← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وَيَحْمِلُ وِزْرًا عَنْكَ ظَنَّ بِحَمْلِهِ عَنْ النُّجْبِ مِنْ أَبْنَائِهِ وَبَنَاتِهِ فَكَافِيهِ بِالْحُسْنَى وَقُلْ رَبِّ جَازِهِ بِخَيْرٍ وَكَفِّرْ عَنْهُ مِنْ سَيَّئَاتِهِ فَيَا أَيُّهَا الْمُغْتَابُ زِدْنِي فَإِنْ بَقِي ثَوَابُ صَلاةٍ أَوْ زَكَاةٍ فَهَاتِهِ فَغَيْرُ شَقِيٍّ مِنْ يَبِيتُ عَدُوُّهُ يُعَامِلُ عَنْهُ اللهَ فِي غَفَلاتِهِ فَلا تَعْجَبُوا مِنْ جَاهِلٍ ضَرَّ نَفْسَهُ بإمْعَانِهِ فِي نَفْعِ بَعْضِ عُدَاتِهِ وَأَعْجَبُ مِنْهُ عاَقِلٌ بَاتَ سَاخِطًا عَلَى رَجُلٍ يُهْدِي لَهُ حَسَنَاتِهِ وَيَحْمِلُ مِنْ أَوْزَارِهِ وَذُنُوبِهِ وَيَهْلَكُ فِي تَخْلِيصِهِ وَنَجَاتِهِ فَمَنْ يَحْتَمِلْ يَسْتَوْجِبِ الأجْرَ وَالثَّنَا وَيُحْمَدُ في الدُّنْيَا وَبَعْدَ وَفَاتِهِ وَمَنْ يَنْتَصِفْ يَنْفَخْ ضِرًا مَا قَدْ انْطَفَى وَيَجْمَعُ أَسْبَابَ الْمَسَاوِي لِذَاتِهِ فَلا صَالِحٌ يُجْزَى بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلا حَسَنٌ يُثْنَى بِهِ فِي حَيَاتِهِ يَظَلَّ أَخُو الإِنْسَانِ يَأْكُلُ لَحْمَهُ كَمَا فِي كِتَابِ اللهِ حَالَ مَمَاتِهِ وَلا يَسْتَحِي مِمَّنْ يَرَاهُ وَيَدَّعِي

стр. 387

بَأنَّ صِفَاتِ الكَلبِ دُونَ صِفَاتِهِ وَقَدْ أَكَلا مِنْ لَحْمِ مَيْتٍ كِلاهُمَا وَلَكَنْ دَعَى الكَلْبَ اضْطِرَارُ اقْتِيَاتِهِ تَسَاوَيْتُمَا أَكْلا فَأشْقَاكُمَا بِهِ غَدَا مَنْ عَلَيْهِ الْخَوْفُ مِنْ تَبَعُاتِهِ وَمَا لِكَلامِ مَرَّ كَالرِّيحِ مَوْقِعٌ فَيَبْقَى عَلَى الإِنْسَانُ بَعْضُ سِمَاتِهِ اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حِفْظَ جَوَارِحِنَا عَنْ الْمَعَاصِي مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَنَقِّ قُلُوبَنَا مِنْ الحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالإحَنْ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ وَعُضَالِ الدَّاءِ وَخَيْبَةُ الرَّجَاءِ وَزَوَال النِّعْمَةِ. اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وَأَلْحِقْنَا بَالصَّالِحِينَ غَيْرَ خَزَايَا وَلا مَفْتُونِينَ وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ، يَا خَيْرَ مَنْ دَعَاهُ دَاعٍ وَأَفْضَلَ مَن رَجَاهُ رَاجٍ يَا قَاضِي الْحَاجَاتِ، وَمُجِيبَ الدَّعَواتِ، هَبْ لَنَا مَا سَألناهُ، وَحَقق رَجَاءَنا فِيمَا تَمَنَيْنَاهُ، يَا مَنْ يَملِكُ حَوَائِجَ السَّائِلِينَ وَيَعْلَمُ مَا فِي صُدُورِ الصَّامِتِينَ أَذِقْنَا بَرْدَ عَفْوِكَ وَحَلاوَةِ مَغْفِرَتِكَ وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فصل) : ومِِمَّا يَتَأَكَّدُ اجْتِنَابِهِ وَلا يَتِمُّ الصِّيَامُ لِمَنْ لَمْ يَجْتَنِبْهُ النَّظَرُ إلى الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ وَالرَّجُلِ الأَمْرَدِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ شَرْعِيَّةٍ لأَنَّ الْمَرْأَةَ كُلُّهَا عَوْرَةٌ لا يَصِحُّ أَنْ يَرَى مَنْ لَيْسَ مِنْ مَحَارِمِهَا شَيْئًا مِنْ جَسَدِهَا وَلا شَعْرَهَا الْمُتَّصِلِ بِهَا وَمَا تَفْعَلُهُ بَعْضُ نِسَاءِ هَذَا الزَّمَانِ مِنْ التَّبَرُّجِ وَالتَّجَمُّلُ فِي الأَسْوَاقِ مَا هُو مُجَاهَرَةٌ بِالْمَعَاصِي وَتَشَبُّهُ بِنِسَاءِ الإفْرَنْجِ. فَمِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ وَأَفْظَعَهَا خُرُوجُ الْمَرْأَةُ كَاشِفَةً رَأْسِهَا أَوْ عُنُقَها أَوْ نَحَرَهَا أَوْ ذِرَاعَيْهَا أَوْ سَاقَيْهَا أَوْ وَجْهِهَا أَوْ الْجَمِيعَ أَوْ الثِّيَابِ الْمُظْهِرَةِ

стр. 388

لِلْمَفَاتِنِ أَوْ اللِّبَاسِ الشَّفَافِ الذي وَجُودُهُ كَعَدَمِهِ لا يَسْتُرُ مَا تَحْتَهُ فَهَذَا دَاخِلٌ فِي التَّبَرجُّ فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَمْنَعَ نِسَاءَهُ وَمَنْ لَهُ عَلَيْهِنَّ وِلايَة وَيَقْبَلْنَ مِنْهُ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ وَيُلِزْمُهُنَّ السِّتَر وَالتَّحفُّظَ ويَنْصَحَ إِخْوَانَهُ الْمُهْمِلِينَ لِلمُتَّصِفَاتِ بِذَلِكِ. وَمِنْ الآدَابِ التِي أَمَرَ الله تَعَالَى بِهَا نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَنهُنَّ القُدْوَةُ الْحَسَنَةَ فِي العَفَافِ وَالتُّقَى وَالتَّسَتُّرِ وَالْحَيَاءِ وَالإيمانِ وَمَعَ حَيَاءِ النَّاسِ مِنْهُنَّ وَاحْتِرَامِهِمْ لَهُنَّ مَا ذَكَرَهُ تَعَالى فِي سُورَةِ الأَحْزَابِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ . قَالَ مُقَاتِلُ: التَّبَرُّجُ أَنَّهَا تُلْقِي الْخِمَارَ عَلَى رَأْسِهَا وَلا تَشُدُّهُ فَيُوَارِي قَلائِدَهَا وَقُرْطَهَا وَعُنُقَهَا وَيَبْدُو ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْهَا وَذَلِكَ التَّبَرُّجُ. وَقَالَ تَعَالى آمِرًا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ عَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فَلا يَنْظُرُوا إِلا لِمَا أَبَاحَ لَهُمْ النَّظَرُ إِلَيْهِ: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ . قَالَ أَبُو حَيَّانٍ فِي تَفْسِيرِهِ: قُدِّمَ غَضُّ البَصَرِ عَلَى حِفْظِ الفُرُوج لأَنَّ النَّظَرَ بَرِيدُ الزِّنَا وَرَائِدُ الفُجُورِ وَالبَلْوَى فِيهِ أَشَدُّ وَأكْثَرُ لا يَكَادُ يَقُدْرُ عَلَى الاحْتِرَازِ مِنْهُ، وَهُو البَابُ الأَكْبَرُ إلى القَلْبِ وَأَعْمَرُ طُرُقِ الْحَوَاسِّ إِلَيْهِ وَيَكْثُرُ السُّقُوطُ مِنْ جِهَتِهِ. وَقَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ ، وَقَالَ تَعَالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ ، قَالَ البَغَوِي: أَيْ خِيَانَتُهَا، وَهِيَ اسْتِرَاقُ النَّظَرِ إِلى مَا لا يَحِلُّ. قَالَ مُجَاهِدُ: هُوَ نَظَرُ الأَعْيُنِ إلى َمَا نَهَى اللهُ عَنْهُ. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 389

قَالَ: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ، الْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلاَمُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. شِعْرًا: تَخَيَّرَ مِنَ الطُّرْقِ أَوْسَاطَهَا ... وَعَدِّ عَنِ الجَانِب المُشْتَبِهْ وسَمْعَكَ صُنْ عن سَمَاعِ القَبِيحِ ... كَصَوْنِ اللِّسَانِ عَنِ النُّطْقِ بِهْ فَإِنَّكَ عِنْدَ اسْتِمَاعِ القَبِيحِ ... شَرِيكٌ لِقَائِلِهِ فَانْتَبِهْ وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْنِي عَنْ رَبِّهِ : «النَّظْرَةُ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَنْ تَرَكَهَا مِنْ مَخَافَتِي أَبْدَلْتُهُ إِيمَانًا يَجِدُ حَلاوَتُهُ فِي قَلْبِهِ» . وَرَوَى الأصْبَهَاني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «كُلُّ عَيْنٍ بَاكِيَةٌ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلا عَيْنًا غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ، وَعَيْنًا سَهِرَتْ في سَبِيلِ اللهِ، وَعَيْنًا خَرَج مِنْهَا مِثْلُ رَأْسِ الذُّبَابِ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ» . وَأَخْرَجَهُ الإمَامُ أًحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَقَالَ: صَحِيحُ الإِسْنَادِ. وَاعْتَرَضَهُ المُنْذِرِي. عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ: «اضْمَنُوا لِى سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنُ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا ائْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ» . وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: وَالنَّظَرُ أَصْلُ عَامَّةِِ الحَوَادِثِ التي تُصِيبُ الإِنْسَانَ فَإِنَّ النَّظْرَةَ تُوَلِّدُ خَطْرَةً، ثُمَّ تُوَلِّدُ الخَطْرَةُ فِكْرَةً، ثُمَّ تُوَلِّدُ الفِكْرَةُ شَهْوَةً، ثُمَّ تُوَلِّدُ الشَّهْوَةُ إِرَادَةً ثُمَّ تَقْوَى فَتَصِيرُ عَزِيمَةً جَازِمَةً فَيَقَعْ الفِعْلُ وَلا بُدَّ مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ. وَفي هَذَا قِيلَ: الصَّبْرُ عَلَى غَضِّ النَّظَرَ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى أَلَمٍ بَعْدَه.

стр. 390

كُلُّ الحَوَادِثِ مَبْدَاهَا مِنَ النَّظَرِ ... وَمُعْظَمُ النَّارِ مِن مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ وَالعَيْنُ أَصْلْ عِنَاهَا فِتْنَةُ النَّظَرِ ... وَالقَلْبُ كُلُّ أَذاهُ الشُّغْلُ بِالفِكَرِ كَمْ نَظْرَةٍ نَقَشَتْ في القَلْبِ صُورَةَ من ... رَاحَ الفُؤَادُ بِهَا في الأسْرِ وَالحَذَرِ وَالمَرْءُ مَا دَامَ ذَا عَيْنٍ يُقَلِّبُهَا ... في أَعْيُنِ العِيْن مَوقُوفٌ على الخَطَر يَسُرُّ مُقْلَتَهُ مَا ضَرَّ مُهْجَتَهُ ... لا مَرْحَبًا بِسَرُورٍ جَاءَ بِالضَّرَرِ فَالقَلْبُ يَحْسُدُ نُورَ العَيْنِ إِذَْ نَظَرَتْ ... وَالعَيْنُ تَحْسُدُهُ حَقًا عَلَى الفِكَرِ يَقُولُ قَلْبِي لِعَيْنِي كُلَّمَا نَظَرَتْ ... كَمْ تَنْظُرِينَ رَمَاكِ اللهُ بِالسَّهَرِ فَالعَيْن تُورثُهُ هَمًا فَتُشْغِلُهُ ... وَالقَلْبُ بالدَّمْعِ يَنْهَاهَا عَنِ النَّظَرِ هَذَانِ خَصْمَانِ لا أَرْضَى بِحُكْمِهِمَا ... فَاحْكُمْ فَدَيْتُكَ بَيْنَ القَلْبِ وَالبَصَرِ اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَا وَفَّقْتَ إليه القَوْم وأَيْقِظْنَا من سِنة الغَفْلَةِ والنَّوم وارزِقْنَا الاستعدادَ لِذَلِكَ اليَوْمِ الذي يَرْبَحُ فيه المُتَّقُونَ، اللَّهُمَّ وعامِلنَا بإحْسَانِكَ وَجُدْ علينا بِفَضْلِكَ وامْتِنانِكَ واجعلنا من عِبادِكَ الذينَ لا خَوفٌ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنُون، اللَّهُمَّ ارحَمْ ذُلَّنَا بَيْنَ يَدَيْكَ واجعلْ رَغْبَتَنَا فِيما لَدَيْكَ، ولا تحرمنا بِذُنوبنا، ولا تَطْرُدْنَا بعُيوبنا، واغْفِرْ لَنِا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ منْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فصل) : وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَلِيّ: «يَا عَلي لا تُتْبِع النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِي. وفي حَدِيثِ جَرِيرٍ ﵁ قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ نَظْرَةِ الفُجَاءَةِ فَقَالَ: «اصْرِفْ بَصَرَكَ» . وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةِ ﵁ أن النَّبِي ﷺ قَالَ «إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ مِنْ امْرَأَةً

стр. 391

مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ» . وَعَنْ ابنِ مَسْعُودِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَا خرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذي. وَعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي النِّسَاءِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إلى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّل مَرَّةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلا أَحْدَثَ اللهُ لَهُ عِبَادَةٌ يَجِدُ حَلاوَتَهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. شِعْرًا: لا تَخلُ بِامرأَةٍ لَدَيكَ بريبَةٍ لَو كُنتَ في النُسّاكِ مِثلَ بَنانِ وَاغْضُضْ جُفُونَكَ عَنْ مُلاحَظَةِ النِّسَاء وَمَحَاسِنِ الأَحْدَاثِ وَالصِّبْيَانِ إِنَّ الرِجالَ الناظِرينَ إِلى النِّسَاءِ مِثلُ الكِلابِ تَطوفُ بِاللُحمَانِ إِن لَم تَصُن تِلكَ اللُحومَ أُسودُها أُكِلَت بِلا عِوَضٍ وَلا أَثمانِ آخر: لَيْسَ الشجاعُ الذي يَحْمِي فَرِيسَتَهُ ... عِنْدَ النِزَالِ ونارُ الحَرْبِ تَشْتَعِلُ لَكِنَّ مَنْ غَضَّ طَرْفَا أَوْ ثَنَى قَدَمًا ... عَنْ الْحَرَامِ فَذَاكَ الدرِاعُ البَطَلُ

стр. 392

اللَّهُمَّ نَجّنا برحمتِكَ مِن النارِ وعافِنا من دار الخِزْيَ والبَوَار، وَأَدْخِلنا بفَضْلِكَ الجنةَ دارَ القَرار وعامِلْنَا بكَرَمِكَ وَجودِكَ يا كَرِيمُ يا غَفارُ وَاغْفِرْ لَنَا يَا خَيْرَ مَنْ دَعَاهُ دَاعٍ وَأَفْضَل مَنْ رَجَاهُ رَاجٍ يَا قَاضِي الْحَاجَاتِ، وَمُجِيبَ الدَّعواتِ، هَبْ لَنَا مَا سَأَلْنَاهُ، وَحَقق رَجَاءَنا فِيمَا تَمَنْيَنْاهُ، يَا مَنْ يَمْلِكُ حَوَائِجَ السائِلينَ وَيَعلمُ مَا في صُدُورِ الصَّامِتينَ أذقنا بَرْدَ عَفْوِكَ وَحَلاوَةَ مَغْفِرَتِكَ وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فصل) : قَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ ﵀: يُقَالُ إِنَّ غَضَّ البَصَرِ عَنْ الصُّورَةِ التِي يُنْهَى عَنْ النَّظَرِ إِلَيْهَا كَالْمَرْأَةِ وَالأَمْردِ الْحَسَنِ يُورِثُ ثَلاثَ فَوَائِدَ: إحْدَاهَا: حَلاوَةِ الإِيمَانِ، وَلَذَّتَهُ التِي هِيَ أَحْلَى وَأَطْيَبُ مِمَّا تَرَكَهُ للهِ، فَإنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيْرًا مِنْهُ. الفَائِدَةُ الثانيَةُ: أَنَّ غَضَّ البَصَرِ يُورِثُ نُورَ القَلْبِ وَالفَرَاسَةِ. الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: قُوَّةُ القَلْبِ وَثَبَاتِهِ وَشَجَاعَتُهُ فَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ سُلْطَانَ البَصِيرَةِ مَعَ سُلْطَانِ الْحُجَّةِ، فَإِنَّ فِي الأَثَرِ (الذِي يُخَالِفُ هَوَاهُ يَفْرَقُ الشَّيْطَانُ مِنْ ظِلِّهِ) . وَإِذَا كَانَ النَّظَرُ إلي مَنْ لا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ مُحَرَّمًا فَالْخَلْوَةُ بِمَنْ لا تَحِلُّ مُحَرَّمَةٌ مِنْ بَابَ أَوْلى وَأَحْرَى لأَنَّ الوَسَاوِسَ الشَّيْطَانِيَّةِ تَجِدُ لَهَا مَجَالاً فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَثَوَرَانِ الشَّهْوَةِ يَجِدُ لَهُ مُبَرِّرًا فَيَضْعُفُ العَقْلُ عِنْدَ هَذَا، وَلا يَكُونُ لَهُ تَأْثِير عَلَى زَجْرِ الشَّهْوَةِ فَتَسُوقُهُ نَفْسُهُ الأَمَّارَةُ بالسُّوءِ إِلى الفَاحِشَةِ، لِهَذَا نَهَى الْمُصْطَفَى ﷺ عَنْ الْخَلْوَةِ فَقَدْ رُوِي عَنْ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بامْرَأَةٍ إلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 393

وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْحَمْوُ: قَرِيبُ الزَّوْجِ كَأَخِيهِ وَابْنِ أَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ. وَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلاَ لاَ يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَان» . رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِي فِي جَامِعِهِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَوْمِ الآخِر فَلا يَخْلُوَنَّ بامْرَأَةٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَحْرَمٌ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِي فِي الكَبِير. وَرَوَى الطَّبَرَانِي أَيْضًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِيَّاكَ وَالْخُلوَةُ بِالنِّسَاءِ وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَلا رَجُلٌ بامْرَأَةٍ إِلا وَدَخَلَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُمَا وَلأَنْ يَزْحَمَ الرَّجُلُ خَنْزِيرًا مُتَلِطِّخًا بِطِينٍ أَوْ حَمَأةٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَزَحَمَ مَنْكِبُهُ مَنْكِبَ امْرَأَةٍ لا تَحِلُّ لَهُ» . وَمِنْ أَخْطَرِ مَا يَكُونُ عَلَى النِّسَاءِ خِدْمَةُ الرِّجَالِ فِي البُيُوتِ إِذَا كَانَ هُنَاكَ اخْتِلاطٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُنَّ خُصُوصًا إِذَا كَانَ الرُّجُلُ الْمُسْتَخدَمُ مِنَ الشُّبَّانِ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَسْمَةُ جَمَالٍ فَأَقْرَبُ إِلى الْخَطَرَ وَقَدْ يَكُونُ أَشَبَّ مِنْ صَاحِبِ البَيْتِ وَأَجْمَل وَهُوَ مَلازِمٌ لِلبَيْتِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ وَهُوَ تَحْتَ أَمْرِ الزَّوْجَةِ أَوْ نَحْوِهَا وَفِي إِمْكَانِهَا إِبْقَاؤُهُ أَوْ طَرْدُهُ فَالْخَطَرُ عَظِيمٌ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذَا شَرَفٍ وَمَكَانَةٍ، وَتَأَمَّلْ قِصَّة امْرَأَةِ العَزِيزِ مَعَ يُوسُفَ ﵇ حَيْنَ رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعَاذَ بِاللهِ مِنْ شَرِّهِنَّ وَكَيْدِهِنَّ فَعَصَمَهَ اللهُ عِصْمَةً عَظِيمَةً وَحَمَاهُ فامْتَنَع أَشَدَّ الامْتِنَاعِ عَنْهَا وَاخْتَارَ السِّجْنَ عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا في غَايَةِ

стр. 394

مَقَامَاتِ الكَمَالِ أَنَّهُ مَعَ شَبَابِهِ وَجَمَالِهِ وَكَمَالِهِ تَدْعُوهُ سَيِّدَتُهُ وَهِي امْرَأَةُ عَزِيزِ مَصْرَ وَهِيَ مَعَ هَذَا في غَايَةِ الْجَمَال وَالْمَالَ وَالرِّيَاسَةِ وَيَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ وَيَخْتَارُ السِّجْنَ عَلَى ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ اللهِ وَرَجَاءَ ثَوَابِهِ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ مِنْ السَّبْعَةِ الذِينَ يُظلُّهُمْ اللهُ فِي ظِلِّهِ: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتَ مَنْصَبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافَ اللهُ» . وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّم. شِعْرًا: مَا مِنْ جَمِيلٍ مِنْ الدُّنْيَا وَلا حَسَنٍ ... إِلا وَمِنْ فَضْلِ رَبِّ العَرشِ ذِي الْمِنَنِ أَعْظِمْ بِهَا مِنَّةً لَكِنْ يُخَفِّفُها ... شكْرِي لِرَبِّي فِي سِرِّي وَفِي عَلَنِ اللَّهُمَّ يَسر لَنَا سَبِيلَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدَا وَاجْعَلْ مَعُونَتَكَ العُظْمَى لَنَا سَنَدًا وَاحْشُرْنَا إِذَا تَوَفَّيْتَنَا مَعَ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ الذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (موعظة) : عِبَادَ اللهِ نَحْنُ فِي زَمَنٍ كُلُّهُ عَجَائبٌ يُعْجِبُ العَاقِلُ اللَّبِيبُ وَمِنْ أَعْجَبِ مَا فِيهِ أَنَّ الرِّجَالَ أَصْبَحُوا لا سُلْطَانَ لَهُمْ عَلَى النِّسَاءِ إِلا النَّادِرَ القَلِيلَ، نَعْمَ أَصْبَحْنَا فِي زَمَنٍ لِلنِّسَاءِ فِيهِ جَبَرُوتٌ أَمَامَهُ الرِّجَالُ فِي حَالٍ ضَئِيلٍ انْعَكَسَ الأَمْرُ فَصَارَ القَوِيُّ ضَعِيفًا وَالضَّعِيفُ قَوِيًّا فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكِّ مِنْ ذَلِكَ فَاخْرُجْ وَانْظُر فِي الشَّوَارِعِ تَرَى النِّسَاءَ تَجُولُ فِي الشَّوَارِع ذَاهِبَاتٍ أَيبَاتٍ وَيَتَثَنِّينَ فِي تَبَخْتُرُهِنِّ عَلَيْهِنَّ مِنْ الزِّينَةِ مَا يُرْغِمُ عَلَى النَّظَرِ إِلَيْهِنَّ كُلُّ مِنْ لَهُ عَيْنَانِ. وَلا تَسْأَلْ عَمَّا يُحْدِثُهَ ذَلِكَ النَّظَرِ فِي نُفُوسِ الشُّبَّانِ وَأَشْبَاهِ الشُّبَّانِ تَرَاهُ إِذَا لَمََحَها أَتْبَعَهَا نَظَرَهُ ثُمَّ جَرَى وَرَاءَهَا لأنَّهُ يَفْهَمُ مِنْ هَيْئَتِهَا وَتَثِنَّيَهَا وَتَلَفُّتِهَا فَهْمًا لا يُقَالُ لَهُ إِنَّهُ فِيهِ غَلْطَانٌ، إنَّه يَفْهَمُ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ تُرِيدُ مِنْهُ مَا تُرِيدُ مَا عَرَضَتْ نَفْسَهَا فِي الشَّارِعِ بِذَلِكَ التَّهَتُّكِ وَذَلِكَ الازْدَيَانُ وَهِيَ فِي بَيْتِهَا أَمام زَوْجِهَا الذِي يَنْبَغِي أَنْ تَتَجَمَّلَ لَهُ تَكُونُ بِحَالةٍ تَشْمَئِزُّ مِنْ

стр. 395

رُؤْيَتِهَا نَفْسُ الإِنْسَانِ، تَلْبَسُ لَهُ أردى الْمَلابِسَ وَلا تَمَسُّ طِيبًا وَلا تَعْتَنِي لَهُ، فَإِذَا أَرَادَتْ الْخُرُوجَ بَذَلَتْ مِنْ العِنَايَةِ فِي تَجْمِيلِ نَفْسِهَا مَا يُلْهِبُ نَارَ الشَّوْقِ إِلَيْهَا في نُفُوسِ النَّاظِرِينَ. وَهَذِه حَالَةٌ تَجْعَلُ العُيُونَ وَقْفًا عَلَى النَّظَرِ إِلى تِلْكَ الأَجْسَامِ وَتَشْغَلُ القُلُوبَ شُغْلاً بِهِ تَنْسَى كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى نَفْسَهَا وَرَبَّهَا وَمَا لَهُ عَلَيْهَا مِنْ وَاجِبَاتٍ، وَتَوَجِّهُ الأَفْكَارَ إِلى أُمُورٍ دَنِيئَةٍ يَقْصُدْهَا مِنْ أُولَئِكَ النِّسَاءِ أَرْبَابُ النُّفُوسِ الدَّنِيئَاتِ، بَلْ وَتَدْفَعُ النُّفُوسَ دَفْعًا تَسْتَغِيثُ مِنْهُ الفَضِيلةُ وَيَغْضَبُ لَهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ. إِنَّ الرِّجَالَ النَّاظِرِينَ إِلى النِّسَا ... مِثْلُ الكِلابِ تَطُوفُ بِاللُّحْمَانِ إِنْ لَمْ تَصُن تِلْكَ اللُّحُومَ أُسُودُهَا ... أُكِلَتْ بِلا عِوَضٍ وَلا أَثْمَانِ إِنَّ أُولَئِكَ النِّسَاءُ زَوْجَاتُ وَبَنَاتُ وَأَخَوَاتُ رِجَالٍ يَرَوْنَهُنَّ بَأَعْيُنهِمْ في الشَّوَارِعِ بِتِلْكَ الْحَالِ يَرَوْنَهُنَّ وَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ الغَيْرَةِ مَا يُفهِمْ أَنَّهُمْ مِنْ صَنْفِ الرِّجَالِ، وَأَمَامَهُمْ يُجْرِينَ الزِّينَةِ التِي يَخْرُجْنَ بِهَا إِلى تِلْكَ الْمِيَادِينَ الْمَلأَى بالأنْذَالِ، وَبَعْضُهُمْ يَسْتَصُحِبُ زَوْجَتَهُ مَعَهُ سَافِرَةً فِي الشَّوَارِعِ وَرُبَّمَا فَهِمَ بَعْضُ الفُسَّاقِ أَنَّهُ يَتَصَيَّدُ لِهَا وَذلِكَ يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ. أَيُّهَا الأَخُ عَصَمَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ أَنْتَ أَقْوَى عَقْلاً وَأَقْوَى دِينًا مِنْ الْمَرْأَةِ لا خِلافَ في ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَعْصِمْكَ اللهُ تَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ مِنْكَ مَعَ الْمَرْأَةِ مَا يَكُونَ إِذَا وَقَعَ نَظَرُكَ عَلَى مَا لَهَا مَنْ بِهَاءٍ وَجَمَالٍ فَتَأَكَّدْ كُلَّ التُّأكُدِّ أَنَّ تَمَنِّي الْمَرْأَةِ أَقْوى مِنْ تَمَنِّي الرَّجُلِ إِذَا وَقَعَ نَظَرُهَا عَلَى جَمِيلٍ مِنْ الرِّجَالِ وَلا تَشُكُ أَنَّهَا بَعْدَ رُؤيَتِهَا الْجَمِيلَ تَتَمَنَّى فِرَاقَكَ إِلَيْهِ وَرُبَّمَا دَعَتْ عَلَيْكَ، نَحْنُ فِي جُوِّ مَوْبُوءٍ بِفَسَادِ الأَخْلاقِ، مِنْ تَعَرَّضَ

стр. 396

لَهُ أَصَابَهُ مِن ذَلِكَ الوَبَاء مَا يُضَيِّعُهُ في دُنْيَاهُ وَفِي الدِّينِ. فَصُنْ نِسَاءَكَ عَنْ الْخُرُوجِ إِلَيْهِ إِنْ أَرَدْتَ الْعَافِيةَ وَِإِلا فَلا تَلُمْ إِلا نَفْسَكَ إِذَا أَصْبَحْتَ فِي عِدَادِ الضَّائِعِينَ وَالضَّائِعَاتِ أَنْتَ تَرَى كُلَّ يَوْمٍ مَا يَكُونُ في الطُّرُقِ لِنِسَاءِ غَيْرِكَ فَلا تَشُكَّ أَنَّ نِسَاءِكَ يُلاقِيَن مِثْلَهُ وَأَشَدَّ مِنْهُ وَأَيُّ رَجُلٍ يَرْضَى أَنْ تَخْرُجَ نِسَاؤُهُ لِيَلْعَبَ بِعَفَافِهِنَّ وَشَرَفِهِنَّ مَنْ لا دَينِ لَهُ وَلا شَرَفَ وَلا أَخْلاقَ، إِنَّ الْبَهِيمَ يَغَارُ وَمَعَارِكُ ذُكُورِ الْبَهَائِمِ عَلى إِنَاثِهَا مَعْرُوفَةٌ، فَلا تَكُنْ أَقَلَّ غَيْرَةً مِنْ الْبَهِيمِ، وَلَوْلا أَنَّنَا نَرَى بِأَعْيُنِنَا مَبْلَغَ ضَعْفِ رِجَالِنَا أَمَامَ النِّسَاءِ مَا صَدَّقْنَا أَنْ يَسْتَصْحِبَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ سَافِرَةً رَاكِبَةً أَوْ غَيْرَ رَاكِبَةٍ تَقْدُمُهُ. اللَّهُمَّ أَذِقْنَا عَفْوَكَ وَغُفْرَانَكَ وَاسْلُكْ بِنَا طَرِيقَ مَرْضَاتِكَ، وَعَامِلَنَا بِلُطْفِكَ وَإِحْسَانِكَ وَاقْطَعْ عَنَّا مَا يُبْعِدُ عَنْ طَاعَتِكَ، اللَّهُمَّ وَثَبِّتْ مَحَبَّتِكَ فِي قُلُوبِنَا وَقَوّهَا وَيَسِّرْ لَنَا مَا يَسَّرْتَهُ لأَوْلِيَائِكَ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) : أَيًُّهَا الأخُ أَنْتَ الذِي تَلَقَى الْمَشَاقَّ مِنْ حَرٍّ وَبَرْدٍ وَأَنْتَ مَشْغُولٌ بَالكدِّ لأجْلِ جَلْبِ الرِّزْقِ، يَكُونُ مِنْكَ ذَلِكَ لِتُطْعِمَ الْمَرْأَةِ وَتَكْسُوهَا وَتَنْعِمُ عَلَيْهَا فَفَضْلِكُ عَلَيْهَا كَبِيرٌ كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وأَنْتَ أَرْجَحَ مِنْهَا عَقْلاً وَأَكْمَلْ دِينًا فَمِنْ الْغَلَطِ أَنْ تَكُونَ مَعَهَا كَالْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ يَصْرِفُهُ مَوْلاهُ كَيْفَ شَاء. وَإِذَا كَنْتَ كَمَا ذَكَرَ اللهُ قَوَّامًا عَلَيْهَا فَأَنْتَ مَسْئُول عَنْهَا لأَنَّكَ رَاعِيهَا وَالرَّاعِي مَسْئُول عَنْ رَعَيَّتِهِ، فَأَنْتَ مُثَابْ إِنْ وَجَهْتَهَا إِلى عَمْل الْخَيْرِ، وَآثِمْ إِنْ سَكَتَّ عَنْهَا وَهِيَ تَعْمَل أَعْمَلاً لَيْسَتْ مَرْضَيَّة، فَانْظُرْ مَاذَا عَلَيْكَ مِنْ الإِثْمِ فِي خُرُوج زَوْجَتَكَ وَمَا يَتَرَتَبْ عَلَيْهِ مِنْ بَلايَا مَرَئِيْة وَغَيْر

стр. 397

مَرْئِيَّةٍ، فَحُلْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا تَعْلَمُ أَنَّ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهَا وَكُلُّ عَمَلٍ يُغْضِبُ رَبَّكَ، وَإِلا فَأَنْتَ شَرِيكَ لَهَا فِي كُلَّ مَا لَها مِنْ أَوْزَارٍ. أ. هـ. كُلُّ هَذَا سَبَبُهُ مُخَالَطَةُ رَبَائِبِ الاسْتِعْمَارِ الذِّينَ تَشَبَّهُوا بِهِ وَقَلَّدُوهُ فِي الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ، وَقَلَّدَهُمْ كَثِيرٌ مِنْ نِسَائِنَا، وَصَدَقَ الْمُصْطَفََى ﷺ حَيْثُ يَقُولُ: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذرَاعٍ حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ دَخَلَ حُجْرَ ضَبِّ لَدَخَلْتُمُوهُ وَحتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ بِالطَّرِيقِ لَفَعَلْتُمُوهُ» . فَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلِ. أ. هـ. كَفى بِالمَرءِ عاراً أَن تَراهُ ... مِنَ الشَأنِ الرَفيعِ إِلى اِنحِطاطِ عَلى المَذمومِ مِن فِعلٍ حَريصًا ... عَلى الخَيراتِ مُنقَطِعَ النَشاطِ يُشيرُ بِكَفِّهِ أَمراً وَنَهيًا ... إِلى الخُدّامِ مِن صَدرِ البِساطِ يَرى أَنَّ المَعازِفَ وَالمَلاهي ... مُسَبِّبَةُ الجَوازِ عَلى الصِراطِ لَقَد خابَ الشَقِيُّ وَضَلَّ عَجزًا ... وَزالَ القَلبُ مِنهُ عَنِ النِياطِ آخر: وعَاقِبَةُ الصَّبْرِ الْجَمِيلِ حَمِيدَةٌ ... وَأَفْضَلُ أَعْمَال الرِّجَال التَّدَيُّنُ ولا عَارَ إِنْ زَالَتْ عَنِ الْمَرْءِ نِعْمَةً ... وَلَكِنَّ عَارًا أَنْ يَزُولَ التَّدَيُّنُ اللَّهُمَّ اعْمُرْ قُلُوبَنا وَأَلْسنَتنا بِذِكْرِك وَشُكْرِك وَوَفِّقْنَا للامْتِثَالِ لأَمْرِكَ وَأمِّنا مِنْ سَطوتِكَ وَمَكْرِكَ واجْعَلْنَا مِنْ أَوْلِيَائِكَ الْمُتَّقِينَ وَحِزْبِكَ الْمُفْلِحِينَ، اللَّهُمَّ أَلْحِقْنَا بِعِبِادِكَ الصَّالِحِين الأَبْرَار، وآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارْ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) : فِيمَا يُسْتَحبُّ أَنْ يَقُولَهُ أَوْ يَفْعَلَهُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَسَحَّرَ لِلصَّوْمِ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبي ﷺ قَال: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً» .

стр. 398

وعَنْ عَمْرو بن العَاص قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ فَصْلَ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلةُ السَّحَرِ» . وعَنْ ابن عُمَرَ ﵄ أَنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ على الْمُتَسَحِّرِينَ» . وَعَنْ الْعِرْبَاضِ بن سَارِيَةَ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى السَّحُورِ في رَمضَانَ فَقَالَ: «هَلُمَّ إِلى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : «نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ» . وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَفِّفَ عَشَاءَهُ فِي ليَاَلِي رَمَضَانَ لِيَهْضِمَ طَعَامَهُ قَبْلَ السَّحُورِ ولأِنَّ الامْتِلاءَ مِنَ الطَّعَامِ رُبَّمَا يَكُونُ سَبَبًا لِلتُّخَمْ. وَعَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ مَعْدِ يكْرِبَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مَلأَ ابن آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أَكَلاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لامَحَالَةَ فَثُلُثٌ طَعَامٌ، وَثُلُثٌ شَرَابٌ، وَثُلُثٌ نَفَسٌ» . شِعْرًا: تَوَقَّ إِذا مَا اسْطَعْتَ إِدخالُ مَطعَمٍ ... عَلى مَطعَمٍ مِن قَبلِ فِعْلِ الْهَواضِمِ وَكُلُّ طَعامٍ يَعجَزُ السِنُّ مَضغَهُ ... فَلا تَبتَلِعْهُ فَهوَ شَرٌّ الْمَِطَاعِِمِِ والشَّبَعُ مَذْمُومٌ لأنَّهُ يُوجِبُ تَكَاسُلَ الْبَدَنِ وَكَثْرَةُ النَّوْمِ وَبَلادَةِ الذِّهْنِ وَذَلِكَ يُكْثِرُ الْبُخَّارُ في الرَّأسِ حَتَّى يُغَطِّي مَوْضِعَ الذَّكْرِ والْفِكْرِ والْبَطْنَةُ تَذْهبُ الْفِطْنَةَ وَتَجْلِبُ أَمْرَاضًا عَسِرةً، وَمَقَامُ الْعَدْلِ أَنْ لا يَأْكُلَ حَتَّى تَصْدُقَ شَهْوَتُهُ وَأَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ وَهُوَ يَشْتَهِي وَنِهَايَةُ مَقَامِ الْحُسْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ﴾ ، وَقَوْلُهُ ﷺ : «ثُلُثٌ طَعَامٌ، وَثُلُثٌ شَرَابٌ، وَثُلُثٌ نَفَسٌ» .

стр. 399

والأكْلُ عَلَى مَقَامِ الْعَدْلِ يُصِحُّ الْبَدَنَ وَيُبْعِدُ الْمَرَضَ بِإذْنِ اللهِ وَيُقَلِّلُ النَّوْمَ وَيُخَففُ الْمَؤُنَةَ وَيُرَقِّقُ الْقَلْبَ وَيُصَفِّيْهِ فَتَحْسُنُ فِكْرَتُهُ وَتُسَهِّلُ الْحَرَكَاتِ والتَّعْبِيرَاتِ، والشَّبَعُ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَمِنْهُ يَكُونُ الْفَرَحُ والْمَرَحُ وَالضَّحِكُ. وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ السَّحُورِ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُول اللهِ ﷺ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ. قَال أَنَسٌ قُلْتُ لِزَيْدٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمَا وَرَدَ في الْبُخَاري عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي، ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِي أَنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدي ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وأخَّرُوا السَّحُور» . وَعَنْ ابن عَطِيَّةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلى عَائِشَةَ فَقُلْنَا: يَا أَمَّ الْمُؤمِنِين رَجُلانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّد أَحَدُهُمَا: يُعَجِّلُ الإفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلاةَ، والآخرُ: يُؤخِّرُ الإفْطَارَ وَيُؤخِّرُ الصَّلاةَ، قَالَتْ: أَيُّهُمَا يُعَجّل الإفْطَارَ وَيُعَجِّلَ الصَّلاةَ؟ قُلْنَا: عَبْدُ اللهِ بن مَسْعُودٍ، قَالَتْ: هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، والآخَرُ: أَبوُ مُوسَى. وَلأَنَّ السَّحُورَ يُرَادُ بِهِ التَّقَوِّي عَلَى الصَّوْمِ. فَكَان التَّأْخِيرُ أَبْلَغَ فِي ذَلِكَ وَأَوْلَى، وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ فِطْرٍ إِذَا تَحَقَّقَ الْغُرُوبَ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : «قَالَ اللهُ إِنَّ أَحَبَّ عِبَادِي إِليَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا» .

стр. 400

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : «لا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرِ، لأَنَّ الْيَهُودَ والنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ» . وَلِحَدِيث سَهْل وَحَدِيث أَبِي عَطيَّة وَقَدْ تَقَدَّمَا قَرِيبًا. اللَّهُمَّ اسْلُكْ بِنَا سَبِيل عِبَادِكَ الأَبْرَارِ واجْعَلْنَا مِن عِبَادِكَ الْمُصْطَفِينَ الأَخْيَارَ وامْنُنْ عَلَيْنَا بالْعَفْوِ والْعِتْقِ مِن النَّارِ واحْفَظْنَا مِنْ الْمَعَاصِي فِيمَا بَقِيَ مِن الأَعْمَارِ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) : وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ فِطْرُهُ عَلَى رُطَبٍ، فَإِنْ عَدِمَ فَتَمْرٌ، فَإِنْ عَدِمَ فَمَاءٌ، لِمَا وَرَدَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُفْطِرَ عَلى رُطَبَات قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَات فَتَمَراتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُن تَمَرَاتٍ حَسَا حَسَوَاتِ مِنْ مَاءٍ، وَعَنْ سَلْمَانَ بن عَامِرٍ الضَّبِّي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَفْطَر عَلى تَمْرٍ، فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمْرًا فالْمَاءُ فَإِنَّهُ طَهُورٌ» . والْفِطْرُ قَبْلَ صَلاةِ الْمَغْربِ أَفْضَلُ، لِحَدِيث أَنَسٍ ﵁ قَالَ: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يصَلِّي حَتَّى يُفْطِرَ، وَلَوْ شَرْبَةَ مَاءٍ) . إذا رُمْتَ أَنْ تَشْرَبْ فَكُنْ قَاعِدًا تَفُزْ ... بِسُنَّةِ خَيْرِ الْخَلْقِ أَعْنِي مُحَمَّدًا فَقَدْ صَحَّحُوا شُرْبًا لَهُ وَهُوَ قَائِمٌ ... وَلَكِنْ بَيَانًا لِلْجَوازِ فَسَدِّدَا وَيُسْتَحَبُّ قَوْلُ الصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. لِمَا وَرَدَ عَنْ مُعَاذِ بنِ زَهْرَةَ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبي ﷺ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الأجْرُ إِنْ شَاءَ الله» ، وَثَبَتَ عَن النَّبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةُ لا تَرَدُّ» . وَلِحَدِيثَي ابنْ

стр. 401

عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ ﵄ قَالا: كَان النبي ﷺ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ صُمْنَا وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْنَا، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُُ الْعَلِيمُ» . وَعَنْ عَبْد اللهِ بن الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: أَفْطَرَ رَسُولُ الله ﷺ عِنْدَ سَعْدِ بن مُعَاذٍ، فَقَالَ: «أَفْطَرَ عِنْدَكُم الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلائِكَةُ» . وَعَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَجْتَهِدَ أَنْ يَكُونَ فِطْرُهُ عَلَى حَلالٍ وَأَنْ يَحْذَرَ أَنْ يَكُونَ على حَرَام، فَإِنْ أَكَلَ الْحَرَامِ مِنْ جُمْلَةِ مَوَانِعِ قَبُولِ الدُّعَاءِ، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ طَيَّبٌ وَلا يَقْبَلُ إلا طَيِّبًا، وإِنَّ الله أَمَرَ الْمُؤمِنينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ ، وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ، - ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ - أَشْعثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّمَاء وَيَقَولَ: يَا رَبُّ يَا رَبُّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ» . فَإِيَّاكَ إِيَّاكَ الرِّبَا فَلَدِرْهَمٌ ... أَشَدُّ عِقَابًا مِنْ زِنَاكَ بِنُهَّدِ وَتَمْحَقُ أَمْوَالُ الرِّبَا وَإِنْ نَمتْ ... وَيَرْبُو قَلِيلُ الحِلِّ فِي صِدْقِ مَوْعِدِ آخر: المالُ يَذْهَبٌ حِلُّهُ وَحَرَامُهُ ... يَوْمًا وَتَبْقَى في غَدٍ آثَامِهِ لَيَسْ التَّقِيُّ بُمِتْقَّ لإِلهِهِ ... حَتَّى يَطِيبَ شَرَابِهِ وَطَعَامِهِ وَفِي الْحَدِيثِ: «أَلا إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنْ الإِنْسَانِ بَطْنُهُ فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَلا يَأْكُلَ إِلا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ» . الْحَدِيثِ. وَمِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَمِيمِ القَلْبِ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ادْعُوا الله

стр. 402

وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاهٍ وَأَنْ يَكُونَ دُعَائَهُ في السَّرَّاءِ والضَرَّاءِ» . فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكُرَبِ فَليُكْثِرْ الدُّعَاء في الرِّخَاءِ وَأَنْ يَكُونَ بالتَّضَرُّعِ بالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ» . قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ ، وَقَالَ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ، وَقَالَ فِي حَقِّ يُونُسَ ﵇: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وَأَنْ يَفْتَتِحَ الدُّعَاء بالثَّنَاءِ عَلَى اللهِ وَالصَّلاةِ عَلَى نَبِيِّهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . رَوَى التِّرْمِذِي وَغَيْرَهُ عَنْ فضَالَةَ بن عُبَيْدٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَاعِدًا إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي إِذَا صَلِّيْتَ فَقَعَدْتَ فَاحْمَدِ اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُه وَصَلِّ عَلَيِّ ثُمَّ ادْعُهُ» . قَالَ ثُمَّ صَلى رَجُلٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَمِدَ اللهَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ النَّبِيِّ ﷺ : «أَيُّهَا الْمُصَلِّي ادْعُ تَجِبْ» . وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ الدُّعَاءَ مَوقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلي عَلَى نَبِيِّكَ ﷺ وَأَنْ يُخْفَى الدُّعَاءَ. قَالَ الْحَسَنُ: بَيْنَ دَعوةِ السِّرِ وَدَعْوَةِ العَلانِيَةِ سَبْعُونَ ضِعْفًا وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَقَدْ جَمَعَ القُرْآنَ وَمَا يَشْعُرُ بِهِ النَّاسُ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لقد فَقِهَ الفِقْهَ الكَثِيرَ وَمَا يَشْعُرُ بِهِ النَّاسُ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لِيُصَلي الصَّلاةِ الطويلَةَ في بَيْتِهِ وَعندَهُ الزُّوَّارُ مَا يَشْعُرونَ بِهِ، وَلَقَدْ أَدْرَكْنَا أَقْوَامًا مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ مِنْ عَمَلٍ يَقْدُرُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ فِي السرِ فَيَكُونُ عَلانيةً أَبَدًا وَلَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ

стр. 403

يَجْتِهدُونَ في الدعاءِ وَمَا يُسْمَعُ صَوْتٌ إِنْ كَانَ إِلا هَمْسًا بَينَهُم وبينَ رَبِّهم وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ وَذَلكَ أَنَّ اللهَ ذَكرَ عَبْدًا صَالِحًا رَضِيَ فِعْلَهُ فَقَالَ: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً﴾ . شِعْرًا: إِلى مَتَى يَا عَيْنُ هَذَا الرُّقَادُ أَمَا آنَ أَنْ تَكْتَحِلِي بِالسُّهَادِ تَنَبَّهِي مِنْ رَقْدَةٍ وَانْظُرِي مَا فَاتَ مِنْ خَيرٍ عَلَى ذِي الرُّقَادِ يَا أَيُّهَا الغَافِلُ فِي نَوْمِهِ قُمْ لِتَرى لُطْفَ الكَرِيمِ الْجَوَادِ مَوْلاكَ يَدْعُوكَ إلى بَابِهِ وَأَنْتَ فِي النَّوْمِ شَبِيهُ الْجَمَادِ وَيَبْسُطُ الكَفَّينَ هَلْ تَائِبٌ مِنْ ذَنْبِهِ هَلْ مِنْ لَهُ مِنْ مُرَادِ وَأَنْتَ مِنْ جَنْبٍ إِلى جَانِب تدور في الفرش ولين المهاد يدعوك مولاك إلى قربه وَأَنْتَ تَخْتَارُ الْجَفَا وَالبِعَادِ كَمْ هَكَذَا التَّسْوِيفُ فِي غَفْلَةٍ لَيْسَ عَلَى العُمْرِ العَزِيزِ اعْتِمَادِ لَقَدْ مَضَى لَيْلُ الصَّبَا مُسْرِعًا وَنِيرُ صُبْحِ الشَّيْبِ فَوْقَ الفُؤَادِ أَفِقْ فَإِنَّ اللهََ سُبْحَانَهُ

стр. 404

رَحْمَتُهُ عَمَّتْ جَمِيعَ العِبَادِ اللَّهُمَّ تَوفَّنَا مُسْلِمِينَ وَألْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ ألْهِمْنَا شُكْرَكَ آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَارِ، وَثَبِّتْنَا عَلَى قَوْلِكَ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فَصْلٌ) : فِي أَحْكَامِ القَضَاءِ وَيُسْتَحَبُّ قَضَاءُ رَمَضَانَ فَوْرًا مَعَ سَعَةِ وَقْتٍ مُسَارَعَةً لِبَرَاءَةِ الذِّمَةِ وَيُسَنَّ التَّتَابُعْ فِي قَضَائِهِ لأَنَّهُ أَشْبَهُ بَالأَدَاءِ وَأَبْعَدُ عَنْ الْخِلافِ. وَيَجُوزُ تَفْرِيقُهُ لِمَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَضَاءَ رَمَضَانَ إِنْ شَاءَ فَرَّقَ وَإِنْ شَاءَ تَابَعَ» . وَرَوَى الأَثْرَمُ بِإسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بن الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ سُئِلَ عَنْ تَقْطِيعِ قَضَاءِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: «لَوْ كَانَ عَلَى أحَدَكُمْ دَيْنٌ فَقَضَاهُ مِنْ الدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمِينِ حَتَّى يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدِّينِ، هَلْ كَانَ قَاضِيًا دِينَهُ» ؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَاللهُ أَحَقُّ بِالعَفْوِ واَلتَّجَاوُزِ مِنْكُمْ» . قَالَ البُخَارِي: قَالَ ابْنُ عَبَّاس ﵄ لا بَأْسَ أَنْ يُفَرِّقَ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ مُتَتَابِعَاتٍ، فَسَقَطَتْ مُتَتَابِعَاتِ. وَلا يَجُوزُ تَأْخِيرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ إِلى رَمَضَانَ آخَرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، لِمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ عَليَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلا فِي شَعْبَانَ.

стр. 405

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: إِنْ كَانَتْ إحْدَانَا لَتُفْطِرُ فِي زَمَانِ رَسُولِ الله ﷺ فَمَا تَقْدِرُ أَنْ تَقْضِيهِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلا فِي شَعْبَانَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِي: قَالَتْ ﵂ مَا كُنْتُ أَقْضِي مَا يَكُونُ عَليَّ مِنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ إِلا فِي شَعْبَانَ حَتَّى تُوفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَإِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ شَعْبَانَ لا قَدْرُ مَا عَلَيْهِ، وَجَبَ القَضَاءُ فَوْرًا مُتَابِعًا لِضِيقِ الوَقْتِ، كَأَدَاءِ رَمَضَانَ فِي حَقَّ مَنْ لا عُذْرَ لَهُ. وَلا يُكْرَهُ القَضَاء في عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، فَإِنْ أَخَّرَ القَضَاءَ لِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرَ فَعَلَيْهِ مَعَ القَضَاءِ إِطْعَامُ مُسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ- ﵄ وَابْنِ عُمَرَ ﵄ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَلَمْ يُرَوَ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلافُهُ قَالَهُ في الشَّرْحِ. وَمَنْ فَاتَهُ رَمَضَانُ قَضَا عَدَدَ أَيَّامِهِ تَامًّا كَانَ أَوْ نَاقِصًا لأَنَّ القَضَاءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِعَدَدِ مَا فَاتَهُ كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وَيَجُوزُ أَنْ يَقْضِي يَوْمَ صَيْفٍ عَنْ يَوْمِ شِتَاءٍ وَأَنْ يَقْضِي يَوْمَ شِتَاءٍ عَنْ يَوْمِ صَيْفٍ. وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ. (فصل) : ثُم اعْلَمْ وَفَّقَنَا وَإِيَّاكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ أَنَّ لِلصِّيَامِ مَحَاسِنَ كَثِيرَةً وَهِيَ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الإِسْلامِي ثَبَّتْنَا اللهُ وَإِيَّاكَ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ فَمِنْهَا: أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا جَاعَ بَطْنُهُ انْدَفَعَ جُوعُ كَثِير مِنْ حَوَاسِهِ فَإِذَا شَبعَ بَطْنُهُ جَاعَ عَيْنُه وَلِسَانُهُ وَيَدُهُ وَفَرْجُهُ فَكَانَ تَشْبِيعُ النَّفْسِ تَجْوِيعًا لِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ، وَفِي تَجْوِيعِ النَّفْسِ تَشْبِيعُهَا فَكَانَ هَذَا التَّجْوِيعُ أَوْلَى وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا جَاعَ عَلِمَ حَالُ الفُقَرَاءِ فِي جَوْعِهِمْ فَيَرْحَمُهُمْ

стр. 406

وَيُعْطِيهِمْ مَا يَسُدُّ بِهِ جَوْعَهُمْ إِذْ لَيْسَ الْخَبَرُ كالْمُعَايَنَةِ لا يَعْلَمُ الرَّاكِبُ مَشَقَّة الرَّاجِلَ إِلا إِذَا تَرَجَّلَ. وَمِنْ مَحَاسِنِ الصِّيَامِ في فَرْضِهِ وَشَرْعِهِ أَنَّهُ لَمْ يُفْرَضْ فِي كُلِّ العُمْرِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْحُسْنِ بَلْ فُرِضَ شَهْرًا مِنْ كُلِّ سَنَةٍ شَهْرَ رَمَضَانَ وَرُخِصَّ فِي الإِفْطَارِ عِنْدَمَا يَحْصُلُ لَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ عُذْرٌ وَأَيْضًا أَمُرَ بالصَّوْمِ فِي النَّهَارِ وَأُبِيحَ في اللَّيْلِ الإِفْطَارُ، وَهَذَا مِنْ لُطْفِ اللهِ أَمَرَ عِبَادَهُ عَلى وَجْهِ يُمْكِنُ لَهُمْ فِيهِ إحْرَازُ الفَضِيلَةِ وَاكْتِسَابُ الوَسِيلَةِ وَمِنْ ذَلِكَ إنَّهُ خَصَّ الصِّيَامَ بالنَّهَارِ لأَنَّ الأَكْلَ فِيهِ مُعْتَادٌ، وَالنَّوْمُ في اللَّيْلِ مُعْتَادٌ وَمِنْ مَحَاسِنِ الصَّوْمِ اكْتِسَابِ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ لأَنَّ قِلةَ الأَكْلِ مِنْ مَحَاسِنِ الأَخْلاقِ. وَلِذَلِكَ لَمْ يُحْمَدْ أَحَدٌ بِكَثْرَةِ الأَكْلِ وَيُحْمَدُ عَلى قِلَّةِ الأَكْلِ يَحْمِدُهُ كُلُّ ذِي دِينٍ فِي كُلِّ حِينٍ وَلَمْ يُرَوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الأَنْبِيَاءِ كُثْرَةُ الأَكْلِ وَمِنْ جُمْلَةِ الْمَحَاسِنِ فِي الصِّيَامِ أَنَّ اللهَ مِنْ لُطْفِهِ بِعِبَادِهِ لَمْ يَشْتَرِطْ في القَضَاء مَا في الأداءِ مَنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَمْ يَشْتَرِطْ في القَضَاء طُولَ اليَوْمِ باليَوْمِ وَلا حَرَارَتَهُ وَلا بُرُودَتَهُ فَإِذَا أَفْطَرَ فِي أَطْوَلِ يَوْمٍ ثُمَّ قَضَاهُ فِي أَقْصَرِ يَوْمٍ أَجْزَاهُ وَكَفَاهُ. وَمِنْ جُمْلَةِ الْمَحَاسِنِ فِي الصَّوْمِ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرَطْ فِيهِ قِرَانُ النِّيَةِ عِنْدَ الشُّرُوعِ كَمَا فِي سَائِرِ العِبَادَاتِ لأَنَّ هَذَا الوَقْتِ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ قَلَّمَا يَقِفُ العَبْدُ عَلَيْهِ فَلوَ شُرِطَ لَضَاقَ الأمْرُ عَلَى النَّاسِ فَيَسَّرَ الأَمْرَ عَلَى عِبَادِهِ حَتَّى أَجَازَ الصَّوْمَ بِنِيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ تَقَعُ بِجُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ وَإِنْ طَرَأ عَلَيْهِ الأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالرَّفَثُ لأَنَّ اللهَ أَبَاحَ الأَكْلَ وَالشُّرْبَ إلى آخِرِ اللَّيْلِ فَلَوْ بَطَلَتْ بِهِ فَاتَ مَحَلُّهَا.

стр. 407

اللَّهُمَّ اسْلُكْ بِنَا سَبِيلَ عِبَادِكَ الأَبْرَارِ، وَنَجِّنَا مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وأَسْكِنَّا الْجَنَّةَ دَارَ القَرَارِ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) : كَتَبَ عُمر بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلى القُرَضِي: أَمَّا بَعَدُ فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ تَعِظُنِي وَتَذْكُرُ مَا هُو لِي حَظٌّ وَعَلَيْكَ حَقَّ وَقَدْ أَصَبْتَ بِذَلِكَ أَفْضَلَ الأَجْرِ إِنَّ الْمَوْعِظَةَ كَالصَّدَقَةِ بَلْ هِيَ أَعْظَمُ أَجْرًا وَأَبْقَى نَفْعًا وَأَحْسَنُ ذُخْرًا وَأَوْجَبُ عَلى الْمُؤْمِن حَقًّا، لِكَلِمَةُ يَعِظُ بِهَا الرَّجُلُ أَخَاهُ لِيَزْدَادَ بِهَا فِي هُدىً وَرَغْبَةٌ خَيْرٌ مِنْ مَالِ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِهِ إِلَيْهِ حَاجَةٌ، وَلِما يُدْرِكُ أَخُوكَ بِمَوْعِظَتِكَ مِنْ الْهُدَى خَيْرٌ مِمَّا يَنَالُ بِصَدَقَتِكَ مِنْ الدُّنْيَا وَلأَنْ يَنْجُو رَجُلٌ بِمَوْعِظَتِكَ مِنْ هَلَكَةٍ خَيْر مِنْ أَنْ يَنْجُو بِصَدَقَتِكَ مِنْ فَقْرٍ. فَعِظْ مَنْ تَعِظُ لِقَضَاءِ حَقٍّ عَلَيْكَ وَاسْتَعْمِلْ كَذَلِكَ نَفْسَكَ حِينَ تَعِظْ وَكُنْ كَالطَّبِيبِ الْمُجَرِّبِ العَالِمِ الذِي قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا وَضَعَ الدَّوَاءَ حَيْثُ لا يَنْبَغِي أَعْنَتَ نَفْسَهُ، وَإِذَا أَمْسَكَ مِنْ حَيْثُ يَنْبَغِي جَهْلَ وَأَثِمَ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُدَاوِي مَجْنُونًا لَمْ يُدَاوِهِ، وَهُوَ مُرْسَلٌ حَتَّى يَسْتَوْثِقَ مِنْهَ وَيُوَثِّقَ لَهُ خَشْيَةَ أَنْ لا يَبْلُغَ مِنْهُ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَتَّقِي مِنْهُ مِنْ الشَّرِ وَكَانَ طِبُّهُ وَتَجْرِبَتُهُ مِفْتَاحُ عَمَلِه، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ الْمِفْتَاحُ عَلى البَابِ لِكَيْمَا يُغْلَقُ فَلا يُفْتَحُ أَوْ ليُفْتَحَ فَلا يُغْلَقُ وَلَكِنْ لِيُغْلَقَ فِي حِينِهِ وَيُفْتَحَ فِي حِينِهِ. وَكُنْ نَاصِحًا لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعهِمْ بِإرْشَادِهِمْ لِلْحَقِّ عِنْدَ خَفَائِهِ وَمُرْهُمْ بِمَعْرُوفِ الشَّرِيعَةِ وَانْهَهُمْ عَنْ السُّوءِ وَازْجُرْ ذَا الْخَنَا عَنْ خَنَائِهِ وَعِظْهُمْ بَآيَاتِ الكِتَابِ بِحِكْمَةٍ لَعَلَّكَ تُبْرِي دَاءَهُمْ بِدَوَائِهِ

стр. 408

فَإِنَّ يَهْدِ مَوْلانَا بِوَعْظِكَ وَاحِدًا تَنَلْ مِنْهُ يَوْمَ الْحَشْرِ خَيْرَ عَطَائِهِ وَإلا فَقَدْ أَدَّيْتَ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْكَ وَمَا مَلَكَتْ أَمْرَ اهْتِدَائِهِ اللَّهُمَّ ألْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَوَفِّقْنَا لِلْقِيَامِ بِحَقِّكَ وَبَارِكْ لَنَا فِي الْحلال مِنْ رِزْقَكَ وَلا تَفْضَحْنَا بَيْنَ خَلْقِكَ يَا خَيْرَ مَنْ دَعَاهُ دَاعٍ وَأَفْضَلَ مَنْ رَجَاهُ رَاجٍ يَا قَاضِيَ الْحَاجَاتِ وَمُجِيب الدّعَواتِ هَبْ لَنَا مَا سَأَلْنَاهُ وَحَقِّقْ رَجَاءَنَا فِيمَا تَمَنَّيْنَاهُ يَا مِنْ يَمْلِكُ حَوائِجَ السَّائِلين وَيَعْلَمُ مَا فِي ضَمَائِر الصَّامِتِينَ أَذِقْنَا بِرْدَ عَفْوِكَ وَحَلاوَةَ مَغْفِرَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ. اللَّهُمَّ يَا مَنْ خَلَقَ الإِنْسَانَ في أَحْسَنِ تَقْويمٍ وَبِقُدْرَتِهِ التي لا يُعْجِزُهَا شَيْءٌ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِي رَمِيمٌ نَسْأَلُكَ أَنْ تَهْدِينَا إِلى صِرَاطِكَ الْمُسْتِقيمِ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصَّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالِحِينَ، وَأَنْ تَغْفِرْ لَنَا وَلِوالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمِ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فَصْلٌ) في صَلاةِ التَّرَاوِيحِ وَيَبْحَثُ في: ١- مَشْرُوعِيَّةِ صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ. ٢- صِفَةِ أو كَيْفِيَّةِ التَّرَاوِيحِ. ٣- مَذَاهِبِ العُلَمَاَءِ ﵏ في عَدَدِ رَكَعَاتِهَا. ٤- مَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا. ١- مَشْرُوعِيَّةِ صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ.

стр. 409

التَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ مَؤَكَّدةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ صَلَّى فِي الْمَسْجِدَ فَصَلَّى بِصَلاتِهِ نَاسٌ ثُمَّ صَلَّى الثَّانِيَةَ فَكَثَرَ النَّاسُ ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: «رَأَيْتُ الذِي صَنَعْتُمْ فَلَمْ يَمْنَعِنِي مِنْ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» . وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَتْ: (كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ فِي الْمَسْجِدِ فِي رَمَضَانَ باللَّيْلِ أَوْزَاعًا مَعَ الرَّجُلِ الشَّيْءَ مِنْ القُرْآنِ، فَيَكُونُ مَعَهُ النَّفَرُ الْخَمْسَةُ، أَوْ السَّبْعَةُ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ، قَالَتْ: فَأَمَرِنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أنْصِبَ لَهُ حَصِيرًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، فَفَعَلْتُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى العِشَاءَ الآخِرَةِ فاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مَنْ فِي الْمَسْجِد فَصَلَّى بِهِمْ. وَذَكَرْتُ القِصَّةَ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ، غَيْرَ أَنَّ فِيهَا أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ) . وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نَفِيرٍ عَنْ أَبِي ذَر ﵁ قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمْ يُصَلِّ بِنَا حَتَّى بَقِي سَبْعٌ مِنَ الشَّهْرِ فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ: لَوْ نَفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لِيْلَتِنَا هَذِهِ فَقَالَ: «مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامَ حَتَّى يَنْصَرِفَ كَتَبَ اللهُ لَهُ قِيَامَ لِيْلَةٍ» . ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا حَتَّى بَقِي ثَلاثٌ مِنَ الشَّهْرِ فَصَلَّى بِنَا فِي الثَّالِثَةِ وَدَعَا أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ حَتَّى تَخَوَّفنَا الفَلاحَ، قَلْتُ لَهُ: وَمَا الفَلاحَ؟ قَالَ: السُّحُورُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُرَغِّبُ في قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرُهُمْ بِعَزِيمَةٍ) ،

стр. 410

فَيَقُولَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . وَعَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ: أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ فَرَضَ صِيَامَ رَمَضَانِ، وَسَنَنْتُ قِيَامَهُ فَمَنْ صَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا خَرَجَ مِنْ ذِنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أَمُّهُ» . وَعَنْ زَيْدِ بن ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةٌ فِي حَصِيرِ فَصَلَّى فِيهَا لَيَالٍ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ نَاسٌ، ثُمَّ فَقَدُوا صَوْتَهُ لَيْلَةً فَظَنُّوا أَنَّهُ نَامَ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «مَا زَالَ بِكُمْ الذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلاةِ الْمَرْءِ في بَيْتِهِ إِلا الصَّلاةَ الْمَكْتُوبَةَ» . ٢- صِفَةِ أو كَيْفِيَّةُ صَلاةِ التَّرَاوِيحِ: صَلاةِ التَّرَاوِيحِ بِجَمَاعَةٍ أَفْضَلُ، قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: (كَانَ عَلي، وَجَابِرُ، وَعَبْدُ اللهِ ﵃ يُصَلُّونَهَا جَمَاعَةً) ، وَرُوِيَ عَنْ عَلي ﵁: (أَنَّهُ كَانَ يَجْعَل لِلرِّجَالِ إِمَامًا وَلِلنِّسَاءِ إمَامًا) . وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: إِنَّ النَّبِي ﷺ جَمَعَ أَهْلَهُ وَأَصْحَابَهُ وَقَالَ: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامَ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلِهِ» . وَيَجْهَرُ الإِمَامُ بالقِرَاءَةِ لِنَقْلِ الْخَلَفِ عَن السَّلَفِ. وَيُسَلِّمُ مِنْ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ، وَوَقْتَهَا بَعْدَ صَلاةِ العِشَاءِ، قَبْلَ الوِتْرِ إِلى طُلُوعِ الفَجْرِ، وَفِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلٌ، لأَنَّ النَّبِي ﷺ صَلاهَا ثَلاثَ لَيَالٍ مَتَوَالِيَةً، كَمَا رَوَتْ عَائِشَةَ ﵂ وَمَرَّةً ثَلاثَ لَيَالٍ

стр. 411

مُتَفَرِّقَةٍ كَمَا رَوَى أُبُو ذَرّ قَالَ: مَنْ قَامَ مَعِ الإِمَامَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ، وَكَانَ أَصْحَابَهُ يَفْعَلُونَهَا فِي الْمَسْجِدْ أَوْزَاعًا فِي جَمَاعَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي عَهْدِهِ. وَالوَقْتَ أَنْفَسُ ما عُنِيْتَ بِحْفظِهِ ... وَرَاهُ أَسْهَلَ مَا عَليْكَ يضِيْعُ شِعْرًا: ... وَمَا اللَّيْل إلا لِلمُنِيب مَطِيَّةٌ ... وَمِيدَانُ سَبْق لِلذِي يَتَهَجَّدُ آخر: يَهْوَى الدَّيَاجِي إِذَا الْمَغْرُورُ أَغْفَلِهَا ... كَأَنَّ شُهْبَ الدَّيَاجِي أَعْيَنٌ نُجُلُ آخر: إِذَا شَمَّ الفَتَى بَرْقَ الْمَعَالِي ... فَأَهْوَنُ فَائِتٍ طَيْبُ الرِّقَادِ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن القاَرِئْ قَالَ: (خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بُنِ الْخَطَّابِ في رَمَضَانَ إِلى الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مَتَفَرِّقُونَ يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاءِ علَىَ قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ. ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبِيّ بِنْ كَعْبٍ ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ قَارِئِهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ: (نِعْمَتْ البِدْعَةُ هَذِهِ، وَالتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ التِي يَقُومُونَ) . يَعْنِي: آخِرُ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ. فَدَلَّتْ هَذِهِ الأَخْبَارُ وَغَيْرِهَا عَلَى أَنَّ فِعْلَ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً أَفْضَلُ مِنْ الانْفِرَادِ وَكَذَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَأَهْلِ الأَمْصَارِ عَلَى ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَتَجُوزُ فُرَادَى وَاخْتَلَفَ أَيَّتُهما أَفْضَلُ لِلقَارِئ، قَالَ البَغَوِي وَغَيْرِه: الْخِلافُ بِمَنْ يَحْفَظُ القُرْآنَ، وَلا يَخَافُ الكَسَلَ عَنْهَا لَوْ انْفَرَدَ، وَلا تَخْتَلُّ الْجَمَاعَةُ بِتَخَلُّفِهِ، فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ هَذِهِ الأمُورِ فَالْجَمَاعَةُ أَفْضَلُ بِلا خِلافٍ وَأَمَّا عَدَدُ صَلاةِ التَّرَاوِيحِ فَقَالَ القَاضِي: لا خِلافَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ حَدٌّ لا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلا يَنْقُصْ مِنْهُ. فَاخْتَارَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَجُمْهُورُ العُلَمَاءِ عِشْرِينَ رَكْعَةً لِمَا رَوَى مَالِكُ فِي (الْمُوَطَّأِ) عَنْ يَزِيدِ بن رُومَانَ قَالَ: (كَانَ النَّاسُ فِي زَمَنِ عُمَرَ يَقُومُونَ فِي رَمَضَانَ بِثَلاثِ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً) .

стр. 412

وَقَالَ السَّائِبُ بِنْ يَزِيدَ: لِمَّا جَمَعَ عُمَرَ النَّاسَ عَلَى أُبِيّ بِنْ كَعْبٍ، وَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ عِشْرِينَ رَكْعَةً. وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فِي كِتَابِهِ (الشَّافِي) : عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِي ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً. وَقَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ: لَهُ أَنْ يُصَلِّيهَا عِشْرِينَ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ في مَذْهَب أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِي، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيهَا سِتًّا وَثَلاثِينَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ، وَثَلاثَ عَشْرَةَ وَكُلُّهُ حَسَنٌ، فَيَكُونَ تَكْثِيرُ الرَّكَعَاتِ أَوْ تَقْلِيلُهَا بِحَسْبِ طُولِ القِيَامِ وَقِصَرِهِ. وَقَالَ: الأَفْضَلُ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ الْمُصَلِّينَ فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ احْتَمَالٌ بِعَشْرِ رَكْعَاتٍ وَثَلاثٍ بَعْدَهَا، كَمَا كَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ فَهُو الأَفْضَلُ، وَإِنْ كَانُوا لا يَحْتَمِلُونَهُ، فَالْقِيَامُ بِعِشْرِينَ هُوَ الأَفْضَلُ وَهُوَ الذِي يَعْمَلُ بِهِ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ وسَطٌ بَيْنَ العَشْرِ وَالأَرْبَعِينَ، وَإِنْ قَامَ بَأَرْبَعِينَ وَغَيْرِهَا جَازَ، وَلا يَكْرَهُ شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ فِيهِ عَدَدٌ مُؤَقَّتُ لا يُزْدَادُ فِيهِ وَلا يُنْقَصُ مِنْهُ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَقَدْ يَنْشَطُ العَبْدُ فَيَكُونُ الأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ تَخْفِيفِهَا. وَقَالَ: قِرَاءَةُ القُرْآنِ في التَّرَاوِيحِ سُنَّةٌ باتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ مِنْ أَجْلِ مَقْصُودِ التَّرَاوِيحِ قِرَاءَةُ القُرْآنِ فِيهَا لِيَسْمَعُوا كَلامَ اللهِ، فَإِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ فِيهِ نَزَلَ القُرْآنِ - فِيهِ كَانَ جِبْرِيلُ يُدَارِسُ النَّبِيِّ ﷺ . انْتَهَى كَلامَهُ ﵀. وَاللهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) ٤- مَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا: وَعَلَى الإِمَامِ أَنْ يَتَّقِي اللهَ فَلا يُسْرِعُ سُرْعَةً تَمْنَعُ الْمَأْمُومِ مِنْ الإِتْيَانِ بِرُكْنٍِ كَالطُمْأَنِينَةِ، أَوْ وَاجِبٍ كَتَسْبِيحِ رُكُوعِ وَتَسْبِيحِ سُجُودِ، أَوْ

стр. 413

قَوْلِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَمَنَ الْمُؤْسِفِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ، أَثْقَلُ الأَئِمَةِ عِنْدَهُ مَنْ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ بِخُشُوعٍ وَخُضُوعٍ وَاطْمِئْنَانٍ، وَلِذَا يَفِرُّونَ مِنْهُ وَيَذْهَبُونَ إِلى مَنْ يُسْرِعُ بِهَا وَلا يُتِمُّها عَلَى الوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، وَلا يَطْمَئِنُّ بِهَا، وَالطَّمَأْنِينَةُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاةِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ لِلْمُسِيءِ في صَلاتِهِ لَمَا أَخَلَّ بِالطُّمَأنِينَةِ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» . وَقَالَ ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . وَكَانَ السَّلَفُ يَعْتَمِدُونَ عَلَى العُصِيّ مِنْ طُولِ القِيَامِ. وَعَنْ الأَعْرَجِ قَالَ: (مَا أَدْرَكْنَا النَّاسَ إلا وَهُمْ يَلْعَنُونَ الكَفَرَةَ فِي رَمَضانَ. وَقَالَ: وَكَانَ القَارِئُ يَقْرَأُ سُورَةَ البَقَرَةِ فِي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، وَإِذَا قَامَ بِهَا فِي اثْنَتَي عَشْرَةَ رَكْعَةً رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ) . وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بِنْ بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: كُنَّا نَنْصَرِفُ فِي رَمَضَانَ مِنْ القِيَامِ فَنَسْتَعْجِلُ الْخَدَمَ بالطَّعَامِ مَخَافَةَ فَوْتِ السُّحُورِ، وَفِي أُخْرَى: (مَخَافَةَ الفَجْرِ) . وَعَنْ السَّائِبِ بن يَزِيدَ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ أُبَيّ بن كَعْبٍ، وَتَمِيمًا الدَّارِي ﵃ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ فِي رَمَضَانَ بِإحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةٍ، فَكَانَ القَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى العُصيِّ مِنْ طُولِ القِيَامِ، فَمَا كُنَّا نَنْصِرِفُ إِلا فِي فُرُوعِ الفَجْرِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ بِسُورَةِ القَلَمِ فِي عِشَاءِ الآخِرَةِ مِنْ الليلةِ الأَوْلَى مِنْ رَمَضَانَ بَعْدَ الفَاتِحَةِ لأَنَّها أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنْ القُرْآنِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لا يَنْقُصَ عَنْ خَتْمَةٍ فِي التَّرَاوِيحِ لِيَسْمَعَ النَّاسُ جَمِيعَ القُرْآنِ. وَيَتَحَرَّى أَنْ يَخْتِمَ آخِرَ التَّرَاوِيحِ قَبْلَ رُكُوعِهِ وَيَدْعُو.

стр. 414

شِعْرًا: وَلَيْسَ فَتَى الفِتْيَانِ مِنْ كَانَ هَمُّهُ ... جَرَائِدَ يَقْرَأهَا وَمِذْيَاعَ يَسْمَعُ وَلَكِنْ فَتَى الفِتْيَانِ مِنْ كَانَ هَمُّهُ ... قِرَاءَةُ قُرْآنٍ فَيَتْلُو وَيَسْمَعُ وَلِشَيْخِ الإِسْلامِ فِي ذَلِكَ دُعَاءٌ جَامِعٌ شَامِلٌ. وَقَالَ: رُوِيَ أَنَّ عِنْدَ كُلِّ خَتْمَةٍ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ. وَقَالَ العُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ لِقَارِئِ القُرآنِ إِذَا خَتَمَهُ أَنْ يَجْمَعَ أَهْلَه فَإِنَّهُ روي عن أنسِ بن مالكٍ أنه كان يَجْمَعُ أَهْلَهُ عند خَتْمِ القُرآنِ. وعنه أنه إذا أشْفَى على خَتْمِ القُرآن بالليل بَقِيَ أَرْبَعُ سُورٍ أَوْ خَمْس فَإِذَا أَصَبَحَ جَمَعَ أَهْلَهُ فَخَتمه ودعا، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ عَلِمَ بالخَتْمِ أَنْ يَحْضُرَهُ. ورُوِي عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ رَجُلاً كَانَ يَقْرأ في مَسْجِدِ رسول الله ﷺ فكان ابنُ عباسٍ يجعَلُ عليه رَقيبًا. فإذا أَرادَ أن يختمَ قال لِجُلَسَائِهِ: قُومُوا بنا حتى نَحْضُرَ الخاتِمَةِ. وعن مجاهد: كانوا يَجْتَمِعُونَ عند خَتْمِ القُرآن وَيَقُولُونَ: الرحمةُ تنزل. وعن الحَكَمِ بن عُتَيْبَةَ قَالَ: كَانَ مُجَاهِدُ وعنده ابْنُ أَبي لُبَابَةَ وَأُنَاسٌ يَعْرِضُونَ القُرْآنَ فَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَخْتِمُوهُ أَرْسَلُوا إِلَيْنَا وَقَالُوا: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَخْتِمَ فَأَحْبَبْنَا أَنْ تَشْهَدُونَا فَإِنَّهُ يُقَالُ: إِذَا خُتِمَ القُرآن نَزَلَتِ الرَّحْمَةُ عند خَتْمِهِ، أو حَضَرَتِ الرحمةُ عند خَتْمِهِ. وقال وُهَيْبُ بنُ الوَرْد: قال لي عَطَاءٌ: بَلَغَنِي أَنَّ حُمَيْدَ الأَعْرجَ يُرِيدُ أَنْ يَخْتِمَ القُرآنَ فَانْظُرْ إِذَا أَرَادَ أن يَخْتِمَ فَأخْبِرْنِي حَتَّى أَحْضُرَ الْخَتْمَةَ. وقال في المغني: (فَصْلٌ) : فِي خَتْمِ القُرْآنِ: قَالَ الفَضْلُ بن زِيَادٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ فُقُلْتُ أَخْتمُ القُرْآنِ أَجْعَلُهُ في الوِتْرِ أَوْ فِي التَّرَاوِيحِ؟ قَالَ: اجْعَلْهُ فِي التَّرَاوِيحِ حَتَّى يَكُونَ لَنَا دُعَائَيْن. قُلْتُ: كَيْفُ أَصْنَعُ؟ قَالَ إِذَا فَرِغْتَ مِنْ آخِرِ القُرْآنِ فَارْفَعْ يَدَيْكَ قَبْلَ أَنْ تَرْكَعَ وادُعْ بِنَا وَنَحْنُ في الصَّلاةِ وَأَطِلِ القِيَامِ. قُلْتُ: بِمَا أَدْعُو؟

стр. 415

قَالَ: بِمَا شِئْتَ. قَالَ: فَفَعَلْتُ بِمَا أَمَرَنِي وَهُوَ خَلْفِي يَدْعُو قَائِمًا وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ. قَالَ حَنْبَلُ: سَمِعْتُ أَحْمَدُ يَقُولُ في خَتمِ القُرْآنِ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ قِرَاءِة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فَارْفَعْ يَدَيْكَ فِي الدُّعَاء قَبْلَ الرُّكُوعِ. قُلْتُ: إِلى أَيُّ شَيْءٍ تَذْهَبُ فِي هَذَا؟ قَالَ: رَأَيْتُ أَهْلَ مَكَّةَ يَفْعَلُونَهُ، وَكَانَ سُفْيَانُ بَنْ عُيَيْنَةَ يَفْعَلْهُ مَعْهُم بِمَكَّةَ. قَالَ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ العظيم وَكَذَلِكَ أَدْرَكْنَا الناسَ بالبَصْرَةِ وَبِمَكَّةِ. وَيَرْوِي أَهْلُ المدينةِ فِي هَذَا شَيْئًا وَذَكَر عَنْ عُثْمَانَ بنِ عفان. وقالَ في الشرح الكبير مِثْلَ مَا قال في الْمُغْنِي، وقال في الأذكار: وَيُسْتَحَّبُ حُضُورُ مَجْلِسِ الْختمِ لِمَنْ يَقْرَأ وَلِمَنْ لا يُحْسِنُ أَنْ يَقرأ فَقَد رُوِينَا في الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ الحُيَّضَ بالخروج يومَ العِيدِ فلْيَشْهَدْنَ الخيرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِين. وَوَرَدَ: لا يَجْتَمعُ مَلاءٌ فَيَدْعُو بَعْضُهم ويُؤمِّنُ بَعْضُهُمْ إلا أجَابَهمُ الله. (طب، ك، ق) . تَمَسَّكَ بِحَبَّلِ اللهِ وَاتَّبِعِ الْهُدَى ... وَلا تَكُ بِدْعيًا لَعَلَّكَ تَفْلِحُ وَدِنْ بِكِتَابِ اللهِ وَالسُّنَنِ التِي ... أَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ تَنْجُو وَتَرْبَحُ وَقُلْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَلامُ مَلِيكِنَا ... بِذَلِكَ دَانَ الأَتْقِيَاءُ وَأَفْصَحُوا وَقُلْ يَتَجَلَّى اللهُ لِلْخَلْقِ جَهْرَةٍ ... كَمَا البَدْوُ لا يَخْفَى وَرَبُّكَ أَوْضَحُ وَلَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَيْسَ بِوَالِدٍ ... وَلَيْسَ لَهُ شِبْهُ تَعَالى الْمُسَبَّحُ وَقَدْ يُنْكِرُ الْجَهْمِيُّ هَذَا وَعِنْدَنَا ... بِمِصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيثٌ مُصَحَّحُ رَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ مَقَالِ مُحَمَّدٍ ... فَقُلْ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ في ذَلِكَ تَنْجَحُ وَقَدْ يُنْكِرُ الْجَهْمِيُّ أَيْضًا يَمِينَهُ ... وَكِلْتَا يَدَيْهِ بِالفَوَاضِلِ تُفْتَحُ وَقُلْ يَنْزِلُ الْجَبَّارُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ... بِلا كَيْفٍ جَلَّ الوَاحِدُ الْمُتَمَدِّحُ إِلى طَبَقِ الدُّنْيَا يَمُنُّ بِفَضْلِهِ ... فَتُفْرَجُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُفْتَحُ يَقُولُ أَلا مُسْتَغْفِرًا يَلْقَ غَافِرًا ... وَمُسْتَمْحِنًا خَيْرًا وَرَزِقًا فَيَمْنَحُ رَوَى ذَاكَ قَوْمٌ لا يُرَدُّ حَدِيثُهُمْ ... أَلا خَابَ قَوْمٌ كَذَبُوهُم وَقُبِّحُوا

стр. 416

وَقُلْ إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ... وَزِيْرَاهُ قِدْمًا ثُمَّ عُثْمَانَ الأَرْجَحُ وَرَابِعْهُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ بَعْدَهُمْ ... عَلَيّ حَلِيفُ الْخَيْرِ بِالْخَيْرِ مُمْنَحُ وَإِنَّهُمُوا وَالرَّهْطُ لا شَكَّ فِيهِمْ ... عَلَى نُجَبِ الفِرْدَوْسِ بِالْخُلْدِ تَسْرَحُ سَعِيدٌ وَسَعْدٌ وَابنُ عَوْفٍ وَطَلْحَةٌ ... وَعَامِرُ فَهْرٍ وَالزُّبَيْرُ الْمُمَدَّحُ وَقُلْ خَيْرُ قَوْلٍ فِي الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ ... وَلا تَكُ طَعَّانًا تَعِيبُ وَتَجْرَحُ فَقَدْ نَطَقَ الوَحْيُ الْمُبِينُ بِفَضْلِهِمْ ... وَفِي الفَتْحِ آيٌ لِلصَّحَابَةِ تَمْدَحُ وَبِالقَدَرِ الْمَقْدُورِ أَيْقَنْ فَإِنَّهُ ... دَعَامَةِ عَقْدَ الدِّينِ وَالدِّينُ أَفْيَحُ وَلا تُنْكِرنَ جَهْلاً نَكِيرًا وَمُنْكَرًا ... وَلا الْحَوْضِ وَالْمِيزَانَ إِنَّكَ تُنْصَحُ وَقُلْ يُخْرِجُ اللهُ العَظِيمُ بِفَضْلِهِ ... مِنَ النَّارِ أَجْسَادًا مِنْ الفَحْمِ تُطْرَحُ عَلَى النَّهْرِ فِي الفِرْدَوْسِ تَحْيَا بِمَائِهِ ... كَحَبِّ حَمِيلِ السَّيُلِ إذْ جَاءَ يَطْفَحُ وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ لِلْخَلْقِ شَافِعٌ ... وَأَنَّ عَذَابَ القَبْرِ بِالْحَقِّ مُوْضَحُ وَلا تُكْفِرَنْ أَهْلَ الصَّلاةِ وَإِنْ عَصَوا ... فَكُلُّهُمْ يَعْصِي وَذُو العَرْشِ يَصْفَحُ وَلا تَعْتَقِدْ رَأَيْ الْخَوَارِجْ إِنَّهُ ... مَقَالٌ لِمَنْ يَهْوَاهُ يُرْدِي وَيَفْضَحُ وَلا تَكُ مُرْجِيًّا لَعُوبًا بِدِينِهِ ... أَلا إِنَّمَا الْمُرْجِي بِالدِّينِ يَمْزَحُ وَقُلْ إِنَّمَا الإِيْمَانُ قَوْلٌ وَنِيَّةً ... وَفِعْل عَلَى قَوْلِ النَّبِي مُصَرَّحُ وَيَنْقُصُ طَوْرًا بِالْمَعَاصِي وَتَارَةً ... بِطَاعَتِهِ يَنْمَى وَفِي الوَزْنِ يَرْجَحُ وَدَعْ عَنْكَ آرَاءَ الرِّجَالِ وَقَوْلَهُمْ ... فَقَوْلُ رَسُولِ اللهِ أَزْكَى وَأَرْجَحُ وَلا تَكُ مِنْ قَوْمٍ تَلَهَّوا بِدِينِهِمْ ... فَتَطْعَنَ فِي أَهْلِ الْحَدِيثِ وَتَقْدَحُ إِذَا مَا اعْتَقَدْتَ الدَّهْرَ يَا صَاحِ هَذِهِ ... فَأَنْتَ عَلَى خَيْرٍ تَبِيتُ وَتُصْبِحُ اللَّهُمَّ هَبْ لَنَا مَا وَهَبْتَهُ لِعَبَادِكَ الأَخْيَارِ وَانْظُمْنَا فِي سِلْكِ الْمُقَرِّبِينَ وَالأَبْرَارِ وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَاغْفِرَ لَنَا

стр. 417

وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. موعظة عباد الله: تَصَرَّمَت الأَعْوامُ عَامًا بَعْدَ عَام، وأنتم في غَفْلَتِكمُ ساهون نيام. أما تُشَاهِدُونَ مَواقِع المنايا، وحلولَ الآفاتِ والرَّزَايَا. وَكيفَ فاز وأفلحَ المتقون، وكيفَ خَابَ وخَسرَ المبطلون المفرطون، فياليتَ شِعْرِي على أي شيءٍ تُطْوَى صَحَائِفُ الأعمال. أعَلىَ أعْمالٍ صَالِحَةٍ وتوبةٍ نَصُوح تُمْحَى بها الآثامْ؟ أم علىَ ضِدهَا فَلْيَتُبِ الجاني إلى رَبِّه فالعملُ بالخِتام. فاتقوا الله عبادَ اللهِ واستدِركُوا عُمُرًا ضيعتمُ أَوَّلَهُ، فإنَّ بَقَيِةَ عُمُرِ الْمُؤْمِنِ لا قيمة له. فرحِمَ اللهُ عَبْدًا اغتنمَ أيامَ القُوةِ والشبابِ وأسرعَ بالتوبةِ والإنابةِ قَبلَ طي الكِتابْ، وأخَذَ نَصِيبًا مِن الباقياتِ الصالحات قَبْلَ أن يَتَمَنَّى سَاعةً وَاحِدَةً مِنْ سَاعَاتِ الْحَيَاةِ. أينَ مَنَ كان قَبْلَكُم في الأوقاتِ الماضيةِ؟ أما وَافَتْهَمُ المنايا وَقَضَتْ عَليهم القَاضيَةُ، أين آباؤُنَا؟ وأينَ أمهَاتنا؟ أينَ أقارِبُنَا؟ وأينَ جِيرَانُنا؟ أَيْنَ مَعَارفُنا؟ وأينَ أصْدِقَاؤنَا؟ رَحَلُوا إلى القُبور وقلَّ واللهِ بَعدهَم بقَاؤُنا. هَذِهِ دُورُهَمُ فِيهَا سِوَاهمُ، هَذا صَدِيقُهم قَد نَسِيَهَمْ وَجَفَاهمُ. أخبارهُم السَّالَفةُ تُزعجُ الأَلْبَابْ، وادِّكَارِهُم يَصْدَعُ قُلُوبَ الأحباب. وأَحْوَالَهُم عِبرةٌ لِلْمُعْتَبِرينَ. فتأملوا أَحْوال الراحلين، واتعظُوا بالأمَمِ الماضِين، لعل القلبَ القاسيَ يلين. وانْظُرُوا لأَنْفُسِكم ما دُمْتُمْ في زَمَنِ الإمهالِ، واغْتَنِمُوا فِي حَيَاتِكمُ صَالحَ الأعمالِ، قَبلَ أن تقولَ نفسٌ: يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ، فيقالُ: هَيْهَاتَ فَاتَ زَمَنُ الإِمْكَانِ، وَحَصَلَ الإِنْسَانُ على عَمَلِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ عِصْيَان. فَنَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ يَا كَرِيمُ يَا مَنَّان أن تختم أعمالنا بالعفو والغفران، والرحمة، والجود والامتنان، وأن تجعل وقتنا مباركًا حميدًا، وَتَرْزُقَنَا فِيهِ رِزْقًا واسِعًا وتَوفيقًا وَتَسْدِيدًا. اللَّهُمَّ اخْتمُ بالصالحاتِ أعمالنا، وأصلح لنا جميع أحوالنا. أَفي كُلَّ يَوْمِ لي مُنَىً أَسْتَجدُّهَا ... وَأَسْبَابُ دُنْيًا بِالغرورُ أَوَدُّهَا؟

стр. 418

وَنَفْسٌ تَزَيَّا لَيْتَهَا في جَوَانِحٍ ... لِذِي قُوَّةٍ يَسْطِيعُهَا فَيَرُدُّهَا تَعَامَهُ عَمْدًا وَهِيَ جِدُّ بَصيرَةً ... كَمَا ضَلَّ عَنْ عَشَواءَ باللّيلِ رًشْدُهَا إِذَا قُلْتُ يَوْمًا: قَدْ تَنَاهَى جِمَاحُهَا ... تَجَانَف لي عَنْ مَنْهَج الحَقِّ بُعْدُهَا وَأَحسَبُ مَولاهَا كَما يَنْبَغي لَهَا ... وَإِنِّي مِنْ فَرْطِ الإِطَاعَةِ عَبْدُهَا وَأْهَوَى سَبِيلاً لا أُرَى سَالِكًا بِهَا ... كَأَنِّي أَقْلاهَا وَغَيرِي يَوَدُّهَا وَأَنْسَى ذُنُوبًا لِي أَتَتْ فَاتَ حَصْرُهَا ... حِسَابِي وَرَبِّي لِلْجَزَاءِ يَعُدُّهَا أُقرُّ بِهَا رَغْمًا وَلَيْسَ بِنَافعِي ... -وَقَدْ طُوِيَتْ صُحْفُ المَعَاذِيرُ- جَحْدُهَا وَلَمْ أَرَ كَالدُّنْيا تَصُدُّ عَنِ الذي ... يَوَدُّ مُحِبُّوهَا فَيَحْسُنُ صَدُّهَا وَتَسْقِيهُمُ منِهْاَ الأُجَاجَ مُصَرَّدًا ... وَكَيْفَ بِهَا لَوْ طَابَ لِلْقَوم عدُّها؟ أَرَاهَا عَلَى كُلِّ العُيُوب حَبِيبَةً ... فَيَا لِقُلُوبَ قَدْ حَشَاهُنَّ وُدُّهَا وَحُبُّ َبني الدُّنيا الحياة مَسِيئَةً ... بِهِمْ ثَلَمَةٌ بِالنَّفْسِ أَعْوزَ سَدُّها سَقَى الله قَلْبًا لَمْ يَبِتْ فِي ضُلُوعِهِ ... هَواهَا وَلَمْ يَطْرُقْ نَوَاحِيهِ وَجْدُهَا تَخَفَّفَ مِن أَزْوَادِهَا مِلْءَ طَوْقِهِ ... فَهَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ فَقدُها اللَّهُمَّ يَا مَنْ عَمَّ البَرِيَّةِ جُودُهُ وَإِنْعَامِهُ نَسْأَلُكَ أَنْ تَتَفَضَّلَ عَلَيْنَا بِعَفْوِكَ وَغُفْرَانكِ، وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. فصل في مَشْرُوعِ صَلاةِ الوِتْرَ، وَحُكْمَهَا. وَوَقْتِ صَلاةِ الوِتْرَ. وَالقِرَاءَةِ المُسْتَحَبَّةُ فِيهَا. وَعَدَدِ رَكَعَاتِهَا. وَدُعَاءِ القُنُوتِ في الوِتْرِ. ١- مَشْرُوعِيَّةُ صَلاةِ الوِتْرِ، وَحُكْمُهَا: الوِتْر سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِمُدَاوَمَتِهِ ﷺ عليه في حَضْرِهِ وفي سَفَرِ، وَلِمَا وَرَدَ عَنْ

стр. 419

عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: (لَيْسَ الوِتْرُ بحَتْمِ كَهَيْئَةَ المَكْتُوبَةً، وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِي وَحَسَّنَهُ، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَة) وَلَفْظُهُ: إِنَّ الوتْرَ لَيْسَ بحَتْم وَلا كَصَلاتِكُمْ، وَلَكِنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَوْتَرَ، فَقَالَ: «يَا أَهْلَ القُرْآنِ أَوْتِرُوا فَإِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ» . وَعَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ، ثُمَّ انْتَظَرُوهُ مِنَ القَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ وَقَالَ: «خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُم الوتْرُ» . رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَعَنْ ابن عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَوْتَرَ عَلَى بَعِيرِهِ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ. ٢- وقت صلاة الوتر: وَوَقْتَ الوِتْرِ بَعْدَ صَلاةِ العِشَاءِ وَسُنَّتِهَا لِمَا رَوَى خَاجَةُ بنُ حُذَافَةُ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَقَالَ: «لَقَدْ أَكْرَمَكُمْ اللهُ بِصَلاةٍ هِي خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمُرِ النِّعَم» ، قُلْنَا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الوِتْرُ فَيمَا بِيْنَ صَلاةِ العِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ» . رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلا النِّسَائِي. وَرَوَى أَبُو بَصْرَةَ: أَنَّ النبي ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ زَادَكُمْ صَلاةً فَصَلُّوَها مَا بَيْنَ صَلاةِ العِشَاءِ إلِى صَلاةِ الصُّبْحِ، الوِتْرُ» . رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ. وَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ ﷺ : «فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالأَفْضَلُ فِعْلُهُ سَحَرًا، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: مِنْ كُلِّ الليلِ قَد أَوْتَرَ رَسُولُ

стр. 420

اللهِ ﷺ فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ جَعَلَ الوِتْرَ بَعْدَهُ، وَمَنْ خَشِي أَنْ لا يَقُومَ، أَوْتَرَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، لَمَا وَرَدْ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ خَافَ أَنْ لاَ يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَهُ فَإِنَّ صَلاَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ وَذَلِكَ أَفْضَلُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَإِنَّ أَحَبَّ مَنْ لَهُ تَهَجُّدٌ مُتَابَعَةَ الإِمَامِ في وُتْرِهِ قَامِ إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ وَأَتَى بِرَكْعَةٍ بَعْدَ الوِتْرِ شَفَعَ بِهَا رَكْعَةَ الوِتْرِ. ثُمَّ إِذَا تَهَجَّدَ أَوْتَرَ فَينَالُ فَضِيلَةَ مُتَابَعَةِ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصِرَف، لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» . صَحَّحَهُ التِّرْمِذِي. وَيَنَالُ فَضِيلَةَ جَعْلِ وِتْرِهِ آخِر صَلاتِهِ لِحَدِيثِ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» . مُتَفَّقٌ عَلَيْهِ. وَيَقْضِيهِ مَعَ شَفْعِهِ إِذَا فَاتَ وَقْتُهُ لِحَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنِ الوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاودَ. وَلا يَصِحُّ الوِتْرُ قَبْلَ صَلاةِ العِشَاءِ لِعَدَمِ دُخُولِ وَقْتِهِ، وَأَقَلَّ الوِتْرِ رَكْعَةٌ، وَلا يُكْرَهُ الإِتْيَانُ بِهَا مُفْرَدَة وَلَوْ بِلا عُذْرٍ مِنْ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِمَا لِمَا ورد عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُمَا سَمِعَا النَّبي ﷺ يَقُولُ: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمُ.

стр. 421

وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسِ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاَثٍ فَلْيَفْعَلْ» . رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلا التٍّرْمِذِي. وَثَبَتَ عَنْ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ الوِتْرَ رَكْعَةٌ مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرِ، وَعُمَرُ، وَعَائِشَةُ ﵃ وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ أَهْلِ العِلْمِ: مَالِكٍ، وَالشَّافِعِي وَغَيْرِهِمْ - رَحِمَهُم اللهُ تَعَالَى. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى مَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ) . وِفِي لَفْظٍ: كَانَ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةٍ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ. وَأَدْنَى الكَمَالِ فِي الوِتْرِ ثَلاثُ رَكَعَاتٍ بِسَلامَيْنِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللهِ بِنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبي ﷺ عَنِ الوِتْرِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «افْصِلْ بَيْنَ الوِاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ» . رَوَاهُ الأَثْرَمُ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ بِيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ بِالتَّسْلِيمِ في الوِتْرِ، حَتَّى أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِبِعْضِ حَاجَتِهِ. رَوَاهُ البُخَارِي. وَيَجُوزُ سَرْدُ الثَّلاثِ بِسَلامٍ وَاحِدٍ، فَلا يَجْلِسْ إلا فِي آخِرِهِنَّ، وَتَجُوزُ كَمَغْرِبِ. وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الإِمَامِ رَكْعَةً مِنَ الثَّلاثِ فَإِنْ كَانَ الإِمَامُ يُسَلِّمُ مِن كُلِّ اثْنَتَيْنِ أَجْزَأَ لأَنَّ أَقَلَّ الوِتْرِ رَكْعَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الإِمَامُ يُسَلِّم مِنْ كُلِّ اثْنَتَينِ قَضَى، لِحَدِيثِ: «مَا أَدْرَكْتُمُوهُ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكم فَاقضُوا» . وَلأنَّ القَضَاءِ يَحْكِي الأَدَاءَ.

стр. 422

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِتَدَبُّرِ كِتَابِكَ وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ وَجَمْعِ الفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَوَاعِدَ الإِيمَانِ فِي قُلُوبِنَا وَشَيِّدْ فِيهَا بُنْيَانَهُ وَوَطِّدْ فِيهَا أَرْكَانَهُ وَأَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ، وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، وَفِي الثَّالِثَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: (كَانَ النبي ﷺ يُوتِرُ بِثَلاثٍ لا يَفْصِلُ فِيهِنَّ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنِّسَائِي. وَعَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنِّسَائِي، وَزَادَ: وَلا يُسَلِّمُ إلا فِي آخِرِهِنَّ، وَلأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِي عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ، وَفِيهِ كُلُّ سُورَةٍ في رَكْعَةٍ، وَفِي الأَخِيرَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالمعَوِّذَتَينِ. والسُّنَّةُ لِمَنْ أَوْتَرَ بِمَا زَادَ عَلى رَكْعَةٍ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبي ﷺ كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالوِتْرِ، وَيُسِنُّ فِعْلُ الرَّكْعَةِ عَقِبَ الشَّفْعِ بَلا تَأْخِيرٍ لَهَا عَنْهُ، وَإْنَ صَلَّى الإِحْدَى عَشْرَةَ كُلَّهَا بِسَلامٍ وَاحِدٍ بَأَنْ سَرَدَ عَشْرًا وَتَشَهَّدَ

стр. 423

التَّشَهُّدَ الأوَّلَ، ثُمَّ قَامَ فَأَتَى بِالرَّكْعَةِ حَازَ، أَوْ سَرَدَ الجَمِيعِ وَلَمْ يَجْلِسَ إِلا فِي الأَخِيرَةْ جَازَ لَكِنْ الصِّفَةُ الأُولَى أَوْلَى لأَنَّهَا فِعْلُهُ ﷺ . ٤- عدد ركعاتها: يَجُوزُ الوِتْرُ بِخَمْسٍ وَبِسَبْعٍ وَبِتِسْعٍ، فَإِنْ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ سَرَدَ تَمَامًا وَجَلَسَ وَتَشَهَّدَ التَّشَهُّد الأوَّلَ وَلَمْ يُسَلِّم، ثُمَّ إِذَا صَلَّى التَّاسِعَةَ وَتَشَهَّدَ سَلَّمَ، لِمَا وَرَدَ عَنْ سَعِيدِ بْنَ هِشَامِ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ؟ قلتُ: يَا أُمَّ الْمُؤمِنينَ أَنْبِئيني عَنْ وَتْرِ رَسُول اللهِ ﷺ ، فقالت: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَبُولُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّى تِسْعَ رَكَعَاتٍ لاَ يَجْلِسُ فِيهَا إِلاَّ فِي الثَّامِنَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمَّ يَنْهَضُ وَلاَ يُسَلِّمُ فَيُصَلِّى التَّاسِعَةَ ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا فَيُسْمِعُنَا ثُمَّ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَأَنْ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ أَوْ بِخَمْسٍ لَمْ يَجْلِسْ إِلا فِي آخِرِِهَا لِمَا وَرَدَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبْعٍ وَبِخَمْسٍ لا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ سَلامٌ وَلا كَلامٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنِّسَائِي، وَابْنُ مَاجَة. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ ولاَ يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ فِي آخِرِهِنَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. واللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.

стр. 424

فصل في دعاء القنوت في الوتر: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْنُتَ في الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ لأَنَّهُ صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَنْ عَمْرُو، وَعَلي: أَنَّهُمَا كَانَا يَقْنُتَانِ بَعْدَ الرُّكُوعِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَثْرَمُ. وَلَوْ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيِهِ ثُمَّ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ جَازَ لِحَديث أبي بن كَعْبٍ: أَنَّ النَّبي ﷺ كَانَ يَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَرَوَى الأَثْرَمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ في الوِتْرِ، وَكَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ القِرَاءَةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَنَتَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ابْنِ الخَطِيبِ: وَالقُنُوتُ: الدَّعَاءُ وَهُوَ مَا رُوِي عَنْ عُمَرَ ﵁: أَنَّهُ قَنَتَ فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَهْدِيكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ وَنَتُوبُ إِلَيْكَ، وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ، وَنُثْنِي عَلَيْكَ الخَيْرَ كُلَّهُ وَنَشْكُرُكَ وَلا نَكْفُرَكَ وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُكَ. اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ إِنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بِالكُفَّارِ مُلْحِقٌ. وَرَوَى الحَسَنُ بنُ عَلِي ﵄ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولَ اللهِ ﷺ كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ في قُنُوتِ الوِتْرِ وَهُنَّ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شِرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإْنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ إِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ» . وَعَنْ عَلِي بِنْ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي وِتْرِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِي أَعُوذُ بِرَِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكِ، لا نُحْصِي ثََنَاءٌ عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا

стр. 425

أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» . رَوَاهُ الخَمْسَةُ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبي ﷺ ، لِحَدِيثِ الحَسَنِ بِنْ عَلِي ﵁ وَفي آخِرِهِ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ. رَوَاهُ النِّسَائِي. وَعَنْ عُمَرَ: (الدُّعَاءُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّي عَلَى نَبِيَّكَ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِي. ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ هُنَا، وَخَارِجَ الصَّلاةِ إِذَا دَعَا. لِعُمُومِ حَدِيثَ ابنِ عُمَرَ ﵄: كَانَ النبي ﷺ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ، لا يَحُطُّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِي. وَلِقَوْلِهِ ﷺ في حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «فَإِذَا فَرَغْتَ فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَة. وَيُؤَمِّنُ المُنْفَرِدُ الضَّمِيرَ، وَإِذَا سَلَّمَ مِنَ الوِتْرِ سُنَّ قَوْلُهُ: «سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ» - ثَلاثَ مَرَّاتٍ - يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي الثَّالِثَةِ، لِمَا رَوَى أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذِا سَلَّمَ فِي الوِتْرِ قَالَ: «سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ» . وَزَادَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ يُطِيلُ في آخِرِهِنَّ. وَفِي رِوَايةٍ لِلنِّسَائِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِنْ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ: «سُبْحَانَ الملكِ القُدُّوسِ» ثَلاثًا، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالثَّالِثَةِ. وَصَلِّ بِشَهْرِ الصَّوْمِ عَشْرِينَ رَكْعَةً ... تَرَوِايحَ فِي جَمْعٍ وَبِالوِتْرِ شَيِّدِ وَقُمْ بَعْدَهَا وَاشْفَعْ هُدِيتَ بِرَكْعَةٍ ... لِتُوتِرَ إِمَّا شِئْتَ بَعْدَ التَّجَهُّدِ وَأَفْضَلُ نَفْلِ المَرْءِ لَيْلاً بِبَيْتِهِ ... فَقُمْ تِلْوَ نِصْفٍ مِثْلِ دَاوُدَ فَاسْجُدِ وَإِنْ شِئْتَ اجْهَرْ فِيهَ مَا لَمْ تَخَفْ أَذَى ... لإِبْعَادِ شَيْطَانٍ وَإِيقَاظِ رُقَّدِ وَخُذْ قَدْرَ طَوْقِ النَّفْسِ لا تَسْأَمَنَّهُ ... وَقِلْ تَسْتَعِنْ بِالنَّوْمِ عِنْدَ التَّجَهُّدِ
следующие страницы →