← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) وَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَهْلِهِ عَليَّ بنَ أَبِي طَالِب وَأَمَرَهُ بِالإِقَامَةِ فِيهِمْ فَأُرْجِفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا: مَا خَلَّفَهُ إِلا اسْتِشْقَالاً لَهُ وَتَخَفُفاً مِنْهُ فَلَمَّا قَالَ الْمُنَافِقُونَ ذَلِكَ أَخَذَ عَلِيٌّ سِلاحَهُ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالْجُرْفِ مَوْضِعٌ عَلَى ثَلاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ. فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ زَعَمَ الْمُنَافِقُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا خَلَّفْتَنِي أَنَّكَ اسْتَثْقَلْتَنِي وَتَخففْتَ مِنِّي فَقَالَ: ((كَذِبُوا وَلَكِنِّي إِنَّمَا خَلَّفْتُكَ لِمَا وَرَائِي فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِكَ أَفَلا تَرْضَي يَا عَلِيّ أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلا أَنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي)) . فَرَجَعَ عَلِيٌّ. وَعَقَدَ الأَلْوِيَةَ وَالرَّايَاتِ فَدَفَعَ لِوَاءَهُ إِلى أَبِي بَكْرٍ وَدَفَعَ رَايَتَهُ إِلى الزُّبَيْرِ وَدَفَعَ رَايَةَ الأَوْسِ إِلى أُسَيْدِ بنِ خُضَيْرٍ وَرَايَةَ الْخَزْرَجِ إِلى الْحَبَّاب بن الْمُنْذِرِ وَأَمَرَ كُلَّ بَطْنٍ مِنْ الأَنْصَارِ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ أَنْ يَتَّخِذُوا لِوَاءً أَوْ رَايَةً. وَخَرَجَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ قَاصِداً نَاحِيَةَ الشَّامِ فِي ثَلاثِينَ أَلْفاً مِنْ النَّاسِ وَالْخَيْلُ عَشْرَةُ آلافِ فَرَسٍ وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ رَئِيسَ الْمُنَافِقِينَ خَرَجَ فِي حُلَفَائِهِ مِنْ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ فَعَسْكَرَ بِهِمْ إِزَاءَ عَسْكَرِ رَسُولِ ِاللهُ ﷺ . فَلَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى السَّيْرِ تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللهِ بِنُ أُبَيّ وَمن كَانَ مَعَهُ كَمَا تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي غَزْوَة أُحُدٍ وَلَمْ يَكُنْ الطَّرِيقُ سَهْلاً وَلا السَّفَرُ قَرِيباً وَلا الْوَقْتُ مُلائِماً لِلسَّيْرِ إِنَّمَا كَانَ كَمَا تَقَدَّمَ زَمَانُ عُسْرَةٍ وَشِدَّةِ حَرٍّ وَجُدْبٍ وَحِينَ طَابَتِ الثَّمَارُ وَالظِّلالَ فَالنَّاسُ يُحِبُّونَ الْمَقَامَ فِي ثِمَارِهِمْ وَظِلالِهِمْ.

стр. 3432

وَلَكِنَّ الْجِهَادَ لِدَفْعِ عَدُوِّ مُهَاجِمٍ وَرَدِّ خَطَرٍ جَاثِمٍ عَلَى الأَبْوَابِ فَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ وَهُمْ أَهْلُ الدَّعْوَةِ وَحُمَاتُهَا لِيَنْكُلُوا عَنْ الْجِهَادِ مَهْمَا تَكُنِ الأَسْبَابُ غَيْرَ مُوَاتِيَةٍ وَمَهْمَا تَكُنِ الظُّرُوفُ غَيْرُ مُلائِمَةِ قَالَ تَعَالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . وَقَدْ قَاسَى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فِي هَذِهِ السَّفْرَةِ مَشَقَّةً عَظِيمَةً وَعَنْتاً وَنَصْباً كَثِيراً قَالَ قَتَادَةٌ: خَرَجُوا إِلى الشَّامِ عَامَ تَبُوكَ فِي لَهَبَانِ الْحَرِّ عَلَى مَا يَعْلمُ اللهُ مِنْ الْجُهْدِ فَأَصَابَهُمْ فِيهَا جُهْدٌ شَدِيدٌ حَتَّى لَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الرَّجُلَيْنِ كَانَا يَشُقَّانِ التَّمْرَةِ بَيْنَهُمَا وَكَانَ النَّفَرُ يَتَدَاوَلُونَ التَّمْرَةِ بَيْنَهُمْ يَمُصُهَا هَذَا ثُمَّ يَشْرَبُ عَلَيْهَا ثُمَّ يَمُصُهَا هَذَا ثُمَّ يَشْرَبُ عَلَيْهَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ حَدِّثْنَا عَنْ شَأْنِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ فَقَالَ عُمَرُ: خَرَجْنَا إِلى تَبُوكَ فِي قَيْضٍ شَدِيدٍ فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً وَأَصَابَنَا فِيهِ عَطَشٌ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّ رِقَابَنَا سَتَنْقَطِعُ وَحَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبَهُ ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ عَلَى كَبِدِهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ عَوَّدَكَ فِي الدُّعَاءِ خَيْراً فَادْعُ اللهَ لَنَا فَقَالَ: ((أَوَ تُحِبُّ ذَلِكَ)) ؟ قَالَ: نَعَمْ فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ إِلى السَّمَاءِ فَلَمْ يُرْجِعْهُمَا حَتَّى قَالَتْ السَّمَاءُ - أَيْ

стр. 3433

آذنَتْ بِمَطَرٍ فَأطَلَّلتْ ثُمَّ سَكَبَتْ فَمَلَؤُا مَا مَعَهُمْ ثُمَّ ذَهَبْنَا نَنْظُرُ فَلَمْ نَرَهَا جَاوَزَتْ الْعَسْكَرَ. وَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ أَيْضاً وَلَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَشَقَّةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي عَانَاهَا الْمُسْلِمُونَ فِي السَّيْرِ إِلى تَبُوكَ امْتِحَاناً مِن اللهِ لَهُمْ أَرَادَ بِهِ تَمْحِيصَ الْمُؤْمِنِينَ وَاسْتِخْلاصَهُمْ وَإِعْدَادَهُمْ لاحْمِاَلِ مَشَاقِّ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ وليَنْظِرُ مَبْلَغَ صَبْرَ الصَّابِرِينَ وَصِدْق الصَّادِقِينَ فِي سَبِيلِ الذَّبَ عَنْ دِينِهِمْ. فَكَانَ لا يَحْتَمِلُ هَذِهِ الْمَشَقَّاتُ إِلا الذِينَ لَهُمْ إِيمَانٌ عَمِيقٌ رَاسِخَةٌ عَقِيدَتُهُمْ أَمَا الذِينَ نَافَقُوا وَتَظَاهَرُوا بِالإِيمَانِ فَقَدْ تَضَعْضَعُوا وَضَعُفُوا وَخَارَتْ عَزَائِمُهُمْ فَكَانُوا يَتَسَلَّلُونَ مِنْ وَرَاءِ الصُّفُوف رَاجِعِينَ. وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَمَ مَوْعِظَة: عِبَادَ اللهِ إِنَّ الْحَيَاءَ كَمَا عَلِمْتُمْ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ وَإِنَّهُ خُلُقُ الإِسْلامِ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَجُرُّ إِلى الْكَمَالاتِ وَالْفَضَائِلِ وَهُوَ خُلُقُ الْكِرَامِ وَسِمَةُ أَهْلِ الْمُرُوءَةِ وَعُنْوَانُ الْفَضْل وَالنُّبْل. وَالْحَيَاءُ بَاعِثُهُ إِحْسَاسٌ رَقِيقٌ وَشُعُورٌ دَقِيقٌ يَبْدُو فِي الْعَيْنِ مَظْهَرُهُ وَعَلَى الْوَجْهِ أَثَرُهُ وَمَنْ حُرِمَهُ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ وَمَنْ تَحَلَّى بِهِ ظَفِرَ بِالْعِزِّ وَالْكَرَامَةِ وَنَالَ الْخَيْرَ أَجْمَع. وَلَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ هُمْ أَهْلُ الْحَيَاءِ فَعَلَيْنَا أَنْ نَفْتَدِيَ بِهِمْ فِي ذَلِكَ الْخُلُقِ الْجَمِيل وَلَقَدْ كَانَتْ نِسَاؤُهُمْ مِنْ شِدَّةِ حَيَائِهِنَّ إِذَا خَرَجْنَ لِحَاجَةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ لا يُرَى مِنْهَا شَيْئاً أَبَداً وَتَبْتَعِدُ عَن الرِّجَالِ لاصِقَةً بِالْجِدَارِ مُرْخِيَةً ثَوْبَهَا شِبْراً أَوْ ذِرَاعاً فِي ثَوْبِ رَثٍّ خَلِقٍ وَعَبَاءَةٍ كَذَلِكَ.

стр. 3434

مَضَى عَلَى هَذَا مُدَّةٌ من الزَّمَنِ ثُمَّ لَمَا غَشَوْنَا الأَجَانِبُ وَكَثِرُوا عِنْدَنَا وَهُمْ لا يَرَوْنَ فِي التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ بَأْساً ضَعُفَ دَاعِي الْحَيَاءِ وَأَثَّرُوا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النِّسَاءِ. وَلا شَكَّ أَنَّ التَّبَرُّجَ وَإِبْدَاءَ الزِّينَةِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِبْدَاءَهَا مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي يَجِبُ إِنْكَارُهَا وَمَنْعُهَا لِمَا يَنْشَأُ عَنْهَا مِنْ الْفَوَاحِشِ وَالْمَعَاصِي وَإِفْسَادِ الأَخْلاقِ وَإِلَيْكَ الأَدِلَّةُ الدَّالَةُ عَلَى تَحْرِيم السُّفُورِ وَالتَّبَرُّجِ. قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ فَهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ الاحْتِجَابُ عَن الرِّجَالِ. وَقَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ . وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾ الآيةَ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهَا تَشَوُّقٌ إِلى النِّكَاحِ بَأَنْ كَانَتْ تَرْجُوهُ عَلَيْهَا جُنَاحٌ وَهُوَ الإِثْمُ إِنْ وَضَعَتْ ثِيَابَهَا وَرَآهَا الأَجَانِبُ مِنْهَا فَالشَّابَاتُ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى لا يَجُوزُ لَهُنَّ وَضْعُ ثِيَابِهِنَّ لأنَّ الْفِتْنَةَ بِهِنَّ أَشَدُّ وَإِثْمُهُنَّ أَعْظَمُ فَتَأَمَّلْ. وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ﴾ الآيَةَ. وَأَعْظُمُ مَا تَبْدُو بِهِ الزِّينَةُ الْوَجْهُ.

стр. 3435

وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ وَوَجْهُ الدَّلالَةِ عَلَى الاحْتِجَابِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ قَدْ نُهِيَ عَنْ أَنْ تَضْرِبَ بِرِجْلِهَا إِذَا مَشَتْ لِيُسْمَعَ صَوْتُ خِلْخَالِهَا مِنْ يَسْمَعُهُ مِنْ الرِّجَالِ فَتَتَحَرَّكَ الشَّهْوَةُ فَكَيْفَ بِإبْدَاءِ الْوَجْهِ الذِي فِتْنَتُهُ أَعْظَمُ وَتَحْرِيكُهُ لِلشَّهْوَةِ أَشَدُّ وَهُوَ الذِي إِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ الإِنْسَانُ أَقْدَم أَوْ أَحْجَمَ. وَقَالَ تَعَالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ . قَالَ فِي فَتْح الْقَدِير: وَفِي هَذِهِ دَلِيل عَلَى تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلى غَيْرِ مَنْ يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ. أهـ. وَمِنْ الأَدِلَّةِ قَوْلُهُ تَعَالى نَاهِياً لأَزْوَاجِ النَّبِيّ ﷺ : ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ . هَذَا النَّهْيُ وَهَذَا التَّحْذِيرُ فِي عَهْدِ النَّبِيّ ﷺ فِي عَهْدِ الصَّفْوَةِ الْمُخْتَارَةِ مِنْ الْبَشَرِ لِصُحْبَةِ رَسُولِهِ اللهُ ﷺ فَكَيْفَ بِهَذَا الْمُجْتَمَعِ الذِي نَعِيشُ فِيهِ الْيَوْمَ فِي عَصْرِنَا الْمَرِيضِ الدَّنِسِ الْهَابِطِ الذِي تَهِيجُ فِيهِ الْفِتَنُ وَتَثُورُ فِيهِ الشَّهَوَاتِ وَتَرِفُ فِيهِ الأَطمَاعُ نَسْأَلَ الله أَنْ يُفِيضَ لِدِينِهِ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير وَبِالإِجَابَةِ جَدِير. ثُمَّ مِنْ الأَدِلَّةِ الدَّالَةِ عَلَى وُجُوبِ الْحِجَابِ وَالسَّتْرِ عَنْ الأَجَانِبِ مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ أَوْ حُمَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ إِمْرَأَةً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُر إِلَيْهَا لِخُطْبَةٍ وَإِنْ كَانَتْ لا تَعْلَمْ)) . رَوَاهُ أَحْمَدُ. اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِطَاعَتِكَ وَأَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَارْزُقْنَا الإِنَابَةَ إِلَيْكَ وَحُسْنَ التَّوَكُّلِ عَلَيْكَ وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ

стр. 3436

وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) : وَوَجْهُ الدَّلالَةِ أَنَّهُ ﷺ نَفَى الْجُنَاحَ وَهُوَ الإِثْمُ عَنْ الْخَاطِبِ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِلْخُطْبَةِ فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ النَّاظِرَ لِغَيْرِ الْخُطْبَةِ إِثْمُ. وَمِنْ الأَدِلَّةِ قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: «يُرْخِينَهُ شِبْراً» . قَالَتْ: إِذاً تَنَكَشِفْ أَقْدَامُهُنَّ قَالَ: «يُرْخِينَ ذِرَاعاً لا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» . وَوَجْهُ دَلالَتِهِ عَلَى وُجُوبِ التَّسَتُّر عَنْ الأَجَانِبِ أَنْ الْقَدَمَ وَهُوَ أَقَلُّ فِتْنَةٍ مِنْ الْوَجْهِ يَجِبُ سَتْرُهُ فَيَكُونُ وُجُوبُ سَتْرِ الْوَجْهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَمِنْ الأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِ التَّسَتُّرِ مَا وَرَدَ عَنْ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا إِلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاودَ وابن مَاجة. فَالْحَدِيثُ يَدُلُّ دَلالَةً وَاضِحَةً عَلَى وُجُوبِ تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ عَنْ الأَجَانِبِ إِذَا فَهِمَتْ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّقِي اللهَ وَيَأْخُذَ عَلَى أَيْدِي نِسَائِهِ وَيَمْنَعَهُنَّ مِمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِنَّ مِنْ السُّفُورِ وَالتَّبَرُّجِ. وَلا عِبْرَةَ بِالأَجَانِبِ الذِينَ تَرَبُّوا عَلَى السُّفُورِ وَنَشَؤُا عَلَيهِ وَقَلَّدُوا فِيهِ أَعْدَاءَ الإِسْلامِ وَصَارُوا لا يُبَالُونَ بِهِ وَبِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ مِنْ الْمَعَاصِي وَالْعِيَاذُ بِاللهِ مِنْ تَرْكِ صَلاةِ الْجَمَاعَةِ وَحُضُورِ مُنْكَرَاتٍ وَرُكُوبِ النِّسَاءِ بِلا مَحْرَمٍ وَخَلْوَةٍ بِالرِّجَالِ الأَجَانِبِ وَمُبَاشَرَتِهِمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ. شِعْرًا: ... إِذَا كَانَ الدَّبُورِ عَلَى أُنَاس ... أُتِيحَ لَهُمْ أَكَابِرَ مُعْتَدِينَا

стр. 3437

ذَوِي كِبْرٍ وَمَجْهَلَةٍ وَجُبْنٍ ... وَإِهْمَالٍ لِمَا يَتَوَقَّعُونَا وَإِنْ يُرِدِ الإِلَهُ صَلاحَ قَوْمٍ ... أَتَاحَ لَهُمْ أَكَابِرَ مُصْلِحِينَا ذَوِي رَأْيٍ وَمَعْرِفَةٍ وَفَهمٍ ... وَإِعْدَادٍ لِمَا قَدْ يَحْذُرُونَا وَلِذَالِكَ تَجِدْ أَهْل نَجْدٍ الَّذِينَ تَرَبَّوا فِي مَقَرِّ الدَّعْوَةِ يَسْتَنْكِرُونَ ذَلِكَ أَشَدَّ الإِنْكَارِ عَلَى مَنْ أَتَى مِنْ بِلادِ الْكُفَّارِ فَأَهْلُ نَجْدٍ إِذَا تَأَمَّلْتَ أَكْثَرَهُمْ وَجَدْتَ عِنْدَهُمْ مَحَبَّةً لِلدِّينِ وَأَهْلِهِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ قَالَ بَعْضُهُمْ: (دِيَار نَجْدٍ هِيَ لِلدُّنْيَا وَسَاكِنُهَا ... هُمُ الأَنَامُ فَقَابِلْهَا بِتَفْضِيلِ) (يَا مَنْ يُبَاهِي بِبُلْدَانٍ وَيَمْدَحُهَا ... نَجْدٌ مُقَدَّمَةٌ وَاسْمَعْ لِتَعْلِيلِ) (لأَنَّ فِيهَا حُدُودِ الشَّرْعِ نَافِذَةٌ ... وَغَيْرُهَا فِي قَوَانِينٍ وَتَضْلِيلِ) نَظْمٌ فِي الْحَثِّ عَلَى الأَخْذِ بِالْحَدِيثِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى الآرَاءِ. وَقَدِّمْ أَحَادِيثَ الرَّسُولِ وَنَصَّهُ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ قَدْ أَتَى بِإِزَائِهِ فَإِنْ جَاءَ رَأْيٌ لِلْحَدِيثِ مُعَارِضٌ فَلِلرَّأْي فَاِطْرَح وَاِسْتَرِحْ مِنْ عَنَائِهِ فَهَلْ مَعَ وُجُودِ الْبَحَرِ يَكْفِي تَيَمُّمٌ لِمَنْ لَيْسَ مَعْذُوراً لَدَى فُقَهَائِهِ وَهَلْ يُوقِدُ النَّاسُ الْمَصَابِيح لِلضِّيَا إِذَا مَا أَتَى رَدْؤُ الضُّحَى بِضِيَائِهِ سَلامِي عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ مَصَابِيحُ عِلْمٍ بَلْ نُجُومُ سَمَائِهِ بِهِمْ يَهْتَدِي مَنْ يَقْتَدِي بِعُلُومِهِمْ وَيَرْقَى بِهِمْ ذُو الدَّاءِ عِلَّةَ دَائِهِ

стр. 3438

.. وَيَحْيَا بِهِمْ مَنْ مَاتَ بِالْجَهْلِ قَلبُهُ فَهُمْ كَالْحَيَا تَحْيَ الْبِقَاعُ بِمَائِهِ لَهُمْ حُلَلٌ قَدْ زَيَّنَتَهُمْ مِنَ الْهُدَى ٍ إِذَا مَا تَرَدَّى ذُو الرَّدَا بِرِدَائِهِ وَمَنْ يَكُنِ الْوَحْيُ الْمُطَهَّرُ عِلْمُهُ فَلا رَيْبََ فِي تَوْفِيقِهِ وَاِهْتِدَائِهِ وَمَا يَسْتَوِي تَالِي الْحَدِيثِ وَمَنْ تَلا زَخَارِفَ مِنْ أَهْوَائِهِ وَهُذَائِهِ وَكُنْ رَاغِباً فِي الْوَحْي لا عَنْهُ رَاغِباً كَخَابِطِ لَيْلٍ تَائِهٍ فِي دُجَائِهِ إِذَا شَامَ بَرْقاً فِي سَحَابٍ مَشَى بِهِ وَإِلا بَقِي فِي شَكِّهِ وَاِمْتِرَائِهِ وَمَنْ قَالَ ذَا حِلٌّ وَهَذَا مُحَرَّمٌ بِغَيْرِ دَلِيْلٍ فَهْوَ مَحْضُ افْتِرَائِهِ وَكُلُّ فَقِيهٍ فِي الْحَقِيقَةِ مُدَّعٍ وَيَثْبُتُ بِالْوَحْيَيْنِ صِدْقُ ادِّعَائِهِ هُمَا شَاهِدَا عَدْلٍ وَلَكِنْ كِلاهُمَا لَدَى الْحُكْمِ قَاضٍ عَادِلٍ فِي قَضَائِهِ فَوَاحَرَّ قَلْبِي مِنْ جَهُولٍ مُسَوَّدٍ بهِ يُقْتَدَى فِي جَهْلِهِ لِشَقَائِهِ إِذَا قُلْتُ قَوْلَ الْمُصْطَفَى هُوَ مَذْهَبِيْ

стр. 3439

.. مَتَى صَحَّ عِنْدِي لَمْ أَقُلْ بِسَوائِهِ يَرَى أَنَّهَا دَعْوَى اجْتِهَادٍ صَحِيحَةٌ فَوَا عَجَباً مِنْ جَهْلِهِ وَجَفَائِهِ فَسَلْهُ أَقُولُ اللهِ مَاذَا أَجَبْتُمُ؟ لِمَنْ هُوَ يَوْمُ الْحَشْرِ عِنْدَ نَدَائِهِ أَيَسْأَلَهُمْ مَاذَا أَجَبْتُمْ مُلُوكَكُمْ وَمَا عَظَّمَ الإِنْسَانُ مِنْ رُؤَسَائِهِ أَمِ اللهُ يَوْمَ الْحَشْرِ يَمْتَحِنُ الْوَرَى بِمَاذَا أَجَابُوا الرُّسْلَ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَهَلْ يَسْأَلُ الإِنْسَانُ عَنِ غَيْرِ أَحْمَدٍ إِذَا مَا ثَوَى فِي الرَّمْسِ تَحْتَ ثَرَائِهِ وَهَلْ قَوْلُهُ يَا رَبُّ قَلَّدْتُ غَيْرَهُ لَدَى اللهِ عُذْرٌ يَوْمَ فَصْلٍ قَضَائِهِ اللَّهُمَّ قَنِعْنَا مِنْ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ وَسهل عَلَيْنَا كُلَّ أَمْرٍ عَسِير وَوَفِّقْنَا لِمَا تُحِبَّهُ وَتَرْضَاهُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير وَأَسْكِنَّا دَارَ كَرَامَتِكَ يَا مَنْ هُوَ مَلْجَؤُنَا وَمَلاذُنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِير وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً وَمِنْ كُلِّ ضَيْقٍ مَخْرَجاً وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) وَضَلَّلتْ نَاقَةُ رَسُولِ اللهِ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَخَرَجَ أَصْحَابُهُ فِي طَلَبِهَا وَعِنْدَ رَسُولِ اللهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ عِمَارَةُ بنُ حَزْمٍ الأَنْصَارِي.

стр. 3440

وَكَانَ فِي رَحْلِهِ زَيْدُ بنُ لُصَيْتٍ الْقَيْنُقَاعِي وَكَانَ مُنَافِقاً فَقَالَ زَيْدُ بن لُصَيْتُ وَهُوَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ وعمَارَةُ عِنْدَ رَسول اللهِ ﷺ : أَلَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ يُخْبِرُكُمْ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ وَهُوَ لا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعُمَارَةُ عِنْدَهُ: «إِنَّ رَجُلاً قَالَ: إِنَّ مُحَمَّداً يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يخْبِرُكمُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ وَهُوَ لا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَعْلَمُ إِلا مَا أَعْلمِنِي اللهُ وَقَدْ دَلَّنِي اللهُ عَلَيْهَا وَهِيَ فِي الْوَادِي فِي شِعْب كَذَا وَكَذَا قَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا فَانْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا بِهَا» . فَذَهَبُوا فَجَاؤُا بِهَا وَقَدْ وَجَدَهَا الْحَارِثُ بنُ خزمَةَ الأَشْهَلِي كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ زَيْدٌ: لَكَأَنِّي لَمْ أُسْلِمْ إِلا الْيَوْمَ فَقَدْ كُنْتُ شَاكاً فِي مُحَمَّدٍ وَقَدْ أَصْبَحْتُ وَأَنَا فِيهِ ذُو بَصِيرَةٍ أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ فَفِي هَذِهِ الْقِصَّة مُعْجِزَة وَاضِحَة. ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ سَائِراً فَجَعَلَ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ الرَّجُلُ فَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللهِ تَخَلَّفَ فُلانٌ فَيَقُولُ: «دَعُوهُ فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللهُ بِكُمْ وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُم اللهُ مِنْهُ» . حَتَّى قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍ وَأَبْطَأَ بِهِ بَعِيرِه فَقَالَ: «دَعُوهُ فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللهُ بِكُمْ وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُم اللهُ مِنْهُ» . وَتَلَوَّمَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى بَعِيرِهِ فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ بَعِيرُهُ - أَيْ انْقَطَعَ - أَخَذَ الْمَتَاعَ مِنْ عَلَيْهِ فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ خَرَجَ يَتْبَعُ أَثْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَاشِياً وَنَزَلَ رَسُول اللهِ ﷺ مَنَازِلَهُ

стр. 3441

فَنَظَرَ نَاظِرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: يَا رسُولَ اللهِ إِنَّ هَذَا رَجُلٌ يَمْشِي عَلَى الطَّرِيقِ وَحْدَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُنْ أَبَا ذَرٍّ» . فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ الْقَوْمُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ - وَاللهِ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «رَحَمَ اللهُ أَبَا ذَرٍّ يَمْشِي وَحْدَهُ وَيَمُوتُ وَحْدَهُ وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ» . وَقَدْ تَحَقَّقَ قَوْلُهُ ﷺ فَإِنَّ عُثْمَانَ ﵁ لَمَّا نَفَى أَبَا ذَرٍّ نَزَلَ أَبُو ذَرٍّ الرَّبْذَةَ فَأَصَابَهُ بِهَا قَدَرُهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتُهُ وَغُلامُهُ فَأَوْصَاهُمَا أَنْ غَسِّلانِي وَكَفَّنَانِي. ثُمَّ ضَعَانِي عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَأَوَّلُ مَرْكَبٍ يَمُرُّ بِكُمْ فَقُولُوا لَهُ: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ فَلَمَّا مَاتَ فَعَلا ذَلِكَ بِهِ ثُمَّ وَضَعَاهُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ. فَأَقْبَلَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ ﵁ وَرَهْطٌ مَعَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَمَّاراً فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلا جَنَازَةٌ عَلَى الطَّرِيقِ قَدْ كَادَتْ الإِبْلُ تَطَؤُهَا وَقَامَ الْغُلامُ فَقَالَ: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ. فَاسْتَهَلَّ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ يَبْكِي وَيَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَمْشِي وَحْدَكَ وَتَمُوتُ وَحْدَكَ وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ. ثُمَّ نَزَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَوَارَوهُ ثُمَّ حَدَّثَهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَهُ وَمَا قَالَهُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَسِيرِهِ إِلى تَبُوكَ وَاسْمُ أَبِي ذَرٍّ (جُنْدُبُ بنُ جُنَادَةَ) وَمَاتَ فِي سَنَة ٣٢ هـ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ حِزْبِكَ الْمُفْلِحِينَ، وَعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ الذِينَ أَهَّلْتَهُم لِخِدْمَتِكَ وَجَعَلْتَهُمْ آمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ فَاعِلِينَ لَهُ، وَنَاهِينَ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَمُجْتَنِبِينَ لَهُ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ

стр. 3442

مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) : وَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ فِي قِصَّةِ وَفَاتِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن الأَشْتَرِ عَنْ أَبِيهِ: عَنْ أُمِّ ذَرٍّ قَالَتْ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا ذَرٍّ الْوَفَاةُ بَكَيْتُ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقُلْتُ: مَا لِي لا أَبْكِي وَأَنْتَ تَمُوتُ بِفَلاةٍ مِنْ الأَرْضِ وَلَيْسِ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُكَ كَفَناً وَلا يَدَانِ لِي فِي تَغْيِيبِكَ. قَالَ: أَبْشِرِي وَلا تَبْكِي فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِنَفَرٍ أَنَا فِيهِمْ: «لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلاةٍ مِنْ الأَرْضِ يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» . وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ النَّفَرِ إِلا وَقَدْ مَاتَ فِي قَرْيَةٍ وَجَمَاعَةٍ فَأَنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ فَوَاللهِ مَا كَذَبْتُ وَلا كُذِبْتُ فَأَبْصِرِي الطَّرِيقَ فَقُلْتُ: أَنَّى وَقَدْ ذَهَبَ الْحَاجُ وَتَقَطَّعَتِ الطُّرُقُ. فَقَالَ: اذْهَبِي فَتَبَصَّرِي قَالَتْ: فَكُنْتُ أَشْتَدُّ إِلى الْكَثِيبِ أَتَبَصَّرُ ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَمَرِّضَهُ فَبَيْنَا أَنَا وَهُوَ كَذَلِكَ إِذَا أَنَا بِرِجَالٍ عَلَى رِحَالِهِمْ كَأَنَّهُمْ الرَّخْمُ تَخِبُّ بِهِمْ رَوَاحِلُهُمْ قَالَتْ: فَأَشَرْتُ إِلَيْهِمْ فَأَسْرَعُوا إِلَيَّ حَتَّى وَقَفُوا عَلَيَّ. فَقَالُوا: يَا أَمَةَ اللهِ مَا لَكِ؟ قُلْتُ: امْرُؤٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَمُوتُ قَالُوا: وَمَنْ هُوَ؟ قُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ. قَالُوا: صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَفَدَّوْهُ بِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَأَسْرَعُوا إِلَيْهِ حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُمْ: أَبْشِرُوا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِنَفَرٍ أَنَا فِيهِمْ: «لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلاةٍ مِنْ الأَرْضِ يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» . وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النَّفَر رَجُلٌ إِلا وَقَدْ هَلَكَ فِي جَمَاعَةٍ. وَاللهِ مَا كَذَبْتُ وَلا كُذِبْتُ وَإِنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُنِي كَفَناً لِي أَوْ لامْرَأَتِي لَمْ أُكَفَّنْ إِلا فِي ثَوْبٍ هُوَ لِي أَوْ لَهَا وَإِنِّي أنْشُدُكُمْ اللهَ أَنْ لا

стр. 3443

يُكَفِّنَنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ كَانَ أَمِيراً أَوْ عَرِيفاً أَوْ بَرِيداً أَوْ نَقِيباً وَلَيْسَ أَحَدٌ إِلا وَقَدْ قَارَفَ بَعْضَ مَا قَالَ إِلا فَتَىً مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: أَنَا أَكفِنُكَ يَا عَمَّ أُكَفِّنُكَ فِي رِدَائِي هَذَا وَفِي ثَوْبَيْنِ فِي عَيْبَتِي مِنْ غَزْلِ أُمِّي قَالَ: فَأَنْتَ تُكَفِّينُنِي فَكَفَّنَهُ الأَنْصَارِيُّ وَقَامُوا عَلَيْهِ وَدَفَّنُوهُ فِي نَفَرٍ كُلُّهُمْ إِيمَان. وَفِي هَذِهِ القصة أيضاً مُعْجِزَةٌ حيثُ وَقَعَ طِبْقَ مَا أَخْبَرَ بِهِ ﷺ فَتَأَمَّلْ. قال ابن إسحاق: ثم إن أَبَا خَيْثَمَةَ رَجَعَ - بَعْدَ مَا سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَيَّاماً إِلى أَهْلِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍ فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ فِي عَرِيشٍ لَهُمَا فِي حَائِطِهِ قَدْ رَشَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا وَبَرَّدَتْ لَهُ فِيهِ مَاءً وَهَيَأتْ لَهُ فِيهِ طَعَاماً. فَلَمَّا دَخَلَ قَامَ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ فَنَظَرَ إِلى امْرَأَتَيْهِ وَمَا صَنَعَتَا لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فِي الضَّحِّ - لَهَبُ الشَّمْسِ وَحَرَارَتُهَا - وَالرِّيحِ وَالْحَرِّ وَأَبُو خَيْثَمَةَ فِي ظِلِّ بَارِدٍ وَطَعَامٍ مُهَيَّأٍ وَامْرَأةٍ حَسْنَاء فِي مَآلِهِ مُقِيمٌ مَا هَذَا بِالنَّصَفِ وَالْعَدْلِ. ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ لا أَدخُلَ عَرِيشَ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَتَّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَهيئا لِي زَاداً فَفَعَلَتَا ثُمَّ قَدَّمَ نَاضِحَهُ فَارْتَحَلَهُ - أَيْ أَحْضَرَ جَمَلَهُ فَوَضَعَ عَلَيْهِ الرَّحْلَ وَأَعَدَّهُ لِلسَّفَرِ -. ثُمَّ خَرَجَ فِي طَلَبِ رَسُول اللهِ ﷺ حَتَّى أَدْرَكَهُ حِينَ نَزَلَ تَبُوكَ وَكَانَ عِنْدَمَا أَقْبَلَ قَالَ النَّاسُ: هَذَا رَاكِبٌ عَلَى الطَّرِيقِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ» . فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ

стр. 3444

هُوَ وَاللهِ أَبُو خَيْثَمَةَ فَلَمَّا أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ أَقْبَلَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَيْراً وَدَعَا لَهُ بِخَيْرٍ» . وَفِي هَذِهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ حَيْثَ وَقَعَ طِبْقَ مَا أَخْبَرَ. وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ وَدِيعَةُ بنُ ثَابِتٍ وَمِنْهُمْ مَخْشِيٌّ بنُ حِمْيَرَ قَالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أَتَحْسَبُونَ جِلادَ بَنِي الأَصْفَرِ كَقِتَالِ الْعَرَبِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً وَاللهِ لَكَأَنَّكُمْ غَداً مُقَرَّنِينَ فِي الْحِبَالِ إِرْجَافاً وَإِرْهَاباً لِلْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: مَخْشِيُ وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقَاضَى عَلَى أَنْ يُضْرَبَ كُلُّ مِنَّا مَائِةَ جَلْدَةً وَأَنَّا نَنْقَلِبُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْانٌ لِمَقَالَتِكُمْ هَذِهِ وَقَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِعَمَّارِ بن يَاسِرٍ: «أَدْرَكَ الْقَوْمَ فَإِنَّهُمْ قَدْ احْتَرَقُوا فَسَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ بَلَى قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا» . فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْ عَمَّارُ فَقَالَ ذَلِكَ لَهُمْ. فَأَتَوا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ فَقَالَ وَدِيعَةُ بنُ ثَابِتٍ: كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ . فَقَالَ مَخْشِيُ بنُ حِمْيَرَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَعَدَ بِي اسْمِي وَاسْمُ أَبِي فَكَانَ الذِي عَفَا عَنْهُ فِي هَذِهِ الآيةِ وَتَسَمَّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ وسأل اللهَ أَنْ يُقْتَلَ شَهِيداً لا يُعْلَمُ بِمَكَانِهِ فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أَثَرٌ، فَفِي هَذِهِ الْقِصَّةَ مُعْجِزَةٌ أَيْضاً وَهِيَ إِخْبَارُهُ بِمَا قَالُوا. قَالَ ابْنُ الْقَيِّم ﵀: وَذَكَرَ ابْنُ عَائِذٍ فِي مَغَازِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَزَلَ تَبُوكَ فِي زَمَانٍ قَلَّ مَاؤُهَا فِيهِ فَاغْتَرَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 3445

وَسَلَّمَ غُرْفَةً بِيَدِهِ مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ بِهَا فَاهُ ثُمَّ بَصَقَهُ فِيهَا فَفَارَتْ عَيْنُهَا حَتَّى امْتَلأَتْ فَهِيَ كَذَلِكَ حَتَّى السَّاعَةَ. قُلْتُ: فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَيْهَا قَالَ «إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَداً إِنْ شَاءَ اللهُ تَعالَى - عَيْنَ تَبُوكَ وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِىَ النَّهَارُ فَمَنْ جَاءَهَا فَلاَ يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئاً حَتَّى آتِىَ» . قَالَ: فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلاَنِ وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيْْءٍ مِنْ مَائِهَا فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ «هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئاً» ؟ قَالاَ: نَعَمْ. فَسَبَّهُمَا وَقَالَ لَهُمََا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ غَرَفُوا مِنَ الْعَيْنِ قَلِيلاً قَلِيلاً حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْْءٍ ثُمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ كَثِيْرٍ فاسْتَقَى النَّاسُ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ أَنْ تَرَى مَا هَا هُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَاناٌ» . وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ قُمْتُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللهُ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَرَأَيْتُ شُعْلَةً مِنْ نَارٍ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ فَاتَّبَعْتُهَا أَنْظُرُ إِلَيْهَا فَإِذَا رَسُولِ اللهُ ﷺ وَأَبُو بَكْر وَعُمَرُ وَإِذَا عَبْدُ اللهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ وَالْبِجَادُ الْكِسَاءُ الأَسْوَدُ الْغَلِيظُ - الْمُزَنِيُّ قَدْ مَاتَ. وَإِذَا هُمْ قَدْ حَفَرُوا لَهُ وَرَسُولُ اللهُ ﷺ فِي حُفْرِتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُدْلِيَانِهِ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: ((أَدْنِيَا إِلَيَّ أَخَاكُمَا)) . فَدَلَيَّاهُ إِلَيْهِ

стр. 3446

فَلَمَّا هَيأَهُ لِشَقِّةِ قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ أَمْسَيْتُ رَاضِياً عَنْهُ فَارْضَ عَنْهُ)) . قَالَ: يَقُول عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ صَاحِبَ الْحُفْرَةِ. وَلَمَّا وَصَلَ ﷺ إِلى تَبُوكَ وَصَارَ عَلَى حُدُودِ دَوْلَةِ الرُّومِ لَمْ يَجِدْ أَحَداً مِنْ الْعَدُوِّ وَمِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنْ يَكُونَ الرُّوم آثرُوا الإنْسِحَابَ إِلى دَاخِلِ بِلادِ الشَّامِ لِيَتَحَصَّنُوا بِحُصُونِهَا حِينَ بَلَغَهُمْ أَمْرَ هَذَا الْجَيْشِ وَقُوَّتَهُ. وَأَيُّمَا كَانَ الْوَاقِعُ فَقَدْ وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ تَبُوكَ لَمْ يُجَاوِزْهَا وَبَعَثَ سَرَايَاهُ إِلى مَنْ حَوْلَ تَبُوكَ فَأَتَاهُ صَاحِبُ إيْلة فَصَالَحَهُ وَأَعْطَاهُ الْجِزْيَةَ وَأَتَاهُ أَهْلَ جِرْبَاءَ وَأَذْرُحْ فَأَعْطُوهُ الْجِزْيَةَ وَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ كِتَاباً فَهُوَ عِنْدَهُمْ. وَكَتَبَ لِصَاحِبِ إِيلَةَ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا أَمَنَةٌ مِنْ اللهِ وَمُحَمَّدِ النَّبِي رَسُولِ اللهِ لِيُوحِنَةَ بن ذُؤْبَةَ وَأَهْل إِيلةَ لِسُفْنِهِمْ وَلِسَيَّارَاتِهِمْ وَلِبَحْرِهِمْ وَلِبَرِّهِمْ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِي وَلِمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ كُلِّ مَارٍ مِنَ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْيَمَنِ وَأَهْلِ الْبَحْرِ. فَمَنْ أَحْدَثَ مِنْهُمْ حَدَثاً فَإِنَّهُ لا يَحُولُ مَالُهُ دُون نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لِمَنْ أَخَذَهُ مِن النَّاسِ وَإِنَّهُ لا يَحِلُّ أَنْ يُمْنَعُوا مَاءً يَردُونَهُ وَلا طَرِيقاً يَرِدُونَهَا مِنْ بَرٍ وَبَحْرٍ هَذَا كِتَابُ جُهَيْمٍ بن الصَّلْتِ. أ.هـ. اللَّهُمَّ قَوِّ إِيمَانَنَا بِكَ وَبِمَلائِكَتِكَ وَبِكُتُبِكَ وَبِرُسُلِكَ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا. اللَّهُمَّ اسْلُكْ بِنَا سَبِيلَ عِبَادِكَ الأَبْرَارِ وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارَ وَامْنُنْ عَلَيْنَا بِالْعَفْوِ وَالْعِتْقِ مِن النَّارِ وَاحْفَظْنَا مِنْ الْمَعَاصِي فِيمَا بَقِيَ مِنْ الأَعْمَارِ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ

стр. 3447

بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) وَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ. فَجَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلاً. فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلاَنِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكِلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللهِ. وَجَاءَه كَعْبُ بنُ مَالِكٍ فَلَمَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ ثُمَّ قَالَ له: «تَعَالَ» . قَالَ: فَجِئْتُ أَمْشِى حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِيْ: «مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟» . فَقُلْتُ: بَلَى وَاللهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلاً وَلَكِنْي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّى لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَىَّ. وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ، تَجِدُ عَلَىَّ فِيهِ، إِنِّى لأَرْجُو عَفْوَ اللهِ لاَ وَاللهِ مَا كَانَ لِى مِنْ عُذْرٌ وَاللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلاَ أَيْسَرَ مِنِّى حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ فقُمْ حَتَّى يَقْضِىَ اللهُ فِيكَ» . فَقُمْتُ. وَسَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ، فاتَّبَعُوْنِيْ يُؤنِبُوْنَنِيْ، فَقَالُوا لِيْ: وَاللهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْباً قَبْلَ هَذَا ولقدْ عَجَزْتَ أَنْ لاَ تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافَِيكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَكَ.

стр. 3448

قَالَ: فَوَاللهِ، مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِى حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِىَ هَذَا مَعِى أَحَدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ رَجُلاَنِ قَالاَ مِثْلَ مَا قُلْتَ، فقِيلَ لَهُمَا مِثْلَ الذِيْ قِيلَ لَكَ. فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَمْرِىُّ وَهِلاَلُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيْ، فَذَكَرُوا لِى رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ شَهِدَا بَدْراً فِيهِمَا أُسْوَةٌ. فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي. وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلاَمِنَا أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ - مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ. فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وَتَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِى نَفْسِي الأَرْضُ، فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً. فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا، وَقَعَدَا فِى بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ وأَشْهَدُ الصَّلاَةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ، وَلاَيُكَلِّمُنِى أَحَدٌ وَآتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فأسَلِّمُ عَلَيْه، وَهُوَ فِى مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاَةِ فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلاَمِ عَلَىَّ أَمْ لاَ. ثُمَّ أُصَلِّى قَريْباً مِنْهُ، فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ. فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلاَتِي أَقْبَلَ إِلَيَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَىَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ: مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ - وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلاَمَ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُكَ اللهَ، هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ. فَعُدْتُ لَهُ، فَنَشَدْتُهُ، فَسَكَتَ. فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ.

стр. 3449

فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَاىَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ. فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِى بِسُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيُّ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ، يَقُولُ مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَاباً مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلاَ مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِيكَ. فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أَيْضاً مِنَ الْبَلاَءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُا حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الْخَمْسِينَ إِذَا رَسُولِ اللهِ ﷺ يَأْتِيْنِيْ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ. فَقُلْتُ: أُطَلِّقْهَا؟ أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ بِهَا؟ قَالَ: لاَ ولكِنْ اعْتَزِلْهَا فَلاَ تَقْرَبَنَّهَا. وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي: الْحَقِى بِأَهْلِكِ، فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ هَذَا الأَمْرَ. فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلاَلِ بْنِ أُمَيَّةَ، فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ، لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ . قَالَ: «لاَ وَلَكِنْ لاَ يَقْرَبَنَّكِ» . قَالَتْ: إِنَّهُ وَاللهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ وَالله مَا زَالَ يَبْكِي مُنذْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِه هَذَا. قَالَ كَعْبُ: فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللهِ فِي امْرَأَتِكَ كَمَا أَذِنَ لإمْرَأةِ ِهِلاَلِ بْنِ أُمَيَّةَ أنْ تَخْدُمُهُ؟ فَقُلْتُ: وَاللهِ لاَ أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ لِي رَسُولُ اللَّهِ إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌ

стр. 3450

قَالَ: فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، حَتَّى كَمُلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ كَلاَمِنَا. فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلاَةَ الْفَجْرَ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَاَلَى، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بأعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ. فَخَرَرْتُ سَاجِداً، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجُ مِنْ الله وَأَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاَةَ الْفَجْرِ. فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونِنا وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَىَّ فَرَساً وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ، فَأَوْفَى عَلَى ذِرْوَةِ الْجَبَلِ وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ إِلَىَّ مِنَ الْفَرَسِ. فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعَتُ لَهُ ثَوَبِيَّ فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُما بِبُشْرَاهُ، وَوَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا. وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا. فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجاً فَوْجاً يُهَنِّئُونِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِيَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ قَالَ كَعْبُ: حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فإذا رَسُولِ اللهُ ﷺ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ،حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، والله مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ وَلاَ أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. فلمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولُ اللَّهِ قَالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» . قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا

стр. 3451

رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: «لاَ، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)) . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكَنَّا نَعْرَفُ ذَلِكَ مِنْهُ. فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَقالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» . قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَر َ. وقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لاَ أُحَدِّثَ إِلاَّ صِدْقاً مَا بَقِيتُ. فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَداً مِنَ الْمُسْلِمِينَ ابْتَلاَهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنذْ ذَكَرَتُ ذَلِكَ لرَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هذَا ِمَّا ابْلاَنِي. والله مَا تَعَمَّدْتُ بعد ذَلِكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِباً وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيتَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ (١٩: ١١٧ - ١١٩) ﴿لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ إلى قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ . فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَىَّ نِعْمَةٍ قط بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلإِسْلاَمِ - أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ لاَ أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوهُ حِينَ نَزَلَ الْوَحْي شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ قَالَ: (٩: ٩٥، ٩٦) ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ إلى قوله – فَإِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ . قَالَ كَعْبٌ: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَأَرْجَأَ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى

стр. 3452

اللَّهُ فِيهِ فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خَلَّفَنَا عَنِ الْغَزْوِ وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدِ الدَّارِمِي: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ صَالِحٍ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيّ بن أَبِي طَلْحَة عَنْ ابْن عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ (٩: ١٠٢) : ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ قَالَ: (كَانُوا عَشْرَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. فَلَمَّا حَضَرَ رُجُوعُ رَسُولِ اللهِ أَوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ بِسَوَارِي الْمَسْجِدِ. وَكَانَ مَمَرُّ النَّبِيّ ﷺ إِذَا رَجَعَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: «مَنْ هَؤُلاءِ الْمُوثِقُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي» ؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو لُبَابَة وَأَصْحَابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْثَقُوا أَنْفُسَهُمْ وَحَلَفُوا أَنَّهُمْ لا يَطْلِقُهُمْ أَحَدٌ حَتَّى يُطْلِقَهُمُ النَّبِي ﷺ وَيَعْذُرَهُمْ. فَقَالَ: «وَأَنَا أُقْسِمُ بِاللهِ لا أُطْلِقُهُمْ وَلا أَعْذُرُهُمْ حَتَّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الذِي يُطْلِقُهُمْ رَغِبُوا عَنِّي، وَتَخَلَّفُوا عَنْ الْغَزْو مَعَ الْمُسْلِمِينَ» . فَلَمَّا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ قَالُوا: وَنَحْنُ نُقْسِمُ بِاللهِ لا نَطْلِقُ أَنْفُسَنَا حَتَّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الذِي يُطَلِّقُنَا فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وَعَسَى مِن اللهِ وَاجِبٌ ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . فَلَمَّا نَزَلَتْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ النَّبِيُّ ﷺ فَأَطْلَقَهُمْ، وَعَذَرَهُمْ فَجَاءُوا بِأَمْوَالِهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ أَمْوَالُنَا فَتَصَدَّقْ بِهَا

стр. 3453

عَنَّا وَاسْتَغْفِرْ لَنَا، قَالَ: «مَا أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ أَمْوَالَكُمْ» . فَأَنْزَلَ اللهُ (٩: ١٠٣) : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴿إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ فَأَخَذَ مِنْهُمْ الصَّدَقَةَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ. وَكَانَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ لَمْ يُوثِقُوا أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي فَأَرْجِئُوا لا يَدْرُون أيعذبُون أَم يتاب عليهم فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى: ﴿لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ إِلى قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ إِلى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَنَا رَغَداً وَلا تُشَمِّتْ بِنَا أَحَداً وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. قصَّة هرقل مَلِك الرُّوم حينَما جَاءَه كتاب رسُول الله ﷺ عن ابن عبَّاس ﵄: أنَّ أبا سفيان أخبره من فيه إلى فيه قال: انطلقت في المدّة التي كانت بيني وبين رسول الله قال: فبينما أنا بالشام إذ جيء بكتابٍ من رسول الله إلى هرقل، يعني عظيم الرُّوم قال: وكان دِحيةُ الكلبيّ جاء به فدفعه إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل. فقال هرقل: هل ها هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنّه نبيّ؟ قالوا: نعم. قال: فدُعيت في نفرٍ من قريش فدخلنا على هرقل فأجلسنا بين يديه. فقال: أيكم أقرب نسباً من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيّ؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا.

стр. 3454

فأجلسوني بين يديه وأجلسوا أصحابي خلفي ثم دعا بترجمانه. فقال له: قل لهم إني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنه نبي فإن كذبني فكذبوه. قال: فقال أبو سفيان: وأيم الله لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب. قال: فهل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: ومن يتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قال: قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قال: قلت: لا بل يزيدون. قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: تكون الحرب بيننا وبينه سجالاً، يصيب منا ونصيب منه. قال: فهل يغدِر؟ قلت: لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: فوالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه.

стр. 3455

قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قلت: لا. قال لترجمانه: قل له: إنِّي سألتك عن حسبه فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تُبْعَثُ في أحساب قومها. وسألتك هل كان في آبائه ملك؟ فزعمت: أن لا، فقلت: لو كان من آبائِهِ ملك قلت: رجل يطلب ملك آبائه. وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل. وسألتك: هل كنتم تتَّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت: أن لا. فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله. وسألتك: هل يرتدّ أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطة له فزعمن أن لا وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب. وسألتك هل يزيدون أو ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم. وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قد قاتلتموه فتكون الحرب بينكم وبينه سجالاً ينال منكم وتنالون منه وكذلك الرسل تُبتلى ثُمّ تكون لهم العاقبة. وسألتك هل يغدر؟ فزعمت أنّه لا يغدر، وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا فقلت: لو قال هذا القول أحد قبله، قلت: رجل ائتمَّ بقولٍ قيل قبله.

стр. 3456

قال: ثُمَّ قال: بمِ يأمركم؟ قلت: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف. قال: إن يكن ما تقول فيه حقّاً فإنه نبي وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم ولو أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، ولَيَبْلُغَنَّ ملكُه ما تحت قدميّ. قال: ثُمَّ دعا بكتاب رسول الله ? فقرأه فإذا فيه: ((بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أَمَّا بعد فإنِّي أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تَسْلَم وأسلم يؤتِك الله أجرك مرّتين وإن تولَّيت فإنّ عليك إثم الأريسيّين و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ )) . فلمَّا فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط وأمر بنا فأُخرجنا. قال: فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمِرَ أمْرُ ابن أبي كبشة إنَّه ليخافه ملك بني الأصفر! . قال: فما زلت موقناً بأمر رسول الله أنَّه سيظهر حتى أدخل عليّ الإسلام. شِعْرًا: ... عَلَيْكَ بِمَا يُفِيدُكَ فِي الْمَعَادِ ... وَمَا تَنْجُو بِهِ يَوْمَ التَّنَادِ فَمَالَكَ لَيْسَ يَنْفَعُ فِيكَ وَعْظٌ ... وَلا زَجْرٌ كَأَنَّكَ مِنْ جَمَادِ سَتَنْدَمُ إِنْ رَحَلْتَ بَغِيْرِ زَادٍ ... وَتَشْقَى إِذْ يُنَادِيكَ الْمُنَادِي فَلا تَفْرَح بِمَالٍ تَفْتَنِيهِ ... فَإِنَّكَ فِيهِ مَعْكُوسُ الْمُرَادِ وَتُبْ مِمَّا جَنَيْتَ وَأَنْتَ حَيٌّ ... وَكُنْ مُتَنَبِّهاً مِنْ ذَا الرُّقَادِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ قُلُوبَنَا مَمْلُؤةً بِحُبِّكَ وَأَلْسِنَتِنَا رَطْبَةً بِذِكْرِكَ وَنُفُوسَنَا مُطِيعَةً لأَمْرِكَ وَأَمِّنَّا مِنْ سَطْوَتِكَ وَمَكْرِكْ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي دِينَنَا

стр. 3457

وَدُنْيَانَا وَأُخْرَانَا وَأَهْلِنَا وَمَا لَنَا اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَأَمِّنْ رَوَعَاتِنَا وَاحْفَظْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَمِنْ خَلْفِنَا وَعَنْ أَيْمَانِنَا وَعَنْ شَمَائِلِنَا وَمِنْ فَوْقِنَا وَنَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ مِنْ تَحْتِنَا وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. قِصَّة الْغُلام الْمُؤْمِن وَالْمَلِك (أصحاب الأخدود) عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ فَابْعَثْ إِلَىَّ غُلاَماً أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلاَماً يُعَلِّمُهُ وَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلاَمَهُ فَأَعْجَبَهُ وَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيْهِ فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ. فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي. وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ. فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ. فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ السَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمِ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟ فَأَخَذَ حَجَراً فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَمْضِىَ النَّاسُ. فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّى. قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلاَ تَدُلَّ عَلَىَّ. وَكَانَ الْغُلاَمُ يُبْرِئُ الأَكْمَهَ، وَالأَبْرَصَ، وَيُدَاوِى النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الأَدْوَاءِ.

стр. 3458

فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِىَ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ فَقَالَ: مَا هَا هُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي. فَقَالَ إِنِّي لاَ أَشْفِى أَحَداً إِنَّمَا يَشْفِى اللَّهُ تَعالى فَإِنْ آمَنْتَ بِاللَّهِ تَعالى دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ. فَآمَنَ بِاللَّهِ تعالى فَشَفَاهُ اللَّهُ تعَالى فَأَتَى الْمَلِكَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي. قَالَ: أَوَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّى وَرَبُّكَ اللَّهُ. فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلاَمِ فَجِيءَ بِالْغُلاَمِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أَيْ بُنَيَّ قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الأَكْمَهَ، وَالأَبْرَصَ، وَمَا تَفْعَلُ وَتَفْعَلُ! فَقَالَ: إِنِّي لاَ أَشْفِي أَحَداً إِنَّمَا يَشْفِى اللَّهُ تَعَالى. فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى. فَدَعَا بِالْمِنْشَارِ فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ. فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى. فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلاَمِ. فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى.

стр. 3459

فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلاَّ فَاطْرَحُوهُ فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِينِهِمْ بِمَا شِئْتَ. فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ تَعَالى. فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ وَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلاَّ فَاقْذِفُوهُ. فَذَهَبُوا بِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِينِهِمْ بِمَا شِئْتَ. فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا وَجَاءَ يَمْشِى إِلَى الْمَلِكِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ تَعَالى. فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ خُذْ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِي ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ، ثُمَّ ارْمِنِي فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي. فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ أَخَذَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ. ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فَمَاتَ.

стр. 3460

فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ. فَأُتِىَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ قَدْ آمَنَ النَّاسُ. فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ بأَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَقحْمُوهُ فِيهَا، أَوْ قِيلَ لَهُ اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِىٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا. فَقَالَ لَهَا الْغُلاَمُ: يَا أُمَّه اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ» . (رواه مسلم) . قِصَّةِ الثَّلاثَةِ أَصْحَاب الْغَار عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ بن الْخَطَّاب ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ? يَقُولُ: «انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ تَعَالى بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ. قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمُ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لاَ أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلاً وَلاَ مَالاً، فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ الشَّجَرِ يَوْماً، فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلاً أَوْ مَالاً، فَلَبِثْتُ - وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ - أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ والصِّبِيَّةِ يَتَضاغَون عِنْدَ قَدَمِي، فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئاً لاَ يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهُ» . قَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ. (وفي

стр. 3461

رواية: كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّىَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا، وفي رواية: (فلما قعدت بين رجليها) قَالَتْ: اتق الله ولا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ. فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهْىَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَىَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ. فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا. وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ وَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي. فَقُلْتُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ. فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ تَسْتَهْزِئْ بِي! فَقُلْتُ: إِنِّي لاَ أَسْتَهْزِئُ بِكَ. فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئاً. اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ. فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ» . (متفق عليه) . قصة الثلاثة الذين ابتلاهم الله عَنَّ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ? يَقُولُ: «إِنَّ ثَلاَثَةً من بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى، أراد الِلَّهِ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكاً، فَأَتَى الأَبْرَصَ. فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، ويذهب عنّي قَدْ قَذِرَنِى النَّاسُ.

стр. 3462

فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، أُعْطِىَ لَوْناً حَسَناً. فَقَالَ: أَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإِبِلُ - أَوْ قَالَ الْبَقَرُ -. فَأُعْطِىَ نَاقَةً عُشَرَاءَ. فَقَالَ يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا. وَفأَتَى الأَقْرَعَ: فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّى هَذَا، الذي قَذِرَنِى النَّاسُ. فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عنه، وَأُعْطِىَ شَعَراً حَسَناً. قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ. فَأَعْطَاهُ بَقَرَةً حَامِلاً. قَالَ: بَارَكُ الله لَكَ فِيهَا. فأَتَى الأَعْمَى فَقَالَ: أَيُّ شَىْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: يَرُدُّ اللَّهُ بَصَرِى، فَأُبْصِرُ النَّاسَ. فَمَسَحَهُ، فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ. قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ. فَأَعْطَيُ شَاةً وَالِداً. فَأُنْتِجَ هَذَانِ، وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنْ إِبِلٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ.

стр. 3463

ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ، قد تَقَطَّعَتْ بِه الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلاَ بَلاَغَ لي إِلاَّ بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ، وَالْمَالَ بَعِيراً أَتَبَلَّغُ فِي سَفَرِي. فَقَالَ: كَأَنِّى أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيراً فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ ! فَقَالَ إنَّما وَرِثْتُ هذا المال كَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ. فقَالَ إِنْ كُنْتَ كَاذِباً فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ. وَأَتَى الأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ هَذَا فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِباً فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ. وَأَتَى الأَعْمَى فِى صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ. فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ، وَابْنُ سَبِيلٍ، اَتَقَطَّعَتْ بِه الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلاَ بَلاَغَ لي الْيَوْمَ إِلاَّ بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي؟ فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، ودع مَا شِئْتَ فَوَ اللَّهِ لاَ أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ . فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رَضِي اللَّهُ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ» متفق عليه. قِيلَ إِنَّ مَلِكاً مِن الْمُلُوكِ كَانَ كَافِراً عَاتِياً مُتَكَبِّراً مُعْجَباً بِنَفْسِهِ حَدِيث السِّنِ مُسْتَحْكِمَ الْغَيْرَةِ وَكَانَ إِذَا رَكَبَ لَمْ يَرْفَعَ أَحَدُ صَوْتَهُ إِلا بِمَدْحِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ. وَكَانَ لَهُ وَزِيرٌ مُؤْمِنُ بِاللهِ جَلَّ وَعَلا قَدْ أَدْرَكَ حَوَارِيَّ الْمَسِيح وَهُوَ يَكْتُم إِيمَانَهُ وَيَتَحَيّنُ وَقْتاً يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ دَعْوَةِ الْمَلِكِ إِلى اللهِ جَلَّ وَعَلا.

стр. 3464

فَرَكَبَ الْمَلِكُ يَوْماً فَسَمِعَ شَيْخاً) أَيْ قَدْ شَابَ رَافِعاً صَوْتَهُ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ لِبَعْضِ أَعْوَانِهِ: خُذُوهُ فَلَمَّا أَخَذُ ذَلِكَ الشَّائِب الذي رَفَعَ صَوْتَهُ قَالَ: إِنَّ رَبِّي الله. فَقَالَ الْوَزِيرُ خَلُّوا عَنْهُ فَخُلِّيَ عَنْهُ فَغَضِبَ الْمَلِكُ عَلَى الْوَزِير وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُمْكَنُه الإِنْكَارُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ فَسَكَتَ الْمَلِكُ لِيُوهِمَ النَّاسَ أَنَّ فِعْلَ الْوَزِيرَ كَانَ بَأَمْرِهِ. فَلَمَّا عَادَ الْمَلِكُ إِلى قَصْرِهِ أَحْضَرَ الْوَزِيرَ وَقَالَ لَهُ: مَا الذِي دَعَاكَ إِلى مُنَاقَضَةِ أَمْرِي بِمَشْهَدٍ مِنْ عَبِيدِي. فَقَالَ لَهُ الْوَزِيرُ: إِنْ لمِ يَعْجَل الْمَلكُ عَلَيَّ أَرَيْتُهُ وَجْهَ نُصْحِي لَهُ وَشَفَقَتِي عَلَيْهِ فِيمَا أَتَيْتُهُ فَقَالَ الْمَلِكُ: أَرِنِي ذَلِكَ فَإِنِّي لا أَعْجَلُ عَلَيْكَ. فَقَالَ الْوَزِيرُ أَسْاَلُ الْمَلكَ أَنْ يَخْتَبِئ فِي مَجْلِسه هَذَا خَلْفَ حِجَاب بِحَيْثُ أَنَّهُ لا يَرَى وَيَسْمَع مَا يَكُونُ مِنِّي فَقَعَدَ الْمَلِكُ لِذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ الْوَزِيرَ أَحْضَرَ قَوْساً جَيِّدَةً صَنَعَهَا لِلْمَلِكِ بَعْضُ خَدَمِِهِ وَكَتَبَ الصَّانِعُ اسْمَهُ عَلَيْهَا فَأَعْطَى الْقُوسَ غُلاماً لَهُ. وَقَالَ لَهُ: إِنِّي سَأَحْضِرُ صَانِعَ هَذِهِ الْقَوْسِ فَإِذَا حَضَرَ وَحَادَثْتُهُ فَاقْرَأ أَنْتَ اسْمَ صَاحِبِهَا جَهْراً حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَكَ ثُمَّ اكْسُرْهَا وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْكَ. فَحَضَّرَ الْقَوْسَ وَفَعَلَ الْغُلامُ مَا أُمَرَهُ بِهِ الْوَزِيرُ فَلَمَّا كَسَرَ الْقَوْسَ لَمْ يَتَمَالَكْ صَانِعُ الْقَوْسِ أَنْ ضَرَبَ الْغُلامَ فَشَجَّهُ. فَقَالَ الْوَزِيرُ أَتَضْرِبُ غُلامِي بِحَضْرَتِي؟ قَالَ: نَعَمْ لأَنَّهُ كَسَرَ الْقَوْسَ الَّتِي هِيَ صَنْعَتِي وَعَمَلِي وَهِيَ فِي نِهَايَةِ الْجَوْدَة وَالْحُسْنِ فَلأَيّ شَيْءٍ كَسَرَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا صَنْعَتِي.

стр. 3465

فَقَالَ لَهُ الْوَزِيرُ: فَلَعَلَّهُ مَا يَعْلَمْ أَنَّها صَنْعَتَكَ؟ قَالَ: بَلَى إِنَّ الْقَوْسَ قَدْ أَخْبَرْتُهُ أَنَّهَا صَنْعَتِي. قَالَ الْوَزِيرُ: أَرَأَيْتَ قَوْساً تُخْبِرُ قَالَ: نَعَمْ إِنَّ اسْمِي مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا وَقَدْ قَرَأَهُ وَأَنَا أَسْمَعُ ثُمَّ إِنَّ الْوَزِيرَ صَرَفَ الصَّانِعَ وَالْغُلام. ثُمَّ قَالَ لِلْمَلِكِ: قَدْ أَوْضَحْتُ نُصْحِي وَإِشْفَاقِي عَلَيْكَ وَذَلِكَ أَنَّكَ لَمَّا رَأَيْتَ الْبَطْشَ بالشَّيْخِ أَخْبَركَ أَنَّ الله رَبَّهُ فَخِفْتُ عَلَيْكَ مِنْ رَبِّهَ أَنْ يَغْضَبَ لَهُ كَمَا غَضِبَ هَذَا الْقَوَّاسُ لِقَوْسِهِ. فَقَالَ الْمَلِكُ: وَهَلْ لِلشَّيْخ رَبٌّ غَيْرِي. قَالَ الْوَزِيرُ: أَلَمْ يَرَهْ الْمَلِكُ شَيْخاً وَالْمَلِكُ شَابٌّ فَهَلْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُولَد الْمَلَكُ لا رَبَّ؟ فَقَالَ الْمَلِكُ إِنَّ أَبِي كَانَ رَبَّهُ. قَالَ الْوَزِيرُ: فَمَا بَالُ الرَّبِّ هَلَكَ وَالْمَرْبُوبُ بَقِيَ فَسَكَتَ الْمَلِكُ سَاعَةً ثُمَّ قَالََ: الآنَ عَلِمْتُ أَنَّ لِلْمَلِكِ وَالْمَمْلُوكِ رَبّاً لا يَزُولُ فَهَلْ تَعْرِفُهُ؟ قَالَ الْوَزِيرُ: نَعَمْ أَعْرِفُهُ. قَالَ: صِفْهُ لِي وَدُلَّنِي عَلَيْهِ فَشَرَعَ الْوَزِيرُ يَشْرَحُ لَهُ صِفَاتِ الْخَالِقِ وَأَوْضَحَ لَهُ الدَّلالَةَ عَلَى ذَلِكَ فَانْشَرَحَ صَدْرُ الْمَلِكِ للإِيمَانِ فَآمَنَ بِاللهِ تَعَالى. فَلَمَّا رَسَخَ التَّوْحِيدُ فِي قَلْبِهِ قَالَ: أَمَّا لِرَبِّنَا خَدْمَةُ نَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِهَا؟ قَالَ: إِنَّ اللهَ غَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ قَالَ: فَهَلْ أَمَرَنَا بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْنَاهُ حُظِينَا عِنْدَهُ؟ قَالَ: بَلَى إِنَّ لَهُ عَلَيْنَا وَضَائِفَ أَمَرَنَا بِهَا وَرَضِيَ لَنَا فِعْلَهَا وَوَعَدَنَا رِضْوَانَهُ وَالْقُرْبَ مِنْهُ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَذَكَرَ لَهُ الصَّلاةَ وَالصِّيَامَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الشَّرَائِعَ فَعَرَفَهَا الْمَلِكُ وَرَاضَ نَفْسَهُ بِهَا حَتَّى رَسَخَ فِي عِلْمِهَا وَتَمَرَّنَ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا. ثُمَّ قَالَ يَوْماً لِلْوَزِير: مَالَكَ لا تَدْعُوا النَّاس إلى الله تعالى كَمَا دَعَوْتَنِي؟ فَقَالَ: لأَنَّ الأَمَّةَ ذَاتَ قُلُوبٍ قَاسِيَةٍ وَفِهُومٍ قَصِيَّةٍ وَنُفُوسٍ عَصِيَّةٍ وَلَسْتَ آمَنُهُم عَلَى نَفْسِي.

стр. 3466

فَقَالَ الْمَلِكُ: أَنَا أَفْعَلُه إِنْ تَفْعَلْهُ أَنْتَ، فَقَالَ الْوَزِيرُ: لِيَعْلَمَ الْمَلِكُ أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ تَرُدَّهُمْ هَيْبَتُهُ عَنِّي لَمْ تَرُدَّهُمْ عَنْهُ وَسَأقِيهِ بِنَفْسِي أَيِساً مِنَ النَّجَاةِ فَلْيَجْذَرهم الْمَلِكُ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ اجْتَرَؤُا بِالْقَتْلِ. ثُمَّ إِنَّ الْوَزِيرَ أَحْضَرَ وَجُوهَ أَهْلِ تِلْكَ الْمَمْلَكَةِ وَوُلاة أَحْكَام رَعَايَاهُ وَأَفَاضِلَهَا فَلَمَّا اجْتَمَعُوا فِي مَنْزِلِهِ قَامَ فِيهِمْ خَطِيباً ثُمَّ بِالدَّعْوَةِ إِلى التَّوْحِيدِ فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوه. ثُمَّ أَتوا إِلى الْمَلِكِ فَأَخْبَرُوه بِمَا كَانَ مِنْ وَزِيرِهِ فَأَظْهَرَ لَهُمْ الرِّضَا بِقَتْلِهِ فَانْقَلَبُوا عَنْهُ رَاضِينَ ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ ضَاقَ صَدْرُهُ عَلَى وَزِيرِهِ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ لبِسَ مُسْحَ الشَّعَر وَالتَحَقَ بالرُّهْبَانِ وَنَبَذَ مَا كَانَ مِنَ الْمَلِكِ وَلَمْ يَزَلْ يَعْبُدِ الله حَتَّى قَضَى نَحْبَهُ. مَوْعِظَةِ: إِخْوَانِي أُبْسطُوا الأَيْدِيَ إِلى الْمَوْلَى الْكَرِيم بِالذُّلَلِ وَالضَّرَاعَةَ وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ بِالذُّلِ وَالانْكِسَارِ فِي هَذِهِ السَّاعَة وَنَادُوا اللَّطِيف الْخَبِيرَ: يَا مَنْ لا تَضُرُّهُ الْمَعْصِيَةُ وَلا تَنْفَعُهُ الطَّاعَةُ، نَسْأَلُكَ أَنْ تُبَدِلَ مِنَّا الْفَسَادَ بِالصَّلاحِ، وَالْخُسْرَانَ بالأَرْبَاحِ وَأَنْ تُعَامِلَنَا بِالْعَفْوِ وَالسَّمَاحِ يَا مَنْ مَثْلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحْ، وَنَسْأَلُكَ أَنْ تَرْحَمَنَا وَإِخْوَانَنَا الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ الْوَاسِعَةِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. وقال بعضهم: وَمَالِي وَلِلدُّنْيَا وَلَيْسَتْ بِبُغْيَتِي وَلا مُنْتَهَى قَصْدِي وَلَسْتُ أَنَالَهَا وَلَسْتُ بِمَيَّالٍ إِلَيْهَا وَلا إِلى رِيَاسَتِهَا تَباً وَقُبْحاً لِحَالِهَا

стр. 3467

هِيَ الدَّارُ دَارُ الْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالْعَنَا سَرِيعٌ تَقْضِيهَا وَشِيكٌ زَوَالُهَا مَيَاسِرُهَا عُسْرٌ وَحُزْنٌ سُرُورُهَا وَأَرْبَاحُهَا خُسْرٌ وَنَقْصٌ كَمَالُهَا إِذَا أَضْحَكَتْ أَبْكَتْ وَإِنْ رَامَ وَصْلَهَا غَبِيٌ فَيَا سِرْعَ انْقِطَاع وِصَالِهَا فَأَسْئَلُ رَبِّي أَنْ يَحُولَ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ بَيْنَ وَبَيْنَ اغْتِيَالِهَا فَيَا طَالِبَ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ جَاهِداً أَلا أَطْلُبْ سِوَاهَا إِنَّهَا لا وَفَالَهَا فَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا مِنْ حَرِيصٍ وَمُشْفِقٍ عَلَيْهَا فَلَمْ يَظْفُر بِهَا أَنْ يَنَالَهَا لَقَدْ جَاءَ فِي آيِ الْحَدِيدِ وَيُونُسٍ وَفِي الْكَهْفِ إِيضَاحٌ بِضَرْبِ مِثَالِهَا وَفِي آلِ عمْرَانَ وَسُورَةِ فَاطِرٍ وَفِي غَافِرٍ قَدْ جَاءَ تِبْيَانُ حَالِهَا وَفِي سُورَةِ الأَحْقَافِ أَعْظَمُ وَاعِظٍ وَكَمْ مِنْ حَدِيثٍ مَوْجِبٍ لإِعْتِزَالِهَا لَقَدْ نَظَرَ أَقْوَامٌ بِعَيْنٍ بَصِيرَةٍ إِلَيْهَا فَلَمْ تَغْرُرْ همُوا بِاخْتِيَالِهَا أُولَئِكَ أَهْلُ اللهِ حَقّاً وَحِزْبُهُ

стр. 3468

.. لَهُمْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ إِرْثاً فِيَا لَهَا وَمَالَ إِلَيْهَا آخَرُونَ بِجَهْلِهِمْ فَلَمَّا اطْمَأَنُوا أَرْشَقَتْهُمْ نِبَالَهَا أُولَئِكَ قَوْمٌ آثَرُوهَا فَأَعْقِبُوا بِهَا الْخِزْيَ فِي الأخْرَى فَذَاقُوا وَبَالَهَا فَقُلْ لِلذِينَ اسْتَعْذَبُوهَا رُوَيْدَكُمْ سَيَنْقَلِبُ السُّمُ النَّقِيعُ زِلالَهَا لِيَلْهُوا وَيَغْتَرُّوا بِهَا مَا بَدَا لَهُمْ مَتَى تَبْلُغُ الْحُلْقُومَ تَصْرِمْ حِبَالِهَا وَيَوْمَ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ بِكَسْبِهَا تَوَدُّ فِدَاءُ لَوْ بَنِيهَا وَمَالَهَا وَتَأْخُذُ إِمَّا بِالْيَمِينِ كِتَابِهَا إِذَا أَحْسَنَتْ أَوْ ضِدَّ ذَا بِشِمَالِهَا وَيَبْدُو لَدَيْهَا مَا أَسَرَّتْ وَأَعْلَنَتْ وَمَا قَدَّمَتْ مِنْ قَوْلِهَا وَفِعَالِهَا بَأَيْدِي الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ مُسَطَّرٌ فَلَمْ يُغَنْ عَنْهَا عُذْرَةٌ وَجِدَالُهَا هُنَاكِ َتَدْرِي رِبْحَهَا وَخَسَارَهَا وَإِذْ ذاَكَ تَلْقَى مَا عَلَيْهَا وَمَالَهَا فَإِنْ تَكُ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَالتُّقَى فَإِنَّ لَهَا الْحُسْنَى بِحُسْنِ فِعَالِهَا

стр. 3469

.. تَفُوُز بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ وَحُورِهَا وَتُحْبَرُ فِي رَوْضَاتِهَا وَظِلالِهَا وَتُرْزَقُ مِمَّا يَشْتَهِي مِنْ نَعِيمِهَا وَتَشْرَبُ مِنْ تَسْنِيمِهَا وَزِلالِهَا فَإِنَّ لَهُمْ يَوْمَ الْمَزِيدِ لَمَوْعِداً زِيَارَةُ زُلْفَى غَيْرُهُمْ لا يَنَالَهَا وَجُوهٌ إِلى وَجْهِ الإِلَهِ نَوَاظِرٌ لَقَدْ طَالَ بِالدَّمْعِ الْغَزِيرِ ابْتِلالُهَا تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّ رَحِيمٌ مُسْلِماً فَيَزْدَادُ مِنْ ذَاكَ التَّجَلِي جَمَالُهَا بِمَقْعَدِ صِدْقٍ حَبْذَا الْجَارُ رَبُّهُمْ وَدَارُ خُلُود لَمْ يَخَافُوا زَوَالَهَا فَوَاكِهُهَا مِمَّا تَلَذُّ عُيوَنُهمْ وَتَطَّرُد الأَنْهَارُ بَيْنَ خِلالِهَا عَلَى سُرِرٍ مَوْضُونَةً ثُمَّ فُرْشُهُمْ كَمَا قَالَ فِيهَا رَبُّنَا وَاصِفاً لَهَا بَطَائِنُ مِنْ إِسْتَبْرَقٍ كَيْفَ ظَنُّكُمْ ظَوَاهِرَهَا لا مُنْتَهَى لِجَمَالِهَا وَإِنْ تَكُنْ الأُخْرَى فَوَيْلٌ وَحَسْرَةٌ وَنَارُ جَحِيمٍ مَا أَشَدَّ نَكَالِهَا لَهُمْ تَحْتَهُمْ مِنْهَا مِهَادٌ وَفَوْقَهُمْ

стр. 3470

.. غَوَاشِي وَمِنْ يَحْمُومِ سَاءَ ظِلالُهَا طَعَامُهُمُ الْغِسْلِينُ فِيهَا وَإِنْ سُقُوا حَمِيماً بِهِ الأَمْعَاءُ كَانَ انْحِلالُهَا أَمَانِيهُمُوا فِيهَا الْخُرُوجُ وَمَالَهُمْ خُرُوجٌ وَلا مَوْتٌ كَمَا لا فَنَى لَهَا مَحَلَّيْنِ قُلْ لِلنَّفْسِ لَيْسَ سِوَاهُمَا لِتَكْتَسِبَنْ أَوْ تَكْتَسِبْ مَا بَدَا لَهَا فَطُوبَى لِنَفْسٍ جَوَّزَتْ فَتَخَفَّفَتْ فَتَنْبَحُوا كَفَافاً لا عَلَيْهَا وَلا لَهَا اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ جُهْدِ الْبَلاءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ اللَّهُمَّ حَبِبْ إِلَيْنَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا. اللَّهُمَّ أَلْهِمْنَا ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَارْزُقْنَا الاسْتَقَامَةِ طَوْعَ أَمْرِكَ وَتَفَضَّلْ عَلَيْنَا بِعَافِيَتِكَ وَجَزِيلِ عَفْوِكَ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) فِي ذِكْرِ بَعْضِ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِي نَصَرَهُ اللهُ عِبَادَ اللهِ قَالَ اللهُ تَعَالَى - وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ أَكْمَلَ الدِّينَ، بِالنَّصْرِ، وَالإِظْهَارِ عَلَى الأَدْيَانِ كُلِّهَا، فَنَصَرَ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ، وَخَذَلَ أَهْلَ الشِّرْكِ انْخِذَالاً عَظِيماً، بَعْدَ مَا كَانُوا حَرِيصِينَ عَلَى صَدِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ، طَامِعِينَ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَوْا عِزَّ الإِسْلامِ وَانْتِصَارِهِ يَئِسُوا كُلَّ الْيَأْسِ
следующие страницы →