← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

كَلِمَتِكَ، ولا يَقْتُلُون ولا يُقْتَلُون، ولا يُجَاهِدُون جِهَادًا مَا دُونَ القِتَالِ والقَتْلِ، يَسُدُّون بِهِ ثَغْرةً وَيُسَاهِمُونَ بِهِ في الدِّفَاعِ عَنْ دِينِك الذي أَرَدْت له النَّصْرَ والاستعلاءَ، قال: ولقد كانَتْ هذه الكماتُ تَدْخُلُ إلى قلوب مُسْتَمِعيها الأوَّلِينَ، على عهدِ الرسولِ ﷺ ، فَتَتَحَوَّلُ مِنْ فَوْرِهَا إلى وَاقِعٍ مِنْ وَاقع حَيَاتِهِمْ، وَلَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ مَعَانٍ يَتَمَلَّوْنَها بأذهانِهِمْ، وَيُحِسُّونَها مُجَرَّدَةً فِي مَشَاعِرِهِمْ، كانُوا يَتَلَقَّوْنَهَا للْعَمَل الْمبَاشِر بِها، لِتَحْوِيلِهَا إلى حَرَكةٍ مَنظورَةٍ، لا إلى صُورَةٍ مُتأمَّلَةٍ، هَكَذَا أَدْرَكَهَا عَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحة ﵁ في بَيْعَةِ العَقَبَةِ. قال محمدُ بن كعبِ القُرَظِي: قَالَ عَبْدُ اللهِ بن رواحةَ لِرسولِ اللهِ ﷺ يَعْنِي لَيلةَ العقبةِ - اشْتَرطْ لِرَبِّكَ وَلِنَفْسِكَ مَا شِئْتَ، فَقَالَ: «أشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، واشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكمْ وَأَمْوَالَكُمْ» . قَالَ: فَمَا لَنَا إِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ؟ قَالَ: «الْجَنَّةِ» قَالُوا: رَبِحَ البَيْعُ، لا نُقِيلُ ولا نَسْتَقِيل فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ . انْتَهَى باخْتِصَار. اللَّهُمَّ يَا عَالَم الخَفياتِ وَيَا سَامِعَ الأَصْوَاتِ وَيَا بَاعِثَ الأَمْواتِ وَيَا مُجِيبَ الدَّعَوَاتِ وَيَا قَاضِي الحَاجَاتِ يَا خَالَق الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ أَنْتَ اللهُ الأحدُ الصمدُ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد، الوَهَّابُ الذي لا يَبْخَلُ وَالحِليمُ الذي لا يَعْجَلُ، لا رَادَّ لأمْركَ وَلا مُعَقِّبَ لِحُكَمِكَ، نَسْأَلَكَ أَنْ تَغفرَ ذُنوبَنَا وَتُنَورَ قلوبنَا وَتُثَبِّتَ مَحَبَّتَكَ فِي قُلُوبِنَا وَتُسْكِنَنَا دَارَ كَرَامَتِكَ إِنك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

стр. 3117

تَأَلَّفَ بَرْقُ الْحَقِّ في الْعَارِضِ النَّجْدِي ... فَعَمَّ جَمِيعَ الكَوْنِ في الغَوْرِ والنَّجْدِ به زُعْزُعَتْ أَرْكَانُ كِسْرَى وقَيْصَرٍ ولم يُجَد مَا حَازَا مِنْ الْمَالِ والجُنْدِ وَأَمْثَالُهَا في السَّالِكينَ طرَيِقَهَمْ أَرنَاَ كَمَا قَدْ قَالَهُ صَادِقُ الوَعْدِ فَلِلهِ حَمْدٌ يَرْتَضِيهِ لِنَفْسِهِ عَلَى نِعْمٍ زَادَتْ عَنْ الحَصْرِ والعَدِّ فَأعْظَمهما بَعْثُ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ أَمِينُ إله الحَقِّ وَاسِطَةَ العِقْدِ دَعَانَا إِلى الإسلامِ دِينِ إِلَهَنَا وتَوْحِيدِهِ بالْقَوْلِ والفِعْلِ والقَصْدِ هَدَانَا بِهِ بَعْدَ الضَّلالَةِ والعَمَى وَأَنْقَذَنَا بَعْدَ الغِوَايَةِ بالرُّشْدِ حَبَانَا وَأَعْطَانَا الذِي فَوْقَ وَهْمِنَا وأَمْكَنَنَا مِن كُلِّ طَاغٍ وَمُعْتَدِّ وَأَيَّدَنَا بالنَّصْرِ واتَّسَعَتْ لَنَا مَمَالِكُ لا تَدْعُوا سِوَى الوَاحِدِ الفَرْدِ فَنَسْأَلُهُ إِتْمَامَ نِعْمَتِهِ بأنْ يُثَبِّتَنَا عِنْدَ الْمَصَادِرِ كَالوِرْدِ فيا فوزَ عبدٍ قَاَم لله جاهِدًا عَلَى قَدَمِ التجريدِ يَهْدِي وَيَسْتَهْدِي

стр. 3118

.. وَجَرَّدَ في نَصْرِ الشَّريعَةِ صَارمًا ... بِعَزْم يُرَى أَمْضَى مِن الصَّارِمِ الْهِنْدِي وتابَعَ هَدْيَ الْمُصْطَفَى الطُهْرَ مُخْلِصًا لِخَالِقِهِ فِيمَا يُسِرُّ وَمَا يُبْدِي ويَا حَسْرَة الْمَحْرُومِ رَحْمَةَ رَبِّهِ بإِعْرَاضِهِ عن دِينِ ذِي الْجُودِ والْمَجْدِ ِ لَقَدْ فَاتَه الْخَيْرَ الكَثِيرُ وَمَا دَرَى وَقَدْ خَابَ واختارَ النُّحُوسَ عَلى السَّعْدِ ومِنْ بَعْدِ حَمْدِ اللهِ أَزْكَى صَلاتِهِ وَتَسْلِيمِهِ الأَوْفَى الكَثِيرِ بلا حَدِ عَلَى الْمُصْطَفَى خَيْرِ الأَنَامِ وآلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَهْل السَّوابِقِ والزُّهْدِ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ إِيمَانَنَا بِكَ وَبِمَلائِكَتِكَ وَكُتُبِكَ وَرُسُلِك وَاليوْمِ الآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ. اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا وَاشْرَحْ صُدُورَنَا وَاسْتُرْ عُيُوبَنَا وَأَمِّنْ خَوْفَنَا وَاخْتِمْ بِالصَّالِحَاتِ أَعْمَالِنَا وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَحِزْبِكَ المُفْلِحِينِ الذِينَ لا خَوفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُون، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. فَصْلٌ وَمِنْ الآيَاتِ التِي وَرَدَتْ في الْحَثِّ عَلَى الْجِهَادِ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ، وَمُلازمةِ الصَّبْرَ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ

стр. 3119

يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وَقَالَ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . وَقَالَ تَعَالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . وَقَالَ تَعَالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ . وَقَالَ تَعَالى: ﴿انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . شِعْرًا: أَطَيَبُ الطَّيبَاتِ فِعْلُ الفَرائض ... والْجِهَاد في سَبِيل الله لِقَتْلِ الأَعَادِي

стр. 3120

وَقَالَ تَعَالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . وَأَمَّا الأَحَادِيثُ الواردةُ في فَضْلِ الْجِهَادِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ بالنفسِ وَالْمَالِ، فَإِلَيْكَ مِنْهَا طَرَفًا فَتَأَمَّلْهُ وَاسْأَل اللهَ أَنْ يُقِيمَ عَلَمَ الْجِهَادِ في سَبِيلِهِ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا وَإِيَّاكَ الشَّهَادَةَ، وَأَنْ يُلْحِقْنَا بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ، وَيَجْمَعَنَا وَإِيَّاهُمْ في مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ إِنَّهُ جَوَّاد كريم. فَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ» . قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» . قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ ابن مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللهِ أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالى؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا» . قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» . قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَنَسِ ﵁ قَالَ: قَالََ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 3121

شِعْرًا: وَلَمْ أَرَى فِي عُيُوبِ النَّاسِ عَيْبًا ... كَنَقْصِ القَادِرِينَ عَلَى الْجِهَادِ جِهَادِ النَّفْسِ مَعْ قَتَلِ الأَعَادِي ... لِدِينِ اللهِ فَافهَمْ مِنْ مُرَادِ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ» . قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ فِى شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالى أَوِ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ فِيهِ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» . رَوَاهُ مُسْلِم. وَعَنْ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلا الْمُرَابِطَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنَّهُ يُنْمِّي لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيُؤْمَنُ فِتْنَةِ الْقَبْرِ» . رواهُ أَبُو دَاودَ، والتِّرْمِذِي. وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيح. وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُول: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَنَازِلِ» . رواهُ التِّرْمذِي، وقال: حديثٌ حَسَنٌ صحيح.

стр. 3122

اللَّهُمَّ اعْصِمْنَا عَن الْمَعَاصِي وَالزَّلات وَوَفِّقْنَا لِلْعَمَلِ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. فَصْلٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ إِلا جِهَادٌ فِي سَبِيلِي وَإِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي فَهُوَ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ كُلِمَ لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ، وَرِيحُهُ رِيحُ مِسْكٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا وَلَكِنْ لا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ وَلا يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنْ أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ» . رواه مسلم. وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ اللهِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَواقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَمَنْ جُرِحَ جَرْحًا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً فَإِنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ لَوْنُهَا الزَّعْفَرَانُ وَرِيحُهَا كَالْمِسْكِ» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بشِعْبٍ في عُيَيْنَةٌ مِنْ مَاءٍ عَذْبَةٌ،

стр. 3123

فَأَعْجَبَتْهُ فقال: لَوْ اعْتَزَلْتُ النَّاسَ فَأَقَمْتُ فِي هَذَا الشِّعْبِ وَلَنْ أَفْعَلَ حَتَّى أسْتَأذنَ رسولَ الله ﷺ فَذَكَر ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «لا تَفْعَلْ فَإِنَّ مَقَامَ أَحَدِكُمْ في سبيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَامًا، أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يغفِرَ اللهُ لَكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ الْجَنَّةَ اغْزُو في سبيل اللهِ، مَنْ قاتلَ في سبيلِ الله فُوَاقَ ناقةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» . رواهُ التِّرْمِذِي. وقال: حديثٌ حسَنٌ. وعنهُ قالَ: قيلَ يَا رسولَ اللهِ ما يَعْدِلُ الْجهاد في سبيل اللهِ؟ قَالَ: «لا تَسْتَطِيعُونَهُ» . فَأَعَادُوا عليهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لا تَسْتَطِيعُونَهُ» . ثُمَّ قَالَ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ في سبيلِ اللهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَانِتِ بآياتِ اللهِ لا يَفْتُرُ مِنْ صلاةٍ وَلا صِيَامٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ في سبيلِ اللهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظُ مُسْلِمٍ. وفي رِوايةٍ للبُخاري أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولِ اللهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ قَالَ: «لا أَجِدُهُ» . ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلا تَفْتُرَ وَتَصُومَ وَلا تُفْطِرَ» ؟ فَقَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَى مَتْنِهِ يَبْتَغِي الْقَتْلَ أَوِ الْمَوْتَ مَظَانَّهُ أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ أَوْ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الأَوْدِيَةِ يُقِيمُ الصَّلاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ إِلا فِي خَيْرٍ» . رواه مسلم. شِعْرًا: أفادَتْنِي الدِّيَّانَةُ كُلَّ عِزٍ ... وَهَل شَيءٌ أعَزُّ مِنَ الدِّيَانَةْ

стр. 3124

فَصَيِّرْهَا لِنَفْسِكَ رَأْسَ مَالٍ ... وَصَيِّرْ بَعْدَهَا التَّقْوَى بِضَاعَةْ آخر: وَمَا نُبَالي إِذَا أَدْيَانُنَا سَلِمَتْ ... بِمَا فَقَدْنَاهُ مِنْ مَال وَمِنْ نَشَبِ فَالْمَالُ مُكْتَسَبٌ وَالْعِزُّ مَطْلَبُهُ ... في طَاعَةِ اللهِ لا فِي المَالِ وَالنَّسَبِ وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ في الْجَنَّةِ مائةَ دَرَجَةٍ، أعدَّها اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كمَا بَيْنَ السَّمَاءَ والأرضِ» . اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِقَوْلِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ وَخَلِّصْنَا مِنْ وساوِسِ قُلُوبنَا الْحَامِلَةِ عَلَى التورُّطِ في هُوَّةِ البَاطِلِ وابتداعِهِ واجْعَلْ إِيمَانَنَا إِيمَانًا خَالِصًا صَادِقًا قَوِيًّا وَكُنْ لَنَا مُؤَيِّدًا وَلا تَجْعَلْ لِفَاجِرٍ عَلَيْنَا يَدًا وَاجْعَلْ عَيْشَنَا عَيْشًا رَغَدًا. وَلا تُشْمِتْ بِنَا عَدُوًّا وَلا حَاسِدًا وَارْزُقْنَا في مَحَبَّتِكَ عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وَعَمَلاً مُتَقبَّلاً وَحِفْظًا كَامِلاً وَفَهْمًا ذَكِيًّا وَطَبْعًا صَفِيًّا وَأَدَبًا مُرْضِيًا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ ألْهِمْنَا القِيَامَ بِحَقِّكَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي الْحَلال مِنْ رِزْقَكَ، وَلا تَفْضَحْنَا بَيْنَ خَلْقِكَ، يَا خَيْرَ مَنْ دَعَاهُ دَاعٍ وَأَفْضَلَ مَنْ رَجَاهُ رَاجٍ يَا قَاضِيَ الْحَاجَاتِ وَيَا مُجِيب الدّعَواتِ هَبْ لَنَا مَا سَأَلْنَاهُ وَحَقِّقْ رَجَاءَنَا فِيمَا تَمَنَّيْنَاهُ وَأَمِّلْنَا يَا مِنْ يَمْلِكُ حَوائِجَ السَّائِلين وَيَعْلَمُ مَا فِي ضَمَائِر الصَّامِتِينَ، أَذِقْنَا بِرْدَ عَفْوِكَ وَحَلاوَةَ مَغْفِرَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدَرِيّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، وَجَبَت لَهُ الْجَنَّةُ» . فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا

стр. 3125

رَسُولَ اللهِ. فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ، قَالَ: «وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللهُ بِهَا الْعَبْدَ مَائةَ دَرَجَةٍ في الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» . قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ، الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ» . رواهُ مُسْلِم. وَعَنْ أبي بَكْرِ بِنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي ﵁ وَهُوَ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ - يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ» . فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلاَمَ ثُمَّ كَسَرَ جفْنَ سَيْفِهِ فَأَلْقَاهُ ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إِلَى الْعَدُوِّ فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ. رواه مسلم. وَعَنْ أَبِي عَبْسٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : «مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ» . رواهُ البُخاري. وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لاَ يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلاَ يَجْتَمِعُ عَلَى عَبْدٍ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ» . رواهُ الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ» . رواهُ الترمذيُ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ

стр. 3126

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ، إِلاَّ الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ» . وفي رِوايةٍ: «لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ» . وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلاَّ الدَّيْنَ» . رواهُ مُسْلم. وفي روايةٍ لهُ: «الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ الدَّيْنَ» . اللَّهُمَّ اعْصِمْنَا وَاحْمِنَا عَنْ الرُّكُونِ إِلى عِدَاكَ وَارْزُقْنَا بُغْضَهُمْ وَأَعْوَانِهِم وَوَفِّقْنَا لِمَحَبَّتِكَ وَمَحَبَّةِ رُسُلِكَ وَأَوْلِيَائِكَ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ. اللَّهُمَّ نَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ النَّارِ وَعَافِنَا مِنْ دَارِ الْخِزْيِ وَالبَوَارِ وَأَدْخِلْنَا بِفَضْلِكَ الْجَنَّةَ دَارَ القَرَارِ وَعَامِلْنَا بِكَرَمِكَ وَجُودِكَ يَا كَرِيمُ يَا غَفَّارُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْياءِ مِنْهُم والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. موعظة: عِبَادَ اللهِ إِنَّ الأَوْلادَ بدُونِ تَرْبيةٍ لا قِيمَةَ لَهُمْ بَيْنَ صُفُوفِ الأَوْلادِ، بَلْ هُمْ بِدُونِ تَرْبِيَةٍٍ مُصِيبَةٌ كُبْرَى على الوَالِدَيْنِ خَاصةً وعلى الْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ وَخَيرٌ مِنْ وُجُودِهِمْ بِدُونِ تَرْبِيَةٍ أَوْ بِتَرْبِيَةٍ فَاسِدَةٍ عَدَمُهُمْ، لأَنَّهُ لَيْسَ فِي عَدَمِهِمْ ضَرَرٌ، لا عَلَى الْوَالِدَيْنِ وَلا عَلَى الْجَمَاعَةِ وَلا عَلَى الأفرادِ، بَلْ في عَدَمِهِمْ مَصَالِحُ مُتَعَددةٌ، هَذَا بَيَانُ حَالِهِمْ بِلا تَرْبِيَةٍ أَوْ بِتَرْبِيَةٍ فَاسِدَةٍ، فَلْيَعْلَمْهُ الرَّجُلُ الْحَكِيمُ، أَمَّا التَّرْبِيَةُ فَشَيْءٌ هَيِّنٌ

стр. 3127

يَسِيرٌ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ فَمِنَ الأَسْبَابِ إِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ لا تَعْمَلَ أَنْتَ وَزَوْجَتُكَ أمامَ أَوْلادِكُمَا شَيْئًا يَكُونُ فَاعلُهُ مُتَوَجِّهًا عَلَيْهِ قَدْرٌ مِنْ اللوْمِ، بَلْ تَلْزمانِ الآدَابَ السَّامِيةَ وَالأَخْلاقَ الفَاضِلَةِ لِيَقْتَدُوا بِكُمَا، ذَلِكَ لأَنَّ الولدَ يُقَلِّدُ غَالِبًا أُمَّهُ وَأَبَاهُ تَقْلِيدًا مُطْلَقًا لا عِقَالَ لَهُ ولا زِمَامَ وَيَتَحَدَّثُ عَنْ سِيرةِ أَبَوَيْهِ وَأَفْعَالِهمَا وَيَفْتَخِرُ بِهِمَا وَبِمَا لَهُمَا مِنْ سَجَايَا وَيَمْدَحُهُمَا وَيذُبُّ عَنْهُمَا بِكُلِّ مَا يَسْتَطِيعُ هذا في الغالبِ كَمَا ذَكَرْنَا ويندُرُ خِلافُه تَأمَّلْ مَا حَكَاهُ القُرْآنُ الكريمُ لِتَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ صِدْقٌ وَأَنَّ صَلاحَ الأبَوَيْنِ وَتَوْجِيهَهُمَا تَوْجِيهًا حَسَنًا عَلَيْهِ مَدَارٌ عَظِيمٌ ذَكَرَ اللهُ في كِتَابِهِ العَزِيز مَرَّاتٍ أَنَّ الرُّسُلَ بَعْدَ إظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ يَدْعُونَ قَوْمَهُمْ لِلْكَمَالِ فَيُكَذِّبُونَهُم في دَعْوَتِهِمْ وَهُمْ رُسُلُ اللهِ بِحُجّةِ أَنَّ آبائهُمْ لَيْسَتْ أَعْمَالُهُمْ كَهِذِهِ الأَعْمَالِ فَيُرَجّحُونَ عَمَلَ آبَائِهِمْ وَهُمْ كَفْرٌ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ وَهُوَ دِينُ رَبِّنَا ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ قَالَ تَعَالى عَنْ مَا قالوه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ وفي الآيةِ الأُخْرى: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ هكذا الآباءُ عِنْدَ الأَبْنَاءِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ العُظْمَى التي عِنْدَهُمْ لا تُدَانِيهَا مَنْزِلَةُ عَظِيمٍ، وَاسْمَعْ إِلى قَوْلِ الفَرَزْدَق يَتَحَدَّى جَرِيرًا: أُولئكَ آبائِي فجِئنِي بمِثْلِهِم إِذَا جَمَعَتْنَا يا جَرِيرُ الْمَجَامِعُ ويقول الآخر: إِنَّا َنَبْنِي عَلى مَا شَيَّدَتْهُ لَنَا آبَاؤُنا الغُرُّ مِنْ مَجدِوِ مِن كَرَمِ

стр. 3128

آخر: وَيَنْشَأُ نَاشِئُ الفِتْيَانِ مِنَّا عَلَى مَا كَانَ عَوَدَهُ أَبُوهُ حَتَّى إِنَّهُم كَانُوا في الْجَاهِلِيةِ يَحْلفونَ بآبائِهِمْ حَتَّى نَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «لا تَحْلِفُوا بآبائكم» . وكذلك نَهَى عَن الْحَلْفِ بِغَيْرِ الآباءِ، وَلِذَلِكَ أَبْنَاءُ الوَالِدَيْنِ الكَامِلَيْنِ لا يَعْمَلانِ إِلا الأَعْمَالَ الحسنةَ التِي رَأَوْا وَالِدَيْهِم يَعْمَلانِهَا فَيشِبُّونَ وَيَشِيبُونَ لا يَعْرِفونَ إِلا الكَمَالَ ولو كَلفْتَهُم غَيْرَهُ قَالُوا: إِنَّ هَذَا وَالِدَانا لا يَعْرِفَانِهِ، وَتَجِدُ أَبناءَ الْمُنْحَرِفِينَ الفَاسِدِينَ فَاسِدِينَ كَآبَائِهِمْ غَالِبًا، لأَنَّهُمْ وَرِثُوا الفَسَادَ مِنْ أَبَوَيْهِمْ، وَلِذَلِكَ تَجِدُ أَبْنَاءَ الفَاسِدِينَ الفَاسِقِينَ يَحْكُونَ عَنْ آبائِهِمْ مَا يَتَغَيَّرُ لَهُ وَجْهُ صَاحِبِ الدِّينِ وَمِنَ النَّادِرِ أَنْ تَجِدَ وَلَدَ الفَاسِدينَ لَيْسَ فَاسِدًا وَمِنْ الشُّذوذِ أَيْضًا أَنْ تَجِدَ وَلَدَ التَّقِيِّ وَالتَّقِيّةِ شَقِيًّا فَاسِدًا هَذَا يُعْرَفُ قَدِيمًا قَبْلَ أَنْ يَتَوَلَّى تَعْلِيمَ الشَّبَابِ ضِعَافُ الدِّينِ وَمَنْ لا دِينَ لَهُمْ وَلا أَخْلاقَ وَإِنْ شِئْتَ فَاقَرأ قَوْلَ اللهِ تَعَالى: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ وَلَمْ يُبَرِّئَهَا قَوْمُهَا مِنْ الفَاحِشَةِ إِلا بَعْدَ أَنْ بَرَّأَهَا اللهُ جَلَّ وَعَلا عَقِبَ الوِلادَةِ عَلَى لِسَانِ وَلَدِهَا عِيسَى ﵇ عَرَفَ قَوْمُهَا أَنَّ الوَلدَ يَتْبَعُ أَبَوَيْهِ فِي الغَالِب حَسْبَ العَادَةِ التِي أَجْرَاهَا اللهُ جَلَّ وَعَلا في الصَّلاحِ والفسادِ في الأَبَوَيْنِ فَاسْتَغْرَبُوا مِنْ مَرْيَمَ الطَّاهِرَةِ العَفِيفَةِ أَنْ تَفْعَلَ الفَاحِشَةَ لَمَّا رَأَوْا بأَعْيُنِهِمْ عَلَى كَتِفِهَا وَلدًا مِنْ الأَوْلادِ وَيَحَسْبِ مَا أَجْرَى اللهُ مِنْ العَادَةِ أَنَّهُ لا يَجِيءُ الوَلدُ إِلا مِنْ وَالِدٍ لِذَلِكَ فَهِمَ قومُها فِيهَا أَنَّهَا جَاءَتْ هَكَذَا مِنْ وَالِدَيْنِ صَالِحِينَ عَلى خِلافِ الْمُعْتَادِ وَلَمْ يَعْرِفُوا أَنَّهَا جَاءَتْ كَالْعَادَةِ صَالِحَةً مِنْ الصَّالِحِينِ إِلا

стр. 3129

بَعْدَ أَنْ كَلَّمَهُمْ وَلَدُهَا عِيسَى ﵇ عَقِبَ ولادَتِهِ بِمَا يُبِرِّؤُهَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ كَلامَهُمْ أَقْبَلَ عليهِمْ وَتَرَكَ الرَّضَاعَ وَأَشَارَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ بَدَأَ يَتَكَلَّمُ فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِجُمْلَةِ صِفَاتٍ فَقَالَ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ . فَوِلادَةُ عِيسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلاةِ والسلامِ عَجِيبَةٌ حَقًّا بالقِيَاسِ إِلى مَأْلُوفِ البَشَرِ وَلَكِنْ لا غَرَابَةَ فِيهَا عِنْدَمَا تُقَاسُ إِلى خَلْقِ آدَمَ أَبِي البَشَرِ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ فاللهُ جَلَّ وَعَلا لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ في الأَرْضِ وَلا في السَّمَاءِ وَالْهَدَفَ الْمَقْصُودُ مِنْ مَا تَقَدَّمَ الْحِرْصُ وَالْجِدُّ وَالاجْتِهَادُ عَلَى تَوْجِيهِ الأَوْلادِ إِلى الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالأَخْلاقِ الفَاضِلَةِ وَأَنْ يَحْرِصُوا جَدًّا على مُلاحَظَتِهمْ وَحِفْظِهمْ عَنْ مُرَافَقَةِ الأَشْرَارِ وَمَنْعِهمْ مِنْ حُضُورِ الْمَلاهِي وَالْمُنْكَرَاتِ كَالتِّلِفِزيُون مَقْبَرَةُ الأَخْلاقِ والفِيدْيُو مُعَلِّمِ الفَسَاد وَالكُورةِ مُورِثَةِ العَدَاوَةِ وَالفُرقَةِ بَيْنَ القُلُوبِ وَالأَبْدَان وَمِنَ الْخُرُوجِ لَيْلاً حَسْبَ الاسْتِطَاعَةِ وَالقُدْرَةِ وَالْهِدَايَةُ وَالتَّوْفِيقُ بِيدِ اللهِ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَلَوْ كَانَ مِنْ ذُرِيَّةِ الرُّسُلِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَوْلادِ الفَرَاعِنَةِ وَالْكَفَرَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يُخْلَقَ سَعِيدًا تَخَلَفَتْ ... ظنُونُ مُرَبِّيهِ وَخَابَ الْؤُمِّلُ فَمُوسَى الذِي رَبَّاهُ جِبْرِيلُ كَافِرٌ ... وَمُوسَى الذِي رَبَّاهُ فِرْعَوْنُ مُرُسَلُ اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا عِلْمًا نَافِعًا وَعَمَلاً مُتَقَبِّلاً وَرِزْقًا وَاسِعًا نَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى طَاعَتِكَ، وَقَلْبًا خَاشِعًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَإِيمَانًا خَالِصًا، وَهَبْ لَنَا إِنَابَةَ الْمُخْلِصِينَ وَخُشُوعَ الْمُخْبِتِينَ، وَأَعْمَالَ الصَّالِحِينَ، وَيَقِينَ الصَّادِقِينَ،

стр. 3130

وَسَعَادَةَ الْمُتَّقِينَ، وَدَرَجَاتِ الفَائِزِينَ، يَا أَفْضَلَ مَنْ رُجِيَ وَقُصِدَ، وَأَكْرَمَ مَنْ سُئِلَ. اللَّهُمَّ يا مَنْ لا تَضُرَّهُ الْمَعْصِيةُ ولا تَنْفَعَهُ الطَّاعَةِ أَيْقِظْنَا مِنْ نَوْمِ الغَفْلَةِ وَنَبَّهْنَا لاغْتِنَامِ أَوْقَاتِ الْمُهْلَةِ وَوِفِّقْنَا لِمَصَالِحْنَا وَاعْصِمْنَا مِنْ قَبَائِحْنَا وَذُنُوبِنَا وَلا تُؤاخِذْنَا بِمَا انْطَوَتَ عَلَيْهِ ضَمَائِرُنَا وَأَكَنَّتْهُ سَرائِرُنَا مِنْ أَنْوَاعِ القَبَائِحِ والْمَعَائِبِ. اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًا وَارْزُقْنَا إتِّبَاعَه، وَأرِنا الباطل باطلاً وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) في هذه الآيات الكريماتِ، والأحاديثِ الشريفةِ بيانُ فَضْلِ الْجِهَادِ وَالشُّهَدَاءِ وَكَرَامَتُهُمْ، وَمَا مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَفِي ضِمْنِهَا تَسْلِيَةٌ لِلأَحْيَاءِ عَنْ قَتْلاهم، وَتَعْزِيَةٌ لَهُمْ، وَتَنْشِيطٌ لَهُمْ عَلى القِتَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُثَابَرَةِ عليهِ، وَالتَّعَرُّضِ لِلشَّهَادَةِ، وَالْجِدِّ وَالاجتهادِ في الْحُصُولِ عَلَيْهَا، نَسْأَلُ اللهَ الْحَيَّ القيومَ، العليَّ العظيمَ، أَنْ يوفِقَنَا لَهَا إِنَّهُ القَادِرُ على ذلك. عَنْ أَنَسٍ بن مالكٍ - في أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الذيِن أرسلَهُمْ نَبِيُّ اللهِ إلى بئْرِ مَعُونَةَ - قالَ: لا أَدْرِي أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ وَعَلَى ذَلِكَ الْمَاء عَامِرُ بنُ الطُّفيلِ الْجَعفريُ فخرَجَ أَولئك النَّفَرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتُوا غَارًا مُشْرِفًا على الماءِ، فقعَدُوا فِيهِ ثُمَّ قَالَ: بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يُبَلِّغُ رِسَالةَ رَسولِ اللهِ ﷺ أَهْلَ هَذَا الْمَاءِ؟ فَقَالَ - أُراهُ - أبو مِلْحَانَ الأَنْصَارِي: أَنَا أُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَخَرَجَ حتَّى أَتَى حَوْلَ بَيْتِهِمْ فَاخْتَبَأ أمَامَ البُيُوتِ ثَمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ بِئْرِ مَعُونَةَ إني رُسُولُ رَسُولِ اللهِ إليكُمْ أَني أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ،

стр. 3131

وأَنَّ محمدًا عبدُهُ وَرَسُولُهُ فآمِنُوا باللهِ وَرَسُولِهِ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ كَسْرِ البيتِ برمْحٍ، فَضَرَبَه في جَنْبِهِ حتى خَرَجَ مِنْ الشِّقِّ الآخر فقالَ: اللهُ أكبَرُ فُزْتُ وربِّ الكعبةِ فاتَّبَعُوا أَثَرَهُ حتى أَتَوْا أصحابَه في الغار فقَتَلَهُمْ أجمعينَ عامرُ بن الطفيلِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ وَهُوَ ابنُ أَبي طَلْحَةَ: حَدَثَّنِي أَنَسُ بِنُ مَالكٍ أنَّ الله أنَزَل فِيهم قُرْآنًا (بِلِّغُوا عنا قَومَنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ) . ثُمَّ نُسِخَتْ فَرُفِعَتْ بعْدَ مَا قرأنها زَمانًا وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فَقَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلاعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا ففعل ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا: يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا» . قالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: عَزَّى اللهُ نبيَّهُ وأولياءَهُ عَمَّنْ قُتِلَ مِنْهُمْ في سبيلِهِ، أَحْسَنَ تعزيةٍ وألطَفَهَا وَأدْعاهَا إلى الرِّضَا بِمَا قضاهُ لَهمْ، فقالَ: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً﴾ الآية فجمَعَ لَهُمْ إلى الحياةِ الدَّائمةِ منزلةَ القُرْبِ منْهُ، وَأَنَّهم عندَهُ، وَجَرَيانَ الرزْقِ الْمستَمّرِ عليهم وفرَحَهُمْ بِمَا آتَاهمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وهو فوقَ الرِّضَا واستبشارَهُمْ بإخوانِهِمْ الذين باجتماعِهِم بِهِمْ يتمُّ سرورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ

стр. 3132

وَاسْتِبْشَارَهُم بِمَا يُجَدّدُ لَهم كَلَّ وَقْتٍ مِنْ نِعْمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ. وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهَا أَنْ تَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا إِلاَّ الشَّهِيدُ فَإِنَّهُ يَسرُهُ أَنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيَا فَيُقْتلَ مرةً أُخْرى مِمَّا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ» . تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلم. وَعن جابر قَالَ: قالَ لِي رسولُ اللهِ ﷺ : «أَعَلِمْتَ أنَّ اللهَ أَحْيَا أَباكَ فَقَالَ له: تَمَنَّ. فَقَالَ لَهُ: أُرَدُّ إلى الدُّنْيَا فَأُقتَلُ فِيكَ مَرةً أُخْرَى، قالَ: إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لا يُرْجَعُونَ» . وَعَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَبْكِي وَأَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ فَجَعَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَنْهَوْنَنِي وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَنْهَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لا تَبْكِيهِ - أَوْ مَا تَبْكِيهِ - مَا زَالَتْ الْمَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ» . وَعَنْ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأَوي إلى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ في ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَحُسْنَ مَقِيلِهِم، قَالُوا: يَا لَيْتَ إخْوَانِنَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللهُ بِنَا لِئَلا يَزْهَدُوا في الْجِهَاد، ولا يَنْكُلُوا عَنْ الْحَرْبِ فَقَالَ اللهُ : أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ فَأَنْزِلَ هَذِهِ الآياتِ: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآيات.

стр. 3133

قال ابن القيم ﵀: فالشَّأنُ لِلأرْوَاحِ بَعْدَ فِراقِهَا أبدَانَها وَاللهِ أعظَمُ شَانِ إمَّا عَذَابٌ أَوْ نَعِيمٌ دَائِمٌ قَدْ نُعِّمَتْ بِالرَّوْحِ والرَّيحَانِ وَتَصِيرُ طَيْرًا سَارِحًا مَعْ شَكْلِهَا تَجْنِي الثِّمَارَ بِجَنَّةِ الحَيَوانِ وَتَظَلُّ وَارِدَةً لأنْهَارٍ بِهَا حَتَّى تَعُودَ لِذَلِكَ الْجُثْمَانِ لَكِنَّ أَرْوَاحَ الذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي جَوفِ طَيْرٍ أَخْضَرٍ رَيَّانِ فَلَهُمْ بِذَاكَ مَزِيَّةٌ في عَيْشِهِم ونَعِيمُهُم لِلرُّوْحِ وَالأبدَانِ بَذَلُوا الجُسُومَ لربِّهِم فأعَاضَهُم أَجْسَامَ تِلكَ الطَّيرِ بالإحْسَانِ وَلَهَا قَنَادِيلٌ إليهَا تَنتَهِي مَأوَى لَهَا كَمَسَاكِنِ الإِنْسَانِ فالرُّوحُ بَعدَ الموتِ أكمَلُ حَالَةٍ منهَا بِهَذِي الدَّارِ في جُثمَانِ وَعذَابُ أشقَاهَا أشدُّ مِنَ الذِي ... قَدْ عَاينَت أبصَارُهَا بِعِيَانِ

стр. 3134

اللَّهُمَّ يا فَالِقَ الحَبِّ والنَّوَى، يا مُنْشِئَ الأجْسَادِ بَعْدَ البلَى يا مُؤْوي المنْقَطِعِينَ إِليْه، يا كَافِي المُتَوَكِّلينَ عليه، انْقَطَعَ الرَّجَاءُ إلا مِنْكَ، وخابَتِ الظُنُونُ إلا فِيكَ، وضَعُفَ الاعْتمادُ إِلا عَلَيْكَ نسألُكَ أنْ تُمْطَرَ مَحْلَ قُلُوبِنَا مِن سَحائِبِ بِرِّكَ وإحْسَانِكْ وأَنْ تُوِفقَّنا لِمُوجِباتِ رَحْمَتِكَ وعَزَائِم مَغفرتِكَ إنكَ جَوادٌ كريم رؤوفٌ غفور رحيم. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا، وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً، وَنَسْأَلُكَ بَرَكَةَ الحياةِ وَخَيْرَ الحيَاةِ، وَنَعُوذ بِكَ مِنْ شَرّ الحياةِ، وَشَرّ الوَفَاةْ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِيْنَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. وَقَالَ عَبْدُ الله بنُ عَمْروٍ بن حَرَام: رَأَيْتُ في النَّوْمِ قَبْلَ أُحُدٍ مُبَشِّر بن عَبْدِ الْمُنْذِرِ يَقُولُ لِي: أَنْتَ قَادِمٌ عَلَيْنَا في أَيَّام. فَقُلْتُ: وَأَيْنَ أَنْتَ؟ فَقَالَ: في الْجَنَّةِ نَسْرَحُ فِيهَا حَيْثُ نَشَاءُ قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تُقْتَلْ يَوْمَ بَدْرٍ؟ فَقَالَ: بَلَى، ثُمَّ أُحِييتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: «هَذِهِ الشَّهَادَةُ يا جَابِرُ» . وَقَالَ خَيْثَمَةُ وَكَانَ ابْنُهُ قَدْ اسْتُشْهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ -: لَقَدْ أَخْطَأْتَنِي وَقْعَةُ بَدْرٍ، وَكُنْتُ وَاللهِ عَلَيْهَا حَرِيصًا. حَتَّى سَاهَمْتُ ابْنِي في الْخُرُوجِ، فَخَرَجَ سَهْمُهُ فَرُزِقَ الشَّهَادَةَ وَقَدْ رَأَيْتُ البَارِحَةَ ابْنِي في النَّوْمِ في أَحْسَنِ صُورَةٍ، يَسْرَحُ في ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَأَنْهَارِهَا، يَقُولُ: الْحقْ بِنَا تُرَافِقُنَا في الْجَنَّةِ، فَقَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَ رَبِّي حَقًّا، وَقَدْ وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ أَصْبَحْتُ مُشْتَاقًا إِلى مُرَافَقَتِهِ فِي الْجَنَّةِ، وَقَدْ كَبُرَتْ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي وَأَحْبَبْتُ لِقَاءَ رَبِّي، فَادْعُ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ يَرْزُقْنِي الشَّهَادَةَ وَمُرَافَقَةَ سَعْدٍٍ في الْجَنَّةِ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقُتِلَ بأُحُدٍ شَهِيدًا، وَقَالَ عَبْدُ اللهِ

стр. 3135

ابنُ جَحْشٍ في ذَلِكَ اليَومِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ أَنْ ألْقَى الْعَدُوَّ غَدَا فَيَقْتُلُونِي ثُمَّ يَبْقُرُوا بَطْنِي، وَيَجْدَعُوا أَنْفِي وَأُذُنِي، ثُمَّ تَسْأَلُنِي فِيمَ ذَلِكَ فَأَقُولُ: فِيكَ. وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ أَعْرَجَ شَدِيدَ الْعَرَجِ، وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ بَنِينَ شَبَابٌ يَغْزُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا غَزَا، فَلَمَّا تَوَجَّهَ إِلَى أُحُدٍ أَرَادَ أَنْ يَتَوَجَّهُ مَعَهُ فَقَالَ لَهُ بَنُوهُ: إِنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لَكَ رُخْصَةً فَلَو قَعَدْتَ فَنَحْنُ نَكْفِيكَ وَقَدْ وَضَعَ اللهُ عَنْكَ الْجِهَادَ فَأَتَى عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ بَنِيَّ هَؤُلاَءِ يَمْنَعُونِي أَنْ أَخْرُجَ مَعَكَ وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أُسَتَشْهَدَ فَأَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ وَضَعَ اللَّهُ عَنْكَ الْجِهَادَ» . وَقَالَ لِبَنِيهِ: «وَمَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَدْعُوهُ لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُ الشَّهَادَةَ» . فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا. وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ ﵁ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ - يَعْنِي أَصْحَابَهُ - وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ - يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ - ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ الْجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ. قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ. قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ

стр. 3136

قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلاَّ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ. قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نَرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِى أَشْبَاهِهِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾ إِلَى آخرها. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : «رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلاَنِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، قَالاَ: أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ» . رواه البخاري. شِعْرًا: لَبَيْكَ رَسُولَ اللهِ مَنْ كَانَ بَاكِيَا وَلا تَنْسَ قَبْرًا بالْمَدِينَةِ ثَاوِيَا جَزَى اللهُ عَنَّا كُلَّ خَيرٍ مُحَمَّدًا فَقَدْ كَانَ مَهْدِيًا دَلِيلاً وَهَادِيَا وَلَنْ تَسْرِيَ الذِكْرَى بِمَا هُوَ أَهْلُهُ إِذَا كُنْتَ لِلْبَرِّ الْمُطَهَّرِ نَاسِيَا أَتَنْسَى رَسُولَ اللهِ أَفْضَلَ مَنْ مَشَى وَآثَارُهُ بالْمَسْجَدَيْنِ كَمَا هِيَا وَكَانَ أَبَرَّ الناسِ بالناسِ كُلِّهم وَأَكْرَمَهُم بَيْتًا وَشِعِبًا وَوَادِيَا تَكَدَّرَ مِنْ بَعْدِ النبيّ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ سَلامُ اللهِ مَا كَانَ صَافِيَا

стр. 3137

فَكَمْ مِنْ مَنَارٍ كَانَ أَوضَحَهُ لَنَا وَمِنْ عَلَمٍ أَمْسَى وَأَصْبَحَ عَافِيَا رَكَنَّا إلى الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ بَعْدَهُ وَكَشَّفَتِ الأَطْمَاعُ مِنَّا الْمَسَاوِيَا وَإِنّا لَنُرْمَى كُلَّ يَوْمٍ بِعَبْرَةٍ نَرَاهَا فَمَا نَزْدَادُ إلا تَمَادِيَا نُسَرُّ بِدَارٍ أَوْرَثَتْنَا تَضَاغُنَا عَلَيْهَا وَدَارٍ أَوْرَثَتْنَا تَعَادِيَا إِذا المَرءُ لَم يَلبَسْ لِبَاسًا مِنَ التُقى تَقَلَّبَ عُريانًا وَإِن كانَ كاسِيَا أَخي كُن عَلى يَأسٍ مِنَ الناسِ كُلِّهُم جَمِيعًا وَكُن ما عِشتَ للهِ راجِيَا أَلَم تَرَ أَنَّ اللهَ يَكْفِي عِبادَهُ فَحَسْبُ عِبادِ اللهِ بِاللهِ كافِيَا وَكَمْ مِنْ هَنَاتٍ مَا عَلَيْكَ لَمَستَهَا مِنَ النَّاسِ يَومًا أَو لَمَسْتَ الأَفاعِيَا أَخِي قَدْ أَبَى بُخْلِي وَبُخْلُكَ أَنْ يُرَى لِذِي فاقَةٍ مِنّي وَمِنْكَ مُوَاسِيَا كِلانا بَطينٌ جَنبُهُ ظَاهِرُ الكُسى وَفي النَّاسِ مَنْ يُمْسِي وَيُصْبِحُ طَاوِيَا كَأَنّا خُلِقنا لِلبَقاءِ وَأَيُّنا

стр. 3138

.. وَإِن مُدَّتِ الدُّنْيَا لَهُ لَيْسَ فَانِيَا أَبى المَوتُ إِلا أَن يَكونَ لِمَن ثَوى مِنَ الخَلقِ طُرًّا حَيثُمَا كَانَ لاقِيَا حَسَمْتَ الْمُنَى يَا مَوْتُ حَسْمًا مُبَرِّحًا وَعَلَمْتَ يَا مَوتُ البُكَاءَ البَواكِيَا وَمَزَّقتَنا يا مَوتُ كُلَّ مُمَزَّقٍ وَعَرَّفتَنا يَا مَوْتُ مِنْكَ الدَوَاهِيَا أَلا يَا طَوِيلَ السَّهْوِ أَصْبَحْتَ ساهِيًا وَأَصْبَحتَ مُغتَرًّا وَأَصْبَحْتَ لاهِيَا أَفي كُلِّ يَومٍ نَحنُ نَلْقَى جَنازَةً وَفي كُلِّ يَوْمٍ نَحْنُ نَسْمَعُ نَاعِيَا وَفي كُلِّ يَومٍ مِنكَ نَرثِي لِمُعوِلٍ وَفي كُلِّ يَومٍ نَحْنُ نُسْعِدُ باكِيَا أَلا أَيُّها البَانِي لِغَيرِ بَلاغِهِ أَلا لِخَرابِ الدَّهرِ أَصْبَحْتَ بانِيَا أَلا لِزَوالِ العُمْرِ أَصْبَحْتَ جامِعًا وَأَصْبَحْتَ مُختالاً فَخورًا مُباهِيَا كَأَنَّكَ قَدْ وَلَّيتَ عَنْ كُلِّ مَا تَرى وَخَلَّفتَ مَن خَلَّفتَهُ عَنْكَ سالِيَا اللَّهُمَّ أَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا في الأُمُورِ كُلِّهَا وَأَجِرْنَا مِنْ خِزي الدنيا وعذاب الآخرةِ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ اللَّهُمَّ قَنِّعْنَا مِنْ الدُّنْيَا بِاليَسِيرِ وَسَهِل عَلينَا كُلّ أمر عَسِير وَوَفِّقْنَا لِمَا تُحِبَّه وَتَرْضَاهُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرِ وَأَسْكِنَّا دَارَ كَرَامَتِكَ

стр. 3139

يَا مَنْ هُو مَلْجَؤُنَا وَمَلاذُنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِير وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ كُلِّ هَمَّ فَرَجَا وَمِنْ كُلِّ ضَيْقٍ مَخْرَجًا وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ إخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) في وقعة بدر فَلَمَّا كَانَ في رَمَضَانَ في العام الثاني، في سَبْعَةَ عَشَرَ، في صَبِيحَةِ يوم الْجُمعةِ، وَقَعَتْ بَدْرُ بَيْنَ محمدٍ ﷺ وَجَيْشِهِ، وَبَيْنَ الْقَوْمِ الكَافِرين، أعداءِ اللهِ ورسولهِ، وهِيَ قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ مَعْرُوفَةٌ، مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ وَمُلْخَّصُهَا أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَبَرَ العِيرِ الْمُقْبِلَةِ مِنْ الشَّامِ لِقُرَيْشِ، العِيرُ التِي خَرَجُوا في طَلَبِهَا، لَمَا خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ، وَكَانُوا نَحْوَ أَرْبَعِينَ رَجُلاً، وَفِيهَا أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ لِقُرَيْشٍ، حَتَّى لَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ قُوِّمَ مَا فِيهَا بِنَحْوِ خَمْسِينَ أَلْف دِينَارٍ فَتَرَامَتْ إِلى رَسُولِ اللهِ ? أَنْبَاؤُهَا، بِأَنَّهَا قَدْ فَصَلَتْ مِنْ الشَّام ِ، عَائِدَةً إِلى مَكَّةَ، فَنَدَبَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ، لِلْخُرُوجِ إِلَيْهَا، وَأَمَرَ مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا بِالنُّهُوضِ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ غَائِبًا، وَلَمْ يَحْتَفِلْ لَهَا احْتِفَالاً بَلِيغًا، لأَنَّهُ خَرَجَ مُسْرِعًا وَمَعَهُ ثَلاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةٌ عَشَرَ رَجُلاً، مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَسَارَ ﷺ حَتَّى بَلَغَ بُيُوتَ السُّفيَا، وَهِيَ آبَارٌ عَذْبَةُ الْمَاءِ، عَلَى نَحْوِ مِيلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ، فَنَزَلَ بِهَا يَوْمَ الأَحد، فَضَرَبَ عَسْكَرَهُ هُنَاكَ. ثُمَّ عَرَضَ الْجُنْدَ، فَرَدَّ مِنْهُمْ صِغَارَهُمْ، الذِينَ لا يَقْوَوْنَ عَلَى حَمْلِ السِّلاحِ، فَكَانَ مِمَّنْ رَدَّهُمْ عَبْدُ اللهِ بن عُمَرَ، وَرَافِعُ بن خُدَيْجٍ، وَالبَرَاءُ بنُ عَازِبٍ، وَأُسَيَّدُ بنُ حُضَيْرِ بِنْ سَمَّاكٍ، وزيدُ بنُ

стр. 3140

الأرقم، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وَعَرَضَ عُمَيْرَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ فَاسْتَصْغَرَهُ فَبَكَى عُمَيْرٌ، فَأَجَازهُ، وَسَيَّرَهُ مَعَ الْجَيْشِ، وَرَوَى الوَاقدي عن سَعْد ابن أبي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ أَخِي عُمَيْرَ بنَ أَبِي وَقَّاصِ، قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَارَى، فَقُلْتُ مَالَكَ يَا أَخِي؟ قَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَرَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَيَسْتَصْغِرُنِي فَيَرُدَّنِي، وَأَنَا أُحِبُّ الْخُرُوجَ، لَعَلَّ اللهَ يَرْزُقَنِي الشَّهَادَةَ، قَالَ: فَعُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاسْتَصْغَرَهُ، فَقَالَ: «ارْجِعْ» . فَبَكَى عُمَيْرٌ، فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَكَانَ سَعْدٌ يَقُولُ: كُنْتُ أَعْقِدُ لَهُ حَمَائِلَ سَيْفِهِ.. فَقُتِلَ بِبَدْرٍ وَهُوَ ابنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَة. وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن بُيُوتَ السُّقْيَا فِي نَحْوِ خَمْسَةَ عَشَرَ وثَلاثِمِائَةِ، وَرُوِيَ أن النبيَّ ﷺ لَمَّا عَدّ أَصْحَابَهُ يَوْمَ بَدْرِ، وَجَدَهُمْ ثَلاثَمِائَةٍ وَثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً فَفَرِحَ بِذَلِكَ وَقَال: «عِدّةَ أَصْحَابِ طَالُوتَ الذَّيِنْ جَازوا مَعَهُ النَّهْرَ» . وكان فِيهِمْ نَحْو سَبْعِينَ مِن الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْوُ مائتَيْن وَأَرْبَعِينَ مِنْ الأَنْصَارِ، ولَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مِن الْخَيْلِ إِلا فَرَسَانِ، فَرَسٌ لِلزُبَيْرِ بنِ الْعَوَّامِ، وَفَرَسٌ لِلْمِقْدَادِ بِنْ الأَسْوَدِ الْكَنَدِي، وكان مَعَهُمْ سَبْعُونَ بَعِيرًا، يَعْتَقبُ الرَّجُلانِ والثَّلاثَةُ على الْبَعِير الواحدَ، والأَرْبَعَةُ عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ، يَتَبَادَلُونَ الرُّكُوبَ عَلَيْهِ، فَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَعَلَيُّ بنُ أبِي طَالبِ، وَمَرْثَدُ بنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا، وَكَانَ حَمْزَةُ، وَزَيْدُ بنُ حَارِثَةَ، وَأَبُو كَبْشَةَ، وانَسَة مَوْلَيَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 3141

يَعْتَقِبُونَ بَعِيْرًا، وكانَ أَبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعِبْدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ يِعْتَقِبُونِ بَعِيْرًِا. وَهَكَذَا كَانَ كُلُ جَمَاعَةٍ يَتَعَاقَُبْونَ الْمَشْيَ، وَيَتَبَادَلُونَ الرُّكُوبَ عَلَى بَعِيرهِم، وكَانَ ﷺ يَأَبَى إلا أَنْ يُشَارِكَ أَصْحَابَهُ في تَعبَهِمْ ورَاحَتِهمِْ، وإلا أَنْ يَأْخُذَ دَوْرَهُ في الْمَشْي وفي الرُّكوبِ كَوَاحِدٍ منْهُمْ، فكانَ ﷺ إذا انْتَهَتَ نَوْبَتُهُ في الرُّكوبِ نَزَلَ فَيَقُولُ لَهُ رَفِيقَاهُ: اِرْكَبْ يَا رسولَ اللهِ، حتى نَمْشِيَ عَنْكَ. فَيَقُولُ لَهُمَا: «مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي على الْمشِي، ومَا أَنَا بأغْنَى عن الأَجْرِ مِنْكُمَا» . وكان أصحابُهُ ﷺ في حاجَةٍ شَدِيدَةٍ، فَقرٌ وَعُرِي، ولِذَلِكَ فقد رُوِيَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَظَر إلى أَصْحَابِهِ حينَ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ، فَأَثَّرَ في نَفْسِهِ مَنْظَرُهُمْ، فَدَعَا اللهِ لَهُمَ، فقال: «اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ حُفاةٌ فاحْمِلْهُمْ، وَعُرَاةٌ فاكْسُهُمْ، وجِياعٌ فَأَشْبِعْهُمُ، وَعَالةٌ فََأَغْنِهِمْ مِنْ فَضْلِكَ» . واسْتَخْلَفَ على الْمَدِينةِ وعلى الصَّلاةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ، وَلَمَّا كانَ بالرَّوْحَاءِ رَدَّ أبا لُبَابةَ بنَ عبْدِ الْمُنْذِرِ، واسْتعْمَلُه على المدينة. شِعْرًا: وَنَشْهَدُ أنَّ اللهَ خَصَّ رَسُولَهُ بأصْحابِهِ الأبْرَارِ فَضْلاً وَأَيَّدَا فَهُمْ خَيرُ خَلْقِ اللهِ بَعْدَ أنْبِيائِهِ بِهِمْ يَقْتَدِي في الدِّينِ كُلُ مَنْ اقْتَدَا

стр. 3142

وَأَفْضلُهم بَعْدَ النبي مُحَمَّدٍ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ذُو الْفَضْلِ والنَّدا لَقَد صَدَّقَ الْمُخْتَارَ فِي كُلِّ قَوْلِهِ وآمَن قَبلَ النَّاسِ حَقًّا وَوَحَّدَا وَفَادَاهُ يَومَ الْغَارِ طَوْعًا بِنَفْسِهِ وَوَاسَاهُ بالأمْوَالِ حَتَّى تَجَرَّدَا وَمِنْ بَعْدِهِ الْفَارُوُقُ لا تَنْسَ فَضْلَهُ لَقَدْ كَانَ لِلإِسْلامِ حِصْنًا مُشَيَّدَا لَقد فَتَحَ الْفَارُوقُ بالسَّيْفِ عَنْوةً كَثِيرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ وَمَهَّدَا وَأَظْهَرَ دِينَ اللهِ بَعْدَ خَفَائِهِ وَأَطْفَأَ نَارَ الْمُشْرِكِينَ وَأَخْمَدَا وَعُثْمَانُ ذُو النُّورينِ قَدْ مَاتَ صَائِمًا وَقَدْ قَامَ بالْقُرَآنِ دَهْرًا تَهَجَّدَا وَجَهَّزَ جَيْشَ العُسْرِ يَومًا بِمَالِهِ وَوَسَّعَ لِلْمُخْتَارِ والصُّحْبِ مَسْجِدَا وَبَايَعَ عَنْهُ الْمُصْطَفَى بِشِمَالِهِ مُبَايَعَةِ الرِّضْوانِ حَقًّا وَأَشْهَدَا ولا تَنْسَ صِهّرَ الْمُصْطَفَى وابْنَ عَمِهِ فَقَدْ كانَ حبَرًا لِلْعُلُوم وَسَيِّدَا وَفَادَى رَسُولَ طَوْعًا بِنَفْسِهِ

стр. 3143

.. عَشِيَّةَ لَمَّا بالفِراشِ تَوَسَّدَا وَمَنْ كَانَ مَوْلاهُ النَّبِيُ فَقَدْ غَدَا عَليٌّ لَهُ بالْحَقِ مَولاً وَمُنْجِدًا وَطَلْحَتُهُمْ ثُمَّ الزُّبَيْرُ وَسَعْدُهُمْ كَذَا وَسَعِيدٌ بالسَّعَادَةِ أُسْعِدَا وَكانَ ابْنُ عَوفٍ باذِلَ الْمَالِ مُنْفِقًا وَكَانَ ابنْ جَرَّاحٍ أَمِينًا مُؤَيَّدَا وَلا تَنْسَ بَاقِي صَحْبِهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَأَنْصَارَهُ والتَّابِعِينَ على الْهُدَى فَكُلُهُمْ أَثْنَى الإِلهُ عَلَيْهِمُ وَأَثْنَى رَسُولُ اللهِ أَيْضًا وَأَيَّدَا اللَّهُمَّ إِنا نعوذُ بكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ وَعَمَلٍ لا يُرْفَعُ وَدُعَاءٍ لا يُسْمَعُ، واغْفِرْ لنا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ إنا نعوذُ بكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ وَعَمَلَ لا يُرْفَعُ وَدُعَاءٍ لا يُسْمَعُ، واغْفِرْ لنا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا من حِزْبِكَ وَعِبَادِكَ الصَّالِحينَ الذين أَهَّلْتَهُمْ لِخِدْمَتِكَ وَجَعَلْتَهُمْ مِمَّنْ قَبِلْتَ صِيامَهُ وَقِيامَهُ، واغْفِرْ لنا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمينَ الأَحْياءِ منهم والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) وكانَ ﷺ قَدْ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينةِ على غَيْرِ لِوَاءٍ مَعْقُودٍ، ولكِنّهُ مُنْذُ خَرَجَ مِنْ بُيُوتِ السُّقيَا وَضَعَ رِجَالَهُ في تَشْكِيلٍ حرْبِيّ، يُلائِمُ ظُرُفَ السَّيْر في أَرْضِ الْعَدُوّ، فقدْ يَلْقَوْنَ عَدُوِّهُمْ فُجْأةً، وهم على غَيْر أُهْبةٍ لِلْقتالِ، وقدْ يَأْخُذُهُمْ عَدُوُّهُمْ عَلَى غِرَّةٍ مِنَ

стр. 3144

الْخَلْفِ، وَهُمْ كُلَمَّا بَعُدُوا عن الْمَدِينةِ تَقَدَّمُوا في أرضٍ يُسَيْطِرُ عليها الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَنْ يُشَابِهونَهُمْ في عَدَاوَةِ الإِسْلامِ، وَمِنْ أَجْل هَذَا أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ في تَنْظِيمِ رِجَالِهِ، عَلَى النَّحْوِ الذِي أَحْرَى أَنْ يَأْمَنَ بِهِ الْمُفَاجَأَةَ، فَجَعَلَ عَلَى السَّاقَةِ قَيْسَ ابنَ أَبِي صَعْصَعَةَ، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامَ، وَأَظهَرَ السِّلاحَ، وَعَقَدَ ألْوِيةً ثلاثةً لِوَاءً أَبْيَضَ يَحْمِلُهُ مُصْعبُ بنُ عُمَيرٍ، وَرَايَتَانِ سَوْداَوَانِ، إِحْدَاهُمَا مَعَ عَلِيّ بنِ أبي طَالبٍ، وَالتِي للأَنْصَارِ إلى سَعْدِ بن مُعاذٍ. وَسَارَ ﷺ ، وَلَمَّا قَرُبَ مِنْ الصَّفْرَاءِ قَدَّمَ عَيْنَيْنِ لَهُ إلى الْمُشْرِكِينَ، يَتَجَسَّسَانِ أَخْبَارَ العِيْر، وَالْعَيْنَّانِ بسْبَسُ بنُ عَمْروٍ الْجَهَنِي، وَعُدَيُّ بنُ أَبِي الزَّغْبَاءِ الْجُهَنِي، فَانْتَهَيَا إِلى مَاءِ بَدرٍ، فَوَجَدَا هُنَاكَ جَارِيَتَيْن تَسْتَقِيَانِ مِنْ الْمَاءِ، وَعَلِمَا مِنْ حِوَارِهِمَا أَنَّهُمَا تَتَرَقَّبَانِ عِيرَ قُرَيْشٍ، وَأَنَّهَا تَصِلُ إلى بَدْرٍ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ فَرَجَعَا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأْخَبَرَاهُ بِذَلِكَ. وَأَمَّا أَبُو سُفْيَانُ فَقَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ الْخَبَرُ بَأَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ يَتَرَصَّدُونَ عوْدَتُه، فأرْسَلَ على عَجَلٍ رَسُولاً إلى قُرَيْشِ، يُنَبِّئُهَا بِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وَصَحْبُهُ، وَيَسْتَفِزُّهَا لِحَمَايَةِ أَمْوَالِهَا وَاسْتَأْجَرَ ضَمْضَمَ بنَ عَمْروٍ الغِفَارِيّ إلى مَكَّةَ، مُسْتَصْرِخًا لِقُرَيْشٍ بالنَّفِير إلى عِيرِهِمْ، لِيَمْنَعُوهُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَوَصَّى رَسُولَهُ أَنْ يَتَّخِذَ لِذَلِكَ كُلَّ وَسِيلَةٍ تُثِيرُ مَشَاعِرَ القَوْمِ، وَتَسْتَنْهِضُ هِمَمَهُمْ لِلْغَوْثِ وَالنَّجْدَةِ، فَاتَّخَذَ رَسُولُهُ لِذَلِكَ كُلَّ مَظَاهِرِ الصَّارِخِ الْمَلْهُوفِ، فَجَدَع بَعِيرَهُ، وَحَوَّلَ رَحْلَهُ وَشَقَّ قَمِيصَهُ، وَوَقَفَ يَصْرُخُ بِبَطْنِ الوَادِي، قَائِلاً: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اللَّطِيمَةَ اللَّطِيمَةَ، أَمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمَّدٌ

стр. 3145

وَأَصْحَابُهُ، لا أَرَى أَنْ تُدْرِكُوهَا، الغَوْثَ الغَوْثَ، فَبَلَغَ الصَّرِيخُ أَهْلَ مَكَّةَ، فَنَهَضُوا وَأَوْعَبُوا في الْخُرُوجِ، وَأَعَانَ قَوِيُهُمْ ضَعِيفَهُمْ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجلٌ إلا خَرَجَ، أَوْ بَعَثَ مَكَانَهُ رَجُلاً، وَيَقُولُ الرُّوَاةُ: إِنَّ أُميَّةَ بنَ خَلَفٍ أَرَادَ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ النَّفِيرِ، فَجَاءَهُ عقبةُ بنُ أَبِي مُعْيطٍ، وَمَعْهُ مِجْمرةٌ وَبَخُورٌ فَوَضَعَهَا أَمَامَهُ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَدِيّ القَوْمِ، وَقَالَ لَهُ: اسْتَجْمِرْ أَبَا علي، فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ النِّسَاءِ فَخَجَلَ وَاسْتَحْيَا، وَقَامَ مِنْ فَوْرِهِ، فَتَجَهَّزَ وَسَارَ مَعَ النَّاسِ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْ أَشْرَافِهِمْ سِوَى أَبِي لَهَبٍ، فَإِنَّهُ عَوَّضَ عَنْهُ رَجُلاً يُقَالُ لَهُ: العَاصُ بنُ هِشَامٍ، كانَ لأبي لَهَبٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُمْ مِنْ بُطونِ قُرَيْشٍ إلا بَنِي عَدِيٍّ فَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَخَرَجُوا من دِيَارِهِمْ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ . وسَارَ أَبُو سُفْيَانَ بالعِيرِ يَتَشَمَّم الأَخْبَارَ في طَرِيقِهِ، حَتَّى إِذَا قَرُبَ مِنْ بِدْرٍ، تَقَدَّمَ الْعِيرَ حَذَرًا، حَتَّى وَرَدَ الْمَاءَ، فَسَأَلَ هُنَاكَ عَنْ أَخْبَارِ الْمُسْلِمِين، فَعَلِمَ أَنَّ رَاكِبَيْنِ كَانَا قَدْ نَزَلا عَلَى تَلٍّ هُنَاك، فَأَنَاخَا رَاحِلَتَيْهِمَا سَاعَةً، حَتَّى اسْتَقَيَا مِنْ الْمَاءِ، ثُمَّ رَحَلا، فَذَهَبَ أَبُو سُفْيَانَ إِلى ذَلِكَ التَّلِّ، وَنَظَر في مُنَاخِ الرَّاحلتينِ، فَأَخَذَ مِنْ أَبْعَارِهِمَا، وَفَرَكَهُ فِي يَدِهِ، فَوَجَدَ فِيهِ آثَارَ النَّوَى، فَعَلِمَ أَنَّ الرَّاكِبَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: هَذِهِ وَاللهِ عَلائِفُ يَثْرِبَ، وَهَذِهِ عُيُونُ مُحَمَّدٍ، قَدْ أَقْبَلَتْ، تَتَجَسَّسُ أَخْبَارَنَا وَرَجَعَ مُسْرِعًا إلى الْعَيْر، فجعلَ يَضْرِبُ وُجُوهَهَا وَيُحَوّلُها عَنِ السَّيْرِ إِلى بَدْرٍ، مُتَّجِهًا بِهَا إِلى سَاحِلِ البحرِ، تَارَكًا بَدْرًا إِلى يَسَارِهِ فَاسْتطَاعَ أَنْ يَنْجُو بَأَمْوَال قُرَيْشٍ، وَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ قَدْ نَجَا وَأَحْرَزَ العَيْرَ

стр. 3146

كَتَبَ إِلى قريشٍ أَنْ ارْجِعُوا، فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا خَرَجْتُمْ لِتُحْرِزُوا عِيرَكُمْ، فَأتَاهُمْ الْخَبَرُ وَهُمْ بِالْجُحْفَةِ، فَهَمُّوا بالرُّجُوعِ وَرَغِبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّ أَبَا جَهْلٍ رَكِبَ رَأْسَهُ، وَعَزَّ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعُوا، فَتَضْعُفَ شَوْكَتُهُمْ بَيْنَ العربِ، وَيَطْمَعَ فِيهِمْ الْمُسْلِمُونَ وَغَيْرُهُمْ، فأخَذَ يَصِيحُ في القَوْمِ وَيَقُولُ: وَاللهِ لا نَرْجِعُ حَتَّى نَردَ بَدْرًا، فَنُقِيمَ بِهَا، وَنُطْعِمَ مَنْ حَضَرَنَا مِنْ العَرَبَ وَنَسْقِيَ الْخَمْرَ، وَتَعْزِفُ عَلَيْنَا القِيَانُ، وَتَسْمَعَ العربُ بنا، وبِمَسِيرنا، وَجَمْعِنَا، وَلا يَزَالُونَ يَهَابُونَنَا، وَجَعَلَ يُحَرِّضُ النَّاسَ. وَانْقَسَمَ النَّاسُ إلى قِسْمَيْنِ، فَرِيقٌ يَرَى أَنَّ الْخُرُوجَ إِنَّمَا كَانَ لإِنْقَاذِ العِيرِ، وَقَدْ نَجَّاهَا اللهُ، فلا مَعْنَى إِذًا لِلسَّيْرِ، وَفَرِيقٌ يَرَى رَأْيَ أَبِي جَهْل، فَيَدْعُو إلى مُواصَلَةِ السَّيْرِ، وَكَانَ من الفريقِ الأَوَّلِ بَنُوا عَدِيٍّ، وَبَنُوا زَهْرَةَ، وَمِمَّنْ أَشَارَ بِالرُّجُوعِ الأَخْنَسُ بنُ شَرِيْقٍ فَعَصَوْهُ فَرَجَعَ هُوَ وَبَنُوا زَهْرَةَ فَلَمْ يَشْهدْ بَدْرًا زُهْرِيُّ، فَاغْتَبَطَتْ بَنُوا زَهْرَةَ بَعَدَ ذَلِكَ بِرَأْي الأَخْنَسِ، فَلَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مُطَاعًا مُعَظَّمًا، وَأَمَّا الفَرِيقُ الثَّانِي فَقَدْ وَاصَلُوا السَّيْرَ تَحْتَ ضَغْطِ أَبِي جَهْلٍ وَشِيعَتِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَسِيرُ عَلَى غَيْرِ مَا يَرَى مِنَ الرَّأْيِ، وَمَا يُضْمِرُ مِنَ العَقِيدَةِ، إِنَّمَا يَسِيرُ تَحْرُّجًا، وَمَدَارَاةً لِسَفَاهَةِ السُّفَهَاءِ، وَمَا زَالُوا يَسِيرونَ وَيَنْحَرُونَ، وَيُطْمِعُونَ، وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، وَيُغَنُّونَ وَيُصَفِّقُونَ وَيُعَلِنُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِكُلِّ الوسَائلِ وَالدِّعَايَاتِ، حَتَّى وَصَلُوا إِلى وَادِي بَدْر، فَنَزَلُوا بالعُدْوَةِ القُصْوَى. اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا إِذَا عَرِقَ الْجَبينُ وكَثُرَ الأنينُ وأَيِسَ مِنَّا الْقَريبُ والطبيبُ وَبكى عَلَيْنَا الصديقُ والحبيبُ وَارحَمْنَا يَا مَولانَا إِذَا وَارانَا التُّرابُ وَوَدَّعَنَا الأحْبَابُ وَفَارَقْنَا النَّعِيمَ وانقطَع عَنَّا النَّسِيم، وَاغْفِرْ لَنَا ولِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ الوَاسِعَةِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

стр. 3147

فَصْلٌ: وَلما بلغ رَسُول الله ? خُرُوجُ قُرَيْش اسْتَشَار أَصْحَابَهُ، فَتَكَلَّمَ الْمُهَاجِرُونَ فَأَحْسَنُوا، فَاسْتَشَارَهُمْ ثَانِيًا فَتَكَلَّمُوا أَيْضًا فَأَحْسَنُوا، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ ثَالِثًا، ثُمَّ قَالَ: «أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ» . يُرِيدُ بِذَلِكَ الأَنْصَارَ، لأَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ القَوْمِ عَدَدًا، وَكَانُوا قَدْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَمْنَعُوهُ في دِيَارِهِمْ، أَمَّا في خَارِجِ دِيَارِهِمْ فَلَمْ يَكُنْ عَهْدٌ يُلْزِمُهُمْ بِذَلِكَ، إِلا أَنْ يَرَوْا ذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهِمُوا أَنَّهُ يَعْنِيهِمْ، فَبَادَرَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَأَنَّكَ تُرِيدُنَا. قَالَ: «أَجَلْ» . فَقَالَ سَعْدُ: إِنَّكَ عَسَى أَنْ تَكُونَ خَرَجْتَ لأَمْرٍ، وَأَحَدَثَ اللهُ لكَ غَيْرَهُ، فَانْظُر الذِي أَحْدَثَ اللهُ إِلَيْكَ، فَامْضِ إِلَيْهِ، فَإِنَّا قَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عُهُودَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَلَعَلَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تَخْشَى أَنْ لا تَكُونَ الأَنْصَارِ تَرَى عَلَيْهَا، أَنْ لا يَنْصُرُوكَ إِلا في دِيَارِهِمْ، وَإِنِّي أَقُولُ عن الأَنْصَارِ وَأُجِيبُ عَنْهُمْ، فَاظْعَنْ يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ شِئْتَ، وَصِلْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ، وَاقْطَعْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ، وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْتَ، وَأَعْطِنَا مِنْهَا مَا شِئْتَ، وَمَا أَخَذْتَ مِنَّا أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّا تَرَكْتَ، وَمَا أَمَرْتَ فِيهِ مِنْ أَمْرٍ فَأَمْرُنَا تَبَعٌ لأَمْرِكَ، فَوَاللهِ لَئِنْ سِرْتَ حَتَّى تَبْلُغَ البَرْكَ مِنْ غُمْدَانَ لَنَسِيرَنَّ مَعَكَ، وَاللهِ لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لَصُبُرٌ في الْحَرْبِ، صُدَّقٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَلَعَلَّ اللهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تُقرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللهِ، فَسُرَّ لِذَلِكَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَانْبَسَطَ وَجْهُهُ، وَبَدَا عَلَيْهِ البِشْرُ وَالرِّضَى والنَّشَاطُ. وَقَالَ لَهُ الْمِقْدَادُ: لا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى

стр. 3148

﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ . ولكن نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ، وَمِنْ خَلْفِكَ، فَأشْرَقُ وَجْهُهُ ﷺ وَسُرَّ بِمَا سَمِعَ، وَقَالَ: «سِيرُوا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللهَ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَصَارِعَ القَوْم» . فَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلى بَدْرٍ حَتَّى نَزَلَ عِشَاءً أَدْنَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ بَدْرٍ، فَقَالَ الْحُبَابُ بن الْمُنْذِر - وَكَانَ خَبِيرًا بِمِيَاهِ بَدْرٍ -: يَا رَسُولَ اللهِ أَهَذَا مَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللهُ، لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَ مِنْهُ أَوْ نَتَأَخَّرُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ فَقَالَ ﷺ : «بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ» . فَقَالَ الْحُبَابُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلٍ، فَانْهَضْ بِالنَّاسِ حَتَّى نَأْتِي أَدْنَى مَاءٍ مِنْ القَوْمِ، فَنُنْزِلَه، فَإِنِّي أَعْرِفُ غَزَارَةَ مَائِهِ وَكَثْرَتهَ، فَننْزِلُهُ وَنُغَوّرُ مَا عَدَاهُ مِنْ الآبَارِ، ثُمَّ نَبْنِي عَلَيْهِ حَوْضًا، فَنَمْلؤُهُ مَاءً، فَنَشْرَبُ وَلا يَشْرَبُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَقَدْ أَشَرْتَ بالرأي» . وَنَهَضَ بأصْحَابِهِ حَتَّى نَزَلُوا، ثُمَّ بَنُوا الْحَوْضَ عَلَى البِئْرِ، حَيْثُ أَشَارَ الْحُبَابُ، وَطَمَسُوا كُلَّ مَا وَرَاءَهُمْ مِن الآبَارِ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. عَصَمَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ الزَّلَلِ وَوَفِّقْنَا لِصَالِحِ العَمَلِ وَهَدَانَا بِفَضْلِهِ سَبِيلَ الرَّشَادِ وَطَرِيقَ السَّدَادِ إِنَّهُ جَلَّ شَأنُهُ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. مَوْعِظَةٌ عِبَادَ اللهِ اهْتِفُوا بالقُلُوب لَعَلَّهَا تَسْتَيْقِظُ مِنْ وَسَنِ الرُّقَادِ وَاصْرِفُوا نُفُوسَكمْ عَنْ مَوَارِدِ الإِبْعَادِ في دارِ النُّقْلَةِ وَالزَّوَالِ آثارَ السَّلَفِ الزُّهَادِ فَقَدْ نَاحَتْ الدُّنْيَا عَلَى أَهْلها بَألْسُنِ الانْقِلابِ وَلاحَتْ لَكُمْ مِنْ الآخرةِ شَوَاهِدُ الاقْتِرَابِ وَأَنْتُمْ عَمَّا أَضَلَّكُمْ مِنْهَا غَافِلُونُ وَبِمَا غَرَّكُمْ

стр. 3149

وَأَلْهَاكُمْ عَنْهَا مُتَشَاغِلُونَ كَأَنَّكُمْ بِحَقِيقَةِ مَعْرِفَتِهَا جَاهِلُونَ أَوْ كَأَنَّكُمْ إِلى غَيْرِهَا رَاحِلُونَ فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فَاتْرُكُوا مَا أَنْتُمْ عَنْهُ مُنْقَلِبُونَ وَانْهَضُوا في التَّزوَّدِ لِمَا أَنْتُمْ إِلَيْهِ صَائِرُونَ، فَإِنَّ أَمَامَكمْ صَيْحَةٌ تُلْحِقُ الأَحْيَاءَ مِنْكُمْ بالأَمْوَاتِ وَتَذْهَلُ مَعَهَا النُّفُوسُ عَنْ مُلابَسَةِ اللذاتِ فَمَا أَقْرَبَ الوُصُولِ إِلَيْهَا لِمَنْ مَطَايَاهُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ الْمُبْلِيَانِ لِكُلِّ جَدِيدٍ الْمُقَرِّبَانِ لِكُلِّ بَعِيدٍ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ كَانَتْ الأَيَّامُ وَاللَّيَالِي مَطَايَاهُ سَارَتْ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَسِرْ. وَكَتَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلى أَخٍ لَهُ فَقَالَ: اعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّهُ يُخَيَّلُ إِلَيْكَ أَنَّكَ مُقِيمٌ وَأَنْتَ دَائِبُ السَّيْرِ تُسَاقُ سَوْقًا حَثِيثًا وَالْمَوْتُ مُتَوَجّهٌ إِلَيْكَ وَالدُّنْيَا تُطْوَى مِنْ وَرَائِكَ وَمَا مَضَى مِنْ عُمْرِكَ فَلَنْ يَرْجَعَ إِلَيْكَ. شِعْرًا: تَمُرُّ اللَّيَالِي وَالْحَوَادثُ تَنْقَضِي كَأَضْغَاثِ أَحْلام وَنَحْنُ رُقُودُ وَأَعْجَبُ مِنْ ذَا أَنَّهَا كُلُّ سَاعَةٍ تَجِدُ بِنَا سَيْرًا وَنَحْنُ قُعُودُ آخر: ... وَما هَذِهِ الأَيّام إِلا مَراحِل يَحُثُ بِهَا حَادٍ مِن الْمَوْتِ قَاصِدُ وَأَعْجَبُ شَيْءٍ لَوْ تَأَمَّلْتَ أَنَّهَا مَنَازِلُ تُطْوَى وَالْمُسَافِرُ قَاعِدُ آخر: ... أَتَحْسَبِ العُمْرَ مَرْدُودًا تَصَرُمُهُ هَيْهَاتَ أَنْ يَرْجِعَ الْمَاضِي مِنْ الْحُقُبِ فَبَادِرِ العُمْرَ قَبْلَ الفَوْتِ مُغْتَنِمًا مَا دُمْتَ حَيًّا فَإِنَّ الْمَوْتَ في الطَّلَبِ

стр. 3150

.. فالعُمُرُ مُنْصَرِمٌ والوَقْتُ مُغْتَنَمٌ وَالدَّهْرُ ذُو غَيْرٍ فَأجْهَد به تُصِبِ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَالَ لأهْلِهِ: أَسْتَوْدِعُكُمْ اللهِ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ مَنِيَّتِي التِي لا أَقُومُ مِنْهَا وَكَانَ هَذَا دَأبَهُ إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ. وَقَالَ آخَرُ: إِنْ اسْتَطَاعَ أَحَدُكُمْ أَنْ لا يَبِيتَ إِلا وَعَهْدُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ مَكْتُوبُ فَلْيَفْعَلْ فَإِنَّهُ لا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَبِيتُ فِي أَهْلِ الدُّنْيَا وَيُصْبَحُ فِي أَهْلِ الآخِرَةِ. قُلْتُ: وَيَنْبَغِي لِكُلّ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ لِمَحَلٍّ تَطْرُقُهُ السَّيَارَاتُ في وَقْتِنَا الذي كَثَر فِيهِ مَوْتُ الفُجَاءِ بسَبَبِ السُّرْعَةِ الْمُفْرِطَةِ مِنْ سَائِقِي السَّيَارَاتِ الذين لَيْسَ عِنْدَهُمْ حُرْمَةٌ لِلْمُسْلم نَسَأْلُ اللهَ الْحَيَّ القَيُّومَ أَنْ يوفِقَ وُلاتَنَا لِلأَخْذِ عَلَى أَيْدِيهِمْ وَرَدْعِهِمْ لِيَأْمَنَ الْمَشَاةُ وَيَطْمَئِنُّوا بَإِذْنِ اللهِ تعالى: إِنّي أَرِقتُ وَذِكرُ المَوتِ أَرَّقَني وَقُلْتُ لِلدَّمْعِ أَسْعِدْنِي فَأَسْعَدَنِي يَا مَن يَمُوتُ فَلَمْ تُحْزِنْهُ مَيْتَتُهُ وَمَنْ يَمُوتُ فَمَا أَولاهُ بِالْحَزَنِ تَبْغِي النَّجَاة مِنَ الأَحْدَاثِ مُحْتَرِسًا وَإِنَّمَا أَنْتَ وَالعِلاتُ في قَرَنِ يَا صَاحِبَ الرَّوْحِ ذِي الأَنْفَاسِ في بَدَنٍ بَيْنَ النَّهَارِ وَبَيْنَ اللَّيْلِ مُرتَهَنِ لَقَلَّمَا يَتَخَطَّاكَ اِختِلافُهُمَا حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَ الرُّوحِ وَالبَدَنِ طِيبُ الْحَياةِ لِمَنْ خَفَّتْ مَئُونَتُهُ وَلَمْ تَطِبْ لِذَوِي الأَثْقَالِ وَالْمُؤَنِ

стр. 3151

لَمْ يَبْقَ مِمَّا مَضَى إِلا تَوَهُّمُهُ كَأَنَّ مَنْ قَدْ مَضَى بِالأَمْسِ لَمْ يَكُنِ وَإِنَّمَا الْمَرءُ فِي الدُّنْيَا بِسَاعَتِهِ سَائِلْ بِذلِكَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالزَمَنِ مَا أَوْضَحَ الأَمْرَ لِلْمُلْقِي بِعِبرَتِهِ بَيْنَ التَّفَكُّرِ وَالتَّجْرِيبِ وَالفِطَنِ أَلَسْتَ يَا ذَا تَرَى الدُّنْيَا مُوَلِّيَةً فَمَا يَغُرُّكَ فِيهَا مِنْ هَنٍ وَهَنِ لأَعْجَبَنَّ وَأَنَّى يَنْقَضِي عَجَبِي النَّاسُ فِي غَفْلَةٍ وَالْمَوتُ في سَنَنِ وَظَاعِنٍ مِنْ بَيَاضِ الرَّيطِ كِسْوَتُهُ مُطَيَّبٍ لِلْمَنايَا غَيْرِ مُدَّهِنِ غَادَرْتُهُ بَعْدَ تَشْيِيعَيهِ مُنْجَدِلاً في قُرْبِ دَارٍ وَفي بُعْدٍ مِنَ الوَطَنِ لا يَسْتَطيعُ اِنْتِقَاصًا في مَحَلَّتِهِ مِنَ القَبِيحِ وَلا يَزْدَادُ في الْحَسَنِ مَا بَالُ قَوْمٍ وَقَدْ صَحَّتْ عُقُولُهُم فِيمَا ادَّعَوا يَشْتَرُونَ الغَيَّ بِالثَمَنِ لِتَجْذِبَنّي يَدُ الدُّنْيَا بِقُوَّتِها إِلى الْمَنَايَا وَإِنْ نَازَعْتُهَا رَسَنِي وَأَيُّ يَوْمٍ لِمَنْ وَافَى مَنِيَّتَهُ

стр. 3152

.. يَوْمٌ تَبَيَّنُ فِيهِ صُورَةُ الغَبَنِ لله دُنْيَا أُنَاسٍ دَائِنِينَ لَهَا قَدْ ارْتَعَوا في رِيَاضِ الغَيِّ وَالفِتَنِ كَسَائِمَاتٍ رَوَاعٍ تَبْتَغِي سِمَنًا وَحَتْفُهَا لَوْ دَرَتْ في ذَلِكَ السِّمَنِ اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنْ النِّفَاقِ وَعَمَلنَا منَ الرِّيَاءِ وَأَلْسِنَتَنَا مِنْ الكَذب اللَّهُمَّ وَقَوِّي إِيمَانَنَا بِكَ وَنَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُور الإيمانِ واجعلنا هُداةً مُهْتَدِين اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ وَألْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَأَمِّنَّا مِنْ سَطْوَتِكَ وَمَكْْرِكِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. فَصْلٌ: وَكَانَ ﷺ شَدِيدَ الْحِرْصِ عَلَى كِتْمَانِ أَمْرِهِ عَنْ النَّاسِ، حَتَّى لا يَقِفَ على حَقِيقَتِهِمْ أَحَدٌ، وَلا يَعْرِفَ مَقْصَدَهمْ أَحَدٌ فَجَعَلَ كُلَّمَا نَزَلَ مَنْزِلاً يَسْأَلُ عَنْ أَخْبَارِهِمْ، وَيَبْحَثُ عَنْهُمْ في حَيْطَةٍ وَحَذَرٍ. وَرَوَى ابن إِسْحَاقَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ بَدْرٍ، فَرَكِبَ هُوَ وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى وَقَفَ عَلى شَيْخٍ مِنْ العَرَبِ، فَسَأَلَهُ عَنْ قُرَيْشٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ وَمَا بَلَغَهُ عَنْهُمْ، فَقَالَ الشَّيْخُ: لا أُخْبِرُكُمَا حَتَّى تُخْبِرَانِي مِمَّنْ أَنْتُمَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَوَ ذَاكَ بِذَاكَ» . قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابِهِ خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ صَدَقَ الذِي أَخْبَرَنِي فَهُمْ اليَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، لِلْمَكَانِ الذِي بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَبَلَغَنِي أَنَّ قُرَيْشًا خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ

стр. 3153

الذي أَخْبَرَنِي صَدَقَنِي فَهُمْ اليَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، لِلْمَكَانِ الذِي بِهِ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خَبَرِهِ قَالَ: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «نَحْنُ مِنْ مَاءَ» . ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، قَالَ: يَقُولُ الشَّيْخُ: مِنْ مَاءٍ أَمِنْ مَاءَ العِرَاقِ. فَلَمَّا أَمْسَى بَعَثَ عَلَيَّ بن أَبِي طَالِبٍ، وَالزَّبَيْرُ بن العَوَّامِ، وَسَعْدَ بن أبي وَقَّاصِ، في نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلى مَاءِ بَدْرٍ، يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ، فَوَجَدُوا سُقَاةَ قُرَيْشٍ يَسْقُونَ لَهُمْ فَأَمْسَكُوا بِغُلامَيْنِ مِنْهُمْ، فَجَاءوُا بِهِمَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي، فَجَعَلَ القَوْمُ يَسْأَلُونَهُمَا لِمَنْ أَنْتُمَا؟ وَهُمْ يَرْجُونَ أَنْ يَكُونَا مِنْ سُقَاةِ العَيْرِ، فَقَالَ الغلامان: نَحْنُ مِنْ سُقَاةِ قُريشٍ، بَعَثُونَا نَسْقِيهِمْ مِنَ الْمَاءِ، فَظَنُّوا أَنَّهُمَا يَكْذِبَانِ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُمَا، ثُمَّ يَسْأَلُونَهُمَا فَيَقُولانِ: نَحْنُ لِقُرَيْشٍ. فَلَمَّا أَوْجَعُوهُمَا ضَرْبًا قالا: نَحْنُ لأبي سُفْيَانَ فَتَرَكُوهُمَا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ صَلاتِهِ قَالَ: «إِذَا صَدَقَاكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمَا، وَإِذَا كَذَبَاكُمْ تَرَكْتُمُوهُمَا، صدَقَا وَاللهِ إِنَّهُمَا لِقُريشٍ» . ثُمَّ سَألَهُمَا عَنْ قُرَيْشٍ، فَقَالا: هُمْ وَاللهِ وَرَاءَ هَذَا الكَثِيبِ الذِي تَرَى، بالعُدْوةِ القُصْوَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَمْ القَوْمُ» ؟ قَالا: كَثِيرٌ، قَالَ: «مَا عِدَّتُهُمْ» ؟ قَالا: لا نَدْرِي، قَالَ: «كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ» ؟ قَالا: يَوْمًا تِسْعًا وَيَوْمًا عَشْرًا مِنْ الْجُزُرِ، فَقَالَ ﷺ : «الْقَوْمُ مَا بَيْنَ التِّسْعِمَائةِ وَالأَلْفِ» . ثُمَّ قَالَ: «فَمَنْ فِيهِمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ» ؟ فَجَعَلا يَذْكُرَانِ لَهُ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ لأَصْحَابِهِ: «هَذِهِ مَكَّةُ قَدْ أَلْقَتْ إِلَيْكُمْ أَفْلاذَ كَبِدِهَا» . فَعَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّها الْحَرْبُ لا مَحَالَةَ. اللَّهُمَّ قَوِّي إِيَمانَنَا بِكَ وَبِمَلائِكَتِكَ وَبُرسُلِكَ وباليومِ الآخِرِ وَبالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، اللَّهُمَّ أَلْهِمْنَا ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَوَفِّقْنَا لِطَاعَتِكَ وَامْتِثَالِ أَمْرِكَ

стр. 3154

وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُفْلِحِينَ الذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فَصْلٌ) وَكَمَا أَشَارَ الْحُبَابُ بنُ الْمُنْذِرِ بِبِنَاءِ الْحَوْضِ، أَشَارَ سَعْدٌ بنُ مُعَاذٍ ﵁ أَنْ يَبْنُوا لَهُ عَرِيشًا، يَشْرِفُ مِنْهُ عَلَى الْمَعْرَكَةِ وَيُوَجِّهُهَا وَيَأْمَنُ غِرَّةَ العَدُوِّ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَلا نَبْنِي لَكَ عَرِيشًا، تَكُونُ فِيهِ وَنُعِدُّ عندَكَ رَكَائِبَكَ، ثُمَّ نَلْقَى عَدُوَّنَا، فَإِذَا أَعَزَّنَا اللهُ وَأظْهَرْنَا عَلَى عَدُوِّنَا، كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَا وَإِنْ كَانَتْ الأُخْرَى جَلَسْتَ عَلَى رُكَائِبَكَ، فَلَحِقْتَ بِمَنْ وَرَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، فَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْكَ أَقْوَامٌ مَا نَحْنُ بَأَشَدَّ مِنْهُمْ حُبًّا لكَ وَلَوْ ظَنُّوا أَنَّكَ تَلْقَى حَرْبًا مَا تَخَلَّفُوا عَنْكَ، يَمْنَعُكَ اللهُ بِهِمْ، وَيُنَاصِحُونَك، وَيُجَاهِدُونَ مَعَكَ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَدَعَا لَهُ بِخَيْرِ، ثُمَّ بُنِيَ العَرِيشُ عَلَى تَلٍّ، كَمَا أَشَارَ سَعْدٌ، وَأُعِدَّتْ عِنْدَهُ أَنْجَبُ الرَّكَائِب، وَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَوِّي الصُّفُوفَ، وَيَتَفَقَّدُ الرِّجَالَ، وَيُهَيِّئُ أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ، وَدَفَع رَايتَهُ إِلى مُصْعَبِ بن عُمَيْرِ، فَتَقَدَّمَ بِهَا إِلى مَوْضِعِهَا الذِي أَمْرَهُ أَنْ يَضَعَهَا فِيهِ، ثُمَّ وَقَفَ ﷺ يَنْظُرُ إِلى الصُّفُوفِ، فَاسْتَقْبَلَ الْغَرْبَ وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَرَاءَهُ، وَأَقْبلَ الْمُشْرِكُونَ، فَاسْتَقْبَلُوا الشَّمْسَ. وَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ، يَحُثُّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيُرَغِّبُهُمْ فِي الأَجْرِ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَحُثِّكُمْ عَلَى مَا حَثَّكُمْ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ، فَإِنَّ اللهَ عَظِيمٌ شَأْنُهُ، يَأْمُرُ بالْخَيْرِ، وَيُحِبُّ الصِّدْقَ، وَيُعْطِي الْخَيْرَ أَهْلَهُ، عَلَى مَنَازِلِهِمْ عِنْدَهُ، وَإِنَّكُمْ قَدْ أَصْبَحْتُمْ بِمَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْحَقِّ لا يَقْبلُ اللهُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا مَا ابْتُغِي بِهِ وَجْهَهُ، وَإِنَّ

стр. 3155

الصَّبْرَ في مَوَاطِنِ الْبَأسِ مِمَّا يُفَرِّجُ اللهُ بِهِ الْهَمَّ، وَيُنْجِي بِهِ مِنْ الغَمِّ، وَتُدْرَكُ بِهِ النَّجَاة فِي الآخِرَةِ، فِيكُمْ نَبِيُّ اللهِ، يُحَذِّرُكُم وَيَأْمُرُكُم، فَاسْتَحْيُوا اليَوْمَ أَنْ يَطَّلِعَ اللهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكُم يَمْقُتُكُمْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿َمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ وَأَبْلُوا رَبَّكم في هَذِهِ الْمَوَاطِنِ أَمْرًا تَسْتَوْجِبُونَ بِهِ الذي وَعَدَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، فَإِنَّ وَعْدَهُ حَقٌّ، وَقَوْلَهُ صِدْقٌ، وَعِقَابَهُ شَدِيدٌ، وَإِنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ باللهِ الْحَيِّ القَيُوم، إليهِ أَلْجَأْنَا ظُهُورَنَا، وَبِهِ اعْتَصَمْنَا، وَعَلَيْهِ تَوَكَّلنَا، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرِ، يَغْفِرُ اللهُ لِي وَلِلْمُسْلِمِينَ» . وَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ تَنْصَبُّ إِلى الوَادِي مِنْ الكَثِيب، وَعَدَدُ الْمُشْرِكِينَ قَرِيبٌ من الأَلْفِ مُقَاتِل، وَمَعَهُمْ مَائَةُ فَرَسٍ، وَسَبْعُمَائَةِ بَعِير، وَرُوِيَ أَنَّ أَيْمَاءَ بن رُخْصَةَ بَعَثَ إِلى قُرَيْشٍ ابْنَا لَهُ بعَشْرِ جَزَائِرِ، أَهْدَاهَا لَهُمْ، وَقَالَ: إِنَّ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَمُدَّكُم بِسِلاحٍ وَرِجَالٍ فَعَلْنَا، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ أَوْصَلَتْكَ رَحِمٌ، فَلَئِنْ كُنَّا إِنَّمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ فَمَا بِنَا ضَعْفٌ عَنْهُمْ، وَإِنْ كُنَّا نُقَاتِلُ اللهَ كَمَا يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ فَمَا لأَحَدٍ باللهِ طَاقَةٌ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ كَثْرَتَهُمْ، وَقِلَّةَ أَصْحَابِهِ، تَوَجَّهَ إلى اللهِ يَسْتَعِينُهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشُ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلائِهَا وَفَخْرِهَا، تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ فَنَصْرَكَ الذِي وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ فَأحِنْهُمُ الغَد» . اللَّهُمَّ أَبْرِمْ لِهَذِهِ الأُمَّةِ أَمْرَ رُشْدٍ يُعَزُ فِيهِ أَهْلُ طَاعَتِكَ وَيُذَلُّ فِيهِ أَهْلُ مَعْصِيَتِكَ وَيُؤْمَرُ فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ وَيُنْهَى فِيهِ عَنْ الْمُنْكَرِ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء. اللَّهُمَّ مَكِّنْ مَحَبَّتَكَ في قُلُوبِنَا وَقَوِّهَا وَنَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَأَلْهِمْنَا
следующие страницы →