Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
.. يُدْعَى بِتَسْنِيمٍ سَنَامُ شَرَابِهِمْ
شُرْبٌ الْمُقَرَّبِ خِيرَةِ الرَّحْمَنِ
صَفَّى الْمُقَرَّبُ سَعْيَهُ فَصَفَا لَهُ
ذَاكَ الشَّرَابُ فَتِلْكَ تَصْفِيَتَانِ
لَكِنَّ أَصْحَابَ الْيَمينِ فَأَهْلُ مَزْ
جٍ بِالْمُبَاحِ وَلَيْسَ بِالْعِصْيَانِ
مُزِجَ الشَّرَابُ لَهُمْ كَمَا مَزَجُوا هُمُ
أَعْمَالَ ذَاكَ الْمَزْجُ بِالْمِيزَانِ
هَذَا وَذُو التَّخْلِيطِ مَزْجًا أَمْرُهُ
وَالْحُكْمُ فِيهِ لِرَبِّنَا الدَّيَّانُ ... >?
اللَّهُمَّ اكتب في قلوبنا الإِيمَان وأيدنا بنور منك يا نور السماوات والأَرْض اللَّهُمَّ وافتح لدعائنا باب القبول والإجابة، واغفر لنا بِرَحْمَتِكَ الواسعة إنك أَنْتَ الغفور الرحيم، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
قال تَعَالَى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً * وَإِذَا رَأَيْتَ ثُمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً﴾ بعد أن ذكر جَلَّ وَعَلا وصف أواني مشروبهم، ووصف مشروبهم، ذكر أوصاف السقاة الَّذِينَ يسقونهم ذَلِكَ الشراب، وأنهم ولدان من ولدان الْجَنَّة، يأتون على ما هم عَلَيْهِ من الشباب والطراوة والنظارة، لا يهرمون ولا يتغيرون، ولا تضعف أجسامهم عن الخدمة، وإنك إذا رَأَيْت هؤلاء الولدان خلتهم لحسن ألوانهم، ونضارة وجوههم لؤلؤًا
стр. 2942
منثورًا، ولما ذكر جَلَّ وَعَلا نعيم أَهْل الْجَنَّة، ذكر أن هناك أمور عالية عظيمة، يعني في الْجَنَّة وسعتها وارتفاعها، وما فيها من المساكن، والغرف المزينة المزخرفة، مِمَّا لا يدركه الوصف، ولديه من البساتين الزاهرة، والثمار الدانية، والفواكه الشهية، ولحوم الطيور الطرية، والأنهار التي قال الله جَلَّ وَعَلا عَنْهَا: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثَّمَرَاتِ﴾ .
وَقَالَ في سورة الواقعة - مخبرًا عما هم فيه من النَّعِيم وأنهم مخدومون في شرابهم وطعامهم، مكفيون مؤنة ما يريدون -: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ﴾ وبعد وصف الشراب، وصف جَلَّ وَعَلا الطعام، فَقَالَ: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ثُمَّ بعد ذكر الطعام والشراب ذكر نساءهم فَقَالَ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ .
ثُمَّ ذكر السبب في متعتهم بكل هَذَا النَّعِيم فَقَالَ: ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فكما حسنت مِنْهُمْ الأعمال، أحسن الله لَهُمْ الجزاء، ووفر لَهُمْ الفوز والنَّعِيم، فجازاهم على ما عملوا وأثابهم بما كسبوا في الدُّنْيَا، وزكوا به أنفسهم من صالح الأعمال، ونصبوا له بأداء فرائضه على أتم الوجوه وأكملها، فهم كَانُوا قوامين الليل، صوامين النَّهَارَ ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ .
... وَأَهْوَى مِنَ الْفِتْيَانِ كُلَّ مُوَحِّدٍ ... مُلازَمِ ذِكْرِ اللهِ فِي كُلِّ سَاعَةِ
لَهُ عِفَّةٌ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ مُحَرَّمٍ ... وَذُو رَغْبَةٍ فِيمَا يُؤَدِّي لِجَنَّةِ
стр. 2943
وبعد أن وصف نساءهم وصف جَلَّ وَعَلا حديثهم حينئذٍ فَقَالَ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً﴾ ، أي: لا يسمعون في الْجَنَّة اللغو أي الهراء من الْحَدِيث، ولا هجر القول، ما تتقزز منه النُّفُوس الراقية، ذات الأَخْلاق العالية ولا يسمعون كلامًا يؤثم صاحبه، ولكن يسمعون أطيب الكلام وَهُوَ التسليم من بَعْضهمْ على بعض، وَذَلِكَ أنها دار الطيبين، ولا يكون فيها إِلا كُلّ طيب، وهَذَا دَلِيل على حسن أدب أَهْل الْجَنَّة في خطابهم فيما بينهم، وأنه أطيب السَّلام، وسامي الكلام، مِمَّا يستساغ، كما قال تَعَالَى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
ثُمَّ بعد أن ذكر حال السابقين وبين مالهم من نعيم مقيم في جنات النَّعِيم، أردف ذَلِكَ بذكر أصحاب اليمين فَقَالَ: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَا أَصْحَابُ اليمين * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وَظِلّ مَّمْدُودٍ * وَمَاء مَّسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لِّأَصْحَابِ اليمين﴾ . ففيها كُلّ ما تشتهيه النُّفُوس، وتلذ الأعين به، من مطاعم ومشارب، وملابس ومناكح، ومناظر حسنة، ويرى فيها الأشجار الملتفة، والمباني المزخرفة، ويرى فيها الرياض المعجبة، والطيور المطربة المشجية، ما يأخذ بالقُلُوب، ويسر النُّفُوس ويفرحها، وتجد الواحد عنده من الزوجات اللآتي في غاية الجمال، الجامعات لجمال الظاهر والباطن، اللآتي قال الله عنهم: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ ما يملأ الْقَلْب سرورًا ولذة وفرحًا، وعنده
стр. 2944
من الخدم والغلمان المخلدين ما به تحصل الرَّاحَة وَالطُّمَأْنِينَة والأُنْس، وتتم به لذة العيش، وتكمل به الغبطة، وفوق ذَلِكَ رضى بديع السماوات والأَرْض، وسماع كلامه، ولذة القرب منه، والابتهاج والسرور برضاه، والخلود الدائم الأبدي، الخالي من المكدرات والمنغصات، وتزايد ما هم فيه من النَّعِيم الْمُقِيم، والعيش السَّلِيم، كُلّ وَقْت وحين، قال ابن القيم ﵀ في صفة عرائس الْجَنَّة، وحسنهن وجمالهن، ولذة وصالهن ومهورهن:
يا مَنْ يَطُوفُ بِكَعْبَةِ الْحُسْنِ الَّتِي
حُفَّتْ بِذَاكَ الْحِجْرِ وَالأَرْكَانِ
وَيَظَلُّ يَسْعَى دَائِمًا بَيْنَ الصَّفَا
وَمُحَسِّرٌ مَسْعَاهُ لا الْعَلَمَانِ
وَيَرُومُ قُرْبَانَ الْوِصَالِ عَلَى مِنَى
وَالْخَيْفُ يَحْجِبُهُ عَنِ الْقُرْبَانِ
فَلِذَا تَرَاهُ مُحْرِمًا أَبَدًا وَمَوْ
ضِعُ حِلِّهِ مِنْهُ فَلَيْسَ بِدَانِي
يَبْغِي التَّمَتُعَ مُفْرَدًا عَنْ حِبِّهِ
مُتَجَرِّدًا يَبْغِي شَفِيعَ قِرَانِ
فَيَظَلُّ بِالْجَمَرَاتِ يَرْمِي قَلْبَهُ
هَذِي مَنَاسِكُهُ وَكُلُّ زَمَانِ
وَالنَّاسُ قَدْ قَضَّوْا مَنَاسِكَهُمْ وَقَدْ
حَثُوا رَكَائِبَهُمْ إِلَى الأَوْطَانِ ... >?
стр. 2945
ج
... وَخَدَتْ بِهِمْ هِمَمٌ لَهُمْ وَعَزَائِمُ
نَحْوَ الْمَنَازِلَ أَوَّلَ الأَزْمَانِ
رُفِعَتْ لَهُمْ فِي السَّيْرِ أَعْلامُ الْوِصَا
لِ فَشَمِّرُوا يَا خَيْبَةَ الْكَسْلانِ
وَرَأَوا عَلَى بُعْدٍ خِيَامًا مُشْرِفَا
تٍ مُشْرِقَاتِ النُّورِ وَالْبُرْهَانِ
فَتَيَمَّمُوا تِلْكَ الْخِيَامَ فَآنَسُوا
فِيهِنَّ أَقْمَارًا بِلا نُقْصَانِ
مِنْ قَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لا تَبْغِي سِوَى
مَحْبُوبِهَا مِنْ سَائِرِ الشُّبَّانِ
قَصَرَتْ عَلَيْهِ طَرْفَهَا مِنْ حُسْنِهِ
وَالطَّرْفُ فِي ذَا الْوَجْهِ لِلنَّسْوَانِ
أَوْ أَنَّهَا قَصَرَتْ عَلَيْهِ طَرْفَهُ
مِنْ حُسْنِهَا فَالطَّرْفُ لِلذُّكْرَانِ
وَالأَوَّلُ الْمَعْهُودُ مِنْ وَضْعِ الْخِطَا
بِ فَلا تَحُدْ عَنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ
وَلَرُبَّمَا دَلَّتْ إِشَارَتُه عَلَى الثَّـ
ـانِي فَتِلْكَ إِشَارَةٌ لِمَعَانِي
هَذَا وَلَيْسَ الْقَاصِرَاتُ كَمَنْ غَدَتْ
مَقْصُورَةً فَهُمَا إِذًا صِنْفَانِ ... >?
стр. 2946
.. يَا مُطْلِقَ الطَّرْفِ الْمُعَذَّبِ فِي الأُلَى
جُرِّدْنَ عَنْ حُسْنٍ وَعَنْ إِحْسَانِ
لا تَسْبِينَّكَ صُورَةٌ مِنْ تَحْتِهَا الدَّ
اءُ الدَّفِينُ تَبُوءُ بِالْخُسْرَانِ
قَبُحَتْ خَلائِقُهَا وَقُبِّحَ فِعْلُهَا
شَيْطَانَةٌ فِي صُورَةِ الإِنْسَانِ
تَنْقَادُ لِلأَنْذَالِ وَالأَرْذَالِ هُمْ
أَكْفَاؤُهَا مِنْ دُونِ ذِي الإِحْسَانِ
مَا ثُمَّ مِنْ دِينٍ وَلا عَقْلٍ وَلا
خُلُقٍ وَلا خَوْفٍ مِن الرَّحْمَنِ
وَجَمَالُهَا زُورٌ وَمَصْنُوعٌ فَإِنْ
تَرَكْتُهُ لَمْ تَطْمَح لَهَا الْعَيْنَانِ
طُبِعَتْ عَلَى تَرْكِ الْحِفَاظِ فَمَا لَهَا
بِوَفَاءِ حَقِّ الْبَعْلِ قَطُ يَدَانِ
إِن قَصَّرَ السَّاعِي عَلَيْهَا سَاعَةً
قَالَتْ وَهَلْ أَوْلَيْتَ مِنْ إِحْسَانِ
أَوْ رَامَ تَقْوِيمًا لَهَا اسْتَعْصَتْ وَلَمْ
تَقْبَلَ سِوَى التَّعْوِيجِ وَالنُّقْصَانِ
أَفْكَارُهَا فِي الْمَكْرِ وَالْكيدِ الَّذِي ... >?
стр. 2947
.. قَدْ حَارَ فِيهِ فِكْرَةُ الإِنْسَانِ
فَجَمَالُهَا قِشْرٌ رَقِيقٌ تَحْتَهُ
مَا شِئْتَ مِنْ عَيْبٍ وَمِنْ نُقْصَانِ
نَقْدٌ رَدِيءٌ فَوْقَهُ مِنْ فِضَّةٍ
شَيْءٌ يُظَنُّ بِهِ مِنْ الأَثْمَانِ
فَالنَّاقِدُونَ يَرَوْنَ مَاذَا تَحْتَهُ
وَالنَّاسُ أَكْثَرْهُم مِن الْعُمْيَانِ
أَمَّا جَمِيلاتُ الْوُجُوهِ فَخَائِنَا
تُ بُعُولَهنَّ وَهُنَّ لِلأَخْدَانِ
وَالْحَافِظَاتُ الْغَيْبِ مِنْهُنَّ الَّتِي
قَدْ أَصْبَحَتْ فَرْدًا مِنْ النّسْوَانِ
فَانْظُرْ مَصَارِعَ مَنْ يَلِيكَ وَمَنْ خَلا
مِنْ قَبْلُ مِن شَيْبٍ وَمِنْ شُبَّانِ
وَارْغَبْ بِعَقْلِكَ أَنْ تَبِيعَ الْغَالِي الْـ
بَاقِي بِذَا الأَدْنَى الَّذِي هُوَ فَانِي
إِنْ كَانَ قَدْ أَعْيَاكَ خُودٌ مِثْلَ مَا
تَبْغِي وَلَمْ تَظْفَرْ إِلَى ذَا الآنِ
فَاخْطُبْ مِنَ الرَّحْمَنِ خُودًا ثُمَّ قَدِّ
مْ مَهْرَهَا مَا دُمْتَ ذَا إِمْكَانِ
ذَاكَ النِّكَاحُ عَلَيْكَ أَيْسَرُ إِنْ يَكُنْ ... >?
стр. 2948
.. لَكَ نِسْبَةٌ لِلْعِلْمِ وَالإِيمَانِ
وَاللهِ لَمْ تُخْرَجْ إِلَى الدُّنْيَا لِلَّذْ
ةِ عَيْشِهَا أَوْ لِلْحُطَامِ الْفَانِي
لَكِنْ خَرَجْتَ لِكَيْ تُعِدَّ الزَّادَ لِلْـ
أُخْرَى فَجِئْتَ بِأَقْبَحِ الْخُسْرَانِ
أَهْمَلْتَ جَمْعَ الزَّادِ حَتَّى فَاتَ بَلْ
فَاتَ الَّذِي أَلْهَاكَ عَنْ ذَا الشَّانِ
وَاللهِ لَوْ أَنَّ الْقُلُوبَ سَلِيمَةٌ
لِتَقَطَّعَتْ أَسَفًا مِن الْحُرْمَانِ
لَكِنَّهَا سَكَرَى بِحُبِّ حَيَاتِهَا الدُّ
نْيَا وَسَوْفَ تَفِيقُ بَعْدَ زَمَانِ ... >?
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ محبتك في قلوبنا ثبوت الجبال الراسيات وجنبنا الخطايا والذُّنُوب الموبقات ووفقنا للعمل بالباقيات الصالحات وألهمنا ذكرك في جَمِيع الأوقات وزحزحنا عن النار وأدخلنا فسيح الجنات يا رفيع الدرجات.
اللَّهُمَّ أعنا على ذكرك وحسن عبادتك، وتلاوة كتابك، وَاجْعَلْنَا مِنْ حزبك المفلحين، وأيدنا بجندك المنصورين. وارزقنا مرافقة الَّذِينَ أنعمت عَلَيْهمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
وبعد أن وصف الله جَلَّ وَعَلا شراب أَهْل الْجَنَّة وآنيته، وما هم فيه من النَّعِيم، وصف ملابسهم بقوله: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ﴾ وذكر بعده حليهم فَقَالَ: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ وفي سورة فاطر يَقُولُ
стр. 2949
جَلَّ وَعَلا: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ .
وَقَالَ في الآيَة الأخرى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ إلخ، وَقَالَ عز من قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ ففي آية سورة الدخان ذكر جَلَّ وَعَلا من ضروب نعيمهم خمسة ألوان:
١- مساكنهم فَقَالَ: ﴿فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ والمسكن الطيب يطيب بأمرين:
(أ) أن يكون الساكن فيه آمنًا مِنْ جَمِيعِ ما يخافه ويحذر منه، وَهُوَ المقام الأمين.
(ب) أن يكون فيه أسباب النزهة من الجنات والعيون، وَذَلِكَ في قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ .
٢- ملابسهم، وهي التي ذكرها بقوله: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ .
٣- استئناس بَعْضهمْ ببعض، بجلوسهم على جهة التقابل وَهُوَ ما أشار إليه بقوله: ﴿مُّتَقَابِلِينَ﴾ .
стр. 2950
٤- الأزواج وَهُوَ المشار إليه بقوله: {كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} .
٥- المأكول كما في قوله: {يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ} هَذَا جزاء المتقين لله، الَّذِينَ تجنبوا ما يسخطه من المعاصي، وفعلوا ما يرضيه من الطاعات، وبعد أن وصف ما هم فيه من نعيم مقيم، بين أن حياتهم في هَذَا النَّعِيم مستمرة دائمة لا يلحقها موت ولا فناء ولا انقطاع فَقَالَ: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} ، فلا يخشون في الْجَنَّة موتًا ولا فناءًا أبدًا، ففي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيوقف بين الْجَنَّة والنار، ثُمَّ يذبح ثُمَّ يُقَالُ: يا أَهْل الْجَنَّة خلود فلا موت، ويا أَهْل النار خلود فلا موت» . وروى أَبُو هُرَيْرَةِ وأبو سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «يُقَالُ لأَهْل الْجَنَّة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا» . رواه مسلم.
ومَعَ هَذَا النَّعِيم، فقَدْ نجاهم من عذاب الجحيم، تفضلاً منه وإحسانَا، فأعطاهم ما يطلبون، ونجاهم مِمَّا يرهبون وهَذَا هُوَ الفلاح والفوز العَظِيم.
قال ابن القيم:
... أَوَ مَا سَمِعْتَ بِذَبْحِهِ لِلْمَوْتِ بَيْـ
نَ الْمَنْزِلَيْنِ كَذَبْحِ كَبْشِ الضَّانِ ... >?
стр. 2951
.. حَاشَا لِذَا الْمَلَكِ الْكَرِيمِ وَإِنَّمَا
هُوَ مَوْتُنَا الْمَحْتُومُ لِلإِنْسَانِ
وَاللهُ يُنْشِىءُ مِنْهُ كَبْشًا أَمْلَحًا
يَوْمَ الْمَعَادِ يُرَى لَنَا بِعِيَانِ ... >?
وَقَالَ ﵀:
... هَذَا وَخَاتِمَةُ النَّعِيمِ خُلُودُهُم
أَبَدًا بِدَارِ الأَمْنِ وَالرِّضْوَانِ
أَوَ مَا سَمِعْتَ مُنَادِيَ الإِيمَانِ
يُخْبِرُ عَنْ مُنَادِيهِمْ بِحُسْنِ بَيَانِ
لَكُمُ حَيَاةٌ مَا بِهَا مَوْتٌ وَعَا
فِيَةٌ بِلا سُقْمٍ وَلا أَحْزَانِ
وَلَكُمْ نَعِيمٌ مَا بِهِ بُؤْسٌ وَمَا
لِشَبَابِكُمْ هَرَمٌ مَدَى الأَزْمَانِ
كَلا وَلا نَوْمٌ هُنَاكَ يَكُونَ ذَا
نَوْمٌ وَمَوْتٌ بَيْنَنَا أَخَوَانِ
هَذَا عَلِمْنَاهُ اضْطِرَارًا مِنْ كِتَا
بِ اللهِ فَافْهَمْ مُقْتَضَى الْقُرْآنِ ... >?
ونعود إلى لباس أَهْل الْجَنَّة والكلام عَلَيْهِ.
فلباس أَهْل الْجَنَّة في الْجَنَّة الحرير، ومنه سندس، وَهُوَ رفيع
стр. 2952
الديباج، للقمصان والغلائل ونحوها مِمَّا يلي أبدانهم، والاستبرق هُوَ غليظ الديباج لامعه، مِمَّا يلي الظاهر، كما هُوَ المعهود في لباس الدُّنْيَا، وأما الحل فقيل: إن صفة حلي الأَبْرَار أنه من فضة وصفة حلي المقربين من الذهب، وقيل: لأن أَهْل الْجَنَّة يلبسون هَذَا تَارَّة، والآخِر تَارَّة، وقَدْ يجمعون بينهما. وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
ثُمَّ بعد ذَلِكَ ذكر جَلَّ وَعَلا وتقدس أنهم يسقون شرابًا آخر طهورًا، قيل: طاهرٌ من الأقذار والأقذاء، لم تدنسه الأيدي والأرجل، كخمر الدُّنْيَا وقيل إنه لا يصير بولاً نجسًا ولكنه يصير في أبدانهم كريح المسك، وَذَلِكَ أنهم يؤتون بالطعام فيأكلون، فإذا كَانَ آخر ذَلِكَ أتوا بالشراب الطهور فيشربون، فتطهر بطونهم، ويصير ما أكلوا رشحًا، يخَرَجَ من جلودهم أطيب من المسك الأذفر، وتضمر بطونهم، وتعود شهوتهم، وَقَالَ مقاتل: هُوَ عين ماء على باب الْجَنَّة، من شرب منها نزع الله ما في قَلْبهُ من غل وغش وحسد. وعن أمير الْمُؤْمِنِين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إذا انتهى أَهْل الْجَنَّة إلى باب الْجَنَّة وجدوا هنالك عينين، فكأنما ألهموا ذَلِكَ، فشربوا من إحداهما، فأذهب الله ما في بطونهم من أذى، ثُمَّ اغتسلوا من الأخرى فجرت عَلَيْهمْ نضرة النَّعِيم، فأخبر بحالهم الظاهر، وجمالهم الباطن، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ اليوم فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ * سَلَامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ في هذه الآيات يخبر جَلَّ وَعَلا عن أَهْل الْجَنَّة: أنهم يوم القيامة إذا ارتحلوا من العرصات فنزلوا في روضات الجنات، أنهم في شغل مفكة للنفس، ملذٍ لها، من كُلّ ما تهواه
стр. 2953
النُّفُوس، وتلذه العيون. قال الحسن البصري وإسماعيل بن خالد: في شغل عما فيه أَهْل النار من الْعَذَاب. وَقَالَ ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب وعكرمة والحسن وقتادة والأعمش وسليمان التيمي والأوزاعي: شغلهم افتضاض الأبكار.
والخلاصة أن من يدخل الْجَنَّة يتمتع بنعيمها ولذاتها، ويكون بذَلِكَ في شغل عما سواه، إذ يرى ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فأنى له أن يفكر فيما سواه وَهُوَ بذَلِكَ فرح مستبشر، ضحوك السن، هادئ البال، لا يرى شَيْئًا يغمه أو ينغص عَلَيْهِ حبوره وسروره.
... وَلَقَدْ رُوِينَا أَنَّ شُغْلَهُم الَّذِي ... قَدْ جَاءَ فِي يَس دُونَ بَيَانِ
شُغْلُ الْعَرُوسِ بِعُرْسِهِ مِنْ بَعْدِمَا ... عَبِثَتْ بِهِ الأَشْوَاقُ طُولَ زَمَانِ
بِاللهِ لا تَسْأَلْهُ عَنْ أَشْغَالِهِ ... تِلْكَ اللَّيَالِي شَأْنُهُ ذُو شَانِ
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً بِصَبٍّ غَابَ عَنْ ... مَحْبُوبِهِ فِي شَاسِعِ الْبُلْدَانِ
وَالشَّوْقُ يُزْعِجُهُ إليه وَمَا لَهُ ... بِلِقَائِهِ سَبِبٌ مِن الإِمْكَانِ
وَافَى إليه بَعْدَ طُولِ مَغِيبِهِ ... عَنْهُ وَصَارَ الْوَصْلُ ذَا إِمْكَانِ
أَتَلُومُهُ أَنْ صَارَ ذَا شُغْلٍ بِهِ ... لا وَالَّذِي أَعْطَى بِلا حُسْبَانِ
يَا رَبُّ غَفْرًا قَدْ طَغَتْ أَقْلامُنَا ... يَا رَبُّ مَعْذِرَةً مِنَ الطُّغْيَانِ
اللَّهُمَّ أعطنا من الْخَيْر فوق ما نرجو واصرف عنا من السُّوء فوق ما نحذر. اللَّهُمَّ علق قلوبنا برجائك واقطع رجاءنا عمن سواك. اللَّهُمَّ إنك تعلم عيوبنا فاسترها وتعلم حاجتنا فاقضها كفى بك وليًا وكفى بك نصيرًا يا رب العالمين. اللَّهُمَّ وفقنا لسلوك سبيل عبادك الأخيار، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 2954
(فَصْلٌ)
قال تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يذكر جَلَّ وَعَلا ما يتلقى به عباده الْمُؤْمِنِين، الْمُتَحَابِّينَ فيه، تشريفًا لَهُمْ وتكريمًا، وتسكينًا لروعهم، مِمَّا يكون في ذَلِكَ اليوم من الأهوال والكروب والشدائد، فَقَالَ: ﴿يَا عِبَادِ﴾ الآيَة. ثُمَّ بين من يستحق هَذَا الندا فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فعِنْدَمَا يسمَعَ النَّاس المنادي ينادي بالآيَة الأولى، وهي قوله: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ يرجوها النَّاس كلهم فإذا سمعوا الآيَة التي تليها يئس النَّاس منها غير الْمُؤْمِنِين ثُمَّ ذكر ما يُقَالُ لَهُمْ على سبيل البشرى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ وبعد ذَلِكَ ذكر طرفًا مِمَّا يتنعمون به من النَّعِيم، فَقَالَ: ﴿يُطَافُ عَلَيْهمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ أي وبعد أن يستقروا بالْجَنَّة، ويهدأ روعهم، تدور عَلَيْهمْ خدامهم من الولدان المخلدين بصحاف من الذهب، مترعة بألوان الأطعمة، وبأكواب فيها أصناف الشراب مِمَّا لذ وطاب.
وعن أنس قال: كَانَ رسول الله ﷺ يعجبه الرؤيا، فيسأل عَنْهُ إذا لم يكن يعرفه، فإذا أُثْنِيَ عَلَيْهِ معروف كَانَ أعجب لرؤياه إليه، فأتته امرأة فقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ رأيت
стр. 2955
كأني أتيت، فأخرجت من الْمَدِينَة، فأدخلت الْجَنَّة، فسمعت وجبة انفتحت لها الْجَنَّة، فنظرت فإذا فلان وفلان وفلان، فسمت اثني عشر رجلاً كَانَ رسول الله ﷺ قَدْ بعثهم في سرية قبل ذَلِكَ، فجيء بِهُمْ عَلَيْهمْ ثياب طلس، تشخب أوداجهم، فقيل: اذهبوا بِهُمْ إلى نهر البيذخ، قال: فغمسوا فيه، فخرجوا ووجوههم كالقمر ليلة البدر، فأتوا بصحفة من ذهب فيها بسر، فأكلوا من ذَلِكَ البسر ما شاءوا، فما يقلبونها من وجه إِلا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا، وأكلت معهم، فَجَاءَ البشير من تلك السرية، فَقَالَ: أصيب فلان، وفلان، حتى عد اثني عشر رجلاً، فدعا رسول الله ﷺ المرأة فَقَالَ: «قصي رؤياك» فقصتها وجعلت تَقُول: جيء بفلان، وفلان كما قال. رواه الإمام أَحَمَد في مسنده بنحوه وإسناده على شرط مسلم.
وبعد هَذَا التفصيل لبعض ما في الْجَنَّة من نعيم، عمم ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ففيها ما تشتهيه أنفس أهلها من صنوف الأطعمة والأشربة والألبسة، والأياء المعقولة والمسموعة، ونحوها مِمَّا تطلبه النُّفُوس وتهواه، كائنًا ما كَانَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً * وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً * وَكَأْساً دِهَاقاً﴾ بعد أن ذكر جَلَّ وَعَلا حال المجرمين المكذبين الطاغين، أعقبه بمآل المتقين، وما يفوزون به من الجنات التي وصفها، ووصف ما فيها، وذكر أنها عطاء منه، ففي ذكرها استنهاظ، وحث لعوالي الهمم، بدعوتهم إلى المثابرة على الطاعات والازدياد منها، وفي تذكر ما في هَذَا المفاز والمنجى الْبَعِيد عن النار،
стр. 2956
والزوجات الكواعب، اللاتي على سن واحد متقارب، ما يمنع ذا اللب من الانهماك في الدُّنْيَا ولذاتها، وقتل الأوقات في طلبها وتحصيلها.
قال ابن القيم ﵀: فَصْلٌ فيما أعد الله لأوليائه المتمسكين بالْكِتَاب والسنة:
يَا خَاطِبَ الْحُورِ الْحِسَانِ وَطَالِبًا
لِوِصَالِهِنَّ بِجَنَّةِ الْحَيَوَانِ
لَوْ كُنْتَ تَدْرِي مَنْ خَطَبْتَ وَمَنْ طَلَبْـ
تَ بَذَلْتَ مَا تَحْوِي مِنَ الأَثْمَانِ
أَوْ كُنْتَ تَدْرِي أَيْنَ مَسْكَنُهَا جَعَلْـ
ـتَ السَّعْيَ مِنْكَ لَهَا عَلَى الأَجْفَانِ
وَلَقَدْ وَصَفْتُ طَرِيقَ مَسْكَنِهَا فَإِنْ
رُمْتَ الْوِصَالَ فَلا تَكُنْ بِالْوَانِي
أَسْرِعْ وَحُثَّ السَّيْرَ جَهْدَكَ إِنَّمَا
مَسْرَاكَ هَذَا سَاعَةً لِزَمَانِ
فَاعْشِقْ وَحَدِّثْ بِالْوِصَالِ النَّفْسَ وَابْـ
ـذِلْ مَهْرَهَا مَا دُمْتَ ذَا إِمْكَانِ
وَاجْعَلْ صِيَامَكَ قَبْلَ لُقْيَاهَا وَيَوْ
مْ الْوَصْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانِ
وَاجْعَلْ نُعُوتَ جَمَالِهَا الْحَادِي وَسِرْ
تَلْقَى الْمَخَاوُفَ وَهِيَ ذَاتُ أَمَانِ ... >?
стр. 2957
.. لا يُلْهِيَنَّكَ مَنْزِلٌ لَعِبْتَ بِهِ
أَيْدِي الْبِلا مِنْ سَالِفِ الأَزْمَانِ
فَلَقَدْ تَرَحَّلَ عَنْهُ كُلُّ مُسَرَّةٍ
وَتَبَدَلَتْ بَالْهَمِّ وَالأَحْزَانِ
سِجْنٌ يَضِيقُ بِصَاحِبِ الإِيمَانِ لَـ
ـكِنْ جَنَّةُ الْمَأْوَى لِذِي الْكُفْرَانِ
سُكَّانُهَا أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْبَطَا
لَةِ وَالسَّفَاهَةِ أَنْجَسُ السُّكَّانِ
وَأَلَذُّهُمْ عَيْشًا فَأَجْهَلُهُمْ بِحَـ
ـقِ اللهِ ثُمَّ حَقَائِقِ الْقُرْآنِ
عَمْرتْ بِهِمْ هَذِي الدِّيَارُ وَأَقْفَرَتْ
مِنْهُمْ رُبُوعُ الْعِلْمِ وَالإِيمَانِ
قَدْ آثَرُوا الدُّنْيَا وَلَذَّةُ عَيْشِهَا الْـ
فَانِي عَلَى الْجَنَّاتِ وَالرِّضْوَانِ
صَحِبُوا الأَمَانِي وَابْتُلُوا بِحُظُوظِهِمْ
وَرَضُوا بِكُلِّ مَذَلَّةٍ وَهَوَانِ
كَدْحًا وَكَدًا لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ
مَا فِيهِ مِنْ غَمٍّ وَمِنْ أَحْزَانِ
وَاللهِ لَوْ شَاهَدتَ هَاتَيْكَ الصُّدُو
رِ رَأَيْتَهَا كَمَرَاجِلِ النِّيرَانِ ... >?
стр. 2958
.. وَوَقُودُهَا الشَّهَوَاتُ وَالْحَسَرَاتُ وَالآ
لامُ لا تَخْبُو مَدَى الأَزْمَانِ
أَبْدَانُهُمْ أَجْدَاثُ هَاتِيكَ النُّفُو
سِ اللائِي قَدْ قُبِرتْ مَعَ الأَبْدَانِ
أَرْوَاحُهُمْ فِي وَحْشَةٍ وَجُسُومُهُمْ
فِي كَدْحِهَا لا فِي رِضَا الرَّحْمَنِ
هَرَبُوا مِن الرِّقِ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ
فَبُلُو بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ
لا تَرْضَ مَا اخْتَارُوا هُمُ لِنُفُوسِهِمْ
فَقَدْ ارْتَضُوا بِالذُّلِّ وَالْحِرْمَانِ
لَوْ سَاوَتْ الدُّنْيَا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ
لَمْ َيَسْقِ مِنْهَا الرَّبُّ ذُو الْكُفْرَانِ
لَكِنَّهَا وَاللهِ أَحْقَرُ عِنْدَهُ
مِنْ ذَا الْجَنَاحِ الْقَاصِرِ الطَّيَرَانِ
وَلَقَدْ تَوَلَّتْ بَعْدُ عَنْ أَصْحَابِهَا
فَالسَّعْدُ مِنْهَا حَلَّ بِالدَّبَرَانِ
لا يُرْتَجَى مِنْهَا الْوَفَاءُ لِصَبِّهَا
أَيْنَ الْوَفَا مِنْ غَادِرِ خَوَّانِ
طُبِعَتْ عَلَى كَدْرِ فَكَيْفَ يَنَالُهَا
صَفْوٌ أهَذَا قَطُ فِي إِمْكَانِ ... >?
стр. 2959
.. يَا عَاشِقَ الدُّنْيَا تَأَهَّبْ لِلَّذِي
قَدْ نَالَهُ الْعُشَّاقُ كُلَّ زَمَانِ
أَوْ مَا سَمِعْتَ بَلْ رَأَيْتَ مَصَارِعَ الْـ
ـعُشَّاقِ مِنْ شَيْبٍ وَمِنْ شُبَّانِ ... >?
اللَّهُمَّ إليك بدعائنا توجهنا وبفنائك أنخنا وَإِيَّاكَ أملنا ولما عندك من الجود والإحسان طلبنا ولرحمتك رجونا، ومن عذابك أشفقنا ولعفوك وغفرانك تعرضنا فاعف عنا وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾ لما ذكر تَعَالَى أنه يدخل التائبين الْجَنَّة، وصف هذه الْجَنَّة بجملة أوصاف (أولاً) : أحبر أنها جنات إقامة دائمة، لا كجنات الدُّنْيَا، وقَدْ وعد بها المتقين، وهي غائبة لم يشاهدوها، ووعد الله حق لا يخلف، فهم آتوها لا محالة. (ثانيًا) : أنهم لا يسمعون فيها كلامًا ساقطًا تافهًا لا معنى له، كما يوَجَدَ في الدُّنْيَا، بل يسمعون فيها سلامًا، والسَّلام اسم جامَعَ للخَيْر، لأنه يضمن السلامة. (ثالثًا) : أن لَهُمْ ما يشتهون من المطاعم والمشارب، في قدر وَقْت البكرة ووَقْت العشي من نهار أيام الدُّنْيَا، أي إن الَّذِي بين غدائهم وعشائهم في الْجَنَّة قدر ما بين غداء أحدنا في الدُّنْيَا وعشائه.
... فَكَّرْتُ فِي الْجَنَّةِ الْعُلْيَا فَلَمْ أَرَهَا ... تَنَالُ إِلا عَلَى جَسْرٍ مِنَ التَّعَبِ
стр. 2960
ولما ذكر جَلَّ وَعَلا وتقدس أن هذه الْجَنَّة تخالف جنات الدُّنْيَا ذكر ما هُوَ سبب استحقاقها فَقَالَ: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾ المعنى: هذه الْجَنَّة التي وصفت بهذه الصفات الشريفة، نورثها من عبادنا المتقين الَّذِينَ يطيعون الله في السِّرّ والعلن، ومعنى إيراثهم الْجَنَّة: الإنعام عَلَيْهمْ بالخلود فيها في أكمل نعيم، وقيل: نجعلها لَهُمْ كملك الميراث الَّذِي هُوَ أقوى تمليك، بأن نبقي عَلَيْهِ الْجَنَّة، كما نبقي على الوارث مال الموروث، ولأن الأتقاء يلقون ربهم يوم القيامة وقَدْ انقضت أعمالهم، وثمرتها باقية وهي الْجَنَّة، فإن أدخلهم الْجَنَّة فقَدْ أورثهم من تقواهم، كما يورث الوارث من المتوفى الْمَال الَّذِي خلفه.
وجَاءَ بمعنى الآيَة قوله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ ، وَقَالَ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾ ، وَقَالَ: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاة وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ
стр. 2961
لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهمْ مِّن كُلّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} إلى غير ذَلِكَ من الآيات المنوهة بذكرهم وشرفهم وعظم جزائهم فنكتفي بالآيات التي ذكرنا، وما أوضحناه من معاني الآيات السابقات نسأل الله الحي القيوم ذا الجلال والإكرام، بديع السماوات والأَرْض، الواحد الأحد الفرض الصمد، الَّذِي {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} أن ينفع بها إنه القادر على ذَلِكَ.
وأما الأحاديث الواردة في الْجَنَّة، فمنها ما ورد عن أَبِي هُرَيْرَةِ عن رسولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «قال الله ﵎: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» واقرؤوا إن شئتم: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّىٍّ فِى السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لاَ يَبُولُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ وَلاَ يَتْفِلُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، أَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ، عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِى السَّمَاءِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قال ابن القيم:
هَذَا وَسِنَّهُمْ ثَلاثٌ مَعَ ثَلا
ثِينَ الَّتِي هِيَ قُوَّةُ الشُّبَّانِ
وَصَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ فِي ذَا عَلَى
حَدٍ سَوَاءٌ مَا سِوَى الْوِلْدَانِ ... >?
стр. 2962
.. وَلَقَدْ رَوَى الْخُضَرِيُّ أَيْضًا أَنَّهُمْ
أَبْنَاءُ عَشْرٍ بَعْدَهَا عَشْرَانِ
وَكِلاهُمَا فِي التِّرْمِذِيُّ وَلَيْسَ ذَا
بِتَنَاقُضٍ بَلْ هَا هُنَا أَمْرَانِ
حَذْفُ الثَّلاثِ وَنَيِّفٌ بَعْدَ الْعُقُو
دِ وَذِكْرَ ذَلِكَ عِنْدَهُمُ سِيَّانِ
عِنْدَ اتِّسَاعٍ فِي الْكَلامِ وَعِنْدَمَا
يَأْتُوا بِتَحْرِيرٍ فَبِالْمِيزَانِ
وَالطُّولُ طُولُ أَبِيهِمْ سِتُّونَ لَـ
كِنْ عَرْضُهم سَبْعٌ بِلا نُقْصَانِ
الطُّولُ صَحَّ بِغَيْرِ شَكٍّ فِي الصَّحِيـ ... ???? ... ـحَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا لَنَا شَمْسَانِ ... ???? ... وَالْعَرْضُ لَمْ نَعْرِفْهُ فِي إِحْدَاهُمَا ... ???? ... لَكِنْ رَوَاهُ أَحْمَد ُالشَّيْبَانِي ... ???? ... هَذَا وَلا يَخْفي التَّنَاسُبُ بَيْنَ هَـ
ذَا الْعَرْضِ وَالطُّولِ الْبَدِيعِ الشَّانِ
كُلُّ عَلَى مِقْدَراِ صَاحِبِهِ وَذَا
تَقْدِيرُ مُتْقِنِ صَنْعَةِ الإِنْسَانِ
هَذَا كَمَالُ الْحُسْنِ فِي أَبْشَارِهِمْ
وَشُعُورِهِمْ وَكَذَلِكَ الْعَيْنَانِ
أَلْوَانُهُمْ بِيضُ وَلَيْسَ لَهُمْ لُحَى
جُعْدُ الشُّعُور مُكَحَّلُوا الأَجْفَانِ ... >?
стр. 2963
اللَّهُمَّ اسلك بنا سبيل النجاة، وبلغ كلامنا ما أمله ورجاءه واجعل لنا عندك أعظم قدر وجاه، ولا تحرمنا من فضلك العَظِيم يا أكرم الأكرمين،
وَأَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
في بيان أدنى أَهْل الْجَنَّة منزلةً
عن الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ﵁ عن النَّبي ﷺ : «أَنَّ مُوسَى ﵇ سَأَلَ رَبَّهُ مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ فَقَالَ: رَجُلٌ يَجِىءُ بَعْدَ مَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ؟ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ لَهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ. فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ. فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ. قَالَ: رَبِّ فَأَعْلاَهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرْسَ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» . رواه مسلم.
وعن ابن مسعود ﵁، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّة، رَجُلاً يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا، فَيَقُولُ اللَّهُ : اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إليه أَنَّهَا مَلأَى، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى، فَيَقُولُ اللهُ : اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إليه أَنَّهَا مَلأَى. فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا
стр. 2964
مَلأَى، فَيَقُولُ اللَّهُ : اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا. فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي، أَوْ تَضْحَكُ مِنِّى وَأَنْتَ الْمَلِكُ» . قال: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ? ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فَكَانَ يَقولُ: «ذَلِكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وعن أبي مُوَسى ﵁ أن النَّبِيّ ? قال: «إن للمُؤْمِن في الْجَنَّة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً، للمُؤْمِن فيها أهلون، يطوف عَلَيْهمْ المُؤْمِن، فلا يرى بَعْضهمْ بعضًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الميل: ستة آلاف ذراع. وعن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ عن النَّبِيّ ? قال: «والَّذِي نفس مُحَمَّد بيده إن ما بين مصراعين من مصاريع الْجَنَّة لكما بين مَكَّة وهجر» . متفق عَلَيْهِ.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النَّبِيّ ? قال: «إن في الْجَنَّة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة سنة ما يقطعها» . متفق عَلَيْهِ. وعنه عن النَّبِيّ ? قال: «إن أَهْل الْجَنَّة ليتراءون أَهْل الغرف من فوقهم كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم، قال: «بلى والَّذِي نفسي بيده، رِجَال آمنوا بِاللهِ وصدقوا المرسلين» . متفق عَلَيْهِ. وعن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ أن رسول الله ? قال: «لقاب قوس في الْجَنَّة خَيْر مِمَّا تطلع عَلَيْهِ الشمس أو تغرب» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ? قال: «إن في الْجَنَّة سوقً يأتونها
стр. 2965
كل جمعة، فتهب ريح الشمال، فتحثوا في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنًا وجمالاً فيرجعون إلى أهليهم وقَدْ ازدادوا حسنًا وجمالاً، فَيَقُولُ لَهُمْ أهلوهم: وَاللهِ لَقَدْ ازددتم حسنًا وجمالاً، فيقولون: وأنتم وَاللهِ لَقَدْ ازددتم بعدنا حسنًا وجمالاً» . رواه مسلم.
وعن معاذ بن جبل ﵁ أن النَّبِيّ ? قال: «يدخل أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة جردًا مردًا مكحلين، بني ثلاث وثلاثين» . رواه الترمذي، وَقَالَ: حديث حسن غريب.
وعن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ قال: قلنا: يَا رَسُولَ اللهِ حدثنا عن الْجَنَّة ما بناؤها؟ قال: «لبنة من ذهب، ولبنة منن فضة، وملاطها المسك، وحصباؤها الؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبئس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه» . الْحَدِيث رواه أَحَمَد واللفظ له، والترمذي.
وعن عَبْد اللهِ بن عمرو ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «إن في الْجَنَّة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها» . فَقَالَ أبو مالك الأشعري: لمن هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: «لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائمًا وَالنَّاس نيام» . رواه الطبراني، والحاكم، وَقَالَ: على شرطهما. ورواه أَحَمَد، وابن حبان في صحيحه.
وعن عَبْد اللهِ بن مسعود ﵁ قال: (لكل مسلم خيرة، ولكل خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب، يدخل عَلَيْهَا من كُلّ باب تحفة وهدية وكرامة لم تكن قبل ذَلِكَ، لا مرحات، ولا دفرات، ولا سخرات،
стр. 2966
ولا طماحات، حور عين، كأنهن بيض مكنون» . رواه ابن أبي الدُّنْيَا من رواية جابر الجعفي موقوفًا.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ? قال: «بينا أَنَا أسير في الْجَنَّة، إذ أَنَا بنهر حافتاه قباب الؤلؤ المجوف، فقُلْتُ: ما هَذَا يا جبريل، قال: هَذَا الكوثر الَّذِي أعطاك ربك. قال: فضرب الملك بيده. فإذا طينه مسك أذفر» . رواه البخاري.
وروي عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ? يَقُولُ: «في الْجَنَّة بحر للماء، وبحر للبن، وبحر للعسل، وبحر للخمر، ثُمَّ تشقق الأنهار منها بعد» . رواه البيهقي.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «خلق الله جنة عدن بيده، ودلى فيها ثمارها، وشق فيها أنهارها، ثُمَّ نظر إليها، فَقَالَ لها: تكلمي، فقَالَتْ: قَدْ أفلح المؤمنون، فَقَالَ: وعزتي لا يجاورن فيك بخيل» . رواه الطبراني في الكبير، والأوسط بإسنادين أحدهما جيد. ورواه ابن أبي الدُّنْيَا من حديث أنس أطول منه، ولفظه قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «خلق الله جنة عدن بيده، لبنة من درة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زبرجدة خضراء، وملاطها مسك، حشيشها الزعفران، حصباؤها اللؤلؤ، ترابه العنبر، ثُمَّ قال لها: انطقي: قَالَتْ: قَدْ أفلح المؤمنون. فَقَالَ الله : وعزتي وجلالي: لا يجاورني فيك بخيل» ثُمَّ تلا رسول الله ?: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ محبتك في قلوبنا وقوها ونور قلوبنا بنور الإِيمَان وَاجْعَلْنَا هداة مهتدين، وآتنا في الدُّنْيَا حسنة وفي الآخِرَة حسنة وقنا عذاب النار، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 2967
قال ابن القيم ﵀:
... وَالْجَنَُّة اسْمُ الْجِنْسِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ
جِدَا وَلَكِنْ أَصْلُهَا نَوْعَانِ
ذَهَبِيَّتَانِ بِكُلِّ مَا حَوَتَاهُ مِنْ
حُليٍّ وَآنِيَةٍ وَمِنْ بُنْيَانِ
وَكَذَاكَ أَيْضًا فِضَّةٌ ثِنْتَانِ مِنْ
حُليٍّ وَبُنْيَانِ وَكُلِّ أَوَانِ
لَكِنَّ دَارَ الْخُلْدِ وَالْمَأْوَى وَعَدْ
نِ وَالسَّلامِ إِضَافَةٌ لِمَعَانِ
أَوْصَافُهَا اسْتَدعَتْ إِضَافَتَهَا إِلَيْـ ... ???? ... ـهَا مِدْحَةً مَعَ غَايَةَ التِّبْيَانِ ... ???? ... لَكِنَّمَا الْفِرْدَوْس أَعْلاهَا وَأَوْ
سَطُهَا مَسَاكِنُ صَفْوَةِ الرَّحْمَنِ
أَعْلاهُ مَنْزِلَةً لأَعْلَى الْخَلْقِ مَنْـ
زِلَةً هُوَ الْمَبْعُوثُ بِالْقُرْآنِ
وَهِيَ الْوَسِيلَةُ وَهِيَ أَعْلَى رُتْبَةً
خَلُصَتْ لَهُ فَضْلاً مِن الرَّحْمَنِ
وَلَقَدْ أَتَى فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ ... ???? ... تَفْصِيلُ الْجِنَانِ مُفَصَّلاً بِبَيَانِ ... ???? ... هِيَ أَرْبَع ثِنْتَانِ فَاضِلَتَانِ وَا
يَالِيهِمَا ثِنْتَانِ مَفْضُولانِ ... >?
стр. 2968
.. فَالأَوْلَيَانِ الْفَضْلَيَانِ لأَوْجُهٍ
عَشْرٍ وَيَعْسُرُ نَظْمُهَا بِوِزَانِ
وَإِذَا تَأَمَّلْتَ السِّيَاقَ وَجَدْتَهَا
فِيهِ تَلُوحُ لِمَنْ لَهُ عَيْنَانِ
سُبْحَانَ مَنْ غَرَسَتْ يَدَاهُ جَنَّةُ الْـ ... ???? ... فِرْدَوْسِ عِنْدَ تَكَامُلِ الْبُنْيَانِ ... ???? ... وَيَدَاهُ أَيْضًا اتْقَنَتْ لِبِنَائِهَا
فَتَبَارَكَ الرَّحْمَنُ أَعْظَمُ بَانِي
لَمَّا قَضَى رَبُّ الْعِبَادِ الْغَرْسَ قَا
لَ تَكَلَّمِي فَتَكَلَّمَتْ بِبَيَانِ
قَدْ أَفْلَحَ الْعَبْدُ الَّذِي هُوَ مُؤْمِنٌ
مَاذَا ادَّخَرْتَ لَهُ مِن الإِحْسَانِ ... >?
اللَّهُمَّ يا من بيده خزائن السماوات والأَرْض، عافنا من محن الزمان، وعوارض الفتن، فإنا ضعفاء عن حملها، وإن كنا من أهلها، اللَّهُمَّ وفقنا لصالح الأعمال، ونجنا مِنْ جَمِيعِ الأهوال، وأمن من افزع الأكبر يوم الرجف والزلزال، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
روي عن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ عن النَّبِيّ ﷺ قال: «أرض الْجَنَّة بيضاء، عرصتها صخور الكافور وقَدْ أحاط به المسك، مثل كثبان الرمل، أنهار مطردة، فيجتمَعَ فيها أَهْل الْجَنَّة، أدناهم
стр. 2969
وآخرهم، فيتعارفون، فيبعث الله ريح الرحمة، فتهيج عَلَيْهِمْ ريح المسك، فيرجع الرجل إلى زوجته وقَدْ ازداد حسنًا وطيبًا، فَتَقُول له: لَقَدْ خرجت من عِنْدِي وأنَا بك معجبة، وأنَا بك الآن أشد إعجابًا» . رواه ابن أبي الدُّنْيَا.
وعن كريب أنه سمَعَ أسامة بن زيد ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ألا مشمر إلى الْجَنَّة، فإن الْجَنَّة لا خطر لها، هِيَ ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، حلل كثيرة، ومقام في أبد، في دار سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة، في محلة عالية بهية» قَالُوا: نعم يَا رَسُولَ اللهِ، نَحْنُ المشمرون، قال: «قولوا: إن شَاءَ الله» فَقَالَ القوم: إن شَاءَ الله. رواه ابن ماجة، وابن أبي الدُّنْيَا، والبزار، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي.
وعن سماك أنه لقي عَبْد اللهِ بن عباس بالْمَدِينَة، بعد ما كف بصره، فَقَالَ: يا ابن عباس ما أرض الْجَنَّة؟ قال: مرمرة بيضاء من فضة، كأنها مرآة. قُلْتُ: ما نورها؟ قال: ما رَأَيْت الساعة التي يكون فيها طلوع الشمس؟ فذَلِكَ نورها، إِلا أنه لَيْسَ فيها شمس ولا زمهرير، قال: قُلْتُ: فما أنهارها؟ أفي أخدود؟ قال: لا ولكنها تجري على أرض الْجَنَّة، مستكفة، لا تفيض ها هنا ولا ها هنا، قال الله لها: كوني فكانَتْ. قُلْتُ: فما حلل الْجَنَّة؟ قال: فيها شجرة ثمر كأنه الرمان، فإذا أراد ولي الله منها كسوة انحدرت إليه من غصنها، فانفلقت له عن سبعين حلة، ألوانًا بعد ألوان، ثُمَّ تنطبق فترجع كما كانَتْ. رواه ابن أبي الدُّنْيَا موقوفًا بإسناد حسن.
стр. 2970
وروي عن عمران بن حصين وأَبِي هُرَيْرَةِ ﵃ قالا: سئل رسول الله ﷺ عن قوله تَعَالَى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ قال: «قصر في الْجَنَّة من لؤلؤة، فيها سبعون دارًا من ياقوتة حمراء، في كُلّ دار سبعون بيتًا، من زمردة خضراء، في كُلّ بيت سبعون سريرًا، على كُلّ سرير سبعون فراشًا من كُلّ لون، على كُلّ فراش امرأة، في كُلّ بيت سبعون وصيفًا ووصيفة، يعطى المُؤْمِن من القوة ما يأتي على ذَلِكَ كله في غداة واحدة» . رواه الطبراني.
وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قَالَتْ: سمعت رسول الله ﷺ وذكر سدرة المنتهى - فَقَالَ: «يسير الراكب في ظِلّ الفنن منها مائة سنة، أو يستظِلّ بها مائة راكب شك يحيى، فيها فراش الذهب، كأن ثمارها القلال» . رواه الترمذي. وَقَالَ: حديث حسن صحيح غريب.
وفي حديث أُبَيَّ بن كعب أن رسول الله ﷺ قيل له: ما الحوض؟ قال: «والَّذِي نفسي بيده إن شرابه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحًا من المسك، وآنيته أكثر عددًا من النجوم، لا يشرب منه إنسان فيظمأ أبدًا، ولا يصرف عَنْهُ إنسان فيروى أبدًا» . رواه ابن أبي عاصم وغيره.
وأخَرَجَ الشيخان وَغَيْرِهمَا من حديث عَبْد اللهِ بن عمرو ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من ريح المسك، كيزانه كنجوم السماء من شرب منه لا يظمأ أبدًا» . وأخَرَجَ مسلم في صحيحه من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 2971
قال: «ليردن على الحوض أقوام، فيختلجون دوني، فأَقُول: رب أصحابي، رب أصحابي، فَيُقَالُ: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» .
وأخَرَجَ الطبراني، وابن حبان، والحاكم وصححه عن خباب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «سيكون أمراء من بعدي فلا تصدقوهم بكذبهم، ولا تعينوهم على ظلمهم، فمن فعل لم يرد عليّ الحوض» .
وأخَرَجَ البخاري ومسلم غيرها من طَرِيق أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: «أَنَا فرطكم على الحوض من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، وليردن عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ثُمَّ يحال بيني وبينهم» . قال أبو حازم:
فسمَعَ النعمان ابن أبي عياش وانَا أحدث هَذَا الْحَدِيث، فَقَالَ: هكَذَا سمعت سهلاً يَقُولُ؟ قُلْتُ: نعم، فَقَالَ: وانَا أشهد على أبي سعيد الخدري سمعته يزيد: «إنهم مني، فَيُقَالُ: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأَقُول: سحقًا لمن بدل بعدي» .
وعن عتبة بن عبدٍ ﵁ قال: جَاءَ أعرابي إلى رسول الله ﷺ فَقَالَ: ما حوضك الَّذِي تحدث عَنْهُ؟ فذكر الْحَدِيث إلى أن قال فَقَالَ الأعرابي: يَا رَسُولَ اللهِ فيها فاكهة؟ قال: «نعم، وفيها شجرة تدعى طُوبَى، هِيَ تطابق الفردوس» فَقَالَ: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: «لَيْسَ تشبه شَيْئًا من شجر أرضك، ولكن أتيت
стр. 2972
الشام» ؟ قال: لا يَا رَسُولَ اللهِ، قال: «فإنها تشبه شجر في الشام، تدعى الجوزة تنبت على ساق واحد، ثُمَّ ينتشر أعلاها» . قال: فما عظم أصلها؟ قال: «لو ارتحلت جزعة من إبل أهلك لما قطعتها حتى تنكسر ترقوتها هرمًا» . قال: فيها عنب؟ قال: «نعم» . قال: فما عظم العنقود منها؟ قال: «مسيرة شهر للغراب الأبقع، ولا ينثني ولا يفتر» ، قال: فما عظم الحبة منه؟ قال: «هل ذبح أبوك تيسًا من غنمه عظيمًا، فسلخ إهابه فأعطاه أمك، فَقَالَ: ادبغي هَذَا، ثُمَّ افري لنا منه ذنوبًا، يروي ماشيتنا» ؟ قال: نعم، قال: «فإن تلك الحبة تشبعني وأَهْل بيتي» . فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «وعامة عشيرتك» . رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، واللفظ له، والبيهقي بنحوه، وابن حبان في صحيحه، بذكر الشجرة في موضع والعنب في آخر، ورواه أَحَمَد باختصار.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ، حَافَّتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ وَمَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ، وَمَاؤُهُ أَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ، وَأَبْيَضُ مِنْ الثَّلْجِ» رواه ابن ماجة والترمذي وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
عن جرير ﵁ قَالَ: نزلنا الصفاح، فإذا رجل نائم في تحت شجرة قَدْ كادت الشمس تبلغه، قال: فقُلْتُ للغلام: انطلق بهَذَا النطع فأظله. قال فأنطلق فأظله، فَلَمَّا استيقظ فإذا هُوَ سلمان ﵁، فأتيته أسلم عَلَيْهِ، فَقَالَ: يا جرير تواضع لله، فإن من تواضع لله في الدُّنْيَا رفعه الله يوم القيامة، يا جرير هل تدري ما الظلمَاتَ يوم القيامة؟ قُلْتُ: لا أدري، قال: ظلم النَّاس بينهم ثُمَّ أخذ عودًا لا أكاد
стр. 2973
أراه بين إصبعيه فَقَالَ: يا جرير لو طلبت في الْجَنَّة مثل هَذَا العود لم تجده، قُلْتُ: يا أبا عَبْد اللهِ؟ أين النخل والشجر؟ فَقَالَ: أصولها اللؤلؤ والذهب وأعلاه الثمر. رواه البيهقي بإسناد حسن. وعن الْبَرَاءُ بن عازب ﵁ في قوله تَعَالَى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ قال: إن أَهْل الْجَنَّة يأكلون من ثمار الْجَنَّة، قيامًا وقعودًا ومضطجعين. رواه البيهقي وغيره موقوفًا بإسناد حسن.
وعن علي ﵁ قال: يساق الَّذِينَ اتقوا ربهم إلى الْجَنَّة زمرا حتى إذا انتهوا إلى أول باب من أبوابها وجدوا عندها شجرة، يخَرَجَ من تحت ساقها عينان تجريان، فعمدوا إلى إحداهما كأنما أمروا بها فشربوا منها، فأذهب ما في بطونهم من قذى وأذى، ثُمَّ عمدوا إلى الأخرى فتطهروا منها فجرت عَلَيْهمْ نضرة النَّعِيم، فلن تتغير أبشارهم بعدها أبدًا، ولن تشعث أشعارهم كأنما دهنوا، ثُمَّ انتهوا إلى خزنة الْجَنَّة، فَقَالُوا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ ثُمَّ تتلقاهم الولدان يطيفون بِهُمْ كما يطيف ولدان أَهْل الدُّنْيَا بالحميم يقدم من غيبته، يقولون له: أبشر بما أعد الله لك من الكرامة، قال: ثُمَّ ينطلق غلام من أولئك الغلمان إلى بعض أزواجه من الحور العين فَيَقُولُ: قَدْ جَاءَ فلان - باسمه الَّذِي كَانَ يدعى به في الدُّنْيَا - فَتَقُول: أَنْتَ رأيته؟ فَيَقُولُ: أَنَا رأيته. وهو ذا في أثري. فيستخف إحداهن الفرح، حتى تَقُوم على أسكفة بابها فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أي شَيْء أساس بنيانه فإذا جندل اللؤلؤ فوقه صرح أخضر وأصفر وأحمر من كُلّ لون ثُمَّ رفع رأسه فنظر إلى سقفه فإذا مثل البرق فلو أن الله تَعَالَى قدره له لألم أن يذهب بصره، ثُمَّ طأطأ رأسه فنظر إلى
стр. 2974
أزواجه وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، فتظروا إلى تلك النعمة ثُمَّ اتكئوا فَقَالُوا: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ} ثُمَّ ينادي مناد: تحيون فلا تموتون، وتقيمون فلا تظعنون.
قال ابن القيم:
... فَاسْمَعْ صِفَاتِ عَرَائِسِ الْجَنَّاتِ ثُمَّ
اخْتَرْ لِنَفْسِكَ يَا أَخَا الْعِرْفَانِ
حُورٌ حِسَانٌ قَدْ كَمَلْنَ خَلائِقًا
وَمَحَاسِنًا مِنْ أَجْمَلِ النِّسْوَانِ
حَتَّى يَحَارُ الطَّرْفُ فِي الْحُسْنِ الَّذِي
قَدْ أَلْبَسَتْ فَالطَّرْفُ كَالْحَيْرَانِ
وَيَقُولُ لَمَّا أَنْ يُشَاهِدَ حُسْنَهَا
سُبْحَانَ مُعْطِي الْحُسْنِ وَالإِحْسَانِ
وَالطَّرْفُ يَشْرَبُ مِنْ كُؤُوسِ جَمَالِهَا
فَتَرَاهُ مِثْلَ الشَّارِبِ النَّشْوَانِ
كَمُلَتْ خَلائِقُهَا وَأُكْمِلَ حُسْنُهَا
كَالْبَدْرِ لَيْلَ السِّتِ بَعْدَ ثَمَانِ
وَالشَّمْسُ تَجْرِي فِي مَحَاسِنِ وَجْهِهَا
وَاللَّيْلُ تَحْتَ ذَوَائِبِ الأَغْصَانِ
فَتَرَاهُ يَعْجَبُ وَهُوَ مَوْضِعُ ذَاكَ مِن
لَيْلٍ وَشَمْسٍ كَيْفَ يَجْتَمِعَانِ ... >?
стр. 2975
.. فَيَقُولُ سُبْحَانَ الَّذِي ذَا صُنْعُه
سُبْحَانَ مُتْقِنِ صَنْعَةَ الإِنْسَانِ
وَكِلاهُمَا مَرَآةُ صَاحِبِهِ إِذَا
مَا شَاءَ يُبْصِر وَجْهَهُ يَرَيَانِ
فَيَرَى مَحَاسِنَ وَجْهِهِ فِي وَجْهِهَا
وَتَرَى مَحَاسِنَهَا بِهِ بِعَيْنَانِ
حُمْرُ الْخُدُودِ ثُغُورُهُنَّ لآلِئ
سُودُ الْعُيُونِ فَوَاتِرُ الأَجْفَانِ
وَالْبَدْرُ يَبْدُو حِينَ يَبْسُمُ ثَغْرُهَا
فَيُضِيءُ سَقْفُ الْقَصْرِ بِالْجِدْرَانِ
وَلَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ بَرْقًا سَاطِعًا
يَبْدُو فَيَسْأَلُ عَنْهُ مَنْ بِجِنَانِ
فَيُقَالُ هَذَا ضَوْءُ ثَغْرٍ ضَاحِكٍ
فِي الْجَنَّةِ الْعُلْيَا كَمَا تَرَيَانِ
للهِ لاثِمُ ذَلِكَ الثَّغْرِ الَّذِي
فِي لَثْمِهِ إِدْرَاكُ كُلِّ أَمَانِ
رَيَّانَةُ الأَعْطَافِ مِنْ مَاءِ الشَّبَا ... ???? ... بِ فَغُصْنُهَا بِالْمَاءِ ذُو جَرَيَانِ ... ???? ... لما جَرَى مَاءُ الشَّبَابِ بِغُصْنِهَا
حَمَلَ الثِّمَارَ كَثِيرَةَ الأَلْوَانِ
فَالْوَرْدُ وَالتُّفَّاحُ وَالرُّمَّانُ فِي
غُصْنٍ تَعَالَى غَارِسُ الْبُسْتَانِ ... >?
стр. 2976
إلى أن قال:
... وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً بِصَبٍّ غَابَ عَنْ
مَعْشُوقِهِ فِي شَاسِعِ الْبُلْدَانِ
وَالشَّوْقُ يُزْعِجُهُ إليه وَمَا لَهُ
بِلِقَائِهِ سَبَبٌ مِن الإِمْكَانِ
وَافَى إليه بَعْدَ طُولِ مَغِيبهِ
عَنْهُ وَصَارَ الْوَصْلُ ذَا إِمْكَانِ
أَتَلُومُهُ أَنْ صَارَ ذَا شُغْلٍ بِهِ
لا وَالَّذِي أَعْطَى بِلا حُسْبَانِ ... >?
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ وَقَوِّي إِيمَانَنَا بِكَ وَمَلائِكَتِكَ وَكُتُبِكَ وَرُسُلِكَ وَاليوم الآخِر، والقَدَرِ خَيْره وَشَرهِ، وَاشْرَحْ صُدُورِنَا وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ هَبْ لَنَا مَا وَهَبْتَهُ لِعِبَادِكَ الأَخْيار وانْظُمْنَا في سِلْكِ الْمُقَرَّبينَ والأَبْرَارِ وآتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وفي الآخَرِةَ حَسَنَةً وقِنَا عَذَابَ النَّار، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.
(فَصْلٌ)
عن جَابِرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَأْكُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلا يَمْتَخِطُونَ، وَلا يَتَغَوَّطُونَ، وَلا يَبُولُونَ، طَعَامُهُمْ ذَلِكَ جُشَاءٌ كَرَيحِ الْمِسْكِ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّكْبِيرَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ.
وَعَنْ زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ
стр. 2977
إلى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ تَزْعُمُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونِ وَيَشْرَبُونَ؟ قَالَ: «نعم، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الأَكْلِ وَالْشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ» . قَالَ: فَإِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ تَكُون لَهُ الْحَاجَةُ، وَلَيْسَ فِي الجَنَّةِ أَذَى؟ قَالَ: «تَكُون حَاجَة أَحَدِهِمْ رَشْحًا يَفِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ كَرَشْحِ الْمِسْكِ فَيَضْمُرُ بَطْنُهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنِّسَائِي. وَرُوَاتُهُ مُحْتَجّ بِهِم في الصَّحِيحِ.
ورواه الطبراني بإسناد صحيح. ولفظه في إحدى رواياته قال: بينما نَحْنُ عَنْدَ النَّبِيّ ﷺ إذ أقبل رجل من اليهود، يُقَالُ له: ثعلبة بن الحارث فَقَالَ: السَّلام عَلَيْكَ يا مُحَمَّد، فَقَالَ: «وعليكم» . فَقَالَ له اليهودي: تزعم أن في الْجَنَّة طعامًا وشرابًا وأزواجًا، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «نعم تؤمن بشجرة المسك» ؟ قال: نعم. قال: «وتجدها في كتابكم» ؟ قال: نعم، قال: «فإن البول والجنابة عرق، يسيل من تحت ذوائبهم، إلى أقدامهم مسك» .
وَرَواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم ولفظهما: أتى النَّبِيّ ﷺ رجل من اليهود، فَقَالَ: يا أبا القاسم ألست تزعم أن أَهْل الْجَنَّة يأكلون فيها ويشربون؟ وَيَقُولُ لأصحابه: إن أقر لي بهَذَا خصمته، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «بلى، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ في المَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ، وَالشَّهْوَةِ، وَالْجِمَاعِ» ، فَقَالَ اليهودي: فإن الَّذِي يأكل ويشرب تَكُون له الحاجة، فَقَالَ له رسول الله ﷺ : «حاجتهم يفيض من جلودهم مثل المسك، فإذا البطن قَدْ ضمر» . ولفظ النسائي نحو هَذَا.
стр. 2978
.. هَذَا وَتَصْرِيفُ الْمَآكِلِ مِنْهُمُوا
عَرَقٌ يَفِيضُ لَهُمْ مِنْ الأَبَدَانِ
كَرَوَائِحِ الْمِسْكِ الَّذِي مَا فِيهِ مِنْ
خِلْطٍ لَهُ مِنْ سَائِرِ الأَلْوَانِ
فَتَعُودُ هَاتِيكَ الْبُطُونُ ضَوَامِرٌ
تَبْغِي الطَّعَامَ عَلَى مَدَى الأَزْمَان
لا غَائِطٌ فِيهَا وَلا بَوْلٌ وَلا
مَخَطٌ وَلا بَصَقٌ مِن الإِنْسَانِ
وَلَهُمْ جُشَاءٌ رِيحُهُ مِسْكٌ يَكُو
نُ بِهِ تَمَامُ الْهَضْمِ بِالإِحْسَانِ
هَذَا وَهَذَا صَحَّ عَنْهُ فَوَاحِدٌ
فِي مُسْلِمٍ وَلأَحْمَدَ الأَثَرَانِ ... >?
وعن أنس بن مالك ﵁ يرفعه: «إن أسفل أَهْل الْجَنَّة أجمعين من يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم، مَعَ كُلّ خادم صحفتان، واحدة من فضة، وواحدة من ذهب، في كُلّ صفحة لون لَيْسَ في الأخرى مثلها، يأكل من آخره كما يأكل من أوله، يجد لآخره من اللذة والطعم ما لا يجد لأوله، ثُمَّ يكون فوق ذَلِكَ رشح مسك وجشاء مسك، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون» . رواه ابن أبي الدُّنْيَا واللفظ له، والطبراني، ورواته ثقات.
وعن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إن أدنى أَهْل الْجَنَّة منزلة إن له سبع درجات وَهُوَ على السادسة،
стр. 2979
وفوقه السابعة، إن له لثلاثمائة خادم، ويغدى عَلَيْهِ في كُلّ يوم ويراح بثلاثمائة صحفة، - ولا أعلمه إِلا قال -: من ذهب، في كُلّ صفحة لون لَيْسَ في الأخرى، وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره، ومن الأشربة ثلاثمائة إناء، في كُلّ إناء لون لَيْسَ في الآخِر، وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره، وإنه ليَقُولُ: يا رب لو أذنت لي لأطعمت أَهْل الْجَنَّة وسقيتهم، لم ينقص مِمَّا عِنْدِي شَيْء» . الْحَدِيث رواه أَحَمَد عن شهرٍ عَنْهُ.
وعن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إن طير الْجَنَّة كأمثال البخت، ترعى في شجر الْجَنَّة» . فَقَالَ أبو بكر: يَا رَسُولَ اللهِ إن هذه لطير ناعمة، فَقَالَ: «أكلتها أنعم منها» . قالها ثلاثًا، «وإني لأرجو أن تَكُون ممن يأكل منها» . رواه أَحَمَد بإسناد جيد، والترمذي، وَقَالَ: حديث حسن، ولفظه قال: سئل النَّبِيّ ﷺ ما الكوثر؟ قال: «ذاك نهر أعطانيه الله، يعني في الْجَنَّة، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق الجزر) قال عمر: إن هذه لناعمة، فَقَالَ رسول الله ﷺ : «أكلتها أنعم منها» . (البخت) : بضم الموحدة، وإسكَانَ الخاء المعجمة، هِيَ الإبل الخراسنية.
... فَمَا الْعَيْشُ إِلا ذَاكَ لا عَيْشُ عَزَّةٍ
وَسُعْدَى وَلا لَيْلَى وَلا أُمِّ سَالِمِ
وَذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَا
وَيُرْجَى لِعَبْدٍ قَارِعِ الْبَابِ لازِمِ ... >?
стр. 2980
وعن سليم بن عامر ﵁ قال: كَانَ أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم، قال: أقبل أعرابي يومًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ذكر الله في الْجَنَّة شجرة مؤذية، وما كنت أرى أن في الْجَنَّة شجرة تؤذي صاحبها؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وما هِيَ» ؟ قال: السِّدر، فإن له شوكًا مؤذيًا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أليسَ الله يَقُولُ: {فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} ، خَضَد الله شوكه، فجعل مكَانَ كُلّ شوكة ثمرة، فإنها لتنبت ثمرًا تَفَتَّق الثمرةُ منها عن اثنين وسبعين لونًا من طعام، ما فيها لون يشبه الآخِر» . رواه ابن أبي الدُّنْيَا، وإسناده حسن. ورواه أيضًا عن سليم بن عامر عن أبي أمامة الباهلي عن النَّبِيّ ﷺ مثله. وروي عن ابن عباس ﵄ قال: الرمانة من رمان الْجَنَّة يجتمَعَ حولها بشر كثير يأكلون منها فإن جرى على ذكر أحدهم شَيْء يريده وجده في موضع يده حيث يأكل» . رواه ابن أبي الدُّنْيَا. وروى بإسناده أيضًا عَنْهُ قال: «إن التمرة من تمر الْجَنَّة طولها اثنا عشر ذراعًا، لَيْسَ له عجم» .
شِعْرًا:
... فَسِرْ فِي الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ إِلَى الْعُلا
عَلَى الصِّدْقِ وَالإِخْلاصِ وَالْبِرِّ وَالتُّقَى
وَإِيَّاكَ وَالدُّنْيَا الْغَرُورَ فَإِنَّهَا
مَتَاعٌ قَلِيلٌ مَالَهَا أَبَدًا بَقَا
وَتُلْهِيكَ عَنْ جَنَّاتِ خُلْدٍ نَعِيمُهَا
يَدُومُ وَيَصْفُو حَبَذَا ذَلِكَ مُلْتَقَى ... >?
следующие страницы →