← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

وَيَا حُزْنَاهُ مِنْ حَشْرِي وَنَشْرِي بِيَوْمٍ يَجْعَلِ الْوِلْدَانَ شِيبَا تَفَطَّرَتْ السَّمَاءُ بِهِ وَمَارَتْ وَأَصْبَحَتِ الْجِبَالُ بِهِ كَثِيبَا إِذَا مَا قُمْتُ حَيْرَاناً ظَمِيئاً حَسِيرَ الطَّرْفِ عُرْيَاناً سَلِيبَا وَيَا خَجْلاهُ مِنْ قُبْحِ اكْتِسَابِي إِذَا مَا أَبْدَتْ الصُّحُفُ الْعُيُوبَا وَذِلَّةُ مَوْقِفٍ وَحِسَابِ عَدْلٍ أَكُونُ بِهِ عَلَى نَفْسِي حَسِيبَا وَيَا حَذْرَاهُ مِنْ نَارِ تَلَظَّى إِذَا زَفَرَتْ وَأَقْلَقَتِ الْقُلُوبَا تَكَادُ إِذَا بَدَتْ تَنْشَقُّ غَيْظاً عَلَى مَنْ كَانَ ظَلاماً مُرِيبَا فَيَا مَنْ مَدَّ فِي كَسْبِ الْخَطَايَا خُطَاهُ أَمَا يَأْنِي لَكَ أَنْ تَتُوبَا أَلا فَاقْلِعْ وَتُبْ وَاجْهَدْ فَإِنَّا رَأَيْنَا كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبَا وَأَقْبِلْ صَادِقاً فِي الْعَزْمِ وَاقْصُدْ جَنَاباً لِلْمُنِيبِ لَهُ رَحِيبَا وَكُنْ لِلصَّالِحِينَ أَخاً وَخِلا

стр. 3502

.. وَكُنْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا غَرِيبَا وَكُنْ عَنْ كُلِّ فَاحِشَةٍ جَبَاناً وَكُنْ فِي الْخَيْرِ مِقْدَاماً نَجِيبَا وَلاحِظْ زِينَة الدُّنْيَا بِبُغْضٍ تَكُنْ عَبْداً إِلى الْمَوْلَى حَبِيبَا فَمَنْ يَخْبُرْ زَخَارِفَهَا يَجِدْهَا مُخَالِبَةً لِطَالِبِهَا خَلُوبَا وَغُضَّ عَنِ الْمَحَارِمِ مِنْكَ طَرْفاً طَمُوحاً يَفْتِنُ الرَّجُلَ الأَرِيبَا فَخَائِنَةُ الْعُيُونِ كَأُسْدِ غَابٍ إِذَا مَا أَهْمَلْتَ وَثَبْتَ وَثُوبَا وَمَنْ يَغْضُضْ فُضُولَ الطَّرَفِ عَنْهَا يَجِدْ فِي قَلْبِهِ رُوحاً وَطِيبَا وَلا تُطْلِقْ لِسَانَكَ فِي كَلامٍ يَجُرُّ عَلَيْكَ أَحْقَاداً وَحُوبَا وَلا يَبْرَحْ لِسَانُكَ كُلَّ وَقْتٍ بِذِكْرِ اللهِ رَيَّاناً رَطِيبَا وَصَلِّ إِذَا الدُّجَى أَرْخَى سُدُولاً وَلا تَضْجَرْ بِهِ وَتَكُنْ هَيُوبَا تَجِدْ أُنْساً إِذَا أُودِعْتَ قَبْراً وَفَارَقْتَ الْمَعَاشِرُ وَالنَّسِيبَا

стр. 3503

.. وَصُمْ مَا تَسْتَطِيعُ تَجِدْهُ رِيّاً إِذَا مَا قُمْتَ ظَمْآناً سَغِيبَا وَكُنْ مُتَصَدِّقاً سِرّاً وَجَهْراً وَلا تَبْخَلْ وَكُنْ سَمْحاً وَهُوبَا تَجِدْ مَا قَدَّمَتْهُ يَدَاكَ ظِلا إِذَا مَا اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْكُرُوبَا وَكُنْ حَسَنِ السَّجَايَا وَذَا حَيَاءٍ طَلِيقَ الْوَجْهِ لاشَكْساً غَضُوبَا اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا تَوْفِيقاً يَقِيناً عَنْ مَعَاصِيكَ، وَأَرْشِدْنَا بِرُشْدِكَ إِلى السَّعْي فِيمَا يُرْضِيكَ وَأَجِرْنَا يَا مَوْلانَا مِنْ خِزْيكَ وَعَذَابِكَ، وَهَبْ لَنَا مَا وَهَبْتَهُ لأَوْلِيَائِكَ وَأَحْبَابِكَ وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) ٦٠- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلام مراعاةُ الْحِكْمَةِ، وَذَلِكَ أَنْ نَضَعَ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَنْزِلَتِهِ، وَنُرَاعِي كَرَامَتَهُ وَشُعُورَهُ وَنَجْعَلَهُ فِي الْمَكَانِ الذِي يَلِيقُ بِهِ. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ مُسَافِرَةً فَنَزَلَتْ مَنْزِلاً تَسْتَرِيحُ فِيهِ وَتَتَنَاوَلُ طَعَامَهَا فَجَاءَ سَائِلٌ فَقِيرٌ

стр. 3504

فَقَالَتْ: نَاوِلُوا هَذَا الْمِسْكِينَ قُرْصاً، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ يَرْكَبُ فَرَساً، فَقَالَتْ: ادْعُوهُ إِلى الطَّعَامِ. فَقِيلَ لَهَا: لِمَاذَا تَعْطِينَ الْمِسْكِينَ قُرْصاً، وَتَدْعِينَ هَذَا الْغَنِيَّ إِلى الطَّعَام، فَأَجَابَتْ إِنَّ اللهَ تَعَالى أَنْزَلَ النَّاسَ مَنَازِلَ لا بُدَّ لَنَا أَنْ نُنْزِلَهُمْ تِلْكَ الْمَنَازِلَ، هَذَا الْمِسْكِينُ يَرْضَى بِقُرْصٍ، وَقِبيِحٌ بِنَا أَنْ نُعْطِي هَذَا الْغَنِيَّ - وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ - قُرْصاً. فَرَحِمَهَا اللهُ مَا أَحْسَنَ هَذَا مِنْ جَوَابِ رَدٍّ دَلَّ عَلَى الْحِكْمَةِ، وَحُسنِ الذُّوقِ، وَنَُبْلِ الْخُلُقِ، وَكَرَمِ الْمُعَامَلَةِ، وَالإِقْتِدَاءَ التَّامِ بِإِرْشَادَاتِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ . وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ بَيْتاً مِنْ بُيُوتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ حَتَّى امْتَلأَ الْمَجْلِسُ، فَجَاءَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ، فَلَمْ يَجِدْ مَكَاناً فَقَعَدَ عَلَى الْبَابِ فَلَفَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ رِدَاءَهُ وَقَدَّمَهُ إِلَيْهِ لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: «اجْلِسْ عَلَى هَذَا» . فَأَخَذَ جَرِيرٌ الرِّدَاءَ، وَوَضَعَهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَجَعَلَ يُقَبِّلُه وَيَبْكِي، مُتَأَثِّراً مِنْ إِكْرَامِ النَّبِيّ ﷺ لَهُ، ثُمَّ لَفَّهُ وَرَدَّه إِلى النَّبِي ﷺ شَاكِراً مُقَدِّراً، وَقَالَ: مَا كُنْتُ لأَجْلِسَ عَلَى ثَوْبِكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَكْرَمَكَ اللهُ يَا رَسُولَ اللهِ كَمَا أَكْرَمْتَنِي، فَنَظَر الْمُصْطَفَى ﷺ يَمِيناً وَشِمَالاً ثُمَّ قَالَ: «إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوه» . فَانْظُرْ إِلى هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ الْجَمِيلَةِ، تَجِدِ الْمَثَلَ الْكَاملَ فِي مُعَامَلَةِ الرَّسُولِ لَهُ، حَيْثُ رَاعَى شُعُورَ جَرِيرٍ وَأَكْرَمَهُ، وَكَيْفَ تَأَثَّرَ جَرِيرٌ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ الْكَرِيمَةِ النَّبِيلَةِ اللَّطِيفَةِ. ٦١- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ أَنَّهُ أَثْبَتَ لِلزَّوْجَاتِ عَلَى الأَزْوَاجِ حُقُوقاً مِثْلُ

стр. 3505

الْحُقُوقِ الَّتِي لِلرِّجَالِ بِالْمَعْرُوفِ، وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ، وَتَرْكِ الإِضْرَارِ، وَجَعل ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أَيْ فِي الْفَضِيلَةِ فِي الْخُلُقِ وَالْمَنْزِلَةِ، وَطَاعَةِ الأَمْرِ، وَالإِنْفَاقِ، وَأَدَاءِ الْمَهْرِ، وَالْقِيَامِ بِالْمَصَالِحِ، وَالْفَضْلِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. ٦٢- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ أنَّ الْمَرْأَةَ عِنْدَ بَعْضِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تُعَدُّ جُزْأً مِنْ ثَرْوَةِ أَبِيهَا أَوْ زَوْجِهَا، وَكَانَ ابنُ الرجلِ يَرِثُ أَرْمَلَةَ أَبِيهِ بَعْدَ وَفَاتِهَا، وَكَانَ الْعَرَبُ قَبْلَ الإِسْلامِ يَرِثُونَ النِّسَاءَ كُرْهاً، بَأَنْ يَأْتِي الْوَارِثُ وَيُلْقِي ثَوْبَه عَلَى زَوْجَةِ أَبِيهِ، ثُمَّ يَقُولُ: وَرِثْتُهَا كَمَا وَرِثْتُ مَالَ أَبِي، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا تَزَوَّجَهَا بِدُونِ مَهْرٍ، أَوْ زَوَّجَهَا لأَحَدٍ مِنْ عِنْدَهُ وَتَسلَّمَ مَهْرَهَا مِمَّنْ يَتَزَوَّجَهَا، أَوْ حَرَّمَ عَلَيْهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ كَيْ يَرِثَهَا، فَمَنَعَتِ الشَّرِيعَةُ الإِسْلامِيَّة هَذَا الظُّلْمِ وَهَذَا الإِرْثَ قَالَ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً﴾ وَكَانَ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَمْنَعُونَ النِّسَاءَ مِنَ الزَّوَاجِ، فَالابْنُ الْوَارِثُ كَانَ يَمْنَعُ زَوْجَةَ أَبِيهِ مِنَ التَّزوْجِ، كَيْ تُعْطِيَه مَا أَخَذَتْهُ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ، وَالأَبُ يَمْنَعُ ابْنَتَهُ مِنْ التَّزوُجِ حَتَّى تَتْرُكَ لَهُ مَا تَمْلِكُه، وَالرَّجُلُ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ وَيَمْنَعُهَا مِنَ الزَّوَاجِ، حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهَا مَا يَشَاءُ. وَالزَّوْجُ الْمُبْغِضُ لِزَوْجَتِهِ يُسِيءُ عِشْرَتَهَا، وَيُمَلِّلُهَا، وَلا يُطَلِّقُهَا حَتَّى تَرُدَّ إِلَيْهِ مَهْرَهَا، فَالْعَرَبُ قَبْلَ الإِسْلام يَظْلِمُونَ الْمَرْأَةَ وَيَتَحَكَّمُونَ فِيهَا، قَالَ تَعَالى: ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ وَكَانُوا لا يَعْدِلُونَ بَيْنَ النِّسَاءِ فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ، فَأَمَرَ الإِسْلامُ بِالْعَدَالَةِ بَيْنَهُنَّ قَالَ تَعَالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية، وَقَالَ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ وَقَالَ فِي نَاحِيَةِ الدِّينِ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾

стр. 3506

وَفِي نَاحِيَةِ الأَهْلِيَّةِ وَالْمُلْكِ قَالَ تَعَالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ ، وَقَالَ: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ . وَحَسبُ الإِسْلامِ مَا كَفَلَ لِلْمَرْأَةِ مِنْ مُسَاوَاةٍ دِينِيَّةٍ، وَمِنْ مُسَاوَاةٍ فِي التَّمَلُكِ وَالْكَسْبِ، وَمَا حَقَّقَ لَهَا مِنْ ضَمَانَاتٍ فِي الزَّوَاجِ بِإِذْنِهَا وَرِضَاهَا دُونَ إِكْرَاهٍ وَلا إِهْمَالٍ، قَالَ ﷺ : «لا تُنْكَحُ الثَّيبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنْ، وَإِذْنُهَا الصُّمُوت» . وَفِي مَهْرِهَا قَالَ: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ . ٦٣- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ أَنَّ الْعَرَبَ قَبْلَ الإِسْلامِ يَئدُونَ الْبَنَاتِ، وَيَدْفِنُونَهُنَّ وَهُنَّ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ خَوْفاً مِنَ الْعَارِ، يُهِلُ عَلَى ابْنَتِهِ التُّرَابَ حَتَّى تَمُوتَ، فَجَاءَ الإِسْلامُ وَحَرَّمَ وَأْدَهُنَّ وَقَتْلُهنَّ تَحْرِيماً قَاطِعاً، وَمَنَحَهُنَّ الْحَقَّ فِي الْحَيَاةِ، وَبِهَذَا أَنْصَفَ الإِسْلامُ الْمَرْأَةَ كُلَّ الإِنْصَافِ وَحَافَظَ عَلَى حَيَاتِهَا وَحُقُوقِهَا الإِنْسَانِيَّةِ. اللَّهُمَّ أَعِذْنَا مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَغَلَبَةِ الدِّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ، وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ أَحْيِ قُلُوبَنَا وَنَوِّرْهَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَزَيِّنْهَا بِمَحَبَّتِكَ وَجَمِّل أَلْسِنَتَنَا بِذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحَسِّنْ أَعْمَالَنَا وَوَفِّقْنَا لِحِفْظِ أَوْقَاتِنَا وَأَحْيينَا حَيَاةً طَيِّبَةً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ. فَصْلٌ ٦٤- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ إِبْطَالُ الْكِهَانَةِ وَتَحْرِيمُهَا، وَتَحْرِيمُ زَجْرِ الطَّيْرِ،

стр. 3507

وَتَحْرِيمُ الْمَيْسِرِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْقِمَارِ، وَمِنْهَا الأَزَلامُ وَالْبَحِيرَةُ وَالسَّائِبَةُ وَالْوَصِيلَةُ وَالْحَامِي. ٦٥- وَمِنْهَا رَمْيُ الْبَعْرَةِ، كَانَتْ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا مَاتَ زَوْجُهَا دَخَلَتْ حُشِفاً وَلَبَسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طَيْباً حَتَّى تَمْضِي عَلَيْهَا سَنَة، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَةٍ حِمَارٍٍ أَوْ طَيْرٍ أَوْ شَاةٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ بَعْدَ ذَلِكَ فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِي بِهَا ثُمَّ تُرَاجِعُ مَا شَاءَتْ. ٦٦- وَمِنْهَا قَتْلُ الأَوْلادِ خَشْيَةَ الْفَقْرِ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَقْتُلُ وَلَدَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَهُ إِلى أَنْ نَهَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً﴾ . ٦٧- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ أَنَّهُ حَوَّلَ الْوَثِنِّيينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْكُفَّارَ إِلى مُؤْمِنِينَ صَالِحِينَ، أَتْقِيَاءَ زُهَّاداً وَرِعِينَ يَخَافُونَ اللهَ، وَيَعْبُدُونه وَحْدَه لا شَرِيكَ لَهُ، وَيَقِفُونَ بِجَانِبِ الْحَقِّ، لا تَأْخُذُهُمْ فِي اللهِ لَوْمَةُ لائم ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ . ٦٨- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ تَحْرِيمُ الْغَدْرِ، قَالَ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ ؟ وَوَرَدَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لِكلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فلانُ» . وَقَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ خَالِصاً» وَعَدَّ مِنْهَا: «وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرْ» . وَقَالَ: «يَقُولُ اللهُ ثَلاثةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ» . الْحَدِيث رَوَاهُ الْبُخَارِي. ٦٩- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ الْحَثُّ عَلَى الْعَمَلِ، وَكَسْبِ الرِّزْقِ، وَتَرْكُ الْكَسَلِ، وَسُؤَالَ النَّاسِ إِلا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَالإِسْلامُ دِينُ سَعْيٍ

стр. 3508

وَعَمَلٍ وَاجْتِهَادٍ، لا دِينُ كَسَلٍ وَعَجْزٍ وَتَوَانٍ، دِينٌ يُحَافِظُ عَلَى الْعِزَّةِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَالْكَرَامَةِ الشَّخْصِيَّةِ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ وَيَحثُّ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْعَمَلِ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا، فَيَقُولُ جَلَّ وَعَلا: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ، وَيَقُول: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ . ٧٠- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ الْقَصْدُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلا: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ وَعَنْ الْمِقْدَادِ بن مَعْدِي كَرْبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مَلأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرّاً مِنْ بَطْنِهِ، بِحَسْبِ ابنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَاعِلاً فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفْسِهِ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَة. ٧١- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ النَّهْيُ عَنْ الْمُمَاطَلَةِ فِي الْحُقُوقِ، قَالَ ﷺ : «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِي، وَمُسْلِم. ٧٢- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ الأَمْرُ بِإِنْظَارِ الْمُعْسِرِ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَ تَاجِرٌ يُدَاينُ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِراً، قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ اللهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِي. وَقَالَ ﷺ : «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلُهُ صَدَقَةٌ» . ٧٣- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ النَّهْيُ عَن الرِّشْوَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ

стр. 3509

عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَعَنَ اللهُ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَوَرَدَ: «لَعَنَ اللهُ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِيَ، وَالرَّائِشُ الذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا» . ٧٤- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ الْحَثُّ عَلَى إِقَالَةِ النَّادِمِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الإِحْسَانِ وَالْمَعْرُوفِ وَجَبْرِ خَاطِرِهِ، فَفِي الْحَدِيث: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِماً أَقَالَ اللهُ عثْرُتَه» . وَفِي رِوَايَةِ: «مِنْ أَقَالَ نَادِماً أَقَالَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَصَلَّى. اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِصَالِحِ الأَعْمَالِ، وَنَجِّنَا مِنْ جَمِيعِ الأَهْوَالِ، وَأَمَنّا مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ يَوْمَ الرَّجْفِ وَالزلْزَال، وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فَصْلٌ) ٧٥- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ بَذْلُ النَّصِيحَةُ للهِ، وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ. فَالنَّصِيَحَةُ للهِ الإِيمَانُ بِهِ، وَنَفْي الشَّرِيكِ عَنْهُ، وَتَرْكِ الإِلْحَادِ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَوَصْفِهِ بِأَوْصَافِ الْكَمَالِ، وَتَنْزِيهِه عَنْ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ، وَطَاعَةِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيهِ، وَمُوَالاةِ مَنْ أَطَاعَهُ، وَمُعَادَاةِ مَنْ عَصَاهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ لَهُ، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِكِتَابِ اللهِ، فَالإِيمَانُ بِأَنَّهُ كَلامُ اللهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَتَحْلِيلُ مَا حَلَّلَهُ، وَتَحْرِيمُ مَا حَرَّمَهُ، وَالإِهْتِدَاءُ بِهَدْيِهِ وَالتَّدَبُّرُ لِمَعَانِيهِ، وَالْقِيَامُ بِحُقُوقِهِ، وَالإِتِّعَاظُ بِمَوَاعِظِهِ، وَالاِعْتِبَارُ بِزَوَاجِرِهِ، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَصْدِيقُهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ وَمَحَبَّتُهُ، وَتَقْدِيمُهُ فِيهَا عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَتَوْقِيرُهُ حَياً وَمَيِّتاً، وَمَعْرِفَةُ سُنَّتِهِ وَنَشْرُهَا وَالْعَمَلُ بِهَا، وَتَقْدِيمُ قَوْلِهِ عَلَى قَوْلِ كُلِّ أَحَدٍ كَائِناً مَا كَانَ، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَهِيَ إِعَانَتُهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَطَاعَتُهُمْ فِيهِ، وَأَمْرُهُمْ بِهِ، وَتَذْكِيرُهم بِحِوَائِجِ الْعِبَادِ وَنُصْحُهم بِرِفْقٍ وَلِينٍ وَعَدْلٍ وَاعْتِقَادُ ولايَتِهِمْ وَالسَّمِعُ وَالطَّاعَةُ لَهُمْ فِي غَيْرِ

стр. 3510

مَعْصِيَةِ اللهِ، وَحثُّ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ، وَبَذْلُ مَا تَسْتَطِيعُهُ مِنْ إِرْشَادِهِمْ وَتَنْبِيهِهُمْ إِلى مَا يَنْفَعُهم، وَيَنْفَعُ النَّاسَ وَالْقِيَامُ بِوَاجِبِهِم، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَهِيَ إِرْشَادُهُمْ لِمَصَالِحِهم فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ وَكَفُّ الأَذَى عَنْهُم، وَتَعْلِيمُهُم مَا جَهِلُوا مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَأَمْرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُهُم عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَنْ يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهُ لَهُمْ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ، وَيَسْعَى فِي ذَلِكَ حَسَبَ الإِمْكَان. ٧٦- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ النَّهْيُ عَنْ قَطِيعَةِ الرَّحَمِ، قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ، وَقَالَ ﷺ : «الرَّحِمُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِي، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي أَوْفَى عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمَلائِكَةَ لا تَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ رَحِمٍ» . ٧٧- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ النَّهْيُ عَنِ التَّشَدُّدِ فِي الدِّينِ، وَعَنْ الزُّهْدِ فِي الطِّيبَاتِ، لأَنَّ الإِسْلامَ دِينُ الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ وَالاعْتِدَالِ، فَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِي ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيّ ﷺ وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَنَا فَأصَلِّي اللَّيْلَ أَبَداً، وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ، وَقَالَ الآخَرُ: وَأَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَداً. فَجَاءَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَنْتُمْ الذِينَ قُلْتُمْ كَذَا، وَكَذَا؟ أَمَّا وَاللهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمُ للهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، وَلَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» . رَوَاهُ الشَّيْخَانُ.

стр. 3511

قصيدة في غربة الإسلام: أَقُولُ وَأَوْلَى مَا يُرَى فِي الدَّفَاتُرِ وَأَحْسَنُ فَيْضاً مِنْ عُيُونِ الْمَحَابِرِ هُوَ الْحَمْدُ لِلْمَعْبُودِ وَالشُّكْرُ وَالثَّنَاء تَقَدَّسَ عَنْ قَوْلِ الْغُوَاةِ الْغَوَادِرِ وَجَلَّ عَنْ الأَنْدَادِ لا رَبَّ غَيْرُهُ وَعَنْ شَافِعٍ فِي الابْتِدَا أَوْ مُوَازِرِ وَصَلَّى عَلَى مَنْ قَامَ للهِ دَاعِياً وَشَيَّدَ أَعْلامَ الْهُدَى وَالشَّعَائِرِ وَأَوْضَحَ دِينَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا سَفَتْ عَلَيْهِ السَّوَافِي فِي الْقُرَى وَالْجَزَائِرِ وَعَادَا وَوَالَى فِي رِضَى اللهِ قَوْمَهُ وَلَمْ يَثْنِه عَنْ ذَاكَ صَوْلَةُ قَاهِرِ مُحَمَّدٌ الْمُبْعُوثُ لِلنَّاسِ رَحْمةً نِذَارَتُهُ مَقْرونَةٌ بِالْبَشَائِرِ وَبَعْدُ فَإِنْ تَعْجَب لِخَطْبٍ تَبَلْبَلَتْ لِفَادِحِهِ أَهْلُ النُّهَى وَالْبَصَائِرِ فَلا عَجَبًا يَوْمٌ مِنَ الدَّهْرِ مِثْلَ مَا أَنَاخَ بِنَا مِنْ كُلِّ بَادٍ وَحَاضِرِ وَمَا ذَاكَ إِلا غُرْبَةُ الدِّينِ يَا لَهَا مُصِيبَةُ قَوْمٍ مِنْ عِظَامِ الْفَوَاقِرِ

стр. 3512

تَرَى أَهْلَهُ مُسْتَضْعَفِينَ أَذِلَّةً فَمَا بَيْنَ طَعَّانٍ عَلَيْهِمْ وَنَافِرِ وَمُسْتَهْزِءٍ مِنْهُمْ فَيُنْغِضُ رَأْسَهُ وَيَرْمُونَهُمْ شَزْرَ الْعُيُونِ النَّوَاضِرِ وَعَادَاهُمُ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ وَالْحِجَى وُكَلُّ خَلِيلٍ أَوْ قَرِيبٍ مُصَاهِرِ فَمَا شِئْتَ مِنْ شَتْمٍ وَقَذْفٍ وَغِيبَةٍ وَتَنْقِيصُهِم فِي كُلِّ نَادٍ لِفَاجِرِ وَأَعْيُنُهُمْ فِي فِعْلِ ذَاكَ قَرِيرَةٌ فَمِنْ صَامِتٍ فِي فِعْلِهِ أَوْ مُجَاهِرِ وَمَنْ قَامَ بِالإِنْكَارِ فَهُوَ مُشَدِّدٌ يَكَادُونَ أَنْ يُبْدُوهُ فَوْقَ الْمَنَابِرِ فَإِنْ يَحْكُموا بِالسَّوْطِ ضَرْباً فَإِنْ يَكُنْ رُجُوعٌ وَإِلا بِالضُّبَا وَالْخَنَاجِرِ وَأَصْبَحَ ذُو الإِيمَانِ فِيهِمْ كَقَابِضٍ عَلَى الْجَمْرِ أَوْ فِي الْجَنْبِ صَلي الْمَجَامِرِ وَإِخْوَانُه النُّزَّاعُ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ لَدَى أَهْلِهَا فِي ذُلِّهِمْ كَالأَصَاغِرِ وَمَا زَادَهُمْ إِلا ثَبَاتاً مَعَ الرِّضَى بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لِلْمُهَيْمِنِ شَاكِرِ فَأَكْرِمْ بِهِمْ مِنْ عُصْبَةِ الْحَقِّ إِنَّهُمْ

стр. 3513

.. لِحِفْظِ نُصُوصِ الدِّينِ أَهْلُ تَنَاصِرِ إِذَا مَا بَدَا نَصَّ الْكِتَابِ وَسُنَّةٍ تَنَادَوا عِبَادَ اللهِ هَلْ مِنْ مُثَابِرِ وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ فَاهْتَدُوا وَمَا رَغِبُوا عَنْهَا لِخِرْصِ الْخَوَاطِرِ عَلَيْكَ بِهَاتَيْكَ الصِّفَاتِ مُنَافِساً فَللهِ مَا أَسْنَا سَنَاهَا لِسَائِرِ هُمْ الْقَوْمُ لا يَثْنِيهُمْ عَنْ مُرَادِهِمْ مَلامَةُ لُوَّامٍ وَخُذْلانُ نَاصِرِ بِنَفْسِي فَتَى مَا زَالَ يَدْأَبُ دَائِماً إِلى رَبِّهِ أَكْرِمْ بِهِ مِنْ مُهَاجِرِ مُكِبّاً عَلَى أَيِ الْكِتَابِ وَدَرْسِهِ بِقَلْبٍ حَزِينٍ عِنْدَ تِلْكَ الزَّوَاجِرِ فَيَا لَيْتَنِي أَلْقَاهُ يَوْماً لَعَلَّهُ يُخَبِّرُنِي عَمَّا حَوَى فِي الضَّمَائِرِ وَنَرْفَعُ أَيْدِينَا إِلى اللهِ بِالدُّعَا لِيَنْصُرَ دِينَ الْمُصْطَفَى ذِيِ الْمَفَاخِرِ وَيَنْصُرَ أَحْزَابَ الشَّرِيعَةِ وَالْهُدَى وَيَقْمَعَ أَهْلَ الزَّيْغِ مِنْ كُلِّ فَاجِرِ فَآهٍ عَلَى تَفْرِيقِ شَمْلٍ فَهَلْ لِمَا مَضَى عَوْدَةٌ نَحْوَ السِّنِينِ الْغَوَابِرِ

стр. 3514

.. عَسَى نَصْرَةٌ لِلدِّينِ تَجْمَعُ شَمْلَنَا تَقرُّ بِهَا مِمَّا تَرَى عَيْنُ نَاظِرِ فَيَرْتَاحُ أَهْلُ الدِّينِ فِيهَا أَعِزَّةً وَأَعْدَاؤُهُ تَحْتَ الْقَنَا وَالْحَوَافِرِ وَأَخْتِمُ نَظْمِي بِالصَّلاةِ مُسَلِّماً مَدَى الدَّهْرِ مَا نَاضَتْ بُرُوقُ الْمَوَاطِرِ عَلَى أَحْمَدٍ وَالآلِ وَالصَّحْبِ الذِي لَهُمْ تَابِعٌ يَسْعَى بِفِعْلِ الأَوَامِرِ اللَّهُمَّ لا تَجْعَل الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلا إِلى النَّارِ مَصِيرَنَا وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا بِذُنُوبِنَا مَنْ لا يَخَافُكَ وَلا يَرْحَمُنَا وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ. اللَّهُمَّ ثَبِّتْ مَحَبَّتَكَ في قُلُوبِنَا وَقوِّهَا وَوَفِّقْنَا لِشُكْرِكَ وَذِكْرِكَ وَارْزُقْنَا التَّأَهُّبَ وَالاسْتِعْدَادَ لِلِقَائِكَ وَاجْعَلْ خِتَامَ صَحَائِفِنَا كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ، وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فَصْلٌ) ٧٨- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ التَّرْغِيبُ فِي الدَّعْوَةِ إِلى الْخَيْرِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلى هُدَى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، لا يَنْقُص ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ دَعَا إِلى ضَلالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الإِثُمَّ مِثْلُ آثَامِ مَنِ اتَّبَعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئاً» . رَوَاهُ مُسْلِم، وَأَبُو دَاودَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

стр. 3515

٧٩- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ حَثُّ الْمَرْءِ عَلَى انْتِهَازِ فُرْصَةِ الْحَيَاةِ لِعَمَلِ مَا يَنْفَعُهُ فِي الآخِرَةِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ، صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِم. وَقَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ . ٨٠- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ الْحَثُّ عَلَى وُجُوبِ الاعْتِمَادِ عَلَى اللهِ، ثُمَّ عَلَى إِيمَانِهِ وَعَمَلِهِ الصَّالِح، لا عَلَى مَالِهِ مِنْ صِلَةٍ بِالْمُقَرَّبِينَ إِلى اللهِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً، يَا عَبَّاسُ بنُ عَبْدِ الْمُطَّلِب لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً، وَيَا صَفِيَّةُ عمةُ رَسُولِ اللهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئاً، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مِنْ مَالِي، لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئاً» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَالتِّرْمِذِيُّ. ٨١- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ الأَمْرُ بِتَعَهُّدِ النَّفْسِ بِالإِصْلاحِ فَيُلْزِمُهَا بِأَدَاءِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَالآيَاتُ فِي الْحَثِّ عَلَى التَّقْوَى كَثِيرَةٌ. ٨٢- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ أَنَّهُ يَجْعَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صِلَةٍ دَائِمَةٍ بِرَبِّهِ، حِينَ تَفِدُ عَلَيْهِ النِّعْمَةُ، وَحِينَ تَنْزِلُ بِهِ الشِّدَّةُ، قَالَ ﷺ : «عَجَباً لأَمْرِ الْمُؤْمِن إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِم. شِعْرًا: ... أَيَا ابْنَ آدمَ لا تَغْرُرْكَ عَافِيَةٌ ... عَلَيْكَ شَامَلةٌ فَالْعُمْرُ مَعْدُودُ مَا أَنْتَ إِلا كَزَرْعٍ عِنْدَ خُضْرَتِهِ ... بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأَوْقَاتِ مَقْصُودُ ِ فَإِنْ سَلِمْتَ مِن الآفَاتِ أَجْمَعِهَا ... فَأَنْتَ عِنْدَ كَمَالِ الأَمْرِ مَحْصُودُ

стр. 3516

٨٣- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ أَنَّهُ يَحُثُّ الْخَلْقَ، وَيُوَجِّههم إِلى إِصْلاحِ أَنْفُسِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ وَيُرْشِدُهُمْ وَيُبَيِّن لَهُمْ كَيْفَ يُحَرِّرُونَ عُقُولَهم، وَيَسْمُونَ بِهَا عَنْ مَهَاوِي الضَّلالِ، إِلى أَنْ يَخُصُوا اللهَ جَلَّ وَعَلا بِالْعِبَادَةِ، وَيُوَضِّحُ لَهُمْ كَيْفَ يَصْقُلُونَ نُفُوسَهُمْ، وَيُغذُّونَ أَرْوَاحَهُمْ بِالصَّلاةِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَيُوَضِّحَ لَهُمْ كَيْفَ يُطَهِّرُونَ أَمْوَالَهُمْ بِأَدَاءِ حَقِّ اللهِ، وَكَيْفَ يَبْنُونَ الأُسْرَةَ الْمُسْلِمَةَ الَّتِي هِيَ نَوَاةُ الْمُجْتَمَعِ عَلَى أُسُسِ سَلِيمَةٍ قَوِيَّةٍ وَذَلِكَ بِتَوَاصُلِهم، وَمَعْرِفَتِهِمْ لِحَقِّ قَرَابَتِهِمْ، وَالآيَاتُ وَالأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، فَقَالَ الْقَوْمُ: مَالَهُ؟ فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَرَبٌ مَالَهُ تَعْبِدُ اللهِ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ» . الْحَدِيث رَوَاهُ الشَّيْخَان. ٨٤- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ تَحْرِيمُ الْخُصُومَةِ بِالْبَاطِلِ لِمَنْ يَعْلَمُ، وَتَحْرِيمُ الشَّفَاعَةِ الَّتِي تُعَطِّلُ إِقَامَةَ الْحُدُودِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ وَتَحْرِيمُ الْقَوْلِ عَلَى الْمُؤْمِنِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَمِنَ الْغَايَاتِ الَّتِي حَرَصَ الإِسْلامُ عَلَى تَحْقِيقِهَا أَنْ يُقِيمَ الْمُجْتَمَعَ الإِنْسَانِي عَلَى أُسُسٍ قَوِيَّةٍ مِنَ الْعَدَالَةِ وَالتَّرَاحُمِ، وَأَنْ تَسُودَ أَعْضَاءَهُ رُوحُ الْمَوَدَّةِ وَالتَّعَاونِ الْمُثْمِرِ، وَيَسْلَمُ مِنْ عَوَامِلِ الضَّعْفِ. فَعَنْ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ فَقَدْ ضَادَّ اللهَ ، وَمَنْ خَاصَمَ فِي الْبَاطِلِ وَهُوَ يَعْلَمُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللهِ حَتَّى يَنْزَعَ، وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. اللَّهُمَّ يَا عَالَم الخَفياتِ، وَيَا رَفِيعَ الدَّرَجَاتِ يَا غَافِرَ الذَّنْبِ وَقَابِلَ التَّوْبِ شَدِيدَ الْعَقَابِ ذِا الطَّوْلِ لا إِله إِلا أَنْتَ إِلَيْكَ الْمَصِير.

стр. 3517

نَسْأَلُكَ أَنْ تُذِيقَنَا برْدَ عَفْوِكَ، وَحَلاوَة رَحْمَتِكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَأَرْأَفَ الرَّائِفِينَ وَأَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ. اللَّهُمَّ طَيِّبْنَا لِلقَائِكَ، وأهلنَا لِوَلائِكَ وَأَدْخِلْنَا مَعَ الْمَرْحُومِينَ مِن أَوْلِيَائِكَ، وَتَوفّنَا مُسْلِمِين وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ. (فَصْلٌ) ٨٥- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ تَحْرِيمُ شِهَادَةِ الزُّورِ، وَقَوْلِ الزُّورِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الأَضْرَارِ وَالْمَفَاسِدِ الَّتِي مِنْهَا بَيْعُهُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ، وَمِنْهَا إِسَاءَتُه إِلى مَنْ شَهِدَ لَهُ بِإِعَانَتِهِ عَلَى ظُلْمِهِ، وَمِنْهَا إِسَاءَتَهُ إِلى مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِإِضَاعَةِ حَقِّهِ، وَمِنْهَا إِسَاءَتُهُ إِلى الْقَاضِي بِإِضْلالِهِ عَنِ الْمَحَجَّةِ، وَمِنْهَا إِسَاءَتُهُ إِلى الأُمَّةِ بِزَلْزَلَةِ الْحُقُوقِ فِيهَا، وَعَدَمِ الاطْمِئْنَانِ عَلَيْهَا. ٨٦- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ إِبْطَالُ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَحْرِيمُهُ، وَهُمَا الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» . ٨٧- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ النَّهْيُ عَنْ لَطْمِ الْخُدُودِ، وَشَقِّ الْجُيُوبِ فِي الْمُصِيبَاتِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابن مَسْعُود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعاَ بِدَعْوَى الْجَاهِليَّةِ» . ٨٨- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ النَّهْيُ عَنْ الإِسْتِيلاءِ عَلَى الْمَاءِ الذِي لا يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ، وَمَنْعِهِ ابنَ السَّبِيلِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمْ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهم وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِفَلاةٍ يَمْنَعُه ابنَ السَّبِيلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ وَقَالَ فِيهِ: «وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ،

стр. 3518

فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي، كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ» . اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ واجْعَلْنَا هُدَاة مُهْتَدينَ وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ الذِينَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ الإِيمَانَ هَادِماً لِلسَّيِّئَاتِ كَمَا جَعَلْتَ الكُفْرَ هَادِماً لِلْحَسَنَاتِ وَوَفِّقْنَا للأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ تَوَكَّلَ عَلْيَكَ فَكَفيتَهُ، واسْتَهْدَاكَ فَهَدَيْتَهُ وَدَعَاكَ فَأجَبْتَهُ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) ٨٩- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ أَنَّهُ يُحَرِّمُ الاعْتِدَاءِ أَوْ النَّيْلَ مِنَ النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ أَوْ الْعِرْضِ أَوْ الْعقلِ، وَكُلَّ جَرِيمَةٍ مِنْ جَرَائِمِ الاعْتِدَاءِ عَلَيْهَا عُقُوبةٌ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ، وَالأَخْلاقُ الإِسْلامِيَّةُ مِنْ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالْوَفَاءِ وَالْعِفَّةِ وَغَيْرِهَا، لَيْسَتْ أُمُوراً كَمَالِيَّةً فِي نَظَرِ الإِسْلامِ، كَمَا يَتَوَهَّمَهُ بَعْضُ النَّاسِ، بَلْ هِيَ وَاجِبَاتٌ يَحْرِصُ عَلَيْهَا وَمُعَرَّضٌ كُلُّ مَنْ يَخْرُجُ عَنْ دَائِرَتِهَا بِأَنَّهُ سَيَقْتَصُّ مِنْهُ فِي الآخِرَةِ إِنْ لَمْ يَتُبْ وَيَتَدَارَكْ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مِنَ الْمُفْلِسُ)) ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاع. فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسِ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَل مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَىَ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)) . رَوَاهُ مُسْلِم. ٩٠- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ أَنَّهُ يُرْشِدُ مُعْتَنِقَهُ إِلى أَنَّ صَلاحَ حَيَاتِهِ يَتَطَلَّبُ مِنْهُ أَنْ يَكُوَن عَفّاً فِي كَلامِهِ، فَلا يَغْتَابُ، وَلا يُنِمُّ، وَلا يَسُبُّ، وَلا يُقْذِفُ مُسْلِماً، وَلا يَلْعَنُهُ، وَلا يَسْتَهْزِئُ بِهِ، وَلا يَفْتَرِي، وَلا يَكْذِبُ، عَنْ

стр. 3519

أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ» . وَقَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» . ٩١- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ أَنَّهُ يَحُثُّ الْمُؤْمِنَ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِه، وَأَنْ لا يَدَّخِرَ جُهْداً فِي تَوْجِيهِ أَهْلِهِ وَإِخْوَانِهِ، وَأَقْرِبَائِهِ وَجِيرَانِهِ، وَكُلِّ مَنْ تَرْبُطُهُمْ بِهِ صِلَةٌ وَثِيقَةٌ إِلى الْخَيْرِ، وَوَسِيلَتُهُ إِلى هَذَا التَّوْجِيهِ هِيَ التَّوَاصِي بِالْحَقِّ، وَالتَّوَاصِي بِالصَّبْرِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ. ٩٢- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ الأَمْرُ بِالْحَيَاءِ الذِي هُوَ أَصْلُ كُلُّ فَضِيلَةٍ، وَعِصْمةٌ مِنْ كُلِّ شَرٍّ، لِمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بن مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «اسْتَحْيُوا مِن اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» . قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَسْتَحِي وَالْحَمْدُ للهِ. قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنْ الاسْتِحْيَاءُ مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكر الْمَوْتَ وَالْبَلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ بِسَنَد صَحِيح. ٩٣- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ النَّهْيُ عَنِ اتِّخَاذِ شَيْءٍ فِيهِ رُوحٌ غَرَضاً يُرْمَى إِلَيْهِ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ مَرَّ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدْ نَصَبُوا طَيْراً وَهُمْ يَرْمُونَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ابنَ عُمَر تَفَرَّقُوا، فَقَالَ ابنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَل هَذَا؟ لَعَنَ اللهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا لَعَنَ اللهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئاً فِيهِ الرُّوحُ غَرَضاً. ٩٤- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ النَّهْيُ عَنْ بِيعِ الْحُرِّ قَالَ ﷺ : «قَالَ اللهُ تَعَالى ثَلاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ

стр. 3520

غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرّاً ثُمَّ أَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً فَاسْتَوْفَى مِنْهُ الْعَمَلَ وَلَمْ يُوفِّهِ أَجْرَهُ» . ٩٥- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً وَاسْتَوْفَى مِنْهُ الْعَمَل، وَلَمْ يُوَفِّهِ أَجْرَهُ. للحديث المتقدم. ٩٦- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ تَحْرِيمُ السِّحْرِ، وَتَحْرِيمُ تَصْدِيقِ الْكَاهِنِ، قَالَ ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطِيِّر لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكِهَّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ أَتَى كَاهِناً فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » . ٩٧- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ تَحْرِيمُ الْقِيَادَةِ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، وَهِيَ الْجَمْعُ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّة سَوَاءً كَانَ الْجَامِعُ رَجُلاً أَوْ امْرَأَةٌ. ٩٨- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلامِ تَحْرِيمُ السِّعَايَةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ بِمَضَرَّةِ مُسْلِمٍ. ٩٩- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلامِ تَحْرِيمُ غَصْبِ الْمَالِ، لأَنَّهُ نُوعٌ مِنَ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ. ١٠٠- وَمِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلامِ تَحْرِيمُ غَصْبِ الْمَالِ، لأَنَّهُ نُوعٌ مِنَ الظُّلْمِ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. ١٠١- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ الْحَثُّ عَلَى الاسْتِقَامَةِ، الَّتِي هَيِ الاعْتِدَالُ فِي جَمِيعِ الأُمُورِ، مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى جَمِيعِ الأَحْوَالِ، الَّتِي تَكُونُ بِهَا النَّفُسُ عَلَى أَفْضَلِ حَالَةٍ وَأَكْمَلِهَا، فَلا يَظْهَر مِنْهَا قَبِيح، وَلا يَتَوَجَّه إِلَيْهَا ذَمٌّ، وَلا لَومٌ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الشَّرْعِ الشَّرِيفِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالدِّينِ الْقَوِيم، وَالْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ مَعَ التَّخَلُّقِ بِالأَخْلاقِ الْفَاضِلَةِ، وَالصِّفَاتِ الْكَامِلَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا

стр. 3521

اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ، وَقَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِسُفْيَانَ بنِ عَبْدِ اللهِ: «قُلْ آمَنْتُ بِاللهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ» . ١٠٢- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ أَنَّهُ مَا حَرَّمَ شَيْئاً عَلَيْهِمْ إِلا عَوَّضَهُمْ خَيْراً مِنْهُ مِمَّا يَسُدُّ مَسَدَّهُ وَيُغْنِي عَنْهُ، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ ابنُ الْقَيِّم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الاسْتِقْسَامَ بِالأزْلامِ، وَعَوَّضَهُمْ مِنْهُ دُعَاءَ الاسْتِخَارَةِ. ١٠٣- وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الرِّبَا، وَعَوَّضَهُمْ التِّجَارَةَ الرَّابِحَةَ. ١٠٤- وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الْقِمَارَ، وَأَعَاضَهُمْ مِنْهُ أَكْلَ الْمَالِ بِالْمُسَابَقَةِ بِالْخَيْلِ وَالإِبْلِ وَالسِّهَامِ. ١٠٥- وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الْحَرِيرَ، وَأَعَاضَهُمْ مِنْهُ أَنْوَاعَ الْمَلابِسِ الْفَاخِرَةِ مِن الصُّوفِ وَالْكِتَّانِ وَالْقِطْنِ. ١٠٦- وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُرْبَ الْمُسْكِراتِ، وَأَعَاضَهُمْ عَنْهُ بِالأَشْرِبَةِ اللَّذِيذَةِ، النَّافِعَةِ لِلرِّوْحِ وَالْبَدَنِ. ١٠٧- وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ مِن الْمَطْعُومَاتِ، وَأَعَاضَهُمْ عَنَّهَا بِالْمَطَاعِمِ الطَّيباتِ، وَهَكَذَا إِذَا تَتَبَّعْنَا تَعَالِيمَ الإِسْلامِ كُلَّهَا، وَجَدْنَا أَنَّهُ جَلَّ وَعَلا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى عِبَادِهِ فِي جَانِبٍ، إِلا وَسَّعَ عَلَيْهِمْ فِي جَانِبٍ آخَرَ مِنْ جِنْسِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ. اللَّهُمَّ أَحْيِنَا فِي الدُّنْيَا مُؤْمِنِينَ طَائِعِينَ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ تَائِبِينَ وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فَصْلٌ) ١٠٨- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ أَنَّهُ يُقَدِّرُ الْبَوَاعِثَ الْكَرِيمَةَ وَالْقَصْدَ الشَّرِيفَ وَالنِّيَةَ الطِّيبةَ، في تَشْرِيعَاتِهِ وَتَوْجِيهَاتِهِ كُلِّهَا، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 3522

وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . وَبِالنِّيَةِ الطَّيِّبَةِ تَنْقَلِبُ الْمُبَاحَاتُ وَالْعَادَاتُ إِلى طَاعَاتٍ وَقُرُبَاتٍ إِلى اللهِ، فَمَنْ تَنَاوَلَ غَذَاءَهُ بِنِيَّةِ حِفْظِ حَيَاتِهِ وَتَقْوِيَةِ جَسَدِهِ لِيَسْتَطِيعَ الْقِيَامَ بِمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ رَبِّهِ مِنْ حُقُوقٍ وَتَكَالِيفَ لأَهْلِهِ وَأَوْلادِهِ، كَانَ طَعَامُه وَشَرَابُه مَعَ النِّيَةِ الصَّالِحَةِ عِبَادَةً وَمَنْ أَتَى شَهْوَتَهُ مَعَ مَا أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ لَهُ يَقْصِدُ إِعْفَافَ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَابْتِغَاءَ ذُرِيَّةً صَالِحَةً، كَانَ ذَلِكَ عِبَادَةً تَسْتَحِقُّ الْمَثُوبَةَ وَالأَجْرَ مِنَ اللهِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ : «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» . قَالُوا: يَا رَسُولُ اللهِ أَيَأْتِي أَحَدُنا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ إِنْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ، فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَها فِي حَلالٍ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» . ١٠٩- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ أَنَّهُ حَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِ شِرَاءَ مَا غُصِبَ أَوْ سُرِقَ أَوْ أُخِذَ مِنْ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ حَقِّ لأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ يَكُونُ مُعِيناً لِلْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ وَالآخِذِ، وَهَذَا إِذَا عَلِمَ أَنَّهَا سِرْقَةٌ، وَلَوْ طَالَ زَمَنُ غَصْبِهِ أَوْ سِرْقَتِهِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ أَوِ السَّارِقِ أَوِ النَّاهِبِ، فَإِنَّ طُولَ الزَّمَنِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسْلامِيَّةِ، لا يَجْعَلُ الْحَرَامَ حَلالاً، وَلا يُسْقِطُ حَقَّ الْمَالِكِ الأصلي بالتَّقَدُّم. وَهَذَا أَيْضاً مِنْ مَحَاسِنِهِ. ١١٠- وَمِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِيّ تَحْرِيمُ الرِّبَا، لأَنَّ الرِّبَا يَقْتَضِي أَخْذَ مَالِ الإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِ عِوَض، لأَنَّ مَنْ يَبِيعُ دِرْهَماً بِدِرْهَمَيْنِ يَحْصُلُ لَهُ زِيَادَةُ دِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِ عِوَض، وَمَالُ الإِنْسَانِ مُتَعَلِّقُ حَاجَتِهِ، وَلَهُ حُرْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ. ثَانِياً: اسْتِعمَالُ الرِّبَا يُفْضِي إلى انْقِطَاعِ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ النَّاسِ مِنَ الْقَرْضِ. ثَالِثاً: يَمْنَعُ مِنْ تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ تِجَاهَ الاكْتِسَابِ، فَلا يَكَادُ يَتَحَمَّلُ مَشَقَّةَ الْكَسْبِ، وَذَلِكَ يُفْضِي إِلى انْقِطَاعِ مِنَافِعِ الْخَلْقِ،

стр. 3523

وَتَكْسِيلِهِمْ عَنِ الْجِدِّ وَالاجْتِهَادِ فِي الطَّلَبِ، وَقَدْ لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَه وَكَاتِبَه وَشَاهِدَيْه. مَوْعِظَة: عِبَادَ اللهِ إِنَّ مَا سَمِعْتُمْ مِنْ الْمَحَاسِنِ نُقْطَةٌ مِنْ بَحْرِ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِي الذِي جَمَعَ اللهُ بِهِ فِرْقَةَ الْعَرَبِ وَشَتَاتَهُمْ وَوَحَّد بِهِ قُلُوبَهُمْ وَصُفوفَهم، وَهَذَّبَ طِبَاعَهُم وَأَخْلاقَهُم، حَتَّى أَوْجَدَ مِنْهُمْ أمةً شَدِيدَةَ الْبَأْسِ، وَاسِعَةَ السُّلْطَانِ، مَلَكَتْ نَاصِيَةَ الأَرْضِ، وَنَشَرَتْ عَلَّمَ الإِسْلامِ فِي نَوَاحِيهَا، قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ﴾ . دِينٌ نَشَرَهُ اللهُ فِي أَرْجَاءِ الْمَعْمُورَةِ كَالشَّمْسِ الضَّاحِيَةِ، لا يُحْجَبُ شَعَاعُهَا، وَكَالْقَمَرِ الزَّاهِرِ، لا يَخْفَى ضَوْءُهُ، وَلا يَخْسُفُ نُورُه. دِينٌ تَرَى أَعْدَاءَهُ مُبْغِضِيهِ يَقْتَرِبُونَ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ حَيْثُ يَشْعُرُونَ وَمِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونُ، لأَنَّهُمْ بِمُخْتَرَعَاتِهِمْ وَعُلُومِهِمْ لَمْ يَزِيدُوا عَلَى أَنَّهُمْ بِهِ يَشْهَدُونَ، قَالَ تَعَالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ دِينٌ يَكِيدُ لَهُ أَعْدَاؤُهُ وَحُسَّادُهُ مِنْ يَوْمِ أُنْزِلَ، وَهُوَ كَمَا تَرَى لَمْ يُطْفَأْ لَهُ نُورٌ، وَلَمْ يَضْعُفْ لَهُ بُرْهَانٌ قَالَ تَعَالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ . أَيُّهَا الْمُسْلِمُ حَسْبُكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الدِّينَ الإِسْلامِي يَحْتَوِي عَلَى خَيْري الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَنَعِيمِ الَْاجِلَةِ وَالآجِلَةِ، فَمَا مِنْ فَضِيلَةٍ إِلا حَثَّ عَلَيْهَا، وَمَا مِنْ رَذِيلَةٍ إِلا نَفَرَ مِنْهَا، فَإِذَا اعْتَصَمْتَ بِحَبْلِهِ الْمَتِينِ، وَحَرِصْتَ عَلَى الْعَمَلِ

стр. 3524

بِأَحْكَامِهِ، وَالتَّحَلِّي بِآدَابِهِ، عِشْتَ سَعِيداً، وَمُتَّ سَعِيداً حَمِيداً. وَقَالَ ابن الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى: هَذَا وَنَصْرُ الدِّينِ فَرْضٌ لازِمٌ لا لِلْكِفَايَةِ بَلْ عَلَى الأَعْيَانِ بِيَدٍ وَأَمَّا بِاللِّسَانِ فَإِنْ عَجَزْ تَ فَبِالتَّوَجُّهِ وَالدُّعَا بِجِنَانِ مَا بَعْدَ ذَا وَاللهِ للإِيمَانِ حَبَّـ ـةُ خَرْدَلٍ يَا نَاصِرَ الإِيمَانِ بِحَيَاةِ وَجْهِكَ خَيْرَ مَسْؤُولٍ بِهِ وَبِنُورِ وَجْهِكَ يَا عَظِيمَ الشَّانِ وَبِحَقِّ نَعْمَتِكَ الَّتِي أَوْلَيْتَهَا مِنْ غَيْر مَا عِوَضٍ وَلا أَثْمَانِ وَبِحَقِّ رَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ جَمِيـ ـعَ الْخَلْقِ مُحْسِنَهُمْ كَذَاكَ الْجَانِي وَبِحَقِّ أَسْمَاءٍ لَكَ الْحُسْنَى مَعاً فِيهَا نُعُوتُ الْمَدْحِ لِلرَّحْمَنِ وَبِحَقِّ حَمْدِكَ وَهُوَ حَمْدٌ وَاسِعُ الْـ أَكْوَانِ بِلْ أَضْعَافُ ذِي الأَكْوَانِ وَبِأَنَّكَ اللهُ الإِلَهُ الْحَقُّ مَعْـ ـبُودُ الْوَرَى مُتَقَدِّسٌ عَنْ ثَانِ بَلْ كُلُّ مَعْبُودٍ سِوَاكَ فَبَاطِلٌ مِنْ دُونِ عَرْشِكَ لِلثَّرَى التَّحْتَانِي

стр. 3525

.. وَبِكَ الْمُعَاذُ وَلا مَلاذَ سِوَاكَ أَنْـ ـتَ غِيَاثُ كُلِّ مُلَدَّدٍ لَهْفَانِ مَنْ ذَاكَ لِلْمُضْطَرِ يَسْمَعُهُ سِوَا كَ يُجِيبُ دَعْوَتَهُ مَعَ الْعِصْيَانِ إِنَّا تَوَجَّهْنَا إِلَيْكَ لِحَاجَةٍ تُرْضِيكَ طَالِبُهَا أَحَقَّ مُعَانِ فَاجْعَلْ قَضَاهَا بَعْضَ أَنْعُمِكَ الَّتِي سَبَغَتْ عَلَيْنَا مِنْكَ كُلَّ زَمَانِ انْصُرْ كِتَابَكَ وَالرَّسُولَ وَدِينَكَ الْـ ـعَالِي الذِي أَنْزَلْتَ بِالْبُرْهَانِ وَاخْتَرْتَهُ دِيناً لِنَفْسِكَ وَاصْطَفَيْـ ـتَ مُقِيمَهُ مِنْ أمَّةِ الإِنْسَانِ وَرَضِيتَهُ دِيناً لِمَنْ تَرْضَاهُ مِنْ هَذَا الْوَرَى هُوَ قَيِّمُ الأَدْيَانِ وَأَقِرَّ عَيْنَ رَسُولِكَ الْمَبْعُوثِ بِالدِّ ينِ الْحَنِيفِ بِنَصْرِهِ الْمُتَدَانِ وَانْصُرْهُ بِالنَّصْرِ الْعَزِيزِ كَمِثْلِ مَا قُدْ كُنْتَ تَنْصُرُهُ بِكُلِّ زَمَانِ يَا رَبُّ وَانْصُرْ خَيْرَ حِزْبَيْنَا عَلَى حِزْبِ الضَّلالِ وَعَسْكَرِ الشَّيْطَانِ يَا رَبُّ وَاجْعَلْ شَرَّ حِزْبَيْنَا فِداً

стр. 3526

.. لِخِيَارِهِمْ وَلِعَسْكَرِ الْقُرْآنِ يَا رَبُّ وَاجْعَلْ حِزْبَكَ الْمَنْصُورَ أَهْـ ـلَ تَرَاحُمٍ وَتَوَاصُلٍ وَتَدَانِ يَا رَبُّ وَارْحَمْهُمُ مِن الْبِدَعِ الَّتِي قَدْ أُحْدِثَتْ فِي الدِّينِ كُلَّ زَمَانِ يَا رَبُّ جَنِّبْهُمْ طَرَائِقَهَا الَّتِي تُفْضِي بِسَالِكِهَا إِلى النِّيرَانِ يَا رَبُّ وَاهْدِهِمْ بِنُورِ الْوَحْيِ كَيْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَيَظُفَرُوا بِجِنَانِ يَا رَبُّ كُنْ لَهُمْ وَلِيّاً نَاصِراً وَاحْفَظْهُمُ مِنْ فِتْنَةِ الْفَتَّانِ وَانْصُرْهُمْ يَا رَبُّ بِالْحَقِّ الذِي أَنْزَلْتَه يَا مُنْزِلَ الْقُرْآنِ يَا رَبُّ إِنَّهُمُ الْغُرَبَاءُ قَدْ لَجَؤُا إِلَيْكَ وَأَنْتَ ذُو الإِحْسَانِ يَا رَبُّ قَدْ عَادُوا لأَجْلِكَ كُلَّ هَـ ـذَا الْخَلْقِ إِلا صَادِقَ الإِيمَانِ قَدْ فَارَقُوهُمْ فِيكَ أَحْوَجَ مَا هُمُ دُنْياً إِلَيْهِمْ فِي رِضَى الرَّحْمَنِ وَرَضُوا وَلايَتَكَ الَّتِي مِنْ نَالَهَا نَالَ الأَمَانَ وَنَالَ كُلَّ أَمَانِ

стр. 3527

.. وَرَضُوا بِوَحْيِكَ مِنْ سِوَاهُ وَمَا ارْتَضَوْا بِسوَاهُ مِنْ آرَاءِ ذِي الْهَذَيَانِ يَا رَبُّ ثَبِّتْهُمْ عَلَى الإِيمَانِ وَاجْـ ـعَلْهُمُ هُدَاةَ التَّائِهِ الْحَيْرَانِ وَانْصُرْ عَلَى حِزْبِ النَّفَاةِ عَسَاكِرَ الْـ إِثْبَاتِ أَهْلَ الْحَقِّ وَالْعِرْفَانِ وَأَقِمْ لأَهْلِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الـ أَنْصَارَ وَانْصُرْهُمُ بِكُلِّ زَمَانِ وَاجْعَلْهُمُ لِلْمُتَّقِينَ أَئِمَّةً وَارْزُقْهُمُ صَبْراً مَعِ الإِيقَانِ تَهْدِي بِأَمْرِكَ لا بِمَا قَدْ أَحْدَثُوا وَدَعَوْا إِلَيْهِ النَّاسَ بِالْعُدْوَانِ وَأَعِزَّهُمْ بِالْحَقِّ وَانْصُرْهُمْ بِهِ نَصْراً عَزِيزاً أَنْتَ ذُو السُّلْطَانِ وَاغْفِرْ ذُنُوبَهُمُ وَأَصْلِحْ شَأْنَهُمْ فَلأَنْتَ أَهْلُ الْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ وَلَكَ الْمَحَامِدُ كُلَّهَا حَمْداً كَمَا يُرْضِيكَ لا يَفْنَى عَلَى الأَزْمَانِ مِمَّا تَشَاءُ وَرَاءَ ذَلِكَ كُلِّهِ حَمْداً بِغَيْرِ نِهَايَةٍ بِزَمَانِ وَعَلَى رَسُولِكَ أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ وَالتَّـ

стр. 3528

.. ـسْلِيمِ مِنْكَ وَأَكْمَلِ الرِّضْوَانِ وَعَلَى صَحَابَتِهِ جَمِيعاً وَالأَلى تَبَعُوُهمُ ُمِنْ بَعْدُ بِالإِحْسَانِ وختاماً فإليك كلمة موجزة قالها أحد العلماء أَرْسِلْ طَرْفَكَ إِلى نَشْأَةِ الأُمَّةِ وَتَبَيَّنْ أَسْبَابَ نُهُوضِهَا الأَوَّلَ فَتَرَى أَنَّ مَا جَمَعَ كَلِمَتَهَا وَأَنْهَضَ هِمَمَ آحَادِهَا وَلَحَّمَ بَيْنَ أَفْرَادِهَا وَصَعَدَ بِهَا إِلى مَكَانَةٍ تُشْرِفُ مِنْهَا عَلَى رُؤُوسِ الأُمَمِ وَتَسْوسُهُمْ وَهِيَ فِي مَقَامِهَا بِدَقِيقِ حِكْمَتِهَا إِنَّمَا هُوَ (دِينٌ) قَوِيمُ الأُصُولِ مُحْكِمُ الْقَوَاعِدِ شَامِلٌ لأَنْوَاعِ الْحكْمِ بَاعِثٌ عَلَى الألفَةِ دَاعٍ إِلى الْمَحَبَّةِ مُزَكٍّ لِلنُّفُوسِ مُطَهِّرٌ لِلْقُلُوبِ مِنْ أَدْرَانِ الْخَسَائِسِ مُنُوِّرٌ لِلْعُقُولِ بِإِشْرَاقِ الْحَقِّ مِنْ مَطَالِعِ قَضَايَاهُ كَافِلٌ لِكُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الإِنْسَانُ مِنْ مَبَانِي الاجْتِمَاعَاتِ الْبَشَرِيَّةِ وَحَافِظٌ وُجُودَهَا وَيُنَادِي بِمُعْتَقَدِيهِ إِلى جَمِيعِ فُرُوعِ الْمَدِينَةِ الصَّحِيحَةِ، انْظُرْ إِلى التَّارِيخِ قَبْلَ بِعْثَةِ الدِّينِ وَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْهَمَجِيَّةِ وَالشَّتَاتِ وَإِتْيَانِ الدَّنَايَا وَالْمُنْكَرَاتِ حَتَّى إِذَا جَاءَهَا الدِّينُ وَحَّدَهَا وَقَوَّاهَا وَهَذَّبَهَا وَنَوَّرَ عُقُولَهَا وَقَوَّمَ أَخْلاقَهَا وَسَدَّدَ أَحْكَامَهَا فَسَادَتْ عَلَى الْعَالَمِ وَسَاسَتْ مَنْ تَوَلَّتْهُ بِالْعَدْلِ وَالإِنْصَافِ. أهـ. اللَّهُمَّ عَافِنَا مِنْ مَكْرِكَ وَزَيِّنَّا بِذِكْرَكَ وَاسْتَعْمِلْنَا بَأَمْرِكَ وَلا تَهْتِكَ عَلَيْنَا جَمِيلَ سِتْرِكَ وَامْنُن عَلَيْنَا بِلُطْفِكَ وَبِرِّكَ وَأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ، اللَّهُمَّ سَلَّمْنَا مِنْ عَذَابِكَ وَآمِنَّا مِنْ عَقَابِكَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِلاسْتِقَامَةِ وَالْعَدْلِ فِيمَا وَلَيْتَنَا عَلَيْهِ اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ دُنْيَا تَمْنَعُ خَيْرَ الآخِرَة وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ حَيَاةٍ تَمْنَعُ خَيْرَ الْمَمَاتْ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ أَمَلٍ يَمْنَعُ خَيْرَ الْعَمَلْ وَنَسْأَلَكَ أَنْ تَنَوِّرَ قُلُوبَنَا وَتُثَبِّتَنَا عَلَى قَوْلِكَ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَأَنْ تَغْفِرَ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.

стр. 3529

(فَصْلٌ) في ذكر بعض معجزات النبي ﷺ عِبَادَ اللهِ لَما كَانَتْ مُعْجِزَاتُ النَّبِي ﷺ أَنْوَارٌ تُشْرِقُ عَلَى الْقُلُوبِ الطَّافِحَةِ بِالإِيمَانِ وَتَزِيدُهَا قُوَّةً وَثَبَاتاً وَاسْتِقَامَةً أَحْبَبْتُ أَنْ أَذْكُرَ مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا وَاللهُ الْمَسْؤُولُ أَنْ يَجْعَلَ عَمَلَنَا خَالِصاً لِوَجْهِهِ الْكَرِيم. وَاعْلَمْ وَفَّقَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ أَنّ اللهَ قَدْ جَمَعَ لِنَبِيِّنَا ﷺ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْمُعْجِزَاتِ وَالْخَوَارِقِ. أَمَّا الْعِلْمُ وَالأَخْبَارُ الْغَيْبِيَّةُ وَالسَّمَاعُ وَالرُّؤْيَةُ. ١- فمثل إِخْبَارِه ﷺ عَنِ الأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينْ وَأُمَمِهِمْ. ٢- وَمُخَاطَبَتِهِ لَهُمْ وَأَحْوَالِهِ مَعَهُمْ. ٣- وَكَذَلِكَ إِخْبَارِه عَنْ أُمُورِ الرَّبوية وَالْمَلائِكَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ بِمَا يُوَافِقُ الأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ مِنْهُمْ، وَيُعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِنَقُول الأَنْبِيَاءِ تَارَةً بِمَا فِي أَيدِيهِمْ مِن الْكُتُبِ الظَّاهِرَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ. ٤- وَتَارَةً بِمَا يَعْلَمُهُ الْخَاصَّةُ مِن عُلَمَائِهِمْ. ٥- فَإِخْبَارُهُ عَن الأُمُورِ الْغَائِبَةِ مَاضِيهَا وَحَاضِرِهَا هُوَ مِنْ بَابِ الْعِلْمِ الْخَارِقِ لِلْعَادَةِ. ٦- وَكَذَلِكَ إِخْبَارُهُ عَنِ الأُمُورِ الْمثسْتَقْبَلَةِ. ٧- مِثْلَ مَمْلَكَةِ أُمَّتِهِ. ٨- وَزَوَالِ مَمْلَكَةِ فَارِسَ. ٩- وَالرُّومِ.

стр. 3530

١٠- وَقِتَالِ التُّرْكِ وَأُلُوف مُؤلَّفَةٍ مِنَ الأَخْبَارِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا. وَأَمَّا الْقُدْرَةُ وَالتَّأْثِيرْ. ١١- فَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ. ١٢- وَكَذَا مِعْرَاجُهُ إِلى السَّمَاوَاتِ. ١٣- وَكِثْرَةُ الرَّمْي بِالنُّجُومِ عِنْدَ ظُهُورِهِ. ١٤- وَكَذَا إِسْرَاؤُهُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى. ١٥- وَتَكْثِيرُ الْمَاءِ فِي عَيْنِ تَبُوكَ. ١٦- وَعَيْنِ الْحُدَيْبِيَةِ. ١٧- وَنَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. ١٨- وَكَذَا تَكْثِيرُ الطَّعَامِ. وَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ بَعْضُهَا مُوَضَّحاً مُفَصَّلاً قَرِيباً. ١٩- وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: (سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِياً أَفْيَحَ فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَرَ شَيْئاً يَسْتَتِرُ بِهِ فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا فَقَالَ: «انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ» . فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُومِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخْرَى فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا فَقَالَ: «انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ» . فَانْقَادَتْ كَذَلِكَ

стр. 3531

حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْتَصَف فِيمَا بَيْنَهُمَا فلآمَ بَيْنَهُمَا حَتَّى جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: «الْتَئِمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ» . فَالْتَأَمَتَا عَلَيْهِ. فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ مَخَافَةَ أَنْ يُحِسَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقُرْبِي فَتَبَاعَدَتْ فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مُقْبِلاً وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدْ افْتَرَقَتَا فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ) . وَذَكَرَ الْحَدِيث. ٢٠- وَمِنْهَا أَنَّهَا انْكَسَرَتْ رِجْلُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتَيْك ﵁ بَعْدَمَا قَتَلَ أَبَا رَافِعٍ الذِي يُؤْذِي النَّبِي ﷺ قَالَ: فَانْتَهَيْتُ إِلى النَّبِيَّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ فقَالَ لِي: «ابْسِطْ رِجْلَكَ» . فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُ. ٢١- وَقِصَّةُ أمِّ مَعْبَدٍ مَشْهُورَةٌ مِنْ حَدِيثِهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ مَرَّ بِهَا طَلَبَ لَبَناً أَوْ لَحْماً يَشْتَرُونَهُ وَكَانُوا مُرْمِلِينَ مُسْنِتِينَ فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَهَا شَيْئاً قَطُ فَنَظَرَ إِلى شَاةٍ فِي كِسْرِ الْخِيمَةِ خَلَّفَهَا الْجُهْدُ عَن الْغَنَمِ، فَسَأَلَهَا: «هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ» ؟ فَقَالَتْ: هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ، فقَالَ: «أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلِبَهَا» ! فَقَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلْباً. فَدَعَا بِالشَّاةِ فَاعْتَقَلَهَا وَمَسَحَ ضَرْعَهَا فَدَرَّتْ وَاجْتَرَّتْ وَدَعَا بِإِنَاءٍ يُشْبِعُ الرَّهْطَ فَحَلَبَ حَتَّى مَلأَهُ وَسَقَى الْقَوْمَ حَتَّى زَوَوْا ثُمَّ شَرِبَ آخِرُهُمْ ثُمَّ حَلَبَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرَى عَللاً بَعْدَ نهلٍ ثُمَّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا وَذَهَبُوا فَجَاءَ أَبُو مَعْبَدٍ فَلَمَّا رَأَى اللَّبَنَ قَالَ: مَا هَذَا يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟ أَنَّى لَكِ هَذَا وَالشَّاةُ عَازِبٌ حِيَالٌ وَلا حَلُوبَةَ بِالْبَيْتِ فَقَالَتْ: لا وَاللهِ إِلا أَنَّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ فقَالَ: صِفِيهِ فَوَصَفَتْهُ لَهُ، وَذَلِكَ فِي طَرِيقِ هِجْرَتِهِ ﷺ إلى الْمَدِينَةِ.

стр. 3532

وَقَدْ قِيلَ فِي ذَلِكَ الأَبْيَاتُ الْمَشْهُورَةُ قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ﵄: فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ عَرِفْنَا حَيْثُ وَجَّه رَسُول الله ﷺ تُشِيرُ إِلى مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْجِنِّ مِنْ أَسَفْلِ مَكَّةَ يَتَغَنَّى بِأَبْيَاتٍ مِنْ شِعْرٍ غِنَاءَ الْعَرَبِ وَأَنَّ النَّاسَ لَيَتْبَعُونَهُ يَسْمَعُونَ صَوْتَه وَمَا يَرَوْنَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ وَهُوَ يَقُول: جَزَى اللهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ رَفِيقَيْنِ حَلا خَيْمَتِي أُمِّ مَعْبَدِ هُمَا نَزلا بالْبِرِّ ثُمَّ تَرَوَّحَا فَأَفْلَحَ مِنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ لِيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَكَانَ فَتَاتِهِمْ وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمِرْصَدِ سَلُو أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا فَإِنَّكُمُوا إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ دَعَاهَا بِشَاةٍ حَائِلٍ فَتَحَلَّبَتْ لَهُ بِصَرِيحِ ضَرَّةِ الشَّاةِ مُزْبِدِ فَغَادَرَهُ رَهْناً لَدَيْهَا لِحَالِبٍ يُدِرُّ لَهَا فِي مَصْدَرِ ثُمَّ مَوْرِدِ فَلَمَّا سَمِعَ حَسَّانُ بنُ ثَابت أَنْشَأَ يَقُولُ مُجِيباً لِلْهَاتِفِ: لَقَدْ خَابَ قَوْمٌ زَالَ عَنْهُمْ نَبِيُّهُم وَقُدِّسَ مَنْ يَسْرِي إِلَيْهِمْ وَيَغْتَدِي

стр. 3533

تَرَحَّلَ عَنْ قَوْمٍ فَظَلَّتْ عُقُولُهُمْ وَحَلَّ عَلَى قَوْمٍ بِنُورٍ مُجَدَّدِ هَدَاهُمْ بِهِ بَعْدَ الضَّلالَةِ رَبُّهُمْ وَأَرْشَدَهُمْ مَن يَتْبَعِ الْحَقَّ يَرْشُدِ وَقَدْ نَزَلَتْ مِنْهُ عَلَى أَهْل يَثْرِب رِكَابُ هُدىً حَلّتْ عَلَيْهِمْ بِأَسْعَدِِ نَبِيُّ يَرَى ما لا يَرَى النَّاسُ حَوْلَهُ وَيَتْلُو كِتَابَ اللهِ فِي كُلِّ مَسْجِدِ وَإِنْ قَالَ فِي يَوْمٍ مَقَالَةَ غَائِبٍ فَتَصْدِيقَهَا فِي الْيَوْمِ أَوْ فِي ضُحَى الْغَدِ لِيَهْنِ أَبَا بَكْرٍ سَعَادَةُ جِدِّه بِصُحْبَته مَنْ يُسْعِدِ اللهُ يَسْعَدِ ٢٢- وفي الترمذي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: (كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ فَخَرَجْنَا فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا فَمَا اسْتَقْبَلَهُ شَجَرٌ وَلا جَبَلٌ إِلا وَهُوَ يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ) . رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحه. ٢٣- وَجاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلى النَّبِيِّ ﷺ فقَالَ: بِمَ أَعْرَفُ أَنَّكَ نَبِي؟ قَالَ: «إِنْ دَعَوْتُ هَذَا الْعِذْقَ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولَ اللهِ» ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَعَلَ يَنْزِلُ مِن النَّخْلَةِ حَتَّى سَقَطَ إِلى النَّبِي ﷺ ثُمَّ قَالَ: «ارْجِعْ» . فَعَادَ فَأَسْلَم الأَعْرَابِيُّ.

стр. 3534

شِعْرًا: ... تَأَمَّلْ فِي نَبَاتِ الأَرْضِ وَانْظُرْ ... إِلى آثَارِ مَا صَنَعَ الْمَلِيكُ آخر: ... عُيُونٌ مِنْ لُجَيْنَ شَاخِصَاتٌ ... بأَحْدَاقٍ هِيَ الذَّهِبُ السَّبِيكُ عَلَى قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٌ ... بِأَنَّ اللهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ وَأَنَّ مُحَمَّداً خَيْرُ الْبَرَايَا ... إِلى الثَّقَلَيْنِ أَرْسَلَهُ الْمَلِيكُ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ مَحَبَّتَكَ فِي قُلُوبِنَا وَقَوِّهَا وَارْزُقْنَا الْقِيَامَ بِطَاعَتِكَ وَجَنِّبْنَا مَا يُسْخِطُكَ وَأصْلِحْ نَيَّاتِنَا وَذُرَّيَاتِنَا وَأَعِذْنَا مِنْ شَرِّ نُفُوسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا وَأَعِذْنَا مِنْ عَدُوِّكَ وَاجْعَلْ هَوَانَا تَبَعاً لِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُكَ ﷺ وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فَصْلٌ) ٢٤- وَلَمَّا بَعَثَتْ قُرَيْشٌ فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ بَدْرٍ فَفَدَى كُلُّ قَوْمٍ أَسِيرَهُمْ بِمَا رَضُوا وَكَانَ الْعَبَّاسُ أَسِيراً قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ كُنْتُ مُسْلِماً فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللهُ أَعْلَمُ بِإِسْلامِكَ فَإِنْ يَكُنْ كَمَا تَقُولُ فَإِنَّ اللهَ يَجْزِيكَ وَأَمَّا ظَاهِرُكَ فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا فَافْتَدِ نَفْسَكَ وَابْنِي أَخَوَيْكَ» . قَالَ الْعَبَّاسُ: مَا ذَاك عِنْدِي. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَأَيْنَ الْمَالُ الذِي دَفَنْتَهُ أَنْتَ وَأَمُّ الْفَضْلِ فَقُلْتَ لَهَا: إِنْ أُصِبْتُ فِي سَفَرِي هَذَا فَهَذَا الْمَالُ الذِي دَفَنْتُهُ لِبَنِي الْفَضْلِ وَعَبْدِ اللهِ وَقُثَمّ» . قَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ لأَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ مَا عَلِمَهُ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُ أُمِّ الْفَضْلِ.. إلخ.

стр. 3535

٢٥- وَقِصَّةُ ارْتِجَافِ أُحُدٍ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَعَدَ أُحُداً وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((أَثْبتْ أُحُدٌ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَان)) . ٢٦- وَقِصَّةُ مَاءِ الرَّكْوَةِ وَهِيَ مَا وَرَدَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رِكْوَةٌ يتَوَضَّأَ فَجَهِشَ النَّاسُ نَحْوَهُ فَقَالَ: «مَا لَكُمْ» ؟ قَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ وَلَا نَشْرَبُ إِلَّا مَا بَيْنَ يَدَيْكَ. قَالَ جَابِرِ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فِي الرِّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَثُورُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا قَالَ سالِم: قُلْتُ لِجَابِرِ كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً (١٥٠٠) . ٢٧- وَقِصَّةُ مَوْتِ النَّجَاشِيِّ وَهِيَ مَا وَرَدَ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ رَبِيْبَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَتْ: لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَ لَهَا: «إِنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ لِلنَّجَاشِيِّ أَوَاقِيَّ مِنْ مِسْكٍ وَحُلَّةً وَإِنِّي لَا أَرَاه إِلَّا قَدْ مَاتَ وَلَا أَرَى إِلَّا الهَدِيَّة إِلا سَتُرَدُّ إليَّ، فَإِذا رُدَّتْ إِليَّ فَهِيَ لَكِ» . فكَانَ كَمَا قَالَ ﷺ ، مَاتَ اِلنَّجَاشِيّ ِوَرُدَّتْ إلى النبي ﷺ هَدِيَّتُهُ فَأَعْطَى كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أُوقِيَّةً مِنْ ذَلِكَ المِسْكِ وَأَعْطَى سَائِرَهُ أُمَّ سَلَمَةَ. ٢٨-وَقِصَّةُ عُكَّاشَةَ بنِ مِحْصَن بنِ حَرْثَانِ الأَسَدِيِّ حِينَمَا انْدَفَعَ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وَيحَصْدُ ُفِيهِمْ حَصْداً حَتَّى انْكَسَرَ سَيْفُهُ فَلَمْ يَثْنِهِ ذَلِكَ عَنْ خَوْضِ الْمَعْرَكَةِ وَلَمْ يَتَّخِذْ مِنْ كَسْرِ سَيْفِهِ مَعْذِرَةً عَن الْقِتَالِ فَجَاءَ إِلى النَّبِي ﷺ يُخْبِرُهُ بِكَسْرِ سَيْفِهِ وَإِرَادَةِ غَيْرِهِ

стр. 3536

فَدَفَعَ ﷺ لَهُ جَذْلاً مِنْ حَطَبٍ فقَالَ لَهُ: ((قَاتِلْ بِهَذَا يَا عُكَّاشَةُ)) . فَلَمَّا أَخَذَهُ عُكَّاشَةُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ هَزَّهُ فَعَادَ فِي يَدِهِ سَيْفاً صَارِمَ القَامَةِ شَدِيدَ الْمَتْنِ أَبْيَضَ الْحَدِيدَةِ فَقَاتَلَ بِهِ ﵁ حَتَّى فَتَحَ اللهُ تَعَالى عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ ذَلِكَ السَّيْفُ يَشْهَدُ بِهِ الْمَشَاهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى اسْتُشْهِدَ فِي قِتَالِ الرِّدَةِ فِي خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁. ٢٩- وَقِصَّةُ عُمَيْرِ بنِ وَهْبٍ الْجُمَحِي وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ بَعْدَ مُصَابِ أَهْلِ بَدْرٍ وَكَانَ عُمَيْرٌ شَيْطَاناً مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ وَمِمَّنْ كَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ وَيَلْقُون مِنْهُ عِنَاءً وَهُوَ بِمَكَّةَ وَكَانَ ابْنُهُ وَهْبُ بنُ عُمَيْرٍ فِي أُسَارَى بَدْرٍ قَالَ: فَذَكَرَ عُمَيْرٌ أَصْحَابَ الْقَلِيبِ وَمُصَابَهُمْ فَقََالَ صَفْوَانُ: وَاللهِ مَا فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ خَيْرٌ. قَالَ عُمَيْرٌ: صَدَقْتَ وَاللهِ أَما وَاللهِ لَوْلا دَينٌ عَلَيَّ لَيْسَ لَهُ عِنْدِي قَضَاءٌ وَعِيَالٌ أَخْشَى عَلَيْهِمْ الضَّيْعَة بَعْدِي لَرَكِبْتُ إِلى مُحَمَّدٍ حَتَّى أَقْتُلَهُ فَإِنْ لِي قِبَلَهُمْ عِلَّةٌ ابْنِي أَسِيرٌ فِي أَيْدِيهِمْ قَالَ: فَاغْتَنَمَهَا صَفْوَانُ وَقَالَ: عَلَيَّ دَيْنُكَ أَنَا أَقْضِيهِ عَنْكَ وَعِيَالُكَ مَعَ عِيَالِي أُوَاسِيهِمْ مَا بَقُوا لا يَسَعُنِي شَيْءٌ يَعْجَزُ عَنْهُمْ. فقَالَ عُمَيْرٌ: فَاكْتُمْ شَأْنِي وَشَأْنَكَ قَالَ: أَفْعَلُ ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَبَيْنَمَا عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ فِي نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ يَوْمِ

стр. 3537

بَدْرٍ وَمَا أَكْرَمَهُمْ اللهُ بِهِ وَمَا أَرَاهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ إِذ نَظَرَ عُمَرُ إِلى عُمَيْرٍ بنُ وَهْبٍ حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَه عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، مُتَوَشِّحاً السَّيْفَ، فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا الْكَلْبُ عَدُوُ اللهِ وَاللهِ مَا جَاءَ إِلا لِشَر. ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ هَذَا عَدُوُ اللهِ عُمَيْرُ ابنُ وَهْبٍ، قَدْ جَاءَ مُتَوَشِّحاً سَيْفَهُ. قَالَ: ((فَأَدْخِلْْهُ عَلَيَّ)) . فَأَقْبَلَ عُمَرُ حَتَّى أَخَذَ بِحَمَالَةِ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ فَلَبَّبَهُ بِهَا. وَقَالَ لِرَجَالٍ مِنَ الأَنْصَارِ: ادْخُلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاجْلِسُوه عِنْدَهُ وَاحْذَرُوا عَلَيْهِ مِنْ هَذَ الْخَبِيثِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ ثُمَّ دَخَلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: ((أَرْسِلْهُ)) . فَدَنَا عُمَيْرٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَمَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَيْرُ» ؟ قَالَ: جِئْتُ لِهَذَا الأَسِيرِ الذِي فِي أَيْدِيكُمْ فَأَحْسِنُوا فِيهِ يَعْنِي وَلَدَهُ قَالَ: ((فَمَا بَالُ السَّيْفِ فِي عُنِقِكَ)) ؟ قَالَ: قَبَّحَهَا اللهُ مِنْ سُيُوفٍ وَهَلْ أَغَنَتْ عَنَّا شَيْئاً قَالَ: «أُصْدُقْنِي مَا الذِي جَاءَ بِكَ» ؟ قَالَ: مَا جِئْتُ إِلا لِذَلِكَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بَلْ قَعَدْتَ أَنْتَ وَصَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ فِي الْحِجْرِ فَذَكَرْتُمَا أَصْحَابَ الْقَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ ثُمَّ قُلْتَ: لَوْلا دِينٌ عَلَيَّ وَعِيَالٌ عِنْدِي لَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْتُلَ مُحَمَّداً فَتَحَمَّل لَكَ صَفْوَانُ بِدَيْنِكَ وِعِيَالِكَ عَلَى أَنْ تَقْتُلَنِي لَهُ، وَاللهُ حَائِلٌ بِيَنْكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ» . فَقَالَ عُمَيْرٌ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ قَدْ كُنَّا يَا رَسُولَ اللهِ نُكَذِّبُكَ بِمَا كُنْتَ تَأْتِينَا بِهِ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْكَ مِنْ الْوَحْيِ وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ

стр. 3538

يَحْضُرْهُ إِلا أَنَا وَصَفْوَانُ فَوَاللهِ إِنِّي لأَعْلَمُ مَا أَتَاكَ بِهِ إِلا اللهُ فَالْحَمْدُ للهِ الذِي هَدَانِي لِلإِسْلامِ وَسَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ. ثُمَّ شَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَقِّهُوا أَخَاكُمْ فِي دِينِهِ وَاقْرِئُوهُ الْقُرْآنَ وَأَطْلِقُوا لَهُ أَسِيرَهُ» . فَفَعَلُوا الخ. وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ. شِعْراً: فُؤادٌ مَا يَقِرُّ لَهُ قَرَارٌ وَأَجْفَانٌ مَدَامِعُهَا غِزَارُ وَلَيْلٌ طَالَ بالأَنْكَادِ حَتَّى ظَننتُ اللَّيْلَ لَيْسَ لَهُ نَهَارُ وَلِمَ لا والتُّقَى حَلَّتْ عُرَاهُ وَبَانَ عَلَى بَنِيهِ الإنْكِسَارُ لِيَبْكِ مَعِي عَلى الدِّيْنِ الْبَوَاكِي فَقَدْ أَضْحَتْ مَوَاطِنُه قِفَارُ وَقَدْ هُدَّتْ قَوَاعِدُهُ اعْتِدَاءً وَزَالَ بِذَاكُمُوا عَنْهُ الْوَقَارُ وأَصْبَحَ لا تُقَامُ لَهُ حُدُودٌ وَأَمْسَى لا يُبَنَّ لَهُ شِعَارُ وَعَادَ كَمَا بَدَا فِينَا غَرِيباً هُنَالِكَ مَالَهُ فِي الْخَلْقِ جَارُ فَقَدْ نَقَضُوا عُهُودَهُمُوا جِهَاراً وَأَسْرَفُوا فِي الْعَدَاوَةِ ثُمَّ سَارُوا

стр. 3539

اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ سِرَّنَا وَعَلانِيَّتَنَا وَتَسْمَعُ كَلامَنَا وَتَرَى مَكَانَنَا لا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِنَا نَحْنُ الْبُؤَسَاءُ الْفُقَرَاءُ إِلَيْكَ الْمُسْتَغِيثُونَ الْمُسْتَجِيرُونَ بِكَ نَسْأَلُكَ أَنْ تُقَيِّضَ لِدِينِكَ مَنْ يَنْصُرَهُ وَيُزِيلَ مَا حَدَثَ مِن الْبِدَعِ وَالْمُنْكَرَاتِ وَيَقِيمَ عَلَمَ الْجِهَادِ وَيَقْمَعَ أَهْلَ الزَّيْغِ وَالْكُفْرِ وَالْعِنَادِ وَنَسْأَلُكَ أَنْ تَغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) ٣٠- وَقِصَّةُ حَنِينِ الْجَذْعِ مَا وَرَدَ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَلا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئاً تَقْعُدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِي غُلاماً نَجَّاراً قَالَ: ((إِنْ شِئْتِ)) . قَالَ: فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرَ الذِي صُنِعَ فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطِبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ فَجَعَلَتْ تَئِنُ أَنِينَ الصَّبِيِّ الذِي يَسْكُتْ. ٣١- وَقِصَّةُ عُكَّةِ أُمِّ سُلَيِم لِمَا وَرَدَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أُمِّهِ قَالَ: كَانَتْ لَنَا شَاةٌ جَمَعت مِنْ سَمْنِهَا فِي عُكَّةٍ فَمَلأَتِ الْعُكَّةِ ثُمَّ بَعَثَتَ بِهَا مَعَ رَبِيبَةٍ فَقَالَتْ: يَا رَبِيبَةُ فَبَلِّغِي هَذِهِ الْعُكَّةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْتَدِمْ بِهَا فَانْطَلَقَتْ بِهَا الرَّبِيبَةُ حَتَّى أَتَتْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ عُكَّةُ سَمْنٍ بَعَثَتْ بِهَا إِلَيْكَ أُمُّ سُلَيْم فَقَالَ: ((أَفْرِغُوا لَهَا عُكَّّتَهَا)) . فَفُرِّغَتْ الْعُكَّةُ فَدُفِعَتْ إِلَيْهَا فَأَنْطَلَقَتْ بِهَا.

стр. 3540

وَجَاءَتْ وَأُمُّ سُلَيْم لَيْسَتْ فِي الْبَيْتِ فَعَلَّقَتْ الْعُكَّةَ عَلَى وَتَدٍ فَجَاءَتْ أُمُّ سَلَيْمٍ فَرَأَتْ الْعُكَّةَ مُمْتَلِئَةً تَقْطُرُ فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْم: يَا رَبِيبَةُ أَلَيْسَ أَمَرْتُكِ أَنْ تَنْطَلِقِي بِهَا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَتْ: قَدْ فَعَلْتُ فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقِينِي فَسَلِي رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَانْطَلَقَتْ وَمَعَهَا الرَّبِيبَةُ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ مَعَهَا إِلَيْكَ بِعُكَّةٍ فِيهَا سَمْنٌ قَالَ: ((قَدْ فَعَلَتْ قَدْ جَاءَتْ)) . قَالَتْ: وَالذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ وَدِينِ الْحَقِّ إِنَّهَا لَمُمْتَلِئَةٍ تَقْطُرُ سَمْناً قَالَ: فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَتَعْجَبِينَ إِنْ كَانَ اللهُ أَطْعَمَكِ كَمَا أَطْعَمَ نَبِيَّهُ كُلِي وَأَطْعِمِي» . قَالَتْ: فَجِئْتُ إِلى الْبَيْتِ فَقَسَمْتُ فِي قُعْبٍ لَنَا كَذَا وَكَذَا وَتَرَكْتُ فِيهَا مَا ائْتَدَمْنَا بِهِ شَهْرَيْنِ. ٣٢- وَقِصَّةُ طِيْبِ عُتْبَةَ صَاحِبِ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَتْ: أُمُّ عَاصِمٍ امْرَأَةُ عُتْبَةَ بن فَرْقَد كُنَّا عِنْدَ عُتْبَةَ ثَلاثَ نِسْوَةٍ مَا مِنَّا وَاحِدَةٌ إِلا وَهِيَ تَجْتَهِدُ فِي الطِّيبِ لِتَكُونَ أَطْيَبَ مِنْ صَاحِبَتِهَا وَمَا يَمَسَّ عُتْبَةُ بنُ فَرْقَدٍ طِيباً إِلا أَنْ يَلْتَمِسَ دُهْناً وَكَانَ أَطْيَبَ رِيحاً مِنَّا فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ أَصَابَنِي الشَّرَى (حَكَّةٌ فِي الْجِلْدِ) عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَقْعَدَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَجَرَّدْتُ وَأَلْقَيْتُ ثِيَابِي عَلَى عَوْرَتِي فَنَفَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي كَفِّهِ ثُمَّ دَلَّكَ بِهَا الأُخْرَى ثُمَّ أَمَرَهُمَا عَلَى ظَهْرِي فَعَبَقَ بِهَا مَا تَرَوْنَ.
следующие страницы →