Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
فَدَفَعَ ﷺ لَهُ جَذْلاً مِنْ حَطَبٍ فقَالَ لَهُ: ((قَاتِلْ بِهَذَا يَا عُكَّاشَةُ)) .
فَلَمَّا أَخَذَهُ عُكَّاشَةُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ هَزَّهُ فَعَادَ فِي يَدِهِ سَيْفاً صَارِمَ القَامَةِ شَدِيدَ الْمَتْنِ أَبْيَضَ الْحَدِيدَةِ فَقَاتَلَ بِهِ ﵁ حَتَّى فَتَحَ اللهُ تَعَالى عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ ذَلِكَ السَّيْفُ يَشْهَدُ بِهِ الْمَشَاهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى اسْتُشْهِدَ فِي قِتَالِ الرِّدَةِ فِي خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁.
٢٩- وَقِصَّةُ عُمَيْرِ بنِ وَهْبٍ الْجُمَحِي وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ بَعْدَ مُصَابِ أَهْلِ بَدْرٍ وَكَانَ عُمَيْرٌ شَيْطَاناً مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ وَمِمَّنْ كَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ وَيَلْقُون مِنْهُ عِنَاءً وَهُوَ بِمَكَّةَ وَكَانَ ابْنُهُ وَهْبُ بنُ عُمَيْرٍ فِي أُسَارَى بَدْرٍ قَالَ: فَذَكَرَ عُمَيْرٌ أَصْحَابَ الْقَلِيبِ وَمُصَابَهُمْ فَقََالَ صَفْوَانُ: وَاللهِ مَا فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ خَيْرٌ.
قَالَ عُمَيْرٌ: صَدَقْتَ وَاللهِ أَما وَاللهِ لَوْلا دَينٌ عَلَيَّ لَيْسَ لَهُ عِنْدِي قَضَاءٌ وَعِيَالٌ أَخْشَى عَلَيْهِمْ الضَّيْعَة بَعْدِي لَرَكِبْتُ إِلى مُحَمَّدٍ حَتَّى أَقْتُلَهُ فَإِنْ لِي قِبَلَهُمْ عِلَّةٌ ابْنِي أَسِيرٌ فِي أَيْدِيهِمْ قَالَ: فَاغْتَنَمَهَا صَفْوَانُ وَقَالَ: عَلَيَّ دَيْنُكَ أَنَا أَقْضِيهِ عَنْكَ وَعِيَالُكَ مَعَ عِيَالِي أُوَاسِيهِمْ مَا بَقُوا لا يَسَعُنِي شَيْءٌ يَعْجَزُ عَنْهُمْ.
فقَالَ عُمَيْرٌ: فَاكْتُمْ شَأْنِي وَشَأْنَكَ قَالَ: أَفْعَلُ ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَبَيْنَمَا عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ فِي نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ يَوْمِ
стр. 3537
بَدْرٍ وَمَا أَكْرَمَهُمْ اللهُ بِهِ وَمَا أَرَاهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ إِذ نَظَرَ عُمَرُ إِلى عُمَيْرٍ بنُ وَهْبٍ حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَه عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، مُتَوَشِّحاً السَّيْفَ، فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا الْكَلْبُ عَدُوُ اللهِ وَاللهِ مَا جَاءَ إِلا لِشَر.
ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ هَذَا عَدُوُ اللهِ عُمَيْرُ ابنُ وَهْبٍ، قَدْ جَاءَ مُتَوَشِّحاً سَيْفَهُ. قَالَ: ((فَأَدْخِلْْهُ عَلَيَّ)) . فَأَقْبَلَ عُمَرُ حَتَّى أَخَذَ بِحَمَالَةِ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ فَلَبَّبَهُ بِهَا.
وَقَالَ لِرَجَالٍ مِنَ الأَنْصَارِ: ادْخُلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاجْلِسُوه عِنْدَهُ وَاحْذَرُوا عَلَيْهِ مِنْ هَذَ الْخَبِيثِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ ثُمَّ دَخَلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: ((أَرْسِلْهُ)) . فَدَنَا عُمَيْرٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَمَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَيْرُ» ؟ قَالَ: جِئْتُ لِهَذَا الأَسِيرِ الذِي فِي أَيْدِيكُمْ فَأَحْسِنُوا فِيهِ يَعْنِي وَلَدَهُ قَالَ: ((فَمَا بَالُ السَّيْفِ فِي عُنِقِكَ)) ؟ قَالَ: قَبَّحَهَا اللهُ مِنْ سُيُوفٍ وَهَلْ أَغَنَتْ عَنَّا شَيْئاً قَالَ: «أُصْدُقْنِي مَا الذِي جَاءَ بِكَ» ؟ قَالَ: مَا جِئْتُ إِلا لِذَلِكَ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بَلْ قَعَدْتَ أَنْتَ وَصَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ فِي الْحِجْرِ فَذَكَرْتُمَا أَصْحَابَ الْقَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ ثُمَّ قُلْتَ: لَوْلا دِينٌ عَلَيَّ وَعِيَالٌ عِنْدِي لَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْتُلَ مُحَمَّداً فَتَحَمَّل لَكَ صَفْوَانُ بِدَيْنِكَ وِعِيَالِكَ عَلَى أَنْ تَقْتُلَنِي لَهُ، وَاللهُ حَائِلٌ بِيَنْكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ» .
فَقَالَ عُمَيْرٌ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ قَدْ كُنَّا يَا رَسُولَ اللهِ نُكَذِّبُكَ بِمَا كُنْتَ تَأْتِينَا بِهِ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْكَ مِنْ الْوَحْيِ وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ
стр. 3538
يَحْضُرْهُ إِلا أَنَا وَصَفْوَانُ فَوَاللهِ إِنِّي لأَعْلَمُ مَا أَتَاكَ بِهِ إِلا اللهُ فَالْحَمْدُ للهِ الذِي هَدَانِي لِلإِسْلامِ وَسَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ. ثُمَّ شَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَقِّهُوا أَخَاكُمْ فِي دِينِهِ وَاقْرِئُوهُ الْقُرْآنَ وَأَطْلِقُوا لَهُ أَسِيرَهُ» . فَفَعَلُوا الخ. وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.
شِعْراً:
فُؤادٌ مَا يَقِرُّ لَهُ قَرَارٌ
وَأَجْفَانٌ مَدَامِعُهَا غِزَارُ
وَلَيْلٌ طَالَ بالأَنْكَادِ حَتَّى
ظَننتُ اللَّيْلَ لَيْسَ لَهُ نَهَارُ
وَلِمَ لا والتُّقَى حَلَّتْ عُرَاهُ
وَبَانَ عَلَى بَنِيهِ الإنْكِسَارُ
لِيَبْكِ مَعِي عَلى الدِّيْنِ الْبَوَاكِي
فَقَدْ أَضْحَتْ مَوَاطِنُه قِفَارُ
وَقَدْ هُدَّتْ قَوَاعِدُهُ اعْتِدَاءً
وَزَالَ بِذَاكُمُوا عَنْهُ الْوَقَارُ
وأَصْبَحَ لا تُقَامُ لَهُ حُدُودٌ
وَأَمْسَى لا يُبَنَّ لَهُ شِعَارُ
وَعَادَ كَمَا بَدَا فِينَا غَرِيباً
هُنَالِكَ مَالَهُ فِي الْخَلْقِ جَارُ
فَقَدْ نَقَضُوا عُهُودَهُمُوا جِهَاراً
وَأَسْرَفُوا فِي الْعَدَاوَةِ ثُمَّ سَارُوا
стр. 3539
اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ سِرَّنَا وَعَلانِيَّتَنَا وَتَسْمَعُ كَلامَنَا وَتَرَى مَكَانَنَا لا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِنَا نَحْنُ الْبُؤَسَاءُ الْفُقَرَاءُ إِلَيْكَ الْمُسْتَغِيثُونَ الْمُسْتَجِيرُونَ بِكَ نَسْأَلُكَ أَنْ تُقَيِّضَ لِدِينِكَ مَنْ يَنْصُرَهُ وَيُزِيلَ مَا حَدَثَ مِن الْبِدَعِ وَالْمُنْكَرَاتِ وَيَقِيمَ عَلَمَ الْجِهَادِ وَيَقْمَعَ أَهْلَ الزَّيْغِ وَالْكُفْرِ وَالْعِنَادِ وَنَسْأَلُكَ أَنْ تَغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
٣٠- وَقِصَّةُ حَنِينِ الْجَذْعِ مَا وَرَدَ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَلا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئاً تَقْعُدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِي غُلاماً نَجَّاراً قَالَ: ((إِنْ شِئْتِ)) . قَالَ: فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرَ الذِي صُنِعَ فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطِبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ فَجَعَلَتْ تَئِنُ أَنِينَ الصَّبِيِّ الذِي يَسْكُتْ.
٣١- وَقِصَّةُ عُكَّةِ أُمِّ سُلَيِم لِمَا وَرَدَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أُمِّهِ قَالَ: كَانَتْ لَنَا شَاةٌ جَمَعت مِنْ سَمْنِهَا فِي عُكَّةٍ فَمَلأَتِ الْعُكَّةِ ثُمَّ بَعَثَتَ بِهَا مَعَ رَبِيبَةٍ فَقَالَتْ: يَا رَبِيبَةُ فَبَلِّغِي هَذِهِ الْعُكَّةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْتَدِمْ بِهَا فَانْطَلَقَتْ بِهَا الرَّبِيبَةُ حَتَّى أَتَتْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ عُكَّةُ سَمْنٍ بَعَثَتْ بِهَا إِلَيْكَ أُمُّ سُلَيْم فَقَالَ: ((أَفْرِغُوا لَهَا عُكَّّتَهَا)) . فَفُرِّغَتْ الْعُكَّةُ فَدُفِعَتْ إِلَيْهَا فَأَنْطَلَقَتْ بِهَا.
стр. 3540
وَجَاءَتْ وَأُمُّ سُلَيْم لَيْسَتْ فِي الْبَيْتِ فَعَلَّقَتْ الْعُكَّةَ عَلَى وَتَدٍ فَجَاءَتْ أُمُّ سَلَيْمٍ فَرَأَتْ الْعُكَّةَ مُمْتَلِئَةً تَقْطُرُ فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْم: يَا رَبِيبَةُ أَلَيْسَ أَمَرْتُكِ أَنْ تَنْطَلِقِي بِهَا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَتْ: قَدْ فَعَلْتُ فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقِينِي فَسَلِي رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَانْطَلَقَتْ وَمَعَهَا الرَّبِيبَةُ.
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ مَعَهَا إِلَيْكَ بِعُكَّةٍ فِيهَا سَمْنٌ قَالَ: ((قَدْ فَعَلَتْ قَدْ جَاءَتْ)) . قَالَتْ: وَالذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ وَدِينِ الْحَقِّ إِنَّهَا لَمُمْتَلِئَةٍ تَقْطُرُ سَمْناً قَالَ: فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَتَعْجَبِينَ إِنْ كَانَ اللهُ أَطْعَمَكِ كَمَا أَطْعَمَ نَبِيَّهُ كُلِي وَأَطْعِمِي» . قَالَتْ: فَجِئْتُ إِلى الْبَيْتِ فَقَسَمْتُ فِي قُعْبٍ لَنَا كَذَا وَكَذَا وَتَرَكْتُ فِيهَا مَا ائْتَدَمْنَا بِهِ شَهْرَيْنِ.
٣٢- وَقِصَّةُ طِيْبِ عُتْبَةَ صَاحِبِ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَتْ: أُمُّ عَاصِمٍ امْرَأَةُ عُتْبَةَ بن فَرْقَد كُنَّا عِنْدَ عُتْبَةَ ثَلاثَ نِسْوَةٍ مَا مِنَّا وَاحِدَةٌ إِلا وَهِيَ تَجْتَهِدُ فِي الطِّيبِ لِتَكُونَ أَطْيَبَ مِنْ صَاحِبَتِهَا وَمَا يَمَسَّ عُتْبَةُ بنُ فَرْقَدٍ طِيباً إِلا أَنْ يَلْتَمِسَ دُهْناً وَكَانَ أَطْيَبَ رِيحاً مِنَّا فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ.
فَقَالَ أَصَابَنِي الشَّرَى (حَكَّةٌ فِي الْجِلْدِ) عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَقْعَدَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَجَرَّدْتُ وَأَلْقَيْتُ ثِيَابِي عَلَى عَوْرَتِي فَنَفَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي كَفِّهِ ثُمَّ دَلَّكَ بِهَا الأُخْرَى ثُمَّ أَمَرَهُمَا عَلَى ظَهْرِي فَعَبَقَ بِهَا مَا تَرَوْنَ.
стр. 3541
٣٣- وَقِصَّةُ قَتَادَةَ بنِ النُّعْمَانِ فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدَرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ لِصَلاةِ الْعِشَاءِ وَهَاجَتْ الظُّلْمَاءُ مِنْ السَّمَاءِ وَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ فَرَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ قَتَادَةَ بنَ النُّعْمَانِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((قَتَادَةُ)) ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ عَلِمْتُ إِنَّ شَاهِدَ الصَّلاةِ اللَّيلةِ قَلِيلٌ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَشْهَدَهَا.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِذَا انْصَرَفْتَ فَأْتِنِي)) . فَلَمَّا انْصَرَفَ أَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِرْجُوناً وَقَالَ: «خُذْهُ فَسَيُضِيءُ أَمَامَكَ عَشْراً وَخَلْفَكَ عَشْراً» .
٣٤- وَقِصَّةُ أَبِي جَابِرٍ وَهِيَ مَا وَرَدَ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: تُوفِّيَ أَبِي شَهِيداً فِي أُحُدٍ وَعَلَيْهِ دِيْنٌ فَاسْتَعَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى غُرَمَائِهِ فَلَمْ يَفْعَلُوا فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافاً الْعَجْوَةَ عَلَى حِدَة وَعِذْقَ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ» .
(أَنْوَاعُ التَّمْرِ) .
«ثُمَّ أَرْسِلْ إِليَّ» . قَالَ جَابِرُ: فَفَعَلْتُ ثُمَّ أَرْسَلْتُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَلَسَ عَلَى أَعْلاهُ أَوْ فِي وَسَطِهِ ثُمَّ قَالَ: ((كِلْ لِلْقَوْمِ)) . قَالَ جَابِرٌ: فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمْ الذِي لَهُمْ وَبَقِيَ تَمْرِي كَأَنْ لَمْ يَنْقَصْ مِنْهُ شَيْءٌ.
٣٥- وَقِصَّةُ حَاطِبِ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَمَا أَعْلَمَ النَّاسَ أَنَّهُ سَائِرٌ إِلى مَكَّةَ وَأَمَرَهُمْ بِالْجَدِّ وَالتَّهَيؤُ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ خُذِ الْعُيُونَ وَالأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ، حَتَّى نَبْغَتَهَا فِي بِلادِهَا» .
стр. 3542
فَلَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمَسِيرِ، كَتَبَ حَاطِبٌ كِتَاباً إِلى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِالذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الأَمْرِ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ.
ثُمَّ أَعْطَاه امْرَأةً وَجَعَلَ لَهَا عَطَاءً عَلَى أَنْ تُبَلِّغَهُ قُرَيْشاً فَجَعَلَتْهُ فِي رَأْسِهَا ثُمَّ فَتَلَتْ عَلَيْهِ قُرُونَهَا (جَدَائِلَهَا) .
وأتى رَسُولُ اللهِ ﷺ علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ﵄ فقَالَ: ((أَدْرِكَا امْرَأَةً قَدْ كَتَبَ مَعَهَا حَاطِبُ بنُ أَبِي بَلْتَعَةَ بِكِتَابٍ إِلى قُرَيْشٍ يُحَذِّرُهُمْ مَا أَجْمَعْنَا عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِمْ)) .
فَخَرَجَا حَتَّى أَدْرَكَاهَا بِالْخَلِيقَةِ (اسْمُ مَوْضِعٍ) فَاسْتَنْزَلاهَا فَالْتَمَسَا فِي رَحْلِهَا فَلَمْ يَجِدَا شَيْئاً فَقَالَ لَهَا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ: إِنِّي أَحْلِفُ بِاللهِ مَا كَذَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلا كَذَبْنَا وَلَتُخْرِجِنَّ لَنَا هَذَا الْكِتَابَ أَوْ لَنَكْشِفَنَّكِ.
فَلَمَّا رَأَتِ الْجِدَّ مِنْهُمَا قَالَتْ: أَعْرِضْ فَأَعْرَضَ فَحَلَّتْ قُرُونَ رَأْسِهَا فَاسْتَخْرَجَتِ الْكِتَابَ مِنْهَا فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ فَأَتَى بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاطِباً فَقَالَ: ((يَا حَاطِبُ مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا)) .
فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ مَا غَيَّرتُ
стр. 3543
وَلا بَدَّلْتُ وَلَكِنِّي امْرُؤٌ لَيْسَ لي في الْقَوْمِ مِنْ أَصْلٍ وَلا عَشِيرَةٍ وَكَانَ لِي بَيْنَ أَظْهرِهِمْ وَلَدٌ وَأَهْلٌ فَصَانَعْتُهم عَلَيْهِمْ.
فَقَالَ عُمَرُ بن الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللهِ دَعْنِي فَلأَضْرِبُ عُنَقَهُ فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ نَافَقَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ لَعَلَّ اللهَ قَدْ اطَّلَعَ إِلى أَصْحَابِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» . فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ الآية.
اللَّهُمَّ نُوِّرْ قُلُوبَنَا وَاشْرَحْ صُدُورَنَا وَيَسِّرْ أُمُورَنَا وَثَبِّتْنَا عَلَى قَوْلِكَ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَارْفَعْ مَنَازِلَنَا فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.
٣٦- وَقِصَّةُ لَبَنِ أَهْلِ الصُّفَةِ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَعَدَ يَوْماً عَلَى الطَّرِيقِ فَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآهُ وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِهِ وَمَا فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ» . قَالَ: قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((إِلْحِقْ)) . وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لِي فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَناً فِي قَدَحٍ فَقَالَ: ((مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ)) ؟ قَالُوا: مِنْ فُلانٍ أَوْ فُلانَةٍ.
قَالَ: ((أَبَا هِرّ)) . قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((إِلْحِقْ إِلى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهمْ لِي)) . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَسَاءَنِي ذَلِكَ فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا فَإِذَا جَاؤُوا أَمَرَنِي فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ.
قَالَ: فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ فَقَالَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ)) . قُلْتُ: لَبْيَكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((خُذْ فَأَعْطِهِمْ)) .
стр. 3544
قَالَ: فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أَعْطِي الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ. حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلى النَّبِي ﷺ وَقَدْ رَوَى الْقومُ كُلُّهُمْ.
فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ فَقَالَ: ((أَبَا هِرّ)) . قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ)) . قُلْتُ صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((أَقْعُدْ فَاشْرَبْ)) . فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ فَقَالَ: ((اشْرَبْ)) . فَشَرِبْتُ فَمَا زَالَ يَقُولُ: ((اشْرَبْ)) . حَتَّى قُلْتُ: وَالذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكاً.
قَالَ: ((فَأَرِنِي)) . فَأَعْطَيْتُه الْقَدَحَ فَحَمِدَ اللهَ وَسَمَّى وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ ﷺ .
٣٧- وَقِصَّةُ طَعَامِ جَابِرٍ وَذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا حُفِرَ الْخُنْدَقُ رَأَيْتُ بِالنَّبِي ﷺ خَمْصاً شَدِيداً فَانْكَفَأْتُ إِلى امْرَأَتِي فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ فَإِنِّي برَسُولَ اللهِ ﷺ خَمْصاً شَدِيداً.
فَأَخْرَجَتِ إِلَيَّ جِرَاباً فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنْ فَذَبَحْنَاهَا وَطَحَنَتْ الشَّعِيرَ فَفَرَغَتْ إِلى فَرَاغِي وَقَطَّعَتْهَا فِي بُرْمَتِهَا ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فقَالَتْ: لا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنَا صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ.
فَصَاحَ النَّبِيُّ ﷺ : ((يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِراً قَدْ صَنَعَ سُؤْراً فَحَيَّ هَلا بِكُمْ)) . فَقَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : ((لا
стр. 3545
تَنْزِلَنَّ بِرْمَتَكُمْ وَلا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُم حَتَّى أَجيءَ)) . وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَقَدَّمَ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلَ الذِي قُلْتِ فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِيناً فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وَبَارَكَ.
ثُمَّ قَالَ: ((ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلا تُنْزِلُوهَا)) . وَهُمْ أَلْفٌ فَأَقْسِمُ بِاللهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ.
٣٨- وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ شَاكِياً فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَجَلِي قَدْ حَضَرَ فَأَرِحْنِي وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّراً فَارْفَعْنِي وَإِنْ كَانَ بَلاءً فَصَبِّرْنِي.
فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((كَيْفَ قُلْتَ)) ؟ فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَا قَالَ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ وقَالَ: ((اللَّهُمَّ عَافِهِ)) أَوْ اشْفِهِ شَكَّ شُعْبَةُ قَالَ: فَمَا اشْتَكَيْتُ وَجَعِي بَعْدَ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيث حَسَن صَحِيح.
٣٩- وَمِنْ ذَلِكَ رَدُّ عَيْنِ قَتَادَةَ بنِ النُّعْمَانِ فَقَدْ أُصِيبَتْ عَيْنُهُ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ حَتَّى وَقَعَتْ عَلَى وَجْنَتِه فَرَدَّهَا النَّبِيُّ ﷺ فَكَانَتْ أَحْسَنَ عَيْنَيْه وَأَحَدَهُمَا نَظَراً وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ ابْنُهُ:
أَنَا ابْنُ الذِي سَالَتْ عَلَى الْخَدِّ عَيْنُهُ
فَرُدَّتْ بِكَفِّ الْمُصْطَفَى أَحْسَنَ الرَّدِ
اللَّهُمَّ اجْعَلْ قُلُوبَنَا مَمْلُؤةً بِحُبِّكَ وَأَلْسِنَتَنَا رَطْبَةً بِذِكْرِكَ وَنُفُوسَنَا مُطِيعَةً لأَمْرِكَ وَأَمِّنَّا مِنْ سَطْوَتِكَ وَمَكْرِكْ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي دِينِنَا وَدُنْيَانَا وَأُخْرَانَا وَأَهْلِنَا وَمَا لَنَا اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوَراتِنَا وَأَمِّنْ رَوْعَاتِنَا وَاحْفَظْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَمِنْ خَلْفَنَا وَعَنْ أَيْمَانِنَا وَعَنْ شَمَائِلَنَا وَمِنْ فَوْقِنَا وَنَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ
стр. 3546
أَنْ نُغْتَالَ مِنْ تَحْتَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.
وَمِنْ قَوْلِ أَبِي طَالِبٍ يَمْدَحْ النَّبِيَّ ﷺ :
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ
ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ
وَهُوَ مِنْ قَصِيدَةٍ لأَبِي طَالِبٍ قَالَهَا تَمَالأَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشُ وَنَفَرُوا عَنْهُ وَأَوُّلُهَا:
وَلَمَّا رَأَيْتُ الْقَوْمَ لا وِدَّ عِنْدَهُمْ
وَقَدْ قَطَّعُوا كُلَّ الْعُرَى وَالْوَسَائِلِ
وَقَدْ جَاهَرُونَا بِالْعَدَاوَةِ وَالأَذَى
وَقَدْ طَاوَعُوا أَمْرَ الْعَدُّوِ الْمُزَائِلِ
صَبَرْتُ لَهُمْ نَفْسِي بِسَمْرَاءَ سَمْحَةٍ
وَأَبْيَضَ غَضْبٍ مِنْ تُرَاثِ الْمَقَاوِلِ
وَأَحْضَرْتُ عِنْدَ الْبَيْتِ رَهْطِي وَإِخْوَتِي
وَأَمْسَكْتُ مِنْ أَثْوَابِهِ بِالْوَصَائِلِ
أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مِنْ كُلِّ طَاعِنٍ
عَلَيْنَا بِسُوءٍ أَوْ مُلِحٍّ بِبَاطِلِ
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لا مُكَذَّبٌ
لَدَيْنَا وَلا يَعْنَى بِقَوْلِ الأَبَاطِلِ
كَذِبْتُمْ وَرَبِّ الْعَرْشِ نَبْزِي مُحَمَّداً
وَلَمَّا نُطَاعِنْ عِنْدَهُ وَنُنَاضِلِ
وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ دُونَهُ
وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلائِلِ
стр. 3547
.. وَيَنْهَضُ قَوْمٌ بِالْحَدِيدِ إِلَيْكُمْ
نُهُوضَ الرَّوَايَا تَحْتَ ذَاتِ الصَّلاصِلِ
وَيَنْهَضُ قَوْمٌ نَحْوَكُمْ غَيْرَ عُزَّلٍ
بِبِيضٍ حَدِيثٍ عَهْدُهَا بالصَّيَاقِلِ
وَمَا تَركُ قَوْمٍ لا أَبَالَكَ سَيِّداً
يَحُوطُ الذَِّمَارَ غَيْرَ ذَرْبٍ مُوَاكِلِ
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ
ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ
يَلُوذُ بِهِ الْهَلاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ
فَهُمْ عِنْدَهُ فِي رَحْمَةٍ وَفَوَاصِلِ
لَعُمْرِي لَقَدْ كُلِّفْتُ وَجْداً بِأَحْمَدٍ
وَإِخْوَتِهِ دَأَبَ الْمُحِبِّ الْمُوَاصِلِ
فَمَنْ مِثْلُهُ فِي النَّاسِ أَيُّ مُؤَمَّلٍ
إِذَا قَاسَهُ الْحُكَّامُ عِنْدَ التَّفَاضُلِ
حَلِيمٌ رَشِيدٌ عَادِلٌ غَيْرُ طَائِشٍ
يُوَالِي إِلَهاً لَيْسَ عَنْهُ بِغَافِلِ
وَمِيزَانُ حَقٍّ مَا يَعُولُ شَعِيرَةً
وَوَزَّانُ حَقٍّ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ
فَوَاللهِ لَوْلا أَنْ أَجِيءَ بِسُبَّةٍ
تَجُرُّ عَلَى أَشْيَاخِنَا فِي الْمَحَافِلِ
стр. 3548
لَكِنَّا اتَّبَعْنَاهُ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ
مِنَ الدَّهْرِ جِداً غَيْرَ قَوْلِ التَّهَازُلِ
فَأَصْبَحَ فِينَا أَحْمَدٌ ذُو أَرُومَةٍ
تُقَصِّرُ عَنْهَا سُورَةُ الْمُتَطَاوِلِ
حَدَبتُ بِنَفْسِي دُونَهُ وَحَمَيْتُهُ
وَدَافَعْتُ عَنْهُ بِالذُّرَى وَالْكَلاكِلِ
فَأَيَّدَهُ رَبُّ الْعِبَادِ بِنَصْرِهِ
وَأَظْهَرَ ُديِناً حَقَّهُ غَيْرُ بَاطِلِ
٤١- وَمِنْ ذَلِكَ مَا فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ أَنَّهُ ﷺ أَرْسَلَ إِلى عَلِيَّ وَهُوَ أَرْمَدَ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيهِ فَبَرِئَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ.
٤٢- وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ جَالِسٌ حَزِينٌ قَدْ خُضِّبَ بِالدِّمَاءِ، ضَرَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَالَ: مَالَكَ؟ قَالَ: ((فَعَلَ هَؤُلاءِ وَفَعَلُوا)) . قَالَ: فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَتُحِبُّ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً؟ قَالَ: ((نَعَمْ)) . فَنَظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَاءِ الْوَادِي فَقَالَ: ادْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ فَدَعَاهَا فَجَاءَتْ تَمْشِي حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ إِلَى مَكَانِهَا فَقَالَ لَها: ((ارْجِعِيْ)) . فَرَجَعَتْ حَتَّى عادَتْ إِلَى مَكَانِهَا فَقَالَ ﷺ : ((حَسْبِي)) . وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.
اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَثَبِّتْ مَحَبَّتَكَ فِيهَا وَقَوِّهَا وَأَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَارْزُقْنَا حُبَّ أَوْلِيَائِكَ وَبُغْضَ أَعْدِائِكَ وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ سِرَّنَا وَعَلانِيَّتِنَا وَتَسْمَعُ كَلامَنَا وَتَرَى مَكَانَنَا لا يَخْفَى
стр. 3549
عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِنَا نَحْنُ الْبُؤَسَاءُ الْفُقَرَاءُ إِلَيْكَ الْمُسْتَغِيثُونَ الْمُسْتَجِيرُونَ بِكَ نَسْأَلُكَ أَنْ تُقَيِّظَ لِدِينِكَ مَنْ يَنْصُرُهُ وَيُزيلُ مَا حَدَثَ مِنَ الْبِدَعِ وَالْمُنْكَرَاتِ وَيُقِيمَ عَلَمَ الْجِهَادِ وَيَقْمَعُ أَهْلَ الزَّيْغِ وَالْكُفْرِ وَالْعِنَادِ وَنَسْأَلُكَ أَنْ تَغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.
(فَصْلٌ) ٤٣- وَمِنْهَا إِطْعَامُهُ ﷺ الَّذِينَ يَحْفِرُونَ الْخُنْدَقَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِتَمَرَاتٍ قَلِيلَةٍ، فَفِي كُتُبِ السِّير وَغَيْرِهَا أَنَّ ابْنَةً لِبَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ أُخْتَ النّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَتْ: دَعَتْنِي أُمّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ، فَأَعْطَتْنِي حَفْنَةً مِنْ تَمْرٍ فِي ثَوْبِي، ثُمَّ قَالَتْ: أَيْ بُنَيّةُ اذْهَبِي إلَى أَبِيك وَخَالِك عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ بِغَدَائِهِمَا.
قَالَتْ: فَأَخَذْتهَا، فَانْطَلَقْت بِهَا، فَمَرَرْت بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَلْتَمِسُ أَبِي وَخَالِي، فَقَالَ: «تَعَالَيْ يَا بُنَيّةُ، مَا هَذَا مَعَك» ؟ قَالَتْ: قُلْت يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا تَمْرٌ بَعَثَتْنِي بِهِ أُمّي إلَى أَبِي بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ وَخَالِي عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ يَتَغَدّيَانِهِ. قَالَ: «هَاتِيهِ» . قَالَتْ: فَصَبَبْته فِي كَفّي رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَمَا مَلأْتهمَا.
ثُمَّ أَمَرَ بِثَوْبِ فَبُسِطَ لَهُ، ثُمَّ دَحَا بِالتّمْرِ عَلَيْهِ فَتَبَدّدَ فَوْقَ الثّوْبِ ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانِ عِنْدَهُ: «أُصْرُخْ فِي أَهْلِ الْخَنْدَقِ، أَنْ هَلُمّ إلَى الْغَدَاءِ» . فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَلَيْهِ فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ مَنه، وَجَعَلَ يَزِيدُ، حَتّى صَدَرَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَنْهُ، وَإِنّهُ لَيَسْقُطُ مِنْ أَطْرَافِ الثّوْبِ.
٤٤- وَمِنْهَا إِخْبَارُهُ ﷺ أَصْحَابَهُ قَبْلَ مَسِيرِهِمْ إِلى فَتْحِ مَكَّةَ وَهُمْ يَتَجَهَّزُونَ لِلْمَسِيرِ أَنَّهُ يَصِيرُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ دَمَاءٌ قَلِيلَةٌ، فَكَانَ الأَمْرُ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ ﷺ ، فَإِنَّهُ
стр. 3550
وَقَعَ بَيْنَ بَعْضِ كَتَائِبِهِ حِينَ دُخُولِهم مَكَّةَ وَبَيْنَ قَوْمٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَعَدُوا بِالْخَنْدَمَة، لِيَردُّوا النَّبِي ﷺ بِزَعْمِهِمْ عَنْ دُخُولِ مَكَّةَ مُنَاوَشَةٌ قَلِيلَةٌ. وَقُتِلَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ، وَقَدْ مَلَكَهُمُ الرُّعْبُ وَالذُّعْرُ وَجَلَّلَهُمْ الْخَوْفُ، وَحَدِيثُهُمْ فِي خَبَرِ الْفَتْحِ مَشْرُوحٌ.
٤٥- وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ لأَصْحَابِهِ لَمَّا رَجَعَ الأَحْزَابُ خَائِبِينَ: «الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلا يَغْزُونَنَا» . فَكَانَ الأَمْرُ كَمَا قَالَ، فَإِنَّ قُرَيْشاً بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَرْجَعُوا إِلى غَزْوِ الْمَدِينَةِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَجَّه إِلى مَكَّة عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَصَالَحُوه وَهَادَنُوهُ، ثُمَّ دَخَلَ مِنْ قَابِلْ مَعَ أَصْحَابِهِ آمِنِينَ، ثُمَّ فَتَحَهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
٤٦- وَمِنْهَا إِخْبَارُهُ ﷺ إِنَّ ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ لُحُوقاً بِهِ، فَكَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهَا ﵂ تُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ بِأَرْبَعِينَ يَوْماً، أَوْ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ يَوْماً، أَوْ سِتَّةِ أَشْهُر، عَلَى اخْتِلافِ الرِّوَايَاتِ، وَلَمْ يُتَوَفِّ قَبْلَهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ.
٤٧- وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَامِرَ بنَ الطُّفَيْلِ، وَأَرْبَدَ بنَ قَيْسٍ، وَهُوَ أَخُو لُبَيْدِ بنِ رَبِيعَةِ، وَفَدَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فِي قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي عَامِر فَقَالَ عَامِرٌ لأَرْبَدَ: إِذَا قَدِمْنَا عَلَى مُحَمَّدٍ، فَإِنِّي شَاغِلٌ عَنْكَ وَجْهَهُ، فَاعْلُهُ أَنْتَ بِالسَّيْفِ، حَتَّى تَقْتُلَهُ، قَالَ أَرْبَدُ: أَفْعَلُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَامِرٌ يَمْشِي، وَكَانَ رَجُلاً جَمِيلاً، حَتَّى قَامَ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ،
стр. 3551
فَقَالَ: يَا مُحَمَّدٌ، مَا لِي إِنْ أَسْلَمْتَ، فَقَالَ: ((لَكَ مَا لِلإِسْلامِ وَعَلَيْكَ مَا عَلَى الإِسْلامِ)) . قَالَ: أَلا تَجْعَلْنِي الْوَالِي مِنْ بَعْدِكَ.
قَالَ: ((لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ وَلا لِقَوْمِكَ وَلَكِنْ لَكَ أَعِنَّةُ الْخَيْلِ تَغْزُو بِهَا)) . قَالَ: أَوَ لَيْسَتْ لِي الْيَوْمُ، وَلَكِن اجْعلْ لِي وَلَكَ الْمَدَدَ، قَالَ: ((لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ)) . فَقَالَ: قُمْ يَا مُحَمَّدُ، إِلى هَا هُنَا فَقَامَ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ عَامِرٌ يَدَهُ بَيْنَ منكبَيْه، ثُمَّ أَوْمَأَ إِلى أَرْبَدَ أَنِ أَضْرِبْ، فَسَلَّ أَرْبِدُ سَيْفَهُ قَرِيباً مِنْ ذِرَاعٍ، ثُمَّ أَمْسَكَ اللهُ يَدَهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسُلَّه، وَلا يُغْمِدَهُ.
فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلى أَرْبَدَ، فَرَآهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فقَالَ: ((اللَّهُمَّ اكْفِينِهِمَا بِمَا شِئْتَ اللَّهُمَّ اهْدِ بَنِي عَامِر، وَاغْنِ الدِّينَ عَنْ عَامِر)) . فَانْطَلَقَا وَعَامِرٌ يَقُولُ: وَاللهِ لأَمْلأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلاً دُهْماً وَوِرْداً. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((يَأْبَى اللهُ ذَلِكَ وَأَبْنَاءُ قَيْلَةَ)) . يَعْنِي الأَنْصَارُ، ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ لأَرْبَدَ: وَيْلَكَ لِمَاذَا أَمْسَكْتَ عَنْهُ؟ فَقَالَ: وَاللهِ مَا هَمِمْتُ بِهِ مَرَّةً، إِلا رَأَيْتُكَ وَلا أَرَى غَيْرَكَ أَفَاَضْرِبُكَ بِالسَّيْفِ.
وَسَارَ عَامِرٌ فَطَرَحَ اللهُ عَلَيْهِ الطَّاعُونَ فِي عُنُقِهِ، فَقَتَلَهُ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَلُولٍ، وَجَعَلَ يَقُولُ يَا آلَ عَامِرٍ، غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ، وَمَوْتُ فِي بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ. وَانْتَهَتْ حَيَاتُهُ لَعَنَهُ اللهُ وَأَمَّا أَرْبَدُ فَقَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ يَا أَرْبَدُ. فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ دَعَانَا مُحَمَّدٌ إِلى عِبَادَةِ شَيْءٍ، لَوَدِدْتُ أَنَّهُ عِنْدِي الآنَ فَأَرْمِيهِ بَنَبْلِي هَذَا حَتَّى أَقْتُلَهُ.
стр. 3552
ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَقَالَتِهِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَمَعَهُ جِمَالٌ لَهُ تَتْبَعُه فَأَرسَلَ اللهُ عَلَيْهِ صَاعِقَةً فَأَحْرَقَتْهُ، وَقِيلَ نَزَلَ فِي صَاعِقَتِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ إِلى قَوْلِهِ ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ﴾ .
٤٨- وَمِنْهَا إِطْعَامُه ﷺ بَنِي الْمُطَّلِب بِذِرَاعِ جَزُورٍ وَعُسٍّ مِنْ لَبَنٍ، فَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ النَّقْلِ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ عَلَى النَّبِي ﷺ ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ أَمَرَ عَلِيّاً فَقَالَ: «يَا عَلِيُّ إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَنْذِرْ عَشِيرَتِي الأَقْرَبِينَ فَضِقْتُ بِذَلِكَ ذَرْعاً وَعَرِفْتُ أَنِّي مَتَى أُبَادِيهِمْ بِهَذَا الأَمْرِ أَرَى مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ فَصَمَّتُ علَيَهْاَ حَتَّى جَاءَنِي جِبْرِيلُ فقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ إِلا تَفْعَل مَا تُؤْمَرُ بِهِ يُعَذِّبكَ رَبُّكَ. فَاصْنَعْ لَنَا صَاعاً مِنْ طَعَامٍ، وَاجْعَلْ عَلَيْهَا رِجْلُ شَاةٍ، وَامْلأَ لَنَا عُساً مِنْ لَبَنٍ.
ثُمَّ اجْمَعْ لِي بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ مَا أُمِرْتُ بِهِ)) . فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ، ثُمَّ دَعَوْتُهُمْ لَهُ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلاً يَزِيدُونَ رَجُلاً أَوْ يَنْقُصُونَهُ فِيهِمْ أَعْمَامُهُ أَبُو طَالِب وَحَمْزَةُ وَالْعَبَّاسُ ﵄ وَأَبُو لَهَبٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، دَعَانِي بِالطَّعَامِ الذِي صَنَعْتُهُ فَجِئْتُ بِهِ.
فَلَمَّا وَضَعْتُه تَنَاوَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَذْبَةً مِنَ اللَّحْمِ فَشَقَّهَا بِأَسْنَانِهِ، ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي نَوَاحِي الصَّحْفَةِ ثُمَّ قَالَ: ((خُذُوا بِاسْمِ اللهِ)) . فَأَكَلَ الْقَوْمُ حَتَّى مَا لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ حَاجَةٍ، وَايْمُ اللهِ
стр. 3553
إِن كَانَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَيَأْكُلُ مِثْلَ مَا قَدَّمْتُ لِجَمِيعِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: ((اسْقِ الْقَوْمَ)) . فَجِئْتُهُمْ بِذَلِكَ الْعُسِّ فَشَرِبُوا حَتَّى رَوَوْا جَمِيعاً وَايْمُ اللهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَيَشْرَبُ مِثْلَهُ.
فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ، بَدَرَهُ أَبُو لَهَب فَقَالَ: سَحَرَكُمْ صَاحِبُكُمْ. فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
فقَالَ الْغَدِ: «يَا عَلِيٌّ إِنَّ هَذَا الرَّجُلِ قَدْ سَبَقَنِي إِلى مَا سَمِعْتَ فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ قَبْلَ أَنْ أُكَلِّمَهُمْ فَعُدَّ لَنَا مِنَ الطَّعَامِ مِثْلَ مَا صَنَعْتَ ثُمَّ اجْمَعْهُمْ» . فَفَعَلْتُ ثُمَّ جَمَعْتُهُمْ فَدَعَانِي بِالطَّعَامِ فَقَرَّبْتُهُ فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ بِالأَمْسِ. فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا.
ثُمَّ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ((يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِب إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْري الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَقَدْ أَمَرَنِي اللهُ أَنْ أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ)) . وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ مُؤآزَرَتَه عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْهُ إِلا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَهَذَا مِنْ الأُمُورِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ أَظْهَرَهُ اللهُ عَلَى يَدَيْ نَبِيِّهِ ﷺ تَصْدِيقاً لَهُ.
٤٩- وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ فِي أَعْلامِ النُّبُوَّةِ أَنَّ مَعْمَرَ بنَ يَزِيد وَكَانَ أَشْجَعَ قَوْمِهِ اسْتَغَاثَتْ بِهِ قُرَيْشٌ وَشَكُوا إِلَيْهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَكَانَتْ بَنُو كِنَانَة تَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ وَتُطِيعُ
стр. 3554
أَمْرَهُ فَلَمَّا شَكَوْا إِلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: إِنِّي قَادِمٌ إِلى ثَلاثٍ وَأُرِيحُكُمْ مِنْهُ وَعِنْدِي عِشْرُونَ أَلْفِ مُدَجَّجٍ فَلا أَرَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يَقْدِرُ عَلَى حَرْبِي.
وَإِنْ سَأَلُونِي الدِّيَّةَ أَعْطَيْتُهُمْ عَشْرَ دِيَاتٍ فَفِي مَالِي سِعَةٌ وَهُو مَشْهُورٌ بِالشَّجَاعَةِ وَالْبَأْسِ فَلَبِسَ يَوْمَ وَعْدِهِ قُرَيْشاً سِلاحَهُ وَظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ فَوَافَقَهُمْ بِالْحَطِيمِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْحِجْرِ يُصَلِّي وَقَدْ عَرَفَ ذَلِكَ فَمَا الْتَفَتَ وَلا تَزَعْزَعَ وَلا قَصَّرَ فِي صَلاةٍ.
فَقِيلَ: هَذاَ مُحَمَّدٌ سَاجِدٌ فَأَهْوَى إِلَيْهِ وَقَدْ سَلَّ سَيْفَهُ وَأَقْبَلَ نَحْوَهُ فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ رَمَى بِسَيْفِهِ وَعَادَ فَلَمَّا صَارَ إِلى بَابِ الصَّفَا عَثَرَ فِي دِرْعِهِ فَسَقَطَ فَقَامَ وَقَدْ أَدْمَى وَجْهَهُ بِالْحِجَارَةِ يَعْدُو كَأَشَدِّ الْعَدْوِ حَتَّى بَلَغَ الْبَطْحَاءَ مَا يَلْتَفِتُ إِلى خَلْفٍ فَاجْتَمَعُوا وَغَسَّلُوا عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ وَقَالُوا: مَاذَا أَصَابَكَ. قَالَ: وَيْحَكُمْ الْمَغْرُورُ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ. قَالُوا: مَا شَأْنَكَ. قَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ دَعُونِي تَرْجِعُ إِليَّ نَفْسِي. فَتَرَكُوهُ سَاعَةً وَقَالُوا: مَا أَصَابَكَ يَا أَبَا اللَّيْثِ. قَالَ: إِنِّي لَمَّا دَنَوْت مِنْ مُحَمَّدٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَهْوِي بِسَيْفِي إِلَيْهِ أَهْوَى إِلَيَّ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ شُجَاعَانِ أَقْرَعَانِ يَنْفُخَانِ النِّيرَانِ تَلْمَعُ مِنْ أَبْصَارِهِمَا فَعَدَوْتُ فَمَا كُنْتُ لأَعُودَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاءَةِ مُحَمَّدٍ.
٥٠- قَالَ: وَمِنْ أَعْلامِهِ:
стр. 3555
أَنَّ كِلْدَةَ بنَ أَسَدٍ أَبَا الأَشَدِّ وَكَانَ مِنَ الْقُوَّةِ بِمَكَانٍ خَاطَرَ قُرَيْشاً يَوْماً فِي قَتْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَعْظَمُوا لَهُ الْخَطَرَ إِنْ هُوَ كَفَاهُمْ فَرَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الطَّرِيقِ يُرِيدُ الْمَسْجِدَ مَا بَيْنَ دَارِ عَقِيلٍ وَعِقَالَ فَجَاءَ كِلْدَةُ وَمَعَهُ الْمِزْرَاقُ فَرَجَعَ الْمِزْرَاقُ فِي صَدْرِهِ فَرَجَعَ فَزِعاً فقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: مَا لَكَ يَا أَبَا الأَشَدِّ. فَقَالَ: وَيْحَكُمْ مَا تَرَوْنَ الْفَحْلَ خَلْفِي؟ قَالُوا: لا مَا نَرَى شَيْئاً. قَالَ: وَيْحَكُمْ فَإِنِّي أَرَاهُ. فَلَمْ يَزَلْ يَعْدُو حَتَّى بَلَغَ الطَّائِفَ فَاسْتَهْزَأَتْ بِهِ ثَقِيفٌ فَقَالَ: أَنَا أَعْدُرُكم لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَهَلَكْتُمْ.
القصيدة الوعظية
لَيْسَ الْمَقَامُ بِدَارِ الذُّلِّ مِنْ شِيَمِي ... وَلا مُعَاشَرَةُ الأَوْبَاشِ مِنْ هَمِّي
وَلا مُخَالَطَةُ الأَرْذَالِ تَصْلُحُ لِي ... كَذَلِكَ الْبَازُ لا يَأْوِي إِلى الرَّخَمِ
يَا سَائِلِي عَنْ عُلُومٍ لَيْسَ يَفْهَمُهَا ... اسْمَعْ كَلامَاً كَنَظْمِ الدُّرِّ مُحْتَكِمِ
إِنْ الْوُعَيْظِي لَهُ فِي الشِّعْرِ نَافِلَةٌ ... يَحَارُ فِيهَا ذَوُو الأَلْبَابِ وَالْفُهُمِ
خَيْرُ الصَّنَائِعَ تَقْوَى اللهِ فَاتَّقِهِ ... يَكْفِيكَ فِي الْحَشْرِ مَا تَخْشَى مِنَ النَّدَمِ
وَالْوَالِدَيْنِ فَلا تَنْهَرْهُمَا أَبَداً ... قَدْ رَبَّيَاكَ صَغِيراً غَيْرَ مُنْفَطِمِ
قَدْ طَالَ مَا سَهرَتْ بِاللَّيْلِ أَعْيُنُهُمْ ... خَوْفاً عَلَيْكَ وَعَيْنُ اللهِ لَمْ تَنَمِ
ثُمَّ الصَّلاةُ الَّتِي بَيْنَ الْفَتَى صِلَةٌ ... وَبَيْنَ خَالِقِهِ تَنْهَى عَنِ الإِثْمِ
أَدِّ الزَّكَاةَ عَنِ الأَمْوَالِ تَغْسِلُهَا ... كَالثَّوْبِ يُغْسَلُ أَوْ يُنْفَى مِنَ الدَّسَمِ
وَالصَّوْمُ فَرْضَ مِنَ الرَّحْمَنِ أَوْجَبَهُ ... عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ أَدْرَكَهُ فَلْيَصُمِ
وَالْحجُّ فَرْض عَلَى الإِسْلامِ كُلِّهِمْ ... مَنْ لَمْ يَحُجَّ كَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يَصُمِ
стр. 3556
مَنِ اسْتَطَاعَ عَلَى زَادٍ وَرَاحِلَةٍ ... وَمَسْلَكٍ آمِنٍ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ
فَإِنَّ حَجَجْتَ احْفَظْنَهَا كَيْ تَفُوزَ بِهَا ... وَاذْكُرْ مَسِيرَكَ مِنْ طَامٍ إِلَى أَكُمِ
وَلا تُضَيِّعْهَا تَصْلَى لَهِيبَ لَظَى ... وَتُحْرَمُ الشُّرْبَ مِنْ حَوْضٍ لِكُلِّ ظُمِ
وَكَمْ أَصَابَكَ مِنْ جُوعٍ وَمِنْ عَطَشٍ ... وَكَمْ تَعِبْتَ وَكَمْ جَاوَزْتَ مِنْ إِضَمِ
وَفِي الْجِهَادِ ثَوَابٌ إِنَّ صَاحِبَهَا ... فِي الْخَيْرِ وَالْحُورِ مَقْصُور مَعَ الْخِيَمِ
وَإِنْ ظَفَرْتَ فَمَشْكُورٌ وَمُفْتَخِرٌ ... وَإِنْ قُتِلْتَ جَزَاكَ اللهُ بِالنِّعَمِ
فَأَبْشِرْ بِجَنَّاتِ عَدْنِ غَيْرَ فَانِيَةٍ ... إِنْ أَنْتَ مُتَّ شَهِيدًا غَيْرَ مُنْهَزِمِ
وَالْعِلْمُ أَفْضَلُ مَطْلُوبٍ فَطَالِبُهُ ... يَنَالُ دُنْيَا وَدِينَا غَيْرَ مُتَّهَمِ
قَدْ شَرَّفَ اللهُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَافْتَخَرُوا ... بِأَنَّهُمُ أُمَنَاءُ اللهِ فِي الأُمَمِ
وَالْكَيْلَ أَوْفِهِ وَلِلْمِيزَانِ أَرْجِحُهُ ... كَمْ أَهْلَكَ اللهُ فِي هَذَيْنِ مِنْ أُمَمِ
وَأمر بِأَهْلِكَ يَا هَذَا وَحُضُّهُمْ ... عَلَى الصَّلاةِ فَفِيهَا كُلُّ مُغْتَنَمِ
وَاجْهَرْ بِخَيْرٍ إِذَا مَا مَعْشَرٌ حَضَرُوا ... وَانْطِقْ بِخَيْرٍ تَنَالَ حُسْنَ خَيْرِهِمْ
مَنْ طَابَ مَوْلِدُهُ طَابَتْ مَحَاضِرُهُ ... كَذَاكَ قَدْ قِيلَ فِي بَيْتٍ مِنَ الْقِدَمِ
وَلِلْبَنِينَ حُقُوقٌ لا تُضَيِّعُهَا ... حَالٌ كَرِيمٌ وَاسْمٌ غَيْرَ مُنْعَجِمِ
وَخُصُّهُمْ بِأَدِيبٍ فَاضِلٍ فَهِمٍ ... فَأَفْضَلُ الْخَلْقِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْكَرَمِ
وَأَقْرأْهُمُ النَّحْوَ وَالشِّعْرَ الْفَصِيحَ فَفِي ... ذَاكَ فَضِلَةٌ لَيْس الْفَضْلُ لِلْعَجَمِ
وَالضَّيْف أَكْرِمَهُ إِنَّ الضَّيْفَ مُرْتَحَلٌ ... يُثْنِي عَلَيْكَ بِمَا أُوِتيتَ مِنْ كَرَمِ
لَيْسَ الْكَرَامَةُ فِي طِيبِ الطَّعَامِ لَهُ ... وَلا تَكَلُّفَ مِنْ لَحْمٍ وَمِنْ أَدُمِ
بَلِ الْكَرَامَةُ أَنْ تَلْقَاهُ مُبْتَسِمًا ... لا خَيْرَ عِنْدَ مَضِيفٍ غَيْرَ مُبْتَسِمِ
أُوصِيكَ بِالرُّمْحِ وَالسَّيْفِ الصَّقِيلِ فَفِي ... هَذَيْنِ عِزٌّ وَمّجْدٌ غَيْرَ مُنْهَمِ
стр. 3557
.. وَسَابِقْ الْخَيْلِ أَكْرِمْهَا مُحَافَظَةً ... فَإِنَّهَا عِدَّةٌ لِلْمَاجِدِ الْفَهِمِ
وَلا تُوَاكِلْ إِمَارَةً تَقُومُ بِهَا ... عَنْدَ الْعَلِيقِ وَلا وَغْدًا مِنَ الْخَدَمِ
وَإِنْ مَلَكْتَ فَكُنْ بِالْعَدِلِ مُتَزِرًا ... وَاحْذَرْ سِهَامَ الدُّجَى فِي حَنْدَسِ الظُّلَمِ
فَرُبَّ دَعْوَةِ مَظْلُومٍ تُصَادِفُهَا ... إِجَابَةٌ بِزَوالِ الْمُلْكِ وَالنِّعَمِ
وَاحْفَظْ نَصِيحَةَ مَنْ تَنْفَعْ نَصِيحَتُهُ ... وَالْبَدْلَ جَازِيهِ بِالتَّأْدِيبِ وَالْكَرَمِ
وَإِنْ دَنَوْتَ مِنْ السُّلْطَانِ وَارْتَفَعَتْ ... بِكَ الْمَرَاتِبُ لا تَأْمَنْ مِنَ النِّقَمِ
إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا حَبَوْكَ وَاجْتَهَدُوا ... هُمْ يُتْبِعُوكَ لَهُمْ فِي سَائِرِ الْخَدَمِ
وَإِنْ جَفَوْتَ سَقُوكَ السُّمَّ وَاحْتَقَرُوا ... مَا كُنْتَ تَصْنَعُ مِنْ خَيْرٍ وَمِنْ كَلِمِ
وَاحْذَرْ مِنْ الْبَغْيِ إِنَّ الْبَغْيَ مَنْقَصَةٌ ... عَوَاقِبُ الْبَغْيَ لا تُبْقِي وَلا تَدُمِ
وَإِنْ نَبَا مَنْزِلٌ يَوْمًا فَفَارِقُهُ ... لا خَيْرَ فِي الْمَنْزِلِ الْمُسْتَوْبِلِ الْوَخَمِ
أَرْضٌ بِأَرْضٍ وَإِخْوَانٍ بِمِثْلِهِمِ ... وَالرِّزْقُ يَأَتِي لَمَنْ يَسْعَى وَمَنْ يَقُمِ
وَانْهَضْ فَإِنَّ بِلادَ اللهِ وَاسِعَةٌ ... طٌولاً وَعَرْضًا وَمَا ضَاقَتْ لِمُقْتَحِمِ
وَإِنْ تَغَيَّرَ يَوْمًا مَنْ تُصَاحِبُهُ ... عَنْ وِدِّهِ وَبَدَا بِالصَّدِّ وَالصَّمَمِ
فَلا تُعَاتِبُهُ يَوْمًا بَلْ فَفَارِقُه ... لَيْسَتْ مُعَاشَرَةِ الأَرْذَالِ بِاللَّزَمِ
لا خَيْرَ فِي صَاحِبٍ تَبْدُو قَبَائِحُهُ ... بَعْدَ الْجَمِيلِ بِوَجْهٍ عَابِسٍ وَخِمِ
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الرِّبَا فِي الْمَالِ يَمْحَقُهُ ... وَالرِّبْحُ مِنْ وَجْهِ حِلٍّ غَيْر مُتَّهَم
وَلا تُعَامِل لِمَخْلُوقٍ مُعَامَلَةٍ ... إِلا بِخَط شُهُودٍ يُقْتَدَى بِهِمُ
وَلِلدَّرَاهِيمِ فِي الْحَاجَاتِ مَنْفَعَةٌ ... نِعْمَ الصَّدِيقُ وَلا يُخْشَى مِنْ الْعَدَمِ
وَإِنْ تَدَايَنْتَ دَيْنًا لا تَكُنْ مَطِلاً ... فَإِنَّ حُسْنَ الْوَفَا مَقْرُونٌ بِالكَّرَمِ
أَتَأْخُذُ الدَّينَ حُلْوًا عِنْدَ حَاجَتِهِ ... وَعِنْدَ وَقْتِ الْقَضَاةَ فيه بِالْكَظِمِ
لا تَحْمِدَنَّ امْرِأ حَتَّى تُجِرِّبه ... وَلا تَذُمَّنهُ فِي الْعُسْرِ وَالْعَدَمِ
стр. 3558
.. وَابْنُ عَمِّكَ لا تَقْطَعْ مَوَدَّتُهُ ... وَصَلْ قَرَابَتُهُ فِي اللهِ وَالرَّحِمِ
وَإِنْ أَتَاكَ إِذَا نَابَتْكَ ناَئِبَةٌ ... مَطْلَعِ الرَّأْسِ عَارِ مٌحْتَشِمِ
فَذَاكَ أَفْضَلُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ وَلَدٍ ... تَعْزُو بِهِ النَّفْس وَالأَمْوَال وَالْهِمَمِ
وَالْمَجْدُ لا يَنْبَغِي إِلا بِأَرْبَعَةٍ ... بِالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ وَالأَمْوَالِ وَالْفِهْمِ
وَإِنْ تَقَدَّمْتَ يَا هَذَا عَلَى نَفَرٍ ... فَكُنْ عَلَيْهُمْ كَمِثْلِ الْوَالِدِ الرَّحِمِ
وَاطْلُبْ رِضَاهُمْ إِذَا طَاعُوكَ وَاجْتَهَدُوا ... وَإِنْ عَصَوْكَ فَفَارِقْهُمْ وَلا تُقِمِ
وَاقْبَلْ مَعَاذِيرِ مَنْ أَتَاكَ مُعْتَذِرًا ... فَالْعُذْرِ يُقْبَلُ عِنْدَ السَّيِّدِ الْحُثَمِ
مَا كُلُّ مَنْ وَلَدَتْهُ الأُمِ قِيلَ أَخٌ ... وَلَوْ أَفَادَكَ بِالدِّيَاتِ وَالْخَدَمِ
أَخُوك فِي النَّاسِ مَنْ وَافَاكَ فَاحْفَظْهُ ... وَمَنْ يُوَاسِيكَ عِنْدَ الْعُسْرِ وَالْعَدَمِ
وَإِنْ مَدَحْتَ فَلا تَهْدِ الْقَرِيضَ إِلَى ... بَخِيلِ قَوْمٍ وَضِيعٍ غَيْرِ مُحْتَشِمِ
إِنْ جِئْتَ تَقْصُدُهُ أَرْخَى مَشَافِرَهُ ... كَأَنَّ شِدْقَيْهُ مَنْفُوذَيْنَ بِالْوَرَمِ
اقْصُدْ بِمَدْحِكَ ذَا فَضْلٍ وَذَا كَرَمٍ ... يَلْقَاكَ والْوَجْهِ بَسَّامٍ بِلا قَتَمِ
يَكْفِيكَ مِنْهُ الْقَلِيل أَنْتَ قَابِلَهُ ... مَعَ الْبَشَاشَةِ وَالأَرْزَاقِ بِالْقَسَمِ
وَإِنْ وَعَدْتَ فَاوَفْ مَا وَعَدْتَ بِهِ ... فَالْوَعْدُ دِينٌ عَلَى ذِي نَخْوَةِ لَزِمِ
واصْدُقْ فَإِنَّ حَدِيثَ الصِّدْقِ مَكْرَمَةٌ ... فاَلصِّدْقِ يُنَجِّيكَ عِنْدَ الله ِوَالأُمَمِ
وَلِلْكَذُوبِ عُيُوبٌ إِنَّ صَاحِبَهَا ... وَإِنْ تَحَدَّثَ صِدْقًا بِالتُّهَمِ
وَلا تَفَرِّطُ فِي جَارٍ وَلا نَسَبٍ ... واَعْلَمْ أَنَّهُمَا فِي أَكْبَرِ الأُمَمِ
وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ مَقْرُونَانِ فِي قَرْنٍ ... وَالسَّيْفُ أَصْدَقُ أَنباءِ مِنَ الْحِكَمِ
وَإِنْ خَشِيتَ مِنَ السُّلْطَانِ نَائِبَةً ... فَالْبُعْدُ أَسْلَمُ لِلأَعْنَاقِ وَالْهِمَمِ
فَالنَّارُ تُحْرَقُ مَنْ يَدْنُو بِجَانِبِهَا ... وَإِنْ تَبَاعَدَ عَنْهَا فَازَ بِالسَّلَمِ
وَإِنْ تَزَوَجْتَ يَا هَذَا فَكُنْ حَفِظًا ... وَكُنْ غَيُورًا وَلا تُفْسِحْ لَهَا قِدَمِ
стр. 3559
.. وَلا تُمَكِّنُهَا مِنْ بَيْتِ جَارَتِهَا ... وَلا الْخُرُوجُ مَعَ الدِّيَّاتِ وَالْخَدَمِ
وَإِنْ ظَنَنْتَ بِهَا سُوءً فَطَلِّقْهَا ... وَخُذْ سِوَاهَا وَلا تَعْتَادَ بِالنَّدَمِ
فَالْمَرْأَةُ السُّوءِ كَالضِّرْسِ الْعَلِيلِ فَإِنْ ... أَزَلْتَهُ زَالَ عَنْكَ الْبَأَسَ وَالأَلَمِ
وَاحْذَرْ عَجُوزًا تُوَلِّيهَا عَلَى حُرَمٍ ... فاَلذِّئْبُ لَيْسَ بِمَأْمُونٍ عَلَى الْغَنَمِ
وَلا تُخَادِعَنَّكَ الأُنْثَى فَتَأْمَنُهَا ... يَوْمًا وَحَاذِرْ ذَوَاتَ الْمَكْرِ وَالتُّهَمِ
هُنَّ الْكَوَاذِيبُ لا قَوْلَ لَهُنَّ وَلا ... يَحْفَظْنَ عَهْدًا وَلا يُوفِينَ بِالذِّمَمِ
مَا فِي الرِّجَالِ عَلَى النِّسْوَانِ مِنْ ثِقَةٍ ... وَلا أَمِين فَلا تَصْغُوا لِكَيْدِهِمْ
يَا مَنْ يُخَالِطُ فِي أُنْثَى وَفِي ذَكَرٍ ... إِذَا خَلا بِهَمَا إِبْلِيس فِي الظُّلَمِ
هَلْ تَأْمَنُ النَّار إِنْ أَوْدَعْتَهَا حَطَبًا ... كَمْ هَبَّتِ الرِّيحُ في طَلْحَ مِنَ الرَّتْمِ
وَاعْلَمْ بِأَنَّ النِّسَا أَصْحَابُ مَيْسَرَةٍ ... لا يَسْتَحِينَ وَلا يَصْبِرْنّ لِلْعَدَمِ
إِذَا دَعَتْهُنَّ أَغْرَاضٌ لَهُنَّ فَلا ... يَفْرِقْنَ بَيْنَ كَرِيمِ الْجَدِّ وَاللَّمَمِ
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الزِّنَا عَارٌّ وَمَنْقَصَةٌ ... فِي الدِّينِ وَالْمَالِ وَالأَهْلِينَ وَالْحَرَمِ
وَفِي الْحَلالِ مِنَ الرَّحْمَنِ مَغْفِرَةٌ ... يَصُونُ عِرْضِكَ مِنْ لَوْمٍ وَمِنْ إِثْمٍ
لا تَقْتُلْ النَّفْسَ وَالرَّحْمَنُ حَرَّمَهَا ... كَمِثْلِ تَحْرِيمِهِ لِلْبَيْتِ وَالْحَرَمِ
وَاعْلَمْ بِأَنَّ إِلَهَ الْعَرْشِ مُطَّلَعٌ ... عَلَيْكَ وَاحْذَرْ مِنَ الْجَبَارِ وَاحْتَثِمِ
لا يَرْجِعُ السَّهْمُ يَوْمًا إِنْ رَمَيْتَ بِهِ ... كَالدَّرِّ لَيْسَ بِمَرْدُودٍ إِلَى الْحُلُمِ
وَإِنْ بَدَأْتَ بِخَيْرٍ لا تَمُنَّ بِهِ ... وَكُنْ بِخَيْرِكَ بَيْنَ النَّاسِ مُحْتَثِمِ
فَالْمَنُّ يُفْسِدُ مَا تُبْدِيهِ مِنْ كَرَمٍ ... إِنَّ الْعَطَا وَالسَّخَا مِنْ أَفْضَلِ الشِّيَمِ
وَمَنْ بَدَا لَكَ مَعْرُوفًا فَعَارِضُهُ ... شُكْرًا كَشُكْرِ نَبَاتِ الأَرْضِ لِلدِّيَمِ
وَاعْلَمْ بِأَنَّ جَمِيعَ الْمَالِ عَارِيَةٌ ... وَقْتًا يَكُونُ وَوَقْتَا عَنْكَ مُنْهَزِمِ
وَلِلْوَدِيعَةِ حَقٌّ لا تُضَيِّعُهَا ... إِنَّ الْوَفَى حَسَنُ فِي سَائِرِ الأُمَمِ
стр. 3560
.. هِيَ الأَمَانَةُ أَعْطِيهَا لِصَاحِبِهَا ... تَنَالُ دِينًا وَتَنْجُو مِنْ أَذَى التُّهَمِ
وَإِنْ شَهِدتَ بِشَيْءٍ لا تُضَيِّعُهُ ... وَاصْدُقْ بِقَوْلِكَ بَيْنَ الْخَصْمِ وَالْحِكَمِ
إِنَّ الشَّهَادَةَ فَرْض لَيْسَ يَكْتُمَهَا ... إِلا لَئِيمٌ قَلِيلُ الدِّينِ ذُو تُهَمِ
وَلا تُصَاهِرْ بَخِيلاً فِي عَشِيرَتِهِ ... وَلَوْ أَتَاكَ بِمَالِ الْفَارِسِ السَّلَمِ
وَإِنْ خَطَبْتَ فَلا تَخْطُبْ وَإِنْ حَسُنَتْ ... إِلا كَبِيرَةَ بَيْتٍ غَيْرِ مُتْهَمِ
إِيَّاكَ تَشْتُمْ وَلا تَبْدُو بِفَاحِشَةٍ ... لِوَالِدَيْكَ وَابْذُلْ طَيِّبَ الْكَلِمِ
لا تَرْكَنَنَّ إِلَى بَيْت الزُّنَاةِ وَلَوْ ... جَاءَتْ بِمَالِ جَزِيلٍ وَاحْذَرْ قَطْعَتَ الرَّحِمِ
وَلا تَغُرَّنَّكَ سَوْدَاء فَتُودِعُهَا ... جَوَاهِرَ الصُّلْبِ لَيْسَ النُّورُ كَالظُّلَمِ
وَإِنْ جَمِعْتَ نِسَاءَ لا تُضَارِرُهُنْ ... فَإِنَّهُنْ وَدِيعَاتٌ لِذِي كَرَمِ
فَمَنْ تُطِيعُكَ أَكْرِمْهَا وَاحْفَظَهَا ... وَمَنْ عَصَتْكَ فَفَارِقْهَا وَلا تُقِمِ
إِيَّاكَ إِيّاكَ قَذْفَ الْمُحْصِنَاتِ بِلا ... ذَنْبٍ فَتُصْبِحَ فِي بَحْرٍ مِنَ الإِثْمِ
وَلا تَجَرَّ عَلَى الْمَمْلُوكِ تَضْرِبُهُ ... وَأَحْسِنْ إِذَا كُنْتَ ذَا حُسْنٍ وَذَا كَرَمِ
وَاسْتَغْفِر الله مِنْ ذَنْبِ خَلَوْتَ بِهِ ... فَاللهُ يَنْظُرُهُ فِي حِنْدِسِ الظُّلَمِ
وَاحْفَظْ وَصِيَّةَ مَنْ وَصَّاكَ مُجْتَهِدًا ... وَخُذْ قَصِيدًا كَنَظْمِ الدُّرِّ مُحْتَكِمِ
وَإِنْ هَمَمْتَ بِقَوْمٍ أَنْ تُجَاوِرَهُمْ ... قَسَلْ عَنِ الْفَاضِلِ الْمَعْرُوفِ بِالْكَرَمِ
مَعْرُوفَ بِالْخَيْرِ مَأْمُونًا عَوَاقِبُهُ ... لا يُنْكِرُ الْجَارَ إِلا مَعْشَرُ الْؤُمِ
لا خَيْرَ فِي الْجَارِ إِلا أَنْ يَكُونَ تَقِي ... عَنِ الْعَزِيزَيْنِ مِنْ مَال وَمِنْ خَدَمِ
مَا أَقْبَحَ الْجَارَ إِذْ يَزْنِي بِجَارَتِهِ ... فِي جُنْحِ لَيْلِ وَلَوْ كَانَتْ مِنَ الْخَدَمِ
وَاكْتُمْ أَحَادِيثَ سِرٍّ أَنْ تُبَرِّزَهَا ... فَكَاتِمُ السِّرِّ مَأْمُونٌ مِنَ النَّدَمِ
وَالصَّمْتُ أَجْمَلُ ثَوْبٍ أَنْتَ لابِسُهُ ... كَمْ هَامَةٍ قُطَعِتْ مِنْ عَثْرَةٍ بِفَمِ
وَالْحُرٌ أَوْلَى بِسِرِّ النَّاسِ يَكْتُمُهُ ... بَعْدَ الثَّلاثَةِ مَا سِرٌ بِمُكَتِتمِ
стр. 3561
.. وَإِنْ كَسَاكَ كَرِيمٌ مِنْ صَنَائِعِهِ ... ثَوْبًا فَأَنْشِرَهُ فِي سَائِرِ الأُمَمِ
وَإِنْ حَظِيتَ بِجَاهِ لا تَشُحَّ بِهِ ... يَوْمًا عَلى عُرُبٍ لا لا وَلا عَجَمِ
وَافْعَلْ جَمِيلاً إِذَا مَا كُنْتَ مُقْتَدِرًا ... فَالْمَالُ يَفْنَى وَلا خَيْرُ بِمُنْصَرِمِ
وَلا تُشَاوِرْ وَإِنْ نَابَتْكَ نَائِبَةٌ ... إِلا نَصُوحًا شَفِيقًا غَيْرَ مُتَّهَمِ
لا تَنْتَهِرَنَّ يَتِيمًا مَاتَ وَالدُهُ ... إِنَّ الْيَتِيمَ ضَعِيفُ الْقَلْبِ ذُو أَلَمِ
وَإِنْ أَتَى سَائِلاً يَوْمًا فَأَطْعِمُهُ ... مِمَّا رُزِقْتَ بِوَجْه غَيْرَ مُنْفَطِمِ
إِيَّاكَ لا تَنْهَرُهُ إِن لَجَّ فِي طَلَبِ ... ادْفَعْ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَيْلاً بِلا نَدَمِ
إِنَّ الْغَرِيبَ ذَلِيلٌ أَيْنَمَا سَلَكَتْ ... بِهِ الرِّكَابُ غَزِيرُ الدَّمْعِ مُنْسَجِمِ
إِنَّ مَاتَ يَوْمًا فَلا تُبْكِيهِ بَاكِيَةُ ... وَلا تُعَلِّلِهُ الأَوْصَافُ مِنْ سَقَمِ
وَإِنْ دُعِيتَ إِلَى قَوْمٍ لِتُصْلِحَهُمْ ... فَانْهَضْ فَإِنَّكَ مَأْجُورٌ بِصُلْحِهِمِ
وَإِنْ دَعَا بِكَ مَظْلُومٌ فَأَنْصِرُه ... بِقَوْلِكَ الْحَقْ أَوْ بِالصَّارِمِ الْحَكَمِ
وَإِنْ أَتَاكَ مَخِيفُ الْقَلْبِ أَمِّنَهُ ... فَالْخَوْفُ مُمْتَزجِ فِي لَحْمِهِ وَالدَّمِ
وَلا تَكُنْ شَرِهًا فِي الأَكْلِ كَمْ شَرِهِ ... كَانَتْ مَنِيَّتُهُ مُمْتَزِجِ فِي أَصْغَرِ اللُّقَمِ
وَكُثْرَةُ الأَكْلِ تُؤْذِي جِسْمَ صَاحِبَهَا ... حَتَّى يُصَبَّحَ مَضْرُورًا مِنَ الْبَثَمِ
وَغَسْلُ قَبْلِ صَعَامِ الأَكْلِ فِيهِ غِنَى ... وَالْعَسَلُ مِنْ بَعْدِهِ حِرْزٌ مِنَ اللَّمَمِ
وَكَثْرَةُ الْمَزْحَ مَذْمُومُ عَوَاقِبُهَا ... كَمْ مُزَاحِ دَعَا لِلشَّرَّ وَالشَّتَمِ
وَاحْذَرْ عَدُوَّكَ لا تَرْكَنْ لَهُ أَبَدًا ... وَلا يُخَادِعْكَ بِالأَيْمَانِ وَالْقَسَمِ
وَكُلَّمَا زَادَ إِحْسَانًا فَأَبْعِدُهُ ... وَانْظُرْ بِقَلْبِكَ إِنَّ الْقَلْبَ غَيْرُ عَمِ
كَمْ مِنْ عَدُوَّ رَمَى بِالإِفْكِ صَاحِبَهُ ... فَبَاتَ مُرْتَهِنًا فِي لَحْفِ مُنْتَقِمِ
وَإِنْ حَذَرْتَ عَدُوَّا مِنْكَ وَاحِدَةً ... فَاحْذَرْ صَدِيقَكَ أَلْفًا لا تَكُنْ دَهِمِ
فَرُبَّمَا انْقَلَبَتْ يَوْمًا صَدَاقَتُهُ ... فَصَارَ يَخْبِرُ بِالأَسْرَارِ لِلنَّقَمِ
стр. 3562
.. وَلا تُصَادِقْ صَدِيقًا لَمْ تُجَرِّبَهُ ... فِي النَّائِبَاتِ وَكُنْ بِاللهِ مُعْتَصِمِ
فَمَا صَدِيقُ الرَّخَا وَالنَّائِبَات سِوَى ... وَلا يُقَاسُ قَوِيُّ الْقَلْبِ بِالْهَرَمِ
كَمْ مِنْ صَدِيقٍ ضَحُّوكِ السِّنِّ مُبْتَسِمٍ ... وَفِي الشَّدَائِدِ يَأْتِي غَيْرَ مُبْتَسِمِ
كَمْ مِنْ صَدِيقٍ مَنْ عَادَى أَبَاكَ وَلا ... يَغُرَّكَ الدَّهْرُ فِي أَعْدَائِكَ الْقِدَمِ
لا يَنْجَلِي صَارِمٌ فِي جَنْبِهِ حُرَبٌ ... لا بُدَّ مِنَ أَثَرِ بِالسَّيْفِ كَالْقَلَمِ
وَلا تَخَالِفُ قَوْمًا إِنَّهُمْ عُرِفُوا ... بِالْعَدْلِ وَاقْطَعْ جَمَالَ الْحِلفِ وَانْصَرِمِ
لا تَجْرَأَنَّ أَنَّ عَلَى الأَيْمَانِ كَاذِبَةَ ... وَلا يَغُرَّنَّكَ الشَّيْطَانُ فِي الْقَسَمِ
وَأَعْلَمْ بِأَنَّ دِيَارَ الْحَالِفِينَ تُرَى ... بَلاقِعًا مَسْكَنًا لِلْبُومِ وَالرَّخَمِ
وَحْفَظْ وَصِيَّةَ مَنْ أَوْصَاكَ مُجْتَهِدًا ... وَخُذْ قَصِيدًا كَنَظْمِ الدُّرِّ مُحْبَكِمِ
قَوْلُ الْهُمَامِ الْوُعَيْظِي الَّذِي شُهِرَتْ ... أَشْعَارُهُ فِي بِلادِ الْعُرْبِ وَالْعَجَمِ
إِنَّ الْقَصَائِدَ جَلَّتْ فِي مَفَاخِرِهَا ... أُرِيتَ شِعْرِي مُنِيفَ الْجَدِّ كَالْعِلْمِ
مَا قَالَ مِثْلَ قَصِيدِي شَاعِرٌ أَبَدًا ... وَلا يُؤَلِّفُهَا أَوْ يَنْطِقُ الصَّمِمِ
أَلْفَتْ جَوَاهِرُهَا كَالدَّرِّ مُحْتَكِمًا ... بَانَتْ مَحَاسِنُهَا بِالْوَعْظِ وَالْحِكَمِ
مَا قَالَ شَاعِرُ قَوْمٍ مِثْلَهَا أَبَدًا ... أَوْ يَنْطِقُ الْحَجَرُ الْمَنْعُوتُ بِالصَّمَمِ
وَدِيعَتِي لِلْمَنَايَا سَوْفَ يَطْرُقُهَا ... وَالْمَوْتُ حَتْمٌ وَعِنْدَ الله مُحْتَكَمِي
يَا رَبَّ يَا رَبَّ يَا رَحْمَنُ فَارْحَمُنَا ... بِصَبْوَةِ شَابَ مِنْهَا الرَّأْسُ وَاللَّمَمِ
وَاغْفِرْ ذُنُوبَ الْوَعيظِي إِنَّهُ رَجُلٌ ... عَاصِ وَمُعْتَرِفٌ بِالذَّنْبِ مُجْتَرِمِ
قَصَدْتُ بَابَكَ يَا رَحْمَنُ فَارْحَمُنَا ... وَاصْفَحْ بِعَفْوِكَ عَنْ ذَنْبِي وَعَنْ جُرْمِي
رَبِّي قَدِيرُ رَحِيمٌ وَاحِدٌ أَحَدٌ ... مُهَيْمِنٌ قَاهِرٌ بِالْبَطْشِ وَالنَّقَمِ
وَوَارِثُ الأَرْضَ لانِدٌ يُعَانِدُهُ ... وَلا شَرِيكٌ لَهُ بَلْ جَلَّ فِي الْعِظَمِ
مُحْيِ الْقُلُوبَ وَمُنْشِئُمْ وَرَازِقهُمْ ... حَتَّى الْمَمَاتِ وَمُحْيِ دَارِس الرُّمَمِ
стр. 3563
.. وَبَاعِثُ الْخَلْقِ لِلْمِيقَاتِ أَجْمَعِهِمْ ... وَالْعَدْلُ يَنْشُرُهُ فِي سَائِرِ الأُمَمِ
وَجِيءَ بِالْجَنَّةِ الْعُلْيَا مُزْخَرْفَةً ... قَدْ خَصَّهَا اللهُ بِالأَمْلاكِ وَالنِّعَمِ
وَلِلصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ إِذْ نُصِبَا ... كَرْبٌ وَكُلُّ الْوَرَى لِلْكَرْبِ مُلْتَزِمِ
وَلِلصَّحَائِفِ أَهْوَالٌ إِذَا نُشِرَتْ ... وَالنَّاسُ قَدْ شَخَصُوا مِنْ خَوْفِ رَبِّهِمِ
يَا لَيْتَ شِعْرِي وَلَيْسَ الدَّهْرُ يُخْبِرُنِي ... أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ يَنْجُو يَوْمَ مُحْتَكَمِ
لَكِنَّ ظَنِّي بِرَبِّي أَنَّهُ مَلِكٌ ... يَعْفُو بِرَحْمَتِهِ عَنْ كُلِّ مُجْتَرِمِ
مَوْلايَ مَوْلايَ لا رَبٌّ سِوَاكَ فَعْفُ ... ذَنْبِي فَإِنَّكَ ذُو عَفْوٍ وَذُو كَرَمِ
ثُمَّ الصَّلاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ سِيِّدِنَا ... مُحَمَّدِ الْمُصْطَفَى لِلْعُرْبِ وَالْعَجَمِ
(فَصْلٌ)
٥١- ومنها إرسال الريح الشديدة على الأحزاب وهم قريش ومن معهم يوم الخندق أرسلها الله عليهم ليلاً قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب انطلقي ننصر رسول اللهِ ﷺ ، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بليل، وكانت الريح التي أرسلها الله عليهم الصبا، ففروا لشدتها عن بعض أثقالهم وأمتعتهم، ولو أقاموا إلى الصباح لهلكوا جميعاً. وهو المدلول عليه بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ . ففي خبر القصة أن رَسُولَ اللهِ ﷺ لما رأى من أصحابه الجزع لطول الحصار، صعد إلى الجبل فدعا الله وكان فيما دعاه أن قَالَ ((واصرف عنا شر هؤلاء القوم بقوتك وحولك وقدرتك)) . فنزل جبريل يخبره عن الله بأنه استجاب له وأمر الله الريح والملائكة أن يهزموا قريشاً والأحزاب تلك الليلة، فأمر ﷺ حذيفة بن اليمان أن يدخل معسكرهم أي قريش، ويأتي بأخبارهم، قَالَ له إن الله قد أخبرني أنه أرسل على قريش الريح، وهزمهم. قَالَ: فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدراً ولا ناراً، ولا بناء، فقطعت أصناب الفسطاط، وقلعت الأوتاد، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وكثر تكبير الملائكة في جوانب المعسكر.
стр. 3564
قَالَ: وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّكُمْ وَاللَّهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ، لَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَالخفّ وَلَقِينَا مِنْ شِدَّةِ الرِّيحِ مَا تَرَوْنَ، مَا تَطْمَئِنُّ لَنَا قِدْرٌ وَلَا تَقُومُ لَنَا نَارٌ وَلَا يَسْتَمْسِكُ لَنَا بِنَاءٌ فَارْتَحِلُوا فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ فَرُدُوْا بِغَيْظِهِمْ ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ .
فالباري جل وعلا أرسل الريح على أولئك المشركين، نصراً لنبيه مُحَمَّد ﷺ وتصديقاً لدعوته، واستجابة لدعائه، لعلمه تعالى أن أصحاب مُحَمَّد ﷺ ذلك اليوم لا يقومون بقتال أولئك ففي هذه معجزة عظيمة فتأمل.
٥٢- وَمِنْ ذَلِكَ ما رواه أَبو هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ
لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ فَقَالَ ((اجْمَعُوا ِلَيَّ مَنْ كَانَ هُنَا مِنْ يَهُودَ)) فَجُمِعُوا، فَقَالَ لَهُم ((إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ)) ؟ قَالُوا نَعَمْ، يَا أبًا القَاسِم، فَقَالَ لَهُمْ ((مَنْ أَبُوكُمْ)) ؟ قَالُوا: فُلَانٌ، قَالَ: ((كَذَبْتُمْ، أَبُوكُمْ فُلَانٌ)) قَالُوا صَدَقْتَ، وَبَرَرْتَ، قَالَ ((فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكمْ عَنْهُ)) ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَإِنْ كَذَبْنَاكَ عَرَفْتَ، كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا، قَالَ لَهُمْ ((مَنْ أَهْلُ النَّارِ)) ؟ قَالُوا نَكُونُ فِيهَا يَسِيراً ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا. قَالَ ((اخْسَئُوا فِيهَا، وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَداً)) قَالَ ((هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ)) ؟ قَالُوا نَعَمْ قَالَ ((هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمَّاً؟)) قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ ((مَا حَمَلَكُمْ
стр. 3565
عَلَى ذَلِكَ)) ؟ قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِباً نَسْتَرِيحُ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ صَادِقاً لَمْ يَضُرَّكَ، رواه البخاري.
٥٣- وَمِنْ ذَلِكَ ما ورد عن صفوان بن عسال:
مسند أحمد - (ج ٣٧ / ص ٥٦)
عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ
بَعْض الْيَهُودِ لِصَاحِبه، اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ، لاَ تَقُلْ نَبِيٌّ لَوْ سَمِعَهَا كَانَ لَهُ أَرْبَعُةُ أَعْيُنٍ، فَأَتَيَا النَّبِيُّ ﷺ فَسَأَلاَهُ عَنْ تِسْعِ آياتٍ بَيَّنَاتٍ.
فَقَالَ ((لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً، وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ،
وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ ولا تَسْحَرُوا وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً وَلَا تُوَلُوا الأدْبَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً اليَهُودُ أَنْ تَعْدُوا يَومَ السَّبْتِ)) فَقَبلا يدَهُ، ورجْلَهُ، وَقَالا: نَشْهَدُ إِنَّكَ نَيِيّ.
فَقَالَ ((مَا يَمْنَعُكُمْا أَنْ تَتَّبِعُونِي؟ قَالاَ إِنَّ دَاوُدَ دَعَا رَبَّهُ أَنْ لَا يَزَالَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ، وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ اتَّبَعْنَاكَ، تَقْتُلَنَا يَهُودُ. للترمذي والنسائي.
٥٤- عَنْ جَابِرِ قَالَ غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ، فَأَدْرَكَنَا النَّبِيِّ ﷺ فِي القَائِلةِ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا.
وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
стр. 3566
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَأَخَذَ السَّيْفَ، فَاسْتَيْقَظْتُ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي، وَالسَّيْفُ صَلْتاً فِي يَدِهِ، فَقَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قُلْتُ اللَّهُ، فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ)) ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ وَكَان مَلِكَ قَوْمِهِ، فانْصَرَفَ حِيْنَ عَفى عَنْهُ، فَقَالَ لا أَكُوْنُ فيِ قَوْمٍ هُمْ حَرْبٌ لَكَ، متفق عليه.
٥٥- ومنها إخْبَارُهُ ﷺ أن الْأَرَضَةَ أَكَلَتْ مِنْ صَحِيْفَةِ قريشٍ ما فيه ظُلْمُ، وَقَطِيْعَةُ رَحِمٍ.
وأبْقَتْ ما فِيْهَا مِنْ أسْمَاءِ الله تعالى.
ومن حديثها أن قريشاً كتبوا فيما بينهم صحيفة بأن لا يبيعوا بني هاشم، ولا يبتاعوا منهم، ولا يناكحوهم، ولا يكلموهم، أو يدفعوا إليهم محمداً ليقتلوه، ودفنوها في الكعبة، فَقَامَ أبو طالب ومن معه بحماية النبي ﷺ ، فبقوا محصورين في الشعب سنتين أو ثلاثاً.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي طَالِبٍ: يَا عَمّ، إنّ اللهَ قَدْ سَلّطَ الْأَرَضَةَ عَلَى صَحِيفَةِ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تَدَعْ فِيهَا اسْماً هُوَ لِلّهِ إلّا أَثْبَتَتْهُ فِيهَا، وَنَفَتْ مِنْهُ الظّلْمَ وَالْقَطِيعَةَ وَالْبُهْتَانَ، فَقَالَ أَرَبِكَ أَخْبَرَك بِهَذَا، قَالَ نَعَمْ، قَالَ فَوَاَللهِ مَا يَدْخُلُ عَلَيْكَ أَحَدٌ.
ثُمّ خَرَجَ إلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّ ابْنَ أَخِي أَخْبَرَنِي بِكَذَا وَكَذَا، فَهَلُمّ صَحِيفَتُكُمْ، فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ابْنُ أَخِي فَانْتَهُوا عَنْ
стр. 3567
قَطِيعَتِنَا، وَانْزِلُوا عَمّا فِيهَا، وَإِنْ يَكُنْ كَاذِباً، دَفَعْت إلَيْكُمْ ابْنَ أَخِي، فَقَالَ الْقَوْمُ رَضِينَا، فَتَعَاقَدُوا عَلَى ذَلِكَ
ثُمّ نَظَرُوا، فَإِذَا هِيَ كَمَا قَالَ ﷺ ، فَزَادَهُمْ ذَلِكَ شَرّاً. فَعِنْدَ ذَلِك صَنَعَ الرّهْطُ مِنْ قُرَيْشٍ فِي نَقْضِ الصّحِيفَةِ مَا صَنَعُوا.
٥٦- ومنها ما روي عنه ﷺ أنَّه قَالَ لِعَليَّ يَوْمَ أحُد بعد انجلاء الهيجاء، إن قريشاً لن يصيبوا منا مثلها بعد هذا، حتَّى يفتح الله علينا مكة، فكان الأمر كما قَالَ، فإنه لم تصب قريش من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ بعد أحد ما أصابت منهم يوم أحد
وما زال أمر النَّبِيِّ ﷺ يعلو عليهم حتَّى غزاهم في عقر دارهم، ومحل قرارهم، ولم يستطيعوا دفعه، بل استأسروا له راغمين، فمن عليهم فاطلقهم من حبالة القتل، واعتقهم من رق الأسر وناداهم وهم مرعوبون ((اخرجوا فأنتم الطلقاء)) وبذلك يوم فتح مكة بالسنة الثامنة من الهجرة.
٥٧- وَمِنْ ذَلِكَ ما وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ، قَالَ ((لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُهُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ، وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، وَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ ﵇، فَنَادَانِي، فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ، لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ
стр. 3568
فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّد إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبِكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أُطْبِقَتُ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ)) فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ((بَلْ أَرْجُو، أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً)) متفق عليه.
٥٨- وَمِنْ ذَلِكَ ما وَرَدَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
صَعِدَ النَّبِيِّ ﷺ حِرَاءً، فَتَحَرَّكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْكُنْ حِرَاءُ، ومَعَه َأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وعبدُ الرحمن بنُ عوف، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ، وسعيد فَتَحَرَّكَ الجبلُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اسْكُنْ حِرَاءُ،
فَلَيسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ، فَسَكَنَ الجَبَلُ.
٥٩- ومن أعلام نبوته ﷺ أنه بعث خالد بن الوليد من تبوك، في أربع مائة وعشرين فارساً إلى أكيدر دومة الجندل، من كندة فَقَالَ خالد يَا رَسُولَ اللهِ، كيف لي به وسط بلاد كلب، وإنما أنا في عدد يسير، فَقَالَ ستجده يصيد البقر، فتأخذه فخرج خالد حتَّى إذا كان من حصنه بمنظر العين، في ليلة مقمرة صافية، وهو على سطح له، من شدة الحر، مع امرأته، فأقبلت البقر، تحك بقرونها باب الحصن، فَقَالَ أكيدر دومة: والله ما رأيت بقراً جاءتنا ليلاً غير هذه الليلة، لقد كنت أضمر لها الخيل، إذا أردتها شهراً أو أكثر، ثم نزل فركب بالرجال، والآلة، فلما فصلوا من الحصن، وخيل خالد تنظر إليهم، لا يصهل منها فرس، ولا يتحرك، فساعة فصل، أخذته الخيل، فاستؤسر أكيدر دومة.
اللَّهُمَّ ثبت محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وأرزقنا صيانة أوقاتنا وحفظها عن المعاصي ووفقنا لشغلها بالباقيات الصالحات
стр. 3569
وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.
قَالَ ابن القيم رحمه الله تعالى:
يَا قَوْمُ فَرْضُ الْهِجْرَتَيْنِ بِحَالِهِ
واللهِ لَمْ يُنْسَخْ إِلَى ذَا الآنِ
فَالْهِجْرَةُ الأُولَى إِلَى الرَّحْمَنِ بِالْ
إِخْلاصِ فِي سِرٍّ وَفِي إِعْلانِ
حَتَّى يَكُونَ الْقَصْدُ وَجْهُ اللهِ بِالْ
أَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ وَالإِيمَانِ
وَيَكُونُ كُلُّ الدِّينِ لِلرَّحْمَنِ مَا
لِسِوَاهُ شَيْءٌ فِيهِ مِنْ إِنْسَانِ
وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ اللَّذَيْنِ هُمَا لِكُلِّ م
وَلايَةٍ وَعَدَاوَةٍ أَصْلانِ
للهِ أَيْضًا هَكَذَا الإِعْطَاءُ وَالـ
ـمَنْعُ اللَّذَانِ عَلَيْهِمَا يَقِفَانِ
وَاللهِ هَذَا شَطْرُ دِينِ اللهِ وَالتَّـ
ـحْكِيمِ لِلْمُخْتَارِ شَطْرٌ ثَانِ
وَالْهِجْرَةُ الأُخْرَى إِلَى الْمَبْعُوثِ بِالْ
إِسْلامِ وَالإِيمَانِ وَالإِحْسَانِ
أَتَرَوْنَ هَذي هِجْرَةَ الأَبْدَانِ لا
وَاللهِ بَلْ هِيَ هِجْرَةٌ الإِيمَانِ
قَطْعُ الْمَسَافَةِ بِالْقُلُوبِ إِلَيْهِ فِي
стр. 3570
.. دَرْكِ الأُصُولِ مَعَ الْفُرُوعِ وَذَانِ
أَبَدًا إِلَيْهِ حُكْمَهَا لا غَيْرُهُ
فَالْحُكْمُ مَا حَكَمَتْ بِهِ النَّصَانِ
يَا هِجْرَةً طَالَتْ مَسَافَتُهَا عَلَى
مَنْ خَصَّ بِالْحُرْمَانِ وَالْخُذْلانِ
يَا هِجْرَةً طَالَتْ مَسَافَتُهَا عَلَى
كَسْلان مَنْخُوبِ الْفُؤَادِ جَبَانِ
يَا هِجْرَةً وَالْعَبْدُ فَوْقَ فِرَاشِهِ
سَبَقَ السُّعَاةَ لِمَنْزِلِ الرِّضْوَانِ
سَارُوا أَحَثَّ السَّيْرِ وَهُوَ فَسَيْرُهُ
سَيْرُ الدَّلالِ وَلَيْسَ بِالذَّمِلانِ
هَذَا وَتَنْظُرُه أَمَامَ الرَّكْبِ كَالْـ
ـعِلْمِ الْعَظِيمِ يُشَافُ فِي الْقِيعَانِ
رُفِعَتْ لَهُ أَعْلامُ هَاتِيكَ النُّصُو
صِ رُؤُوسُهَا شَابَتْ مِنَ النِّيرَانِ
نَارٌ هِيَ النُّورُ الْمُبِينُ وَلَمْ يَكُنْ
لِيَرَاهُ إِلا مَنْ لَهُ عَيْنَانِ
مَكْحُولَتَانِ بِمِرْوَدِ الْوَحْيَيْنِ لا
بِمَرَاوُدِ الآرَاءِ وَالْهَذَياَنِ
فَلِذَاكِ شَمَّرَ نَحْوَهَا لَمْ يَلْتَفِتْ
لا عَنْ شَمَائِلِهِ وَلا أَيْمَانِ
стр. 3571
.. يَا قَوْمُ لَوْ هَاجَرْتُمُوا لَرَأَيْتُمُ
أَعْلامَ طَيْبَةَ رُؤْيَةً بِعِيَانِ
وَرَأَيْتُمُ ذَاكَ اللِّوَاءَ وَتَحْتَهُ الرُّ
سْلُ الْكِرَامُ وَعَسْكَرُ الْقُرْآنِ
أَصْحَابَ بَدْرٍ وَالأُولَى قَدْ بَايَعُوا
أَزْكَى الْبَرِيَّةِ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ
وَكَذَا الْمُهَاجِرَةُ الأُولَى سَبَقُوا كَذَا الْ
أَنْصَارُ أَهْلُ الدَّارِ وَالإِيمَانِ
وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَسَا
لِكُ هَدْيِهِمْ أَبَدًا بِكُلِّ زَمَانِ
لَكِنْ رَضِيتُمْ بِالأَمَانِي وَابْتُلِيتُمْ
بِالْحُظُوظِ وَنَصْرَةِ الإِخْوَانِ
بَلْ غَرَّكَمْ ذَاكَ الْغُرُورُ وَسَوَّلَتْ
لَكُمْ النُّفُوسُ وَسَائِسَ الشَّيْطَانِ
وَنَبَذْتُمْ غِلَّ النُّصُوصِ وَرَاءَكُمْ
وَقَنِعْتُمُ بِقَطَارَةِ الأَذْهَانِ
وَتَرَكْتُمُ الْوَحْيَيْنَ زُهْدًا فِيهِمَا
وَرَغِبْتُمُ فِي رَأْيِ كُلِّ فُلانِ
وَعَزَلْتُمُ النَّصَّيْنِ عَمَّا وُلِّيَّا
لِلْحُكْمِ فِيهِ عَزْلَ ذِي عُدْوَانِ
وَزَعَمْتُمُ أَنَّ لَيْسَ يَحْكُم بَيْنَنَا
стр. 3572
.. إِلا الْعُقُولُ وَمَنْطِقُ الْيَوْنَانِ
حَتَّى إِذَا انْكَشَفَ الْغِطَاءُ وَحُصِّلَتْ
أَعْمَالُ هَذَا الْخَلْقِ بِالْمِيزَانِ
وَإِذَا انْجَلَى هَذَا الْغُبَارُ وَصَارَ مَيْـ
ـدَانُ السِّبَاقِ تَنَالُهُ الْعَيْنَانِ
وَبَدَتْ عَلَى تِلْكَ الْوُجُوهُ سِمَاتُهَا
وَسْم الْمَلِيكِ الْقَادِرِ الدَّيَّانِ
مُبْيَضَّةً مِثْلَ الرِّيَاضِ بِجَنَّةٍ
وَالسُّودُ مِثْلَ الْفَحْمِ لِلنِّيرَانِ
فَهُنَاكَ يَعْلَمُ رَاكِبٌ مَا تَحْتَهُ
وَهُنَاكَ يُقْرَعُ نَاجِذُ النَّدْمَانِ
وَهُنَاكَ تَعْلَم كُلُّ نَفْسٍ مَا الَّذِي
مَعَهَا مِن الأَرْبَاحِ وَالْخُسْرَانِ
وَهُنَاكَ يَعْلَمُ مُؤْثِرُ الآرَاءِ وَالشَّـ
ـطَحَاتِ وَالْهَذَيَانِ وَالْبُطْلانِ
أَيَّ الْبَضَائِعِ قَدْ أَضَاعَ وَمَا الَّذِي
مِنْهَا تَعَوَّضَ فِي الزَّمَانِ الْفَانِ
سُبْحَانَ رَبِّ الْخَلْقِ قَاسمِ فَضْلِهِ
وَالْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْمِيزَانِ
لَوْ شَاءَ كَانَ النَّاسُ شَيْئًا وَاحِدًا
مَا فِيهِمْ مِنْ تَائِهٍ حَيْرَانِ
стр. 3573
.. لَكِنَّهُ سُبْحَانَه يَخْتَصُّ بِالْـ
ـفَضْلِ الْعَظِيمِ خُلاصَة الإِنْسَانِ
وَسِوَاهُمُ لا يَصْلَحُونَ لِصَالِحٍ
كَالشَّوْكِ فَهُوَ عِمَارَةُ النِّيرَانِ
وَعِمَارَةُ الْجَنَّاتِ هُمْ أَهْلُ الْهُدَى
اللهُ أَكْبَرُ لَيْسَ يَسْتَوِيَانِ
فَسَلِ الْهِدَايَةَ مَنْ أَزَمَّه أَمْرِنَا
بِيَدَيْهِ مَسْأَلَةَ الذَّلِيلِ الْعَانِ
وَسَلِ الْعِيَاذِ مِن اثْنَتَيْنِ هُمَّا اللَّتَا
نِ بِهُلْكِ هَذَا الْخَلْقِ كَافِلَتَانِ
شَرِّ النُّفُوسِ وَسَيِّءِ الأَعْمَالِ مَا
وَاللهِ أَعْظَمُ مِنْهُمَا شَرَّانِ
وَلَقَدْ أَتَى هَذَا التَّعَوُّذُ مِنْهُمَا
فِي خُطْبَةِ الْمَبْعُوثِ بِالْقُرْآنِ
لَوْ كَانَ يَدْرِي الْعَبْدُ أَنَّ مُصَابَهُ
فِي هَذِهِ الدُّنْيَا هُوَ الشَّرَّانِ
جَعَلَ التَّعَوُّذُ مِنْهُمَا دَيْدَانَهُ
حَتَّى نَرَاهُ دَاخِلَ الأَكْفَانِ
اللَّهُمَّ ثبت محبتك في قلوبنا وقوها ووفقنا لشكرك وذكرك وارزقنا التأهب والاستعداد للقائك واجعل ختام صحائفنا كلمة التوحيد وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.
стр. 3574
(فَصْلٌ)
٦٠- ومنها أخذ الله المشركين المستهزئين بالنَّبِيِّ ﷺ بما شغلهم عنه وأزال منعهم إياه عن تبليغ الرسالة، وهو المشار إليه بقوله تعالى ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ .
وهم خمسة نفر من رؤساء قريش، الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان رأسهم، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد المطلب بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن زمعة.
وكان رسول الله ﷺ قد دعا عليه، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أعْمِ بصره واثْكله بولده)) والأسود بن عبد يغوث بن وهب، والحارث بن قيس بن الطُّلاطلة.
فأتى جبريل النبي ﷺ ، والمستهزئون يطوفون بالبيت.
فَقَامَ جبريل إلى جنبه، فمرَّ به الوليد بن المغيرة، فَقَالَ جبريل: يا مُحَمَّد كيف تجد هذا، فَقَالَ: بئس عَبْدُ الله، فَقَالَ: قد كُفِيْتَه، وأومأ إلى ساق الوليد، فمر برجل من خزاعة نبَّال يريش نباله، وعليه بُرْد يمان، وهو يجرُّ إزاره، فتعلقت شظية من نَبْلٍ بإزاره، فمنعه الكبر أن "يطاطئ رأسه فينزعها، وجعلت تضرب ساقه، فخدشته، فمرض منها فمات.
ومرَّ به العاص بن وائل، فَقَالَ جبريل: كيف تجد هذا يا مُحَمَّد، قال: بئس عبد الله، فأشار جبريل إلى أخمص رجليه، وَقَالَ: قد كفيته، فخرج على راحلته ومعه ابنان له يتنزه، فنزل شعباً من تلك الشعاب، فوطئ على شبرقةٍ، فدخلت منها شوكة في أخمص رجله، فَقَالَ: لدغت لدغت، فطلبوا فلم يجدوا شيئاً، وانتفخت رجله حتَّى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه.
فمرَّ به الأسود بن المطلب، فَقَالَ جبريل: كيف تجد هذا يا مُحَمَّد، قَالَ بئس عبد الله، فأشار بَيّدِهِ إلى عينيه، وَقَالَ: قد كفيته، فعمي.
قال ابن عباس رماه جبريل بورقة خضراء، فعمي فذهب بصره ووجعت عيناه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتَّى هلك.
стр. 3575
ومرَّ به الأسود بن عبد يغوث، فَقَالَ جبريل: كيف تجد هذا يا محمد، قَالَ: بئس عبد الله على أنه ابن خالي)) فَقَالَ: قد كفيته، وأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات
ومرَّ به الحارث بن قيس
فَقَالَ جبريل: كيف تجد هذا يا مُحَمَّد؛ فَقَالَ: عبد سوء فأومأ إلى رأسه وَقَالَ: قد كفيته، فامتخط قيحاً فقتله. وقِيلَ أكل حوتاً مالحاً فلم يزل يشرب عليه من الماء حتَّى انقد بطنه.
٦١- ومن أعلام نبوته ﷺ ، ما روي أن الحطم واسمه شريح بن صبيعة البكري - أتى المدينة، وخلف خيله خارج المدينة، ودخل وحده، على النبي ﷺ ، فَقَالَ: إلام تدعو الناس فَقَالَ: ((إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة)) .
فَقَالَ: حسن، ولكن أنظرني، فلي من أشاوره، فلا أقطع أمراً دونهم، ولعلي أسلم، وآتي بهم، وكان النبي ﷺ قد قَالَ لأصحابه: يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان، ثم خرج شريح من عنده، فَقَالَ ﷺ : لقد دخل بوجه كافر، وخرج بقفا غادر، وما الرجل بمسلم، فمر بسرح المدينة، فاستاقه، وانطلق، فاتبعوه فلم يُدركوه.
فلما كان العام القابل، خرج حاجاً، في حجاج بكر بن وائل، من اليمامة، ومعه تجارة عظيمة، وقد قلد الهدي، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ للنبي ﷺ : هذا الحطم قد خرج حاجاً، فخلِّ بيننا وبينه. فَقَالَ ﷺ : إنه قد قلد الهدي، فقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية، فأبى النبي ﷺ ، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ َلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ﴾ الآية.
следующие страницы →