← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

لَمْ يَبْقَ مِمَّا مَضَى إِلا تَوَهُّمُهُ كَأَنَّ مَنْ قَدْ مَضَى بِالأَمْسِ لَمْ يَكُنِ وَإِنَّمَا الْمَرءُ فِي الدُّنْيَا بِسَاعَتِهِ سَائِلْ بِذلِكَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالزَمَنِ مَا أَوْضَحَ الأَمْرَ لِلْمُلْقِي بِعِبرَتِهِ بَيْنَ التَّفَكُّرِ وَالتَّجْرِيبِ وَالفِطَنِ أَلَسْتَ يَا ذَا تَرَى الدُّنْيَا مُوَلِّيَةً فَمَا يَغُرُّكَ فِيهَا مِنْ هَنٍ وَهَنِ لأَعْجَبَنَّ وَأَنَّى يَنْقَضِي عَجَبِي النَّاسُ فِي غَفْلَةٍ وَالْمَوتُ في سَنَنِ وَظَاعِنٍ مِنْ بَيَاضِ الرَّيطِ كِسْوَتُهُ مُطَيَّبٍ لِلْمَنايَا غَيْرِ مُدَّهِنِ غَادَرْتُهُ بَعْدَ تَشْيِيعَيهِ مُنْجَدِلاً في قُرْبِ دَارٍ وَفي بُعْدٍ مِنَ الوَطَنِ لا يَسْتَطيعُ اِنْتِقَاصًا في مَحَلَّتِهِ مِنَ القَبِيحِ وَلا يَزْدَادُ في الْحَسَنِ مَا بَالُ قَوْمٍ وَقَدْ صَحَّتْ عُقُولُهُم فِيمَا ادَّعَوا يَشْتَرُونَ الغَيَّ بِالثَمَنِ لِتَجْذِبَنّي يَدُ الدُّنْيَا بِقُوَّتِها إِلى الْمَنَايَا وَإِنْ نَازَعْتُهَا رَسَنِي وَأَيُّ يَوْمٍ لِمَنْ وَافَى مَنِيَّتَهُ

стр. 3152

.. يَوْمٌ تَبَيَّنُ فِيهِ صُورَةُ الغَبَنِ لله دُنْيَا أُنَاسٍ دَائِنِينَ لَهَا قَدْ ارْتَعَوا في رِيَاضِ الغَيِّ وَالفِتَنِ كَسَائِمَاتٍ رَوَاعٍ تَبْتَغِي سِمَنًا وَحَتْفُهَا لَوْ دَرَتْ في ذَلِكَ السِّمَنِ اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنْ النِّفَاقِ وَعَمَلنَا منَ الرِّيَاءِ وَأَلْسِنَتَنَا مِنْ الكَذب اللَّهُمَّ وَقَوِّي إِيمَانَنَا بِكَ وَنَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُور الإيمانِ واجعلنا هُداةً مُهْتَدِين اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ وَألْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَأَمِّنَّا مِنْ سَطْوَتِكَ وَمَكْْرِكِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. فَصْلٌ: وَكَانَ ﷺ شَدِيدَ الْحِرْصِ عَلَى كِتْمَانِ أَمْرِهِ عَنْ النَّاسِ، حَتَّى لا يَقِفَ على حَقِيقَتِهِمْ أَحَدٌ، وَلا يَعْرِفَ مَقْصَدَهمْ أَحَدٌ فَجَعَلَ كُلَّمَا نَزَلَ مَنْزِلاً يَسْأَلُ عَنْ أَخْبَارِهِمْ، وَيَبْحَثُ عَنْهُمْ في حَيْطَةٍ وَحَذَرٍ. وَرَوَى ابن إِسْحَاقَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ بَدْرٍ، فَرَكِبَ هُوَ وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى وَقَفَ عَلى شَيْخٍ مِنْ العَرَبِ، فَسَأَلَهُ عَنْ قُرَيْشٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ وَمَا بَلَغَهُ عَنْهُمْ، فَقَالَ الشَّيْخُ: لا أُخْبِرُكُمَا حَتَّى تُخْبِرَانِي مِمَّنْ أَنْتُمَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَوَ ذَاكَ بِذَاكَ» . قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابِهِ خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ صَدَقَ الذِي أَخْبَرَنِي فَهُمْ اليَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، لِلْمَكَانِ الذِي بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَبَلَغَنِي أَنَّ قُرَيْشًا خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ

стр. 3153

الذي أَخْبَرَنِي صَدَقَنِي فَهُمْ اليَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، لِلْمَكَانِ الذِي بِهِ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خَبَرِهِ قَالَ: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «نَحْنُ مِنْ مَاءَ» . ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، قَالَ: يَقُولُ الشَّيْخُ: مِنْ مَاءٍ أَمِنْ مَاءَ العِرَاقِ. فَلَمَّا أَمْسَى بَعَثَ عَلَيَّ بن أَبِي طَالِبٍ، وَالزَّبَيْرُ بن العَوَّامِ، وَسَعْدَ بن أبي وَقَّاصِ، في نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلى مَاءِ بَدْرٍ، يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ، فَوَجَدُوا سُقَاةَ قُرَيْشٍ يَسْقُونَ لَهُمْ فَأَمْسَكُوا بِغُلامَيْنِ مِنْهُمْ، فَجَاءوُا بِهِمَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي، فَجَعَلَ القَوْمُ يَسْأَلُونَهُمَا لِمَنْ أَنْتُمَا؟ وَهُمْ يَرْجُونَ أَنْ يَكُونَا مِنْ سُقَاةِ العَيْرِ، فَقَالَ الغلامان: نَحْنُ مِنْ سُقَاةِ قُريشٍ، بَعَثُونَا نَسْقِيهِمْ مِنَ الْمَاءِ، فَظَنُّوا أَنَّهُمَا يَكْذِبَانِ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُمَا، ثُمَّ يَسْأَلُونَهُمَا فَيَقُولانِ: نَحْنُ لِقُرَيْشٍ. فَلَمَّا أَوْجَعُوهُمَا ضَرْبًا قالا: نَحْنُ لأبي سُفْيَانَ فَتَرَكُوهُمَا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ صَلاتِهِ قَالَ: «إِذَا صَدَقَاكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمَا، وَإِذَا كَذَبَاكُمْ تَرَكْتُمُوهُمَا، صدَقَا وَاللهِ إِنَّهُمَا لِقُريشٍ» . ثُمَّ سَألَهُمَا عَنْ قُرَيْشٍ، فَقَالا: هُمْ وَاللهِ وَرَاءَ هَذَا الكَثِيبِ الذِي تَرَى، بالعُدْوةِ القُصْوَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَمْ القَوْمُ» ؟ قَالا: كَثِيرٌ، قَالَ: «مَا عِدَّتُهُمْ» ؟ قَالا: لا نَدْرِي، قَالَ: «كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ» ؟ قَالا: يَوْمًا تِسْعًا وَيَوْمًا عَشْرًا مِنْ الْجُزُرِ، فَقَالَ ﷺ : «الْقَوْمُ مَا بَيْنَ التِّسْعِمَائةِ وَالأَلْفِ» . ثُمَّ قَالَ: «فَمَنْ فِيهِمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ» ؟ فَجَعَلا يَذْكُرَانِ لَهُ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ لأَصْحَابِهِ: «هَذِهِ مَكَّةُ قَدْ أَلْقَتْ إِلَيْكُمْ أَفْلاذَ كَبِدِهَا» . فَعَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّها الْحَرْبُ لا مَحَالَةَ. اللَّهُمَّ قَوِّي إِيَمانَنَا بِكَ وَبِمَلائِكَتِكَ وَبُرسُلِكَ وباليومِ الآخِرِ وَبالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، اللَّهُمَّ أَلْهِمْنَا ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَوَفِّقْنَا لِطَاعَتِكَ وَامْتِثَالِ أَمْرِكَ

стр. 3154

وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُفْلِحِينَ الذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فَصْلٌ) وَكَمَا أَشَارَ الْحُبَابُ بنُ الْمُنْذِرِ بِبِنَاءِ الْحَوْضِ، أَشَارَ سَعْدٌ بنُ مُعَاذٍ ﵁ أَنْ يَبْنُوا لَهُ عَرِيشًا، يَشْرِفُ مِنْهُ عَلَى الْمَعْرَكَةِ وَيُوَجِّهُهَا وَيَأْمَنُ غِرَّةَ العَدُوِّ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَلا نَبْنِي لَكَ عَرِيشًا، تَكُونُ فِيهِ وَنُعِدُّ عندَكَ رَكَائِبَكَ، ثُمَّ نَلْقَى عَدُوَّنَا، فَإِذَا أَعَزَّنَا اللهُ وَأظْهَرْنَا عَلَى عَدُوِّنَا، كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَا وَإِنْ كَانَتْ الأُخْرَى جَلَسْتَ عَلَى رُكَائِبَكَ، فَلَحِقْتَ بِمَنْ وَرَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، فَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْكَ أَقْوَامٌ مَا نَحْنُ بَأَشَدَّ مِنْهُمْ حُبًّا لكَ وَلَوْ ظَنُّوا أَنَّكَ تَلْقَى حَرْبًا مَا تَخَلَّفُوا عَنْكَ، يَمْنَعُكَ اللهُ بِهِمْ، وَيُنَاصِحُونَك، وَيُجَاهِدُونَ مَعَكَ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَدَعَا لَهُ بِخَيْرِ، ثُمَّ بُنِيَ العَرِيشُ عَلَى تَلٍّ، كَمَا أَشَارَ سَعْدٌ، وَأُعِدَّتْ عِنْدَهُ أَنْجَبُ الرَّكَائِب، وَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَوِّي الصُّفُوفَ، وَيَتَفَقَّدُ الرِّجَالَ، وَيُهَيِّئُ أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ، وَدَفَع رَايتَهُ إِلى مُصْعَبِ بن عُمَيْرِ، فَتَقَدَّمَ بِهَا إِلى مَوْضِعِهَا الذِي أَمْرَهُ أَنْ يَضَعَهَا فِيهِ، ثُمَّ وَقَفَ ﷺ يَنْظُرُ إِلى الصُّفُوفِ، فَاسْتَقْبَلَ الْغَرْبَ وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَرَاءَهُ، وَأَقْبلَ الْمُشْرِكُونَ، فَاسْتَقْبَلُوا الشَّمْسَ. وَخَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ، يَحُثُّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيُرَغِّبُهُمْ فِي الأَجْرِ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَحُثِّكُمْ عَلَى مَا حَثَّكُمْ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ، فَإِنَّ اللهَ عَظِيمٌ شَأْنُهُ، يَأْمُرُ بالْخَيْرِ، وَيُحِبُّ الصِّدْقَ، وَيُعْطِي الْخَيْرَ أَهْلَهُ، عَلَى مَنَازِلِهِمْ عِنْدَهُ، وَإِنَّكُمْ قَدْ أَصْبَحْتُمْ بِمَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْحَقِّ لا يَقْبلُ اللهُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا مَا ابْتُغِي بِهِ وَجْهَهُ، وَإِنَّ

стр. 3155

الصَّبْرَ في مَوَاطِنِ الْبَأسِ مِمَّا يُفَرِّجُ اللهُ بِهِ الْهَمَّ، وَيُنْجِي بِهِ مِنْ الغَمِّ، وَتُدْرَكُ بِهِ النَّجَاة فِي الآخِرَةِ، فِيكُمْ نَبِيُّ اللهِ، يُحَذِّرُكُم وَيَأْمُرُكُم، فَاسْتَحْيُوا اليَوْمَ أَنْ يَطَّلِعَ اللهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكُم يَمْقُتُكُمْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿َمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ وَأَبْلُوا رَبَّكم في هَذِهِ الْمَوَاطِنِ أَمْرًا تَسْتَوْجِبُونَ بِهِ الذي وَعَدَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، فَإِنَّ وَعْدَهُ حَقٌّ، وَقَوْلَهُ صِدْقٌ، وَعِقَابَهُ شَدِيدٌ، وَإِنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ باللهِ الْحَيِّ القَيُوم، إليهِ أَلْجَأْنَا ظُهُورَنَا، وَبِهِ اعْتَصَمْنَا، وَعَلَيْهِ تَوَكَّلنَا، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرِ، يَغْفِرُ اللهُ لِي وَلِلْمُسْلِمِينَ» . وَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ تَنْصَبُّ إِلى الوَادِي مِنْ الكَثِيب، وَعَدَدُ الْمُشْرِكِينَ قَرِيبٌ من الأَلْفِ مُقَاتِل، وَمَعَهُمْ مَائَةُ فَرَسٍ، وَسَبْعُمَائَةِ بَعِير، وَرُوِيَ أَنَّ أَيْمَاءَ بن رُخْصَةَ بَعَثَ إِلى قُرَيْشٍ ابْنَا لَهُ بعَشْرِ جَزَائِرِ، أَهْدَاهَا لَهُمْ، وَقَالَ: إِنَّ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَمُدَّكُم بِسِلاحٍ وَرِجَالٍ فَعَلْنَا، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ أَوْصَلَتْكَ رَحِمٌ، فَلَئِنْ كُنَّا إِنَّمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ فَمَا بِنَا ضَعْفٌ عَنْهُمْ، وَإِنْ كُنَّا نُقَاتِلُ اللهَ كَمَا يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ فَمَا لأَحَدٍ باللهِ طَاقَةٌ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ كَثْرَتَهُمْ، وَقِلَّةَ أَصْحَابِهِ، تَوَجَّهَ إلى اللهِ يَسْتَعِينُهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشُ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلائِهَا وَفَخْرِهَا، تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ فَنَصْرَكَ الذِي وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ فَأحِنْهُمُ الغَد» . اللَّهُمَّ أَبْرِمْ لِهَذِهِ الأُمَّةِ أَمْرَ رُشْدٍ يُعَزُ فِيهِ أَهْلُ طَاعَتِكَ وَيُذَلُّ فِيهِ أَهْلُ مَعْصِيَتِكَ وَيُؤْمَرُ فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ وَيُنْهَى فِيهِ عَنْ الْمُنْكَرِ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء. اللَّهُمَّ مَكِّنْ مَحَبَّتَكَ في قُلُوبِنَا وَقَوِّهَا وَنَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَأَلْهِمْنَا

стр. 3156

ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ بِحُضُورِ قَلْبٍ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ وَآتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أَذِقْنَا عَفْوَكَ وَغُفْرَانَكَ وَاسْلُكْ بِنَا طَرِيقَ مَرْضَاتِكَ. وَعَامِلْنَا بِلُطْفِكَ وَإِحْسَانِكَ وَاقْطَعْ عَنَّا مَا يُبْعِدُ عَنْ طَاعَتِكَ اللَّهُمَّ وَثَبِّتْ مَحَبَّتَكَ فِي قُلُوبِنَا وَقَوِّهَا وَيَسِّرْ لَنَا مَا يَسَّرْتَهُ لأَوْلِيَائِكَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) وَأَرَادَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَسْتَوْثِقُوا مِنْ رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ، قَبْلَ أَنْ يُنَازِلُوهُمْ، فَأَرْسَلُوا عُمَيْرَ بن وَهْبٍ الْجُمَحِي يَحْرُزُ لَهُمْ أَعْدَادَ الْمُسْلِمِينَ تَقْرِيبًا، وَيَتَعَرَّفُ أَحْوَالَهُمْ، فَلَمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ عُمَيْرُ رَأَى الْمُسْلِمِينَ فِي مَنْظَرٍ يَبْعَثُ الرُّعْبَ والذُّعْرَ وَالْخَوْفَ وَيَسْتَوْجِبُ الْحَذَرَ الشَّدِيدَ، قَوْمٌ قَلِيلٌ عَدَدَهُمْ، وَلَكِنْ صُوَرُ الْمَوْتِ تَتَرَاءَى مِنْ مَنَاظِرِهِمْ، قَدْ تَرَاصَتْ صُفُوفُهُمْ، كَمَا يَتَرَاصُ البُنْيَانِ، وَتَلاحَمَتْ أَجْسَامُهُمْ كَمَا يَتَلاحَمُ الْحَدِيدُ، وَجَثُوا عَلَى الرُّكَبِ مُسْتَوْفِزِين، يَتْنَمَرُونَ تَنَمُّرَ الأُسُودِ الضَّوَارِي، وَيَتَلَمَظُونَ تَلَمُظَ الأفَاعِي، وَيَدُورُونَ بِعُيُونٍ تَبْعَثُ الْمَوْتَ حَيْثُمَا دَارَتْ، وَتَتَحَرَّكَ شِفَاهُهمُ بِمَا لا تَظْهِرُهُ أَصْوَاتُهُمْ، يَسُودُهُمْ صَمْتٌ رَهِيبٌ وَتَصْمِيمٌ عَجِيبٌ، وَعَزْمٌ صَارِمٌ عَلَى الاسْتِمَاتَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، حَتَّى لَكَأَنَّهُمْ بَاعُوا لَهَا نُفُوسَهُمْ، فلا يُرِيدُونَ أَنْ يَرْجِعُوا إِلى أَهْلِيهِمْ، فَأَخَذَ عُمَيْرُ بِهَذَا الْمَنْظِرِ الْمُفْزِعِ الْمُقْلِقِ، وَرَجَعَ إِلى قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ البَلايَا تَحْمِلُ الْمَنَايَا.. نَوَاضِحُ يَثْرِبَ تَحْمِلُ الْمَوْتَ النَّاقِعَ، قَوْمٌ لَيْسَ لَهُمْ مَنَعَةٌ، وَلا مَلْجَأ إِلا سُيُوفَهُمْ، والله ما أَرَى أَنْ يُقْتَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ رَجُلاً مِنْكُمْ، فَإِذَا أَصَابُوا مِنْكُمْ

стр. 3157

أَعْدَادَهُمْ فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَرُوا رَأْيَكُمْ، فَتَعَاظَمَتْ في أَعْيُن قُرَيْشٍ هِيبَةُ الْمُؤْمِنِينَ، وَانْهَارَتْ قُوَاهُمْ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَحَلَّ الْخَوْفِ مَحَلَّ التَّكَبر وَالزَّهْوِ وَالطُّغْيَانِ وَالاحْتِقَارِ، وَلَكِنْ ضَافَ عَلَى الْخَوْفِ التَّجَلُّدُ وَالْمُجَامَلَةُ، وَأَخَذَ الْخِلافُ يَدِبُّ بَيْنَ صُفُوفِهِمْ مِنْ جَدِيدٍ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمْشِي إِلى بَعْضٍ، رَجَاءَ أَنْ يَنْفَضُوا قَبْلَ أَنْ تَنْشَبَ الْحَرْبُ، وَيَحْتَدِمُ الْقِتَالُ، وَأَدْرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا بَيَنْهُم مِن خِلافٍ، فَأَرَادَ أَنْ يُعْذِرَ إِلَيْهِمِ مِنْ نَفْسِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ لَهُمْ: ارْجِعُوا فَإِنَّهُ يَلِي هَذَا مِنِّي غَيْرَكُمْ، أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَنْ تَلَوْهُ مِنِّي، فَقَالَ حُكَيْمُ بن حِزَامٍ: قَدْ عَرَضَ وَاللهِ نِصْفًا فَاقْبَلُوهُ وَمَشَى إِلى عُتْبَةَ بن رَبِيعَةَ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الوَلِيدِ أَنْتَ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدَهَا وَالْمُطَاعِ فِيهَا، فَهَلْ لَكَ أَلا تَزَالَ تُذْكَرَ مِنْهَا بِخَيْرٍ آخِرَ الدَّهْرِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا أَبَا خَالِدٍ؟ قَالَ: تَرْجِعُ بِالنَّاسِ، وَتَحْمِلْ دَمَ حَلِيفِكَ ابن الْحَضْرَمِي، وَمَا أَصَابَ مُحَمَّدٌ مِنْ تِلْكَ العِيرِ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، قَالَ عُتْبَةُ: قَدْ فَعَلْتُ وَأَنْتَ عَلَيَّ بِذَلِكَ، ثُمَّ قَامَ عُتْبَةُ في الْمُشْرِكِينَ يَقُولُ: يَا قَوْمُ أَطِيعُونِي لا تُقَاتِلُونَ هَذَا الرَّجُلَ وَأَصْحَابَهُ، اعْصُبُوا هَذَا الأَمْرَ بِرَأْسِي، وَاجْعَلُوا جُبْنَهَابِي فَإِنَّ مِنْهُمْ رِجَالاً قَرَابَتَهُمْ قَرِيبَةً، وَلِئِنْ أَصَبْتُمُوه لا يَزالَ الرَّجلُ مِنْكُمْ يَنْظُرُ إلى قَاتِلِ أَبِيهِ وَأَخِيهِ فَيُورِثُ ذَلِكَ مِنْكُمْ شَحْنَاءَ وَأَضْغَانًا، وَلَنْ تَخْلَصُوا إِلى قَتْلِهِم حَتَّى يُصِيبُوا مِنْكُمْ عَدَدَهُمْ وَلا آمَنُ أَنْ تَكُونَ الدَّبِرَةُ عَلَيْكُم، وَأَنْتُم لا تَطْلُبُونَ إِلا دَمَّ هَذَا الرَّجُلِ، وَالْعِيرِ التِي أَصَابَ، وَأَنَا أَحْتَمِلُ ذَلِكَ، وَهُوَ عَلَيَّ، يَا قَوْمُ إِنْ يَكُ مُحَمَّدٌ كَاذِبًا يَكْفِيكُمُوهُ ذُؤبَانُ العَرَبِ، وَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا أَكَلْتُمْ في

стр. 3158

مُلْكِ ابن أَخِيكُمْ، وَإِنْ يَكُنْ نَبِيًّا كُنْتُم أَسْعَدَ النَّاسِ بِهِ، يَا قَوْمُ لا ترُدُوا نَصِيحَتِي، وَلا تُسَفَّهُوا رَأْيِي. وَكَانَ أَبُو جَهْلٍ شَيْطَانُ هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ، فَجَعَلَ يُسَفِّهُ رَأَيْ عُتْبَةَ بن رَبِيعَةَ، وَيَصِفُهُ بالْجُبْنِ، وَيُشِيعُ في النَّاسِ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ مَا قَالَ إِلا خَوْفًا عَلَى ابْنِهِ أَبِي حُذَيْفَةَ، فَقَدْ رَأَى أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ أَكْلَةَ جَزُورٍ، فَخَافَ عَلَى ابْنِهِ أَنْ يُقْتَلَ مَعَهُمْ، وَجَعَلَ يُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى الشَّرِّ، وَيَقُولُ: لا وَاللهِ لا نَرْجِعُ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَاسْتَفْتَحَ في ذَلِكَ الْيَوْمِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَقْطَعْنَا ِللرَّحِمِ، وَآتانَا بِمَا لا نَعْرِفُ فأَحِنْهُ الغَدَاة. اللَّهُمَّ أَيُّنَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيْكَ، وَأَرْضَى عِنْدَكَ، فَانْصُرْهُ الَيْوَمَ فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وَبَعَثَ إلى عَامِرِ بن الْحَضْرَمِي الذِي قُتِلَ أَخُوهُ في نَخْلَةَ، فَجَعَلَ يُحَرِّضُهُ عَلَى أَنْ يَطْلُبَ ثَأرَ أَخِيهِ، فَقَامَ ابن الْحَضْرَمِي، (فَجَعَلَ يَحْثُوا عَلَى نَفْسِهِ التُّرَابَ وَيَصِيح وَاعُمَرَاهْ وَاعُمَرَاهْ) فَحَمِيَ النَّاسُ وَاسْتَوْثَقُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرِّ وَأَخَذُوا أُهْبَةَ الزَّحْف، وَاسْتَعَدُّوا للْقِتَالْ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (مَوْعِظَةٌ) عِبَادَ اللهِ انْتَبِهُوا لِلْمَوَاعِظِ وَاعْمَلُوا بِهَا فَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّمَا عَبْدٍ جَاءَتْهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ اللهِ فِي دِينِهِ فَإِنَّمَا هِيَ نِعْمَةٌ مِنْ اللهِ سِيقَتْ إِلَيْهِ فَإِنْ قَبِلَهَا بِشُكْرٍ وَإِلا كَانَتْ حُجَّةً مِنْ اللهِ

стр. 3159

عَلَيْهِ لِيَزْدَادَ بِهَا إثْمًا وَيَزْدَادُ اللهُ عَلَيْهِ بِهَا سُخْطًا. عِبَادَ اللهِ كَمْ قَدْ نُهِيتُمْ عن الاغْتِرَارِ بالدُّنْيَا وَحُطَامِهَا الْفَانِي وَالطَّمَأْنِينَةِ إِلَيْهَا وَالانْخِدَاعِ بِزَخَارِفِهَا وَكَمْ قَدْ نُهِيتُمْ عَنْ الإِيثَارِ لَهَا عَلَى الآخِرَةِ وَالاشْتِغَالِ بِهَا عَنْهَا قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ، وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِل: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ، وَقَالَ تَعَالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً﴾ ، وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِل: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ وَإِنَّ دَارًا يَا عِبَادَ الله أَوْصَافِهَا فِي كِتَابِ الله وَسُنَّةِ رَسُولِهِ إِنَّها َغرُوْرٌ وَمَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَعِبٌ وَلَهِوٌ وَمَمَرٌّ وَطَرِيْقَ إِِلى الآخِرَةِ كَمَا هُوَ الوَاقِعُ دَارٌ مَمْلُؤَةٌ بالأكْدَارِ والْمَصَائِبَ والآلام والأَحْزَانِ دَارٌ ماَ أَضْحَكَتْ إِلا وَأَبِكَتْ ولا سَرَّتْ إِلا وأَسَاءَتْ دَارٌ نِهَايَةُ قُوَّةِ سَاكِنِيهَا إِلى الضَّعْفِ وَنِهَايَةُ شَبَابِهِمْ إِلى الْهَرَمِ وَنِهَايَةُ حَيَاتِهِمْ الْمَوْت. اللَّهُمَّ يَا مُصْلِحَ الصَّالِحِينَ أَصْلِحْ فَسَادَ قُلُوبِنَا وَاسْتُرْ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ عُيُوبَنَا وَاغْفِرْ بِعَفْوِكَ وَرَحْمَتِكَ ذُنُوبَنَا، وَهَبْ لَنَا مُوبِقَاتِ الْجَرَائِرِ وَاسْتُرْ عَلَيْنَا يَا مَوْلانَا فَاضِحَاتِ السَّرَائِرِ، وَلا تُخْلِنَا في مَوْقِفِ القِيَامَةِ من بَرْدِ عَفْوِكَ وَغُفْرَانِكَ وَلا تَتْركْنَا مِنْ جَمِيلِ صَفْحِكَ وَإِحْسَانِكَ وَآتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةَ وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

стр. 3160

شِعْرًا: ... أَيَا بَانِيَ الدُّنْيَا لِغَيْرِكَ تَبْتَنِي ... وَيَا جَامِعَ الدُّنْيَا لِغَيْرِكَ تَجْمَعُ أَرَى الْمَرْءُ وَثَّابًا علَى كُلِّ فُرْصَةٍ وللْمَرْءِ يَومًا لا مَحَالَةً مَصْرَعُ آخر: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ إِصْبَاحٌ وَإِمْسَاءٌ وَحُبَّنَا هَذِهِ الدُّنْيَا هُوَ الدَّاءُ كَمْ أَيقَضَتْ بِصُروفٍ مِنْ حَوَادِثِهَا وَكُلَّنَا لِصُرُوفِِ الدَّهْرِ نَسَّاءُ أَيْنَ الْمُلُوكَ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ وَمَنْ قَادُوا الْجُنُودَ وَنَالُوا كُلَّ مَا شَاءُوا وَأَيْنَ عَادٌ وَاقْيَالَ الْمُلُوكِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُمْ عِزَّةٌ فِي الْمُلُوكِ قَعْسَاءُ قَدْ مُتِعُوا بِقَلِيلٍ مِنْ زَخَارِفِهَا فِي عِزَّةٍ فَإِذَا النَّعْمَاءُ بَأْسَاءُ نَالُوا يَسِيرًا مِنَ اللَّذَاتِ وَانْصَرفُوا عَنْ دَارِهَا وَاِقْتَفى اللَّذَاتَ أَسْوَاءُ دَارٌ هَذَا وَصْفُهَا وَوَاقِعُهَا فَهَلْ يَغْتَرُّ بِهَا مَنْ لَهُ عَقْلٌ هَلْ يَأْمَنُهَا أَوْ يَطْمَئِنُ إِلَيْهَا ذُو عَقْلٍ رَزِين هَلْ يُعَادِي وَيُشَاحِنُ وَيُوَالِي مِنْ أَجْلِهَا إِلا نَاقِصُ الْعَقْلِ وَالدِّين فَاتَّقُوا اللهَ يَا عِبَادَ اللهِ وَكُونُوا مِنْ تَقَلبهَا عَلى غَايَةِ الْحَذَرِ وَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَذَلِّلُوا دُنْيَاكُمْ لآخِرَتِكُمْ وَاسْتَخْدِمُوهَا فِي الذي يُرْضِي رَبَّكُمْ فَإِنَّ الدُّنْيَا نِعْمَ الْمَطِيَّةُ لِمَنْ اسْتَخْدَمَهَا لِلآخِرَةِ وَلَنْ يَصْحَب الإنسانُ إِذَا فَارَقَهَا وَانْتَقَلَ مِنْهَا إِلا مَا قَدَّمَهُ فِيهَا مِنْ صَالِحِ

стр. 3161

الأَعْمَالِ، قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ ، وَقَالَ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَبَادِرُوا بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ هُجُومِ هَاذِمِ اللَّذَاتِ وَمُفَرِّقِ الْجَمَاعَاتِ قَبْلَ أَنْ تَأْتِي فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا. وَرَوَى البُخَارِيُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» . فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. وَيَقُولُ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ ابن عَبَّاسٍ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَتِّكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» . عَسَى تَوْبَةٌ تُمْحَى بِهَا كُلُّ زَلَّةِ وَتَغْسِلُ أَدْرَانَ القُلُوبِ الْمَرِيضَةِ ِ أَجدَّكَ مَا الدُّنْيَا وَمَاذَا نَعِيمُهَا وَهَلْ هِيَ إِلا دَارُ بُؤْسٍ وَحَسْرَةِ وَلَمْ أَرَى فِيهَا مَا يَرُوقَ بَلَى بِهَا تُرِيقُ دَمَ الأَعْمَارِ أَسْيَاقُ غَفْلَةِ إِذَا أُدْرِكَتْ فِيهَا مَسَرَّةُ سَاعَةٍ أَتَتْكَ إِسَاءَاتٌ تُنْسِيكَ بالَّتِي

стр. 3162

وَإِنْ عَطَفَتْ فَالْعَطْفُ عَطْفَ تَوَهُمٍ فَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ مِنْهَا بِعَطْفَةِ رَأَيْنَا أُنَاسًا قَدْ أَنَاخَتْ بِسَوْحِهِمْ وَقَالَتْ خُذُوا مِنْ زَهْرَتِي كُلَّ مُنْيَةِ فَغَرَّتْهُمُ حَتَّى اسْتَبَاحُوا حَرِيمَهَا وَحَطُّوا بِهَا الأَثْقَالَ مِنْ كُلِّ شَهْوَةِ فَمَا هِيَ إِلا أَنْ أَرَتْهُمْ نَعِيمَهَا وَمَدَّدُوا أَعْنَاقًا إِلى كُلِّ لِذَّةِ أَتَتْهُمْ فَأَجْلَتْ عَنْهُمُ كُلَّ شَهْوَةٍ أَرَادُوا وَأَخْلَتْ مِنْهُم كُلِّ غُرْفَةِ فَصَارُوا أَحَادِيثًا لِكُلِّ مُحَادِثٍ وَهُمْ سَمَرُ السُّمَارِ فِي كُلِّ سَمْرَةِ وَلِلْعَيْنِ كَانُوا قُرَّةً ثُمَّ أَصْبَحُوا وَهُمْ عِبْرَةٌ تَجْرِي بِهَا كُلُّ عَبْرَةِ تَبَدَّلَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ بِضِدِّهِ فَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ فِيهَا بِرُتْبَةِ فَصِحَّتُهَا وَالعِزُّ وَالْمَالُ بَعْدَهَا سَقَامٌ وَذِلٌ وَافْتِقَارٌ بِقِلَّةِ أَرَى هَذِهِ الأَعْمَارَ أَحْلامَ نَائِمٍ وَلَذَتَهَا طَيْفًا أَلَمَّ بِمُقْلَتِي أَلَسْتَ تَرَى الأَتْرَابَ قَدْ رَحَلُوا إلى

стр. 3163

.. تُرَابٍ وَحَلَّوا فِي مَنَازِلِ وَحْشَةِ مُقِيمِينَ فِيمَا يَنْظُرُونَ مَتَى مَتَى تَرُوحُ إِلَيْهِمْ فِي عَشِيٍّ وَبُكْرَةِ وَتُقْبِلُ في جَيْشٍ قُصَارَى مَرَامِهِمْ نُزُولُكَ فَرْدًا حُفْرَةً أَيَّ حُفْرَةِ وَيَحْثُو عَلَيْكَ التُّرْبَ كُلُّ مُشَيِّعٍ ثَلاثًا وَهَذَا مِنْ فِعَالِ الأَحِبَةِ فَتَنْزِلُ دَارَ لا أَنيِسَ بِهَا وَلا خَلِيلَ بِهَا تُفْضِي إِلَيْهِ بِخُلَّتِي سِوَى رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ يَا خَيْرَ رَاحِم أَسَأْنَا فَقَابِلْنَا بِعَفْوٍ وَرَحْمَةِ وَصَلِّي عَلَى الْمُخْتَارِ وَالآلِ إِنَّهَا لِحُسْنِ خِتَامِ فِي نِظَامِ القَصِيدَةِ اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِسُلُوكِ مِنَاهِجِ الْمُتَّقِين وَخصَّنَا بِالتَّوْفِيقِ الْمُبِين وَاجْعَلْنَا بِفَضْلِكَ مِنْ عِبَادِكَ الْمُخْلِصِينَ الذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. اللَّهُمَّ افْتَحْ لِدُعَائِنَا بَابَ الْقَبُولِ وَالإجَابَةِ وَوَفِّقْنَا لِلتَّوْبَةِ النَّصُوح وَالإنَابَةِ وَثَبِّتْ مَحَبَّتَكَ فِي قُلُوبِنَا تَثْبِيتَ الْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ وَأَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَثَبِّتْنَا عَلَى قَوْلِكَ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.اللَّهُمَّ أَيْقِظْ قُلُوبَنَا وَنَوِّرْهَا بِنُورِ الإيمَان وَثَبَّتْ مَحَبَّتَكَ فِي قُلُوبِنَا وَقَوِّهَا وَارْزُقْنَا الْمَعْرِفَةِ بِكَ عَنْ بَصِيرَةٍ وَأَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَوَفِّقْنَا لِطَاعَتِكَ وَامْتِثَالِ أَمْرِكَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ. واللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

стр. 3164

(فَصْلٌ) وَعَبَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ تَعْبِئَةٍ لأَصْحَابِهِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الثَّبَاتِ وَالصَّبْرِ، وَقَالَ لَهُمْ: «لا تَحْمِلُوا حَتَّى آمرَكُم، وَإِنْ اكْتَنَفَكُم القَوْمُ فَاتْصَنحُوا عَنْكُمْ بالنَّبْلِ، وَلا تَسْلُوا السُّيُوفِ حَتَّى يَغْشُوكُم» . ثُمَّ رَجَعَ إِلى العَرِيشِ، فَدَخَلَهُ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَقَامَ سَعْدُ ابنُ مُعَاذٍ وَاقِفًا عَلَى البَابِ بَابِ العَرِيشِ، مُتَقَلِّدًا سَيْفَهُ، وَمَعَهُ رِجَالٌ مِنْ الأَنْصَارِ، يَحْرِسُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَوْفًا عَلَيْهِ أَنْ يَدْهَمُهُ العَدُوُّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالنَّجَائِبُ مُهَيَّأَةٌ لَهُ إِنِ احْتِاجَ إِلَيْهَا رَكِبَهَا وَبَدَأْتَ قُرَيْشٌ الزَّحْفَ، فَانْدَفَعَ مِنْ صُفُوفِهَا الأَسْوَدُ ابنُ عَبْدِ الأَسَدِ الْمَخْزُومِي، إلى حَوْضِ الْمَاءِ الذي أَقَامَهُ الْمُسْلِمِونَ، وَهُوَ يَقُولُ: أَعَاهِدُ اللهَ لأَشْرَبَنَّ مِنْ حَوْضِهِمْ، أَوْ لأَهْدِمَنَّهُ، أَوْ لأَمُوتَنَّ مِنْ دُونِهِ، فَتَلَقاهُ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِضَرْبَةٍ مِنْ سَيْفِهِ أَطَنَّ بِهَا سَاقَهُ، فَوَقَعَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ يَزْحَف حَتَّى وَصَلَ إِلى الْحَوْض، فَجَعَلَ حَمْزَة يُتْابِعَهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهُ فِي الْحَوْضِ، وَحَمَىَ عَتُبَة بنُ رَبِيعَةَ مِنْ قَوْلِ أَبِي جَهْلٍ، فَانْدَفَعَ مِنَ الصَّفِ بَيْنَ أَخِيهِ شَيْبَةَ، وَابْنِهِ الوَلِيدِ، يَدْعُونَ إِلى الْمُبَارَزَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ ثَلاثَةٌ مِن الأَنْصَارِ، عَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ وَعَوْفُ وَمُعَوِّذُ أَبْنَاءُ عَفراءَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: مِنَ الأَنْصَارِ. قَالُوا: أَكْفَاءٌ كِرَام، وَإِنَّما نُرِيدُ بَنِي عَمِّنَا، وَنَادَوْا يَا مُحَمَّدُ أَخْرِجْ إَلِيْنَا أَكْفَاءَنَا، فَأَخْرَجَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَمْزَةَ بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعُبَيْدَةَ بن الْحَارِثِ بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَلِيَّ بن أَبِي

стр. 3165

طَالِبٍ فَبَارَزَ عُبَيْدَةُ عُتْبَةَ، وَبَارَزَ حَمْزَةُ شَيْبَةَ، وَبَارَزَ عَلِيٌّ الوَلِيدَ، فَأَمَّا حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ فَلَمْ يَلْبَثْ كُلٌ مِنْهُمَا أَنْ قَتَلَ صَاحِبَهُ، وَأَمَّا عُبَيْدَةُ وَعُتْبَةُ فَقَدْ اخْتَلَفَا فِيمَا بَيْنَهُمَا ضَرْبَتَيْن، فَوَقَعَ كِلاهُمَا عَلَى الأَرْضِ، فَكَرَّ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ بَأسْيَافِهِمَا عَلَى عُتْبَةَ، فَذَفَّفَا عَلَيْهِ، وَحَمَلا عُبَيْدَةَ فَجَاءا بِهِ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَدْ قُطِعَتْ سَاقُهُ، وَجَعَلَ مُخُهَا يَسِيل، فَأَفْرَشَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدمَهُ الشَّرِيفَة، وَبَشَّرَهُ بِالشَّهَادَةِ، وَهُنَا حَمِيَ الْمُشْرِكُون، وَهَجَمُوا عَلَى صُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ، هُجُومَ السَّيْلِ الْجَارِفِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَكْسِرُوا هَجَمَاتِهِمْ بِالنَّبْلِ، وَهُمْ مُرَابِطُونَ فِي أَمَاكِنِهم، فَلَمَّا أَوْشَكَ الصَّفَانِ، أَنْ يَتَلاحَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَحْمِلُوا عَلَيْهِمْ وَنَادَى قَائِلاً: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُقَاتِلُهُمْ اليَوْمَ رَجُلٌ فَيُقْتَلُ صَابِرًا مُحْتِسَبًا مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ إِلا أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ» . فَهَجَمَ الْمُسْلِمُونَ بِقُلُوبٍ مِلْؤُهَا الإِيمَانُ بِالْحَقِّ، وَالرَّغْبَةُ فِي الشَّهَادَةِ، وَالطَّمَعُ في ثَوَابِ اللهِ، وَجَعَلُوا أَهْدَافَهُمْ رُؤوسَ الكَفَرَةِ، يَتَصَيَّدُونَهُمْ وَسَطَ الْجُمُوعِ الزَّاحِفَة، ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَلَيْهِمْ كَالصَّوَاعِقِ، وَهُمْ يَتَصَايَحُونَ تَصَائِحَ الأُسُودِ: يَا مَنْصُورُ أَمِتْ أَمِتْ. ثُمَّ حَمِيَ الوَطِيسُ وَاسْتَدَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ، وَاشْتَدَّ القِتَالُ، وَهَانَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْحَيَاةُ، وَلَذَّتْ لَهُمْ الشَّهَادَةُ، وَاسْتَعْجَلُوا الْمَوْتَ فِي سَبِيلِهَا، حَتَّى إِنَّ عُمَيْرَ بنَ الْحُمَامِ لِيَصِيحُ مِنْ فَرْطِ سُرُورِهِ وَيَقُولُ: بَخٍ بَخٍ أَفَمَا بَيْنِي وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلا أَنْ يَقْتُلَنِي هَؤُلاءِ؟ ثُمَّ يَرْمِي مِنْ يَدِهِ تَمَرَاتٍ كَانَ يَأكُلُ مِنْهَا، وَيَقُولُ: لَئِنْ أَنَا حَيَيْتُ

стр. 3166

حَتَّى آكَلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، ثُمَّ يَنْدَفِعُ إِلى الْمَعْرَكَةِ انْدِفَاعَ السَّهْمِ، وَحَتَّى إِنَّ عَوْفَ بن الْحَارِثِ لَيَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَمَّا يَضْحَكُ الرَّبُ مِن عَبْدِهِ فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «غَمْسُهُ يَدَهُ في العَدُوِّ حَاسِرًا» . فَيَنْزِعُ دِرْعَهُ فَيَقْذِفُهَا، ثُمَّ يَأْخُذُ سَيْفَهُ، وَيَخُوضُ فِي الْمَعْرَكَةِ لا يُبَالِي أَوَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ، أَمْ وَقَعَ الْمَوْتُ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ملءَ كَفِّهِ مِنْ الْحَصَى، فَرَمَى بِها وُجُوه العَدُوِّ، فَلَمْ تَتْرُكْ رَجُلاً مِنْهُمْ إِلا مَلأَتْ عَيْنَيْهِ، وَشُغِلُوا بالتُّرَابِ فِي أَعْيُنِهم، وَشُغِلَ الْمُسْلِمُونَ بِقَتْلِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ في شَأْنِ هَذِهِ الرَّمْيَةِ عَلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ وَكَانَتْ الْمَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ تُبَادِرُ الْمُسْلِمِينَ إِلى قَتْلِ أَعْدَائِهِمْ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: بَيَنْمَا رَجُلٌ مِن الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِن الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ إِذْ سَمَعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَصَوْتَ الفَارِسِ فَوْقَهُ، يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، إِذْ نَظَرَ إِلى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ وَشَقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَأَحْضَرَ ذَلِكَ أَجْمَعُ، فَجَاءََ الأَنْصَارِيُ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «صَدَقْتُ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ» . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الأَنْصَارِي: إِنِّي لأَتْبَعُ رَجُلاً مِنْ الْمُشْرِكِينَ لأَضْرِبَهُ، إِذْ وَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ سَيْفِي، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي، وَجَاءَ رَجُلٌ بالعباسِ بن عبدِ الْمُطَّلِبِ أَسِيرًا، فَقَالَ العَبَّاسُ: إِنَّ هَذَا وَاللهِ مَا أَسَرَنِي، لَقَدْ أَسَرَنِي رَجُلٌ أَجْلَحُ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ، وَمَا أَرَاهُ في القَوْمِ، فَقَالَ الأَنْصَارِي: أَنَا أَسَرْتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «اسْكُتْ فَقَدْ أَيَّدَكَ اللهُ بِمَلَكٍ كَرِيمٍ، وَأُسِرَ مِنْ بَنِي

стр. 3167

عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ثَلاثَةً، العَبَّاسُ، وَعَقِيلٌ، وَنَوْفَلُ بن الْحَرثِ. وَذَكَرَ الطَّبَرَانِي عَنْ رِفَاعَةَ بن رَافِعٍ قَالَ: لَمَّا رَأَى إِبْلِيسُ مَا يَفْعَلُ الْمَلائِكَةُ بِالْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَشْفَقَ أَنْ يَخْلُصَ القَتْلُ إِلَيْهِ، فَتَشَبَّثَ بِهِ الْحَرْثَ بن هِشَامٍ هَارِبًا، حَتَّى أَلْقَى نَفْسَهُ في البَحْرِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ نَظْرَتَكَ إِيَّاي، فَأَقْبَلَ أَبُو جَهْلٍ بنُ هِشَامٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النَّاسِ لا يَهْزِمَنَّكُمْ خَذْلانُ سُرَاقَةَ إِيَّاكُم، فَإِنَّهُ كَانَ عَلَى مِيعَادٍ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَلا يَهُولَنَّكُم قَتْلُ عُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ، وَالْوَلِيد، فَإِنَّهُمْ قَدْ عَجَّلُوا فَوَالَّلاتِ وَالعُزَّى لا نَرْجِعُ حَتَّى نَقْرِنَهُم بِالْحِبَالِ، وَلا أَلْفَيْنَ رَجُلاً مِنْكُمْ قَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلاً، وَلَكِنْ خُذُوهُمْ أَخَذَا، حَتَّى نَعْرِفَهُمْ سُوءَ صَنِيعِهِمْ، وَلا تَزَالُ تُضَاعفُ شَجَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ وَتَزْدَادُ قُوَاهُمُ الْمَعْنَوِيَّةِ وَالْحِسِّيَةُ وَتَزْدَادُ حَمَاسَتُهُمْ، حَتَّى لَيُحِسُّ الوَاحِدَ مِنْهُمْ أَنَّهُ كُفْءٌ لِعَشْرَةٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَتَضَاءَلَتْ فِي أَعْيُن الْمُؤْمِنِينِ كَثْرَةُ الْمُشْرِكِينَ، فَجَعَلُوا يَفْتَرِسُونَهُمْ كَمَا تَفْتَرِسُ الذِّئَابُ الْغَنَمِ، وَيَكْتَسِحُونَهُمْ كَمَا يَكْتَسِحُ السَّيْلُ الْغُثَاءَ، وَانْعَقَدَ فَوْقَ الْمَعْرَكَةِ جَوٌّ رَهِيبٌ، مَلأَ قُلُوبَ الْمُشْرِكِينَ بِالرُّعْبِ، كَمَا مَلأَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ بِالقُوَّةِ وَالثَّبَاتِ مِن اللهِ العَزِيزِ الْحَكِيم. وَرُوِيَ أَنَّ خُبَيْبَ بن يَسَافٍ كَانَ رَجُلاً شُجَاعًا، وَكَانَ يَأْبَى الإِسْلامَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلى بَدْرٍ، خَرَجَ هُوَ وَقَيْسُ بن مُحْرِثٍ، فَعَرَضَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يَخْرُجَا مَعَهُ، فَقَالَ: «لا يَخْرُجْ مَعَنَا رَجُلٌ لَيْسَ عَلَى دِينِنَا» . فَقَالَ خُبَيْبٌ: قَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنِّي عَظِيمُ الغِنَاءِ في الْحَرْبِ، فَأقَاتِلُُ مَعَكَ لِلْغَنِيمَةِ، قَالَ: «لا، وَلَكِنْ أَسْلَمَ ثُمَّ قَاتلَ» . اللَّهُمَّ يا فالقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، يا مُنْشِئَ الأجْسَادِ بَعْدَ البلَى يا مُؤْوي المنْقَطِعِينَ إِليْه، يا كَافِي المُتَوَكِّلينَ عليه، انْقَطَعَ الرَّجَاءُ إلا مِنْكَ، وخابَتِ الظُنُونُ إلا فِيكَ، وضَعُفَ الاعْتمادُ إِلا عَلَيْكَ نسألُكَ أنْ تُمْطَرَ مَحْلَ قُلُوبِنَا

стр. 3168

مِن سَحائِبِ بِرِّكَ وإحْسَانِكْ وأَنْ تُوِفقَّنا لِمُوجِباتِ رَحْمَتِكَ وعَزَائِم مَغفرتِكَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ العَمَلِ الذِي يُقَرِّبُنَا إِلى حُبِّكَ اللَّهُمَّ أَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَوَفِّقْنَا لِشُكْرِكَ وَاحْفَظْنَا مِن الاغْتِرَارِ بِالدُّنْيَا وَالْهَوَى وَالنَّفْسِ وَعَدُوِّكَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ إِنَّكَ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. (فَصْلٌ) وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي عَرِيشِهِ، يُتَابِعُ الْمَعْرَكَةَ، وَقَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِاللهِ ، فَتَارَةً يَنْزِلُ إِلَيْهِمْ، فَيُنْهِضُ هِمَمَهُمْ، وَيُقَوِي بِإِذْنِ اللهِ قُلُوبَهُم، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَتَارَةً يَصْعَدُ إِلى الْجَبَلِ يَدْعُو رَبَّهُ، وَيُكَرِّرُ دُعَاءَهُ وَابْتِهَالَهُ للهِ، وَمُنَاشَدَتُهُ رَبَّهُ ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مِنْكَبَيْهِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ الصِّدِيقُ ﵁، وَقَالَ: بَعْضُ مُنَاشَدَتِكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ مُنْجِزٌ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأُغْفِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِغْفَاءَةً وَاحِدَةً، وَأَخَذَ القَوْمُ النُّعَاسُ فِي حَالِ الْحَرْبِ، ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأْسَهُ فَقَالَ: «أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، هَذَا جَبِريلُ عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ، وَجَاءَ النَّصْرُ، وَأَنْزَلَ اللهُ جُنْدَهُ، وَأَيَّدَ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِين، وَمَنَحَهُم أَكْتَافَ الْمُشْرِكِينَ أَسْرًا وَقَتْلاً، وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلى أَصْحَابِهِ، يَشُدُّ عَزَائِمَهُمْ، وَيُبَشِّرُهُمْ بِنَصْرِ اللهِ وَيَقُولُ لَهُمْ: «شُدُّوا، ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ .. مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ، وَمَنْ أَسَرَا أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ» ، فَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ حَمْلَةً صَادِقَةً، تَصَدَّعَتْ لَهَا جُمُوعُهُمْ، وَانْهَارَتْ أَمَامَهَا قُوَاهُمْ وَرَأَى الْمُشْرِكُونَ مَا أَصَابَ سَادَتِهم، فَأَلْقِيَ الرُّعْبُ فِي قُلُوبِهِمْ وَأَخَذُوا يُلْقُونَ بِأَثْقَالِهِمْ، وَيَفِرُّونَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ، نَجَاةً بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ

стр. 3169

الْمَوْتِ، فَانْقَضَّ الْمُسْلِمُونَ يَأسِرُونَ وَيَهْزِمُونَ وَيَغْنِمُونَ، وَلَمَا وَضَعَ الْقَوْمُ أَيْدِيهُمْ يَأْسِرُونَ، نَظَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِلى سَعْدِ بن مُعَاذٍ، فَرَأَى في وَجْهِهِ الكَرَاهَةَ لِمَا يَصْنَعُونَ، فَقَالَ: «لَكَأَنَّكَ يَا سَعْدُ تَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ القَوْمُ» ؟ فَقَالَ: أَجَلْ وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَتْ أَوَّلَ وَقْعَة أَوْقَعَهَا اللهُ بأَهْلِ الشِّرْكِ، فَكَانَ الإثْخَانُ في القَتْلِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ اسْتِبْقَاءِ الرِّجَالِ، وَهَكَذَا تَصَدَّعَتْ جُمُوعُ الشِّرْكِ، أَمَامَ قُوَّةِ الإِيمَانِ باللهِ وَرَسُولِهِ وَانْجَلَتِ الْمَعْرَكَةُ عَنْ سَبْعِينَ قَتِيلاَ وَسَبْعِينَ أَسِيرَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ كُلَّ مَا خَلَّفَ الْمُشْرِكُونَ وَرَاءَهُمْ، مِنْ زَادٍ وَعَتَادٍ، أَمَّا الذِينَ فَازُا بِالشَّهَادَةِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَكَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَبَدَأَتِ الْمَعْرَكَةُ في الصَّبَاحِ، وانْتَهَتْ في عَصْرِ ذَلِكَ الْيَومِ الذِي هُوَ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ مِن السَّنةِ الثانِيةِ لِلْهِجْرَةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُدْفَنَ الشُّهَدَاءُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وأَنْ يُوَارَيَ الْقَتْلَى مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي قَلِيبٍ هُنَاكَ مَهْجُورَة، فَلَمَّا وُضِعُوا فِي الْقَلِيبِ، وَقَفَ عَلَيْهِم رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رِبِّي حَقًّا» . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ ﵁: يَا رَسُولَ اللهِ ما تُخَاطِبُ مِنْ أَقْوَامٍ قَدْ جَيَّفُوا. فَقَالَ: «وَالذِي نَفْسِي بَيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بَأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ الْجَوَاب» . وَرَوَى الْبُخَارِيّ في الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: إِنِّي لَفِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، إِذْ الْتَفْتُ فإِذا عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَتَيَانِ حَدِيثَا السِّنِ، فَكَأَنِّي لَمْ آمَنْ بِمَكَانِهِمَا إذْ قَالَ لِي أَحَدُهُمَا سِرًّا مِنْ صَاحِبه: يَا عَمُّ، أَرِنِي أَبَا جَهْلٍ، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ أَخِي فَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ

стр. 3170

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لاَ يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا. فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، قَالَ: فَغَمَزَنِي الآخَرُ فَقَالَ لِِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ، فَقُلْتُ: أَلاَ تَرَيانِ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلانِي عَنْهُ. قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلاَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللهُ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ» ؟ . فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ. قَالَ: «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا» ؟ . فَقَالاَ: لاَ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلى السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: «كِلاَكُمَا قَتَلَهُ» . وَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ. والرَّجُلانِ مُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ومُعَاذَ بنِ عَفْرَاءَ: بُغْضُ الْحَيَاةِ وَخَوْفُ اللهِ أَخْرَجَنِي وَبيَعُ نَفْسِي بِمَا لَيْسَتْ لَهُ ثَمَنَا إنّي وَزَنْتُ الذي يَبْقَى لِيَعْدِلَهُ مَا لَيْسَ يَبْقَى فَلا واللهِ مَا وَزَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (فَصْلٌ) (مِن مَوَاعِظِ النَّبِيِّ ﷺ وَوَصَايَاهُ) قَالَ ﷺ : «حَلُّوا أَنْفُسَكُمْ بالطَّاعَةِ، وأَلْبِسُوهَا قِنَاعَ الْمَخَافَةِ، واجْعَلُوا آخِرَتَكُم لأَنْفُسِكُم بالطاعةِ، لِمُسْتَقَرِّكُم، واعْلَمُوا أَنَّكُمْ عن قَليلٍ رَاحِلُون، وَإِلى اللهِ صَائِرُون ولا يُغْنِي عَنْكُم هُنَالِكَ إِلا صَالِحُ عَمَلٍ قَدَّمُتُمُوهُ، أَوْ حُسْنُ ثَوَابٍ حُزْتُمُوه» . وَقَالَ ﷺ في بَعْضِ خُطَبِهِ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الأَيَّامَ تُطْوى، والأَعْمَارَ تَفْنَى، والأبْدَانَ في الثَّرى تَبْلى، وإِنَّ اللَّيْلَ والنهارَ

стр. 3171

يَتَرَاكَضَانِ تَرَاكُضَ الْبَريدِِ، يُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعيدٍ، وَيُخْلقَانِ كُلَّ جَديدِ، وفي ذَلِكَ عِبادَ اللهِ ما أَلْهَى عن الشَّهَواتِ، وَرَغَّب في الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ» . وقال ﷺ في بعْضِ خُطَبِهِ: «أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ لَكُم نِهَايَةً، فانْتَهُوا إلى نِهَايَتِكُم، وإِنَّ لَكُمْ مَعَالِمَ، فانْتَهُوا إلى مَعَالِمِكُم، وإِنَّ الْمُؤمِنَ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ: أَجلٍ قَدْ مَضَى، لا يَدْري ما الله صَانِعُ فِيهِ، وأَجَلٍ قَدْ بَقِيَ، لا يَدْرِي ما اللهُ قاضٍ فيه فَلْيَتَزَوَّدِ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَمَنْ دُنْيَاهُ لآخِرَتِهِ، وَمِن الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَوتِ، فَإِنَّ الدُّنْيَا خُلِقَتْ لَكُم، وَأَنْتُمْ خُلِقْتُمْ لِلآخِرَةِ، فَوَالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما بَعدَ الْمَوْتِ مِن مُسْتَعْتَبٍ، ولا بَعْدَ الدنيا إلا الْجَنَّةُ أو النَّارُ» . وَقَالَ ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ كَأَنَّ الْمَوتَ عَلى غَيْرِنَا كُتِبَ وكأنَّ الْحَقَّ عَلَى غَيْرِنَا وَجَبَ، وكَأَنَّ الذي نُشَيِّعُ مِن الأَمْواتِ سَفَرٌ عَمَّا قَلِيل إِليْنَا رَاجِعُون، نُبَوئِهم أَجْدَاثَهُمْ، وَنَأْكُلُ تُرَاثَهُم، كَأَنَّا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ، نَسِينَا كُلَّ وَاعِظَةٍ، وَأَمِّنَا كُلَّ جَائِحَةٍ طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُه عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ، طُوبَى لِمَنْ أَنْفَقَ مَالاً اكْتَسَبَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيةٍ، وَجَالَسَ أَهْلَ الفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ وَخَالَطَ أَهْلَ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ طُوبَى لِمَنْ ذَلَّتْ نَفْسُهُ، وَحَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ، وَطَابَتْ سَرِيرَتُهُ، وَعَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ طُوبَى لِمَنْ أَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ، وَأَمْسَكَ الفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ، وَلَمْ تَسْتَهْوِهِ البِدْعَةُ» . أ. هـ. قِيلَ: إِنَّ خَيْريْ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فِي خَمْسِ خِصَالٍ وَهِيَ: غِنَى النَّفْسِ، وَكَفِّ الأَذَى، وَكَسْبِ الْحَلالِ، وَلِبَاسُ التَّقْوَى وَالثِّقَةِ بِاللهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَقَدْ

стр. 3172

نَظَمَهَا أَحَدُ العُلَمَاءِ فَقَالَ: أَرَى خَيْرَيْ الدَّارَيْنِ يُجْمَعُ كُلُّهُ بِخَمْسِ خِلالٍ يَا لَهَا مِنْ لَطَائِفِ غِنَى النَّفْسِ مَعْ كَفِّ الأَذَى وَاِكْتِسَابِ مَا يَحِلُّ وَمَلْبُوسُ التُّقَى حِصْنُ خَائِفِ عَلَى كُلِّ حَالٍ كُنْ بِرَبِّكَ وَاثِقًا بِنَفْعٍ وَكَشْفِ الضُّرِّ عِنْدَ الْمَخَاوِفِ اللَّهُمَّ اسْلُكْ بِنَا سَبِيلَ أَهْلِ الطَّاعَة، وَوَفِّقْنَا لِلثَّبَاتِ عَلَيْهَا وَالاسْتِقَامَةِ، وَعَافِنَا مِنْ مُوجِبَات الْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ، وَأَمِّنَا مِنْ فَزع يَوْمِ القِيَامَةِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا. اللَّهُمَّ اكْتُبْ فِي قُلُوبِنَا الإِيمَانَ وَأَيِّدْنَا بِنُورٍ مِنْكَ يَا نُورَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، اللَّهُمَّ وَافْتَحْ لِدُعَائِنَا بَابَ الْقَبُولِ وَالإِجَابَةِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا بِرَحْمَتِكَ الوَاسِعَةِ إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُوُر الرَّحِيم، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) وَلَمَّا بَرَدَتِ الْحَرْبُ، وَوَلَّى القَوْمُ مُنْهَزِمِينَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مِنْ يَنْظُر لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ» ؟ فَانْطَلَقَ ابنُ مَسْعُودٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ أَبْنَاءُ عَفْرَاءَ حَتَّى بَردَ، فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَقَالَ: أَنْتَ أَبُو جَهْلٍ. فَقَالَ: لِمنْ الدَّائِرَةُ اليَوْمَ، فَقَالَ للهِ وَلِرَسُولِهِ، وَهَلْ أَخْزَاكَ اللهُ يَا عَدُّوَ اللهِ؟ فَقَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلُهُ قَوْمُه؟ فَقَتَلَهُ عَبْدُ اللهِ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: قَتَلْتُهُ. فَقَالَ: «اللهُ الذِي لا إِله إِلا هُوَ» . فَرَدَّدَهَا ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ للهِ الذِي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، انْطَلِقْ أَرِنِيهِ» . فَأَنْطَلَقْنَا فَأَرَيْتُهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: «هَذَا فِرْعَونُ هَذِهِ الأُمَّة» .

стр. 3173

وَأَسَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ أُمَيَّةَ بن خَلَفٍ، وابْنَهُ عَلِيًّا، فَأَبْصَرَهُ بِلالُ، وَكَانَ أُمَيَّةُ يُعَذِّبُ بِلالاً بِمَكَّةَ، فَقَالَ: رَأْسُ الكُفْرِ أُمَيَّةُ بن خَلَفِ، لا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا، ثُمَّ اسْتَصْرَخَ جَمَاعَةَ مِنَ الأَنْصَارِ، وَاشْتَدَّ عَبْدُ الرَّحْمَن ِبِهِمَا يَحْرِزُهُمَا مِنْهُمْ، فَأَدْرَكُوهُمْ فَشَغَلَهُمْ عَنْ أُمَيَّةَ بابْنِهِ، فَفَرغوا مِنْهُ وَلِحقُوهَمَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ: أُبْرُكْ. فَبَرَكَ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ عَلَيْهِ، فَضَرَبُوهُ بِالسَّيْفِ مِنْ تَحْتِهِ فَقَتَلُوهُ، وَأَصَابَتْ بَعْضُ السُّيُوفِ رِجْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ. وَبَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَتَهُ بِوَادِي بَدْرٍ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُرْتَحِلاً بأَصْحَابِهِ إِلى الْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ الأسَارَى مِن الْمُشْرِكِين، وَالنَّفَلُ الذِي أَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الكُفَّارِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، نَزَلَ فَقَسَمَ النَّفَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ بِالسَّواءِ وَجَعَلَ لِلْفَرَسِ نَصِيبًا، وَلِلْفَارِسِ نَصِيبًا، وَجَعَلَ لِوَرَثَةِ مَنْ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حِصَّةً، وَكَانَ فَرِيقٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَحْضُرُوا الوَقْعَةَ، لأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَلَّفَهُمْ أَعْمَالاً غَيْرَ أَعْمَالِ الْقِتَالِ، وَفَرِيقٌ حَجَزَهُ عُذْرٌ قَاهِرٌ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْلَمَهُ، فَأَسْهَمَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَانُوا كَمَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ لَقِيَهُ الْمُسْلِمُونَ يُهَنِئُونَهُ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُسْلِمِين، وَجَعَلُوا يَعْتَذِرُونَ لَهُ عَمَّا كَانَ مَنْ تَأَخُرهِمْ مِنْ الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ أَسَيْدُ بنُ الْحُضَيْرِ: يَا رَسُولِ اللهِ الْحَمْدُ للهِ الذِي أَظْفَرَكَ، وَأَقَرَّ عَيْنُكَ، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَانَ تَخَلُّفِي عَنْ بَدْرٍ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّكَ تَلْقَى عَدُوًا، وَلَكِنْ ظَنَنْتُ أَنَّهَا عَيْرٌ وَلَوْ ظَنَنْتُ أَنَّهَا عَدُّوٌّ مَا تَخَلَّفْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَدَقْتَ» وَمِمَّا يَنْطَبِقُ عَلَى النَّبِيِّ ? مَا يَلِي:

стр. 3174

شِعْرًا ... تَكامَلَتْ فِيكَ أَوْصَافٌ خُصِصْتَ بِهَا ... فَكُلُّنَا بِكَ مَسْرُورٌ وَمُغْتَبِطُ السِّنُّ ضَاحِكَةٌ وَالكَفُّ مَانِحَةٌ ... وَالنَّفْسُ وَاسِعةٌ وَالوَجْهُ مُنْبَسِطُ آخر: ... صَفُوحٌ عَنِ الإِجْرَامِ حَتَّى كَأنَّهُ ... مِنَ العَفْوِ لَمْ يَعرف من الناس مُجْرِمَا ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي السَّيْرِ إِلى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ الأَثِيلَ، اسْتَعْرَضَ الأَسْرَى هُنَا، فَأَمَرَ بَاثْنِينِ مِنْهُمْ أَنْ يُقْتَلا، وَهُمَا النَّضْرُ بنُ الْحَارِثِ، وَعُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَكَانَ كِلاهُمَا شَيْطَانًا من شَياطين قُرَيْشٍ، وَمِنْ أَشَدِّ الْمُشْرِكِينَ إِيذَاءً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَلأَصْحَابِهِ، وَأَفْظَعَهُم تَقَوُّلاً عَلَى كِتَابِ اللهِ، وَعَلَى رَسُولِهِ، لا يَفْتُرَانِ مِنْ الإِيذَاءِ لا لَيْلاً وَلا نَهَارًا، أَمَّا النَّضْرُ بنُ الْحَارِثِ فَقَدْ نَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَظَرَةً هَلَعَ لَهَا قَلْبُهُ، وَأَيِسَ مِنَ البَقَاءِ بَعْدَهَا، فَقَالَ لِرَجُلٍ إِلى جَنْبِهِ: مُحَمَّدٌ وَاللهِ قَاتِلِي، فَقَدْ نَظَرَ إِليَّ بِعَيْنَيْنِ فِيهمَا الْمُوْتُ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: مَا هَذَا وَاللهِ مِنْكَ إِلا رُعْبٌ، وَجَعَلَ النَّضْرُ يَلْتَمِسُ شَفِيعًا لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، لَعَلَّهُ أَنْ يَعْفُو عَنْهُ، فَذَهَبَ إِلى مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ، وَكَانَ أَقْرَبَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ رَحِمًا، فَقَالَ لَهُ: كَلِّمْ صَاحِبَكَ أَنْ يَجْعَلَنِي كَرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَهُو وَالله قَاتِلِي إِنْ لَمْ تَفْعَلْ، فَقَالَ مُصْعَبِ: إِنَّكَ تَقُولُ فِي كِتَابِ اللهِ وَفِي نَبِيِّهِ كَذَا وَكَذَا، وَكُنْتَ تُعَذِّبُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّضْرُ: لَوْ أَسَرَتْكَ قُرَيْشٌ مَا قَتَلَتْكَ وَأَنَا حَيٌّ أَبَدَا، قَالَ مُصْعَبِ: اللهِ إِنِّي لأَرَاكَ صَادِقَا، ثُمِّ إِنِّي لَسْتُ مِثْلُكَ، فَقَدْ قَطَعَ الإِسْلامُ الْعُهُودِ، وَكَانَ قَائِلاً: النَّضْرُ أَسِيرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اضْرِبْ عُنُقَهُ، وَاللَّهُمَّ أَغْنِ الْمِقْدَادَ مِنْ فَضْلِكَ» . فَقُتِلَ ضَرْبًا بِالسَّيْفِ، وَأَمَّا الآخَرُ وَهُوَ عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعْيَطٍ، فَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِهِ وَهُوَ بِعِرْقِ الظَّبْيَةِ، وَرَوَى أَنَّهُ

стр. 3175

لَمَّا أَمَرَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَتْلِ عُقْبَةَ قَالَ: أَتَقْتُلَنِي يَا مُحَمَّدُ مِنْ بَيْنِ قُرَيْشٍ؟ قَالَ «نَعَمْ. أَتَدْرُونَ مَا صَنَعَ هَذَا بِي؟ جَاءَ وَأَنَا سَاجِدٌ خَلفَ الْمَقَام، فَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي وَغَمَزَهَا، فَمَا رَفَعَهَا حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ عَيْنِيَّ سَتَنْدُرَانِ، وَجَاءَ مَرَّةً أُخْرَى بِسَلا شَاةٍ فَأَلْقَاهُ عَلَى رَأْسِي وَأَنَا سَاجِدٌ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَغَسَلَتْهُ عَنْ رَأْسِي» . ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الْكَرِيمَ مَلَكْتَهُ ... وَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَئيمَ تَمَرَّدَا فَوَضَعُ النَّدا في مَوضِعِ السَّيْفِ بِالعُلا ... مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدا آخر: ... أُكْرَمْ لِئَامًا بِالْهَوَانَ فَإِنَّهُمْ ... إِنْ أُكْرَمُوا فَسَدُوا عَلَى الإِكْرَامِ لا تَلْطَفَنَّ بِذِي لُؤْمٍ فَتطْغَيَهُ ... أهِنْهُ يَأتِيكَ مِطْوَاعًا ومِذْعَانَا إِنَّ الْحَدِيدَ تُلِينُ النَّارُ قَسْوَتَهُ ... وَلَوْ صَبَبْتَ عَلَيْهِ الْبَحْرَ مَالانَا آخر: ... أَهنْ عَامِرًا تكْرُمْ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا ... أَخُو عَامِرٍ مَنْ مَسَّهُ بِهَوَانِ آخر: ... وَمَا شَيْءٌ أسَرَّ إلى لَئِيمْ ... إِذَا شَتَمَ الْكِرَامَ مِنَ الْجَواب مُتَارَكَةُ اللَئِيمِ بِلا جَوَابٍ ... أَشَدُّ عَلَيْهِ مَنْ مُرِّ الْعَذَابِ آخر: ... وَتَرَى الْكَرِيمَ يَعُزُّ حِينَ يَهُونُ ... وَتَرَى اللَّئِيمَ يَهونُ حِينَ يُهَانُ ثُمَّ مَضَى ﷺ فِي طَرِيقِهِ إِلى الْمَدِينَة، فَدَخَلَهَا قَبْلَ الأسَارَى بَيْوم، وَكَانَ دُخُولُهُ مِنْ ثَنِيَّةِ الوَدَاع، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الأَرْبَعَاءِ الثَّانِي وَالْعُشْرُونَ مِنْ رَمَضَان، فَتَلَقَّاهُ الْمُسْلِمُونَ يُهَنِئُونَهُ بِفَتْحِ اللهِ، فَقَدِم ﷺ الْمَدِينَة مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا مُظَفَرًا، مَكْبُوتًا عَدُوُّهُ، مَسْرُورًا صَدِيقُهُ، قَدْ أَعْلَى كَلِمَةَ اللهِ، وَمَكَّنَ لَهُ رَبُّهُ، وَنَصَرَهُ وَأَعَزَّهُ. وَمِنْ اللَّطَائِفِ التِي ذَُكِرَتْ فِي هَذَا الْمَوْقِفِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لِمَا أَقْبَلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُهَنِئُونَهُ، قَالَ لَهُمْ سَلَمَةُ بن سَلامَةَ: مَا الذِي

стр. 3176

تُهَنِئُونَنَا بِهِ، فَوَاللهِ إِنْ لَقِينَا إِلا عَجَائِزًا صُلْعًا، كَالْبُدُنِ الْمُعَقَلةٍ فَنَحَرْنَاهَا، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: «أَيّ ابن أَخِي أُولَئِكَ الْمَلا» . أَيْ هُمُ الأَشْرَافُ وَالسَّادَةُ الذِينَ لا يُسْتَهَانُ بِبَلائِهِم في الْقِتَالِ، وَلا بِمَكَانِهِمْ فِي الْقَوْمِ وَقَدْ أَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى أَبُوا الطِّيبِ فَقَالَ: وَمَا عَدِمَ اللاقُوكَ بَأْسًا وَشِدَّةً وَلَكِنَّ مَنْ لاقَوْا أَشَدُّ وَأَنْجَبُ وَرَوَى ابنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ أَنَّ عَاتِكَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَأَتْ فِي مَنَامِهَا وَقَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ قُرَيْشٌ بِثَلاثِ لَيَالٍ - أَنَّ رَاكِبًا أَقْبَلَ عَلَى بَعِيرٍ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى قُرَيْشِ، ثُمَّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا آل غُدَر، انْفُروا إِلى مَصَارِعِكُم فِي ثَلاثٍ، وَظَلَّ يُكَرِّرُهَا هُنَا وَهُنَاكَ، وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ صَخْرَةَ فَرَمَى بِهَا مِنْ أَعْلَى الْجَبَلِ فَأَقْبَلَتْ تَهْوِي، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِأَسْفَلِهِ، تَنَاثَرَتْ أَجْزَاؤُهَا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَمَا بَقِيَ بَيْتٌ وَلا دَارٌ بِمَكَّةَ إِلا دَخَلَتْهُ مِنْهَا فِلْقَةٌ، وَبَعْدَ ثَلاثٍ مِنْ هَذِهِ الرُّؤْيَا جَاءَ رَسُولُ أَبِي سُفْيَانَ يَصِيحُ بِالْقَوْمِ، وَيَسْتَفِزُّهُمْ لِيُنْقِذُوا عِيرَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ. وَرُوِيَ أَنَّ جُهَيْمَ بن الصَّلْتِ رَأَى وَهُمْ فِي طَرِيقهِمْ إِلى بَدْرٍ - كَأَنَ رَاكِبًا أَقْبَلَ عَلَى فَرَسِهِ، وَمَعَهُ بَعِيرٌ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: قُتِلَ فُلانٌ وَفُلانٌ، وَأُسِرَ فُلانٌ وَفُلانٌ، لِرجَالٍ سَمَّاهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ ضَرَبَ بِخَنْجَرِهِ فِي لَبَّةِ بَعِيرِهِ، وَأَرْسَلَهُ فِي الْعَسْكَرِ، فَمَا بَقِيَ خِبَاءٌ مِنْ أَخِبيْتَهِم إلا أَصَابَهُ مِنْ دَمِه. وَرَوَى الْوَاقِدِي أَنَّ ضَمْضَمَ بن عَمْرو جَاءَ إِلى الْحَارِثِ بِنْ عَامِرٍ، فَقَالَ

стр. 3177

لَهُ: إِنِّي رَأَيْتُ رُؤْيًا كَرِهْتُهَا، رَأَيْتُ - وَأَنَا كَالْيَقْظَانِ عَلَى رَاحِلَتِي - كَأَنَّ وَادِيًا يَسِيلُ دَمًا، فَقَالَ الْحَارِثْ: لَوْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْكَ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مَا خَرَجْتُ، أَوْ قَالَ: مَا سِرْتُ خَطْوَةً، فَاطْوِ هَذَا الْخَبَرَ أَنْ تَعْلَمَهُ قُرَيْش، فَإِنَّهَا تَتَّهِمُ كُلَّ مَنْ عَوَّقَهَا عَنْ الْمَسِيرِ اللَّهُمَّ عَمِّقْ إِيمَانَنَا بِكَ وَبِمَلائِكَتِكَ وَبِكُتُبِكَ وَبِرُسُلِكَ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. عِبَادَ اللهِ تَأَمَّلُوا كَيْفَ تَغَيَّرَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ فِي زَمَنٍ قَلِيلٍ، وَكَيْفَ آثَروا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى مَا عِنْدَ اللهِ، وَكَيْفَ شَغَلَتْهُمُ الأَمْوَالُ وَالأَهْلُ، وَالأَوْلادُ وَالْمَلاهِي، وَالْمُنْكَرَاتِ، عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنْ الصَّلاةِ، مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ مَهْمَا عَاشُوا وَمَهْمَا نَالُوا مِن الدُّنْيَا، وَمَهْمَا تَلَذَّذُوا فَإِنَّهُمْ رَاحِلُونَ وَمَا فِي أَيْدِيهِمْ زَائِلٌ عَنْهُمْ وَخَالِفُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَ اللهِ وَأَنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلا ذِكْرُ اللهِ وَمَا وَالاهُ وَمَنْ اشْتَرى الْعَاجِلَ بِالآجِل وَلَمْ يَتَّخِذِ الدُّنْيَا مَطِيَّةً تُوصِلُهُ إِلى الْمَقْصَدِ الذِي يَرْضَاهُ وَالْمُسْتَقَرِ الأَخِيرِ الذِي يَهْوَاهُ مَعَ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ، فَذَلِكُمْ الذِي لا تُفِيدُهُ الْمَوَاعِظُ، وَلا تَجْدِي فِيهِ النَّصَائِحُ وَلا تَرُدُّهُ الْعِبَرُ عَنْ غَيِّهِ، وَاقْتِحَامِهِ الْقَبَائِحَ، وَذَلِكَ هُوَ الذِي خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ، عِبَادَ اللهِ حَلالُ هَذِهِ الدُّنْيَا حِسَابٌ، وَحَرَامُهَا عِقَابٌ، وَمَآلِهَا إِلَى الدَّمَارِ وَالْخَرَابِ، وَلا يَطْمَئِنُ إِلَيْهَا إِلا جَاهِلٌ مُرْتَابٌ، قَدْ فَقَدَ الرُّشْدَ وَأَبْعَدَ عن الصَّوَابِ، فَكَمْ مِنْ ذِهَابٍ بِلا إِيَابٍ، وَكَمْ مِنْ حَبِيبٍ عَلَى الرَّغْمِ قَدْ فَارَقَ الأَحْبَابِ، وَتَرَكَ الأَهْلَ وَالأَصْحَابَ، وَانْتَقَلَ إِلى ثَوَابِ جَزِيلٍ أَوْ عِقَابٍ، وَأَنْتَ أَيُّهَا الْمُغَفَّلُ الْمَخْدُوعُ عَلَى جَمْعِهَا حَرِيصٌ مَعَ مَا تُشَاهِدُهُ مِن الأَكْدَارِ وَالتَّنْغِيصِ، وَكَانَ يَكْفِيكَ مِنْهَا الْقَلِيلِ. شِعْرًا: ... يَا مُحِبَّ الدُّنْيَا الْغَرُورِ إِغْتَِِرَارًا ... رَاكِبًا في طِلابِهَا الأَخْطَارَا

стр. 3178

شِعْرًا: ... يَبْتَغِي وَصْبَهَا فَتَأبَى عَلَيْهِ ... وَتَرَى أُنْسَهُ فَتُبْدِي نِفَارَا آخر: ... خَابَ مَنْ يَبْتَغِي الْوصَال لَدَيْهَا ... جَارَةٌ لَمْ تَزلْ تُسِيءُ الْجِوَارَا كَمْ مُحِبٍّ أَرَتْهُ أُنْسًا فَلَمَّا ... حَاوَل الزَّوْرَ أَرَتْهُ ازْوِرَارَا آخر: ... وَلَوْ كَانَ ذَا عَقْلٍ لأَغْنَتْهُ بُلْغَةٌ مِن الْعَيْشِ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يَكُ يَجْشَعُ إِلى أَنْ تَوَافِيهِ الْمَنِيَّةُ وَهُوَ بِالْقِنَاعَةِ فِيهَا آمِنًا لا يَرْوَعُ. قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ، وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ . نَعَمْ لا بَأْسَ فِي جَمْعِ الْمَالِ وَاكْتِسَابِ الْحَلالِ لِلتَّمَتُعِ بِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ الْفَانِيَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَاغِلاً عَنْ عِبَادَةِ اللهِ وَالاسْتِعْدَادِ لِلدَّارِ الآخِرَةِ لا سِيمَا إِذَا كَانَ مِمَّنْ وَفَّقَهُ اللهُ لانْفَاقِهِ فِي الْمَشَارِيعِ الدِّينِيَّةِ كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَتَرْمِيمِهَا وَوَضْعِ الْمَاءِ لِلشَّارِبِينَ وَنَحْوَ ذَلِكَ بَلْ كَسْبُ الْمَالِ فَرِيضَة عَلَيْكَ لأَنَّ عَلَيْكَ أَنْ تُحَافِظْ عَلَى حَيَاتِكَ وَعَلى حَيَاةِ مَنْ تَجِبُ لَهُمْ عَلَيْكَ النَّفَقَاتِ وَأَنْتَ لا تُحَافِظَ عَلَى تِلْكَ الأَنْفُس إِلا بِإعْطَائِهَا مَا لِلْحَيَاةِ مِنْ ضَرُورِيَّاتٍ وَهَذِهِ الضَّرُورِيَّاتِ لا يُمْكِنُكَ أَنْ تَحْصُلَ عَلَيَهَا إِلا بِمَالٍ تَبْذِلُهُ عِنْدَ الْمُبَادَلاتِ إِذَنْ كَسْبُ الْمَالِ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْحَيَاةِ فَرِيضَةٌ وَإِذَا أَرَدْتَ هَذَا الْكَسْبَ فَانْوِ عِنْدَ طَلَبِكَ لَهُ الْقِيَامَ بِمَا أَوْجَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ وَالتَّقْوَى بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ حَتَّى تَنْقَلِبَ عَادَاتُكَ عِبَادَاتٌ وَمِنْ أَفْضَلِ مَا تَأْكلُ مَا كَسَبْتَهُ بِيَدِكَ وَتَحَرَّ الْحَلالَ فِي كَسْبِهِ فَإِنَّهُ يُنِيرُ الْقَلْبَ وَسَبَبٌ لِقُبُولِ الدُّعَاءِ بِإِذْنِ اللهِ وَتَوَقَّ الْحَرَامَ فَإِنَّهُ يُظْلِمُ الْقُلُوبَ وَيُثْقَلُ الأَبْدَانَ عَنِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ سَبَبٌ لِعَدَمِ قَبُولِ الدُّعَاءِ وَابْتَعِدْ عَنِ الشُّبُهَاتِ فِي كَسْبِكَ وَاجْتَنِبْ الْغِشَّ وَالْكَذِبَ وَالإِيمَانَ فِي كُلَّ مُعَامَلاتِكَ وَكُنْ صَادِقًا سَمْحًا

стр. 3179

لَيِّنَ الْجَانِبِ لِلْمُسْلِمِينَ مُحِبًّا لَهُمْ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَكُنْ قَانِعًا فِي الدُّنْيَا رَاضِيًا بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ صَارِفًا جُلَّ أَوْقَاتِكَ لِلآخِرَةِ. اللَّهُمَّ يا مَنْ لا تَضُرَّهُ الْمَعْصِيةُ ولا تَنْفَعَهُ الطَّاعَةِ أَيْقِظْنَا مِنْ نَوْمِ الغَفْلَةِ وَنَبَّهْنَا لاغْتِنَامِ أَوْقَاتِ الْمُهْلَةِ وَوِفِّقْنَا لِمَصَالِحْنَا وَاعْصِمْنَا مِنْ قَبَائِحْنَا وَلا تُؤاخِذْنَا بِمَا انْطَوَتَ عَلَيْهِ ضَمَائِرُنَا وَأَكَنَّتْهُ سَرائِرُنَا مِنْ أَنْوَاعِ القَبَائِحِ والْمَعَائِبِ التي تَعْلَمُهَا مِنَّا، وامنُنْ عَلَيْنَا يَا مَوْلانَا بِتَوْبَةٍ تمحو بها عنا كُلَّ ذَنْبٍ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْياءِ مِنهُم وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. شِعْرًا: ... لا تَأْسَفَنَّ أَخَا عِلْمٍ لِفَائِتَةٍ فَكُلُّ مَا لَيْسَ مِنْ رِزْقِ الْفَتَى فَاتَا كَمْ مِنْ فَتَىً وَاصَلَ الأَسْفَارَ مُجْتَهِدًا مِنْ أَرْضِ دَارِينَ حَتَّى حَلَّ أَغْمَاتَا لَمْ يُسْعِفْ الرِّزْقُ بِالأَقْدَارِ بُغْيَتَهُ وَلَوْ أَقَامَ أَتَاهُ الرِّزْقُ مِيقَاتَا مَوْلاكَ يَكْفِيكَ فَالْزَمْ بَابَ طَاعَتِهِ فَقَدْ كَفَى النَّاسَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتَا آخر: ... وَيْلٌ لأَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ ... مَاذَا يُقَاسُونَ مِنَ النَّارِ تَنْقَدُّ مِنْ غَيْظٍ فَتَغْلِي بِهِمْ ... كَمِرجَلٍ يَغْلِي عَلَى النَّارِ فَيَسْتَغِيثُونَ لِكَي يُعْتَبُوا ... أَلا لَعًا مِنْ عَثْرَةِ النَّارِ وَكُلُّهُمْ مُعْتَرِفٌ نَادِمٌ ... لَوْ تُقبَلُ التَّوْبَةُ فِي النَّارِ يَهْوي بِهَا الأَشْقَى عَلَى رَأْسِهِ ... فَالْوَيْلُُ لِلأَشْقَى مِنَ النَّارِ فَتَارَةً يَطَفْو عَلَى جَمْرِهَا ... وَتَارَةً يَرْسُبُ فِي النَّارِ

стр. 3180

.. وَكُلَّمَا رَامَ فِرَارًا بِهَا ... فَرَّ مِنَ النَّارِ إِلى النَّارِ يَطُوفُ مِنْ أَفْعَى إِلى أَرْقَمٍ ... وَسُمُّهَا أَقْوَى مِنَ النَّارِ وَكَمْ بِهَا مِنْ أَرْقَمٍ لا يَنِي ... يَلْسَعُ مَنْ يُسْحَبُ فِي النَّارِ لا رَاحَةٌ فِيهَا وَلا فَتْرَةٌ ... هَيْهَاتَ لا رَاحَةَ فِي النَّارِ أََنْفَاسُهَا مُطْبَقَةٌ فَوْقَهُمْ ... وَهَكَذَا الأَنْفَاسُ فِي النَّارِ سُبْحَانَ مَنْ يُمْسِكُ أَرْوَاحَهُمْ ... فِي الدَّرَكِ الأَسْفََلِ فِي النَّارِ وَلَوْ جِبَالُ الأَرْضِ تَهْوِي بِهَا ... ذَابَتْ كَذَوْبِ الْقِطْرِ فِي النَّارِ طُوبَى لِمَنْ فَازَ بِدَارِ التُّقَى ... وَلَم يَكُنْ مِنْ حَصَبِ النَّارِ وَوَيْلُ مَنْ عُمِّرَ دَهْرًا وَلَمْ ... يُرْحَمْ وَلَمْ يُعْتَقْ مِنَ النَّارِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا حِذْرَكُمْ ... وَحَصِّنُوا الْجَنَّةَ لِلنَّارِ فَإِنَّهَا مِنْ شَرِّ أَعْدَائِكُمْ ... مَا فِي الْعِدَا أَعْدَى مِنَ النَّارِ وَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ مَوْلاكُمُ ... فَذِكْرُهُ يُنْجِي مِنَ النَّارِ وَاعَجَبًا مِنْ مَرِحٍ لاعِبٍ ... يَلْهُو وَلا يَحْفِلُ بِالنَّارِ يُوقِنُ بِالنَّارِ وَلا يَرْعَوِي ... كَأَنَّهُ يَرْتَابُ فِي النَّارِ وَهُوَ بِهَا فِي خَطَرٍ بَيِّنٍ ... لَوْ كَاسَ مَا خَاطَرَ بِالنَّارِ إِنَّ الأَلِبَّاءَ هُمُ قِلَّةٌ ... فَرَّوا إِلى اللهِ مِنَ النَّارِ وَطَلَّقُوا الدُّنْيَا بَتَاتًا وَلَمْ ... يَلُوُوا عَلَيْهَا حَذَرَ النَّارِ وَأَبْصَرُوا مِنْ عَيْبِهَا أَنَّهَا ... فَتَّانَةٌ تَدْعُو إِلى النَّارِ وَاللهِ لَوْ أَعْقِلُ لَمْ تَكْتَحِلْ ... بِالنَّوْمِ عَيْنِي خَيْفَةَ النَّارِ وَلا رَقَا دَمْعِي وَلا عِلْمَ لي ... أَنِّيَ في أَمْنٍ مِنَ النَّارِ وَلَمْ أَرِدْ مَاءً وَلا سَاغَ لي ... إِذا ذَكَرْتُ الْمُهْلَ فِي النَّارِ

стр. 3181

.. وَلَمْ أَجِدُ لَذَّةَ طَعْمٍ إِذَا ... فَكَّرْتُ في الزَقُّومِ فِي النَّارِ أَيُّ الْتِذَاذٍ بِنَعِيمٍ إِذَا ... أَدّى إِلى الشَّقْوَةِ فِي النَّارِ أَمْ أَيُّ خَيْرٍ في سُرُورٍ إِذَا ... أَعْقَبَ طُولَ الْحُزنِ فِي النَّارِ فَفَكِّرُوا في هَوْلِهَا وَاِحْذَرُوا ... مَا حَذَّرَ اللهُ مِنَ النَّارِ فَإِنَّهَا رَاصِدَةٌ أَهْلَها ... تَدُعُّهُمْ دَعًّا إِلى النَّارِ فَلَيْسَ مِثْلِي طَالِبًا حَبَّةً ... إِلا الْمُعَافَاةَ مِنَ النَّارِ وَطَالَمَا اسْتَرْحَمْتُهُ ضَارِعًا ... يَا رَبُّ حَرِّمَنِي عَلَى النَّارِ فَأَنْتَ مَوْلايَ وَلا رَبَّ لِي ... غَيْرُكَ أَعْتِقْنِي مِنَ النَّارِ وَلَمْ تَزَلْ تَسْمَعُنِي قَائِلاً ... أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ اللَّهُمَّ ثَبتنَا على قَولِكَ الثابِت في الحَيَاة وفي الآخِرَة وآتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابِ النَّارِ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ يَسِّرْ لَنَا سَبِيلَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ وَهَيِّئ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدَا وَاجْعَلْ مَعُونَتَكَ الْعُظْمَى لَنَا سَنَدَا وَاحْشُرْنَا إِذَا تَوَفَيْتَنَا مَعَ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ الذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ أُحُدْ أُحُدٌ جَبَلٌ مَشْهُورٌ بِالْمَدِينَةِ، عَلَى أَقَلَّ مِن فَرْسَخٍ مِن الْمَدِينَةِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَوَحُّدِهِ وَانْقِطَاعِهِ عَن الْجِبَالِ الأُخَرِ هُنَاكَ، وَهُوَ الذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيِّ ﷺ : «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبّهُ» . وَكَانَتْ عِنْدَهُ الْوَقْعَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي شَوَّالِ، بِالاتِّفَاقِ يَوْمَ السَّبْتِ لأحْدَى عَشَرَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ شَوَّالِ، وَقِيلَ: لِسَبْعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْهُ وَقِيلَ: فِي نِصْفِهِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَاللهُ أَعْلَمُ.

стр. 3182

وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا رَجَعُوا مِنْ بَدْرٍ، وَقَدْ قُتِلَ أَشْرَافُهُم، وَأَصِيبُوا بِتِلْكَ الْمُصِيبَةِ التِي لَمْ يُصَابُوا بِمِثْلِهَا، وَرَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ بِعَيْرِهِ، مَشَى عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي رُبَيْعَةَ، وَعِكْرَمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ، وَصَفْوَانُ بن أُمَيَّةَ، فِي رِجَالٍ مِن قُرَيْشٍ مِمَّنْ أُصِيبَ آبَاؤُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَإِخْوَانُهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَكَلَّمُوا أَبَا سُفْيَانَ بِنْ حَرْبِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فِي تِلْكَ الْعِيرِ مِنْ قُرَيْشٍ تِجَارَةً، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وَتَرَكُمْ، وَقَتَلَ خِيَارَكُمْ، فَأَعِينُونَا بِهَذَا الْمَالِ عَلَى حَرْبِهِ، فَلَعَلَّنَا أَنْ نُدْرِكَ مِنْهُ ثَأْرَنَا بِمَنْ أَصَابَ مِنَّا فَفَعَلُوا، وَفِيهِمْ - كَمَا قَالَ ابنُ إسْحَاقَ وَغَيْرُهُ - نَزَلَتْ الآيةُ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ . وَأَخَذَتْ قُرَيْشُ تُعِدُّ لِذَلِكَ الْعُدَّةَ، وَتَرْصُدُ الأَمْوَالَ، وَتُعْبِئُ الْقُوَى، وَتَجْمَعُ السِّلاح َ، وَبَعَثَتْ رُسُلَهَا فِيمَنْ حَوْلَهَا مِنْ قِبَائِلِ الْعَرَبِ تَسْتَنْصِرُهُمْ، وَتَسْتَعِينُ بِهِمْ عَلَى تَمْكِينِ الضَّرْبَةِ، وَكَانَ مِنْ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ أَبُو عَزَّةَ عَمْرُو بن عَبْدُ اللهِ الْجُمَحِي، قَدْ مَنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ فَقِيرًا، ذَا عِيَالٍ وَحَاجَةٍ، فَأَطْلَقَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلا فِدَاء، وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَالْمِيَثاقَ أَنْ لا يُظَاهِرَ عَلَيْهِ أَحَدَا، وَلا يكُثْرُ عَلَيْهِ جَمْعَا، فَنَقَضَ الْعَهْدَ وَالْمِيَثَاقَ، وَذَهَبَ مَعَ الذَّاهِبِين إِلَى كَنَانَةَ وَتِهَامَةَ يُحَرِّضُ عَلَى الْقِتَالِ، قِتَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَيُكَثِّرُ عَلَيْهِ. وَهَكَذَا ظَلَّتْ قُرَيْشٌ طِوَالَ عَامِهَا تَبْذِلُ مِنْ أَمْوَالِهَا، وَتَجْمَعُ مِنْ أَنْصَارِهَا، وَتُعِدُّ مِنْ قُوَّتِهَا، حَتَّى بَلَغَتْ مِنْ ذَلِكَ مَا أَرَادَتْ وَغَدَتْ فِي أَتَمِّ أُهْبَةٍ، وَأَكْمَلِ اسْتِعْدَادٍ، فَلَمْ تَلْبَثْ حَتَّى حَصَلَتْ عَلَى جَيْشٍ لَجِبٍ، مِنْ رِجَالِهَا، وَمِمَّنْ حَالَفَهَا مِنْ الأَحَابِيشِ، مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَبَنِي الْهُونِ بن خُزَيْمَةَ، وَتَوَجَّهَتْ إِلى الْمَدِينَةِ فِي حَمَاسَةِ الْمَوْتُورِ، وَسُورَةِ الْمُغِيظِ الْمُحَنقِ، لِتَضْرِبَ الضَّرْبَةَ الْقَاضِيَةِ فِي زَعْمِهَا، وَأَبَتْ نِسَاءُ قُرَيْشٍ إِلا أَنْ يَكُنَّ مَعَ الْجَيْشِ يُحَمِّسْنَ الرِّجَالَ، وَيُثِرْنَ الْحَمِيَّةِ، فَخَرَجَ مِنْهُنَّ مِنْ رَبَّاتِ الْخُدُورِ نَحْوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، عَلَى رَأْسِهِنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، زَوْجُ أَبِي سُفْيَانَ بن حَرْبٍ، وَخَرَجَ مَعَ الْجَيْشِ أَبُو عَامِرٍ الأَوْسِي الْفَاسِقُ، وَكَانَ مُقَاوِمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَمُبَاعِدًا لَهُ، وَمُنْكرًا لِنُبُوَّتِهِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُتَرَهِبًّا يَزْعُمُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ النَّبِيِّ الْمَبْعُوثَ، وَيَذْكُرُ لِلنَّاسِ كَثِيرًا مِنْ صِفَاتِهِ، يَقُولُ

стр. 3183

لَهُمْ: أَنَّهُ قَدْ قَرُبَ خُرُوجُهُ، فَلَّمَا هَاجَرَ ﷺ إِلى الْمَدِينَةِ، وَاتَّضَحَتْ صِفَاتِهِ لِلأَنْصَارِ وَاتَّبَعُوهُ حَسَدَهُ أَبُو عَامِرٍ وَأَنْكَرَ نُبُوَّتَهُ، وَكَانَ رَئِيسًا فِي الأَوْسِ قَبَّحَهُ اللهِ، كَعَبْدِ اللهِ بن أُبَيّ فِي الْخِزْرَجِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا حَسَدَ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّ عَبْدَ اللهِ بن أُبَيّ دَخَلَ فِي الإِسْلامِ ظَاهِرًا وَهُوَ مَعَ الْكُفَّارِ بَاطِنًا وَأَبُو عَامِرٍ خَرَجَ مِن الإِسْلامِ كَافِرًا مُبَاعِدًا، وَخَرَجَ مَعَهُ خَمْسُونَ مِنْ شِيعَتِهِ، مِن شَبَابِ الأَوْسِ وَغِلْمَانِهِمْ، فَأقَام فِي مَكَّةَ مُنَاصِرًا لِقُرَيْشٍ مُحَرِّضًا لَهَا عَلَى قِتَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا عَزِمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْخُرُوجِ إِلى أُحُدٍ، مَنَّاهَا أَبُو عَامِرٍ أَنْ يُخَذِّلَ لَهَا قَوْمَهُ الأَوْسَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْ صُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ، إِلى صُفُوفِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا الْتَقَى الْجَمْعَانِ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ مُعْتَمِدًا عَلَى مَا كَانَ لَهُ مِنْ سَابِقِ الْمَكَانَةِ فِي قَوْمِهِ، مُعْتَقِدًا أَنَّهُ بِهَذِهِ الْمَكَانَةِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْدِثُ مَا يَشَاءُ مِنْ التَّفْرِيقِ فِي صُفُوفُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَكْفِي لِذَلِكَ أَنْ يَظْهَرَ لَهُمْ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَأَنْ يُسْمِعَهُمْ صَوْتَهُ، فَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، حَتَّى لَقَدْ كَانَ يَقُولُ لِقُرَيْشٍ، فِي يَقِينِ الْوَاثِقِ الْمُطْمَئِنِّ - لَوْ قَدِمْتُ عَلَى قَوْمِي لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ رَجُلانِ، وَهَؤُلاءِ مَعِي نَفَرٌ مِنْ قَوْمِي، وَكَانَ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ رَأَى رُؤْيَا فَلَمَّا أَصْبَحَ يَوْمَ الْجُمْعَةَ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ خَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمد اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي رُؤْيَا، رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ وَرَأَيْتُ كَأَنَّ سَيْفِي ذُو الْفُقَارِ انْقَصَمَ مِن عِنْدِ ظَبَّتِهِ، وَرَأَيْتُ َبَقرًا تُذْبَحُ، وَرَأَيْتُ كَأَنِّي مُرْدِفٌ كَبْشًا» . فَقَالَ النَّاسُ: فَمَا أَوَّلْتَهَا؟ قَالَ: «أَمَّا الدِّرْعُ الْحَصِينَةُ فَهِيَ الْمَدِينَةُ، فَامْكُثُوا فِيهَا، أَمَّا انْفِصَامُ سَيْفِي مِنْ عِنْدِ ظَبَّتِهِ فَمُصِيبَتِي فِي نَفْسِي، وَأَمَّا الْبَقَرُ فَقَتْلَى فِي أَصْحَابِي، وَأَمَّا أَنِّي مُرْدِفٌ كَبْشًا، فَكَبْشُ الْكَتِيبَةِ، نَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ:: «وَأَمَّا انْفِصَامِ سَيْفِي، فَقَتْلُ رَجُلِ مِنْ بَيْتِي» .

стр. 3184

اللَّهُمَّ انْظُمْنَا فِي سِلْكِ الْفَائِزِينَ بِرِضْوَانِكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ الْمُتَّقِينَ الذِينَ أَعْدَدْتَ لَهُمْ فَسِيحَ جِنَانِكَ، وَأَدْخِلْنَا بِرَحْمَتِكَ فِي دَارِ أَمَانِكَ، وَعَافِنَا يَا مَوْلانَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مِنْ جَمِيعِ الْبَلايَا وَأَجْزِلْ لَنَا مِنْ مَوَاهِبِ فَضْلِكَ وَهِبَاتِكَ وَمَتِّعْنَا بِالنَّظَر إِلى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ مَعَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) وَفِي أَوَائِل شَهْرِ شَوَّالٍ مِنْ السنة الثانيةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَقِيلَ: فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ، خَرَجَ الْجَيْشُ الْجَرَّارُ مِنْ مَكَّةَ يَقُودُهُ أَبُو سُفْيَانَ بن حَرْبٍ، وَيَحْمِلُ لِوَاءَهُ طَلْحَةُ بنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَعَلى مَيْمَنَتِهِ خَالِدُ بن الْوَلِيْدِ، وَعَلَى مَيِسرَتِهِ عِكْرَمَةُ بن أَبِي جَهْلٍ، وَعَلَى رِجَالَتِهِ صَفْوَانُ ابنُ أُمَيَّةَ.. وَعَدَدُهُم ثَلاثَةُ آلافِ مُقَاتِلٍ فِي أَكْمَلِ اسْتِعْدَادٍ، وَأَحْسَنَ تَعْبِئَةٍ، مِنْ بَيْنِهِمْ مائَتَانِ مِنْ الْفُرْسَانِ الْمُدَرَّبِينَ عَلَى ظُهُورِ الْخَيْلِ وَسَبْعُمَائِةٍ مِنَ الدَّاَرعِينَ الْمُحَصَّنِينَ بِالزُّرَدِ وَالدُّرُوعِ الْوَاقِيَةِ، يَحْمِلُهُمْ عَدَدٌ وَافِرٌ مِنَ الرَّكَائِب وَيَتْبَعُهُمْ حَشْدٌ كَبِيرٌ مِن الْعَبِيدِ والْغُلْمَانِ يَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ، وَيَحْرِسُونَ مَتَاعَهُم، وَكَانَ مَعَ الْعَبِيدِ عَبْد حَبَشِيٌ اسْمُهُ وَحْشِيٌّ، وَكَانَ يُجِيدُ الرِّمَايَةَ بِالْحِرَابِ عَلَى طَرِيقَةِ الْحَبَشَةِ، فَأَغْرَاهُ سَيِّدُهُ جُبَيْرٌ بن مُطْعِمٍ بَقْتَلِ حَمْزَةَ بن عَبْدِ الْمُطَّلبِ عَمَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ قَتَلْتَهُ فَأَنْتَ عَتِيقٌ. وَكَذَلِكَ أَغْرَتْهُ بِهِ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ وَوَعَدَتْهُ عَلَى قَتْلِهِ خَيْرًا كَثِيرًا، وَكَانَ حَمْزَةُ ﵁ قَدْ قَتَلَ فِي وَقْعَةِ بَدْرٍ طُعَيْمَةَ بن عَدِي عَمَّ جُبَيْرِ، وَعُتْبَةَ بن رَبِيعَةَ بن أَبَا هِنْدٍ. وَكَانَتْ قُرَيْشٌ فِيمَا يَبْدُوا قَدْ خَرَجَتْ عَلَى خُطَّةٍ مَوْضُوعَةٍ، هِيَ أَنْ

стр. 3185

تُفَاجِئَ الْمُسْلِمِينَ فِي عَقْرِ دَارِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَعِدُّوا فَإِنْ أَخْفَقُوا فِي هَذِهِ الْخُطَّةِ بِأَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مُفَاجَأَةُ الْمُسْلِمِينَ وَعَلِمَ الْمُسْلِمُونَ بِخُرُوجِهِمْ، وَاسْتَعَدُّوا لَهُمْ فَالْخُطَّةُ الثَّانِيَةُ هِيَ التَّخْذِيلُ وَالإِرْجَافُ وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ صُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ اللَّقَاءِ فَإِنْ أَخْفَقَتْ هَذِهِ الْخُطَّةُ وَلَمْ يَنْجَحُوا فِيهَا، فَالْخُطَّةُ الثَّالِثَةِ هِيَ الْفَتْكُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ بِرُؤوسِ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، كَمَا فَتَكَ الْمُسْلِمُونَ بِرُؤوسِهِمْ في وَقْعَةِ بَدْرٍ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَمَتْ قُرَيْشٌ أَمْرَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَخَرَجَتْ تَوَاصُلِ السَّيْرِ فِي سِرٍّ حَتَّى نَزَلَتْ بِوَادِي أُحُد، عَلَى أَقَلَّ مِنْ فَرْسَخٍ مِن الْمَدِينَةِ، وَلَكِنْ مِنْ لُطْفِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ بِرَسُولِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، أَنَّ الْعَبَّاسَ بنَ عَبْدِ الْمُطَّلبِ كَتَبَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ كِتَابًا أَخْبَرَهُ فِيهِ بِمَخْرَجِ قُرَيْشٍ هَذَا، وَبِمَا أَعَدَّتْ لَهُ مِن الرِّجَالِ وَالْعَتَادِ، وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ هَذَا مَعَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي غَفَّارٍ، فَوَاصَل السَّيْر بِهِ حَتَّى بَلَغَ الْمَدِينَةَ فِي ثَلاثِ لَيَالٍ، فَلَمَّا بَلَغَهَا عَلِمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي قُبَاءٍ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ فَسَلَّمَهُ الْكِتَابَ، فَدَفَعَهُ ﷺ إِلى أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِ، فَاسْتَكْتمهُ الْخَبَرَ، ثُمَّ دَخَلَ سَعْدِ بن الرَّبِيعِ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ الْكِتَابِ فَقَالَ سَعْدُ: وَاللهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خَيْرًا، وَأُرْجِفَ الْيَهُودُ وَالْمُنَافِقُونَ بِأَمْرِ الْكِتَابِ، فَشَاعَ الْخَبَرُ بَيْنَ النَّاسِ، وَهَذَا مَا كَانَتْ تَخْشَاهُ قُرَيْشٌ. رَوَى الْوَاقِدِيُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرو بن أَبِي حَكِيمَةَ الأَسْلَمِي قَالَ: لَمَّا أَصْبَحَ أَبُو سُفْيَانَ قَالَ: أَحْلِفُ بِاللهِ أَنَّهُمْ جَاءُوا مُحَمَّدًا فَخَبَّرُوهُ مَسِيرَنَا وَحَذَّرُوهُ، وَأَخْبَرُوهُ بِعَدَدِنَا، فَهُمُ الآنَ يَلْزَمُونَ صِيَاصِيَّهُمْ، فَمَا أَنْ نُصِيبُ مِنْهُمْ شَيْئًا فِي وَجْهِنَا، فَقَالَ صَفْوَانٌ: إِنْ لَمْ يُصْحِرُوا لَنَا عَمَدْنَا إِلى نَخْلِ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فَقَطَعْنَاهُ، فَتَرَكْنَاهُمْ وَلا أَمْوَالَ لَهُم فلا يَجْتَبِرُونَهَا أَبَدًا، وَإِنْ أَصْحَرُوا لَنَا فَعَدَدُنَا أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِهِم، وَسِلاحُنَا أَكْثَرُ مِنْ سِلاحِهِمْ، وَلَنَا

стр. 3186

خَيْلٌ وَلا خَيْلَ مَعَهُمْ، وَنَحْنُ نُقَاتِلُ عَلَى وَتَرٍ عِندَهُم، وَلا وَتَرَ لَهُمْ عِنْدَنَا. اللَّهُمَّ أَظِلَّنَا تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِكَ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّكَ وَلا بَاقٍ إِلا وَجْهُكَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قُلُوبَنَا، وَتَجْمَعُ بِهَا شَمْلَنَا، وَتَلُمَّ بِهَا شَعْثَنَا، وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدَنَا، وَتَحْفَظُ بِهَا غَائِبَنَا، وَتُزكِّي بِهَا أَعْمَالِنَا، وَتُلْهِمْنَا بِهَا رُشْدَنَا، وَتَعْصِمْنَا بِهَا مِنْ كُلَّ سُوء يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ ألْهِمْنَا الْقِيَامَ بِحَقِّكَ وَبَارِكْ لَنَا فِي الْحَلالِ مِنْ رِزْقَكَ وَلا تَفْضَحْنَا بَيْنَ خَلْقِكَ يَا خَيْرَ مَنْ دَعَاهُ دَاعٍ وَأَفْضَلَ مَنْ رَجَاهُ رَاجٍ يَا قَاضِيَ الْحَاجَاتِ وَيَا مُجِيب الدّعَواتِ هَبْ لَنَا مَا سَأَلْنَاهُ وَحَقِّقْ رَجَاءَنَا فِيمَا تَمَنَّيْنَاهُ يَا مِنْ يَمْلِكُ حَوائِجَ السَّائِلين وَيَعْلَمُ مَا فِي ضَمَائِر الصَّامِتِينَ أَذِقْنَا بِرْدَ عَفْوِكَ وَحَلاوَةَ مَغْفِرَتِكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ? عُيُونَهُ يَسْتَطْلِعُونَ لَهُ خَبَرَ الْقَوْمِ، فَجَاءُوا إِلى رَسُولِ اللهِ ? فَأَخْبُرُوهُ بِمَنْزِلِهِمْ مِنْ وَادِي أُحُدٍ، وَحَزَرُوا لَهُ عَدَدُهُمْ وَعِتَادَهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ أَطْلَقُوا خُيُولَهُمْ وَإِبْلَهُمْ فِي مَزَارِعٍ الْمَدِينَةِ فَجَعَلَتْ تَأْكُل الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ حَتَّى أَوْشَكَتْ أَنْ تَدْخُلَ الْمَدِينَةِ وَبَاتَ الْخَطَرُ جَاثِمًا عَلَى الأَبْوَابِ، وَغَدَا الأَمْرُ لا يَقْبَلُ التَّسْوِيفَ، وَصَارَ مِن الوَاجِب عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَيَسْتَعِدُّوا، وَحُرِسَتِ الْمَدِينَةُ كُلَّها طِوَالَ اللَّيْلِ، فَبَاتَ وُجُوهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَعَلَيْهِمْ السِّلاحُ خَوْفًا عَلَى النَّبِيَّ ?.? فَلَمَّا أَصْبَحُوا جَمَعَ النَّبِيِّ ? أَهْلَ الرَّأْيِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَجَعَلُوا يَتَشَاوَرُونَ كَيْفَ يَلْقُونَ عَدُوَّهُمْ اللَّدُودَ.

стр. 3187

رَوَى الْوَاقِدِي أَنَّ النَّبِيِّ ? قَالَ لأَصْحَابِهِ: «أَشِيرُوا عَلَيَّ» . فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بن أُبَيِّ رَئِيسِ الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ نُقَاتِلْ فِيهَا وَنَجْعَلُ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ فِي هَذِهِ الصَّيَاصِي، وَيُجْعَلُ مَعَهُم الْحِجَارَةَ، وَنَشْبِكُ الْمَدِينَةِ بِالْبُنْيَانِ، فَتَكُونُ كَالْحِصْنِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَتَرْمِي الْمَرْأَةُ وَالصَّبِي مِنْ فَوْقَ الصَّيَاصِي وَالآطَامِ، وَنُقَاتِلُ بَأَسْيَافِنَا فِي السِّكَكِ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ مَدِينَتَنَا عَذْرَاءُ، مَا فُضَّتْ عَلَيْنَا قَطُ، وَمَا خَرَجْنَا إِلى عَدُوٍّ قَطُ مِنْهَا إِلا أَصَابَ مِنَّا، وَمَا دَخَلَ عَلَيْنَا قَطُ إِلا أَصَبْنَاهُ، فَدَعْهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنَّهُمْ إِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرَّ مَحْبَسٍ، وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ مَغْلُوبِينَ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا. يَا رَسُولَ اللهَ أَطِعْنِي فِي هَذَا الأَمْرَ، وَاعْلَمْ أَنِّي وَرَثْتُ هَذَا الرَّأْيَ مِنْ أَكَابرِ قَوْمِي وَأَهْلِ الرَّأْيِ مِنْهُمْ، فَهُمْ كَانُوا أَهْلَ الرَّأْيِ وَالتَّجْرِبَةِ. وَكَانَ هَذَا الرَّأْيُ هُوَ رَأْيُ رَسُولِ اللهِ ? وَهُوَ أَنْ لا يَخْرُجُوا مِنْ الْمَدِينَةِ، وَأَنْ يَتَحَصَّنُوا بِهَا فَإِنْ دَخَلُوهَا قَاتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَفْوَاهِ الأَزِقَّةِ وَالنِّسَاءُ مِنْ فَوْقِ الْبُيُوتِ، وَهُوَ رَأْيُ الأَكَابِرِ مِن الصَّحَابَةِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ. فَقَالَ رَسُولِ اللهِ ?: «امْكُثُوا ِفي الْمَدِينَةِ وَاجْعَلُوا النِّسَاءَ وَالذَّرَارِي فِي الآطَامِ فَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْنَا قَاتَلْنَاهُمْ فِي الأَزِقَّةِ، فَنَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا مِنْهُمْ وَرَمُوَا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانُ مِنْ فَوْقِ الصَّيَاصِي وَالآطَامِ» . فَبَادَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ فَاتَهُمُ الْخُرُوجُ يَوْمَ بَدْرٍ وَرَغِبُوا فِي الشِّهَادَةِ، وَأَحَبُّوا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِالْخُرُوجِ، وَأَلَحُوا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ النِّيَّةِ الْحَسَنَةِ: إِنَّا نَخْشَى يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ يَظُنَّ عَدُونَا أَنَا كَرِهْنَا الْخُرُوجَ إِلَيْهِمْ جُبْنًا عَنْ لِقَائِهِم، فَيَكُونُ هَذَا جُرْأَةٌ مِنْهُمْ عَلَيْنَا وَقَدْ كُنْتَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي ثَلاثِمَائةٍ فَظَفَّرَكَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَنَحْنُ الْيَوْمَ

стр. 3188

خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقَدْ كُنَّا نَتَمَنَّى هَذَا الْيَوْمَ وَنَدْعُو اللهَ بِهِ، فَقَدْ سَاقَهُ اللهُ إِلَيْنَا فِي سَاحَتِنَا. وَقَالَ مَالِكُ بن سِنَان: يَا رَسُولَ اللهِ نَحْنُ بَيْنَ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، إِمَّا يُظْفِرُنَا اللهُ بِهِمْ فَهَذَا هُوَ الذِي نُرِيدُ، وَالأُخْرَى يَا رَسُولَ اللهِ يَرْزُقُنَا اللهُ بِهَا الشَّهَادَةَ، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا أُبَالِي أَيَّهُمَا كَانَ، إِنَّ كُلاَّ لَفِيهِ خَيْرٌ. وَقَالَ حَمْزَةُ بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: وَالذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لا أَطْعَمُ الْيَوْمَ طَعَامًا حَتَّى أُجَالِدَهُمْ بِسَيْفِي خَارِجًا مِن الْمَدِينَةِ. وَقَالَ النَّعْمَانُ بنُ مَالِكٍ: يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ تُحْرِمْنَا الْجَنَّةُ فَوَالذِي لا إِلَه إِلا هُوَ لأَدْخُلَنَّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «بِمَ» ؟ فَقَالَ: إِنِّي امْرؤٌ أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَلا أَفِرُّ يَوْمَ الزَّحْفِ. وَقَالَ إِيَاسُ بن أَوْسٍ: لا أُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ قُرَيْشٌ إلى قَوْمِهَا فَيَقُولُونَ حصَرْنَا مُحَمَّدًا فِي صِيَاصِي يَثْرِبَ وَإِطَامِهَا فَتَكُونُ هَذِهِ جُرْأَةٌ لِقُرَيْشٍ عَلَيْنَا وَقَدْ وَطِئُوا سَعَفَنَا فَإِذَا لَمْ نَدَبَّ عَنْ غَرْسِنَا لَمْ يُزْرَعْ. وَرَأَى رَسُولُ اللهِ ? أَنَّ الْخُرُوجَ هُوَ الرَّغْبَةَ الْغَالِبَةَ، وَأَنَّ كَثْرَةَ النَّاسِ تَدْعُوا إِلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمِ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ وَعَظَهُمْ وَأَمَرُهُمْ بِالْجَدِّ وَالْجِهَادِ. وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ لَهُمْ النَّصْرَ مَا صَبَرُوا، فَفَرِحَ النَّاسُ بِالشُّخُوصِ إِلى عَدُّوِهِمْ، وَلَكِنَّ كَثِيرًا كَرِهُوا ذَلِكَ الْمُخْرَجِ، لِمَا رَأَوا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ? مِنَ الْكَرَاهَةِ لَهُ. وَأَخَذَ النَّاسُ يَتَأَهَّبُونَ لِلْقِتَالِ، فَيَلْبِسُونَ دُرُوعَهُمْ وَسِلاحَهُمْ وَيَتَوَافَدُونَ عَلَى

стр. 3189

مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ? فَلَمَّا كَانَ الْعَصْرُ كَانَ النَّاسُ قَدْ تَجَمَّعُوا وَاحْتَشَدُوا فَصَلَّى بِهِمْ صَلاةَ الْعَصْرِ وَأَمَرَ أَنْ يُرْفَعَ النِّسَاءُ وَالأَوْلادُ فِي الآطَامِ وَالْحُصُونِ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتَهُ لِيَلْبَسَ لامَتَهُ، وَالنَّاسُ فِي خَارِجِ الْبَيْتِ يَتَنَاقَشُونَ وَيَتَجَادَلُونَ فِي أَمْرِهِمْ، وَلا يَزَالُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْبَقاَءَ هُوَ الأَصْوَبُ، وَأَنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَكْرَهُوا رَسُولَ اللهِ ? عَلَى الْخُرُوجِ فَعَزَمَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَارِهٌ لَهُ. وَجَاءَ سَعْدُ بن مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بن حُضَيْرٍ فَقَالا: قُلْتُمْ لِرَسُولِ اللهِ ? مَا قُلْتُمْ، وَاسْتَكْرَهْتُمُوهُ عَلَى الْخُرُوجِ وَالأَمْرُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ، فَرَدُّوا الأَمْرَ إِلَيْهِ! فَمَا أَمَرَكُمْ فَافْعَلُوهُ، وَمَا رَأَيْتُمْ لَهُ فِيهِ هَوَى أَوْ رَأْيًا فَأَطِيعُوهُ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَقَدْ لَبِسَ لامَةَ الْحَرْبِ، فَقَالَ الذِينَ كَانُوا يُلِحُّونَ فِي الْخُرُوجِ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُخَالِفَكَ، فَاصْنَعْ مَا بَدَالَكَ فَقَالَ: «قَدْ دَعَوْتَكُمْ إِلى هَذَا الْحَدِيثِ فَأَبَيْتُمْ، وَلا يَنْبَغِي لِنَبِيّ إِذَا لَبِسَ لامَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَحْكُمُ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْدَائِهِ. انْظُرُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَاتَّبِعُوهُ، وَامْضُوا عَلَى اسْمِ اللهِ، فَلَكُمُ النَّصْرُ مَا صَبَرْتُمْ» . وَعَقَدَ ثَلاثَةَ أَلْوِيَةٍ: لِوَاءٌ بِيَدِ أُسَيْدِ بن حُضَيْرٍ، وَلِوَاءٌ لِلْمُهَاجِرِينَ بِيَدِ مُصْعَبِ بن عُمَيْرٍ، وَقِيلَ: بِيَدِ عَلَيِّ بن أَبِي طَالِبٍ، وَدَفَعَ لِوَاءَ الْخَزْرَجِ، بِيَدِ الْحُبَابِ بن الْمُنْذِرِ. وَقِيلَ: بِيَدِ سَعْدِ بن عُبَادَةَ، ثُمَّ دَعَا بِفَرَسِهِ، فَرَكِبَهُ وَخَرَجَ فِي أَلْفٍ

стр. 3190

مِن أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ مائةُ دَارِعٌ، وَالنَّاسُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَالسَّعْدَان يَعْدُوَانِ أَمَامَهُ، سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ، وَسَعْدُ بنُ مُعَاذٍ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، لِسِتٍ خَلَونَ مِنْ شَوَّالٍ، بَعْدَ أَنْ أَمَّرَ عَلَى الْمَدِينةِ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ، يُصَلَّي بِالنَّاسِ. اللَّهُمَّ أَقِمْ عَلَمَ الْجِهَادِ وَاقْمَعْ أَهْلَ الْكُفْرِ وَالزَّيْغِ وَالْعِنَادِ وَانْشُرْ رَحْمَتكَ عَلَى هُؤلاءِ الْعِبَادِ يَا مَنْ لَهُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَإِلَيْهِ الْمَعَادُ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا اللَّهُمَّ انْظِمْنَا فِي سِلْكِ أَهْلِ السَّعَادَةُ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُحْسِنِينَ الذِينَ لَهُمْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. موعظة: عِبَادَ اللهِ كَانَ سَلَفُنَا فِي أَرْقَى دَرَجَةٍ، وَأَصْبَحْنَا بَعْدَهُمْ كَمَا تَرَوْنَ فِي حَالَةٍ يُرْثَى لَهَا مِن التَّهَالُكِ عَلَى الدُّنْيَا وَإهْمَالِ الآخِرَةِ، ذَلِكَ أَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّ الآخِرَةِ لا تَنْتَهِي حَيَاتُهَا، وَأَنَّ الدُّنْيَا تَنْتَهِي فِي أَيَّامٍ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ مَتَاعِهَا أَنَّهُ قَلِيلٌ، فَوَضَعُوا حَيَاةَ الأَبَدِ نَصْبَ أَعْيُنِهم، وَجَدُّوا وَاجْتَهَدُوا فِي الْعَمَلَ لَهَا، كَمَا أَمَرَهُمْ اللهُ، فَلا تَكَادُ تَرَاهُمْ فِي لَيْلِهِمْ وَنَهَارِهِمْ إِلا وَهُمْ بعَمَلٍ مِنْ الأَعْمَالِ يَعْمَلُونَ وَذَلِكَ الْعَمَل مِنْ أَعْمَالِ الآخِرَةِ. وَلَقَدْ كَانُوا فِي كُلِّ نَفْسٍ مِنْ أَنْفَاسِهِمْ يَرَوْنَ أَنَّهُ النَّفَسَ الأَخِير، الذِي تَنْتَهِي بِهِ آجَالِهِمْ، فَلَوْ قِيلَ لَهُمْ إِنَّكُمْ بَعْدَ سَاعَةَ تَنْتَهِي حَيَاتُكَمْ مَا زَادُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِن الإِكْثَارِ مِن الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ. أَمَّا اشْتِغَالُهُم بِهَذِهِ الْحَيَاةِ فَمَا كَانَ إِلا لأَنَّهُ وَسِيلَةٌ مِن الْوَسَائِلِ التِي
следующие страницы →