← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

.. يَا قَوْمُ لَوْ هَاجَرْتُمُوا لَرَأَيْتُمُ أَعْلامَ طَيْبَةَ رُؤْيَةً بِعِيَانِ وَرَأَيْتُمُ ذَاكَ اللِّوَاءَ وَتَحْتَهُ الرُّ سْلُ الْكِرَامُ وَعَسْكَرُ الْقُرْآنِ أَصْحَابَ بَدْرٍ وَالأُولَى قَدْ بَايَعُوا أَزْكَى الْبَرِيَّةِ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ وَكَذَا الْمُهَاجِرَةُ الأُولَى سَبَقُوا كَذَا الْ أَنْصَارُ أَهْلُ الدَّارِ وَالإِيمَانِ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَسَا لِكُ هَدْيِهِمْ أَبَدًا بِكُلِّ زَمَانِ لَكِنْ رَضِيتُمْ بِالأَمَانِي وَابْتُلِيتُمْ بِالْحُظُوظِ وَنَصْرَةِ الإِخْوَانِ بَلْ غَرَّكَمْ ذَاكَ الْغُرُورُ وَسَوَّلَتْ لَكُمْ النُّفُوسُ وَسَائِسَ الشَّيْطَانِ وَنَبَذْتُمْ غِلَّ النُّصُوصِ وَرَاءَكُمْ وَقَنِعْتُمُ بِقَطَارَةِ الأَذْهَانِ وَتَرَكْتُمُ الْوَحْيَيْنَ زُهْدًا فِيهِمَا وَرَغِبْتُمُ فِي رَأْيِ كُلِّ فُلانِ وَعَزَلْتُمُ النَّصَّيْنِ عَمَّا وُلِّيَّا لِلْحُكْمِ فِيهِ عَزْلَ ذِي عُدْوَانِ وَزَعَمْتُمُ أَنَّ لَيْسَ يَحْكُم بَيْنَنَا

стр. 3572

.. إِلا الْعُقُولُ وَمَنْطِقُ الْيَوْنَانِ حَتَّى إِذَا انْكَشَفَ الْغِطَاءُ وَحُصِّلَتْ أَعْمَالُ هَذَا الْخَلْقِ بِالْمِيزَانِ وَإِذَا انْجَلَى هَذَا الْغُبَارُ وَصَارَ مَيْـ ـدَانُ السِّبَاقِ تَنَالُهُ الْعَيْنَانِ وَبَدَتْ عَلَى تِلْكَ الْوُجُوهُ سِمَاتُهَا وَسْم الْمَلِيكِ الْقَادِرِ الدَّيَّانِ مُبْيَضَّةً مِثْلَ الرِّيَاضِ بِجَنَّةٍ وَالسُّودُ مِثْلَ الْفَحْمِ لِلنِّيرَانِ فَهُنَاكَ يَعْلَمُ رَاكِبٌ مَا تَحْتَهُ وَهُنَاكَ يُقْرَعُ نَاجِذُ النَّدْمَانِ وَهُنَاكَ تَعْلَم كُلُّ نَفْسٍ مَا الَّذِي مَعَهَا مِن الأَرْبَاحِ وَالْخُسْرَانِ وَهُنَاكَ يَعْلَمُ مُؤْثِرُ الآرَاءِ وَالشَّـ ـطَحَاتِ وَالْهَذَيَانِ وَالْبُطْلانِ أَيَّ الْبَضَائِعِ قَدْ أَضَاعَ وَمَا الَّذِي مِنْهَا تَعَوَّضَ فِي الزَّمَانِ الْفَانِ سُبْحَانَ رَبِّ الْخَلْقِ قَاسمِ فَضْلِهِ وَالْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْمِيزَانِ لَوْ شَاءَ كَانَ النَّاسُ شَيْئًا وَاحِدًا مَا فِيهِمْ مِنْ تَائِهٍ حَيْرَانِ

стр. 3573

.. لَكِنَّهُ سُبْحَانَه يَخْتَصُّ بِالْـ ـفَضْلِ الْعَظِيمِ خُلاصَة الإِنْسَانِ وَسِوَاهُمُ لا يَصْلَحُونَ لِصَالِحٍ كَالشَّوْكِ فَهُوَ عِمَارَةُ النِّيرَانِ وَعِمَارَةُ الْجَنَّاتِ هُمْ أَهْلُ الْهُدَى اللهُ أَكْبَرُ لَيْسَ يَسْتَوِيَانِ فَسَلِ الْهِدَايَةَ مَنْ أَزَمَّه أَمْرِنَا بِيَدَيْهِ مَسْأَلَةَ الذَّلِيلِ الْعَانِ وَسَلِ الْعِيَاذِ مِن اثْنَتَيْنِ هُمَّا اللَّتَا نِ بِهُلْكِ هَذَا الْخَلْقِ كَافِلَتَانِ شَرِّ النُّفُوسِ وَسَيِّءِ الأَعْمَالِ مَا وَاللهِ أَعْظَمُ مِنْهُمَا شَرَّانِ وَلَقَدْ أَتَى هَذَا التَّعَوُّذُ مِنْهُمَا فِي خُطْبَةِ الْمَبْعُوثِ بِالْقُرْآنِ لَوْ كَانَ يَدْرِي الْعَبْدُ أَنَّ مُصَابَهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا هُوَ الشَّرَّانِ جَعَلَ التَّعَوُّذُ مِنْهُمَا دَيْدَانَهُ حَتَّى نَرَاهُ دَاخِلَ الأَكْفَانِ اللَّهُمَّ ثبت محبتك في قلوبنا وقوها ووفقنا لشكرك وذكرك وارزقنا التأهب والاستعداد للقائك واجعل ختام صحائفنا كلمة التوحيد وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.

стр. 3574

(فَصْلٌ) ٦٠- ومنها أخذ الله المشركين المستهزئين بالنَّبِيِّ ﷺ بما شغلهم عنه وأزال منعهم إياه عن تبليغ الرسالة، وهو المشار إليه بقوله تعالى ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ . وهم خمسة نفر من رؤساء قريش، الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان رأسهم، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد المطلب بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن زمعة. وكان رسول الله ﷺ قد دعا عليه، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أعْمِ بصره واثْكله بولده)) والأسود بن عبد يغوث بن وهب، والحارث بن قيس بن الطُّلاطلة. فأتى جبريل النبي ﷺ ، والمستهزئون يطوفون بالبيت. فَقَامَ جبريل إلى جنبه، فمرَّ به الوليد بن المغيرة، فَقَالَ جبريل: يا مُحَمَّد كيف تجد هذا، فَقَالَ: بئس عَبْدُ الله، فَقَالَ: قد كُفِيْتَه، وأومأ إلى ساق الوليد، فمر برجل من خزاعة نبَّال يريش نباله، وعليه بُرْد يمان، وهو يجرُّ إزاره، فتعلقت شظية من نَبْلٍ بإزاره، فمنعه الكبر أن "يطاطئ رأسه فينزعها، وجعلت تضرب ساقه، فخدشته، فمرض منها فمات. ومرَّ به العاص بن وائل، فَقَالَ جبريل: كيف تجد هذا يا مُحَمَّد، قال: بئس عبد الله، فأشار جبريل إلى أخمص رجليه، وَقَالَ: قد كفيته، فخرج على راحلته ومعه ابنان له يتنزه، فنزل شعباً من تلك الشعاب، فوطئ على شبرقةٍ، فدخلت منها شوكة في أخمص رجله، فَقَالَ: لدغت لدغت، فطلبوا فلم يجدوا شيئاً، وانتفخت رجله حتَّى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه. فمرَّ به الأسود بن المطلب، فَقَالَ جبريل: كيف تجد هذا يا مُحَمَّد، قَالَ بئس عبد الله، فأشار بَيّدِهِ إلى عينيه، وَقَالَ: قد كفيته، فعمي. قال ابن عباس رماه جبريل بورقة خضراء، فعمي فذهب بصره ووجعت عيناه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتَّى هلك.

стр. 3575

ومرَّ به الأسود بن عبد يغوث، فَقَالَ جبريل: كيف تجد هذا يا محمد، قَالَ: بئس عبد الله على أنه ابن خالي)) فَقَالَ: قد كفيته، وأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات ومرَّ به الحارث بن قيس فَقَالَ جبريل: كيف تجد هذا يا مُحَمَّد؛ فَقَالَ: عبد سوء فأومأ إلى رأسه وَقَالَ: قد كفيته، فامتخط قيحاً فقتله. وقِيلَ أكل حوتاً مالحاً فلم يزل يشرب عليه من الماء حتَّى انقد بطنه. ٦١- ومن أعلام نبوته ﷺ ، ما روي أن الحطم واسمه شريح بن صبيعة البكري - أتى المدينة، وخلف خيله خارج المدينة، ودخل وحده، على النبي ﷺ ، فَقَالَ: إلام تدعو الناس فَقَالَ: ((إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة)) . فَقَالَ: حسن، ولكن أنظرني، فلي من أشاوره، فلا أقطع أمراً دونهم، ولعلي أسلم، وآتي بهم، وكان النبي ﷺ قد قَالَ لأصحابه: يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان، ثم خرج شريح من عنده، فَقَالَ ﷺ : لقد دخل بوجه كافر، وخرج بقفا غادر، وما الرجل بمسلم، فمر بسرح المدينة، فاستاقه، وانطلق، فاتبعوه فلم يُدركوه. فلما كان العام القابل، خرج حاجاً، في حجاج بكر بن وائل، من اليمامة، ومعه تجارة عظيمة، وقد قلد الهدي، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ للنبي ﷺ : هذا الحطم قد خرج حاجاً، فخلِّ بيننا وبينه. فَقَالَ ﷺ : إنه قد قلد الهدي، فقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية، فأبى النبي ﷺ ، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ َلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ﴾ الآية.

стр. 3576

٦٢- ومن أعلام نبوته ﷺ ، قوله في ليلة الإسراء، حين أصبح ((إن من آية ما أقول لكم، أني مررت بعير لكم بمكان كذا وكذا، قد أضلوا بعيراً لهم، فجمعه لهم فلان، وإن مسيرهم ينزلون بكذا ثم بكذا، ويأتونكم يوم كذا وكذا، يقدمهم جمل آدم، عليه مسح أسود وغرارتان سوداوان)) فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون حتَّى كان قريب من نصف النهار حتَّى أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الَّذِي وصفه رسول الله ﷺ فكان كما أخبر. ٦٣- وَمِنْ ذَلِكَ دعاؤه ﷺ على أفراد من المشركين أصحاب القليب، فعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌه، جُلُوسٌ وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَاجَزُورِ بَنِي فُلَانٍ، فَيَضَعُهُ بَيْنَ كَتِفَيْ مُحَمَّد إِذَا سَجَدَ، فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ، فَأَخَذَهُ. فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَاسْتَضْحَكُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ، وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ، لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِه، والنَّبِيُّ ﷺ سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ إلى فَاطِمَةَ ﵂. فَجَاءَتْ وهِيَ جُوَيْرِيَةٌ، فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ ﷺ ، رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ إِذَا دَعَا، دَعَا ثَلَاثَ مَراتٍ وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا فَقَالَ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ، ذَهَبَ عَنْهُمْ الضِّحْكُ، وَخَافُوا دَعْوَتَهُ.

стр. 3577

ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَذَكَرَ السَّابِعَ، وَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً ﷺ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ. ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ (قَلِيبِ بَدْرٍ) أخرجه الشيخان والنسائي تيسير الوصول ج ٤ ص ٢١٦. ٦٤- وَمِنْ ذَلِكَ ما في صحيح البخاري، عن يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ، فَقَالَ هَذِهِ ضَرْبَةٌ أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ فَقَالَ النَّاسُ: أُصِيبَ سَلَمَةُ فَأَتَيْتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حتَّى السَّاعَةِ. ٦٥- وَمِنْ ذَلِكَ أنه ﷺ لما أَرَادَ الهجرة خرج من مكة، ومعه أبو بكر، فدخل غاراً في جبل ثور، ليستخفي من قريش، وقد طلبته، وبذلت لمن جاء به مائة ناقة، فأعانه الله بإخفاء أثره، ونسجت العنكبوت على باب الغار. ولما خرج، لحقه سراقة بن مالك بن خعشم، وهو من جملة من توجه لطلبه، فَقَالَ أبو بكر هذا سراقة قد قرب، فَقَالَ رسول الله ﷺ ((اللَّهُمَّ أكفنا سراقة)) فأخذت الأرض قوائم فرسه إلى إبطها، فَقَالَ سراقة يا مُحَمَّد ادع الله أن يطلقني، ولك على أن أرد من جاء يطلبكَ ولا أعين عَلَيْكَ أبداً، فَقَالَ ((اللَّهُمَّ إن كان صادقاً فأطلق عن فرسه)) فأطلق الله عنه، ثم أسلم سراقة، وحسن إسلامه. شِعْرًا: ... أَشْكُو إِلَيْكَ ذُنُوبًا لَسْتُ أُنْكِرُهَا ... وَقَدْ رَجَوْتُكَ يَا ذَا الْمَنِّ تَغْفِرُهَا مِنْ قَبْلِ سُؤْلِك لِي فِي الْحَشْرِ يَا أَمَلِي ... يَوْمَ الْجَزَاءِ عَلَى الأَهْوَالِ تَذْكُرُهَا أَرْجُوكَ تَغْفِرُهَا فِي الْحَشْرِ يَا أَمَلِي ... إِذْ أَنْتَ سُؤْلِي كَمَا فِي الأَرْضِ تَسْتُرُهَا

стр. 3578

آخر: ... مَوْلايَ إِنِّي عَبْدٌ ضَعِيفْ ... أَتَيْتُكَ أَرْغَبُ فِيمَا لَدَيْكْ أَتَيْتُكَ أَشْكُو مَصَابَ الذُّنُوبْ ... وَهَلْ يُشْتَكَى الضُّرُّ إِلا إِلَيْكْ فَمُنَّ بِعَفْوِكَ يَا سَيِّدِي ... فَلَيْسَ اعْتِمَادِي إِلا عَلَيْكْ ٦٦- وَمِنْ ذَلِكَ ما ذكره الماوردي في أعلام النبوة، من أن أبا لهب، خرج يوماً، وقد اجتمعت قريش، فقَالُوا له يا أبا عتبة، إنك سيدنا، وأنت أولى بمُحَمَّد منا، وإن أبا طالب، هو الحائل بيننا وبينه، ولو قتلته لم ينكره أبو طالب، ولا حمزة، منك شيئاً، وأنت برئ من دمه، نؤدي نحن الدية، وتسود قومك، فَقَالَ فإني أكفيكم، ففرحوا بذلك ومدحته خطباؤهم. فلما كان في تلك الليلة، وكان مشرفاً عليه، نزل أبو لهب وهو يصلي وتسلقت امرأة أبي لهب، وأم جميل الحائط، حتَّى وقف على رسول الله ﷺ ، وهو ساجد فصاح به، أبو لهب، فلم يلتفت إليه، وهما كانا لا ينقلان أقدامهما، ولا يقدران على شيء، حتَّى تفجر الصبح، وفرغ رسول الله ﷺ ، فَقَالَ له أبو لهب يا مُحَمَّد، أطلق عنا، فَقَالَ: ((ما كنت لأطلق عنكما، أو تضمنا إنكما لا تؤذياني)) قالا: قد فعلنا، فدعا ربه فرجعا. ٦٧- وَمِنْ ذَلِكَ أن الناس لما انهزموا عن رسول الله ﷺ يوم حنين، وهو معتزل عنهم، رآه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، فَقَالَ اليوم أدرك ثأري من مُحَمَّد، فأقتله، لأن أبا شيبة قتل يوم أحد في جماعة إخوته وأعمامه، قَالَ شيبة فلما أردت قتله، أقبل شيء حتَّى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك فعلمت أنه ممنوع. شِعْرًا: ... لا تَرْكَنَنَّ إِلَى الدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا ... فَأَنْتَ مِنْ عَاجِل الدُّنْيَا سَتَنْتَقِلُ أَصْبَحْتَ تَرْجُو غَدًا يَأْتِي وَبَعْدَ غَدٍ ... وَرُبَّ ذِي أَمَلٍ قَدْ خَانَهُ الأَمَلُ

стр. 3579

شِعْرًا: ... هَذَا شَبَابُك قَدْ وَلَّتْ بَشَاشَتُهُ ... مَا بَعْدَ شَيْبِكَ لا لَهْوٌ وَلا جَدَلُ مَاذَا التَّعَلُّلُ بِالدُّنْيَا وَقَدْ نَشَرَتْ ... لأَهْلِهَا صِحَّةً فِي طِيِّهَا عِلَلُ اللَّهُمَّ ألهمنا ذكرك ووفقنا للقيام بحقك، وخلصنا من حقوق خلقك، وبارك لنا في الحلال من رزقك، ولا تفضحنا بين خلقك. اللَّهُمَّ وفقنا لصالح الأعمال وأكفنا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك إنك علي كل شيء قدير ولله أعلم وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلهِ وَسَلَّمَ. (فَصْلٌ) ٦٨- وَمِنْ ذَلِكَ قصة أبي جهل وحجره ففي السيرة النبوية أن أَبُا جَهْلٍ قَالَ يَوْماً يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّ مُحَمّداً قَدْ أَبَى إلّا مَا تَرَوْنَ مِنْ عَيْبِ دِينِنَا، وَشَتْمِ آبَائِنَا، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا، وَشَتْمِ آلْهِتَتَا، وَإِنّي أُعَاهِدُ اللهَ لَأَجْلِسَنّ لَهُ غَداً بِحَجَرٍ مَا أُطِيقُ حَمْلَهُ فَإِذَا سَجَدَ فِي صَلَاتِهِ فَضَخْتُ بِهِ رَأْسَهُ فَأَسْلِمُونِي عِنْدَ ذَلِكَ أَوْ امْنَعُونِي، فَلْيَصْنَعْ بَعْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ مَا بَدَا لَهُمْ قَالُوا: وَاَللهِ لَا نُسْلِمُك لِشَيْءِ أَبَداً، فَامْضِ لِمَا تُرِيدُ. فلما أصبح أبو جهل، أخذ حجراً كما وصف، ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظره. وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو، فَقَامَ يصلى، وقد غدت قريش، فجلسوا في أنديتهم ينتظرون، ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتَّى إذا دنا منه، رجع منهزماً منتقعاً لونه مرعوباً، قد يبست يداه على حجره، حتَّى قذف الحجر من يده.

стр. 3580

وقام إليه رجال من قريش فقَالُوا له: ما لك يا أبا الحكم، قَالَ: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لى دونه، فحل من الابل، لا والله ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته ولا أنيابه، لفحل قط، فهم أن يأكلني، وروي أن رسول الله ﷺ قَالَ ذلك جبريل لو دنا لأخذه. ٦٩- ومنها قصة أخرى مع أبي جهل فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ أَبُو جَهْلٍ هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّد وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، قَالَ نَعَمْ، فَقَالَ وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يُصَلَّي كذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، وَلَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يُصَلِّي لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، قَالَ فَمَا فَجِأهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ. قَالَ فَقِيلَ لَهُ مَا لَكَ، فَقَالَ إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خَنْدَقاً مِنْ نَارٍ، وَهَوْلاً وَأَجْنِحَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْواً عُضْواً)) قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ لَا أدْرِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَمْ لا ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ إلى آخر السورة. ٧٠- ومن أعلام نبوته ﷺ ، ما يلي: قَالَ مُحَمَّد بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، حُدّثْت أَنّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، كَانَ سَيّداً حَلِيْماً، قَالَ يَوْماً وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي قُرَيْشٍ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ وَحْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَلَا أَقُومُ إلَى مُحَمَّد وَأُكَلّمَهُ، وَأَعْرِضَ عَلَيْهِ أُمُوراً لَعَلّهُ يَقْبَلُ منا بَعْضَهَا فَنُعْطِيهِ وَيَكُفّ عَنّا، وَذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ حَمْزَةُ، وَرَأَوْا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَزِيدُونَ، وَيَكْثُرُونَ. فَقَالُوا: بَلَى يَا أَبَا الْوَلِيدِ فقُمْ إلَيْهِ فَكَلّمْهُ، فَقَامَ عُتْبَةُ حتَّى جَلَسَ

стр. 3581

إلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي، إنّك مِنّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ، مِنْ البسّطَةِ فِي الْعَشِيرَةِ وَالْمَكَانِ فِي النّسَبِ وَإِنّك قَدْ أَتَيْت قَوْمَك بِأَمْرِ عَظِيمٍ، فَرّقْت بِهِ جَمَاعَتَهُمْ وَسَفّهْت أَحْلَامَهُمْ، وَعِبْت آلِهَتَهُمْ، وَكَفّرْت مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ، فَاسْمَعْ مِنّي، أَعْرِضْ عَلَيْكَ أُمُوراً تَنْظُرُ فِيهَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (قُلْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ) فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي، إنْ كُنْت تُرِيدُ شَرَفاً سَوّدْنَاك عَلَيْنَا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ مَالاً بِمَا جِئْتَ بِهِ جَمَعْنَا لَك مِنْ أَمْوَالِنَا، وإن كَانَ الَّذِي بِكَ رَئِيَّاً، لا نَسْتَطِيعُ رَدَّه، طَلَبْنَا لَك الطّبّ وَلَعَلَّ هَذَا شِعْرٌ جَاشَ بَصَدْرِكَ، فإنكمُ لَعمْرِي، بَنِي المطَّلِب، تَقْدُرُوْنَ من ذلكَ مَا لاَ يَقْدِرٌ عليه غَيرُكُمْ، حتَّى إذَا فَرَغَ مَا عَنْدَه، مِن سَائِر الأمُوْرِ التي يَزْعُمُ أنَّها تَرُدهُ عَمَّا يّقُولُ،، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ يَسْتَمِعُ ((أَوَ قَدْ فَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ)) ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ ((فَاسْمَعْ مِنّي)) قَالَ فَافْعَلُ فَقَالَ ﷺ (بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ ﴿حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ كِتَابٌ فُصّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ثُمّ مَضَى يَقْرَأ، فَلَمّا سَمِعَهَا عُتْبَةُ أَنْصَتَ لَهَ، وَأَلْقَى يَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ، مُعْتَمِداً عَلَيْهِمَا يَسْمَعُ مِنْهُ، حتَّى انْتَهَى رَسُولُ الله ﷺ إلَى السّجْدَةِ فَسَجَدَ ثُمّ قَالَ ((قَدْ سَمِعْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ مَا سَمِعْتَ فَأَنْت وَذَاكَ)) فَقَامَ عُتْبَةُ إلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ نَحْلِفُ بِاَللهِ، لَقَدْ جَاءَكُمْ أَبُو الْوَلِيدِ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ. فَلَمّا جَلَسَ فِيْهِم، قَالُوا: مَا وَرَاءَك، يَا أَبَا الْوَلِيدِ، فَقَالَ وَرَائِي أَنّي سَمِعْتُ قَوْلاً، وَاَللهِ مَا سَمِعْت بمِثْلَهُ قَطّ، مَا هُوَ بِالشّعْرِ وَلَا بِالسّحْرِ وَلَا بِالْكِهَانَةِ! يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَطِيعُونِي، وَخَلّوا بَيْنَ هَذَا

стр. 3582

الرّجُلِ وَبَيْنَ مَا هُوَ فِيهِ، وَاعْتَزِلُوهُ، فَوَاَللهِ لَيَكُونَنّ لِقَوْلِهِ الَّذِي سَمِعْتُ نَبَأٌ، فَإِنْ تُصِبْهُ الْعَرَبُ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُ بِغَيْرِكُمْ، وَإِنْ يَظْهَرْ عَلَى الْعَرَبِ فَمُلْكُهُ مُلْكُكُمْ، وَعِزّهُ عِزّكُمْ، وَكُنْتُمْ أَسْعَدَ النّاسِ بِهِ، فقَالُوا: سَحَرَك وَاَللهِ يَا أَبَا الْوَلِيدِ بِلِسَانِهِ قفَالَ هَذَا رَأْيِي لكُم فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ. ٧١- ومنها ما روي عنه ﷺ من أن ابن ابنته فاطمة الحسين بن علي يقتل بالعراق فكان الأمر كما أخبر فقتل الحسين ﵁ في كربلاء سنة إحدى وستين وله أربع وخمسون سنة وستة أشهر ونصف الشهر. ٧٢- ومنها دُعَاؤُه ﷺ لأَنَسٌ بنِ مَالِكٍ واسْتِجَابَةُ الله لدٌعَائِه، فَعَن أَنَسٍ ﵁، قَالَ جَاءَتْ بِي أُمِّي أُمُّ أَنَسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ أَزَّرَتْنِي بِنِصْفِ خِمَارِهَا، وَرَدَّتْنِي بِنِصْفِهِ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا أُنَيسٌ ابْنِي أَتَيْتُكَ بِهِ يَخْدُمُكَ، فَادْعُ اللَّهَ لَهُ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ)) . قَالَ أَنَسٌ فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي كَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ أخرجه مسلم، وعن أبي خَلْدةَ خَالِدِ بن دِيْنَار، قَالَ قُلْتُ لأبي العالية، سَمِعَ أَنَسٌ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ خَدَمَةُ عَشْرَ سِنِيْنَ، وَدَعَا لَهُ، وكان لَهُ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ في السَّنَةِ الفَاكِهَةَ مَرَّتَيْن، وَكَانَ فِيْهِ رَيْحَانٌ، يَجِيء مِنْهُ رِيْحُ المسْكِ، أخرجه الترمذي. ٧٣- وَمِنْ ذَلِكَ إخْبَارُهُ ﷺ عن مَقْتَل القُرَاءِ فَعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ

стр. 3583

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالاً يُعَلِّمُونَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُمْ الْقُرَّاءُ فِيهِمْ خَالِي حَرَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَدَارَسُونَ بِاللَّيْلِ يَتَعَلَّمُونَ. وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالْمَاءِ، فَيَضَعُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَيَحْتَطِبُونَ فَيَبِيعُونَهُ وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لِأَهْلِ الصُّفَّةِ وَلِلْفُقَرَاءِ فَبَعَثَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ فَعَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْمَكَانَ فَقَالُوا اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا، أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا. قَالَ: وَأَتَى رَجُلٌ حَرَاماً خَالَ أَنَسٍ، مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حتَّى أَنْفَذَهُ، فَقَالَ حَرَامٌ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ ((إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا وَإِنَّهُمْ قَالُوا اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا. ٧٤- وَمِنْ ذَلِكَ ما رُويَ َالنَّبِيُّ ﷺ لما تلا ﴿والنجم إذا هوي﴾ أن عتبة بن أبي لهب، كفرت بالَّذِي دنى فتدلى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((اللَّهُمَّ سلط عليه كلباً من كلابك)) يعني الأسد فخرج عتبة مع أصحابه، في عير إلى الشام، حتَّى إذا كانوا في طريقهم، زأر الأسد، فجعلت فرائض عتبة ترتعد، فَقَالَ أصحابه من أي شيء ترتعد، فوالله ما نحن وأنت إلا سواء، فَقَالَ إن محمداً دعا علي، وما ترد له دعوه، ولا أصدق منه لهجة. فوضعوا العشاء، فلم يدخل يده فيه، وحاط القوم أنفسهم بمتاعهم، وجعلوا عتبة وسطهم، وناموا، فجاء الأسد يشَمّ رؤوسهم رجلاً رجلاً، حتَّى انتهى إلى عتبة، فهشمه هشمةً أوصلته إلى آخر رمق، فَقَالَ وهو بآخر رمق، ألم أقل لكم إن محمداً أصدق الناس لهجةً.

стр. 3584

٧٥- وَمِنْ ذَلِكَ قوله ﷺ لابن عباس، وهو يومئذ غلام: ((اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ)) فخرج أفقه الناس في الدين، وأعلمهم بالتاويل، حتَّى سمي البحر، لسعة علمه، ﵁. ٧٦- ومنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من أن عَائِشَةَ لَمَّا أَقْبَلَتْ بَلَغَتْ مِيَاهَ بَنِي عَامِرٍ لَيْلاً، نَبَحَتْ الْكِلَابُ، فقَالَتْ أَيُّ مَاءٍ هَذَا، قَالُوا مَاءُ الْحَوْأَبِ، قَالَتْ مَا أَظُنُّنِي إِلَّا أَنِّي رَاجِعَةٌ، قَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهَا بَلْ تَقْدَمِينَ، فَيَرَاكِ الْمُسْلِمُونَ فَيُصْلِحُ اللَّهُ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ ((كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ، تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ)) وفي حديث ابن عباس قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ (٠ ليت شعري، أيتكن صاحبة الجمل المدبب، تخرج فينبحها كلاب الحواب، يقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير، ثم تنجو بعدما كادت)) رواه البزار ورجاله ثقات كل ذلك يقع طبق ما أخبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه اللَّهُمَّ يا حي يا قيوم يا من لا تأخده سنة ولا نوم يا ذا الجلال والإكرام يا واحد أحد يا فرد صمد يا بديع السموات والأرض نسألك أن تنصر الإسلام والمسلمين وأن تعلى كلمة الحق والدين وأن تشمل بعنايتك وتوفيقك كل من نصر الدين وأن تملأ قلوبنا بمحبتك ومحبة رسلك وأوليائك وأن تلمهنا ذكرك وشكرك وحمدك. اللَّهُمَّ وفقنا لصالح الأعمال وآتنا في الدنيا حسنة وفي الأخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.

стр. 3585

(فَصْلٌ) ٧٧- ومنها إخباره ﷺ أُمَّ حَرَامٍ عن غَزْوِهَا في البَحْرِ وعُلوِ مَكَانَتِها فَفِي صحيح البخاري عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءٍ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. فَدَخَلَ يَوْماً فَأَطْعَمَتْهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ قَالَتْ فَقُلْتُ مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ، مُلُوكاً عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ قَالَ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ)) شَكَّ إِسْحَاقُ قُلْتُ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ! فَنَامَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، وهُوَ يَضْحَكُ، قُالَتْ مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) كَمَا قَالَ في الأوْلَى، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: ((أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ)) فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ زَمَانَ مُعَاوِيَةَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ، فَوَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ ﷺ . ٧٨- ومنها إخباره عن أول زوجاته لحوقاً بِهِ بَعْدَ وفَاتِه، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَ رَسُولُ الله أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقاً، قَالَ أَطْوَلُكُنَّ يَداً، فَأَخَذُوا قَصَبَةً

стр. 3586

يَذْرَ عَنَهَا فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَداً، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقاً بِهِ ﷺ ، أخرجه الشيخان. ٧٩- وَمِنْ ذَلِكَ إخباره ﷺ عَامِلَ كِسْرَى مَلِكِ الفُرْس على اليَمَنِ أن الله وعده أن تقتل كسرى في يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا ومن حديثه أن كسرى كتب إلى عامله على اليمن باذان: إنه بلغني أن رجلاً من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبى، فسر إليه فاستتبه، فإن تاب وإلا فابعث إلى برأسه. فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله ﷺ ، فكتب إليه رسول الله ﷺ ((إن الله قد وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا)) فلما أتى باذان كتاب رسول الله ﷺ توقف لينتظر، وَقَالَ: إن كان نبياً فسيكون ما قَالَ، فقتل كسرى في اليوم الذى قَالَ رسول الله ﷺ . قتل على يدى ابنه شيرويه. فلما بلغ ذلك باذان بعث بإسلامه، وإسلام من معه، ومن الفرس إلى رسول الله ﷺ ، فقالت الرسل من الفرس، إلى من نحن يَا رَسُولَ اللهِ ((أنتم منا وإلينا أهل البيت)) . ٨٠- وَمِنْ ذَلِكَ ما رواه الإمام أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: عَدَا الذِّئْبُ عَلَى شَاةٍ فَأَخَذَهَا فَطَلَبَهُ الرَّاعِي فَانْتَزَعَهَا مِنْهُ، فَأَقْعَى الذِّئْبُ عَلَى ذَنَبِهِ، فَقَالَ أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ تَنْزِعُ مِنِّي رِزْقاً سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَقَالَ يَا

стр. 3587

عَجَبِي ذِئْبٌ يُكَلِّمُنِي كَلَامَ الْإِنْسِ، فَقَالَ الذِّئْبُ أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ، مُحَمَّد ﷺ بِيَثْرِبَ، يُخْبِرُ النَّاسَ بِأَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ، قَالَ فَأَقْبَلَ الرَّاعِي يَسُوقُ غَنَمَهُ، حتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَزَوَاهَا إِلَى زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا. ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنُودِيَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ لِلرَّاعِي أَخْبِرْهُمْ، فَأَخْبَرَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((صَدَقَ وَالَّذِي نَفْسِي بَيّدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ حتَّى يُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ، وَشِرَاكُ نَعْلِهِ، وَيُخْبِرَهُ فَخِذُهُ، بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ. قَالَ ابن كثير وهذا إسناد على شرط مسلم، وقد صححه البيهقي، ولم يروه إلا الترمذي من قوله: والَّذِي نفسي بَيّدِهِ لا تقوم الساعة حتَّى يكلم السباع الأنس إلى آخره. ٨١- وَمِنْ ذَلِكَ توقيته ﷺ مواقيت الحج المكانية وذلك أنه عينها من قبل فتح بلدانها قَالَ الناظم: وَإِحْرَامُ حِجٍّ مِنْ مَوَاقِيتٍ خَمْسَةٍ لِطَيْبَةَ وَقْت ذَا الْحُلَيْفَةِ واقْصِدِ وَلِلشَّامِ والْمِصْرِ والْغَرْبِ جُحْفَةً وَلِلْيَمَنِ التَّالِي يَلْمَلَمُّ فَارْصِدِ وَخُذْ ذَاتَ عِرْقٍ لِلْعِرَاقِ وَوَفْدِهِ وَقَرْنًا لِوَفْدٍ طَائِفِيٍ وَمُنْجِدِ

стр. 3588

وَتَعْيِينُهَا مِنْ مُعْجِزَاتِ نَبِيِّنَا لِتَعْيِينِهِ مِنْ قَبْلِ فَتْحِ الْمُعَدَّدِ ٨٢- ومن ذَلِكَ إنْذَارُهُ ﷺ بِرِيْح شَدِيْدَةٍ في تَبُوكَ، وَطَلَبَ مِن أصْحَابِهِ أَنْ يَأُخُذُوْا حِذْرَهُم، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَأَتَيْنَا وَادِيَ الْقُرَى، عَلَى حَدِيقَةٍ لِامْرَأَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اخْرُصُوهَا، فَخَرَصْنَاهَا، وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، وَقَالَ: أَحْصِيهَا، حتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَانْطَلَقْنَا حتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((سَتَهُبُّ رِيحٌ شَدِيدَةٌ)) فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ، وَجَاءَ رَسُولُ صَاحِبِ أَيْلَةَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكِتَابٍ، وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَهْدَى لَهُ بُرْداً، ثُمَّ أَقْبَلْنَا، حتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ، عَنْ حَدِيقَتِهَا كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا فَقَالَتْ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، تماماً كَمَا أخْبَرَ: ٨٣ وَهَذِهِ أيْضَاً مُعْجزَة. ٨٥- وَمِنْ ذَلِكَ إخْباره ﷺ أنه سيأتي زمان ترتحل فيه الظعينة من الحيرة إلى الكعبة، لا تخاف إلا الله ووقع طبق ما أخبر. ففي صحيح البخاري عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ، فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ: ((يَا عَدِيُّ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟ قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ

стр. 3589

أُنْبِئْتُ عَنْهَا. قَالَ ((فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ، لَا تَخَافُ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ)) قُلْتُ: فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ – أَيْ قُطَّاعُ الطَّريْقِ - الَّذِينَ سَعَّرُوا الْبِلَادَ - - ((وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى)) قُلْتُ كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، قَالَ: ((كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ أَحَداً يقبلهُ مِنْهُ. وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ فَلَيَقُولَنَّ: لَهُ أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولاً فَيُبَلِّغَكَ، فَيَقُولُ بَلَى: فَيَقُولُ أَلَمْ أُعْطِكَ مَالاً، فَيَقُولُ بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ، فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ)) قَالَ عَدِيٌّ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقَّةِ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ شِقَّةَ تَمْرَةٍ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ)) . قَالَ عَدِيٌّ فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَكُنْتُ فِيمَنْ فْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ، لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ)) . ٨٥- وَمِنْ ذَلِكَ دعاؤه ﷺ للنابغة الجعدي، بقوله له ((لا يفضفض الله فاك)) فعمر، وكان أحسن الناس ثغراً، كلما سقطت له سن، نبتت له أخرى. ٨٦- وَمِنْ ذَلِكَ سقوط الأصنام، بإشارة من قضيب، كان في

стр. 3590

يده فإنه كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، أرجلها مثبتة بالرصاص، في الحجارة، تثبيتاً محكماً، فلما دخل عام الفتح إلى المسجد الحرام، جعل يشير بقضيب في يده إلى تلك الأصنام فوقعت لوجوهها، وظهورها، حسب إشارته ﷺ . ٨٧- وَمِنْ ذَلِكَ ما روي أن العباس بن عبد المطلب، بعث ابنه عبد الله، إلى رسول الله ﷺ في حاجة، فوجد عنده رجلاً، فرجع ولم يكلمه، من أجل مكان الرجل، فلقيَ العباسُ رسولَ الله ﷺ ، فأخبره بذلك، فَقَالَ ((روآه؟)) قَالَ نعم ((قَالَ أَتَدْرِي مَن ذاك الرجل؟)) ذَاكَ جِبْرِيِلُ، ولن يموت حتَّى يذهب بصره، ويؤتى علماً)) وقد مات ابن عباس، سنة ثمان وستين، بعد ما عمي بصره، ﵁ وصار بحراً زاخراً في العلم. ٨٨- وَمِنْ ذَلِكَ ما رواه للبيهقي عن خمارة عن أنيسة بنت زيد بن أرقم، عن أبيها: أن رسول الله ﷺ دخل على زيد يعوده من مرض كان به، قَالَ: «ليس عَلَيْكَ من مرضك بأس، ولكن كيف بِكَ إذا عمرت بعدي فعميت؟» قَالَ: إذاً أحتسب وأصبر، قَالَ: «إذاً تدخل الجنة بغير حساب» . قَالَ فعمي بعد ما مات رسول الله ﷺ ، ثم رد الله عليه بصره، ثم مات. ٨٩- ومن –ذلك إخباره ﷺ عن محنة عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ففي صحيح البخاري عَن أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

стр. 3591

قَالَ كَنَت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فاسْتَفْتِحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ((افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ)) فَفَتَحْتُ فَإِذَا هُوَ أَبُو بَكْرٍ، فبَشَّرْتُهُ بمَا قَالَ النَّبِيِّ ﷺ فَحَمِدَ الله. ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فاسْتَفْتِحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ((افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ)) فَفَتَحْتُ، فَإِذَا هُوَ عُمَرُ فَأَخْبَرَتُهُ بما قَالَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ اسْتَفْتَحَ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ لِيْ ((افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ)) فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ فَأَخْبَرَتُهُ بما قَالَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَحَمِدَ الله، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ٩٠- وَمِنْ ذَلِكَ ما ورد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ، فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ، أَوْ نَحْوُهُ، فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ ﷺ ((َبَيْعٌ أَمْ هِبَةٌ؟ قَالَ بَلْ بَيْعٌ، فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً، فَصُنِعَتْ، فأَمَرَ ﷺ بِسَوَادِ الْبَطْنِ أَنْ يُشْوَى، وَأيْمُ اللَّهِ، مَا في الثَّلَاثِينَ وَالمِائَةِ، رَجُلٌ إِلَّا قَدْ حَزَّ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا إِنْ كَانَ شَاهِداً أَعْطَاهُ إيَّاهُ،وَإِنْ كَانَ غَائِباً خَبَّأَ لَهُ، فجَعَلَ مِنْهُمَا قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلْوا أَجْمَعُونَ، وَشَبِعْنَا وفَضَلَت الْقَصْعَتَانِ فَحَمَلتا عَلَى الْبَعِيرِ رَوَاهُ الشَّيْخَان. ٩١- وَمِنْ ذَلِكَ ما ورد عَنْ سَمُرَةَ قَالَ كُنَّا مَعَ َالنَّبِيُّ ﷺ نَتَدَاوَلُ فِي قَصْعَةٍ، مِنْ غَدْوَةٍ حتَّى اللَّيْلِ، يَقُومُ عَشَرَةٌ، وَيَقْعُدُ عَشَرَةٌ فقُلْنَا فَمِمَّا كَانَتْ تُمَدُّ، قَالَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَعْجَبُ، مَا كَانَتْ تُمَدُّ إِلَّا مِنْ هَاهُنَا وَأَشَارَ بَيّدِهِ إِلَى السَّمَاءِ. رواه الترمذي

стр. 3592

=٩٢- وَمِنْ ذَلِكَ ما ورد عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ رَجُلًا يَسْتَطْعِمُهُ، فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ، فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ، وَضَيْفُهُمَا، حتَّى كَالَهُ، فَفَنِيَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ((لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ، وَلَقَامَ لَكُمْ)) . رواه مسلم ٩٣- وَمِنْ ذَلِكَ دعاؤه ﷺ على مضر، وأمساك القطر عنهم، فإنهم لما كذبوه، وآذوه، في نفسه، وأصحابه، دعا عليهم، فَقَالَ ((اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَر، وَابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسَنِيِّ يُوسُفَ)) ﷺ ، فأمْسك عنهم القطر، حتَّى جف النبات والشجر، وماتت الماشية، وحتَّى اشتتووا القِدَّ، وأكلوا العَلهَرَ، وتفرقوا في البلاد، لشدة الحال. فوفد حاجب بن زرارة، إلى كسرى فشكا إليه ما نالهم، وسأله أن يأذن له في الرعي، بالسواد ورهنه قوسه. والقصة مشهورة، يسوقها أهل التفسير، عند قول الله تعالى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ . اللَّهُمَّ أنا نعوذ بِكَ من جهد البلاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداد وسوء المنظر في الأهل والمال والولد اللَّهُمَّ حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا. اللَّهُمَّ ألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا الاستقامة طوع أمرك وتفضل علينا بعافيتك وجزيل عفوك وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. قَالَ ابن القيم ﵀: يَا قَاعِدًا سَارَتْ بِهِ أنْفَاسُهُ سَيْرَ الْبَرِيدِ وَلَيْسَ بِالذَّمَلاَنِ

стр. 3593

حَتَّى مَتَى هَذَا الرُّقَادُ وَقَدْ سَرَى وَفْدُ الْمَحَبَّةِ مَعْ أُولِي الإِحْسَانِ وَحَدَتْ بِهِمْ عَزَمَاتُهُمْ نَحْوَ الْعُلَى لاَ حَادِيَ الرُّكْبَانِ وَالأَضْعَانِ رَكِبُوا الْعَزَائِمَ وَاعْتَلَوا بِظُهُورِهَا وَسَرَوْا فَمَا حَنُّوا إلَى نُعْمَانِ سَارُوا رُوَيدًا ثُمَّ جاؤُوا أوَّلاً سَيْرَ الدَّلِيلِ يَؤُمُّ بِالرُّكْبَانِ سَارُوا بإثبَاتِ الصِّفَاتِ إلَيْهِ لاَ التَّـ عْطِيلِ وَالتَّحْرِيفِ وَالنُّكرَانِ عَرَفُوهُ بِالأَوْصَافِ فَامتَلأتْ قُلُو بُهُمُ لَهُ بِالْحُبِّ وَالإِيمَانِ فَتَطَايَرَت تِلْكَ الْقُلُوبُ إلَيهِ بِال أَشْوَاقِ إذْ مُلِئَتْ مِنَ العِرفَانِ وَأشَدُّهُمْ حُبًّا لَهُ أدرَاهُمُوا بِصِفَاتِهِ وَحَقَائِقِ القُرْآنِ فَالْحُبُّ يَتْبَعُ لِلشُّعُورِ بِحَسْبِهِ يَقْوَى وَيَضْعُفُ ذَاكَ ذُو تِبْيَانِ وَلِذَاكَ كَانَ الْعَارِفُونَ صِفَاتِهِ أحْبَابَهُ هُمْ أَهْلُ هَذَا الشَّانِ وَلِذَاكَ كَانَ الْعَالِمُونَ بِرَبِّهِمْ

стр. 3594

.. أحْبَابَهُ وَبِشِرْعَةِ الإِيمَانِ وَلِذَاكَ كَانَ الْمُنْكِرُونَ لَهَا هُمُ ال أَعْدَاءُ حَقًّا هُمْ أُولُو الشَّنَآنِ وَلِذَاكَ كَانَ الْجَاهِلُونَ بِذَا وَذَا بُغَضَاؤهُ حَقًّا ذَوِي شَنَآنِ وَحَيَاةُ قَلْبِ الْمَرْءِ فِي شَيْئَيْنِ مَنْ يُرْزَقْهُمَا يَحْيَى مَدَى الأزْمَانِ فِي هَذِهِ الدُّنيَا وَفِي الأخْرَى يَكُو نُ الْحَيَّ ذَا الرِّضْوَانِ وَالإِحْسَانِ ذِكْرُ الإِلَهِِ وَحُبِّهِ مِنْ غَيْرِ إِشْ رَاكٍ بِهِ وَهُمَا فَمُمْتَنِعَانِ مِنْ صَاحِبِ التَّعْطِيلِ حَقًّا كَامْتِنَا عِ الطَّائِرِ الْمَقْصُوصِ مِن طَيَْرَانِ أَيُحِبُّهُ مَنْ كَانَ يُنْكِرُ وَصْفَهُ وَعُلُوَّهُ وَكَلاَمَهُ بِقُرْآنِ لاَ وَالَّذِي حَقًّا عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى مُتَكَلِّمًا بِالْوَحْيِ وَالْفُرْقَانِ اللهُ أَكْبَرُ ذَاكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْ تِيهِ لِمَنْ يَرْضَى بِلاَ حُسْبَانِ وَتَرَى الْمُخَلَّفَ فِي الدِّيَارِ تَقُولُ ذَا إِحْدَى الأَثَافِي خُصَّ بِالْحِرْمَانِ

стр. 3595

.. اللهُ أَكْبَرُ ذَاكَ عَدْلُ اللهِ يَقْـ ضِيهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْ إِنْسَانِ وَلَهُ عَلَى هَذَا وَهَذَا الْحَمْدُ فِي الْ أُولَى وَفِي الأخْرَى هُمَا حَمْدَانِ حَمْدٌ لِذَاتِ الرَّبِّ ﷻ وَكَذَاكَ حَمْدُ الْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَيرَوْنَ خُسْرَانًا مُبِينًا بَيْعَهَا فِي إِثْرِ كُلِّ قَبِيحَةٍ وَمُهَانِ وَيَرَوْنَ مَيْدَانَ التَّسَابُقِ بَارِزًا فَيُتَارِكُونَ تَقَحُّمَ الْمَيْدَانِ وَيَرَونَ أَنْفَاسَ الْعِبَادِ عَلَيْهِمُ قَدْ أُحْصِيَتْ بِالْعَدِّ وَالْحُسْبَانِ وَيَرَوْنَ أنَّ أمَامَهُمْ يَوْمَ اللِّقَا للهِ مَسْأَلَتَانِ شَامِلَتَانِ مَاذَا عَبَدْتُمْ ثُمَّ مَاذَا قَدْ أَجَبْـ ـتُمْ مَنْ أَتَى بِالْحَقِّ وَالْبُرْهَانِ هَاتُوا جَوَابًا لِلسُّؤَالِ وَهَيِّئُوا أَيْضًا صَوَابًا لِلْجَوَابِ يُدَانِ

стр. 3596

وَتَيَقَّنُوا أَنْ لَيْسَ يُنْجِيكُمْ سِوَى تَجْرِيدِكُمْ بِحَقَائِقِ الإِيمَانِ تَجْرِيدُكُمْ تَوْحِيدَهُ سُبْحَانَهُ عَنْ شِرْكَةِ الشَّيْطَانِ وَالأَوْثَانِ وَكَذَاكَ تَجْرِيدُ إتِّبَاعِ رَسُولِهِ عَنْ هَذِهِ الآرَاءِ وَالْهَذَيَانِ وَاللهِ مَا يُنْجِي الْفَتَى مِنْ رَبِّهِ شَيْءٌ سِوَى هَذَا بِلاَ رَوَغَانِ يَا رَبِّ جَرِّدْ عَبْدَكَ الْمِسْكِينَ رَا جِي الْفَضْلِ مِنْكَ أَضْعَفَ الْعُبْدَانِ لَمْ تَنْسَهُ وَذَكَرْتَهُ فَاجْعَلهُ لاَ يَنْسَاكَ أَنْتَ بَدَأْتَ بِالإِحْسَانِ وَبِهِ خَتَمْتَ فَكُنْتَ أَوْلَى بِالْجَمِيـ لِ وَبِالثَّنَاءِ مِنَ الْجَهُولِ الْجَانِي فَالْعَبْدُ لَيْسَ يَضِيعُ بَيْنَ خَوَاتِمٍ وَفَوَاتِحٍ مِنْ فَضْلِ ذِي الْعِرْفَانِ أَنْتَ الْعَلِيمُ بِهِ وَقَدْ أَنْشَأتَهُ مِنْ تُرْبَةٍ هِيَ أَضْعَفُ الأَرْكَانِ وَالضَّعْفُ مُسْتَوْلٍ عَلَيْنَا مِنْ جَمِيـ عِ جِهَاتِنَا سِيمَا مِنَ الإِيمَانِ

стр. 3597

يَا رَبُّ مَعْذِرَةٌ إِلَيْكَ فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُ الْعِبَادِ رُكُوبَ ذَا الْعِصْيَانِ لَكِنْ نُفُوسٌ سَوَّلَتْهَا وَغَرَّهَا هَذَا الْعَدُوُّ لَهَا غُرُورَ أَمَانِ فَتَيَقَّنَتْ يَا رَبُّ أَنَّكَ وَاسِعُ الـ ـغُفْرَانِ ذُو فَضْلٍ وَذُو إِحْسَانِ وَسَعَت إلَى الأبَوَايْنِ رَحْمَتُكَ الَّتِي وَسِعَتْهُمَا فَعَلاَ بِكَ الأبَوَانِ هَذَا وَنَحْنُ بَنُوهُمَا وَحُلُومُنَا فِي جَنْبِ حِلْمِهَا لَدَى الْمِيزَانِ جُزْءٌ يَسِيرٌ وَالْعَدُوُّ فَوَاحِدٌ لَهُمَا وَأَعْدَانَا بِلاَ حُسْبَانِ وَمَقَالُنَا مَا قَالهُ الأَبَوَانِ قَبْـ لَ مَقَالَةِ الْعَبْدِ الظَّلُومِ الْجَانِ نَحْنُ الأُولَى ظَلَمُوا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ الـ ـذَّنْبَ الْعَظِيمَ فَنَحْنُ ذُو خُسْرَانِ يَا رَبُّ فَانْصُرْنَا عَلَى الشَّيْطَانِ لِيـ سَ لَنَا بِهِ لَوْلاَ حِمَاكَ يَدَانِ اللَّهُمَّ ثبت وقوي إيماننا بِكَ وبملائكتك وبكتبِكَ وبرسلك وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره اللَّهُمَّ عاملنا بعفوك وغفرانك وتمنن علينا بفضلك وإحسانك ونجنا من النار وعافنا من دار الخزي والبوار وأدخلنا بفضلك

стр. 3598

وكرمك وجودك الجنة دار القرار واجعلنا مع عبادك الَّذِينَ أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في دار رضوانك وصلى الله على سيدنا محمد اللَّهُمَّ ثبت محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا صيانة أوقاتنا وحفظها عن المعاصي ووفقنا لشغلها بالباقيات الصالحات وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فَصْلٌ) ٩٤- ومن إخباره ﷺ عن محنة المسلمين وتداعي الأمم عليهم ففي سنن أبي داود،ِ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا)) فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ: ((بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ)) فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ ((حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ)) وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده. ٩٥- وَمِنْ ذَلِكَ إخباره ﷺ باتساع ملك المسلمين وفوزهم بكنوز كسرى وقيصر واضطراب أمر المسلمين في النهاية. ففي صحيح مسلم عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ لي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ الله قَالَ لِيْ: يَا مُحَمَّد إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي

стр. 3599

أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا، أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا، حتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضاً، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً. ٩٦-وَمِنْ ذَلِكَ ما في صحيح البخاري عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيّاً فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَعَادَ نَصْرَانِيّاً، فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَدْرِي مُحَمَّد إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ فَدَفَنُوهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، فَقَالُوا هَذَا فِعْلُ مُحَمَّد وَأَصْحَابِهِ، لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا، فَأَلْقَوْهُ، فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا، فَأَصْبَحَ قَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ. ٩٧- وَمِنْ ذَلِكَ ما روي عَنْ عَلِيٍّ بنِ أبِي طَالِب ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ تَبْعَثَنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ وَلَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ قَالَ: انْطَلِقْ فإن اللَّهَ تَعَالَى سَيَهْدِي قَلْبِكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ)) قَالَ عَلِيٍّ ﵁ فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَيْن اثنين ولذلك قَالَ ﷺ ((أَقْضَاكُمْ عَلي)) . ٩٨- وَمِنْ ذَلِكَ ما ورد عن قيس بن أبي حازم عن أبي شهم وكان رجلاً بطالاً فمرت به جارية فأهوى بيدِهِ إلى خاصرتها قَالَ فأتيت النبي ﷺ من الغد وهو يبايع الناس فقبض يده وَقَالَ ﷺ : ((أصاحب الجبدة أمس؟)) قَالَ فقلت لا أعود يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ ﷺ ((فنعم إذاً)) الحديث أخرجه النسائي. ٩٩- وَمِنْ ذَلِكَ ما رواه ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما، قَالَ كُنْتُ جالساً مَعَ

стр. 3600

النبي ﷺ في مسجد فأتاه رجل من الأنصار، ورجل من ثقيف، فسلما، ثم قالا، يَا رَسُولَ اللهِ جئنا نسألك، فَقَالَ «إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه فعلت، وإن شئتما أن أمسك وتسألاني فعلت» فَقَالَ أخبرنا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ الثقفي للأنصار، سل، فَقَالَ أخبرني يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ «جئت تسألني عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام، وما لك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف، وما لك فيها، وعن طوافك بين الصفا والمروة، وما لك فيه، وعن وقوفك عشية عرفة، وما لك فيه، وعن رميك الجمار، ومالك فيه، وعن نحرك، وما لك فيه، مع الإفاضة)) فَقَالَ: والَّذِي بعثك بالحق لعن هذا جئت أسالك. قَالَ ((فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام، لا تضع ناقتك خفاً، ولا ترفعه، إلا كتب الله به حسنة، ومحا عنك خطيئة، وأما ركعتاك بعد الطواف، كعتق رقبة من بني إسماعيل ﵇، وأما طوافك بالصفا والمروة، كعتق سبعين رقبة، وأما وقوفك عشية عرفة، فإن الله يهبط إلى السماء الدنيا، فيباهي بكم الملائكة يقول عبادي جاؤني شعثاً، من كل فج عميق، يرجون جنتي، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر، لغفرتها، أفيضوا عبادي، مغفوراً لكم وعمَّن شفعتم له. وأما رميك الجمار، فلك بكل حصاة رميتها، تكفير كبيرة من الموبقات، وأما نحرك فمدخور لك عند ربِكَ، وأما حلاقك رأسك، فلك

стр. 3601

بكل شعره حلقتها حسنة، ويمحى عنك بها خطيئة، وأما طوافك بالبيت بعد ذلك، فإنك تطوف ولا ذنب لك، يأتي ملك يضع يده بين كتفيك فيقول اعمل فيما تستقبل فقد غفر لك ما مضى)) رواه الطبراني في الكبير والبزار واللفظ له ورواه ابن حبان في صحيحه. ١٠٠- ومنها إخباره ﷺ في مقتل علي بن أبي طالب، وأن قاتله يخضب لحية علي من دم رأسه، فعن فضالة بن أبي فضالة الأنصاري – وكان ابن فضالة من أهل بدر – قَالَ: خرجت مع أبي عائداً لعلي بن أبي طالب، من مرض أصابه ثقل منه، قَالَ فَقَالَ له أبي ما يقيمك بمنزلك هذا لو أصاب أجلك إلا أعراب جهينة، تحمل إلى المدينة فإن أصابَكَ أجلك وليك أصحابُكَ، وصلوا عَلَيْكَ. فَقَالَ عليٌّ إن رسول الله ﷺ عهد إلىَّ أن لا أموت حتَّى أؤمَّرَ، ثم تخضب هذه، - يعني لحيته من دم هذه – يعني هامته، وعن عثمان بن صهيب عن أبيه، قَالَ قال علي قَالَ لي رَسُولُ اللهِ ﷺ ((من أشقي الأولين؟)) قلت: لا علم لي يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ ((الَّذِي يضربِكَ على هذه – وأشار علي إلى يافوخه بيدِهِ – فيخصب هذه من هذه)) يعني ليحته من دم رأسه، قَالَ: فكان يقول وددت أنه قد انبعث أشقاكم. وقتل ﵁ ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة ٤٠ هـ عندما خرج يوقظ الناس لصلاة الفجر، فضربه ابن ملجم بالسيف على قرنه، فسال دمه على لحيته، ﵁ وأرضاه فوقع طبق ما أخبره به النبي ﷺ .

стр. 3602

١٠١- وَمِنْهَا إجَابَةُ دُعَائِه ﷺ لأبِي هُريرةَ في تَحْبِيبهِ إلى الناس وأمِهِ، فَقَدْ وَرَدَ عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنه قَالَ وَاللَّهِ مَا خَلَقَ اللَّهُ مُؤْمِناً يَسْمَعُ بِي أوَ يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي قَالَ إِنَّ أُمِّي كَانَتْ امْرَأَةً مُشْرِكَةً، وَإِنِّي كُنْتُ أَدْعُوهَا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَتْ تَأْبَى عَلَيَّ فَدَعَوْتُهَا يَوْماً، فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَكْرَهُ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ، فَكَانَتْ تَأْبَى عَلَيَّ وَإِنِّي دَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ)) فَخَرَجْتُ أَعْدُو أُبَشِّرُهَا بِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَلَمَّا أَتَيْتُ الْبَابَ إِذَا هُوَ مُجَافٍ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةً (خَشْخَشَةَّ) وَسَمِعْتُ خَشْفَ رِجْلٍ - يَعْنِي وَقْعَهَا، فَقَالَتْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كَمَا أَنْتَ، ثُمَّ فَتَحَتْ الْبَابَ وَقَدْ لَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا أَنْ تَلْبَسَهُ، وَقَالَتْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ كَمَا بَكَيْتُ مِنْ الْحُزْنِ. فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَبْشِرْ، فَقَدْ اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَكَ، وَقَدْ هَدَى الله أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ ((اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَحَبِّبْهُمْ

стр. 3603

إِلَيْهِمَا)) قَالَ أبُو هرَيْرة، فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مُؤْمِناً يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي أَوْ يَرَى أُمِّي إِلا وَهُوَ يُحِبُّنِي. ١٠٢- وَمنهَا قِصَّةٌ أخرى، مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ وهِي مَا وَرَدَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثاً كَثِيراً فَأَنْسَاهُ فَقَالَ ((ابْسُطْ رِدَاءَكَ)) فَبَسَطْتُهُ، ثُمَّ قَالَ ضُمَّهُ فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ حَدَّثَنَا بَعْدَهُ، رواه البخاري. وَقَالَ الإمام أحمد حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ إِنِّني كُنْتُ امْرَأً مِسْكِيناً، أصْحَبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ في الْأَسْوَاقِ، وَكَانَتْ الْأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمْ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَحَضَرْتُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ يَوْماً مَجْلِساً، فَقَالَ ((مَنْ يَبْسُطْ رِدَاءَهُ حتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي ثُمَّ يَقْبِضْهُ إِلَيْهِ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئاً سَمِعَهُ مِنِّي)) فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَيَّ حتَّى قَضَى مَقَالَتَهُ، ثُمَّ قَبَضْتُهَا إِلَيَّ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بيدِهِ، مَا نَسِيتُ شَيْئاً سَمِعْتُهُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِك. اللَّهُمَّ ثبت محبتك في قلوبنا وقوها ونور قلوبنا بنور الإيمان واجعلنا هداةً مهتدين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين واغفر لنا ولوالدينا اللَّهُمَّ وفقنا لما وفقت إليه القوم وأيقظنا من سنة الغفلة والنوم وارزقنا الاستعداد لذلك اليوم الَّذِي يربح فيه المتقون اللَّهُمَّ وعاملنا بإحسانك وجُدْ علينا بفضلك وامتنانك واجعلنا من عبادك الَّذِينَ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، اللَّهُمَّ ارحم ذلنا بين يديك واجعل رغبتنا فيما لديك، ولا تحرمنا بذنوبنا، ولا تطردنا بعيوبنا، وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ

стр. 3604

مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحّمَّد وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ. (فَصْلٌ) ١٠٣- وَمِنْهَا إِخْبَارُهُ ﷺ أنَّ اِلْحَسَنَ بْنِ عَلِيٍّ وهُوَ ابنُ فاطِمَةَ يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ، فَتّمَ ذَلِك بِمُصَالَحَةِ الحَسَن لِمُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَذَلِكَ بَعْدَ وَفَاةِ رسولِ الله ﷺ بِثَلاثِينَ سَنَةٍ. ١٠٤- وَمِنْهَا إِخْبَارُهُ ﷺ بَأَنَّ عَمَّارَ بنَ يَاسِرٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَهُمْ يَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ، وَيَكُونُ آخِرُ زَادِهِ ضِيَاحًا مِنْ لَبَنٍ، فَقَتَلَهُ أَصْحَابُ مُعَاوِيَةَ بِصِفِّين، وَهُوَ مَعَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ آخِرَ زَادِهِ مِنْ الدُّنْيَا ضِيَاحًا مِنْ لَبَنْ (وَالضِّيَاحُ) اللَّبَنُ الْخَاثِرُ يُصِبُّ فِيهِ الْمَاءَ ثُمَّ يُخْبَط. ١٠٥- وَمِنْهَا إِخْبَارُهُ ﷺ أَصْحَابَه، وَهُمْ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ بِأَنَّ اللهَ يَفْتَحُ عَلَيْهِ الْيَمَنَ وَالشَّامَ وَالْمَغْرِبَ وَالْمَشْرِقَ، فَفِي السَّيْرِ وَالتَّفَاسِير عَنْ سَلمَانَ الْفَارِسي قَالَ: ضَرَبْتُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْخَنْدَقِ، فَغَلُظَتْ عَلَيَّ صَخْرَةٌ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَرِيبٌ مِنِّي. فَلَمَّا رَآنِي أَضْرِبُ، وَرَأَى شِدَّةَ الْمَكَانِ عَلَيَّ، نَزَلَ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ مِنْ يَدِي، فَضَرَبَ ضَرْبَةً لَمَعَتْ تَحْتَ الْمَعْوَلِ بَرْقَة، قَالَ ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَلَمَعَتْ تَحْتَهُ بَرْقَةً أُخْرَى، قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَلَمَعَتْ تَحْتَهُ بَرْقَةٌ أُخْرَى، قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذَا الذِى رَأَيْتُ لَمَعَ تَحْتَ الْمَعْوَلِ وَأَنْتَ تَضْرِبُ قَالَ: ((أَوَقَدْ رَأَيْتَ ذَلِكَ يَا سَلْمَانُ)) ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَم.

стр. 3605

قَالَ: " أَمَّا الأُولَى فَإِنَّ اللهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الْيَمَن، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّ الله فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الشَّامَ وَالْمَغْرِبَ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنَّ اللهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الْمَشْرِقَ "". فَكَانَ الأَمْرُ كَمَا أَخْبَرَ عَلَى التَّفْصِيلِ فَإِنَّ أَوَّلَ مَا فُتِحَ مِنْ الْبُلْدَانِ الْمَذْكُورَةِ الْيَمَنُ، فُتِحَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَفُتِحَتْ بَعْدَهَا الشَّامُ وَالْمَغْرِبُ، وَفَتِحَ بَعْدَ الشَّامِ الْمَشْرِقُ، فِي مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . ١٠٦- وَمِنْهَا قِصَّةُ جَمَلِ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ، فَعَنْهُ ﵁ أَنَّهُ كَانَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَه قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَدَعَا لِي وَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلََهُ، فَقَالَ: ((بِعْنِيهِ بِأَوْقِيَّةٍ)) . قُلْتُ: لا. ثُمَّ قَالَ: ((بِعْنِيهِ)) . فَبِعْتُهُ بِأَوْقِيَّةٍ وَاشْتَرَطْتُ حُمْلانَهُ إِلى أَهْلِي، فَلَمَّا بَلَغَتُ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي، فَقَالَ: ((أَتَرَانِي مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ، خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ)) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ١٠٧- وَمِنْ ذَلِكَ إِخْبَارُهُ ﷺ أَصْحَابَهُ عَمَّا وَقَعَ لِخُبَيْبِ بنِ عَدِي فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ النبي ﷺ عَشَرَةً عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ، جَدَّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، حتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَةِ، بَيْنَ عَسْفَانَ وَمَكَّةَ، ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ. فَنَفَرُوا لَهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمْ التَّمْرَ فِي مَنْزِلٍ نَزَلُوهُ فَقَالُوا: تَمْرُ يَثْرِبَ فَاتَّبَعُوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ، لَجَئُوا إِلَى مَوْضِعٍ، فَأَحَاطَ بِهِمْ

стр. 3606

الْقَوْمُ، فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا فَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ وَلَكُمْ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَنْ لا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ: أَيُّهَا الْقَوْمُ أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عَاصِمًا، وَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ، وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ، وَرَجُلٌ آخَرُ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ، أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ، فَرَبَطُوهُمْ بِهَا، قَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، وَاللهِ لا أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ لِي بِهَؤُلاءِ أُسْوَةً، يُرِيدُ الْقَتْلَى، فَجَرَّرُوهُ، وَعَالَجُوهُ، فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ. فَانْطُلِقوا بخُبَيْبٍ وَزَيْدِ بْنِ الدَّثِنَةِ، حتَّى بَاعُوهُمَا بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَابْتَاعَ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ خُبَيْبًا، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا، حتَّى أَجْمَعُوا قَتْلَهُ، فَاسْتَعَارَ مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الْحَارِثِ مُوسًى، يَسْتَحِدُّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ، فدرجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ حتَّى أَتَاهُ، فوجَدَتْهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بَيّدِهِ. قالت: فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ فَقَالَ: أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَلِكَ، قَالَتْ: وَاللهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّهُ لَرِزْقٌ رَزَقَهُ اللهُ خُبَيْبًا. فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ: لَوْلا أَنْ تَحْسِبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا وَلَا تُبْقِ

стр. 3607

مِنْهُمْ أَحَدًا ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ للهِ مَصْرَعِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ آخر: ... (ولا غُروَ بِالأَشْرَافِ إِنْ ظَفِرَتْ بِهِمْ كِلابُ الأَعَادِي مِنْ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِ) (فَحَرْبَةُ وَحْشِي سَقَتْ حَمْزَةَ الرَّدَى وَمَوْتَ عَلِيٍّ مِنْ حُسَامِ ابنِ مُلْجِمِ) ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ أَبُو سِرْوَعَةَ، عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا الصَّلاةَ، وَأَخْبَرَ َالنَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ، حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ، أَنْ يُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ، يُعْرَفُ، وَكَانَ قَتَلَ رَجُلاً عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ لِعَاصِمٍ مِثَالَ الظُّلَّةِ مِنْ الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَالشَّاهِدُ فِي إِخْبَارِ الرَّسُولِ ﷺ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا. ١٠٨- وَمِنْ ذَلِكَ إِخْبَارُهُ ﷺ بَأَنَّ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يديه خَيْبَرَ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَهْلٌ بْنَ سَعْدٍ ﵁ أنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: ((لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ يُفْتَحُ الله عَلَى يَدَيْهِ)) . فَبَاتَ النَّاسُ يَدوِكُونَ لَيْلَتَهُمْ، أَيُّهُمْ يُعْطَى فَقَالَ: ((أَيْنَ عَلِيٌّ بنُ أَبِي طَالِبٍ)) ؟ فَقِيلَ: هُوَ يَشْتَكِي

стр. 3608

عَيْنَيْهِ فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الراية فَقَالَ: ((انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ تَعَالى فِيهِ فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرُ النَّعَمِ)) . فَفَتَحَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ فَكَانَ كَمَا قَالَ. ١٠٩- وَمِنْ ذَلِكَ نَعْيُهُ ﷺ زَيْدًا، وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِي عَنْ أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِي خَبَرُهُمْ فَقَالَ: ((أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَها جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَها ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، حتَّى أَخَذَ الراية سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ)) . يَعْنِي خَالِدَ بنَ الْوَلِيدِ، حتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ. شِعْرًا: ... تَشَاغَلَ قَوْمُ بِدُنْيَا هُمُوا ... وَقَوْمُ تَخَلَّوْا لِمَوْلاهُمُوا فَالْزَمَهُمْ بَابَ مَرْضَاتِهِ ... وَعَنْ سَائِرِ الْخَلْقِ أَغْنَاهُمُوا إِذَا ذُكِّرُوا بِالَّذِي أَسْلَفُوا ... أَذَابَ الْقُلُوبَ وَأَبْكَاهُمُوا فَمَا يَعْرفُون سوى حُبِّهِ ... فَوَالَوْا الإِلهَ وَوَالاهُمُوا يَصُفُّونَ بِاللَّيْلِ أَقْدَمَهُمْ ... وَعَيْنُ الْمُهَيْمِنِ تَرْعَاهُمُوا فَطُوبَى لَهُمْ ثُمَّ طُوبَى لَهُمْ ... إِذَا بِالتَّحِيَّةِ حَيَاهُمُوا اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِقَوْلِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ وَخَلِّصْنَا مِنْ وَسَاوِسِ قُلُوبَنَا الْحَامِلَةِ عَلَى التَّورُّطِ فِي هُوَّةِ الْبَاطِلِ وَإِبْتِدَاعِهِ وَاجْعَلْ إِيمَانَنَا إِيمَانًا خَالِصًا صَادِقًا قَوِيًّا وَكُنْ لَنَا مُؤَيَّدًا وَلا تَجْعَلْ لِفَاجِرٍ عَلَيْنَا يَدًا وَاجْعَلْ عَيْشَنَا عَيْشًا رَغَدًا. وَلا تُشْمِتْ بِنَا عَدُوًّا وَلا حَاسِدًا وَارْزُقْنَا فِي مَحَبَّتِكَ عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وَعَمَلاً مُتَقَبِّلاً وَحِفْظًا كَامِلاً وَفَهْمًا ذَكِيًّا

стр. 3609

وَطَبْعًا صَفِيًا وَأَدَبًا مَرْضِيًا وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحّمَّد وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فَصْلٌ) ١١٠- وَمِنْهَا مَا وَرَدَ عَنْ رِفَاعَةَ بنِ رَافعٍ، قَالَ: رُمِيتُ بِسَهْمٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَفُقِئَتْ عَيْنِي، فَبَصَقَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَدَعَا لِي، فَمَا آذَانِي مِنْهَا شَيْءٌ بَعْدُ. ١١١- وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ اسْتَسْقَى مَرَّةً، فَقَامَ أَبُو لُبَابَةُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ التَّمْرَ فِي الْمَرَابِدِ. فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ اسْقِنَا حتَّى يَقُومَ أَبُو لُبَابَةَ عِرْيَانًا فَيَشُدُّ مِرْبَدَهُ بِإِزَارِهِ)) . فَأَمْطَرَتْ فاجْتَمَعُوا: إِلى أَبِي لُبَابَةَ فَقَالُوا: إِنَّهَا لَنْ تُقْلِعَ حتَّى تَقُومَ عُرْيَانًا فَتَشُدَّ ثَعْلَبَ مِرْبَدِكَ بِإِزَارِكَ فَفَعَلَ فَأَقْلَعتِ السَّمَاءُ. ١١٢- وَمِنْهَا قِتَالُ الْمَلائِكَةِ مَعَهُ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُول الله ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَمَعَهُ رَجُلانِ يُقَاتِلانِ عَنْهُ، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، كَأَشَّدِّ الْقِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلا بَعْدُ. ١١٣- وَمِنْهَا مَا وَرَدَ عَنْ نَافِعِ بنِ جَبِير قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يَقُولُ: شَهِدْتُ أُحُدًا، فَنَظَرْتُ إِلى النَّبْلِ يَأْتِي مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وسطها كل ذلك يصرف عنه. ١١٤- وَمِنْهَا دُعَاؤُه ﷺ لأَبِي طَلْحَةَ وَأُمّ سَلَمَة وَاسْتِجَابَةُ اللهِ لِدَعْوَتِهِ، فَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ لأَبِي طلحة

стр. 3610

ابنٌ يَشْتَكِي فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةُ فَقُبِضَ الصَّبِيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: مَا فَعَلَ الصَّبِيُّ؟ قَالَتْ: أُمُّ سُلَيْمٍ وَهِيَ أُمُّ الصَّبِي: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ فَقَرَّبَتْ لَهُ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ: وَارُوا الصَّبِيَّ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ((أَعْرَسْتُمْ اللَّيْلَةَ)) ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا)) . فَوَلَدَتْ غُلامًا، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حتَّى تَأْتِي بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، وَبَعَثَ مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ، فَقَالَ: ((أَمَعَهُ شَيْءٌ)) ؟ قَالَ: نَعَمْ تَمَرَاتٌ. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَمَضَغَهَا ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ الصَّبِي، ثُمَّ حَنَّكَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدُ اللهِ. وَفِي رواية لِلبخاري قَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ تِسْعَةَ أَوْلادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قرؤوا الْقُرْآنَ يَعْنِي مِنْ أَوْلادِ عَبْدِ اللهِ الْمَوْلُودِ. ١١٥- وَمِنْ ذَلِكَ الْكُدْيَةُ وَهِيَ الصَّخْرَةُ الصَّلْبَةُ الَّتِي لا تَعْمَلُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ فَشَكَوْهَا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَدَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَتَفَلَ فِيهِ ثُمَّ دَعَا بِمَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُو بِهِ ثُمَّ نَضَحَ الْمَاءَ عَلَى تِلْكَ الْكُدْيَةِ فَيَقُولُ مَنْ حَضَرَهَا: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ نَبِيًّا لانْهَالَتْ حتَّى عَادَتْ كَالْكَثِيبِ، لا تَرَدُّ فَأْسًا، وَلا مِسْحَاةً. ١١٦- وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ جَابِرٍ بنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ هَاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ فَزَعَمَ أَنَّه ﷺ قَالَ: ((بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ)) . فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ إِذَا عَظِيمٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ.
следующие страницы →