← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فَصْلٌ) وَيَبْحَثُ في: ١- حُكْمِ صَوْمِ التَّطَوّعِ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ. ٢- فِيمَنْ يُبَاحُ لَهُ الفِطْرُ وَمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ. ٣- مَنْ عَرَضَ لَهُ جُنُونٌ أَوْ إِغْمَاءٌ. ١- حُكْمِ صَوْمِ التَّطَوّعِ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ: وَيَصِحُّ صَوْمُ التَّطَوّعِ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ لِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذات يَوْم فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ» ؟ فَقُلْنَا: لا، فقَالَ: «فَإِنِّي إذَنْ صَائِمٌ» ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: «أَرِنِيهُ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا» فَأَكَلَ. وَزَادَ النِّسَائِي، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ الْمُتَطَوِّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا» . وَمِنْ لَفْظٍ لَهُ أَيْضًا قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّمَا مَنْزِلَةُ مَنْ صَامَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ أَوْ فِي التَّطَوُّعِ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَخْرَجَ صَدَقَةَ مَالِهِ فَجَادَ مِنْهَا بِمَا شَاءَ فَأَمْضَاهُ وَبَخِلَ مِنْهَا بِمَا شَاءَ فَأَمْسَكَهُ» . شِعْرًا: وَفي النَّاس مَنْ أَعْطَى الجَمِيلَ بَدَيهَةً ... وَظَنَّ بِفِعْلِ الخَيْرِ لِمَّا تَفَكَّرَا آخر: وَمَا كُلُّ هَاوٍ لِلْجَمِيلِ بِفَاعِلٍ ... وَمَا كُلُّ فَعَّالٍ لَهُ بِمُتَمِّمِ قَالَ البُخَارِي: وَقَالَتْ أُمَّ الدَّرْدَاءِ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لا، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي. قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ،

стр. 352

وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةُ ﵃. وَيُحْكَمُ بالصَّوْمِ الْمُثَابِ عَلَيْهِ مَنْ وَقْتَ النِّيَّةِ، لِحَدِيثِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلَّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . وَمَا قَبْلَهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ قَصْدُ القُرْبَةِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ لا يُوجَدَ مُنَافٍ غَيْر نِيَّةِ الإفْطَارِ، اقْتِصَارًا عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، وَنَظرًا إِلى أَنَّ الإِمْسَاكَ هُوَ الْمَقْصُودُ الأَعْظَمُ، فَلا يُعْفَى عَنْهُ أَصْلاً، فَإِنْ فَعَلَ قَبْلََ النِّيةِ مَا يُفَطِّرُهُ لَمْ يَجُزْ الصِّيَامُ، فَلا يَصِحُّ صَوْمُ مَنْ أَكَلَ ثُمَّ نَوَى بَقِيَّةَ يَوْمِهِ لِعَدَمِ حُصُولِ حِكْمَةِ الصَّوْمِ، وَيَصِحُّ تَطَوُّعُ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ طَهُرَتْ فِي يَوْمٍ بِصَوْمِ بَقِيَّتِهِ وَتَطَوُّعُ كَافِرٍ أَسْلَمَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَأتِيَا فِيهِ بِمُفْسِدٍ مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ وَنَحْوِهِمَا وَإِنْ بَلَغَ صَبِيُّ، أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ، أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، وَهُمْ مُفْطِرُونَ، لَزِمَهُمْ الإِمْسَاكُ عَنْ مُفْسِدَاتِ الصَّوْمِ، لِحُرْمَةِ الوَقْتِ وَلِزَوَالِ الْمُبِيحِ، وَإِنْ طَهُرَتْ حَائِضٌ أَوْ نُفْسَاءَ، أَوْ قَدِمَ مُسَافِرٌ مُفْطِرٌ. فَعَلَيْهِمْ الإِمْسَاكُ وَالقَضَاءُ وَلا خِلاف فِي وُجُوبِ القَضَاءَ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿ ... فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ . وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فُنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ. وَكَذَا الحُكْمُ فِي الْمَرِيضِ إِذَا صَحَّ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ وَكَانَ مُفْطِرًا. وَيُسَنُّ الفِطْرُ لِمُسَافِرٍ يُبَاحُ لَهُ القَصْرُ، وَلِمَرِيضٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ، وَلِحَدِيثِ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ثُمَّ قَالَ سَوُلُ اللهِ ﷺ :

стр. 353

« ... عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ التي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا» وَإنْ صَامِ أَجْزَأَهُ. ولِحَدِيْثِ: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ» . وَعن َحَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ أنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : َأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ» . وَاللهُ أَعْلَمَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ. (فصل) ٢- فِيمَنْ يُبَاحُ لَهُ الفِطْرُ وَمَنْ يَجِبْ عَلَيِْهِ: وَيُبَاحُ الفِطْرُ، لِحَاضِرٍ سَافر في أَثْنَاءِ النَّهَارِ. لِحَدِيثِ أَبِي بَصْرَةَ الغِفَارِي: أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةِ مِنْ الفِسْطَاطَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَدَفَعَ، ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ، فَلَمْ يُجَاوِزْ البُيُوتَ حَتَّى دَعَا بَالسُّفْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتَرِبْ! قِيلَ: أَلَسْتَ تَرَى البُيُوتَ؟ قال: أَتَرْغَبْ عَنْ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَأَكَلَ. وَإنْ صَامِ أَجْزَأَهُ، لِحَدِيْثِ: «هِي رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ» . وَيُبَاحُ الفِطْرُ لِحَامِلٍ، وَمُرْضِعٍ، إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، فَيُفْطِرَانُ وَيَقْضِيَانِ كَالْمَرِيضِ الخَائِفْ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلِدَيْهِمَا أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا، وَلَزِمَ وَليُّ الوَلَدِ إطْعَامُ مُسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخ الكَبِيرِ، وَالْمَرْأَةِ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَالحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

стр. 354

وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَلا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَة وَلَيْسَ لِمَنْ جَازَ لَهُ الفِطْرُ بِرَمَضَانَ أَنْ يَصُومَ غَيْرَهُ فِيهِ لأَنَّهُ لا يَسْعُ غَيْرَ مَا فُرِضَ فِيهِ وَلا يَصْلحُ لِسِوَاهُ، وَيَجِبْ الفِطْرُ عَلَى مَنْ احْتَاجَهُ لإِنْقَاذِ مَعْصُومٍ مِنْ مَهْلَكَةٍ. كَغَرَقٍ لأَنَّهُ يُمْكِنْهُ تَدَارُكَ الصَّوْمِ بَالقَضَاءِ بِخَلافِ الغَرِيقِ وَنَحْوِهِ، وَيَجِبُ الفِطْرُ عَلَى الحَائِض وَالنُّفَسَاءَ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدَرِيْ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٣- مَنْ عَرَضَ لَهُ جُنونٌ أَوْ إِغْمَاءٌ: وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ ثُمَّ جَنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ، وَلَمْ يُفِقْ جُزْءًا مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ لأَنَّ الصَّوْمَ: الإِمْسَاكُ مَعَ النِّيَّةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَالَ اللهُ : كُلَّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أُجْزِي بِهِ يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي ... » . فَأَضَافَ التَّرْكَ إِلَيْهِ، وَهُوَ لا يُضَافُ إِلى المَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ وَالنَّيةُ وَحْدَهَا لا تُجزِي، وَيَصِحُّ الصَّوْمُ مِمَّنْ أَفَاقَ جُزْءًا مِنْهُ حَيْثُ نَوَى لَيْلاً لِصِحَّةِ إِضَافَةِ التَّرْكِ إِلَيْهِ إِذًا، وَيُفَارِقُ الجُنُونُ الحَيْضَ بِأَنَّهُ لا يَمْنَعُ الوُجُوبَ بَلْ يَمْنَعُ الصِّحَّةِ وَيَحْرُمُ فعْلُهُ، وَيَصَحُّ صَوْمُ مِنْ نَامَ جَمِيعَ النَّهَارِ لأَنَّ النَّوْمَ عَادَة لا يَزُولُ الإِحْسَاسُ بِهِ بالكُلِّية لأَنَّهُ مَتَى نُبِّهَ انْتَبَهَ. وَيَقْضِي مُغْمَى عَلَيْه زَمَنَ إغْمَائِهِ لأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، وَلأَنَّ مُدَّةَ الإغْمَاء لا تَطُولُ غَالِبًا، وَلا ثَبْتُتْ الولايَةُ عَلَيْهِ، وَلا يَقْضِي مَجْنُونٌ زَمَنَ جُنُونِهِ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ. اللَّهُمَّ أحْي قُلُوبًا أَمَاتَهَا البُعْدُ عَنْ بَابِكَ، وَلا تُعَذّبْنَا بَأليمِ عِقَابِكَ يَا أَكْرَمَ مَنْ سَمَحَ بالنَّوَالِ وَجَادَ بَالإِفْضَالِ، اللَّهُمَّ أَيْقَضْنَا مِنْ غَفْلَتِنَا بُلطْفِكَ وَإِحْسَانِكَ،

стр. 355

وَتَجَاوَزْ عَنْ جَرَائِمِنَا بَعَفْوِكَ وَغُفْرَانِكَ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (١٤) موعظة إخْوَانِي إِنَّ الغَفْلَةَ عَنْ اللهِ مُصِيبَةٌ عَظِيمَةٌ قَالَ تَعَالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ فَمَنْ غَفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَأَلْهَتْهُ الدُّنْيَا عَنْ العَمَلِ لِلدَّارِ الآخِرَةِ أنْسَاهُ العَمَلَ لِمَصَالِحَ نَفْسِهِ فَلا يَسْعَى لَهَا بِمَا فِيهِ نَفْعُهَا وَلا يَأْخُذُ فِي أَسْبَابِ سَعَادَتِهَا وَإِصْلاحِهَا وَمَا يُكَمِّلُهَا وَيَنْسَى كَذَلِكَ أَمْرَاضَ نَفْسِهِ وَقَلْبِهِ وَآلامَهُ فَلا يَخْطُرْ بِبَالِهِ مُعَالَجَتُهَا وَلا السَّعْي في إِزَالَةِ عِلَلِهَا وَأَمْرَاضِهَا التي تَؤُلُ إِلى الْهَلاكِ وَالدَّمَارِ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمُ العُقُوبَاتِ فَأَيُّ عُقُوبَةٍ أَعْظَمُ مِنْ عُقُوبَةِ مِنْ أَهْمَلَ نَفْسَهُ وَضَيَّعَهَا وَنَسِيَ مَصَالِحَهَا وَدَاءَهَا وَدَوَاءَهَا وَأَسْبَابَ سَعَادَتِهَا وَفَلاحِهَا وَحَيَاتِهَا الأَبَدِيَّةِ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا الْمَوْضِعَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الخَلْقِ قَدْ نَسُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَيَّعُوهَا وَأَضَاعُوا حَظَّهَا وَبَاعُوهَا بِثَمَنٍ بَخْسٍ بَيْعَ الْمَغْبُونِ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ كُلَّهُ يَوْمَ التَّغَابُنِ ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ الآيةُ. ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ إنَّهَا لَحَسْرَةٌ عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ دُونَهَا كُلُّ حَسْرَةٍ، هَؤُلاءِ هُمْ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ. نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ. شِعْرًا: القَلْبُ أَعْلَمُ يَا عَذُولُ بِدَائِهِ ... مَا غَيَرُ دَاءِ الذَّنْبِ مِنْ أَدْوَائِهِ وَالذَّنْبُ أَوْلَى مَا بَكَاهُ أَخُو التُّقَى ... وَأَحَقُّ مِنْكَ بِجَفْنِهِ وَبِمَائِهِ فَوَمَنْ أُحِبُّ لأَعْصِيَنَّ عَواذِلي ... قَسَمًا بِهِ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ

стр. 356

مَنْ ذَا يَلُومُ أَخَا الذُّنُوبِ إِذَا بَكَى ... إِنَّ الْملامةَ فِيهِ مِنْ أَعْدَائِهِ فَوَحَقِّ مَنْ خَافَ الفُؤادُ وَعِيدَهُ ... وَرَجَا مَثُوبَتَهُ وَحُسْنَ جَزَائِهِ مَا كُنْتُ مِمَّنْ يَرْتَضِي حُسْنَ الثَّنَا ... ببَدِيعٍ نَظْمِي فِي مَدِيحٍ سِوَائِهِ مَنْ ذَا الذِي بَسَطَ البَسِيطَةَ لِلْوَرَى ... فُرُشًا وَتَوْجِيهًَا بِسَقْفِ سَمِائِهِ مَنْ ذَا الذِي جَعَلَ النُّجُومَ ثَواقِباً ... يَهْدِي بِهَا السَّارِينَ في ظَلْمَائِهِ مَنْ ذَا أَتَى بَالشَّمْسِ فِي أُفُقِ السَّمَا ... تَجْرِي بِتَقْدِيرٍ عَلَى أَرْجَائِهِ أَسِوَاهُ سَوَّاهَا ضِيَاءً نَافِعًا ... لا وَالذِي رَفَعَ السَّمَا بِبِنَائِهِ مَنْ أَطْلعَ القَمَرَ الْمُنِيرِ إِذَا دَجَى ... لَيْلٌ فَشَابَهَ صُبْحَِهُ بِضَيَائِهِ مَنْ طَوِّلَ الأَيَّامَ عِندَ مَصْيفها ... وَأَتَتْ قِصَارًا عِنْدَ فَصْلِ شَتَائِهِ مِنْ ذَا الذِي خَلَقَ الخَلائِقَ كُلَّهَا ... وَكَفَى الجَمِيعَ بِبِرِّهِ وَعَطَائِهِ وَأَدَرَّ لِلطِّفْلِ الرَّضِيعِ مَعَاشَهُ ... مَنْ أُمِّهِ يَمْتَصُّ طِيبَ غَذَائِهِ يَا وَيْحَ مَنْ يَعْصِي الإِلهَ وَقَدْ رَأَى ... إِحْسَانَهُ بِنَوَالِهِ وَنَدائِهِ وَرَأَى مَسَاكِنَ مَنْ عَصَى مِمَّنْ خَلا ... خِلْواً تَصِيحُ البُومُ في أَرْجَائِهِ وَدَع الجَبَابَرةَ الأَكَاسِرَةَ الأُلَى ... وَانْظَرْ لِمَنْ شَاهَدْتَ فِي عَلْوَائِهِ كَمْ شَاهَدَتْ عِينَاكَ ِمْن مَلِكٍ غَدَا ... يَخْتَالُ بَيْنَ جِيُوشِهِ وَلِوَائِهِ مَلأَتْ لَهُ الدُّنْيَا كُؤُوسًا حُلْوةً ... وَسَقَتْهُ مُرَّ السُّمِ فِي حَلْوائِهِ مَا طَلَّقَ الدُّنْيَا اخْتِيارًا إِنَّمَا ... هِيَ طَلْقَتْهُ وَمَتَّعَتْهُ بِدَائِهِ جَعَلَتْ لَهُ الأَكْفَانَ كسْوَةَ عُدَّةِ ... وَاللَّحْدَ سُكْنَاهُ وَبَيْتَ بَلائِهِ وَيَضُمُّهُ لا مُشْفِقًا فِي ضَمِّهِ ... حَتَّى تَكُونَ حَشَاهُ في أَحْشَائِهِ وَهُنَاكَ يُغْلَقُ لَحْدُهُ عَنْ أَهْلِهِ ... بِحِجَارَةٍ وَبَطِينَةٍ وَبِمَائِهِ وَيَزُورُهُ الْمَلكَانِ قَصْدَ سُؤَالِهِ ... عَنْ دِينِهِ لا عَنْ سُؤالِ سِوَائِهِ فَإِذَا أَجَابَ بـ (لَسْتُ) أَدْرِي أَقْبَلاً ... ضَرْبًا لَهُ فِي وَجْهِهِ وَقَفَائِهِ وَيَرَىَ مَنَازِلَهُ بقَعْرِ جَهَنَّمِ ... وَيُقيمُ فِي ضِيقِ لِطُولِ عِنَائِهِ

стр. 357

يَا رَبِّ ثَبِّتْنَا بِقَوْلٍ ثَابِتٍ ... عِنْدَ امْتِحَان العَبدِ تَحْتَ ثَرَائِهِ أَنَا مُؤْمَنٌ باللهِ ثُمَّ بِرُسْلِهِ ... وَبِكُتُبِهِ وَبِبَعْثِهِ وَلِقَائِهِ ثُمَّ الصَّلاةُ عَلَى الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ... وَالآلِ أَهْلِ البيتِ أَهْل كِسَائِهِ اللَّهُمَّ يَا مَنْ لا تَضُرُّهُ الْمَعْصِيَةُ وَلا تَنْفَعُه الطَّاعَةِ أَيْقِظْنَا مِنْ نَوْمِ الغَفْلَةِ وَنَبِّهْنَا لاغْتِنَامِ أَوْقَاتِ الْمُهْلَةِ وَوَفِّقْنَا لِمَصَالِحْنَا وَاعْصِمْنَا مِنْ قَبَائِحْنَا وَلا تُؤاخِذْنَا بِمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ ضَمَائِرُنَا وَأكنَّتْهُ سَرَائِرُنَا مِنْ أَنْوَاعِ القَبَائحِ والْمَعَائبِ التي تَعْلَمُهَا مِنَّا وامنُنْ عَلَيْنَا يَا مَوْلانَا بِتَوْبَةٍ تَمْحُ بِهَا عَنَّا كُلَّ ذَنِبٍ وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. مَوْعِظَة إخْوَانِي أَيْنَ أَحْبَابُكُمْ الذين سَلَفُوا أَيْنَ أَتْرَابُكم الذين رحَلُوا وَانْصَرَفُوا أَيْنَ أَصْحَابُ الأَمْوَالِ وَمَا خَلَّفُوا. نَدَمُوا وَاللهِ عَلَى التَّفْرِيط يَا لَيْتَهُمْ عَرَفُوا هَوْلَ مَقَامِ يَشِيبُ منه الوليد، إذا ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ . فَوَاعَجَبًا لَكَ كُلَّمَا دُعِيتَ إِلى اللهِ تَوَانَيْت، وَكُلَّمَا حَرَّكَتْكَ الْمَوَاعظُ إِلى الخيراتِ أَبُيت، وعلى غَيَّكَ وَجَهْلِكَ تَمَادَيْت، وَكَمْ حُذِّرت مَن الْمَنُون فما التَفَتَّ إلى قول الناصِحِ وَتَركْتَهُ وما بَالَيْت. يا مَنْ جَسَدُهُ حَيٌ وَلَكِنْ قلبه مَيْت، سُتَعَاين عند قُدُومِ هَادِم اللَّذاتِ مَا لا تَشْتَهِي وَتُرِيد ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ . كم أَزْعَجَ الْمَوتُ نُفُوسًا مِنْ دِيَارِهَا، وَكَمْ أَتَلَفَ البَلَى من أجسادٍ مُنَعَّمَةٍ لَمْ يُدَارِهَا، وَكَمْ أَذَلَّ في التُّرَابِ وَجُوهًا نَاعِمَةً بَعْدَ رِفْعَتِهَا وَاسْتَقْرَارِهَا.

стр. 358

انتبه يا أخي فالدنيا أَضْغَاثُ أحلام، ودارُ فَنَاءٍِ لَيْسَتْ بدَارِ مَقَام سَتَعْرِفُ وتفهم نُصْحِي لَكَ بعدَ أيام. وما غابَ عَنْكَ سَتَراه على التمام إذ أُكُشفَ الغِطاء عَنْكَ وَصَارَ بَصرُكَ حَديد، وهناك تَنْدَمُ ولاتَ ساعَة ندم. شِعْرًا: قُلْ للَّذِي أَلِفَ الذَّنُوبَ وَأَجْرَمَا ... وَغَدَا عَلَى زَلاتِهِ مُتَنَدِّمًا لا تَيْأَسَنْ واطْلُبْ كَرِيمًا دَائِمًا ... يُولِي الجَمِيلِ تَفْضُّلا وَتَكَرُّمَا يَا مَعْشَرَ العَاصِينَ جُودٌ وَاسِعٌ ... عِنْدَ الإِله لِمَنْ يَتُوبَ وَيَنْدَمَا يَا أَيُّهَا العَبْدُ الْمُسِيء إلى مَتَى ... تُفْنِي زَمَانَكَ فِي عَسَى وَلَرُبَّمَا بَادِرْ إِلى مَوْلاكَ يَا مَنْ عُمْرُهُ ... قَدْ ضَاعَ فِي عِصْيَانِهِ وَتَصَرَّمَا وَاسْأَلَهُ توفِيقًا وَعَفْوًا ثَم قُلْ ... يَا رَبَّ بَصِّرْنِي وَزِلْ عَنِّي العَمَا ثُمَّ الصلاةُ على النبي أَجَلُّ مِنْ ... قَدْ خَصَّ بالتَّقْرِيبِ مِنْ رَب السَّمَا وَعَلى صَحَابتِهِ الأفاضَلِ كُلِّهِم ... مَا سَبَّحَ الدَّاعِي الإِلهَ وَعَظَّمَا اللَّهُمَّ أَنْظِمْنَا فِي سِلكِ حَزبِكَ الْمُفْلِحِينَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عَبِادَكِ الْمُخْلِصِينَ النَّبِيينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهداء والصالِحِينَ وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فصل) : يَحْرُمُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَاقَلٍ تَنَاوُلُ مُفَطِّرٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صَوْمُ الدَّهرِ كُلَّهِ وَإِنْ صَامَهُ» . وَعَنْ أَبِِي أُمَامَةَ البَاهِلِي ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ

стр. 359

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولَ: «بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أَتَانِي رَجُلانِ، فَأَخَذَا بَضَبْعَيَّ، فَأَتِيَا بِي جَبَلاً وَعْرًا فَقَالا: اصْعَدْ، فَقُلْتُ: إِنِّي لا أُطِيقُهُ، فَقَالا: إِنَّا سَنُسَهِّلُهُ لَكَ، فَصَعَدْتَ حَتَّى إِذَا كُنْتَ فِي سََرَاةِ الجَبَلِ إِذَا بَأَصْوَاتٍ شَدِيدَةٍ، قُلْتَ: مَا هَذِهِ الأَصْوَاتُ؟ قَالا: هَذَا عُوَاءُ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي، فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ، مُشَقَّقَةً أَشْدَاقهُم، تَسِيلُ أَشْدَاقهُم دَمًا قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالَ: الذين يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ» . الحَدِيثِ رَوَاهُ ابنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبَّانِ في صَحِيحِهِمَا. وَمِمَّا يَحْرُمَ عَلَى الصَّائِمِ الأَكْلُ وَالشُّرْبُ بَعْدَ تَبَيُّنِ الفَجْرِ الثَّانِي لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ . فَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مُخْتَارًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ أَبْطَلَهُ، لأَنَّهُ فَعَلَ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ لِغَيْرِ عُذْرٍ. ٢- حُكْمُ مَا إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا: وَلا يُفْطِرُ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا، لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» . وَرَوىَ الْحَاكِمُ قَوْلَهُ ﷺ : «مَنْ أَفْطَرَ في رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلا كَفَّارَةَ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَسَدَ صَومُهُ، وَعَلَيْهِ قَضَاءٌ» . وَمَنْ ذَرَعَهُ القَيءُ فَلا شَيءَ عَلَيْهِ، لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ ذَرَعَهُ الْقِيءُ فَلا قَضَاءَ عَلْيهِ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ القْضَاءُ» .

стр. 360

وَمِمَّا يُفْطِرُ: الْحِجَامَةُ، لِمَا وَرَدَ عَنْ شَدَّادِ بن أَوْسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِي ﷺ ، أَتَى عَلى رَجُلٍ بِالبَقِيعِ وَهُو يَحْتَجِمُ في رَمَضَان، فَقَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ والْمَحْجُومُ» . وَعَنْ رَافِعَ بِنْ خدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ والْمَحْجُومُ» . وَمِمَّا يَحْرُمُ عَلَى الصَّائِمِ، وَيُبْطِلُ صِيامَهُ الْجِمَاعُ في نَهَارِ رمَضَانَ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ والْكَفَّارَةُ، وَهِيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعُ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوُسٌ عِنْدَ النَّبِي ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولُ اللهِ، قَالَ ﷺ : «وَمَا أَهْلَكَكَ» ؟ . قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً» ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: «اجْلِسْ» . وَمَكَثَ النَّبي ﷺ فَبَيْنَمَا نَحْنُ عَلى ذَلِكَ أَتَى النَّبِيِّ ﷺ بِعَرقٍ فِيهِ تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ الضَّخْمُ - قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ» ؟ قَالَ: أنا قَالَ: «خُذْ هَذَا، فَتَصَدَّقْ بِهِ» . فقَالَ الرجل: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنّي يَا رَسُول الله؟ ، فوللهِ ما بَيْنَ لا بَيْتِها - يُرِيدُ الحَرَّتَيْن - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثمَّ قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَتَحْرُمُ الْمُبَاشَرَةُ فِيهَا دَوْنَ الفَرْجِ إِنْ ظَنَّ إِنْزَالا، فَإِنْ بَاشَرَ فِيهَا دُونَ الفَرْجِ، فَأَنْزَل مَنِيَّا فَسَدَ صَوْمُهُ، لأَنَّهُ إِنْزَالٌ عَنْ مُبَاشَرَةٍ، فَأَشْبَهَ الجِمَاعَ. وَمِمَّا يُفَطِّرُ: (الرِّدَّةُ عَنْ الإسْلامَ - أَعَاذَنَا اللهُ مِنْهَا) قَالَ اللهُ

стр. 361

تَعَالى: ﴿لََئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الزُّمَر: ٦٥) . وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . (الْمَائِدَة: ٥) . وَمِمَّا يُفَطِّرُ: إِيصَالُ الأَغْذِيةِ بَالإبْرَةِ إلى الجَوْفِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ لأَنَّهُ فِي مَعْنَى الأَكْلِ وَالشَّرْبِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، وَأَمَّا الحُبُوبُ الغِذَائِيَّةِ وَالدَّوَائِيَّةِ وَالْمُشْتَرِكَةِ فَيُفْطِرُ مَنْ أَكَلَهَا. وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. مَوْعِظَةٌ عِبَادَ اللهِ إِنَّ قَوَارِعَ الأَيَّامِ خَاطِبَةٌ، فَهَلْ أُذُنٌ لِعِظَاتِهَا وَاعِيةٌ، وَإِنَّ فَجَائِعَ الْمَوْتِ صَائِبَةٌ فَهَلْ نَفْسٌ لأَمْرِ الآخِرَةِ مُرَاعِيَةٌ، إِنَّ مَطَالِعَ الآمَالَ إِلى الْمُسَارَعَةِ إلى الخَيْرَاتِ سَاعِيَةٌ أَلا فَانْظُرُوا بِثَواقِبِ الأَبْصَارِ وَالبَصَائِرِ فِي نَوَاحِي الجِهَاتِ وَالأقْطَارِ فَمَا تَرَوْنَ فِي حُشُودِكُمْ وَجُمُوعِكُمْ إلا الشَّتَاتَ وَلا تَسْمَعُوا فِي رُبُوعِكُم إلا فُلانٌ مَرِيضٌ وَفُلانٌ مَاتَ، أَيْنَ الآبَاءُ الأَكَابِرُ؟ أَيْنَ العُلَمَاءُ العَامِلُونَ بِعِلْمِهِمْ الذين لا تَأْخُذُهُمْ فِي الله لَوْمَةُ لائِمٍ الْمُنَاصِحُونَ لَوْلاتِهِمْ وَأَمَّتِهم الزَّاهِدُونَ فِي حُطَامِ الدُّنْيَا الفَانِيَةِ؟ أَيْنَ الكُرَمَاءُ الأَفَاضِلُ الذِينَ يَغَارُونَ إِذَا انْتُهِكَتْ المَحَارِمُ؟ أَيْنَ الهَاجِرُونَ الْمُصَارِمُونَ لِلفَاسِقِ وَالفَاجِرِ؟ أَيْنَ الْمُنَاصِرُونَ لِلْقَائِمِ عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ؟ أَيْنَ أَهْلُ الوَلاءِ وَالبَرَاءِ المُحِبُّونَ في اللهِ الْمُبْغِضُونَ لأَعْدَائِهِ؟ أَيْنَ الْمُنَقُّونَ لِمَآكِلِهِمْ وَمَلابِسِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ عَنْ الحَرَامِ وَالْمُشْتَبِهِ وَهُوَ مَا كَانَ القَلْبُ في الأَقْدَامِ عَلَيْهِ وَالكَفِّ عَنْهُ حَائِرٌ؟ أَيْنَ الذينَ لا يَسْكُنُونَ إِلا بِرِضَا صَاحِبِ الْمُلْكِ خَوْفًا مِنْ الْمُخَاطَرَةِ

стр. 362

فِي صَلاتِهِمْ وَصِيَامِهِمْ وَنِكَاحِهِمْ وَمُكْثِهِمْ فِي الأَمْلاكِ الْمَسْكُونَة قَهْرًا وَغَضْبًا؟ أَيْنَ الْمُتَفَقِّدُونَ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الذِينَ لَيْسَ لَهُم مَوَارِدٌ؟ عَثَرَتْ واللهِ بِهِمْ العَوَاثِرُ وَأَبَادَتْهُمْ السِّنِينُ الغَوَابِرُ، وَبَتَرَتْ أَعْمَارُهُم الحَادِثَاتُ البَوَاتِرُ وَاخْتَطَفَهَمُ عَقَبَاتٌ كَوَاسِر. وَخَلَتْ مِنْهُمْ الْمَشَاهِدُ وَالْمَحَاضِرُ وَعُدِمَتْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ تِلْكَ الجَوَاهِرُ وَطَفِئَتْ مِنْ وُجُوهِهِمْ الأَنْوَارُ الزَّوَاهِرُ وَابْتَلَعَتْهُمْ الحُفَرُ وَالْمَقَابِرُ إِلي يَوْمِ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَلَوْ كُشِفَتْ عَنْهُمْ أَغْطِيَةُ القُبُورِ بَعْدَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاثِ لَيَالٍ لَرَأَيْتَ الأَحْدَاقَ عَلَى الخُدُودِ سَائِلَةٌ وَالأوْصَال بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ مَائِلَةٌ وَدِيدَانَ الأَرْضِ فِي نَوَاعِمِ تَلْكَ الأَبْدَانِ جَائِلَةٌ وَالرُّؤُوسَ الْمُوَسَّدَةُ عَلَى الإِيمَانِ زَائِلَةً يُنْكِرُهَا مَنْ كَانَ عَارِفًا بِهَا وَيَنْفُرُ عَنْهَا مَنْ لَمْ يَزَلْ آلِفًا بِهَا. فَلا يُعْرَفُ السَّيدُ مِنْ الْمَسُودِ وَلا الْمَلِكَ مِنْ الْمَمْلُوكِ وَلا الذَّكِيُّ مِنْ البَلِيدِ وَلا الغَنيُّ مِنْ الفَقِيرِ فَرَحِمَ اللهُ عَبْدًا بَادَرَ بالإقْلاعِ عَنْ السَّيِّئَاتِ وَوَاصَلَ الإِسْرَاعَ وَالْمُبَادَرَةَ فِي الأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ قَبْلَ انْقِطَاعِ مُدَدِ الأَوْقَاتِ وَطَيِّ صَحَائِفِ الْمُسْتَوْدَعَاتِ وَنَشْرِ فَضَائِحِ الاقْتِرَافَاتِ وَالجِنَايَاتِ فَلا تَغْتَرُّوا بِحَيَاةٍ تَقُودُ إلى الْمَمَاتِ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّمَا تُوْعَدُونَ لآتٍ فَالبِدَارَ الْبِدَارَ قَبْلَ أَنْ تَتَمَنَّوا الْمُهْلَةَ وَهَيْهَاتَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حِفْظَ جَوَارِحِنَا عَنْ الْمَعَاصِي مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَنَقِّ قُلُوبَنَا مِنْ الحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالإحَنْ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ وَعُضَالِ الدَّوَاءِ وَخَيْبَةُ الرَّجَاءِ وَزَوَال النِّعْمَةِ. اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وَأَلْحِقْنَا بَالصَّلِحِينَ غَيْرَ

стр. 363

خَزَايَا وَلا مَفْتُونِينَ وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. شِعْرًا: نَمْضِي عَلَى سُبُلٍ كَانُوا لَهَا سَلَكُوا أَسْلافُنَا وَهُمُ لِلدِّين ِقَدْ شَادُوا لَنَا بِهِمْ أُسْوَةٌ إِذْ هُمْ أَئِمَّتُنَا وَنَحْنُ لِلْقَوْمِ أَبْنَاءٌ وَأَحْفَادُ وَالصَّبْرُ يَا نَفْسُ خَيْرٌ كَلُّهُ وَلَهُ عَوَاقِبٌ كُلُّهَا نُجْحٌ وَإِمْدَادُ فَاصْبِرْ هُدِيتََ فَإِنَّ الْمَوْتَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأَنَامِ وَإِنْ طَاوَلْنَ آمَادُ وَالنَّاسُ فِي غَفَلاتٍ عَنْ مَصَارِعِهِمْ كَأَنَّهُمْ وَهُمْ الأَيْقَاظُ رُقَّادُ دُنْيَا تَغُرُّ وَعَيْشٌ كُلُّهُ كَدَرٌ لَوْلا النُّفُوسُ التِي لِلْوَهْمِ تَنْقَادُ كُنَّا عَدَدْنَا لِهَذَا الْمَوْتِ عُدِّتَهُ قَبْلَ الوَفَاةِ وَأَنْ تُحْفَرْنَ أَلْحَادُ فَالدَّارُ مِنْ بَعْدِ هَذِي الدَّارِ آخِرَةٌ تَبْقَى دَوَامًا بِهَا حَشْرٌ وَمِيعَادُ وَجَنَّةٌ أُزْلِفَتْ لِلْمُتَّقِينَ وَأَهْـ ـلُ الحَقِّ وَالصَّبْرِ أَبْدَالٌ وَأَوْتَادُ فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ مِنْ قَبْلِ الْمَمَاتِ وَلا تَعْجَلْ وَتَكْسَلْ فَإِنَّ الْمَرْءَ جَهَّادُ

стр. 364

لا يَنْفَعُ العَبْدَ إلا مَا يُقَدِّمَهُ فَبَادِرِ الفَوْتَ وَاصْطَدْ قَبْلَ تصْطَادُ وَالْمَوْتُ لِلْمُؤْمِنِ الأَوَّابِ تُحْفَتُهُ وَفِيهِ كُلُّ الذي يَبْغِي وَيَرْتَادُ لِقَا الكَرِيمِ تَعَالى مَجْدُهُ وَسَمَا مَعَ النَّعِيمِ الذي مَا فِي أَنْكَادُ فَضْلٌ مِنْ اللهِ إِحْسَانٌ وَمَرْحَمَةٌ فَالْفَضْلُ للهِ كَالآزَالِ آبَادُ فَالظَّنُ بِاللهِ مَوْلانَا وَسَيِّدِنَا ظَنٌ جَمِيلٌ مَعَ الأَنْفَاسِ يَزْدَادُ نَرْجُوهُ يَرْحَمُنَا نَرْجُوهُ يَسْتُرْنَا فَمِنْه لِلْكُلِّ إِمْدَادٌ وَإِيجَادُ نَدْعُوه نَسْأَلُهُ عَفْوًا وَمَغْفِرَةً مَعْ حُسْنِ خَاتِمَةٍ فَالعُمْرُ نَفَّادُ وَقَدْ رَضِينَا قَضَاءَ اللهِ كَيْفَ قَضَا وَاللُّطْفَ نَرْجُو وَحُسْنُ الصَّبْرِ إِرْشَادُ اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِسُلُوكِ مَنَاهِجَ المُتَّقِينِ، وَخُصَّنَا بِالتَّوْفيقِ المُبِينُ، وَاجْعَلْنَا بِفَضْلِكَ مِنَ المقَرَّبِينَ الذِينَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. فصل: ٣- بَعْضُ فَوَائِدِ الصِّيَامِ: عِبَادَ اللهِ إِنَّ لِشَهْرِ رَمَضَانَ شَرَّفَهُ اللهُ فَوَائِدُ عَظِيمَةٌ وَمَنَافِعُ جَمَّةٌ وَآثَارٌ

стр. 365

حَسَنَةٌ فَهُوَ يَضْبِطُ النَّفْسَ وَيُطْفِئُ شَهْوَتَهَا فَإِنَّهَا إِذَا شَبِعَتْ تَمَرَّدَتْ فِي الغَالِبِ وَسَعَتْ فِي شَهَوَاتِهَا، وَإِذَا جَاعَتْ سَكَنَتْ وَخَضَعَتْ وَامْتَنَعَتْ عَنْ مَا تَهْوَى، فَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ذَلِكَ أَنَّهُ يَكسِر مِنْ شَهْوَةِ الشَّبَابِ حَتَّى لا تَطْغَى عَلَيْهِ الشَّهْوَةُ، فَكَانَ الصَّوْمُ وَسِيلَةً إلى كَفِّ النَّفْسِ عَنْ الْمَعَاصِي، فَسُبْحَانَهُ مِنْ إِلَهٍ حَكِيمٍ عَلِيمٍ، فَالصِّيَامُ يُرَبِّي في الإِنْسَانِ الفَضَائِلَ وَالإِخْلاصَ وَالأَمَانَةَ وَالصَّبْرَ عِنْدَ الشَّدَائِدَ، لأَنَّهَا إِذَا انْقَادَتْ للامْتِنَاعِ عَنْ الحَلالِ مِنْ الغَذَاءِ الذي لا غِنَى لَهَا عَنْهُ طَلَبًا لِمَرْضَاةِ اللهِ تَعَالى وَخَوْفًا مِِنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ. فَالأحْرَى بِهَا أَنْ تَتَمَرَّنَ عَلَى الامْتِنَاعِ عَنْ الحَرَامِ الذي هِيَ غَنِيَّةٌ عَنْهُ وَتُبْعِدَ عَنْهُ كُلَّ البُعْدِ فَلا يَغْدُرُ وَلا يَخُونُ وَلا يُخْلِفُ وَعْدًا وَلا يَكْذِبَ وَلا يُرَائِي. فَإِذَا وَفَّقَهُ اللهُ لِصَوْنِ صِيَامِهِ عَنْ الْمُفْسِدَاتِ وَالْمُنْقِّصَاتِ فَالصَّوْمُ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ سَبَبٌ فِي اتِّقَاءِ المَحَارِمِ وَقُوَّةِ العَزِيمَةِ وَالتَّحَلِّي بالفَضَائِلِ وَالتَّخَلِّي عَنْ الرَّذَائِلِ، وَإِلى هَذَا أَشَارَ جَلَّ وَعَلا بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فَالصَّوْمُ يَدْعُو إلى شُكْرِ نِعْمَةِ اللهِ، إِذْ هُوَ كَفُّ النَّفْسِ عَنْ الطَّعَام وَالشَّرَابِ وَمُبَاشَرَةِ النِّسَاءِ، وَكُلَّ هَذَا مِنْ جَلائِلِ نِعَمِ اللهِ عَلى خَلْقِهِ. وَالامْتِنَاعِ عَنْ هَذِهِ النِّعَمِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ إلى آخِرِهِ يُعَرِّفُ الإنْسَانَ قَدْرَهَا، إِذْ لا يُعْرَفُ فَضْلُ النِّعْمَةِ إلا بَعْدَ فَقْدِهَا فَيَبْعَثُه ذَلِكَ عَلَى القِيَامِ بِشُكْرِهَا وَشُكْرِ النِّعْمَةِ وَاجِبٌ عَلَى العِبَادِ، وَإِلى هَذَا

стр. 366

أَشَارَ بِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . وَأَيْضًا فَالصِّيَامُ يَبْعَثُ في الإِنْسَانِ فَضِيلَةَ الرَّحْمَةِ بَالْفُقَرَاءِ وَالعَطْفِ عَلَى البَائِسِينَ، فَإِنَّ الإِنْسَانَ إِذَا ذَاقَ أَلَمَ الجُوعِ في بَعْضِ الأَوْقَاتِ تَذَكَّرَ الفَقِيرَ الجَائِعَ فِي جَمِيعِ الأَوْقَاتِ فَيُسَارِعُ إلى رَحْمَتِهِ وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِ. قِيلَ لِيُوسُفَ ﵇، وَكَانَ كَثِيرَ الجُوعِ: لِمَ تَجُوعُ وَأَنْتَ عَلى خَزَائِنِ الأرْضِ. فَقَالَ: إنِّي أَخَافُ أَنْ أَشْبَعَ فَأَنْسَى الجَائِعَ. وَمِنْ فَوَائِدِ الصِّيَامِ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ يُنَقِّي الجِسْمَ مِنْ الفَضَلاتِ الرَّدِيئَةِ وَرُطُوبَاتِ الأَمْعَاءِ، وَيَشْفِي كَثِيرًا مِنْ الأَمْرَاضِ بَإِذْنِ اللهِ تَعَالى، وَفِيهِ مِنْ الْمَزَايَا الصَّحِيَّةِ مَا شَهِدَ بِهِ العَدُوُّ قَبْلَ الصَّدِيقِ، فَسُبْحَانَهُ مِنْ إِلَهٍ عَلِيمٍ حَكِيمٍ. وَمَنْ فَوَائِدِ الصِّيَامِ أَنَّهُ يُقَوِّي النَّفْسَ عَلَى البَّرِ وَالحِلْمِ وَهُمَا تَجَنُّبِ كُلِّ مَا مَنْ شَأْنِهِ إِثَارَةُ الغَضَبِ لأَنَّ الصَّوْمَ نِصْفُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ نِصْفُ الإِيمَانِ كَمَا قَالَ ﷺ ، وَلِمَا رَوَاهُ النِّسَائِي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ في حَدِيثِهِ الطَّويلِ: أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَهُ: «أَلا أَدُلَكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ» ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ» فَالصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنْ العَذَابِ وَمِنْ الأخْلاقِ السَّيِّئَةِ. وَمِنْ يُلاحِظْ حَالَ الصَّائِمِينَ الْمُوَفِّقِينَ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ تَحَرِّي الطَّاعَةِ وَتَحرِّي سُبُلَ الخَيْرَاتِ وَالابْتِعَادِ عَنْ الْمَعَاصِي وَالرَّغْبَةِ فِي الإحْسَانِ يُدْرِكُ أَنَّ الصَّوْمَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الهِدَايَةِ، وَيُدْرِكُ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وَيُدْرِكُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «الصَّوْمُ جُنَّةٌ» . وَيُدْرِكُ مَا فِيهِ مِنْ تَهْذِيبِ النَّفْسِ

стр. 367

وَتَطْهِيرِهَا مِنْ الأَخْلاقِ الْمَوْبُوءَةِ وَتَرْوِيضِهَا عَلَى الطَّاعَاتِ وَإعْدَادِهَا لِلسَّعَادَتَيْنِ الدُّنْيَويَّةِ وَالأَخْرَوِيَّةِ، وَحَسْبُكَ فِي فَضْلِ الصِّيَامِ قَوْلُهُ ﷺ : «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» . يَقُولُ اللهُ : «يَذَرُ شَهَوَتِهِ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ لأَجْلِي فَالصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» . قَالَ ابْنُ القَيمِّ ﵀ وَقَدْ اخْتُلِفَ في وُجُودِ هَذِهِ الرَّائِحَةِ مِنْ الصَّائِمِ هَلْ هِيَ فِي الدُّنْيَا أَوْ في الآخِرَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَفَصْلُ النِّزَاعِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ حَيْثُ أَخْبَرَ ﷺ : بَأَنَّ ذَلِكَ الطِّيبَ يَكُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَلأَنَّهُ الوَقْتُ الذي يَظْهَرُ فِيهِ ثَوَابُ الأَعْمَالِ وَمُوجِبَاتِهَا مِنْ الخَيْرِ وَالشَّرِّ فَيَظْهَرُ لِلْخَلْقِ طِيْبُ ذَلِكَ الخُلُوفُ عَلَى الْمِسْكِ كَمَا يَظْهَرُ فِيهِ دَمُ الْمَكْلُومِ فِي سَبِيلِهِ كَرَائِحَةِ الْمِسْكِ وَكَمَا تَظْهَرُ فِي السَّرَائِرِ وَتَبْدُو عَلَى الوُجُوهِ وَتَصِيرُ عَلانِيَّةً وَيَظْهَرُ فِيهِ قُبْحُ رَائِحَةِ الكفَّارِ وَسَوادُ وُجُوهِهمْ وَحَيْثُ أَخْبَرَ بَأَنَّ ذَلِكَ حِينَ يَخْلُفُ وَحِينَ يُمْسُونَ فَلأنَّهُ وَقْتُ ظُهُورِ أَثَرِ العِبَادَةِ وَيَكُونَ حِيَنَئذٍ طِيبُهَا عَلَى رِيحِ الْمِسْكِ عِنْدَ اللهِ تَعَالى وَعِنْدَ مَلائِكَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الرَّائِحَةُ كَرِِيهَةُ لِلْعِبَادِ. فَرُبَّ مَكْرُوهٍ عِنْدَ النَّاسِ مَحْبُوبٌ عِنْدَ اللهِ تَعَالى وَبَالْعَكْسِ فَإِنَّ النَّاسَ يَكْرَهُونَهُ لِمُنَافَرَتِهِ لِطَبَاعِهِمْ وَاللهُ تَعَالى يَسْتَطِيبُهُ وَيُحِبُّهُ لِمَوَافَقَتِهِ لأَمْرِهِ وَرِضَاهُ وَمَحَبَّتِهِ فَيَكُونُ عِنْدَهُ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ عِنْدَنَا فَإِذَا كَانَ يَوْمَ القِيَامَةِ ظَهَرَ هَذَا الطِّيْبُ لِلْعِبَادِ وَصَارَ عَلانِيَةً. وَهَكَذَا سَائِرُ آثَارِ الأَعْمَالِ مِنْ الخَيْرِ وَالشَّرِّ وَإِنَّمَا يَكْمُلُ ظُهُورُهَا وَيَصِيرُ عَلانِيَةً فِي الآخِرَةِ. شِعْرًا: لله قومٌ أَخْلَصُوا في حُبِّهِ ... فَكَسَا وجُوهَهُمُ الوَسِيمَةَ نُورَا

стр. 368

ذَكَرُوا النَّعِيمَ فَطَلَّقُوا دُنْيَاهُمُوا ... زُهْدًا فَعوضَهُمْ بِذَاكَ أُجُورَا قَامُوا يَنُاجُون الإِلهَ بَأَدْمُعٍ ... تَجْرِي فَتَحْكِي لؤْلُؤًا مَنْثُورَا سَتَرُوا وَجُوهَهُمُوا بَأسْتَارِ الدُّجَى ... لَيْلاً فَأَضْحَتْ فِي النَّهَارِ بِدُورَا عَمِلُوا بِمَا عَلِمُوا وَجَادُوا بَالذِي ... وَجَدُوا فَأَصْبَحَ حَظَّهُمْ مَوْفُورَا وَإِذَا بَدَا لَيْلٌ سَمِعْتَ حَنِينَهُمْ ... وَشَهِدْتَ وَجْدًا مِنْهُمُوا وَزَفِيرَا تَعَبُوا قَلِيلاً فِي رِضَا مَحْبُوبِهم ... فَأَرَاحَهُمْ يَوْمَ اللِّقَاءِ كَثِيرَا صَبَرُوا عَلَى بَلْوَاهُمُوا فَجَزَاهُمُوا ... يَوْمَ القِيَامَةِ جَنَّةً وَحَرِيرَا يَا أَيُّهَا الغِرُّ الحَزِينُ إِلى مَتَى ... تُفْنِي زَمَانَكَ بَاطِلاً وَغُرُورَا بَادِرْ زَمَانَكَ وَاغْتَنِمْ سَاعَاتِهِ ... وَاحْذَرْ تَوَانَاكَيْ تَحُوزَ أُجْورَا وَاضْرَعْ إِلى الْمَوْلى الكَرِيمِ وَنَادِهِ ... يَا وَاحِدًا فِي مُلْكِهِ وَقَدِيرَا مَا لِي سِوَاكَ وَأَنْتَ غَايَةُ مَقْصَدِي ... وَإِذَا رَضِيتَ فِنْعَمَةً وَسُرُورَا اللَّهُمَّ اهْدِنَا بِهُدَاكَ إِلى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيم وَوَفِّقْنَا لِلْقِيَامِ بِحَقِّكَ عَلَى الوَجْه الْمَطْلُوبِ يَا كَرِيمُ وَاجْعَلْنَا يَا مَوْلانَا مِمَّنْ أَتَاكَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فصل) : يَجُوزُ لِمَنْ جَامَعَ بِاللَّيْل أَنْ لا يَغْتَسِل حَتَّى يَطْلَعِ الفَجْرِ، وَصَوْمُهُ صَحِيحٌ، لِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلاً قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُدْرِكُنِي الصَّلاَةُ وَأَنَا جُنُبٌ أَفَأَصُومُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلاَةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ» . فَقَالَ: لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَقَالَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي» . وَعَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄: أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ (كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلاَمٍ ثُمَّ يَصُومُ في رمضان) .

стр. 369

وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةِ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ لا حُلُمٍ، ثُمَّ لا يُفْطِرُ وَلا يَقْضِي. لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَزِمَهُ الغُسْلُ لَيْلاً مِنْ جُنُبٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمَّهَا، وَكَافِرٍ أَسْلَمَ، أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ الثَّانِي. وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ في نَهَارِ رَمَضَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلاً وَجَبَ عَلَى مَنْ رَآهُ إِعْلامُهُ لأَنَّهُ مِنْ بَابِ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْي الْمُنْكَرِ، وَمِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ لِلْمُسْلِمِ. وَمَنْ أَكَلَ شََاكًّا فِي طُلُوعِ الفَجْرِ، وَدَامَ شَكُّهُ، فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِظَاهِرِ الآيَةِ، وَإِنْ أَفْطَرَ يَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ، وَلَمْ تَغِبْ فَعَلَيْهِ القَضَاءِ، لِمَا رَوَى هِشَام عَنْ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ امْرأَتُهُ عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ قَالَتْ: (أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمِ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ) . قِيلَ لِهِشَامِ بن عُرْوَةَ - وَهُوَ رَاوِي الحَدِيثِ - أُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قَالَ: لاَ بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ؟ وَلا يَفْسُدُ صَوْمُ مَنْ طَارَ إِلى حَلْقِهِ ذُبُابٌ، أَوْ غُبَارٌ مِنْ طَرِيقٍ، أَوْ دَقِيقٍ أَوْ دُخَانٍ، لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ وَأَمَّا الدُّخَانُ الذي بُليَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمُحَرَّمٌ وَيُفْطِرُ مِنْ شَرِبَهُ. وَلا يُفْطِرُ إنْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «عُفِي لأَمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَتَكَلَّمْ» . وَلا يُفْطِرُ إِنْ احْتَلَمَ، لأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ. وَمَنْ اغْتَسَلَ، أَوْ تَمَضْمَضَ، أَوْ اسْتَنْشَقَ فَدَخَلَ الْمَاءُ إلى حَلْقِهِ بِلا

стр. 370

قَصْدٍ، لَمْ يفْسُدْ صَوْمِهِ، لِمَا وَرَدَ مِنْ أنَّ عَائِشَةِ وَأَمِّ سَلَمَةٍ ﵄ قَالَتَا: (نَشْهَدُ عَلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنْ كَانَ لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلاَمٍ ثُمَّ يَغْتَسِلُ) . وَتُكْرَهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ لِلصَّائِمِ، لِمَا وَرَدَ عَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَسْبِغْ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ، إلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» . وَاللهُ أَعْلَم. اللَّهُمَّ اجْعَلْ قُلُوبَنَا مَمْلُوءة بِحُبِّكَ وَأَلْسِنَتِنَا رَطِبَةً بِذِكْرِكَ وَنُفُوسَنَا مُطِيعَةَ لأَمْرِكَ وَارْزَقْنَا الزُّهْدَ في الدُّنْيَا وَالإِقْبَالَ عَلَى الآخِرَةِ وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فصل) : ٢ - ذِكْرُ أَشْيَاءَ تَحْرُمُ وَيَتَأَكَّدَ تَحْرِيمُهَا فِي حَقِّ الصَّائِمِ: يَجبُ اجْتِنَابُ كُلِّ كِذْبٍ مُحَرَّمٍ، أَمَّا الكَذِبُ لِتَخْلِيصِ مَعْصُومٍ مِنْ قَتْلِ فَوَاجبٌ. قُلْتُ: وَيَتَرجَّحُ عِندي مِثْلُهُ أَيْضًا تَخْلِيصُ مَالِهِ مِنْ ظَالِمٍ أَوْ قَاطِعِ طَرِيقٍ أَوْ غَاصِبٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَالْمَالُ مُثْمَنٌ وَالأَحْسَنُ يَتَأَوَّلُ، وَلإصْلاحٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْن فَمُبَاحٌ لِمَا وَرَدَ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولَُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقُولُ خَيْرًا أَوْ يَنْمِى خَيْرًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الدَّاعِي إلى الكَذِب مَحَبَّةُ النَّفْعِ الدُّنْيَوِي وَحُبُّ التُّرَاثِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُخْبِرَ يَرَى أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى الْمُخْبَر بِمَا عَلَّمَهُ فَهُوَ يَتْشَبَّهُ بِالعَالِمِ الفَاضِلِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ يَجْلِبُ بِمَا يَقُولُهُ فَضْلاً وَمَسَرَّةً وَهُوَ يَجلِبُ بِهِ نَقْصًا وَفَضِيحَةً فَالكذِبُ رَذِيلَةٌ مَحْضَةٌ مِنْ أَرْذَلِ الرَّذَائِلِ يُنْبِئُ عَنْ تَغَلْغُلِ الفَسَادِ فِي نَفْسِ صَاحِبَها وَعَنْ سُلُوكٍ يُنْشِئُ الشَّرَّ إنْشَاءً فَالكَذِبُ يَتَصَدَّعُ

стр. 371

بِهِ بُنْيَانُ المَجْتَمَعِ وَبِهِ يَخْتَلُّ سَيْرُ الأُمُورِ، وَيُسْقِطُ صَاحِبَهُ مِنْ العُيُونِ وَلا يُوثَقُ فِي قَوْلِهِ، وَلا يُوثَقُ بِهِ فِي عَمَلٍ، وَلا يَرْغَبُ لَهُ مَجْلِسٌ، وَأَحْادِيثُهُ عِنْدَ النَّاسِ مَتْرُوكَةٌ، وَشَهَادَتُهُ مَرْدُودَةٌ وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُطْبَعُ الْمُؤمِنُ عَلَى الخِلالِ كُلَّهَا إِلا الخِيَانَةَ وَالكذِبَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَعَنْ بَهْزِ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «وَيْلٌ لِلْذِي يُحَدِّثُ لِيُضْحِكَ بِهِ القَوْمَ وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ» . وَعَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا كَانَ خُلُقٌ أَبْغَضَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الْكَذِبِ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَكْذِبُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْكَذْبَةَ فَمَا يَزَالُ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعَلَمَ أَنَّهُ أَحْدَثَ مِنْهَا تَوْبَةً. رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَفِي الحَدِيثِ الآخَرِ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَيَكُونُ الْمُؤمِنُ كذَّابًا قَالَ: «لا» . الحَدِيثِ رَوَاهُ مَالِكُ، وَالبَيْهَقِي فِي شُعَبْ الإِيمَانِ. وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: إِيَّاكَ وَالكَذِبَ فَإنَّهُ يُفْسِدُ عَلَيْكَ تَصَوُّرَ الْمَعْلُومَاتِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ وَيُفْسِدُ عَلَيْكَ تَصْوِيرَهَا وَتَعْلِيمَهَا لِلنَّاسِ فَإنَّ الكَاذِبَ يُصَوِّرُ الْمَعْدُومَ مَوْجُودًا وَالْمَوْجُودَ مَعْدُومَا وَالحَقَّ بَاطِلاً وَالبَاطِلَ حَقًّا وَالخَيْرَ شَرًّا فَيُفْسَدُ عَلَيْهِ تَصْوُّرَهُ وَعِلْمَهُ عُقُوبَةً لَهُ ثُمَّ يُصَوِّرُ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْمُخَاطَبِ الْمُغْتَرِ بِهِ الرَّاكِنُ إِلَيْهِ فَيُفسِدُ عَلَيْهِ تَصَوُّرَهُ وَعِلْمَه وَنَفْسُ الكَاذِبِ مُعْرِضَة عَنْ الحَقِيقَةِ الْمَوْجُودَةِ تَرَّاعَةٌ إِلى العَدَمِ مُؤْثِرَةٌ لِلْبَاطِلِ وَلِهَذَا كَانَ الكَذِبُ أَسَاسُ الفُجُورِ.

стр. 372

كَمَا قَالَ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ» . وَأَولُ مَا يَسْرِي الكذِبُ مِنْ النَّفْسِ إِلى اللِّسَانِ فَيُفْسِدُهُ ثُمِّ يَسْرِي إلى الجَوَارِحِ فَيُفْسِدُ عَلَيْهَا أَعْمَالَهَا كَمَا أَفْسَدَ عَلَى اللسَانِ أَقْوَالِهِ فَيَعُمُّ الكَذِبَ أَقْوَالَهُ وأعْمَالَهُ وَأَحْوَالَهُ فَيَسْتَحْكِمُ عَلَيْهِ الفَسَادُ وَيَتَرَامَى دَاؤهُ إلى الهُلَكَةِ إنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ اللهُ بِدَوَاءِ الصِّدْقِ بِقَلْعِ تِلْكَ الْمَادَّةِ مِنْ أَصْلِهَا. وَلِهَذَا كَانَ أَصْلُ أَعْمَالِ القُلُوبِ كُلِّهَا الصِّدْقَ وَأَضْدَادُهَا مِنْ الرِّيَاءِ وَالعُجْبِ وَالكِبُرِ وَالفَخْرِ والخُيلاءِ وَالبَطَرِ وَالأشَر والعَجْزِ وَالكَسَلَ وَالجُبْنِ وَالْمَهَانَةِ وَغَيْرِهَا أَصْلُهَا الكَذِبُ فَكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ ظَاهِرٌ أَوْ بَاطِنٌ فَمَنْشَؤُهُ الصِّدْقُ وَكُلُّ عَمَلٍ فَاسِدٍ ظَاهِرٍ أَوْ بَاطِنٍ فَمَنْشَؤُوهُ الكَذِبُ، وَاللهُ تَعَالى يُعَاقِبُ الكَذَّابَ بَأَنْ يُقْعِدَهُ وَيُثَبِّطَهُ عَنْ مَصَالِحِهِ وَمَنَافِعِهِ وَيُثِيبُ الصَّادِقَ بَأَنْ يُوَفِّقَهُ لِلْقِيَامِ بِمَصَالِحِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ. وكان الصدق في صدر الإسلام أساسًا في القول والعمل والمعاملة، وخصوصًا فيما يتعلق بالدين وحفظ الحديث. فقد وُرِثَتْ عن العُلماء الأوائل عُلومُ الدين مَضْبُوطة كامِلَةً كَمَا أُنزِلَت على رسول اللهِ ﷺ وحَدَّث عنها. وكان عُلماءُ الدين وجامِعُوا أَحَادِيثِ النبي ﷺ يَتَحرونَ صِدقَ الُمَحِّدِث بِشَكْلٍ عَجِيبٍ. يَدْرُسُونَ حَيَاتَه وَيَتَحقَّقونَ مِنْ أَقواله وأَعماله وأنه يأكل مِنْ كسْب يَدِهِ وَلَمْ يَدخل على سلطان في صُحْبَةٍ أَوْ وَظِيفَةٍ. وَأنه يُطبّقُ تَعَالِيمَ الدِّينِ كَاملةً ولم تُعْهَدْ عليه كِذْبَة في حَيَاته. فعندها يُؤْخَذُ عنه الحديث النبوي.

стр. 373

ومثالٌ عَلَى مَا ذُكِرَ عن الإمام أحمد ﵀ أنه سَمِعَ بِوجُودِ حَدِيثٍ عندَ عَالمٍ بدمَشق فسافَر إليهِ مِنْ بغداد حتى وَصَل دمشق فمكث مُدَّةً يسأل عن العالم وعن أخلاقه وَمُعَامَلِته وكلامه. حتى إذا وَثَقَ مِن صِدقه أتاه مُبَكِّرًا بعد أن اغتسل وتطيب ولبس أحسنَ ثيابِه إجْلالاً لِلْحَدِيثِ وَلِمَنْ يحمله. ولما اقتربَ مِن بَيْته وَجَدَ العَالِمَ خارجًا مِن بَيْتهِ يَقودُ حِمارَهُ وقد كان حَمَالاً يَكتَسِبُ رِزقَه. فَرَفَضَ الحِمَارُ أَنْ يَسِيرَ مَعهُ فَحاوَل أَنْ يَجُره أو يسُوقه بمُخْتَلَفِ الوَسَائِلِ وَيأْبَى الحِمار. فَجَمَعَ لَه طَرفَ جُبَّتِهِ وَقَدَّمَهُ لِلْحِمارِ لِيُوهِمه أَنَّ في الجُبَّةِ شَعِير أَو نحوه فَتَبعَه الحِمَار. فَنَظَر الإِمام أحمد إلى الجبة فوجَدَهَا خَالِيَةً ما فيها شيء. فَتَرَكَ أحمدُ العالم والأخْذَ عنه حَيثُ تَبَيَّنَ له كَذبُهُ على الحِمار. فلا يُؤْتَمَن على الحديث الشريف. أ. هـ. سَلامِي عَلَى أَهْلِ الحَدِيثِ فَإِنَّنِي ... نَشَأْتُ عَلَى حُبِّ الأَحَادِيثَ مِن مَهْدِي هُمُوا بَذَلُوا في حِفْظِ سُنَّةِ أَحْمَدٍ ... وَتَنْقِيحِهَا مِنْ جُهْدِهِمْ غَايةَ الْجُهْدِ وَأَعْنِي بِهِ أَسْلافَ أُمَّةِ أَحْمَدٍ ... أُولَئكَ في بَيْتِ القَصِيدِ هُمُوا قَصْدِي أُوَلئكَ أَمْثَالِ البُخَارِي وَمُسْلمٍ ... وَأَحْمَدَ أَهْلُ الجِدِّ فِي العِلم والجَدِّ بُحُورٌ وَحَاشَاهُمْ عَنْ الجَزْر إِنَّمَا ... لَهُمْ مَدَدٌ يَأْتِي مِنْ اللهِ بالمدِّ رَوَوْا وَارْتَوَوْا مِنْ بَحْرِ عِلْمِ مُحَمَّدٍ ... وَلَيْسَتْ لَهُمْ تِلْكَ الْمَذَاهِبِ مِنْ وَرْدِ كَفَاهُمْ كتابُ اللهِ وَالسُّنَةُ التِي ... كَفَتْ قَبْلَهم صَحْبَ الرَّسُولِ ذَوِي المَجْدِ فَمُقْتَدِيًا بَالحقِ كُنْ لا مُقَلِّدَا ... وَخَلِّ أَخَا التَّقْلِيدِ فِي الأَسْرِ بالقدِّ فَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْمَقِّلدِ في الهُدى ... وَمَنْ يَقْتَدِي وَالضِّدُّ يُعْرَفُ بالضِّدِّ

стр. 374

فَمَنْ يَقْتَدِي أَضْحَى إِمَام مَعَارَفٍ ... وَكَانَ أُوَيْسًا فِي العِبَادَةِ وَالزُّهْدِ فَمَا اسْتُجْلِبَتْ مَصَالِحُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ بِمِثْلِ الصِّدْقِ وَلا مَفَاسِدُهُمَا وَمَضَارُّهُمَا بِمِثْلِ الكَذِبْ قَالَ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ، وَقَالَ: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ، وَقَالَ: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ . شِعْرًا: عَلَيْكَ بِالصِّدِقِ وَلَوْ أَنَّهُ ... أَحْرَقَكَ الصِّدْقُ بِنَارِ الوَعِيدْ وَاطْلُبْ رِضَى المَوْلَى فَأشقى الوَرَى ... مَنْ أَسْخَطَ المَوْلَى وَأَرْضَى العَبِيدْ آخر: عَوِّدْ لِسَانَكَ قَوْلَ الصِّدْقِ تَحْظَ بِهِ إِنَّ الِّلسَانَ لِمَا عَوَّدْتَ يَعْتَادُ مُوَكَّلٌ بِتَقَاضِي مَا سَنَنْتَ لَهُ فِي الصِّدْقِ وَالكِذْبِ فَانْظُرْ كَيْفَ يَرْتَادُ اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَثَبِّتْهَا عَلَى قَوْلِكَ الثَّابِتْ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينِ وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينِ يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ. وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فصل) : في بَيَانِ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ وَيَتَنَوَّعُ الكَذِبُ إِلى أَنْوَاعٍ، فَمَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بَأَمْوَالِ النَّاسِ وَأَعْرَاضِهم وَأَنْفُسِهم هُوَ مِنْ أَشَدِّ الكَبَائِرِ وَأَقْبَحِ الجَرَائمِ التي تُضِرُّ بَالْمُجْتَمعِ الإِنْسَانِي، وَتَقْضِي عَلى العَدْلِ، فإنَّ الذِي يَقُولُ الزُّورَ لِيَقْتَطِعَ حُقُوقَ عِبَادِ اللهِ أَوْ يَثْلِمَهُمْ فِي أَعْرَاضِهِمْ مِنْ كُلِّ مَا يَضُرُّ الإِنْسَانِيَّةَ وَيُؤْلِمُهَا.

стр. 375

وَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِغَضَبِ اللهِ وَكَانَ سَبَبًا في بَثِّ الفَوْضَى وَإِغْرَاءِ الْمُجْرِمِينَ عَلى اقْتِرَافِ الْجَرَائِمْ فَيَنَالُونَ مِنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ وَأَمْوَالِهِمْ مَا يَشْتَهُونَ وَهُمْ آمِنُونَ مِنْ العُقُوبَةِ لأَنَّهُمْ يَجِدُونَ شَاهِدَ الزُّورِ يُسَاعِدُهُمْ عَلَى الإفْلاتِ مِنْهَا، وَقَدْ أَكْبَرَ ﷺ خَطَرَ قَوْلِ الزُّورِ وَأَعْظَمَ جُرْمَهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ قَالَ: «الإِشْرَاكُ بَاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ» . وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: «أَلا وَقَوْلَ الزُّورِ» . فَمَا زَالَ يُكرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. فَجُلُوسُهُ ﷺ بَعْدَ اتِّكَائِهِ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ، وَصَدَّرَ قَوْلُه بَأَدَاةِ التَّنْبِيهِ وَكَرَّرَ كَلِمَتَهُ حَتَّى شَقَّ عَلَى نَفْسِهِ وبَدَا الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، وَتَمَنَّى أَصْحَابُهُ لَوْ سَكَتَ. وَقَوْلُ الزُّورِ يَشْمَلُ الشَّهَادَةَ بِالبَاطِلِ وَالْحُكْمَ الْجَائِرَ وَرَمْيَ الأَبْرِيَاءِ وَالْقَوْلَ عَلَى اللهِ بِلا عِلْمٍ. وَعَنْ خُرَيْمِ بِنْ فَاتِكٍ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَامَ قَائِمًا، فَقَالَ: «عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالإشْرَاكِ بِاللَّهِ» . ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وابْنُ مَاجَة. وَشَاهِدُ الزُّورِ يُسِيءُ إِلى نَفْسِهِ إِذْ يَبِيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ، وَيُسِيءُ إِلى مَنْ شَهِدَ لَهُ بِإعَانَتِهِ عَلَى ظُلْمِهِ، وَيُسِيءُ إِلى منْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ في إِضَاعَةِ حَقِّهِ، وَيُسِيءُ إِلى القَاضِي الذي جَلَسَ يَتَحَرَّى الْعَدْلَ لِيحُكُم بِهِ وَيُنْصِفَ الضّعَفَاءِ مِنْ الأَقْوِيَاءِ وَيَنْتَزِعَ حَقَّ الْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمَ بَأَنَّهُ بِشَهَادَتِهِ بِالزُّورِ يُظَلِّلُه وَيَسُدُّ أَمَامَهُ طَرِيقَ الْحَقِّ وَيَفْتَحْ بَابَ البَاطِلِ. وَبِهَذَا يَشُلُّ يَدَ العَدَالَةِ أَنْ تَقْتَصَّ لِلْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمِ وَيُسِيءُ شَاهِدُ الزُّورِ إِلى أَوْلادِهِ وَأُسْرَتِهِ لأَنَّهُ يُلَوِّثَهَا بِهَذِهِ السُّمْعَةِ السَّيِّئَةِ وَالفَائِهَةِ

стр. 376

القَبِيحَةِ وَيَحْمِلُ النَّاسَ عَلى أَنْ يَقُولُوا لَهُمْ عَائِلَةُ الْمُزَوِّرِ، وَأَعْظِمْ بِهَا مِنْ أَذِيَّةٍ لِلْمُسْتَقِيمِينَ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الكَذبَ مِنْ صِفَاتِ النِّفَاقِ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن الشَّكِ بَعْدَ اليَقِينِ، وَمِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ومِن شَدَائِدِ يَوْم الدِّين، وَنَسْأَلُكَ رِضَاكَ وَالْجَنَّةِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ سَخَطِكَ والنَّارِ، اللَّهُمَّ أَتْمِِمْ عَلَيْنَا نِعْمَتِكَ الوَافِيَةَ وَارْزُقْنَا الإِخْلاصَ فِي أَعْمَالِنَا وَالصِّدْقَ فِي أَقْوَالِنَا وَعُدْ عَلَيْنَا بإصْلاحِ قُلُوبِنَا وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) في التَّحْذِيرِ مِنْ الغِيبَةِ وَيَجِبُ اجْتِنَابَ الغَيْبَةِ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً﴾ أَيْ لا يَتَنَاوَلْ بَعْضُكُمْ بَعْضَا بِظَهْرِ الغَيْبِ بِمَا يَسُوؤُهُ ثُمَّ ضَرَبَ تَعَالَى لِلْغَيْبَةِ مَثَلاً فَقَالَ: «أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ» ، وَعَنْ البرَاءِ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَرْبَى الرِّبَى اسْتِطَالَةُ الرَّجُلِ فِي عِرْضِ أَخِيهِ» . وَفي الْحَدِيثِ الآخَرِ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «أَنَّ مِنْ الكَبَائِرِ اسْتِطَالَةُ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» . فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَلِّل كَلامَهُ إلا في ذكْرِ الله وَمَا وَلاهُ لِيَسْلَمُ وَيَغْنَمْ.

стр. 377

أسْنَى كَلامِكَ مَا أَردْتَ بِفِعْلِهِ ... رُشْدًا وَخَيْر كَلامِكَ التَّسْبِيحُ شِعْرًا: أَقْلِلْ كَلامَكَ وَاسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهِ ... إِنَّ البَلاءَ بِبَعْضِهِ مَقْرُونُ وَاحْفَظْ لِسَانَكَ وَاحْتَفِظْ مِنْ غَيِّه ... حَتَّى يَكُونَ كَأنَّهُ مَسْجُونُ وَكِّلْ فُؤادَكَ باللِّسَانِ وَقُلْ لَهُ ... إِنَّ الكَلامَ عَلَيْكُمَا مَوْزُونُ آخر: إِنْ صُمْتَ عَنْ مَأكل العَادِي وَمَشْربِهِ ... فَلا تُحَاولْ عَلَى الأَعْراضِ إِفْطَارَا يَغْدُ عَلَى كَسْبِ دِينَارٍ أَخُو عَمَلَ ... لَوْ يُوزَنُ الإِثْمُ فِيهِ كَانَ قِنْطَارَا وَعَنْ سَعِيدِ بن زَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الاسْتِطَالة في عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. فَإِنْ قِيلَ: مَا الغِيبَةُ؟ قِيلَ: قَدْ حَدَّهَا النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ رَوَى أَبو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ» ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ» . قَالَ (أحدهم) : أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْته، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَمِنْ الغَيْبَةِ التَّمْثِيلِيَّاتِ لِلأَشْخَاصِ وَالْهَيْئَاتِ وَمُحَاكَاتِهِمْ في اللِّبَاسِ عَلَى وَجْهِ التَّنَقُّصِ وَالاسْتِهْتَارِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُنْهَمِكُونَ فِي أَكْلِ لُحُومِ الغَوَافِلِ. فَتَكُونُ الغِيبَةُ بِالتَّعْرِيضِ وَبِالكِنَايَةِ وَبِالْحَرَكَةِ وَبِالرَّمْزِ وَالإِشَارَةِ بِاليَدِ وَكُلُّ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الغِيبَةِ وَهُوَ حَرَامٌ. فَقَدْ وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيْنَا امْرَأةٌ فَلَمَّا وَلَّتْ أَوْمَأَتُ بِيَدِي أَيْ قَصِيرَةُ فَقَالَ ﵊: «اغْتَبْتِهَا» . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرمِذِي وَصَحَّحَهُ، قَوْلُ عَائِشَةَ عَنْ صَفِيَّةَ أَنَّهَا: قَصِيرَةٌ وَأَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» .

стр. 378

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بَالنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَنَظَرَ فِي البَابِ فَإِذَا قَوْمٌ يَأْكُلُونَ الْجِيف، قال: مَنْ هَؤُلاء يَا أَخِي يَا جِبْرِيلُ» ؟ قَالَ الذين يَأكُلُونَ لُحُومَ النَّاس» . شِعْرًا: عَلامَ رَغِبْتَ بَالأَوْزَار حَتَّى ... رَغِبْتَ عَنْ القِيامِ بَكُلِّ فَرْضِ بِضُرِّ النَّاسِ كَمْ تَغْدُوا وَلُوْعًا ... بَأَنْيَابِ تُمَزِّقُ كُلَّ عَرْضِ فَوَاعَجَبًا لِمُغْتَابٍ زَنِيم ... بِزُورِ القَوْلِ وَالبُهْتَانِ يَمْضِي وَلَمْ يَخْتَرْ سُلُوكًا غَيْرَ غَدْرٍ ... بِهِ قَرْضَ الأَكَارِمَ شَرَّ قَرْضِ يَظَلُّ عَلَى الفَسَادِ وَلَيْسَ يَدْرِي ... بَأَنَّ الله بَيْنَ النَّاسِ يَقْضِي آخر: بَلاءٌ لَيْسَ يُشْبِهُهُ بَلاء ... عَدَاوَةِ غَيْرَ ذِي حَسَبٍ وَدِينِ يُبِيحُكَ مِنْهُ عِرْضًا لَمْ يَصُنْهُ ... وَيَرْتَعُ مِنْكَ فِي عِرْض مَصُونِ آخر: إِذَا لَؤمَ الفَتَى لَمْ يَخْشَ مِمَّا ... يُقَالُ وَإِنْ تَرَادَفَهُ الملامُ آخر: وَذِي حَسَدٍ يَغْتَابُنِي حَيْثُ لا يَرَى ... مَكَانِي وَيُثْنِي صَالحًا حَيْثُ أَسْمَعُ تَوَرَّعْتُ أَنْ أغْتَابَهُ مِنْ وَرَائِهِ ... بِمَا لَيْسَ فيهِ وَهُوَ لا يَتَوَرَّعُ وَقَالَ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْلَةً فَإِنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُ مِثْلَهَا فِي جَهَنَّمَ، وَمَنْ كُسِيَ ثَوْبًا بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يَكْسُوهُ مِثْلَهُ فِي جَهَنَّمَ، وَمَنْ قَامَ بِرَجُلٍ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُومُ بِهِ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. فَالغِيبَةُ عَادَةٌ مَرْذُوَلَةٌ، كَثِيرًا مَا تَقْطَعُ الصِّلَةَ بَيْنَ النَّاسِ، وَتُثِيرُ الأَحْقَادَ، وَتُشَتِّتُ الشَّمْلَ، ثُمَّ هِيَ مَعْ ذَلِكَ مَضِيَعَةٌ لِلْوَقْتِ بَالاشْتِغَالِ بِمَا يَضُرُّ الإِنْسَانَ، وَلا يَنْفَعُهُ. وَمِمَّا تَقَدَّمَ يَتَبَيَّنُ تَحْرِيمُ الغِيبَةِ وَخَطَرُهَا وَشَرّهَا فَإِذًا يَجِبُ الإنْكَارُ عَلَى الْمُغْتَابِ وَرَدْعُهُ.

стр. 379

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ إلا خَذَلَهُ اللهُ في مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنْ امْرئٍ مُسْلِمٍ يَنْصُرُ امْرَءًا مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلا نَصَرَهُ اللهُ في مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أُذِلَّ عِنْدَهُ مُؤْمِنُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ فَلَمْ يَنْصُرْهُ أَذَلِّهُ اللهُ عَلَى رُؤوسِ الْخَلائِقِ» . وَقَالَ عُمَرُ بن الْخَطَّابِ ﵁ فِي خُطْبَتِهِ: لا يُعْجِبَنَّكُمْ مِنْ الرَّجُلِ طَفْطَفَتُهُ وَلَكِنْ مِنْ أَدَّى الأَمَانَةَ، وَكَفَّ عَنْ أعْرَاضِ النَّاسِ فَهُوَ الرَّجُلُ. وَقَالَ أَيْضًا: كَفَى بِالْمَرْءِ عَيْبًا أَنْ يَسْتَبِينَ لَهُ مِنْ النَّاسِ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَيَمْقَتُ النَّاسَ عَلَى مَا يَأْتِي. قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: اعْلَمْ أَنَّ الغِيْبَةِ مَعَ تَحْرِيمِهَا شَرْعًا وَعَقْلاً هِيَ عَيْنُ العَجْز وَنَفْسُ اللُؤْمِ وَدَلِيلُ النَّقْصَ تَأبَاهَا العُقُولُ الكَامِلَةُ وَالنُّفُوسُ الفَاضِلَةُ لِمَا فِيهَا مِنْ انْحِطَاطِ الرُّتْبَةِ وَانْخِفَاضِ الْمَنْزِلَةِ. قَالَ عَلَيُّ بن الْحُسَيْنَ: الغِيْبَةِ إِدَامُ كِلابِ الناسِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَا ابْنَ آدَمَ لَنْ تَنَالَ حَقِيقَةَ الإيمَانِ حَتَّى لا تَعِيبَ النَّاسَ بِعَيْبٍ هُوَ فِيكَ وَتَبْدَأَ بِذَلِكَ الْعَيْبِ مِنْ نَفْسِكَ فَتُصْلِحهُ فَمَا تُصْلِحُ عَيْبًا إِلا تَرَى عَيْبًا آخَرَ فَيَكُونُ شُغْلُكَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِكَ. وَقِيلَ لِرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمْ: مَا نَرَاكَ تَعِيبُ أَحَدًا وَلا تَذُمُّهُ فَقَالَ: مَا أَنَا عَلَى نَفْسِي بِرَاضٍ فَأَتَفَرَّغَ مِنْ عَيْبِهَا إلى غَيْرِهَا وَلَقَدْ أَحْسَنَ القَائِلُ: شَرُّ الوَرَى مَنْ بِعَيْبِ النَّاسِ مُشْتَغِلاً ... مُثْلُ الذُّبَابِ يُرَاعِي مَوْضِعْ العِلَلِ آخر: وَأُكْرِرُ نَفْسِي عَنْ جَزَاءِ بِغِيبَةٍ ... وَكُلُّ اغْتِيَابٍِ جُهْدُ مَا لا لَهُ جُهْدُ

стр. 380

آخر: إِيَّاكَ إيَّاكَ أَعْرَاضَ الرِّجَالِ فَإِنْ ... رَاقَتْ بِفِيْكَ فَإِنَّ السُّمَ فِي الدَّسَم آخر: ... إِذَا مَا ذَكَرْتَ النَّاسَ فَاتْرُكْ عُيُوبِهُمْ ... فَلا عَيْبَ إلا دُونَ مَا مِنْكَ يُذْكَرُ فَإِنْ عِبْتَ قَوْمًا بِالذي هُوَ فِيهَمْ ... فَذَلِكَ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ مُنْكَرُ آخر: يَمْنَعُنِي مِنْ عَيْبِ غَيْرِي الذِي ... أَعْرَفُهُ عَنْدِي مِنْ العَيْبِ عَيْبِي لهمُ بالظن مِنّي بَدَا ... وَلَسْتَ مِنْ عَيْبِي فِي رَيْبِ إِنْ كَانَ عَيْبِي غَابَ عَنْهُمْ فَقَدْ ... أَحْصَى عُيوبِي عَالم الغَيْبِ وَبالتَّالِي فَخَطَرُ اللِّسَانِ عَظِيمٌ لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنْ الأَعْضَاءِ فَإِنَّ العَيْنَ لا تَصِلُ إِلى غَيْرِ الأَلْوَانِ وَالصُّوَرِ وَالأُذَنُ لا تَصِلُ إلى غَيْرِ الأَصْوَاتِ وَاليَدُ لا تَصِلُ إِلى غَيْرِ الأَجْسَامِ وَاللَّسَانُ يَجُولُ في كُلِّ شَيْءٍ وَبِهِ يَبِينُ الإيمَانُ مِنْ الكُفْرِ. لعُمْركَ مَا لِلْمَرْءِ كالرَّبِ حَافِظُ ... وَلَيْسَ سِوَى القُرْآن لِلْمَرْءِ وَاعِظُ لِسَانك لا يُلقِيكَ فِي الغي لَفَظُهُ ... فَإِنَّكَ مَأْخُوذٌ بِمَا أَنْتَ لافِظُ وَقَدْ رَوَى أَنَسُ بِنْ مَالِكٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لا يَسْتَقِيمَ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُه وَلا يَسْتَقِيمَ قَلْبُه حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ» . قُل لِلَّذي لَسْتُ أَدْرِي مِن تَلَوُّنِهِ ... أَنَاصِحٌ أَمْ عَلى غِشٍّ يُداجيني إِنّي لأَكْثِرُ مِمّا سُمتَني عَجَبًا ... يَدٌ تَشُجُّ وَأُخْرَى مِنْكَ تَأسُوني تَغتابَني عِنْدَ أَقْوَامٍ وَتَمْدَحُنِي ... في آخَرينَ وَكُلٌّ عَنْكَ يَأتِينِي هَذَانِ أَمْرَانِ شَتَّى الْبَوْنُ بَينَهُمَا ... فَاِكفُف لِسَانَك عَن ذمِّي وَتَزَينِي لَو كُنْتُ أَعْلَمُ مِنْكَ الوِدَّ هَانَ إذًا ... عَلَيَّ بَعْضُ الَّذي أَصْبَحْتَ تُولِينِي لا أَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي ضَمَائِرهم ... مَا فِي ضَمِيري لهمُ مِن ذَاكَ يَكْفِينِي أَرْضَى عن الْمَرْءِ مَا أَصْفَى مَوْدَّتَهُ ... وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ البَغْضَاءِ يُرْضِينِي وَاللهِ لَوْ كَرِهَتْ كَفِّي مُصَاحَبَتِي ... لَقُلْتُ إِذْ كَرِهَتْ قُرْبى لَهَا بَيْنِي

стр. 381

ثم انْثَنَيْتُ على الأخْرَى فَقُلْتُ لَهَا ... أَنْ تُسْنِدِينِي وِإلا مِثْلَهَا كُونِي لا أَبْتَغِي وُدَّ مَنْ يَبْغِي مُقَاطَعَتِي ... وَلا أَليِنُ لِمَنْ لا يَبْتَغِي لَيْنِي إِنِّي كَذَاكَ إِذَا أَمْرٌ تَعرَّضَ لِي ... خَشِيتُ مِنْهُ عَلَى دُنْيَايَ أَوْ دِينِي خَرَجْتُ مِنْهُ وَعِرْضِي مَا أُدَنّسُهُ ... وَلَمْ أَقُمْ غَرَضًا لِلَّنْذِلِ يَرْمِينِي رُبَّ امرِئٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْ مُلاطَفتِي ... مَحْضِ المَوَدَّةِ في البَلْوَى يُوَاسِينِي ومُلْطفٍ بِي مُدَارٍ ذِي مُكَاشَرةٍ ... مُغْضٍ عَلَى وَغَر في الصَّدْرِ مَكْنُونِ لَيْسَ الصَّدِيقُ الذي تُخْشَى بَوَادرهُ ... وَلا العَدُوّ عَلَى حال بِمَأمُونِ يَلُومنِي النَّاسُ فِيمَا لَوْ أُخُبِّرِهُم ... بالعُذْرِ مِنِّي فِيه لَمْ يَلُومُونِي اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِصَالِحِ الأَعْمالِ وَاكْفِنَا بِحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَبِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرْ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. (فَصْلٌ) : وَفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – ﵁ – عَنِ النبي ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا يَزِلُّ بِهَا في النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ» . وَأَخْرَجَ الترمِذي وَلَفْظهُ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الشَّرِّ مَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهَا يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ» . رَوَاهُ في شَرْحِ السُّنَّةِ، وَرَوَاهُ مَالِكُ، وَالتِّرْمِذي، وَابْنُ مَاجَة نَحْوَهُ. فَالغِيبَةُ مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ وَمِنَ الذُّنُوبِ التِّي قَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنْهَا كَالكَذِبِ وَالرِّيَاءِ وَالرِّبَا وَالمُدَاهَنَة. وَإِذَا فَهِمْتَ مَا سَبَقَ فَاعْلَمْ أَنَّ الذُّنُوبَ المُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ العِبَادِ لا تُمْحَى إلا أَنْ عَفَوْا عَنْهَا أَوْ رُدَّتْ لَهُمْ مَظَالِمَهُمْ، فَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الدَّوَاوِينُ عِنْدَ اللهِ ثَلاثَةٌ: دِيوَانٌ لا يَعْبَأُ اللهُ بِهِ شَيْئاً، وَدِيوَانٌ لا يَتْرُكُ اللهُ مِنْهُ شَيْئاً، وَدِيوَانٌ لا يَغْفِرُهُ اللهُ فَأَمَّا الدِّيوَانُ الذِي لا يَغْفِرُهُ اللهُ فَالشِّرْكُ بِاللهِ» .

стр. 382

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ﴾ . وَأَمَّا الذِي لا يَعْبَأُ اللهُ بِهِ شَيْئاً فَظُلمُ العَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ مِنْ صَوْمِ يَوْمِ تَرَكَهُ أَوْ صَلاةٍ، فَإِنَّهُ يَغْفِرُ ذَلِكَ وَيَتَجَاوَزَ إنْ شَاءَ، وَأَمَّا الدِّيوَانِ الذِي لا يَتْرُكُ مِنْهُ شَيْئاً فَظُلمُ العِبَادِ بَعْضَهُمْ بَعْضًا القِصَاصُ لا مَحَالَةَ. رَوَاهُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ، وَالحَاكِمْ فِي مُسْتَدْرَكِهِ فَظُلْمُ العَبْدِ نَفْسَهُ بِيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ هُوَ أَخَفُّ الدَّوَاوِينِ وَأَسْرَعُهَا مَحْوًا فَإِنَّهُ يُمْحَى بِالتَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ والحَسَنَاتِ المَاحِيَةِ وَالمَصَائِبِ المُكَفِّرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلا رَيْبَ أَنَّ الغِيبَةَ جَنَابَةٌ عَلَى أَعْرَاضِ النَّاسِ وَهُمْ غَافِلُونَ فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يَتَحَلَّلَ لِمَنْ اغْتَابَهُ وَيَطْلُبَ مِنْهُ العَفْوَ إِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ وَيَتُوبُ وَيَتَنَدَّمُ وَيَسْتَغْفِرُ لِمَنْ اغْتَابَهُ وَيَذْكُرُهُ بِمَا فِيهِ مِنَ الخِصَالِ الحَسَنَةِ عِنْدَ مَنِ اغْتَابَهُ عِنْدَهُمْ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَرْحَمَهُ وَيَغْفِرَ لَهُ إِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ أَنَسٍ وَقَوْلُهُ ﷺ : «إِنَّ مِنْ كَفَّارَةِ الغِيبَةِ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِمَنْ اغْتَبْتَهُ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُ» . وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى الغِيبَةِ مَصْلَحَةٌ أَوْ دَرْءُ مَفْسَدَةٍ كَانَتْ لازِمَةً وَإِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهَا أَمْرٌ جَائِزٌ فَجَائِزَةٌ، وَيُمْكِنْ ضَبْطُ الأَوَّلُ في خَمْسَةِ أُمُورٍ أَوْ سِتَّةِ أُمُورٍ. الأَوَّلُ: المَظْلُومُ الذِي يُرِيدُ أَنْ يَشْكُو لِمَنْ يَرْفَعُ مَظْلَمَتَهُ، فَلَهُ أَنْ يَذْكُرَ عَيْبَ ظَالِمِهِ الذِي يَحْتَاجُ إِلَيَهِ في بَيَانِ حَقِّهِ. الثَّانِي: الاسْتِعَانَةُ عَلَى تَغْييرِ المُنْكَرِ لِمَنْ يَظُنُّ أَنَّ لَهُ قُدْرَةً عَلَى إِزَالَتِهِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَقُولُ: إِنَّ فُلانًا ارْتَكَبَ كَذَا وَفَعَلَ كَذَا.

стр. 383

الثَّالِثُ: الاسْتِفْتَاءُ فَإِنَّهُ يَجُورُ لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يَقُولَ لِلْمُفْتِي: إِنَّ فُلانًا ظَلَمَنِي فِي كَذَا وَكَذَا، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ مَثَلاً؟ الرَّابِعُ: التَّحْذِيرُ فَيُحَذِّرُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ شَرَّ مَنْ يَتَصَدَّى لِلزَّعَامَةِ فِي أُمُورِهِمْ العَامَّةُ، أَوْ مَنْ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ القَضَاءُ فِي مَصَالِحِهِمْ؛ أَوْ مَنْ يَتَصَدَّى لإفْتَائِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ، كَالزُّعَمَاءِ فِي الشّؤون الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَويَّةِ وَالشُّهُودِ وَالْمُدَرِّسِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّنْ يُشْتَرَطُ فِيهِمْ الأَمَانَةِ والاتِّصَافِ بِمَكَارِمِ الأَخْلاقِ، فَيَصِحُّ أَنْ يُبَيِّنَ مَا فِيهِمْ مِنْ النَّقَائِصْ وَالعُيُوبِ وَيَرْفَعَ بَأمْرِهِمْ لَيُبْعَدُوا. الْخَامِسُ: أَنْ يَتَجَاهَرَ بِفِسْقِهِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَى إلا الْمُجَاهِرُونَ» . حَذَارِ حَذارِ مِنْ شَيْطَانِ إنْسٍ ... بِهِ لَعِبَ الْهَوَى مَع شَرِّ َرَهْطِ يُرِيكَ تَمَلُّقًا مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ ... وَيُبْدِي لِلخِدَاعِ لِسَانَ بَسْطِ رُويْدَكَ لا تُغَرَّ بِهِ وَحَاذِرْ ... وُقُوعَكَ فِي حَضِيضِ هَوانِ سُخْطِ فَلا تَصْحَبْ سِوَى خِلٍّ تَحَلَّى ... بِإيمَانٍ قَويمٍ لَيْسَ يُخْطِي تَنَلْ عِزًّا وَمَجْدًا وَاعْتِبَارًا ... وَرَبُّكَ خَيْرَ فَضْلٍ مِنْهُ يُعْطِي اللَّهُمَّ وفقنا لِصَالِح الأعمال واكفنا بِحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَبِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِواك إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدير. وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (فَصْلٌ) وَأَسْبَابُ الغِيبَةِ أَحَدَ عَشَرَ: ١- تَشَفِّي الغَيْظِ بِذِكْرِ مَسَاوِي الْمَوْقُوعِ في عِرْضِهِ بِالغِيبَةِ قَوْلاً أَوْ فِعْلاً. مُوَافَقَةُ الأَقْرَانِ وَالزُّمَلاءِ وَمُسَاعَدَتُهُمْ وَيَرَى ذَلِكَ فِي حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ أَنْكَر عليهم اسْتَثْقَلُوه فيُسَاعِدُهم على ذلك.

стр. 384

٣- أَنْ يَسْتَشْعِرَ مِنْ إِنْسَانٍ أَنَّهُ سَيَقْصِدُهُ وَيُطَوِّلُ لِسَانَهُ عَلَيْهِ أَوْ يَقْبِّحَ حَالَهُ عِنْدَ مُحْتَشِمٍ فَيُبَادِرَهُ فَيَطْعَنُ فِيهِ لِيُسْقِطَ شَهَادَتَهُ أَوْ يَبْتَدِئ بِذكر ما فيه صَادِقًا عَلَيْهِ لِيَكْذِبَ عَلَيْهِ بَعْدَهُ فَيُروجُ كذِبَهُ بِالصِّدْقِ الأول نَسأل الله العافية. وَلْيَحْذَرِ الإنْسَانُ مِنْ ذِي الوَجْهَين الذي يَأْتِي هَؤُلاء بوجْه وهَؤُلاء بوجه قال بعضهم: يَسْعَى عَلَيْكَ كَمَا يَسْعَى إِلَيْكَ فَلا ... تَأْمَنْ غَوَائِلَ ذِي وَجْهَينُ كَذَّابِ ٤- أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ شَيْءٌ فَيَذْكُرَ أَنَّ الذِي فَعَلَهُ فُلانٌ وَيَتَبَرَّأَ مِنْهُ مَعَ أَنَّ التَّبَرُّأَ يَحْصَلُ بِدُونِ أَنْ يَذْكُرَ الغَيْرَ بِشَخْصِهِ. ٥- أَنْ يَنْطَوِي عَلَى عَدَاوَةِ شَخْصٍ وَيَحْسِدَهُ فَيَرْمِيهِ بِمَساوِئ وَمَعائِبَ يَنْسِبُهَا إِلَيْهِ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ عَنْهُ وَيُسْقِطَ مَهَابَتَهُ وَمَكَانَتَهُ مِنْ النُّفُوسِ وَيَقْصِدُ بِذَلِكَ إِثْبَاتُ فَضْلِ نَفْسِهِ وَلَكِنَّ العَاقِلَ اللَّبِيبَ يَعْرِفُ أَنَّهُ مَا أَضَرُّ عَلَى الأَعْدَاءِ وَلا أَشَدُّ مِنْ التَّمَسُّكِ بِالأَخْلاقِ الفَاضِلَةِ وَالاعْتِرَافِ بالفَضْلِ لأَهْلِهِ كَمَا قِيلَ: وَمَا عَبَّرَ الإِنْسَانُ عَنْ فَضْلِ نَفْسِهِ ... بِمِثْل اعْتِقَادِ الفَضْلِ فِي كُلِّ فَاضِلِ وَلَيْسَ مِنْ الإنْصَافِ أَنْ يَدْفَعَ الفَتَى ... يَدَ النَّقْصِ عَنْهُ بِانْتِقَاصِ الأَفَاضِلِ آخر: أَرَى كُلَّ إنْسَانٍ يَرَى عَيْبَ غَيْره ... وَيَعْمَى عَنْ العَيب الذي هو فيه وما خَيْرُ مَنْ تَخْفَى عَلَيْهِ عُيُوبُهُ ... وَيَبْدُو لَهُ العَيْبُ الذي بَأَخِيهِ وَكَيْفَ أَرَى عَيْبًا وَعَيْبِي ظَاهِرٌ ... وَمَا يَعْرِفُ السَّوْءاتِ غَيْرُ سَفِيهِ فَإِذَا رَأَيْتُ إِنْسَانًا مُبْتَلَى بِسَبِ الغَوَافِلِ وَأَكْلُ لُحُومِهم يُريد بذلكَ رِفعةَ نَفْسِهِ وَخَفْضِ الغَيْرِ كَأنْ يَقُولَ: فلانٌ جَاهِلٌ، أَوْ فَهْمُهُ ضَعِيف، أو لا يُحْسِنُ التعليمَ، أو عِبَارَتُه رَكِيكَةٌ، أَوْ لا يُحْسِنُ الْخِطَابَةَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا تَتَدَرَّجُ بِهِ إِلى إظْهَارِ فَضْلٍ لِنَفْسِهِ بِسَلامتِهِ مِنْ تِلْكَ العُيوبِ وَالنَّقَائِصِ، فَقل له: اتقِ الله هذا لا يَرفَعُكَ

стр. 385

وَلا يزيلُ مَا فِيكَ مِن النقائصِ اقْتَصِرْ على تَأملِ عُيوبكَ فَهُو أَوْلَى بِكَ يا مَغْرُور. ٦- أَنْ يَقْدَحَ عِنْدَ من يُحِبُّ الشَّخْصَ حَسَدًا لإكَرَامِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ لَهُ. ٧- أَنْ يَقْصِدَ اللَّعِبَ وَالهَزَلَ وَالْمُزَاحَ وَالْمُطَايَبَةِ وَيُضْحِكَ النَّاسِ. ٨- السُّخْرِيَةُ وَالاسْتِهْزَاءُ بِالشَّخْصِ اسْتِحْقَارًا لَهُ وَهُوَ يَجْرِي فِي الْحُضُورِ وَالغَيْبَةِ وَمَنْشَؤُهُ التَّكَبُّرُ وَاسْتِصْغَارُ الْمُسْتَهْزَأ بِهِ وَازْدِرَاءُهُ. وَهَذَا غَالبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ نَزلَتْ هِمَّتُهُ وَرَكَّتْ حالتُه وَصَارَ يُضْحِكُ النَّاس. شِعْرًا: إِنْ صُمْتَ عَنْ مَأْكَلِ العادي وَمَشْرَبِهِ ... فَلا تُحَاوِلْ عَلَى الأعْرضَ إِفْطَارَا ٩- أَنْ يَتَعَجَّبَ مِنْ فِعْلِ الغَائِبِ لِلْمُنْكَرِ وَهَذَا مِنْ الدِّينِ لَكِنْ أَدَّى إِلى الغَيبَةِ بِذِكْرِ اسْمِهِ فَصَارَ مُغْتَابًا مِنْ حَيْثُ لا يَدْرِي. ١٠- أَنْ يَغْتَمَّ لِسَبَبْ مَا يُبْتَلَى بِهِ فَيَقُولُ مِسْكِينٌ فُلانٌ قَدْ غَمَّنِي أَمْرُهُ وَمَا أبْتُلِي بِهِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ وَغَمّهُ وَرَحْمَتَهُ خَيْرٌ لَكِنْ سَاقَهُ إِلى شَرٍّ وَهُوَ الغِيبَةُ مِنْ حَيْثُ لا يَدْرِي أَنَّهُ صَاغَهَا بِصِيغَةِ التَّرَحُّمِ وَالتَّوَجُّعِ. ١١- إظْهَارُ الغَضَبِ للهِ عَلَى مُنْكَرٍ قَارَفَه إِنْسَانٌ فَيَذْكُرُ الإنْسَانَ بِاسْمِهِ وَكَانَ الوَاجِبُ أَنْ يُظْهِرَ غَضَبَهُ عَلَى فَاعِلِهِ وَلا يُظْهِرَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ بَلْ يَسْتُرُ اسْمَهُ وَهَذِهِ الثَّلاثَةُ رُبَّمَا تَخْفَى عَلَى العُلَمَاءِ وَطَلَبَةِ العِلْمِ فَضْلاً عَنْ العَوَامِّ وَلِذَلِكَ تَسْمَعُ مِنْهُمْ كَثِيرًا مَا يَقُولُونَ فُلانُ وَنِعْمَ لَوْلا أَنَّهُ يَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا يُعَامِلُ بالرِّبَا مَثَلاً وَكَانَ الوَاجِبُ نُصْحُهُ بَدَلَ الغِيبَةِ، وَلَكِنْ يَا أَخِي بَشِّرْ الموقوع في عِرْضِهِ بِغيبَةٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ سَبٍّ أَوْ نَمٍّ أَوْ نَحْو ذلك بأنَّهُ سَيَفرحُ وَيَسْترُ حِينَ مَا يَأخُذُ حَسَنَاتٍ مَا تَعِبَ بِهَا فِي لَيْل ولا نَهَارٍ صَيْفٍ وَلا شِتَاءٍ وَهَلْ أَحْلَى وَأَلَذَ مِنْ حَسَنَاتٍ تَأَتِيكَ مَا تَعِبْتَ بِهَا. شِعْرًا: ... يُشَارِكُكَ الْمُغْتَابُ فِي حَسَنَاتِهِ وَيُعْطِيكَ أَجْرَى صَوْمِهِ وَصَلاتِهِ

стр. 386

وَيَحْمِلُ وِزْرًا عَنْكَ ظَنَّ بِحَمْلِهِ عَنْ النُّجْبِ مِنْ أَبْنَائِهِ وَبَنَاتِهِ فَكَافِيهِ بِالْحُسْنَى وَقُلْ رَبِّ جَازِهِ بِخَيْرٍ وَكَفِّرْ عَنْهُ مِنْ سَيَّئَاتِهِ فَيَا أَيُّهَا الْمُغْتَابُ زِدْنِي فَإِنْ بَقِي ثَوَابُ صَلاةٍ أَوْ زَكَاةٍ فَهَاتِهِ فَغَيْرُ شَقِيٍّ مِنْ يَبِيتُ عَدُوُّهُ يُعَامِلُ عَنْهُ اللهَ فِي غَفَلاتِهِ فَلا تَعْجَبُوا مِنْ جَاهِلٍ ضَرَّ نَفْسَهُ بإمْعَانِهِ فِي نَفْعِ بَعْضِ عُدَاتِهِ وَأَعْجَبُ مِنْهُ عاَقِلٌ بَاتَ سَاخِطًا عَلَى رَجُلٍ يُهْدِي لَهُ حَسَنَاتِهِ وَيَحْمِلُ مِنْ أَوْزَارِهِ وَذُنُوبِهِ وَيَهْلَكُ فِي تَخْلِيصِهِ وَنَجَاتِهِ فَمَنْ يَحْتَمِلْ يَسْتَوْجِبِ الأجْرَ وَالثَّنَا وَيُحْمَدُ في الدُّنْيَا وَبَعْدَ وَفَاتِهِ وَمَنْ يَنْتَصِفْ يَنْفَخْ ضِرًا مَا قَدْ انْطَفَى وَيَجْمَعُ أَسْبَابَ الْمَسَاوِي لِذَاتِهِ فَلا صَالِحٌ يُجْزَى بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلا حَسَنٌ يُثْنَى بِهِ فِي حَيَاتِهِ يَظَلَّ أَخُو الإِنْسَانِ يَأْكُلُ لَحْمَهُ كَمَا فِي كِتَابِ اللهِ حَالَ مَمَاتِهِ وَلا يَسْتَحِي مِمَّنْ يَرَاهُ وَيَدَّعِي

стр. 387

بَأنَّ صِفَاتِ الكَلبِ دُونَ صِفَاتِهِ وَقَدْ أَكَلا مِنْ لَحْمِ مَيْتٍ كِلاهُمَا وَلَكَنْ دَعَى الكَلْبَ اضْطِرَارُ اقْتِيَاتِهِ تَسَاوَيْتُمَا أَكْلا فَأشْقَاكُمَا بِهِ غَدَا مَنْ عَلَيْهِ الْخَوْفُ مِنْ تَبَعُاتِهِ وَمَا لِكَلامِ مَرَّ كَالرِّيحِ مَوْقِعٌ فَيَبْقَى عَلَى الإِنْسَانُ بَعْضُ سِمَاتِهِ اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حِفْظَ جَوَارِحِنَا عَنْ الْمَعَاصِي مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَنَقِّ قُلُوبَنَا مِنْ الحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالإحَنْ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ وَعُضَالِ الدَّاءِ وَخَيْبَةُ الرَّجَاءِ وَزَوَال النِّعْمَةِ. اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وَأَلْحِقْنَا بَالصَّالِحِينَ غَيْرَ خَزَايَا وَلا مَفْتُونِينَ وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ، يَا خَيْرَ مَنْ دَعَاهُ دَاعٍ وَأَفْضَلَ مَن رَجَاهُ رَاجٍ يَا قَاضِي الْحَاجَاتِ، وَمُجِيبَ الدَّعَواتِ، هَبْ لَنَا مَا سَألناهُ، وَحَقق رَجَاءَنا فِيمَا تَمَنَيْنَاهُ، يَا مَنْ يَملِكُ حَوَائِجَ السَّائِلِينَ وَيَعْلَمُ مَا فِي صُدُورِ الصَّامِتِينَ أَذِقْنَا بَرْدَ عَفْوِكَ وَحَلاوَةِ مَغْفِرَتِكَ وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فصل) : ومِِمَّا يَتَأَكَّدُ اجْتِنَابِهِ وَلا يَتِمُّ الصِّيَامُ لِمَنْ لَمْ يَجْتَنِبْهُ النَّظَرُ إلى الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ وَالرَّجُلِ الأَمْرَدِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ شَرْعِيَّةٍ لأَنَّ الْمَرْأَةَ كُلُّهَا عَوْرَةٌ لا يَصِحُّ أَنْ يَرَى مَنْ لَيْسَ مِنْ مَحَارِمِهَا شَيْئًا مِنْ جَسَدِهَا وَلا شَعْرَهَا الْمُتَّصِلِ بِهَا وَمَا تَفْعَلُهُ بَعْضُ نِسَاءِ هَذَا الزَّمَانِ مِنْ التَّبَرُّجِ وَالتَّجَمُّلُ فِي الأَسْوَاقِ مَا هُو مُجَاهَرَةٌ بِالْمَعَاصِي وَتَشَبُّهُ بِنِسَاءِ الإفْرَنْجِ. فَمِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ وَأَفْظَعَهَا خُرُوجُ الْمَرْأَةُ كَاشِفَةً رَأْسِهَا أَوْ عُنُقَها أَوْ نَحَرَهَا أَوْ ذِرَاعَيْهَا أَوْ سَاقَيْهَا أَوْ وَجْهِهَا أَوْ الْجَمِيعَ أَوْ الثِّيَابِ الْمُظْهِرَةِ

стр. 388

لِلْمَفَاتِنِ أَوْ اللِّبَاسِ الشَّفَافِ الذي وَجُودُهُ كَعَدَمِهِ لا يَسْتُرُ مَا تَحْتَهُ فَهَذَا دَاخِلٌ فِي التَّبَرجُّ فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَمْنَعَ نِسَاءَهُ وَمَنْ لَهُ عَلَيْهِنَّ وِلايَة وَيَقْبَلْنَ مِنْهُ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ وَيُلِزْمُهُنَّ السِّتَر وَالتَّحفُّظَ ويَنْصَحَ إِخْوَانَهُ الْمُهْمِلِينَ لِلمُتَّصِفَاتِ بِذَلِكِ. وَمِنْ الآدَابِ التِي أَمَرَ الله تَعَالَى بِهَا نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَنهُنَّ القُدْوَةُ الْحَسَنَةَ فِي العَفَافِ وَالتُّقَى وَالتَّسَتُّرِ وَالْحَيَاءِ وَالإيمانِ وَمَعَ حَيَاءِ النَّاسِ مِنْهُنَّ وَاحْتِرَامِهِمْ لَهُنَّ مَا ذَكَرَهُ تَعَالى فِي سُورَةِ الأَحْزَابِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ . قَالَ مُقَاتِلُ: التَّبَرُّجُ أَنَّهَا تُلْقِي الْخِمَارَ عَلَى رَأْسِهَا وَلا تَشُدُّهُ فَيُوَارِي قَلائِدَهَا وَقُرْطَهَا وَعُنُقَهَا وَيَبْدُو ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْهَا وَذَلِكَ التَّبَرُّجُ. وَقَالَ تَعَالى آمِرًا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ عَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فَلا يَنْظُرُوا إِلا لِمَا أَبَاحَ لَهُمْ النَّظَرُ إِلَيْهِ: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ . قَالَ أَبُو حَيَّانٍ فِي تَفْسِيرِهِ: قُدِّمَ غَضُّ البَصَرِ عَلَى حِفْظِ الفُرُوج لأَنَّ النَّظَرَ بَرِيدُ الزِّنَا وَرَائِدُ الفُجُورِ وَالبَلْوَى فِيهِ أَشَدُّ وَأكْثَرُ لا يَكَادُ يَقُدْرُ عَلَى الاحْتِرَازِ مِنْهُ، وَهُو البَابُ الأَكْبَرُ إلى القَلْبِ وَأَعْمَرُ طُرُقِ الْحَوَاسِّ إِلَيْهِ وَيَكْثُرُ السُّقُوطُ مِنْ جِهَتِهِ. وَقَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ ، وَقَالَ تَعَالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ ، قَالَ البَغَوِي: أَيْ خِيَانَتُهَا، وَهِيَ اسْتِرَاقُ النَّظَرِ إِلى مَا لا يَحِلُّ. قَالَ مُجَاهِدُ: هُوَ نَظَرُ الأَعْيُنِ إلى َمَا نَهَى اللهُ عَنْهُ. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 389

قَالَ: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ، الْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلاَمُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. شِعْرًا: تَخَيَّرَ مِنَ الطُّرْقِ أَوْسَاطَهَا ... وَعَدِّ عَنِ الجَانِب المُشْتَبِهْ وسَمْعَكَ صُنْ عن سَمَاعِ القَبِيحِ ... كَصَوْنِ اللِّسَانِ عَنِ النُّطْقِ بِهْ فَإِنَّكَ عِنْدَ اسْتِمَاعِ القَبِيحِ ... شَرِيكٌ لِقَائِلِهِ فَانْتَبِهْ وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْنِي عَنْ رَبِّهِ : «النَّظْرَةُ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَنْ تَرَكَهَا مِنْ مَخَافَتِي أَبْدَلْتُهُ إِيمَانًا يَجِدُ حَلاوَتُهُ فِي قَلْبِهِ» . وَرَوَى الأصْبَهَاني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «كُلُّ عَيْنٍ بَاكِيَةٌ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلا عَيْنًا غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ، وَعَيْنًا سَهِرَتْ في سَبِيلِ اللهِ، وَعَيْنًا خَرَج مِنْهَا مِثْلُ رَأْسِ الذُّبَابِ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ» . وَأَخْرَجَهُ الإمَامُ أًحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَقَالَ: صَحِيحُ الإِسْنَادِ. وَاعْتَرَضَهُ المُنْذِرِي. عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ: «اضْمَنُوا لِى سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنُ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا ائْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ» . وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: وَالنَّظَرُ أَصْلُ عَامَّةِِ الحَوَادِثِ التي تُصِيبُ الإِنْسَانَ فَإِنَّ النَّظْرَةَ تُوَلِّدُ خَطْرَةً، ثُمَّ تُوَلِّدُ الخَطْرَةُ فِكْرَةً، ثُمَّ تُوَلِّدُ الفِكْرَةُ شَهْوَةً، ثُمَّ تُوَلِّدُ الشَّهْوَةُ إِرَادَةً ثُمَّ تَقْوَى فَتَصِيرُ عَزِيمَةً جَازِمَةً فَيَقَعْ الفِعْلُ وَلا بُدَّ مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ. وَفي هَذَا قِيلَ: الصَّبْرُ عَلَى غَضِّ النَّظَرَ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى أَلَمٍ بَعْدَه.

стр. 390

كُلُّ الحَوَادِثِ مَبْدَاهَا مِنَ النَّظَرِ ... وَمُعْظَمُ النَّارِ مِن مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ وَالعَيْنُ أَصْلْ عِنَاهَا فِتْنَةُ النَّظَرِ ... وَالقَلْبُ كُلُّ أَذاهُ الشُّغْلُ بِالفِكَرِ كَمْ نَظْرَةٍ نَقَشَتْ في القَلْبِ صُورَةَ من ... رَاحَ الفُؤَادُ بِهَا في الأسْرِ وَالحَذَرِ وَالمَرْءُ مَا دَامَ ذَا عَيْنٍ يُقَلِّبُهَا ... في أَعْيُنِ العِيْن مَوقُوفٌ على الخَطَر يَسُرُّ مُقْلَتَهُ مَا ضَرَّ مُهْجَتَهُ ... لا مَرْحَبًا بِسَرُورٍ جَاءَ بِالضَّرَرِ فَالقَلْبُ يَحْسُدُ نُورَ العَيْنِ إِذَْ نَظَرَتْ ... وَالعَيْنُ تَحْسُدُهُ حَقًا عَلَى الفِكَرِ يَقُولُ قَلْبِي لِعَيْنِي كُلَّمَا نَظَرَتْ ... كَمْ تَنْظُرِينَ رَمَاكِ اللهُ بِالسَّهَرِ فَالعَيْن تُورثُهُ هَمًا فَتُشْغِلُهُ ... وَالقَلْبُ بالدَّمْعِ يَنْهَاهَا عَنِ النَّظَرِ هَذَانِ خَصْمَانِ لا أَرْضَى بِحُكْمِهِمَا ... فَاحْكُمْ فَدَيْتُكَ بَيْنَ القَلْبِ وَالبَصَرِ اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَا وَفَّقْتَ إليه القَوْم وأَيْقِظْنَا من سِنة الغَفْلَةِ والنَّوم وارزِقْنَا الاستعدادَ لِذَلِكَ اليَوْمِ الذي يَرْبَحُ فيه المُتَّقُونَ، اللَّهُمَّ وعامِلنَا بإحْسَانِكَ وَجُدْ علينا بِفَضْلِكَ وامْتِنانِكَ واجعلنا من عِبادِكَ الذينَ لا خَوفٌ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنُون، اللَّهُمَّ ارحَمْ ذُلَّنَا بَيْنَ يَدَيْكَ واجعلْ رَغْبَتَنَا فِيما لَدَيْكَ، ولا تحرمنا بِذُنوبنا، ولا تَطْرُدْنَا بعُيوبنا، واغْفِرْ لَنِا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ منْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فصل) : وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَلِيّ: «يَا عَلي لا تُتْبِع النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِي. وفي حَدِيثِ جَرِيرٍ ﵁ قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ نَظْرَةِ الفُجَاءَةِ فَقَالَ: «اصْرِفْ بَصَرَكَ» . وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةِ ﵁ أن النَّبِي ﷺ قَالَ «إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ مِنْ امْرَأَةً
следующие страницы →