Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
فَقَالَ الْمَلِكُ: أَنَا أَفْعَلُه إِنْ تَفْعَلْهُ أَنْتَ، فَقَالَ الْوَزِيرُ: لِيَعْلَمَ الْمَلِكُ أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ تَرُدَّهُمْ هَيْبَتُهُ عَنِّي لَمْ تَرُدَّهُمْ عَنْهُ وَسَأقِيهِ بِنَفْسِي أَيِساً مِنَ النَّجَاةِ فَلْيَجْذَرهم الْمَلِكُ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ اجْتَرَؤُا بِالْقَتْلِ.
ثُمَّ إِنَّ الْوَزِيرَ أَحْضَرَ وَجُوهَ أَهْلِ تِلْكَ الْمَمْلَكَةِ وَوُلاة أَحْكَام رَعَايَاهُ وَأَفَاضِلَهَا فَلَمَّا اجْتَمَعُوا فِي مَنْزِلِهِ قَامَ فِيهِمْ خَطِيباً ثُمَّ بِالدَّعْوَةِ إِلى التَّوْحِيدِ فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوه.
ثُمَّ أَتوا إِلى الْمَلِكِ فَأَخْبَرُوه بِمَا كَانَ مِنْ وَزِيرِهِ فَأَظْهَرَ لَهُمْ الرِّضَا بِقَتْلِهِ فَانْقَلَبُوا عَنْهُ رَاضِينَ ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ ضَاقَ صَدْرُهُ عَلَى وَزِيرِهِ.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ لبِسَ مُسْحَ الشَّعَر وَالتَحَقَ بالرُّهْبَانِ وَنَبَذَ مَا كَانَ مِنَ الْمَلِكِ وَلَمْ يَزَلْ يَعْبُدِ الله حَتَّى قَضَى نَحْبَهُ.
مَوْعِظَةِ: إِخْوَانِي أُبْسطُوا الأَيْدِيَ إِلى الْمَوْلَى الْكَرِيم بِالذُّلَلِ وَالضَّرَاعَةَ وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ بِالذُّلِ وَالانْكِسَارِ فِي هَذِهِ السَّاعَة وَنَادُوا اللَّطِيف الْخَبِيرَ: يَا مَنْ لا تَضُرُّهُ الْمَعْصِيَةُ وَلا تَنْفَعُهُ الطَّاعَةُ، نَسْأَلُكَ أَنْ تُبَدِلَ مِنَّا الْفَسَادَ بِالصَّلاحِ، وَالْخُسْرَانَ بالأَرْبَاحِ وَأَنْ تُعَامِلَنَا بِالْعَفْوِ وَالسَّمَاحِ يَا مَنْ مَثْلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحْ، وَنَسْأَلُكَ أَنْ تَرْحَمَنَا وَإِخْوَانَنَا الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ الْوَاسِعَةِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
وقال بعضهم:
وَمَالِي وَلِلدُّنْيَا وَلَيْسَتْ بِبُغْيَتِي
وَلا مُنْتَهَى قَصْدِي وَلَسْتُ أَنَالَهَا
وَلَسْتُ بِمَيَّالٍ إِلَيْهَا وَلا إِلى
رِيَاسَتِهَا تَباً وَقُبْحاً لِحَالِهَا
стр. 3467
هِيَ الدَّارُ دَارُ الْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالْعَنَا
سَرِيعٌ تَقْضِيهَا وَشِيكٌ زَوَالُهَا
مَيَاسِرُهَا عُسْرٌ وَحُزْنٌ سُرُورُهَا
وَأَرْبَاحُهَا خُسْرٌ وَنَقْصٌ كَمَالُهَا
إِذَا أَضْحَكَتْ أَبْكَتْ وَإِنْ رَامَ وَصْلَهَا
غَبِيٌ فَيَا سِرْعَ انْقِطَاع وِصَالِهَا
فَأَسْئَلُ رَبِّي أَنْ يَحُولَ بِحَوْلِهِ
وَقُوَّتِهِ بَيْنَ وَبَيْنَ اغْتِيَالِهَا
فَيَا طَالِبَ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ جَاهِداً
أَلا أَطْلُبْ سِوَاهَا إِنَّهَا لا وَفَالَهَا
فَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا مِنْ حَرِيصٍ وَمُشْفِقٍ
عَلَيْهَا فَلَمْ يَظْفُر بِهَا أَنْ يَنَالَهَا
لَقَدْ جَاءَ فِي آيِ الْحَدِيدِ وَيُونُسٍ
وَفِي الْكَهْفِ إِيضَاحٌ بِضَرْبِ مِثَالِهَا
وَفِي آلِ عمْرَانَ وَسُورَةِ فَاطِرٍ
وَفِي غَافِرٍ قَدْ جَاءَ تِبْيَانُ حَالِهَا
وَفِي سُورَةِ الأَحْقَافِ أَعْظَمُ وَاعِظٍ
وَكَمْ مِنْ حَدِيثٍ مَوْجِبٍ لإِعْتِزَالِهَا
لَقَدْ نَظَرَ أَقْوَامٌ بِعَيْنٍ بَصِيرَةٍ
إِلَيْهَا فَلَمْ تَغْرُرْ همُوا بِاخْتِيَالِهَا
أُولَئِكَ أَهْلُ اللهِ حَقّاً وَحِزْبُهُ
стр. 3468
.. لَهُمْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ إِرْثاً فِيَا لَهَا
وَمَالَ إِلَيْهَا آخَرُونَ بِجَهْلِهِمْ
فَلَمَّا اطْمَأَنُوا أَرْشَقَتْهُمْ نِبَالَهَا
أُولَئِكَ قَوْمٌ آثَرُوهَا فَأَعْقِبُوا
بِهَا الْخِزْيَ فِي الأخْرَى فَذَاقُوا وَبَالَهَا
فَقُلْ لِلذِينَ اسْتَعْذَبُوهَا رُوَيْدَكُمْ
سَيَنْقَلِبُ السُّمُ النَّقِيعُ زِلالَهَا
لِيَلْهُوا وَيَغْتَرُّوا بِهَا مَا بَدَا لَهُمْ
مَتَى تَبْلُغُ الْحُلْقُومَ تَصْرِمْ حِبَالِهَا
وَيَوْمَ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ بِكَسْبِهَا
تَوَدُّ فِدَاءُ لَوْ بَنِيهَا وَمَالَهَا
وَتَأْخُذُ إِمَّا بِالْيَمِينِ كِتَابِهَا
إِذَا أَحْسَنَتْ أَوْ ضِدَّ ذَا بِشِمَالِهَا
وَيَبْدُو لَدَيْهَا مَا أَسَرَّتْ وَأَعْلَنَتْ
وَمَا قَدَّمَتْ مِنْ قَوْلِهَا وَفِعَالِهَا
بَأَيْدِي الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ مُسَطَّرٌ
فَلَمْ يُغَنْ عَنْهَا عُذْرَةٌ وَجِدَالُهَا
هُنَاكِ َتَدْرِي رِبْحَهَا وَخَسَارَهَا
وَإِذْ ذاَكَ تَلْقَى مَا عَلَيْهَا وَمَالَهَا
فَإِنْ تَكُ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَالتُّقَى
فَإِنَّ لَهَا الْحُسْنَى بِحُسْنِ فِعَالِهَا
стр. 3469
.. تَفُوُز بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ وَحُورِهَا
وَتُحْبَرُ فِي رَوْضَاتِهَا وَظِلالِهَا
وَتُرْزَقُ مِمَّا يَشْتَهِي مِنْ نَعِيمِهَا
وَتَشْرَبُ مِنْ تَسْنِيمِهَا وَزِلالِهَا
فَإِنَّ لَهُمْ يَوْمَ الْمَزِيدِ لَمَوْعِداً
زِيَارَةُ زُلْفَى غَيْرُهُمْ لا يَنَالَهَا
وَجُوهٌ إِلى وَجْهِ الإِلَهِ نَوَاظِرٌ
لَقَدْ طَالَ بِالدَّمْعِ الْغَزِيرِ ابْتِلالُهَا
تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّ رَحِيمٌ مُسْلِماً
فَيَزْدَادُ مِنْ ذَاكَ التَّجَلِي جَمَالُهَا
بِمَقْعَدِ صِدْقٍ حَبْذَا الْجَارُ رَبُّهُمْ
وَدَارُ خُلُود لَمْ يَخَافُوا زَوَالَهَا
فَوَاكِهُهَا مِمَّا تَلَذُّ عُيوَنُهمْ
وَتَطَّرُد الأَنْهَارُ بَيْنَ خِلالِهَا
عَلَى سُرِرٍ مَوْضُونَةً ثُمَّ فُرْشُهُمْ
كَمَا قَالَ فِيهَا رَبُّنَا وَاصِفاً لَهَا
بَطَائِنُ مِنْ إِسْتَبْرَقٍ كَيْفَ ظَنُّكُمْ
ظَوَاهِرَهَا لا مُنْتَهَى لِجَمَالِهَا
وَإِنْ تَكُنْ الأُخْرَى فَوَيْلٌ وَحَسْرَةٌ
وَنَارُ جَحِيمٍ مَا أَشَدَّ نَكَالِهَا
لَهُمْ تَحْتَهُمْ مِنْهَا مِهَادٌ وَفَوْقَهُمْ
стр. 3470
.. غَوَاشِي وَمِنْ يَحْمُومِ سَاءَ ظِلالُهَا
طَعَامُهُمُ الْغِسْلِينُ فِيهَا وَإِنْ سُقُوا
حَمِيماً بِهِ الأَمْعَاءُ كَانَ انْحِلالُهَا
أَمَانِيهُمُوا فِيهَا الْخُرُوجُ وَمَالَهُمْ
خُرُوجٌ وَلا مَوْتٌ كَمَا لا فَنَى لَهَا
مَحَلَّيْنِ قُلْ لِلنَّفْسِ لَيْسَ سِوَاهُمَا
لِتَكْتَسِبَنْ أَوْ تَكْتَسِبْ مَا بَدَا لَهَا
فَطُوبَى لِنَفْسٍ جَوَّزَتْ فَتَخَفَّفَتْ
فَتَنْبَحُوا كَفَافاً لا عَلَيْهَا وَلا لَهَا
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ جُهْدِ الْبَلاءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ اللَّهُمَّ حَبِبْ إِلَيْنَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا.
اللَّهُمَّ أَلْهِمْنَا ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَارْزُقْنَا الاسْتَقَامَةِ طَوْعَ أَمْرِكَ وَتَفَضَّلْ عَلَيْنَا بِعَافِيَتِكَ وَجَزِيلِ عَفْوِكَ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
فِي ذِكْرِ بَعْضِ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِي نَصَرَهُ اللهُ
عِبَادَ اللهِ قَالَ اللهُ تَعَالَى - وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ أَكْمَلَ الدِّينَ، بِالنَّصْرِ، وَالإِظْهَارِ عَلَى الأَدْيَانِ كُلِّهَا، فَنَصَرَ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ، وَخَذَلَ أَهْلَ الشِّرْكِ انْخِذَالاً عَظِيماً، بَعْدَ مَا كَانُوا حَرِيصِينَ عَلَى صَدِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ، طَامِعِينَ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَوْا عِزَّ الإِسْلامِ وَانْتِصَارِهِ يَئِسُوا كُلَّ الْيَأْسِ
стр. 3471
مِن الْمُؤْمِنِينَ، أَنْ يَرْجِعُوا إِلى دِينِهِمْ، وَصَارُوا يَخَافُونَ مِنْهُمْ وَيَخْشَوْن: وَأَتَمَّ جَلَّ وَعَلا عَلَى عِبَادِهِ نِعْمَتَه بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، وَالْعزِ ِّواَلتَّأَيِيدِ، وَرَضِيَ الإسْلامَ لَنَا دِيناً، أخْتَارَهُ لَنَا مِنْ بَيْنِ الأَدْيَانِ، فَهُوَ الدِّينُ عِنْدَ اللهِ لا غَيْر، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ عِبَادَ اللهِ نَظَرَ أَصْحَابُ الأَفْكَارِ الْبَرِيئَةِ السَّلِيمَةِ فِي أَحْكَامِ الإِسْلام ِ، فَاعْتَنَقُوهُ، وَتَأَمَّلُوا فِي حُكْمِهِ الْجَلِيلَةِ فَأَحَبُّوهُ وَمَلَكَتْ قُُلُوبَهُم مَبَادِئُهُ الْحَكِيمَةُ فَعَظَّمُوه، وَكُلَّمَا كَانَ الْمَرْءُ سَلِيمَ الْعَقْلِ، نَيِّرَ الْبَصِيرَةِ، مُسْتَقِيمَ الْفِكْرِ، اشْتَدَّ تَعَلُقُه بِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ جَمِيلِ الْمَحَاسِن، وَجَلِيلِ الْفَضَائِلِ، جَاءَ الدِّينُ الإِسْلامِيُ بِعَقَائِدِ التَّوْحِيدِ، الَّتِي يَرْتَاحُ لَهَا الْعَقْلُ السَّلِيمُ وَيُقرُهَا الطَّبْعُ الْمُسْتَقِيمُ، يَدْعُوا إِلى اعْتِقَادِ أَنَّ لِلْعَالَم إِلَهاً وَاحِداً لا شَرِيكَ لَهُ، أَوَّلاً لا ابْتِدَاءَ لَهُ، وَآخِراً لا انْتِهَاءَ لَهُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ لَهُ الْقُدْرَةُ التَّامَةُ، وَالإِرَادَةُ الْمُطْلَقَةُ، وَالْعِلْمُ الْمُحِيطُ، يَلْزِمُ الْخَلْقَ الْخُضُوعِ لَهُ وَالانْقِيَادُ، وَالْعَمَلَ عَلَى مَرْضَاتِهِ، بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ سُبْحَانَهُ، عَلَى النَّظرِ وَالاسْتِدلالِ، لِتَصلَ بِالْبُرْهَان إلى مَعْرِفَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ، فَتَرَاهُ تَارَةً يَلْفِتُ نَظَرَكَ إِلى أَنَّهُ لا يُمْكنُ أَنْ توجِدَ نَفْسَكَ، وَلا أَن تُوجدَ مِنْ دُونِ مُوجِدٍ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ أَمَّا كَوْنُ الإنْسَانِ مَوْجِداً لِنَفْسِهِ فَهَذَا أَمْرٌ مَا ادَّعَاهُ الْخَلْقُ، وَأَمَّا وُجُودُ الإِنْسَانِ هَكَذَا مِنْ غَيْرِ مُوجِدٍ، فَأَمْرٌ يُنْكرُهُ مَنْطِقُ الْفِطْرَةِ ابْتِدَاءً وَلا يَحْتَاجُ إِلى جَدَلٍ كَثِيرٍ أَوْ قَلِيلٍ، وَإِذَا كَانَ هَذَانِ الْفَرْضَانِ بَاطِلِين، فَإِنَّهُ لا يَبْقَى إِلا الْحَقِيقَةُ، الَّتِي يَقُولُهَا الْقُرْآنُ، وَهِيَ أَنَّ الْخَلْقَ خَلَقَهُ اللهُ الْوَاحِدُ الأَحَدُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ الذِي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ، وَتَارَةً يَلْفُتُ النَّظَرَ إِلى
стр. 3472
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، فَهَلْ هُمْ خَلَقُوهَا، فَإِنَّها لَمْ تَخْلُقْ نَفْسَهَا كَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يَخْلَقُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَارَةً يَفْتَحُ أَمَامَ الْعَقْلِ وَالْبَصَرِ صَحِيفَةَ السَّمَاءِ وَمَا حَوَتْ مِن شَمْسٍ مُشْرِقَةٍ، وَقَمَرٍ مُنِيرٍ، وَنَجْمٍ مُضِيء فَيَقُولُ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ وَفِي الآيَةِ الأُخْرَى يَقُولُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ وَيَقُولُ: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ وَيَقُولُ: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ وَيَقُولُ: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ وَيَقُولُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ وَمَرَّةً يَلْفُتُ النَّظَرَ إِلى الأَرْضِ وَمَا فِيهَا مِنْ أَشْجَارٍ مُتَنَوِّعَةٍ ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ فَتُشَاهِدُ شَجَرَ الْعِنَبِ بِجِوَارِ شَجَرِ الْحَنْظَلِ فِي قِطْعَةٍ وَاحِدَةٍ تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ جَعَلَ لَكُلِّ شَجَرِةٍ جُذُوراً، تَمْتَصُّ بِهَا مِنْ الأَرْضِ مَا يُنَاسِبُهَا مِنْ الْغِذَاء الذِي بِهِ قِوَامُهَا وَحَيَاتُهَا وَتَنْفَتِحُ كُلَّ وَاحِدَةٍ عَنْ ثَمَرَةٍ تُخَالِفَ الأُخْرَى فِي اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ، وَكَذَلِكَ بَاقِي الأَشْجَارِ الْمُتَجَاوِرَةِ الَّتِي أَرْضُهَا وَاحِدَةٌ وَمَاؤُهَا وَاحِدٌ، أَلا يَدُلُّ هَذَا عَلَى وُجُودِ صَانِعٍ حَكِيمٍ قَادِرٍ (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةِ) وَمَرَّةً يَلْفِتُ النَّظَرَ إِلى مَا يُنَزِّلُه مِنَ السَّمَاءِ، مِنَ الْمَاءِ الذِي بِهِ قِوَامُ الْحَيَاةِ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ أَجَاجاً لا نَفْعَ فِيهِ، وَمَرَّةً يَتَحَدَّثُ عَنْ وَحْدَانِيَتِهِ وَانْفِرَادِهِ بِالْمُلْكِ وَالتَّدْبِيرِ ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾
стр. 3473
الآية وَفِي الآيةِ الأُخْرَى يَقُولُ فِي جَزَالَةِ لَفْظٍ وَفَخَامَةِ مَعْنَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ إِلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الأَدِلَّةِ وَشَرَعَ لِعِبَادِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ مَا يُهَذِّبُ النُّفُوسَ ويُصَفِيهَا وَيُنَظِّمُ الْعِلاقَاتِ ويُقَوِّيهَا وَيَجْمَعُ الْقُلُوب ويُزكِّيهَا وَهَذا الذِي جَاءَ بِه الإِسْلام اتَّقَقَتْ فِي الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ كُلُّ الرُّسُلِ قَالَ تَعَالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ .
اللَّهُمَّ نَوَّر قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وأعِذْنا مِن شَرِ نُفُوسِنَا والشيطان وَوَفَّقْنَا لِطَاعَتِك اللهُمَّ أَنْظِمْنَا فِي سِلْكِ عِبادِكَ الْمُفِلحينَ واحْشَرْنَا مَعَ الذينَ أنْعَمْتَ عليهم مِن النَّبِيين والصَّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصَّالِحينَ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فصل) : فَقَدِ اعْتَرَفَ الْمُحَقِّقُونَ الْمُنْصِِفُونَ: أَنْ كُلَّ عِلْمٍ نَافِعٍ دِينِي أَوْ دُنْيَوِي أو سِيَاسِي قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ دَلالةً لا شَكَ فيها فَلَيْسَ فِي شَرِيعَةِ الإِسْلام ما تُحِيلهُ العقُولُ وإنما فيه ما تشهدُ العُقولُ السَّلِيمَةُ الزَّكِيَّةُ بصِدْقِهِ وَنَفْعِهِ وَصَلاحِهِ وَكَذَلِكَ أَوَامِرُهُ كَلُّهَا عَدْلٌ، لا حَيْفَ فِيهَا وَلا ظُلْمَ فَمَا أَمَرَ بِشَيْءٍ إِلا وَهُوَ خَيْرٌ خَالصٌ أَوْ رَاجِحٌ، وَمَا نَهَى عَنْ شِيْءٍ إِلا وَهُو شِرٌ خَالِصٌ، أَوْ مَا تَزِيدُ مَفْسِدَتُهَ عَلى مَصْلَحَتِهِ، وَكُلَّمَا تَدَبَرَ الْعَاقلُ اللَّبِيبُ أَحكامَ الإِسْلامِ قَويَ إِيمَانُه وإخْلاصُهُ، وَعِنْدَمَا يَتَأَمَّلُ مَا يَدْعُو إِليهِ هَذَا الدِّينُ الْقويمُ يَجِدُه يَدْعُو إِلى مَكَارِمِ الأخْلاقِ يَدْعُو إلى الصِّدْقِ والْعَفَافِ والْعَدْلِ، وَحِفْظِ
стр. 3474
الْعُهُودِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَاتِ، وَالإِحْسَانِ إِلى الْيَتِيمِ وَالْمِسْكِين، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَإِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَالتَّحَلِّي بِمَكَارِمِ الأَخْلاقِ، يَدْعُو إِلى تَحْصِيلِ التَّمَتُّعِ بِلَذَائِذِ الْحَيَاةِ فِي قَصْدٍ وَاعْتِدَالٍ يَدْعُو إِلى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَالإِثْمِ وَالْعِدْوَانِ، لا يَأْمِرُ إِلا بِمَا يَعُودُ عَلَى الْعَالَم بِالسَّعَادَةِ وَالْفَلاحِ، وَلا يَنْهَى إِلا عَمَّا يَجْلِبُ الشَّقَاءِ وَالْمَضَرَّةِ لِلْعِبَادِ.
وَتَأَمَّلَ مَحَاسِنَ شَرَائِع الإِسْلامِ الْكِبَارِ الَّتِي هِيَ إِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ، فَعَنْدَمَا تتَأَمْلَ الَّصلاةَ الَّتِي هِيَ صِلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ، تَجِدْ فِيهَا الإِخْلاصَ للهِ، وَالإِقْبَالُ عَلَيْهِ، وَالأَدَبَ، وَالاحْتِرَامِ، وَالثَّنَاءَ، وَالدُّعَاءَ، وَالْخُضُوعَ لَهُ، وَمَظْهَرُ الإِجْلالِ مِنَ الْعَبْدِ بَيْنَ يَدِيْ سِيِّدِهِ يَقِفُ الْمَرْءُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَيَبْتَدِئُ بِالاعْتِرَافِ للهِ بَأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْء، وَأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لأَنْ يُعَظَّمَ وَيُجَلَّ وَيُقَدَّرْ (اللهُ أَكْبَرُ) ثُمَّ يَأْخُذُ فِي الثَّنَاءِ عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَيَخُصُه بِالْعِبَادَةِ، وَطَلَبِ الْمَعُونَةِ ضَارِعاً إِلَيْهِ بَأَنْ يَهْدِيهُ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَةِ وَأَنْ يُجَنَّبَهُ عَنْ طَرِيقِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ لانْحِرَافِهِمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ بَعْدَ أَنْ عَرَفُوا وَأَنْ يُبْعِدَه عَنْ طَرِيقِ الضَّالِينَ الْمُنْحَرِفِينَ الذِينَ عَبَدُوا أَهْوَاءَهُمْ وَشَيَاطِينَهُمْ.
وَعِنْدَئِذٍ تَمْتَلِئُ النَّفْسُ مِنْ عَظَمَةِ اللهِ وَهِيبَتِهِ وَجَلالِهِ فَيَخُر الْمَرْءُ سَاجِداً للهِ عَلَى أَشْرَفِ أَعْضَائِهِ، مُظْهِراً لِلذَّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ إِلى مَنْ بِيَدِهِ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَمَزَايَا الصَّلاةِ مِنْ نَاحِيةِ الدِّينِ خُضُوعٌ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَخُشُوعٌ وَاعْتِرَافٌ بِعَظَمَةِ الْقَاهِرِ الْقَادِرِ، وَمَتَى اسْتَشْعَرَ الْقَلْبُ ذَلِكَ. وَامْتَلأت النَّفْسُ مِنْ هَيْبَةِ اللهِ، كَفَّ عَنِ الْمُحَّرمَاتِ، وَلا عَجَبَ مِنْ
стр. 3475
ذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ عَنِ الصَّلاةِ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ وَهِيَ أَكْبَرُ عَوْنٌ لِلْعَبْدِ عَلَى مَصَالِحِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ .
أَمَا عونُها على مصالِح دِينِهِ فَلأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا دَاوَمَ عَلَى الصَّلاةِ وَحَافَظَ عَلَيْهَا قَويَتْ رَغْبَتُه فِي الْخَيْرِ، وَسَهُلَتْ عَلَيْهِ الطَّاعَاتِ وَبَذْلُ الإِحْسَانِ بِطَمَأْنِينَةِ نَفْسَ، وَاحْتِسَابِ، وَرَجَاءٍ لِلثَّوَابِ، وَأَمَّا عَوْنُهَا عَلَى مَصَالِحِ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا تُهَوِّنُ الْمَشَاقَ وَتُسَلِّي عَن الْمَصَائِبِ وَاللهُ سُبْحَانه لا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً فَيُجَازِيِهِ بِتَيْسِيرِ أُمُورِهِ وَيُبَارِكْ فِي مَالِهِ وَأَعْمَالِهِ.
وَفِي تَأْدِيتِهَا جَمَاعَةً يَحْصُلُ التَّعَارِفُ وَالتَّوَاصِلُ وَالتَّوَاددُ وَالتَّعَاطَفُ وَالتَّرَاحُمْ وَيَسُودُ الْوَقَارُ وَالْمَحَبَّةُ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَيَحْصُلُ بِذَلِكَ تَعْلِيمُ فِعْلِيٌّ لِصِفَةِ الصَّلاةِ.
وَانْظرْ إِلى مَا أَوْجَبَهُ اللهَ مِن الزَّكَاةِ تَرَى مَحَاسِنَ جَمَّةً مِنْهَا إِصْلاحُ حَالِ الْفُقَرَاءِ وَسَدِّ حَاجَةِ الْمِسْكِين، وَقَضَاءِ دَيْنِ الْمَدِينِ، وَمِنْهَا التَّخَلُقُ بَأَخْلاقِ الْكِرَامِ، مِنَ السَّخَاءِ وَالجْوُد ِوَالْبُعْدِ عَنْ أَخْلاقِ اللِّئَامِ وَمِنْهَا أَنَّهَا تُطَهِّرُ الْقَلْبَ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا بِبَذْلِ الْيَسِيرِ وَمِنْهَا حِفْظِ الْمَالِ مِنْ الْمُكَدِّرَاتِ وَالْمُنَغِصَاتِ الْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ وَمِنْهَا الاسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ. وَالْمَصَالِحِ الْكُلِّيَةِ الَّتِي لا يَسْتَغْنِي عَنْهَا الْمُسْلِمُونَ وَمِنْهَا دَفْعُ صَوْلَةِ الْفُقَرَاءِ وَمِنْهَا أَنَّهَا دَوَاءٌ لِلْمُجْتَمَعِ وَطِبٌ لِلنُّفُوسِ بِهَا يَطْهُرُ الْمَرْءُ مِنْ رَذِيلَةِ الشُّحِ قَالَ تَعَالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَهَا الأَغْنِيَاءُ لانْقَطَعَ دَابِرُ الاشْتِرَاكِيَّةِ الْمُتَطَرِفَةِ وَالشُّيُوعِيَّةِ الْمُسْرِفَةِ، وَمِنْهَا أَنَّها لَوْ أُدِيتَ تَمَاماً لَحَصَلَ بِذَلِكَ رَاحَةُ الْحُكَّامِ وَصَرْفُ مَجْهُودَاتِهِمْ إِلى مَا يَعُودُ عَلَى الأُمَم بِالْفَلاحِ وَرَغَدِ الْعَيْشِ.
стр. 3476
قَصِيدَةٌ تَتَضَمَّنُ التَّضَرعَ للهِ جَلَّ وَعَلا:
يَا فَاطِرَ الْخَلْقِ الْبَدِيعِ وَكَافِلاً
أَرْزَاقَ مَنْ هُوَ صَامِتٌ أَوْ سَائِلُ
أَوْسَعْتَهُم جُوداً فِيَا مَنْ عِنْدَهُ
رِزْقُ الْجَمِيعِ سَحَابُ جُودِكَ هَاطِلُ
يَا مُسْبِغَ الْبَرِّ الْجَزِيلِ وَمُسْبِلَ الْعَفْوِ
الْعَظِيمِ عَظِيمُ فَضْلِكَ وَابِلُ
يَا صَاحِبَ الإِحْسَانِ يَا مُرْخٍ لَنَا السِّتْرِ
الْجَمِيلَ عَمِيمُ طَوْلِكَ طَائِلُ
يَا عَالِمَ السِّر الْخَفِيّ وَمُنْجِزَ الْـ
مِيعَادِ صِدْقٌ قَدْ حَكَاهُ الْفَاصِلُ
يَا مَنْ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى يَا صَادِقَ الْـ
وَعْدِ الْوَفِي قَضَاءُ حُكْمِكَ عَادِلُ
عَظُمَتْ صِفَاتُكَ يَا عَظِيمُ فَجَلَّ أَنْ
يَأْتِي الْمُشَبُّهُ ظَالِماً وَيُشَاكِلُ
جَلَّتْ فَضَائِلُكَ الْعِظَامُ فَلَمْ نَجِدْ
يُحْصى الثَّنَاءَ عَلَيْكَ فِيهَا قَائِلُ
الذَّنْبُ أَنْتَ لَهُ بِمَنِّكَ غَافِرٌ
مَا لَمْ يَكُنْ شِرْكاً فَفَضْلُكَ حَاصِلُ
يَعْصِيكَ جَمٌّ ثُمَّ تَصْفَحُ عَنْهُمْ
وَلِتَوْبَةِ الْعَاصِي بِحِلْمِكَ قَابِلُ
стр. 3477
.. رَبٌّ يُرَبِّي الْعَالَمِينَ بِبِرَّهِ
وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَيُوَاصِلُ
يُعْطِيهمُوا مَا أَمَّلُوا مِنْ جُودِهِ
وَنَوَالِهِ أَبَداً إِلَيْهِمْ وَاصِلُ
تَعصِيهِ وَهُوَ يَسُوقُ نَحْوَكَ دَائِماً
نِعَماً وَعَنْ شُكْرٍ لَهَا أَنْتَ غَافِلُ
سَتَرَ الذُّنُوبَ وَزَادَ فِي بَذْلِ الْعَطَا
مَا لا تَكُونُ لِبَعْضِهِ تَسْتَاهِلُ
مُتَفَضِّلٌ أَبَداً وَأَنْتَ لِجُودِهِ
تَنْسَى وَتَغْفَلُ هَلْ تَعِي يَا غَافِلُ
يَدْنُوا وَتُبْعِدُ ثُمَّ أَنْتَ لِفَضْلِهِ
بِقَبَائِحِ الْعِصْيَانِ مِنْكَ تُقَابِلُ
وَإِذَا دَجَى لَيْلُ الْخُطُوبِ وَأَظْلَمَتْ
طُرُقُ السَّلامَةِ بَلْ قَلاكَ النَّازِلُ
وَعَلِمْتَ أَنْ لا مَنْجِي ثُمَّ تَلاحَمَتْ
سُبُلُ الْخَلاصِ وَخَابَ فِيهَا الآمِلُ
وَأَيِسَتْ مِنْ وَجْهِ النَّجَاةِ فَمَالَهَا
طُرُقُ وَقَدْ عَظُمَ الْبَلا الْمُتَنَازِلُ
وَقَنِطْتَ مِنْ ضُعْفِ الْيَقِينِ وَلَمْ يَكُنْ
سَبَبٌ وَلا يَدْنُو لَهَا مُتَنَاوِلُ
يَأْتِيكَ مِنْ الْطَافِهِ الْفَرَجُ الذِي
стр. 3478
.. فِيهِ نَجَاتُكَ لَيْسَ يَشْغَلُ شَاغِلُ
فِي لَحْظَةٍ يَأْتِيكَ لُطْفٌ فَارِجٌ
لَمْ تَحْتَسِبه وَأَنْتَ عَنْهُ غَافلُ
يَا مُوجِدَ الأَشْيَاءِ مَنْ أَلْقَى إِلى
أَحَدٍ سِوَاكَ فَإِنَّ ذَلِكَ بَاقِلُ
يَا طَيِّبَ الأَسْمَاءِ مَنْ يَقْصُدْ إِلى
أَبْوَابِ غَيْرِكَ فَهُوَ غِرٌّ جَاهِلُ
وَمَنِ اسْتَرَاحَ بِغَيْرِ ذِكْرِكَ أَوْ رَجَا
مِن غَيْرِكُمْ فَضْلاً فَذَاكَ الْمَائِلُ
وَمَنِ اسْتَظَلَّ بِغَيْرِ ظِلَّكَ رَاجِياً
أَحَداً سِوَاكَ فَذَاكَ ظِلٌّ زَائِلُ
وَمَن اسْتَعَاذَ إِذَا عَرَّتْهُ مُلِمَّةٌ
بِجَلالِكُمْ ذَا الرَّئْيُ رَائْيٌ بَاسِلُ
وَالرَّائْيُ فِي عَكْسِ الذِي حَبَّرْتُهُ
بِسِوَى جَنَابِكَ فَهُوَ رَائْيٌ مَائِلُ
عَمَلٌ أُرِيدَ بِهِ سِوَاكَ فَإِنَّهُ
عَمَلٌ يُرِدُّ عَلَى الذِي هُوَ عَامِلُ
لَوْ صَلَّى ذَاكَ وَصَامَ حَجَّ فَإِنَّ ذَا
عَمَلٌ وَإِنْ زَعُمَ الْمُرَائِيَ بَاطِلُ
وَإِذَا رَضِيتَ فَكُلُّ شَيْءٍ هَيِّنٌ
حَسْبِي رِضَاكَ فَكُلُّ شَيْءٍ زَائِلُ
стр. 3479
.. أَنْتَ الْمُنَى وَرِضَاكَ سُؤْلِي فِي الدُّجَى
وَإِذَا حَصَلْتَ فَكُلُّ شَيْءٍ حَاصِلُ
أَنَا عَبْدُ سُوءٍ آبِقٌ كُلٌّ عَلَى
مَعْبُودِهِ يَا بِئْسَ مَا أَنَا فَاعِلُ
وَلَقَدْ أَتَى الْعَبْدُ الْمُسِيءُ مُيَمِّماً
مَوْلاهُ أَوْزَار الْكَبَائِرِ حَامِلُ
قَدْ أَثْقَلْت ظَهْرِي الذُّنُوبُ وَسَوَّدَتْ
وَجْهِي الْمَعَاصِي ثُمَّ ذَا أَنَا سَائِلُ
مَا لِي سِوَاكَ وَلَسْتُ أَرْجُو غَافِراً
صُحُفَ الْعُيُوِب وَسِتْرُ عَفْوِكَ شَامِلُ
هَا قَدْ أَتَيْتَ وَحُسْنُ ظَنِّي شَافِعِي
إِذْ لَمْ يَكُنْ عَمَلٌ لَدَيَّ يُقَابِلُ
وَلَبِسْتُ ثَوْبَ الْخَوْفِ مِنْكَ مَعَ الرَّجَى
وَوَسَائِلِي نَدَمٌ وَدَمْعٌ سَائِلُ
فَاغْفِرْ لِعَبْدِكَ مَا مَضَى وَارْزُقْهُ تَوْ
بَةَ مُقْلِعٍ فِيهَا الشُّرُوطُ كَوَامِلُ
وَارْزُقْهُ عِلْماً نَافِعاً وَارْزُقْهُ تَوْ
فِيقاً لِمَا تَرْضَى فَفَضْلُكَ كَامِلُ
وَافْعَلْ بِهِ مَا أَنْتَ أَهْلُ جَمِيلِهِ
يَا مَنْ لَهُ اسْماً حِسَانُ فَوَاضِلُ
فَإِذَا فَعَلْتَ فَحُسْنُ ظَنِّي صَائِبٌ
стр. 3480
.. وَالظَّنُّ كُلَّ الظَّنِّ أَنَّكَ فَاعِلُ
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا شَاكِرِينَ وَاجْعَلْنَا لَكَ مِن الذَّاكِرِينَ وَاجْعَلْنَا مِنَ عِبَادِكَ الصَّابِرِينَ الْمُحْسِنِينَ الْمُتَّقِينَ الذِينَ أَهَّلْتُهُمْ لِخِدْمَتِكَ وَوَفَّقْتُهُمْ لِمَحَبَّتِكَ وَطَاعَتِكَ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ يَا عَظِيمَ الْعَفْوِ، يَا وَاسِعَ الْمَغْفِرَةِ، يَا قَرِيبِ الرِّحْمَةِ، يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ، هَبْ لَنَا الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. اللَّهُمَّ يَا حَيُّ وَيَا قَيُّومُ فَرِّغْنَا لِمَا خَلَقْتَنَا لَهُ، وَلا تُشْغِلْنَا بِمَا تَكَفَّلْتَ لَنَا بِهِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِلِقَائِكَ، وَيَرْضَى بِقَضَائِكَ، وَيَقْنَعُ بِعَطَائِكَ، وَيَخْشَاكَ حَقَّ خَشْيَتِكَ. اللَّهُمَّ اكْتُبْ فِي قُلُوبِنَا الإِيمَانَ وَأَيِّدْنَا بِنُورٍ مِنْكَ يَا نُورَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، اللَّهُمَّ وَافْتَحْ لِدُعَائِنَا بَابَ الْقَبُولِ وَالإِجَابَةِ وَاْغِفرْ لَنَا وَارْحَمْنَا بِرَحْمَتِكَ الْوَاسِعَة إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) وَتَأَمَّلَ الصِّيَامَ وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَحَاسِنِ الَّتِي مِنْهَا أَنَّهُ يُبْعَثُ فِي الإِنْسَانِ فَضِيلَةَ الرَّحْمَةِ بِالْفُقَرَاءِ، وَالْعَطْفِ عَلَى الْبَائِسِينَ فَإِنْ الإِنْسَانَ إِذَا جَاعَ تَذَكَّرَ الْفَقِيرِ الْجَائِعِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ بِامْتِنَاعِهِ عَنِ الأَكْلِ يَعْرفُ فَضْلَ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِ فَيَشْكُرَهَا، وَمِنْهَا أَنَّ الصِّيَامَ يَقُوِّيِ النَّفْسَ عَلَى الصَّبْرِ وَالْحُلُمِ، وَهُمَا تَجَنُّبُ كُلَّ مَا مِنْ شَأْنِهِ إِثَارَةُ الْغَضَبِ، لأَنَّ الصَّوْمَ نِصْفُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ نِصْفُ الإِيمَانِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْفِي الْجِسْمُ مِنْ الأَخْلاطِ الرَّدِيئَةِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ مُهَذَّبٌ لِلنُّفُوسِ، وَمُصَفَى لِلأَرْوَاحِ، وَمُطَهِّر للأَجْسَام، فَلَهُ الأَثَرُ الْعَجِيبُ فِي حِفْظِ الْقُوَى الْبَاطِنَةِ، وَحِمَايَتِهَا مِمَّا يَضُرُّهَا ثُمَّ هُوَ عِبَادَةٌ وَامْتِثَالٌ لأَمْرِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَالْمَشَقَّةُ الْحَاصِلَةُ مِنَ الصَّوْمِ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ فِي جَانِبِ رِضَى اللهِ، طَمَعاً في الثَّوَابِ، وَالزُّلْفي وَالأَجْرِ الْعَظِيمِ، إِلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَحَاسِنِ.
وَتَأَمَّلْ مَا فِي حَجِّ بَيْتِ اللهِ مِنْ الْمَحَاسِنِ، الَّتِي مِنْهَا أَنَّهُ مُجْمَعٌ لِسُرَاةِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْتَمِعُونَ فِيهِ مِنْ مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يَعْبُدُونَ إِلَهاً وَاحِداً! قُلُوبُهم مُتَّحِدَةٌ، وَأَرْوَاحُهُمْ مُؤْتَلِفَة فِي الْحَجِّ، يَتَذَكَّرُ الْمُسْلِمُونَ الرَّابِطَةَ الدِّينِيَّةِ، وَقُوَّةَ الْوِحْدَةِ
стр. 3481
الإِسْلامِيَّةِ، وَفِي الْحَجِّ تَذَكُّرٌ لِحَالِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَمَقَامَاتِ الأَصْفِيَاءِ الْمُخْلَصِينِ، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ وَتَذْكِيرٌ بِحَالِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَإِمَامهم، وَمَقَامَاتِه فِي الْحِجِّ الَّتِي هِيَ أَجَلُّ الْمَقَامَاتِ، وَهَذَا التَّذْكِيرُ أَعْلَى أَنْوَاعِ التَّذْكِيرَاتِ، فَإِنَّهُ تَذْكِيرٌ بِأَحْوَالِ عُظُمَاءِ الرُّسُلِ، إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَمَآثِرَهُمْ الْجَلِيلَةِ، وَتَعَبُّدَاتِهِمْ الْجَمِيلَةِ وَالْمُتَذَكِّرُ بِذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِالُّرُسِل، مُعَظِّمٌ لَهُمْ، مُتَأَثِّرٌ بِمَقَامَاتِهِمْ السَّامِيَةِ، مُقْتَدٍ بِهِمْ، وَبَآثَارِهِمْ الْحَمِيدَةِ، ذَاكِرٌ لِمَنَاقِبِهم وَفَضَائِلِهِمْ، فَيَزْدَادُ بِهِ الْعَبْدُ إِيمَاناً وَيَقِيناً.
وَمِنْ مَحَاسِنِ الْحَجِّ تَصْفِيَةُ النَّفْس، وَتَعْوِيدُهَا الْبَذْلَ وَالإِنْفَاقَ، وَتَحَمُّلَ الْمَشَاقِ، وَتَرْكَ الزِّينَةِ وَالْخُيَلاءِ، وَمِنْهَا شُعُورُ الْمَرْءِ بِمُسَاوَاتِهِ لِغَيْرِهِ، فَلا مَلِكَ وَلا مَمْلُوكَ، وَلا غَنِيٌّ وَلا فَقِيرٌ، بَلْ الْكُلُّ هُنَاكَ سَوَاءٌ، وَمِنْ مَحَاسِنِ الْحَجِّ التَّنَقُل في الْبِلادِ لِمَعْرِفَةِ أَحْوَالِهَا، وَعَادَاتِ سُكَّانِهَا، وَزِيَارَةِ مَهْبَطِ الْوَحْي، وَالرُّسُلِ الْكِرَامِ، وَمِنْ مَحَاسِنِ الْحَجِّ تَذَكِّرُ الْمَجْمَعِ الْعَظِيمِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي، وَيَنْفِذُهُمْ الْبَصَرُ، وَذَلِكَ فِي الْمَحْشَرِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حُفَاةً عُرَاةً غُرّاً، وَمِنْ مَحَاسِنِهِ تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى فِرَاقِ الأَهْلِ وَالْوَلَدِ، إِذْ لا بُدَّ مِنْ مُفَارَقَتِهِمْ، فَلَوْ فَارَقَهُمْ فَجْأَةً حَصَلَ صَدْمَةٌ عَظِيمَةٌ عِنْدَ الْفِرَاقِ، وَمِنْ مَحَاِسِن الْحَجِّ أَنَّهُ مَتَى قَصَدَهُ يَتَزَوَّدُ لِسَفَرِهِ بِكُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، مُدَّةَ ذِهَابِهِ وَإِيَابِهِ، فَيَتَزَوَّدَ لِلْعُقْبَى، وَهِيَ السَّفَرَةُ الطَّوِيلَةُ، الَّتِي لا رُجُوعَ بَعْدَهَا، حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ.
وَفِي سَفَرِ الْحِجِّ قَدْ يَجِدُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ وَلا يَجِدُ فِي الْعُقْبَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلدَّارِ الآخِرَةِ، إِلا إِذَا تَزَوَّدَهُ فِي الدُّنْيَا، قَالَ تَعَالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ .
وَمِنْ مَحَاسِنِهِ أَنَّ الإِنْسَانَ يَعْتَادُ التَّوَكُلَ عَلَى اللهِ، لأَنَّهُ لا يُمْكِنُه أَنْ يَحْمِلَ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي سَفَرِهِ لِلْحَجِّ، فَلابُدَّ مِنَ التَّوَكُلِ عَلَى اللهِ تَعَالى فِيمَا حَمَلَهُ، وَفِيمَا لَمْ يَحْمِلْهُ مَعَ نَفْسِهِ، فَيَعْتَادُ تَوَكُّلَهُ إِلى كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَمِنْ مَحَاسِنِهِ أَنَّهُ إِذَا أَحْرَمَ نَزَعَ الْمَخِيطَ الذِي هُوَ لِبَاسُ الأَحْيَاءِ، وَيَلْبِسُ غَيْرَهُ مِمَّا هُوَ أَشْبَهُ بِلِبَاسِ الأَمْوَاتِ، فَيَجِدُّ وَيَجْتَهِدُ فِي الاسْتِعْدَادِ لِمَا أَمَامَهُ إِلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَحَاسِنِ الَّتِي يَصْعُبُ حَصْرُهَا.
стр. 3482
اللَّهُمَّ اجْعَلْ الإِيمَانِ هَادِماً لِلسَّيِّئَاتِ، كَمَا جَعَلْتَ الْكُفْرَ هَادِماً لِلْحِسَابِ وَوَفِّقْنَا لِلأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ تَوَكَّلَ عَلَيْكَ فَكَفَيْتَهُ وَاسْتَهْدَاكَ فَهَدَيْتُهُ وَدَعَاكَ فَأَجَبْتُهُ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) ثُمَّ تَأَمَّلْ مَحَاسِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِذْ فِيهِ قَمْعُ أَعْدَاءِ اللهِ، وَنَصْرُ أَوْلِيَائِهِ، وَإِعْلاءُ كَلَمَةِ الإِسْلامِ، وَحَمْلُ الْكَافِرِ عَلَى تَرْكِ الْكُفْرِ الذِي هُوَ أَقْبَحُ الأَشْيَاءِ، وَالإِقْبَالُ عَلَى مَا هُوَ أَحْسَنُ الأَشْيَاءِ، وَفِيهِ إِخْرَاجُ الْبَشَرِ عَنْ دَرَجَةِ الأَنْعَامِ، قَالَ تَعَالى - فِي حَقِّ الْكَفَرَةِ ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ وَمِنْ مَحَاسِنِهِ اكْتِسَابُ حَيَاةِ الأَبَدِ، فَإِنَّهُ إِنْ قَتَلَ فَقَدْ أَعْلَى دِينَ اللهِ، وَإِنْ قُتِلَ فَقَدْ أَحْيَا نَفْسَهُ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ .
وَمِنْهَا مَا يَحْصُلُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ مِن الثَّوَابِ الْجَزِيلِ وَمِنْهَا تَكْثِيرُ الْمُسْلِمِينَ، وَتَقْلِيلُ الْكَفَرَةِ، وَمِنْهَا وَهُوَ أَعْلاهَا امْتِثَالُ أَمْرِ الله حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ﴾ .
وَمِنْ مَحَاسِنِ الْجِهَادِ أَنَّهُمْ فِي الانْتِصَارِ يَغْنَمُونَ وَيَشْكُرُونَ وَيَقْتَوُوْن وَإِن أدِيلَ عَلَيْهِمْ الْكُفَّارُ عَرَفُوا أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ مَعْصِيَتِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ، وَفَشَلِهِمْ وَتَنَازُعِهِمْ، فَيَلْجَؤا إِلى اللهِ مُتَضَرِّعِينَ تَائِبِينَ، وَمِنْ مَحَاسِنِهِ أَنَّ تَرْكَ الْجِهَادِ سَبَبٍّ لِلذُّلّ، لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ بأَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاود، وَمِنْ مَحَاسِنِ الْجِهَادِ السَّلامَةِ مِنَ النِّفَاقِ، لِحَدِيثِ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ به مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» . رواه أبو داود والنسائي، وفي الحديث الآخرِ: «مَنْ
стр. 3483
لَقِيَ اللهَ بِغَيْرُ أَثَرِ جِهَادٍ لَقِيَ اللهَ وَفِيهِ ثَلْمَةٌ)) . وفي الحديث الآخر: ((مَا تَرَكَ قَوْمٌ الْجِهَادَ إِلا عَمَّهُمُ اللهُ بِالْعَذَابِ)) . وَمِنْ مَحَاسِنِهِ اسْتِخْرَاجُ عُبُودِيَّةِ أَوْلِيَاءِ اللهِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَفِيمَا يُحِبُّونَ وَيَكْرَهُونَ إِلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَدِلَّةِ الدَّالَة عَلَى مَحاسِنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ لإِعْلاءِ كَلِمَةِ اللهِ.
ثُمَّ تَأَمَّلْ مَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ مِنَ الْمُعَامَلاتِ فَمِنْ مَحَاسِنِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وُصُولُ الإِنْسَانِ إِلى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ وَمَلْبَسٍ وَمَسْكَنٍ وَمِنْ مَحَاسِنِهِ قَطْعُ مَسَافَةِ الطَّلَبِ، فَإِنَّ مَنْ طَلَبَ الشَّيْءَ مِنْ مَعْدَنِهِ يَحْتَاجُ إِلى الأَسْفَارِ، وَرُكُوبِ الْمَرْكُوبِ، وَتَحملِ الأَخْطَارِ، وَمَتَى وَجَدَهُ بِالْبَيْعِ سَلِمَ من الأخطار وَسَقَطَ عَنْهُ مَؤْنَةُ الأَسْفَارِ، فَانْظُرْ إِلى الْعُودِ وَالْمِسْكِ، وَالسَّيَّارَاتِ وَالْمَكَائِنِ وَالأَقْمِشَةِ وَالْهِيلَ وَالسُّكَّرِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، مَعَادِنُهَا بَعِيدَةٌ، فَمِنْ لُطْفِ اللهِ بِعِبَادِهِ أَنْ سَخَّرَ بَعْضَ النَّاسِ لِبَعْضٍ، وَجَاءَتْ الشَّرِيعَةُ الْكَامِلَةُ بِحَلِّ أَنْوَاعِ الْمُعَامَلاتِ كَالإِجَارَاتِ وَالشَّرِكَاتِ، إِلا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِهِ مِمَّا فِيهِ ضَرَرٌ أَوْ ظُلْمٌ أَوْ جَهَالَةٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَمَنْ تَأَمَّلَ الْمُعَامَلاتِ الشَّرْعِيَّةَ، رَأَى ارْتِبَاطَهَا بِصَلاحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَشَهِدَ للهِ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ بِعِبَادِهِ، وَحِكْمَتِهِ حَيْثُ أَبَاحَ لِعِبَادِهِ جَمِيعَ الطَّيِّبَاتِ. وَلَمْ يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ إِلا كُلَّ خَبِيثٍ ضَارٍ عَلَى الدِّينِ أَوِ الْعَقْلِ أَوِ الْبَدَنِ أَوِ الْمَالِ.
فَمِنْ مَحَاسِنِ الإِجَارَةِ دَفْعُ حَاجَاتِ الْعِبَادِ بِقَلِيلِ مِن الإِبْدَالِ وَيَسِيرٍ مِنَ الأَمْوَالِ فَلا كُلُ أَحَدٍ يَمْلِكُ دَاراً يَسْكُنُهَا، وَلا سَيَّارَةً يَرْكَبُهَا، وَلا طَائِرَةً يَرْكَبُهَا، وَلا طَاحُونَةً يَطْحَنُ فِيهَا، وَلا مَخْزَناً لأَمْوَالِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ تَعْدَادُهُ فَجُوِّزَتِ الإِجَارَةُ وَلا حَاجَةَ إِلى ذِكْرِ مَحَاسِن الصُّلْحِ فَهُوَ كِمَا ذَكَرَهُ الله خير قال الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ الآية.
وَأَمَّا الْوَكَالَةُ والكفالةُ ففيهما مِنَ الإِحْسَانِ مَا لا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ اعْتَقَدَ الشَّرْعَ وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِد، وَعَقَلَ الشَّرَائِعَ، أَوْ لَمْ يَعْقَلِ، احْتَاجَ إِلى
стр. 3484
الْوَكَالَةِ وَالْكَفَالَةِ فَإِنَّ اللهُ تَعَالى خَلَقَ الْخَلائِقَ، وَجَعَلَهُمْ مُخْتَلِفِينَ فِي الْقَصْدِ وَالْهِمَمِ فَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَرْغَبُ أَنْ يُبَاشِرَ الأَعْمَالَ بِنَفْسِهِ وَلا كُلٌّ يَهْتَدِي إِلى الْمُعَامَلات فَمَنْ لُطْفِ اللهِ بِخَلْقِهِ إِبَاحَتُهَا، فَلا يَلِيقُ بِأَصْحَابِ الْمُرُوآتِ وَأَوْلِيَاءِ الأُمُورِ مُبَاشَرَةُ الْبِيَاعاتِ كُلِّهَا بِأَنْفسِهِمْ فَالنَّبِيُّ ﷺ بَاشَرَ بَعْضَ الأُمُورِ إِلى غَيْرِهِ، وَبَاشَرَ ذَبْحَ الأَضْحِيَةِ بِنَفْسِهِ، وَفَوَّضَ إِلى عَلِيِّ ذَبحَ قِسْمٍ مِنْ هَديهِ ﷺ .
وَأَمَّا الْحُسْنُ فِي الْكِفَالَةِ فَإِنَّ فِيهَا إِظْهَارُ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ وَمُرَاعَاةُ الأَخُوَّةِ يَبْذُلُ الذَّمةَ لِيَضُمَّهَا إلى الذِّمةِ فَيَنْفَسِحَ وَجْهُ الْمُطَالَبَةِ، وَيَسْكُنُ قَلْبُ الْمَطَالِبِ بِسَبَبِ السَّعَة قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ إِلى أَنْ جَعَلَ كَافِلَها زَكَرِيَّا كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ وَإِذَا عَلِمْتَ مَحَاسِنَ الْوَكَالَةِ وَالْكَفَالَةِ، فَالْحَوَالةُ وَاضِحَةٌ مَحَاسِنُهَا فَفِي الْحَوَالةِ كَفَالَةٌ وَوَكَالَةٌ وَزِيَادَةُُ فَرَاغِ ذِمةِ الأَصِيلِ عَنْ الْحُزْنِ الطَّوِيلِ فَإِذَا قُبِلْتَ حَوَالَتَهُ أدْخَلْتَ عَلَى قَلْبِ أَخِيكَ - بِفَرَاغِ ذِمَّتِهِ - سُرُوراً، وَلا يَخْفَى مَا فِي إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى الْمُسْلِمِ مِنَ الأَجْرِ.
وَمِنْ مَحَاسِنِ الشُّفْعَةِ أَنْ الْجَارَ رُبَّمَا يَكُون فِي حَاجَةٍ إِلى هَذِهِ الْحِصَّةِ الْمَبِيعَةِ كَأَنْ يَكُونَ بَيْتُه ضَيِّقاً، وَيُرِيدُ اتِّسَاعَهُ، أَوْ تَكُونَ الأَرْضَ الْمُشْتَرَكَةُ بِجِوَارِ مَزَارِعِهِ، وَيَحْتَاجُ إِلَيْهَا، وَمِنْ مَحَاسِنِهَا التَّنْبِيهُ عَلَى عِظَمِ حَقِّ الْجَارِ وَالشَّرِيكِ حَيْثُ أَنَّ لَهُ الْحَقُّ فِي التَّقدُّم على غَيْرِهِ فِي الشِّرَاءِ إِلا إِذَا أَسْقَطَ حَقَّه بامْتِنَاعِهِ عَنْ الشِّرَاءِ وَمِنْهَا دَفْعُ ضَرَرِ الْجَارِ، وَهُوَ مَادَةُ الضَّرَرِ.
وَقَالَ ﷺ : «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ " فِي الإِسْلامِ)) . وَلا شَكَّ عِنْدَ أَحَدٍ فِي حُسْنِ دَفْعِ ضَرَرِ التَّأَذِّي بِسَبَبِ الْمُجَاوَرَةِ عَلَى الدَّوَامِ مِنْ إِيقَادِ
стр. 3485
نِيرَانٍ، وَإِعْلاءِ جِدَارٍ، وَإِثَارَةِ غُبَارٍ وَدُخَّانٍ، وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ سَمَاعُ التَّلفِزْيُون وَالمذياع وَإِحْدَاثُ أَشْيَاءَ تَضُّر بِمُلْكِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّرَرِ.
وَأَمَّا الْوَدِيعَةُ فَمَحَاسِنُهَا ظَاهِرَةٌ، إِذْ فِيهَا إِعَانَةُ عِبَادِ اللهِ فِي حِفْظِ أَمْوَالِهِمْ، وَوَفَاءِ الأَمَانَةِ، وَهُوَ مِنْ أَشْرَفِ الْخِصَالِ عَقْلاً وَشَرْعاً، وَمِنْ مَحَاسِنِهَا أَنَّهَا إِحْسَانٌ إِلى عِبَادِ اللهِ، وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَمِنْهَا أَنَّهَا سَبَبٌ لِلتَّآلُفِ وَالتَّآخِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَسَبَبٌ لِمحبةِ بَعْضِهم لِبَعْضٍ.
١٣- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلامِ النَّهْيُّ عَنْ سُوءِ مُعَامَلَةِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُقَارِنَ بَيْنَ الْمَحَاسِنِ وَالْمَسَاوِئ، فَإِذَا كَانَ مُنْصِفاً غَضَّ بَصَرَهُ عَنْ الْمَسَاوِئ إِذَا كَانَتْ مَحَاسِنُهَا تَغْمُرهَا لاضْمِحْلالِهَا فِيهَا، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا يَفْرُكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خلُقاً رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَأَمَّا الْفَرَائِضُ وَتَوْزِيعُ الْمَالِ عَلَى الْوَرَثَةِ فَقَدْ وَضَعَهُ اللهُ بِنَفْسِهِ بِحَسَب مَا يَعْلَمُه مِنْ قُرْبٍ وَبُعْدٍ وَنَفْع، وَمَا هُو أَوْلَى بِبِرِّ الْعَبْدِ وَرَتَّبَهُ تَرْتِيباً تَشْهَدْ لَهُ الْعُقُولُ الصَّحِيحَةُ بِالْحُسْنِ وَأَنَّهُ لَوْ وُكِّلَ الأَمْرُ إِلى آرَاءِ النَّاسِ وَأَهْوَائِهِمْ وَإِرَادَاتِهِمْ لَحَصَل بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنْ الْخَلَلِ وَالاخْتِلالِ، وَزَوَالِ الانْتِظَامِ، وَسُوءِ الاخْتِيَارِ فَوْضَى، وَمِنْ جُمْلَةِ الْمَحَاسِنِ أَنَّ أَلْحَقَ السَّبَبَ بِالنَّسَبِ فَالسَّبَبُ الْمُنَاكَحَةُ وَالْوَلاءُ وَلَمَّا جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ عَقْد النِّكَاحِ ذَرِيعَةَ الْمَحَبَّةِ وَالأُلْفَةِ، وَالازْدِوَاجِ، وَالاسْتِئْنَاسِ بَيْنَ النَّاسِ فَلا يُحْسُنُ أَنْ يَلْحَقَها عِنْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا مَضَاضَةُ أَلَمِ الْفِرَاقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْتَفِقَ أَحَدُهُمَا بِمَا فَضُلَ عَنْهُ نَوْعَ ارْتِفَاقٍ، ثُمَّ جَعَلَ لِلزوْجِ ضِعْفَ مَا لِلْمَرْأَةِ مِن الزَّوْج.
وَمِنْ جُمْلَةِ الْمَحَاسِنِ أَنَّهُ لَمْ يُوَرِّث عِنْدَ اخْتِلافِ الدِّينِ، إِذَا مَاتَ الْمُسْلِمُ فَالْكَافِرُ لا يُورَّثُ مِنْهُ لأَنَّ الْكَافِرَ وَإِنْ كَانَ قَرِيباً نَسَباً، فَهُوَ بَعِيدٌ دِيناً، لأَنَّ
стр. 3486
الْكَافِرُ مَيْتٌ لا يَرِثُ الْمَيِّتَ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ الآية، وقَالَ تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَرِثُ الْكَافرَ لاستواء حَالَيْهِمَا وَمَالَيْهِمَا.
١٥- وَأَمَّا الْهِبَةُ فَمُسْتَحَبَّةٌ إِذَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ، وَالأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الإِجْمَاعِ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ قَوْلُهُ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ وَاللهُ سُبْحَانَهُ كَرِيمٌ جَوَّادُ وَهَّاب، وَمِنْ مَحَاسِنِهَا أَنَّهَا سَبَبٌ لِلتَّحَابِّ وَالتَّوَادِّ كَمَا فِي الْحَدِيث: «تَهَادُوا تَحَابُّوا» . وَمِنْ مَحَاسِنِهَا أَنَّهَا تَسُلُ السَّخِيمَةَ. وَفِي الْحَدِيث: «تَهَادُوا فَإِنَّ الْهِدِيَّةَ تَسُلُ السَّخِيمَةَ» . وَقَدْ أَهْدَى ﷺ لِلنَّجَاشِي حُلَّةً وَأَوَاقِي مِنْ مِسْكٍ وَكَانَ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا، وَمِنْ مَحَاسِنِهَا أَنَّهَا تُقَوِّي الصِّلَةَ وَمَتَى قَوِيَتْ الصِّلَةُ سَارَتْ الأُمَّةُ بِقَدَمٍ ثَابِتٍ فَحُسْنُ الصِّلَةِ بَيْنَ أَفْرَادِ الأُمَّةِ سِرُّ نَجَاحِهَا وَمِنْ مَحَاسِنِهَا وَفْرَةُ الثِّقَةُ بَيْنَ الْمُتَهَادِينَ إِلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَحَاسِن.
١٦- وَأَمَّا النِّكَاحُ فَمُسْتَحَبٌّ، وَمَحَاسِنَهُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا تَحْصِينُ الْفَرْجِ، وَمِنْهَا تَحْصِينُ الزَّوْجَةِ، وَمِنْهُ حِفْظُهَا وَالْقِيَامُ بِهَا، وَمِنْ مَحَاسِنِه أَنَّهُ طَرِيقَةُ الرُّسُلِ، وَمِنْ مَحَاسِنِه تَكْثِيرُ الأُمَّةِ، وَتَكْثِيرُ النَّسْلِ، وَمِنْهَا تَحْقِيقُ مُبَاهَاةِ النَّبِيّ ﷺ وَمِنْهَا قَضَاءُ حَوَائِجهِ مِنْ طَبْخٍ وَنَحْوِهِ، وَمِنْهَا حِفْظُ بَيْتِهِ وَأَوْلادِهِ وَمِنْهَا سُكُونُهُ وَطُمَأْنِينَتُه إِلَيْهَا، وَاسْتِئْنَاسُهُ بِهَا، وَمُعَاشَرَتُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ الَّتِي لا يَتَّسِعُ هَذَا الْمَقَامُ لِعَدِّهَا.
١٧- وَأَمَّا الطَّلاقُ فَمِنْ مَحَاسِنِهِ أَنْ جَعَلَ اللهُ مُلْكَ الطَلاقِ إِلى الزَّوْجِ وَمِنْ مَحَاسِنِهِ أَنْ حَكَمَ بِالْحُرْمَةِ الْغَلِيظَةِ بَعْدَ الطَّلقاتِ الثَّلاثِ، لأَنَّ
стр. 3487
الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ طَلَّقَ ثَلاثاً رَأَى الصَّلاحَ فِي الْفِرَاقِ وَعَلَّقَ الشَّرْعُ حِلَّ الْمُطَلَقةِ ثَلاثاً بِالتَّزْوِيجِ بِزَوْجٍ آخَرَ وَالدُّخُولِ بِهَا لِيَصِيرَ هَذَا الشَّرْطُ مَانِعاً لَهُ مِنْ الْعَوْدِ إِلَيْهَا وَيَثْبُتَ عَلَى رَأَيٍ مِنْ الصَّلاحِ فِي مُفَارَقَتِهَا، وَمِنْ الْمَحَاسِنِ أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِحُرْمَتِهَا عَلَى وَجْهٍ لا رُجُوعَ فِيهِ أَصْلاً، فَإِنَّهُ رُبَّمَا لا يَصْبِرُ عَنْهَا فَيَهْلِكُ فِي ذَلِكَ فَالشَّرْعُ جَعَلَ لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ سَبِيلاً لَكِن بَعْدَمَا يَذُوقُ الآخَرُ عُسَيْلَتَهَا، وَتَذُوقُ عُسَيْلَتَهُ، وَلا يَجُوزُ عَنْ طَرِيقِ التَّحْلِيلِ لِحَدِيثِ: «لَعَنَ اللهُ الْمُحَلِلَ وَالْمُحَلَلَ لَهُ» . وَمِنْ مَحَاسِنِ الطَّلاقِ أَنْ يَكُونَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ هَذَا هُوَ السُّنةُ، فَإِنَّهُ إِذَا قَضَى وَطَرُهُ مِنْهَا انْتَقَصَ مَيْلُه إِلَيْهَا طَبْعاً فَيُبَادِرُ إِلى مُفَارَقَتِهَا بِقَلِيلِ دَاعِيَةٍ وَيَسِير أَذِيَّةٍ فَإِنَّ الْمَرْءَ إِذَا شَبَعَ مِنْ شَيْءٍ سَقَطَ مِنْ عَيْنِهِ، وَهَانَ عَلَيْهِ، وَإِذَا جَاعَ قَوِيَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ فَلا يَحْصُلُ الطَّلاقُ عَنْ رَوِيَّةٍ، وَرُبَّمَا يَنْدَمُ عَلَى ذَلِكَ فَيَحْتَاجُ إِلى نَقْضِ الطَّلاقِ، فَكَانَ الطَّلاقُ الْحَسَنُ الْمَسنُونُ، أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْحَالُ حَالَةُ كَمَالِ الرَّغْبَةِ وَتَمَامِ الْمَيْلِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلَى الطَّلاقِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِلا لِحَاجَةٍ دَاعِيَةٍ فَرُخِّصَ لَهُ فِي الطَّلاقِ.
١٨- وَمِنْ مَحَاسِنِهِ أَنْ جَعَلَ هَزْلَهُ جِدّاً قَالَ ﷺ : «ثَلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهنَّ جِدٌّ، الطَّلاقُ، وَالْعِتَاقُ، وَالنِّكَاحُ)) . فَإِذَا عَرَفَ الإنْسَانُ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ تَلَفُظِهِ بِهِ، وَلَوْ مَازِحاً يَقَعُ، امْتَنَعَ بإِذْنِ اللهِ إِذَا كَانَ عَاقِلاً.
١٩- وَمِنْ مَحَاسِنِ الْقِصَاصِ، وَفَرْضِ الْعُقُوبَاتِ، زَجْرُ النُّفُوسِ الْبَاغِيَةِ، وَرَدْعُ الْقُلُوبِ الْقَاسِيَةِ، الْخَالِيَةِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ وَمِنْ مَحَاسِنِه تَأْدِيبُ الْجَمَاعَاتِ الطَّاغِيَةِ فَحَكَمَ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ، وَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ، لِيَحْقِنَ الدِّمَاءَ قَالَ تَعَالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ الآيَةُ، وَالْقَطْعُ
стр. 3488
لِحِفْظِ الأَمْوَالِ، فَيَعِيشُ النَّاسُ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ قَالَ تَعَالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وَحَرَّمَ الزِّنَا وَمُقَدِّمَاتِهِ، كَالنَّظَرِ إِلى الأَجْنَبِيَّةِ، وَالْخُلْوَةِ بِهَا، وَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَأَمَرَ بِرَجْمِ الزَّانِي وَقَتْلِ اللُّوطِيّ عَلَى رُؤوسِ الأَشْهَادِ وَحَكَمَ بِجَلْدِ الزَّانِي الْبِكْرِ، مَائَةَ جَلْدَةً وَالتَّغْرِيبِ كُلُّ ذَلِكَ مُحَافَظَةً عَلَى الأَنْسَابِ، وَالأَعْرَاضِ، وَحِمَاَيةً لِلأَخْلاقِ، وَصِيَانَةً لِلأُمَّةِ مِنَ الْفَنَاءِ، وَالْفَسَادِ، وَحَرَّمَ الْخَمْرَ، وَعَدَّهَا أَمَّ الْخَبَائِثِ، وَحَكَمَ عَلَى مُتَعَاطِيهَا بِالْجِلْدِ لارْتِكَابِهِ النَّقَائِصَ وَالْخَسَائِسَ، كُلُّ ذَلِكَ لِيَبْقَى الْعَقْلُ سَلِيماً، وَيَظَلَّ الْمَالُ مَصُوناً، وَيَدُومَ الشَّرَفُ وَالْخُلُقُ طَاهِراً نَقِيّاً.
شِعْراً:
لَقَدْ أَيْقَظَ الإِسْلامُ لِلْمَجدِ وَالْعُلَى
بَصَائِرَ أَقْوَامٍ عَنْ الْمَجْدِ نُوَّمِ
فَأَشْرَقَ نُورُ الْعِلْمِ مِنْ حُجُرَاتِهِ
عَلَى وَجْهِ عَصْرٍ بِالْجَهَالَةِ مُظْلِمِ
وَدَكَّ حُصُونَ الْجَاهِلِيَّةِ بِالْهُدَى
وَقَوَّضَ أَطْنَابَ الضَّلالِ الْمُخَيِّمِ
وَأَنْشَطَ بِالْعِلْمِ الْعَزَائِمَ وَابْتَنَى
لأَهْلِيْهِ مَجْداً لَيْسَ بِالْمُتَهَدِّمِ
وَأَطْلَقَ أَذْهَانَ الْوَرَى مِنْ قُيُودِهَا
فَطَارَتْ بأَفْكَارٍ عَلَى الْمَجْدِ حُوَّمِ
وَفَكَّ أُسَارَ الْقَوْمِ حَتَّى تَحَفَّزُوا
نُهوضاً إِلى الْعَلْيَاءِ مِنْ كُلِّ مجْثِمِ
стр. 3489
وَعَمَّا قَلِيلٍ طَبَّقَ الأَرْضَ حُكْمُهُمْ
بِأَسْرَعَ مِنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ إِلى الْفَمِ
اللَّهُمَّ رَبَّ قُلُوبُنَا عَلَى مَحَبَّتِكَ وَطَاعَتِكَ وَثَبِّتْنَا عَلَى قَوْلِكَ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَأَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
٢٠- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلامِ الْحَثُّ عَلى الْمَشُورَةِ وَالأَخْذِ بِهَا مَتَى كَانَتْ صَائِبَةً مُتَّفقةً مَعَ الْعَقْلِ وَالْمَنْطِقِ وَالتَّجْرِبَةِ قَالَ تَعَالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ .
٢١- وَمِنْ مَحَاسِنِه أَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ أَكْثَرُهُمْ صَلاحاً وَتَقْوَى كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .
٢٢-وَمِنْ مَحَاسِنِه الْحَثُّ عَلَى الْعِتْقِ، وَتَحْرِير الأَرِقَّاءِ، وَالإِحْسَانِ إِلى الْمَمْلوُكِ.
٢٣- وَمِنْ مَحَاسِنِه الْحَثُّ عَلَى الإِحْسَانِ إِلى الْجَارِ وَالضَّيْفِ وَالْمِسْكِينِ وَالْيَتِيمِ.
٢٤- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلامِ أَنَّهُ يَدْعُو إِلى تَبَادُلِ الإِلْفَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالتَّصَافِي وَالتَّعَاونِ قَالَ ﷺ : «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنُ كَالْبُنْيَان يَشُدُّ بَعْضُه بَعْضاً» .
стр. 3490
٢٥- وَمِنْ مَحَاسِنِه أَنَّهُ يَذم النِّزَاعَ وَالْكَرَاهِيَةَ وَالتَّفْرِقَةَ، قَالَ تَعَالى ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ وَقَالَ الرَّسُول ﷺ : «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً» .
٢٦- وَمِنْ مَحَاسِنِهِ النَّهْيُ عَنْ النَّمِيمَةِ وَالْغِيْبَةِ، وَالْحَسَدِ وَالتَّجَسُّسِ، وَالْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ، وَالآيَاتُ وَالأَحَادِيثُ الدَّالَةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدّاً، فَتَذَكَّرْ لَهَا تَجِدْهَا.
٢٧- وَمِنْ مَحَاسِنِهِ النَّهْيُ عَنِ الظُلْمِ، وَالأَمْرِ بِالْعَدْلِ، مَعَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، قَالَ تَعاَلى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ﴾ وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ .
٢٨- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلامِ الْحَثُّ عَلَى الْعَفْوِ عَنْ الْمُعْتَدِي، قَالَ تَعَالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ وقَالَ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وَقَالَ: ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ .
٢٩- وَمِنْ مَحَاسِنِهِ الدَّعْوَةُ إِلى الصُّلْحِ بَيْنَ الأَخَوَيْنِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْهُجْرَانِ، قَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ .
٣٠- وَمِنْ مَحَاسِنِهِ النَّهْيُ عَنْ التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ، وَالتَّبَاغُضِ وَالتَّحَاسُدِ قَالَ ﷺ : «لاَ تَقَاطَعُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا» . الْحَدِيث.
٣١- وَمِنْ مَحَاسِنِهِ النَّهْيُ عَنْ الاسْتِهْزَاءِ بِالنَّاسِ، وَذِكْرِ عُيُوبِهِمْ قَالَ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ﴾ والآية.
شِعْرًا: ... إِذَا مَا ذَكَرَتَ النَّاسَ فَاتْرك عُيُوبَهُمْ ... فَلا عَيْبَ إِلا دُونَ مَا مِنْكَ يُذْكَرُ
فَإِنْ عِبْتَ قَوْماً بِالذِي هُوَ فِيهِمُ ... فَذَلِكَ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ مُنْكَرُ
стр. 3491
٣٢- وَمِنْ مَحَاسِنِهِ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الإِنْسَانِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَالْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَتِهِ، إِلا أَنْ يَأْذَنُ أَوْ يُرَدَّ، لِمَا يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالتَّقَاطُعِ.
٣٣- وَمِنْ مَحَاسِنِهِ مَشْرُوعِيَّةُ السَّلامِ عَلَى الْمُسْلِمِ، عَرَفَهُ أَوْ لَمْ يَعْرِفَهُ وَمِنْ مَحَاسِنِهِ الأَمْرُ بِرَدِّ التَّحِيَّةِ بِأَحْسَن مِنْهَا أَوْ رَدِّهَا قَالَ تَعَالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ الآية.
٣٤- وَمِنْ مَحَاسِنِهِ الأَمْرُ بِالتَّثْبِت ِفِيمَا نَسْمَعُه، قَالَ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الآية.
٣٥- وَمِنْ مَحَاسِنِهِ النَّهْيُ عَنْ الْبُولِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِد، وَفِي ذَلِكَ الْعِنَايَةُ بِالنَّاحِيَةِ الصِّحِيَّةِ، وَالْوِقَايَةُ مِنْ النَّجَاسَةِ وَالأَمْرَاضِ بِإِذْنِ اللهِ.
٣٦- وَمِنْ مَحَاسِنِهِ النَّهْيُ عَنْ إِيذَاء الْمُؤْمِنِين وَالإضْرَار بِهِمْ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ وَقَالَ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ الثُّومَ أَوِ الْبَصَلَ وَالْكُرَّاثَ، فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» .
٣٧- وَمِنْ مَحَاسِنِهِ النَّهْيُ عَنْ الأَكْلِ بِالشِّمَالِ، وَالشَّرُبِ بِهَا، لأَنَّهَا لإِزَالَةِ مَا يَسْتَقْذَرُ، وَلأَنَّ الشَّيْطانَ يَأْكُل بِشِمَالِهِ، كَمَا فِي الْحَدِيث.
٣٨- وَمِنْ مَحَاسِنِهِ الأَمْرُ بِاتِّبَاعِ جَنَازَة الْمُسْلِم لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الدُّعَاءِ وَالتَّرَحُمِ عَلَيْهِ، وَالصَّلاةِ عَلَيْهِ، وَجَبْرِ خَوَاطِرِ أَهْلِهِ الْمُؤْمِنِين.
٣٩- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلامِ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإبْرَارُ الْمُقْسِمِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّآلُفِ وَالتَّآخِي، وَالدُّعَاءِ لأَخِيكَ بِالرَّحْمَةِ، وَلِمَا فِي إِبْرَارِ الْقَسَمِ مِنْ جَبْرِ خَاطِرِهِ، وَإِجَابَةِ طَلَبِهِ، مَا لَمْ يَكُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ.
стр. 3492
٤٠- وَمِنْ مَحَاسِنِهِ إِجَابَةُ دَعْوَتِهِ، وَلا سِيَّمَا إِذَا كَانَ لِعُرْسٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا مَا يُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ، أَوْ يَخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ كَمَا تَرَاهُ الْيَوْمَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ مِنْ الْمَلاهِي وَالْمُنْكَرَاتِ، لأَنَّ فِي حُضُورِهِ وَالْحَالََةُ هَذِهِ تَشْجِيعٌ لِلْفَسَقَةِ وَأَهْلِ الْمَجُونِ، وَإِعَانَةٌ عَلَى نَشْرِ الْمَعَاصِي، وَعَدَمِ الْمُبَالاةِ فِيهَا فَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ كَإِزَالَةِ التلفزيون ونحوه حَضَرَ وَأَزَالَه وَإِلا أَمْتَنَعَ.
٤١- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ أَنَّهُ حَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِ تَرْوِيعَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، إِمَّا بِإِخْبَارِهِ بِخَبَرٍ يُفْزِعُهُ، أَوْ يُشِيرُ إِلَيْهِ بِسِلاحٍ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
٤٢- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَشَبِّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَبِالْعَكْسِ بَأَن تَتَشَبَّهَ النِّسَاءُ بِالرِّجَالِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ، الَّتِي مِنْهَا التَّخْنِثُ فِيمَنْ يَتَشَبَّه بِهِنَّ، فِي مَلابِسِهِنَّ وَحَركَاتِهِنَّ وَكَلامِهِنَّ، كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ عِنْدَ بَعْضِ الْمُنْحَلِّينَ، الْمَغْرُورِينَ أَصْحَاب الْخَنَافِس وَالتَّوَالِيتَات مَحْلُوقِي اللِّحَا.
٤٣- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلام اتِّقَاءُ مَوَاضِع التُّهَمِ وَالرِّيَبِ، كَيْ يَصُونَ أَلْسِنَةَ النَّاسِ وَقُلُوبَهُمْ عَنْ سُوءِ الظَّنِّ بِهِ، وَوَرَدَ أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ جَاءَتْ تَزُورُهُ وَهُوَ مُعْتِكَفِِ فَقَامَ مَعَهَا مُوَدِّعاً، حَتَّى بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ، فََرَآهُ رَجُلاَنِِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَيْهِ فَقَالَ: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِىَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ» . فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّى خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِى قُلُوبِكُمَا شَيْئاً» . فَهَذَا أَشْرَفُ الْخَلْقِ وَأَزْكَاهُمْ، وَأَبْعَدَ التُّهْمةَ وَالشَّكَ عَنْ نَفْسِهِ. وَقَالَ عُمَرُ ﵁: مَنْ أَقَامَ نَفْسَهُ مَقَامَ التُّهَم فَلا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنِ، وَمَرَّ عُمَرُ بِرَجُلٍ يُكَلِّمُ إِمْرَأَتَه عَلَى ظَهْرِ
стр. 3493
الطَّرِيقِ، فَعَلاهُ وَضَرَبَهُ بِالدُّرَةِ، فقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهَا امْرَأَتِي فَقَالَ عُمَرُ: هَلا كَلَّمْتَهَا حَيْثُ لا يَرَاكَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ.
فالإِسْلام مِنْ مَحَاسِنِه الابْتِعَادُ عَنْ مَوَاضِع التهم والشُّبُهاتِ، فَكَيْفَ لَوْ رَأَى مَنْ تَدَخَّلَ عَلَى الْخَيَّاطِ، يُفَصِّلُ عَلَى بَدَنِهَا وَحْدَهُ، خَالِياً بِهَا، أَوْ رَأَى مِنْ تَدْخُلُ عَلَى الْمُصَوِّرِ وَحْدَها، أَوْ رَأَى مَنْ تَرْكَبْ مَعْ مَنْ لَيْسَ مَحْرَماً لَهَا أَوْ سَافَرَتْ مُسْلِمَةٌ إِلى بِلادِ الْكُفْرِ بِدُونِ مَحْرَمٍ، أَوْ دَخَلَتْ عَلَى الدُّكْتُورِ وَحْدَهَا بِاسْمِ الْكَشْفِ الطِّبِّي، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، مِمَّا حَدَثَ فِي زَمَنِنَا الذِي كَثُرَتْ فِيهِ الْفِتَنْ، وَقَلَّ فِيهِ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَرَدْعُ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ الذِينَ قَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ، وَسَانَدَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً عَكْسَ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْخَيْرِ وَالصَّلاحِ، مِنَ التَّفَكُّك وَالتَّخَاذُلِ وَالْمُصَانَعَاتِ، فالله المستعان.
أَيَا عُلَمَاءُ الدِّينِ مَالِي أَرَاكُمْ
تَغَاضَيْتُم عَنْ مُنْكَرَاتِ الأَوَامِرِ
أَمَا الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ فَرْضُكُمْ
فَأَعْرَضْتُمُ عَنْ ذَاكَ إِعْرَاضَ هَاجِرِ
أَمَّا أَخْذَ الْمِيثَاقَ رَبِّي عَلَيْكُمْ
بَأَنْ تَنْصَحُوا بِالْحَقِّ أَهْلَ الْمَنَاكِرِ
فَإِنْ هُمُ عَصَوْكُمُ فَاهْجُرُوهُمْ وَهَاجِرُوا
تَنَالُوا بِنَصْرِ الدِّينِ أَجْرَ الْمُهَاجِرِ
إِذَا كَانَ هَذَا حَالُ قَاضٍ وَعَالِمٍ
وَحَالُ وَزِيرٍ أَوْ أَمِيرٍ مُظَاهِرِ
стр. 3494
وَلَمْ تَنْهَوُا عَنْ غَيِّكُمْ فَتَرَقَّبُوا
صَوَاعِقَ قَهَّارٍ وَسَطْوَةَ قَاهِرِ
فَمَا اللهُ عَمَّا تَعْمَلُونَ بِغَافِلٍ
وَلَكِنَّهُ يُمْلِي لِطَاغٍ وَفَاجِرِ
وَقَدْ أَرْسَلَ الآيَاتِ مِنْهُ مُخَوِّفاً
وَلَكِنْ غَفَلْتُمْ عَنْ سَمَاعِ الزَّوَاجِرِ
أَجِيبُوا عِبَادَ اللهِ صَوْتَ مُنَاصِحٍ
دَعَاكُمْ بِصَوْتٍ مَالَهُ مِنْ مُنَاصِرِ
وَقُومُوا سِرَاعاً نَحْوَ نَصْرَةِ دِينكُمْ
إِذَا رُمْتُمُ فِي الْحَشْرِ غُفْرَانَ غَافِرِ
وَحُسْنُ خِتَامِ النَّظْمِ أَزْكَى صَلاتِنَا
عَلَى الْمُصْطَفَى وَالآلِ أَهْلِ الْمَفَاخِرِ
اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي أَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَنَوِّرْ قُلُوبَنَا وَأَصْلِح ذَاتَ بَيْنِنَا وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبَنَا وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلامِ وَنَجِّنَا مِنْ الظُّلَُمَاتِ إِلى النُّورِ وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ َ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
٤٤- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلامِ أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا ابْتُلِيَ بِشَرِّيرٍ مِنَ الأَشْرَارِ، أَوْ فَاجِرٍ مِنَ الْفُجَّارِ، أَوْ مُحِبٍّ لِلإِجْرَامِ، يَنْبَغِي أَنْ يَحْذَرَهُ وَيَبْتَعِدَ عَنْ شَرِّهِ، وَيُدَارِيهِ وَيَتَجَنَّبَه مَا أَمْكَنَ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّا لَنَبَشُّ فِي وُجُوهِ قَوْمٍ، وَإِنَّ
стр. 3495
قُلُوبَنَا لِتَلْعَنَهُمْ، وَمَعْنَى هَذَا مُدَارَاةُ الأَشْرَارِ الذِينَ لا تَقْدِرُ عَلَى رَدْعِهِمْ وَالإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ، لِخَوْفِكَ مِنْ شَرِّهِمْ وَأَذِيَّتِهِمْ، وَإِجْرَامِهِمْ، وَتُنْكِرُ بِقَلْبِكَ.
٤٥- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلامِ الأَمْرُ بِإِصْلاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَالأَدِلَّةُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَةِ كَثِيرَةٌ مُتَظَاهِرَة.
٤٦- وَمِنْ مَحَاسِنِهِ الأَمْرُ ِبسَتْرِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَعُيوبِهِمْ وَنَقَائِصهم قَالَ ﷺ : «مَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ» . وَقَالَ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِى قَلْبِهِ لاَ تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ» . الْحَدِيثُ وَتَقَدَّم.
٤٧- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلامِ إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى قَلْبِ الْمُسْلِمِ، وَمُسَاعَدَةِ الْمُحْتَاجِ، قَالَ ﷺ : «لا يُؤْمِنْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» وَقَالَ: «وَمَنْ كَانَ فِى حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِى حَاجَتِهِ» .
٤٨- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلامِ تَوْقِيرُ الْمُسْلِمِ، وَلاسِيَّمَا ذِي الشَّيْبَةِ، وَرَحْمَةُ الصِّبْيَان، قَالَ ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرُ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا» . وَقَالَ ﷺ : «إِنَّ مِنْ إِجْلاَلِ اللهِ إِكْرَامَ ذِى الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ» . الْحَدِيث.
٤٩- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلامِ النَّهْيُ عَنْ الْفُحْشِ، وَبَذَاءَةِ اللِّسَانِ، قَالَ ﷺ : «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلاَ اللَّعَّانِ، وَلاَ الْفَاحِشِ، وَلاَ الْبَذِىءِ» .
٥٠- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلامِ النَّهْيُ عَنْ التَّكَلُّمِ سِرّاً بَيْنَ اثْنَيْنِ، مَعَ وُجُودِ ثَالِثٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُ الثَّاِلَث، فَيَظُنُّ أَنَّهُمْ يَتَنَاجَوْنَ بِهِ، فَهَذَا يُنَافِي الأَدَبِ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ مِن الأَدَبِ أَنْ تَتَحَدَّثَ بِلُغَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ لا
стр. 3496
يَعْرِفُهَا، وَقَالَ ﷺ : «إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً فَلاَ يَتَنَاجَ اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، مِنْ أَجْلَ أَنْ ذلك يُحْزِنَهُ» .
٥١- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ أَنْ يَتَدَخَّلَ الإِنْسَانُ فِيمَا لا يَعْنِيهِ، وَهَذِهِ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ ﷺ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ» . أَخَذَهُ بَعْضُهُمْ وَصَاغَهُ بِعِبَارَةِ: (ابْحَثْ عَنْ عَمَلِكَ الْخَاصِّ) . وَلَوْ تَتَبَعَّ الْمُسْلِمُونَ إِرْشَادَاتِ نَبِيِّهِمْ، وَنَصَاِئِحِه ﷺ ، لاسْتَرَاحُوا وَأَرَاحُوا غَيْرَهُمْ، وَلَوْ تَتَبَّعْت أَكْثَرَ الْمَشَاكِلَ، وَالْمُنَازَعَاتِ وَالْمُخَاصَمَاتِ وَالْمُجَادَلاتِ، لَوجَدْتَ سَبَبَها الْوَحِيدَ التَّدَخُلُ فِيمَا لا يَعْنِي.
٥٢- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ النَّهْيُ وَالتَّحْذِيرُ عَنْ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقَاتِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّعَرُّضِ لِمَا لا يَنْبَغِي، وَلِمَا يَلْزَمُ الإِنْسَانَ الْقِيَامُ بِهِ وَرُبَّمَا لَمْ يَقُمْ بِهِ مِنَ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَرَدْعِ الظَّالِمِ، وَذَلِكَ نَصْرُهُ، وَإِعَانَةِ الْمُسْلِمِ، وَغَضِّ الْبَصَرِ وَرَدِّ السَّلامِ، وَكَفِّ الأَذَى.
٥٣- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ أَنَّ مَن استعاذَنَا بِاللهِ عَلَيْنَا أَنْ نُعِيذَهُ وَأَنَّ مَنْ سَأَلَنَا بِاللهِ نُعْطِيهُ، وَنُكَافِئَ مَنْ صَنَعَ إِلَيْنَا مَعْرُوفاً إِنْ اسْتَطَعْنَا، فَإِنْ لَمْ نَسْتَطِع نَدْعُو لَهُ أَنْ يَجْزِيَه اللهَ جَزَاءً حَسَناً، عَلَى مَا أَسْدَاهُ إِلَيْنَا مِنَ الْمَعْرُوفِ، عَمَلاً بِالْحَدِيثِ «مَنِْ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ» . الْحَدِيث.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الأَعْظَمِ الأَعَزِّ الأَجَل الأَكْرَمِ الذِي إِذَا دُعِيتَ بِهِ أَجَبْتَ، وَإِذَا سُئِلْتَ بِهِ أَعْطَيْتَ، وَنَسْأَلُكَ بِوَجْهِكَ الْكَرِيم أَكْرَمَ الْوُجُوه وَأَعَزَّ الْوُجُوه، يَا مَنْ عَنَتْ لَهُ الْوُجُوهُ وَخَضَعَتْ لَهُ الرِّقَابُ،
стр. 3497
وَخَشَعَتْ لَهُ الأَصْوَاتُ، يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّوم يَا مَالِكَ الْمُلْكِ يَا مَنْ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير، وَبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم، وَبِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيط، يَا مَنْ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَر إِلا فِي كِتَابٍ مُبِين، نَسْأَلُكَ أَنْ تَغْفِر سَيِّئَآتِنَا وَتُبَدِّلَهَا بِحَسَنات يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ وَأَجْوَدَ الأَجْوَدِين وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
٥٤- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ أَنْ تُنْصِفَ مِنْ نَفْسِكَ، وَأَنْ تُحِبَّ للنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَتَضَعَ نَفْسَكَ مَوْضِعَ إِخْوَانِكَ الْمُسْلِمِينَ، وَتُعَامِلَهُمْ الْمُعَامَلَةَ الَّتِي تُحِبُّ أَنْ يُعَامِلُوكَ بِهَا، وَتُؤَدِّيَ حُقُوقَهُمْ، قَالَ ﷺ : ((لا يَسْتَكْمِلُ الْعَبْدُ الإِيمَانَ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ ثَلاَثُ خِصَالٍ، الإِنْفَاقُ مِنْ الإِقْتَارِ، وَالإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِهِ، وَبَذْلُ السَّلامِ» . وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ وَقَالَ ﷺ : «طَعَامُ الاِثْنَيْنِ كَافِي الثَّلاَثَة» . إِلى آخِرِ الْحَدِيثِ. وَفِي الْحَدِيثِ الآخر: «وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلٌ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ مَنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مِنْ لاَ زَادَ لَهُ» . فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ، قَالَ أَبُو سَعِيد: حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لاَ حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِى فَضْلٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٥٥- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلام، وَأَخْلاقِهِ السَّامِيَةِ، أَنْ يَصُونَ الإِنْسَانُ ِعْرَض أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَنَفْسَه وَمَالَه، مِنْ ظُلْمٍ أَصَابَهُ بِقَدْرِ اسْتِطَاعَتِه، وَيَرُدَّ عَنْهُ الظُّلْمِ وَالْعِدْوَانَ، وَيُدَافِعَ وَيُنَاضِلَ عَنْهُ حَسَبَ قُدْرَتِهِ، فَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁ أَنَّ رَجُلاًٌ نَالَ مِنْ رَجُلٍ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 3498
فَرَدَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ كَانَ لَهُ حِجَاباً مِنَ النَّارِ» . وَوَرَدَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
٥٦- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلامِ الأَمْرُ بِالتَّوَسُطِ بَيْنَ الْبُخْلِ وَالإِسْرَافِ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً﴾ وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ بَيْنَ تَبْذِيرٍ وَبُخْلٍ رُتْبَةٌ وَكِلا هَاذَيْنِ إِنْ زَادَ قَتَلْ.
٥٧- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلامِ الْحَثُّ عَلَى الصَّبْرِ بِأَنْوَاعِهِ الثَّلاثَةِ الصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ حَتَّى يُؤَدِّيهَا، وَالصَّبْرُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ حَتَّى يَتْرُكَهَا، وَالصَّبْرِ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ الْمُؤْلِمَةِ.
٥٨- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلامِ الْعَطْفُ عَلَى الضُّعَفَاءِ، وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَالرَّأْفَةِ بِالْيَتَامَى، وَالْخَدَمِ وَالْعَبِيدِ وَالإِمَاءِ، وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَدَفعِ الأَذَى عَنْهُمْ، وَحُسْنِ مُعَامَلَتِهِمْ، وَالتَّوَاضُعِ مَعَهُمْ، وَمُلاطَفَتِهِمْ وَخَفَضْ الْجَنَاحِ لَهُمْ، وَلِيْنِ الْجَانِبِ مَعَهُمْ، قَالَ تَعَالى لِرَسُولِهِ ﷺ : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ وَقَالَ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ وَقَالَ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ وَقَالَ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ الآية.
٥٩- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ الرَّأْفَةُ، وَالرَّحْمَةُ، وَالشَّفْقَةُ، لا الْقَسْوَةُ
стр. 3499
وَالْغِلْظَةُ وَالتَّعْذِيبُ، حَتَّى فِي حَقِّ الْحَيَوَانَاتِ الْبَهِيمَيَّةِ عَنْ ابنِ عُمَرَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِى هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مَرْفُوعاً: «أَنَّ رَجُلاً دَنَا مِنْ بِئْرٍ فَنَزَلَ وَشَرِبَ مِنْهَا، وَعَلَى الْبِئْرِ كَلْبٌ يَلْهَثُ مِنَ الْعَطَشِ، فَرَحِمَهُ فَنَزَعَ أَحَدَ خُفَّيْهِ فَسَقَاهُ فَشَكَرَ اللهُ لَهُ ذَلِكَ فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» .
وَرَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى حِمَارٍ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: «لَعَنَ اللهُ الذِي وَسَمَهُ» .
شِعْراً:
أَنَا الْعَبْدُ الذِي كَسَبَ الذُّنُوبَا
وَصَدَّتْهُ الأَمَانِي أَنْ يَتُوبَا
أَنَا الْعَبْدُ الذِي أَضْحَى حَزِيناً
عَلَى زَلاتِهِ قَلِقاً كَئِيبَا
أَنَا الْعَبْدُ الذِي سُطِرَتْ عَلَيْهِ
صَحَائِفُ لَمْ يَخَفْ فِيهَا الرَّقِيبَا
أَنَا الْعَبْدُ الْمُسِيءُ عَصَيْتُ سِرّاً
فَمَا لِي الآنَ لا أُبْدِي النَّحِيبَا
أَنَا الْعَبْدُ الْمُفَرِّطُ ضَاعَ عُمْرِي
فَلَمْ أَرْعَ الشَّبِيبَةَ وَالْمَشِيبَا
стр. 3500
أَنَا الْعَبْدُ الْغَرِيقُ بِلُجِّ بَحْرٍ
أَصِيحُ لَرُبَّمَا أَلْقَى مُجِيبَا
أَنَا الْعَبْدُ السَّقِيمُ مِنَ الْخَطَايَا
وَقَدْ أَقْبَلْتُ التَمِسُ الطِّبِيبَا
أَنَا الْعَبْدُ الْمُخَلَّفُ عَنْ أُنَاسٍ
حَوَوْا مِنْ كُلِّ مَعْرُوفٍ نَصِيبَا
أَنَا الْعَبْدُ الشَّرِيدُ ظَلَمْتُ نَفْسِي
وَقَدْ وَافَيْتُ بَابَكُمْ مُنِيبَا
أَنَا الْعَبْدُ الْفَقِيرُ مَدَدْتُ كَفِّي
إِلَيْكُمْ فَادْفَعُوا عَنِّي الْخُطُوبَا
أَنَا الْغَدَّارُ كَمْ عَاهَدْتُ عَهْداً
وَكُنْتَ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ كَذُوبَا
أَنَا الْمَقْطُوعُ فَارْحَمْنِي وَصِلْنِي
وَيَسِّر مِنْكَ لِي فَرَجاً قَرِيبَا
أَنَا الْمُضْطَرُّ أَرْجُو مِنْكَ عَفْواً
وَمَنْ يَرْجُو رِضَاكَ فَلَنْ يَخِيبَا
فَيَا أَسَفِي عَلَى عُمْرٍ تَقْضِّي
وَلَمْ أَكْسِبْ بِهِ إِلا الذُّنُوبَا
وَأَحْذَرُ أَنْ يُعَاجِلُنِي مَمَاتٌ
يُحَيِّرُ هَوْلُ مَصْرَعِهِ اللَّبِيبَا
стр. 3501
وَيَا حُزْنَاهُ مِنْ حَشْرِي وَنَشْرِي
بِيَوْمٍ يَجْعَلِ الْوِلْدَانَ شِيبَا
تَفَطَّرَتْ السَّمَاءُ بِهِ وَمَارَتْ
وَأَصْبَحَتِ الْجِبَالُ بِهِ كَثِيبَا
إِذَا مَا قُمْتُ حَيْرَاناً ظَمِيئاً
حَسِيرَ الطَّرْفِ عُرْيَاناً سَلِيبَا
وَيَا خَجْلاهُ مِنْ قُبْحِ اكْتِسَابِي
إِذَا مَا أَبْدَتْ الصُّحُفُ الْعُيُوبَا
وَذِلَّةُ مَوْقِفٍ وَحِسَابِ عَدْلٍ
أَكُونُ بِهِ عَلَى نَفْسِي حَسِيبَا
وَيَا حَذْرَاهُ مِنْ نَارِ تَلَظَّى
إِذَا زَفَرَتْ وَأَقْلَقَتِ الْقُلُوبَا
تَكَادُ إِذَا بَدَتْ تَنْشَقُّ غَيْظاً
عَلَى مَنْ كَانَ ظَلاماً مُرِيبَا
فَيَا مَنْ مَدَّ فِي كَسْبِ الْخَطَايَا
خُطَاهُ أَمَا يَأْنِي لَكَ أَنْ تَتُوبَا
أَلا فَاقْلِعْ وَتُبْ وَاجْهَدْ فَإِنَّا
رَأَيْنَا كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبَا
وَأَقْبِلْ صَادِقاً فِي الْعَزْمِ وَاقْصُدْ
جَنَاباً لِلْمُنِيبِ لَهُ رَحِيبَا
وَكُنْ لِلصَّالِحِينَ أَخاً وَخِلا
стр. 3502
.. وَكُنْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا غَرِيبَا
وَكُنْ عَنْ كُلِّ فَاحِشَةٍ جَبَاناً
وَكُنْ فِي الْخَيْرِ مِقْدَاماً نَجِيبَا
وَلاحِظْ زِينَة الدُّنْيَا بِبُغْضٍ
تَكُنْ عَبْداً إِلى الْمَوْلَى حَبِيبَا
فَمَنْ يَخْبُرْ زَخَارِفَهَا يَجِدْهَا
مُخَالِبَةً لِطَالِبِهَا خَلُوبَا
وَغُضَّ عَنِ الْمَحَارِمِ مِنْكَ طَرْفاً
طَمُوحاً يَفْتِنُ الرَّجُلَ الأَرِيبَا
فَخَائِنَةُ الْعُيُونِ كَأُسْدِ غَابٍ
إِذَا مَا أَهْمَلْتَ وَثَبْتَ وَثُوبَا
وَمَنْ يَغْضُضْ فُضُولَ الطَّرَفِ عَنْهَا
يَجِدْ فِي قَلْبِهِ رُوحاً وَطِيبَا
وَلا تُطْلِقْ لِسَانَكَ فِي كَلامٍ
يَجُرُّ عَلَيْكَ أَحْقَاداً وَحُوبَا
وَلا يَبْرَحْ لِسَانُكَ كُلَّ وَقْتٍ
بِذِكْرِ اللهِ رَيَّاناً رَطِيبَا
وَصَلِّ إِذَا الدُّجَى أَرْخَى سُدُولاً
وَلا تَضْجَرْ بِهِ وَتَكُنْ هَيُوبَا
تَجِدْ أُنْساً إِذَا أُودِعْتَ قَبْراً
وَفَارَقْتَ الْمَعَاشِرُ وَالنَّسِيبَا
стр. 3503
.. وَصُمْ مَا تَسْتَطِيعُ تَجِدْهُ رِيّاً
إِذَا مَا قُمْتَ ظَمْآناً سَغِيبَا
وَكُنْ مُتَصَدِّقاً سِرّاً وَجَهْراً
وَلا تَبْخَلْ وَكُنْ سَمْحاً وَهُوبَا
تَجِدْ مَا قَدَّمَتْهُ يَدَاكَ ظِلا
إِذَا مَا اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْكُرُوبَا
وَكُنْ حَسَنِ السَّجَايَا وَذَا حَيَاءٍ
طَلِيقَ الْوَجْهِ لاشَكْساً غَضُوبَا
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا تَوْفِيقاً يَقِيناً عَنْ مَعَاصِيكَ، وَأَرْشِدْنَا بِرُشْدِكَ إِلى السَّعْي فِيمَا يُرْضِيكَ وَأَجِرْنَا يَا مَوْلانَا مِنْ خِزْيكَ وَعَذَابِكَ، وَهَبْ لَنَا مَا وَهَبْتَهُ لأَوْلِيَائِكَ وَأَحْبَابِكَ وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
٦٠- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلام مراعاةُ الْحِكْمَةِ، وَذَلِكَ أَنْ نَضَعَ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَنْزِلَتِهِ، وَنُرَاعِي كَرَامَتَهُ وَشُعُورَهُ وَنَجْعَلَهُ فِي الْمَكَانِ الذِي يَلِيقُ بِهِ.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ مُسَافِرَةً فَنَزَلَتْ مَنْزِلاً تَسْتَرِيحُ فِيهِ وَتَتَنَاوَلُ طَعَامَهَا فَجَاءَ سَائِلٌ فَقِيرٌ
стр. 3504
فَقَالَتْ: نَاوِلُوا هَذَا الْمِسْكِينَ قُرْصاً، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ يَرْكَبُ فَرَساً، فَقَالَتْ: ادْعُوهُ إِلى الطَّعَامِ. فَقِيلَ لَهَا: لِمَاذَا تَعْطِينَ الْمِسْكِينَ قُرْصاً، وَتَدْعِينَ هَذَا الْغَنِيَّ إِلى الطَّعَام، فَأَجَابَتْ إِنَّ اللهَ تَعَالى أَنْزَلَ النَّاسَ مَنَازِلَ لا بُدَّ لَنَا أَنْ نُنْزِلَهُمْ تِلْكَ الْمَنَازِلَ، هَذَا الْمِسْكِينُ يَرْضَى بِقُرْصٍ، وَقِبيِحٌ بِنَا أَنْ نُعْطِي هَذَا الْغَنِيَّ - وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ - قُرْصاً. فَرَحِمَهَا اللهُ مَا أَحْسَنَ هَذَا مِنْ جَوَابِ رَدٍّ دَلَّ عَلَى الْحِكْمَةِ، وَحُسنِ الذُّوقِ، وَنَُبْلِ الْخُلُقِ، وَكَرَمِ الْمُعَامَلَةِ، وَالإِقْتِدَاءَ التَّامِ بِإِرْشَادَاتِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ .
وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ بَيْتاً مِنْ بُيُوتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ حَتَّى امْتَلأَ الْمَجْلِسُ، فَجَاءَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ، فَلَمْ يَجِدْ مَكَاناً فَقَعَدَ عَلَى الْبَابِ فَلَفَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ رِدَاءَهُ وَقَدَّمَهُ إِلَيْهِ لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: «اجْلِسْ عَلَى هَذَا» . فَأَخَذَ جَرِيرٌ الرِّدَاءَ، وَوَضَعَهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَجَعَلَ يُقَبِّلُه وَيَبْكِي، مُتَأَثِّراً مِنْ إِكْرَامِ النَّبِيّ ﷺ لَهُ، ثُمَّ لَفَّهُ وَرَدَّه إِلى النَّبِي ﷺ شَاكِراً مُقَدِّراً، وَقَالَ: مَا كُنْتُ لأَجْلِسَ عَلَى ثَوْبِكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَكْرَمَكَ اللهُ يَا رَسُولَ اللهِ كَمَا أَكْرَمْتَنِي، فَنَظَر الْمُصْطَفَى ﷺ يَمِيناً وَشِمَالاً ثُمَّ قَالَ: «إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوه» .
فَانْظُرْ إِلى هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ الْجَمِيلَةِ، تَجِدِ الْمَثَلَ الْكَاملَ فِي مُعَامَلَةِ الرَّسُولِ لَهُ، حَيْثُ رَاعَى شُعُورَ جَرِيرٍ وَأَكْرَمَهُ، وَكَيْفَ تَأَثَّرَ جَرِيرٌ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ الْكَرِيمَةِ النَّبِيلَةِ اللَّطِيفَةِ.
٦١- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ أَنَّهُ أَثْبَتَ لِلزَّوْجَاتِ عَلَى الأَزْوَاجِ حُقُوقاً مِثْلُ
стр. 3505
الْحُقُوقِ الَّتِي لِلرِّجَالِ بِالْمَعْرُوفِ، وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ، وَتَرْكِ الإِضْرَارِ، وَجَعل ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أَيْ فِي الْفَضِيلَةِ فِي الْخُلُقِ وَالْمَنْزِلَةِ، وَطَاعَةِ الأَمْرِ، وَالإِنْفَاقِ، وَأَدَاءِ الْمَهْرِ، وَالْقِيَامِ بِالْمَصَالِحِ، وَالْفَضْلِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
٦٢- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ أنَّ الْمَرْأَةَ عِنْدَ بَعْضِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تُعَدُّ جُزْأً مِنْ ثَرْوَةِ أَبِيهَا أَوْ زَوْجِهَا، وَكَانَ ابنُ الرجلِ يَرِثُ أَرْمَلَةَ أَبِيهِ بَعْدَ وَفَاتِهَا، وَكَانَ الْعَرَبُ قَبْلَ الإِسْلامِ يَرِثُونَ النِّسَاءَ كُرْهاً، بَأَنْ يَأْتِي الْوَارِثُ وَيُلْقِي ثَوْبَه عَلَى زَوْجَةِ أَبِيهِ، ثُمَّ يَقُولُ: وَرِثْتُهَا كَمَا وَرِثْتُ مَالَ أَبِي، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا تَزَوَّجَهَا بِدُونِ مَهْرٍ، أَوْ زَوَّجَهَا لأَحَدٍ مِنْ عِنْدَهُ وَتَسلَّمَ مَهْرَهَا مِمَّنْ يَتَزَوَّجَهَا، أَوْ حَرَّمَ عَلَيْهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ كَيْ يَرِثَهَا، فَمَنَعَتِ الشَّرِيعَةُ الإِسْلامِيَّة هَذَا الظُّلْمِ وَهَذَا الإِرْثَ قَالَ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً﴾ وَكَانَ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَمْنَعُونَ النِّسَاءَ مِنَ الزَّوَاجِ، فَالابْنُ الْوَارِثُ كَانَ يَمْنَعُ زَوْجَةَ أَبِيهِ مِنَ التَّزوْجِ، كَيْ تُعْطِيَه مَا أَخَذَتْهُ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ، وَالأَبُ يَمْنَعُ ابْنَتَهُ مِنْ التَّزوُجِ حَتَّى تَتْرُكَ لَهُ مَا تَمْلِكُه، وَالرَّجُلُ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ وَيَمْنَعُهَا مِنَ الزَّوَاجِ، حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهَا مَا يَشَاءُ. وَالزَّوْجُ الْمُبْغِضُ لِزَوْجَتِهِ يُسِيءُ عِشْرَتَهَا، وَيُمَلِّلُهَا، وَلا يُطَلِّقُهَا حَتَّى تَرُدَّ إِلَيْهِ مَهْرَهَا، فَالْعَرَبُ قَبْلَ الإِسْلام يَظْلِمُونَ الْمَرْأَةَ وَيَتَحَكَّمُونَ فِيهَا، قَالَ تَعَالى: ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ وَكَانُوا لا يَعْدِلُونَ بَيْنَ النِّسَاءِ فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ، فَأَمَرَ الإِسْلامُ بِالْعَدَالَةِ بَيْنَهُنَّ قَالَ تَعَالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية، وَقَالَ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ وَقَالَ فِي نَاحِيَةِ الدِّينِ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
следующие страницы →