا تِلْكَ الْخِيَامَ فَآنَسُوا
فِيهِنَّ أَقْمَارًا بِلا نُقْصَانِ
مِنْ قَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لا تَبْغِي سِوَى
مَحْبُوبِهَا مِنْ سَائِرِ الشُّبَّانِ
قَصَرَتْ عَلَيْهِ طَرْفَهَا مِنْ حُسْنِهِ
وَالطَّرْفُ فِي ذَا الْوَجْهِ لِلنَّسْوَانِ
أَوْ أَنَّهَا قَصَرَتْ عَلَيْهِ طَرْفَهُ
مِنْ حُسْنِهَا فَالطَّرْفُ لِلذُّكْرَانِ
وَالأَوَّلُ الْمَعْهُودُ مِنْ وَضْعِ الْخِطَا
بِ فَلا تَحُدْ عَنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ
وَلَرُبَّمَا دَلَّتْ إِشَارَتُه عَلَى الثَّـ
ـانِي فَتِلْكَ إِشَارَةٌ لِمَعَانِي
هَذَا وَلَيْسَ الْقَاصِرَاتُ كَمَنْ غَدَتْ
مَقْصُورَةً فَهُمَا إِذًا صِنْفَانِ ... >?
следующие страницы →