← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

الْقَوْمُ، فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا فَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ وَلَكُمْ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَنْ لا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ: أَيُّهَا الْقَوْمُ أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عَاصِمًا، وَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ، وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ، وَرَجُلٌ آخَرُ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ، أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ، فَرَبَطُوهُمْ بِهَا، قَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، وَاللهِ لا أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ لِي بِهَؤُلاءِ أُسْوَةً، يُرِيدُ الْقَتْلَى، فَجَرَّرُوهُ، وَعَالَجُوهُ، فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ. فَانْطُلِقوا بخُبَيْبٍ وَزَيْدِ بْنِ الدَّثِنَةِ، حتَّى بَاعُوهُمَا بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَابْتَاعَ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ خُبَيْبًا، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا، حتَّى أَجْمَعُوا قَتْلَهُ، فَاسْتَعَارَ مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الْحَارِثِ مُوسًى، يَسْتَحِدُّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ، فدرجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ حتَّى أَتَاهُ، فوجَدَتْهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بَيّدِهِ. قالت: فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ فَقَالَ: أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَلِكَ، قَالَتْ: وَاللهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّهُ لَرِزْقٌ رَزَقَهُ اللهُ خُبَيْبًا. فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ: لَوْلا أَنْ تَحْسِبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا وَلَا تُبْقِ

стр. 3607

مِنْهُمْ أَحَدًا ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ للهِ مَصْرَعِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ آخر: ... (ولا غُروَ بِالأَشْرَافِ إِنْ ظَفِرَتْ بِهِمْ كِلابُ الأَعَادِي مِنْ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِ) (فَحَرْبَةُ وَحْشِي سَقَتْ حَمْزَةَ الرَّدَى وَمَوْتَ عَلِيٍّ مِنْ حُسَامِ ابنِ مُلْجِمِ) ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ أَبُو سِرْوَعَةَ، عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا الصَّلاةَ، وَأَخْبَرَ َالنَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ، حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ، أَنْ يُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ، يُعْرَفُ، وَكَانَ قَتَلَ رَجُلاً عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ لِعَاصِمٍ مِثَالَ الظُّلَّةِ مِنْ الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَالشَّاهِدُ فِي إِخْبَارِ الرَّسُولِ ﷺ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا. ١٠٨- وَمِنْ ذَلِكَ إِخْبَارُهُ ﷺ بَأَنَّ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يديه خَيْبَرَ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَهْلٌ بْنَ سَعْدٍ ﵁ أنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: ((لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ يُفْتَحُ الله عَلَى يَدَيْهِ)) . فَبَاتَ النَّاسُ يَدوِكُونَ لَيْلَتَهُمْ، أَيُّهُمْ يُعْطَى فَقَالَ: ((أَيْنَ عَلِيٌّ بنُ أَبِي طَالِبٍ)) ؟ فَقِيلَ: هُوَ يَشْتَكِي

стр. 3608

عَيْنَيْهِ فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الراية فَقَالَ: ((انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ تَعَالى فِيهِ فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرُ النَّعَمِ)) . فَفَتَحَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ فَكَانَ كَمَا قَالَ. ١٠٩- وَمِنْ ذَلِكَ نَعْيُهُ ﷺ زَيْدًا، وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِي عَنْ أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِي خَبَرُهُمْ فَقَالَ: ((أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَها جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَها ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، حتَّى أَخَذَ الراية سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ)) . يَعْنِي خَالِدَ بنَ الْوَلِيدِ، حتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ. شِعْرًا: ... تَشَاغَلَ قَوْمُ بِدُنْيَا هُمُوا ... وَقَوْمُ تَخَلَّوْا لِمَوْلاهُمُوا فَالْزَمَهُمْ بَابَ مَرْضَاتِهِ ... وَعَنْ سَائِرِ الْخَلْقِ أَغْنَاهُمُوا إِذَا ذُكِّرُوا بِالَّذِي أَسْلَفُوا ... أَذَابَ الْقُلُوبَ وَأَبْكَاهُمُوا فَمَا يَعْرفُون سوى حُبِّهِ ... فَوَالَوْا الإِلهَ وَوَالاهُمُوا يَصُفُّونَ بِاللَّيْلِ أَقْدَمَهُمْ ... وَعَيْنُ الْمُهَيْمِنِ تَرْعَاهُمُوا فَطُوبَى لَهُمْ ثُمَّ طُوبَى لَهُمْ ... إِذَا بِالتَّحِيَّةِ حَيَاهُمُوا اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِقَوْلِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ وَخَلِّصْنَا مِنْ وَسَاوِسِ قُلُوبَنَا الْحَامِلَةِ عَلَى التَّورُّطِ فِي هُوَّةِ الْبَاطِلِ وَإِبْتِدَاعِهِ وَاجْعَلْ إِيمَانَنَا إِيمَانًا خَالِصًا صَادِقًا قَوِيًّا وَكُنْ لَنَا مُؤَيَّدًا وَلا تَجْعَلْ لِفَاجِرٍ عَلَيْنَا يَدًا وَاجْعَلْ عَيْشَنَا عَيْشًا رَغَدًا. وَلا تُشْمِتْ بِنَا عَدُوًّا وَلا حَاسِدًا وَارْزُقْنَا فِي مَحَبَّتِكَ عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وَعَمَلاً مُتَقَبِّلاً وَحِفْظًا كَامِلاً وَفَهْمًا ذَكِيًّا

стр. 3609

وَطَبْعًا صَفِيًا وَأَدَبًا مَرْضِيًا وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحّمَّد وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فَصْلٌ) ١١٠- وَمِنْهَا مَا وَرَدَ عَنْ رِفَاعَةَ بنِ رَافعٍ، قَالَ: رُمِيتُ بِسَهْمٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَفُقِئَتْ عَيْنِي، فَبَصَقَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَدَعَا لِي، فَمَا آذَانِي مِنْهَا شَيْءٌ بَعْدُ. ١١١- وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ اسْتَسْقَى مَرَّةً، فَقَامَ أَبُو لُبَابَةُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ التَّمْرَ فِي الْمَرَابِدِ. فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ اسْقِنَا حتَّى يَقُومَ أَبُو لُبَابَةَ عِرْيَانًا فَيَشُدُّ مِرْبَدَهُ بِإِزَارِهِ)) . فَأَمْطَرَتْ فاجْتَمَعُوا: إِلى أَبِي لُبَابَةَ فَقَالُوا: إِنَّهَا لَنْ تُقْلِعَ حتَّى تَقُومَ عُرْيَانًا فَتَشُدَّ ثَعْلَبَ مِرْبَدِكَ بِإِزَارِكَ فَفَعَلَ فَأَقْلَعتِ السَّمَاءُ. ١١٢- وَمِنْهَا قِتَالُ الْمَلائِكَةِ مَعَهُ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُول الله ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَمَعَهُ رَجُلانِ يُقَاتِلانِ عَنْهُ، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، كَأَشَّدِّ الْقِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلا بَعْدُ. ١١٣- وَمِنْهَا مَا وَرَدَ عَنْ نَافِعِ بنِ جَبِير قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يَقُولُ: شَهِدْتُ أُحُدًا، فَنَظَرْتُ إِلى النَّبْلِ يَأْتِي مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وسطها كل ذلك يصرف عنه. ١١٤- وَمِنْهَا دُعَاؤُه ﷺ لأَبِي طَلْحَةَ وَأُمّ سَلَمَة وَاسْتِجَابَةُ اللهِ لِدَعْوَتِهِ، فَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ لأَبِي طلحة

стр. 3610

ابنٌ يَشْتَكِي فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةُ فَقُبِضَ الصَّبِيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: مَا فَعَلَ الصَّبِيُّ؟ قَالَتْ: أُمُّ سُلَيْمٍ وَهِيَ أُمُّ الصَّبِي: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ فَقَرَّبَتْ لَهُ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ: وَارُوا الصَّبِيَّ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ((أَعْرَسْتُمْ اللَّيْلَةَ)) ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا)) . فَوَلَدَتْ غُلامًا، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حتَّى تَأْتِي بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، وَبَعَثَ مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ، فَقَالَ: ((أَمَعَهُ شَيْءٌ)) ؟ قَالَ: نَعَمْ تَمَرَاتٌ. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَمَضَغَهَا ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ الصَّبِي، ثُمَّ حَنَّكَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدُ اللهِ. وَفِي رواية لِلبخاري قَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ تِسْعَةَ أَوْلادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قرؤوا الْقُرْآنَ يَعْنِي مِنْ أَوْلادِ عَبْدِ اللهِ الْمَوْلُودِ. ١١٥- وَمِنْ ذَلِكَ الْكُدْيَةُ وَهِيَ الصَّخْرَةُ الصَّلْبَةُ الَّتِي لا تَعْمَلُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ فَشَكَوْهَا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَدَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَتَفَلَ فِيهِ ثُمَّ دَعَا بِمَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُو بِهِ ثُمَّ نَضَحَ الْمَاءَ عَلَى تِلْكَ الْكُدْيَةِ فَيَقُولُ مَنْ حَضَرَهَا: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ نَبِيًّا لانْهَالَتْ حتَّى عَادَتْ كَالْكَثِيبِ، لا تَرَدُّ فَأْسًا، وَلا مِسْحَاةً. ١١٦- وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ جَابِرٍ بنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ هَاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ فَزَعَمَ أَنَّه ﷺ قَالَ: ((بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ)) . فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ إِذَا عَظِيمٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ.

стр. 3611

١١٧- وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللهُ الْخُزَاعِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَرَادَ أَنْ يَبْعَثَنِي بِمَالٍ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ بِمَكَّةَ لِيَقْسِمُهُ فِي قُرَيْشٍ بَعْدَ الْفَتْحِ فَقَالَ: ((الْتَمِسْ صَاحِبًا)) . فَجَاءَنِي عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ الْخُرُوجَ إِلى مَكَّةَ فَتَلْتَمِسُ صَاحِبًا، قُلْتُ: أَجَلْ. قَالَ: فَأَنَا لَكَ صَاحِبٌ. فَجِئْتُ النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ: قَدْ وَجَدْتُ صَاحِبًا قَالَ: ((مَنْ)) ؟ قُلْتُ: عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، قَالَ: ((إِذَا هَبِطْتَ بِلادَ قَوْمِهِ فَاحْذَرْهُ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ الْقَائِلُ أَخُوكَ الْبَكْرِيُّ لا تَأْمَنْهُ)) . فَخَرَجْنَا حتَّى إِذَا كُنَّا بالأَبْوَاءَ قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ حَاجَةً إِلَى قَوْمِي وَوَدِدْتُ أَنْ تَلَبَّثْ لِي قَلِيلاً، فَقُلْتُ: انْصَرِفْ رَاشِدًا فَلَمَّا وَلَّى ذَكَرْتُ قَوْلَ النَّبِيُّ ﷺ فَشَدَدْتُ عَلَى بَعِيرِي فَخَرَجْتُ أُوضِعُهُ حتَّى إِذَا كُنْتُ بَالأَصَافِرِ إِذَا هُوَ يُعَارِضُنِي فِي رَهْطٍ فَأَوْضَعْتُ فَسَبَقْتُهُ فَلَمَّا رَآنِي جَاءَنِي فَقَالَ: قَدْ كَانَتْ لِي إِلَى قَوْمِي حَاجَةٌ، قُلْتُ: أَجَلْ وَمَضَيْنَا حتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ فَدَفَعْتُ الْمَالَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ. ١١٨- وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِي وَمُسْلِمٌ أَنَّ ابنَ مَسْعُودٍ سُئِلَ مَنْ آذَنَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ فَقَالَ: آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَةٌ. ١١٩- وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ أَبُو رَجَاءَ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَائِطًا لِبَعْضِ الأَنْصَارِ فَقَالَ لَهُ: ((مَا تَجْعَلُ لِي إِنْ أروَيْتُ حَائِطَكَ هَذَا)) ؟ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَجْهَدُ أَرْوِيهُ فََلا أُطِيقُ، قَالَ ﷺ : ((تَجْعَلُ لِي مِائَةَ تَمْرَةٍ اخْتَارُهَا مِنْ تَمْرِكَ)) ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ

стр. 3612

الْغَرْبَ فَمَا لَبِثَ أَنْ أرْوَاهُ حتَّى قَالَ الرَّجُلُ: غَرِقَتْ عَلَيَّ حَائِطِي، فَاخْتَارَ مِائَةَ تَمْرَةٍ فَأَكَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ حتَّى شَبِعُوا. ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ مِائَةَ تَمْرَةٍ كَمَا أَخَذَهَا. رَوَاهُ الطَّبَرَانِي فِي الْكَبِيرِ. اللَّهُمَّ أَحْسِنْ عَاقِبَتِنَا فِي الأُمُورِ كُلِّهَا وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْي الدُّنْيَا وَعَذَابِ الآخِرَةِ وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحّمَّد وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فَصْلٌ) ١٢٠- وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ تَبَعَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمًا، فَجَلَسَ قَالَ: فَجَلَسْتُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا ذَرّ: مَا جَاءَ بِكَ)) ؟ قُلْتُ الله وَرَسُوله، فَجَاءَ أَبُو بَكْرِ فَسَلَّمَ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِه ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: ((مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بَكْر)) ؟ قَالَ: الله ورسوله، فَجَاءَ عُمَرُ، فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: ((يَا عُمَرُ مَا جَاءَ بِكَ)) ؟ قَالَ: الله ورسوله، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ، فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ عُمَرُ، فَقَالَ: ((يَا عُثْمَانُ مَا جَاءَ بِكَ)) ؟ قَالَ: الله ورسوله، فَتَنَاوَلَ ﷺ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، أَوْ تِسْعَ حَصَيَاتٍ، فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ، حتَّى سَمِعْتُ لَهُنَّ حَنِينًا كَحَنِينِ النَّحْلِ. ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فَخَرَسْنَ، ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ حتَّى سَمِعْتُ لَهُنَّ حَنِينًا كَحَنِينِ النَّحْلِ، ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فَخَرَسْنَ ثُمَّ تَنَاوَلَهُنَّ فَوَضَعَهُنَّ فِي يَدِ عُمرَ فَسَبَحَّنَ فِي يَدِهِ، حتَّى سَمِعْتُ لَهُنَّ حَنِينًا كَحَنِينِ النَّحْلِ، ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فَخَرَسْنَ ثُمَّ تَنَاوَلَهُنَّ فَوَضَعَهُنَّ فِي يَدِ عُثْمَانَ، فَسَبَحَّنَ فِي يَدِهِ، حتَّى سَمِعْتُ لَهُنَّ حَنِينًا كَحَنِينِ النَّحْلِ، ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فَخَرَسْنَ، وَقَالَ الزُّهري يَعْنِي الْخِلافَة.

стр. 3613

١٢١- وَمِنْهَا قِصَّة الْمَزَادَتَيْنِ أَوْ السَّطِيحَتَيْنِ فَعَنْ عِمَرانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسَفَارِهِِ وشَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ الْعَطَشَ فَدَعَا فُلانُ وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ: ((اذْهَبَا فَابْغِيَا الْمَاءَ)) . فَانْطَلَقَا فَلَقِيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا. فَقَالا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءَ، فَقَالَتْ: عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةُ وَنَفَرُنَا خُلُوفٌ، قَالا: انْطَلِقِي إِذًا. قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالا: إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَتْ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ؟ قَالا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ فَانْطَلِقِي فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيُّ ﷺ وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ، فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، وَدَعَا ﷺ بِإِنَاءٍ فَأَفْرَغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ أَوْ السَّطِيحَتَيْنِ، وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا، واَطْلَقَ الْعَزَالِي، فَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا، وَاسْتَقُوا، فَسَقَى مَنْ شَاءَ، وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ وَكَانَ آخِرُ ذَلِكَ أَنْ أَعْطَى رَجُلاً أَصَابَتْهُ جَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ فَقَالَ: ((اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ)) . وَهِيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا. وَأيْمُ اللهِ لَقَدْ أَقْلَعَ عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا. فَقَالَ ﷺ : ((اجْمَعُوا لَهَا)) . فَجَمَعَوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسُوَيْقَةٍ، حتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا، فجَعَلُوهُ فِي ثَوْبٍ، وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا، وَقَالَ لَهَا: ((تَعْلَمِينَ مَا رَزَأْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا. وَلَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا)) . فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدْ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، وَقَالُوا: مَا حَبَسَكِ يَا فُلانَةُ؟ قَالَتْ: الْعَجَبُ، لَقِيَنِي رَجُلانِ فَذَهَبَا بِي إِلَى

стр. 3614

هَذَا الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللهِ إِنَّهُ لأَسْحَرُ الناس مَنْ بَيْنَ هَذِهِ وَهَذِهِ، تَعْنِي السَّمَاءِ إِلَى وَالأَرْضَ أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ حَقًّا، فكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدُ يُغِيرُونَ عَلَى مَا حَوْلَهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَلا يُصِيبُونَ الْقَوْمَ الَّذِي هِيَ مِنْه. فَقَالَتْ: يَوْمًا لِقَوْمِهَا، مَا أَرَى إلا أَنَّ هَؤُلاءِ الْقَوْمَ يَدَعُونَكُمْ عَمْدًا فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلامِ، فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلامِ. وَفِي رِوَايَة قَالَتْ: لَهُمَا هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لا مَاءَ لَكُمْ، وَفِيهِ فَأَخْبَرَتْهُ ﷺ أَنَّها مُؤْتَمَّةٌ فَأَمَرَ بِرَاوِيَتِهَا، فَأُنِيخَتْ، فَمَجَّ فِي الْعَزَلاوَيْنِ الْعُلْيَاوَيْن. ثُمَّ بَعَثَ بِرَاويَتِهَا فَشَرِبْنَا، وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ رَجُلاً، عِطَاشًا، حتَّى رَوينا وَمَلأْنَا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنَا، وَإِدَاوَةٍ وَغَسَّلْنَا صَاحِبَنَا، غَيْرَ أَنَّا لَمْ نَسْقِ بَعِيرًا، وَهِيَ تَكَادُ تَتَضَرَّج بِالْمَاءِ، يَعْنِي الْمَزَادتين. رَوَاهُ الشَّيْخَان مطولاً. ١٢٢- وَمِنْ ذَلِكَ قِصَّةُ سَلَمَةَ بْنُ الأَكْوَعِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَأَصَابَنَا جَهْدٌ حتَّى هَمَمْنَا أَنْ نَنْحَرَ بَعْضَ ظَهْرِنَا، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَجَمَعْنَا أَزَاوِدَنَا، وبَسَطْ لَنَا نِطَعًا، فَاجْتَمَعَ زَادُ الْقَوْمِ عَلَى النِّطَعِ، فَتَطَاوَلْتُ لأَحْزُرَهُ كَمْ هُوَ، فإذَا هُوَ كَرَبْضَةِ الْعَنْزِ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً (١٤٠٠) فَأَكَلْنَا حتَّى شَبِعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ حَشَوْنَا جُرُبَنَا، فَقَالَ ﷺ : ((فَهَلْ مِنْ وَضُوءٍ)) ؟ فَجَاءَ رَجُلٌ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا نُطْفَةٌ من مَاءٍ، فَأَفْرَغَهَا فِي قَدَحٍ، فَتَوَضَّأْنَا كُلُّنَا، نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَةً. رَوَاهُ الشَّيْخَان.

стр. 3615

١٢٣- وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الترمذيُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمًا بِتَمَرَاتٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ فَضَمَّهُنَّ، ثُمَّ دَعَا لِي فِيهِنَ، ثُمَّ قَالَ: ((خُذْهُنَّ فَاجْعَلْهُنَّ فِي مِزْوَدِكَ هَذَا أَوْ فِي الْمِزْوَدِ، فكُلَّمَا أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا أَدْخِلْ يَدَكَ فِيهِ، وَخُذْ وَلَا تَنْثُرْهُ نَثْرًا)) . فَفَعَلْتُ فَلقَدْ حَمَلْتُ مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ وَسْقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَكُنَّا نَأْكُلُ مِنْهُ وَنُطْعِمُ، وَكَانَ لَا يُفَارِقُ حِقْوِي، حتَّى كَانَ يَوْمُ قَتْلِ عُثْمَانَ انْقَطَعَ. وَاللهُ أعلم. اللَّهُمَّ انْظِمْنَا فِي سِلْكِ عِبَادِكَ الْمُفْلِحِينَ وَنَجِّنَا مِنْ لَفَحَاتِ الْجَحِيم، وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحّمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فَصْلٌ) ١٢٤- وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الشَّيْخَان عن السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ: فَمَسَحَ رَأْسِي، وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ: فتَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ، وَقَالَ الْجُعَيْدُ: رَأَيْتُ السَّائِبَ بنَ يَزِيدَ، ابنَ أربع وَتِسْعِين، جَلْدًا مُعْتَدِلاً: فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ مَا مُتِعتْ بِهِ سَمْعِي وَبَصَرِي إِلا بِدُعَاءِ النَّبِي ﷺ . ١٢٥- وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِي، قَالَ أَبُو زَيْدِ بْنُ أَخْطَبَ: مَسَحَ النَّبِيُّ ﷺ بَيّدِهِ عَلَى وَجْهِي، وَدَعَا لِي، قَالَ عَزْرَةُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدَمَا عَاشَ عِشْرِينَ وَمائَةَ سَنَةً، وَلَيْسَ فِي لِحْيَتِهِ إِلا شَعَرَاتٌ تُعدُّ بِيضٌ. ١٢٦- وَمِنْهُ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِي عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ بَلَغَ

стр. 3616

عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلامٍ، مَقْدَمُ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَأَتَاهُ وَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ، لا يَعْلَمُهُنَّ إِلا نَبِيٌّ، مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ، وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ إِلَى أَخْوَالِهِ، فَقَالَ ﷺ : ((أخَبَّرَنِي بِهِنَّ آنِفًا جِبْرِيلُ)) . قَالَ عَبْدُ اللهِ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنْ الْمَلائِكَةِ. ((أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ، فَزِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ، وَأَمَّا الشَّبَهُ فِي الْوَلَدِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَشِيَ الْمَرْأَةَ فَسَبَقَهَا مَاؤُهُ، كَانَ الشَّبَهُ لَهُ وَإِذَا سَبَقَت كَانَ الشَّبَهُ لَهَا)) . قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. الْحَدِيث. ١٢٧- وَمِنْ ذَلِكَ إِخْبَارُهُ ﷺ إِنَّ أُمَّتُه تَحْذُو حَذْوَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَحَذْوَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنْ الأُمَمِ، حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقَذَّةِ وَالنَّعْلِ بِالنَّعْلِ. وَكَانَ الأَمْرُ حَذَتْ حَذْوَهُم فِي الاخْتِلافِ، وَالتَّفَرُّقِ، وَارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالإِحْدَاثِ فِي الدِّين، وَالْكَذِب، عَلَى النَّبِي ﷺ حَذْوَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. ١٢٨- وَمِنْ ذَلِكَ إِخْبَارُهُ ﷺ يَوْمَ هَوَازِنَ بِقَتْلِ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ حُرْقُوصِ بنِ زَهُيَرْ السَّعْدِي، وَأَصْحَابِهِ مَارِقِينَ مِن الدِّينِ، خَارِجِينَ عَلَى حِينِ فِرْقَةٍ مِنْ النَّاس. وَحَدِيثُهم مَذْكُورٌ فِي بَعْضِ السِّيْرِ وَكُتُبِ الْحَدِيثِ، وَمَضْمُونُه أَنَّ

стр. 3617

ذَا الْخُوَيْصرَةِ قَامَ إِلى النَّبِيّ ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ غَنَائِمَ هَوَازَنَ، فَقَالَ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ، فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : ((تَرِبَتْ يَدَاكَ فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ أنا)) . فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنه نافق فمرني أَضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ عِنْدَ صَلاتِهِمْ وَقِرَاءَتَه عِنْدَ قِرَاءَتَهُم، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فِرْقَةٍ من الناس، يَقْتُلُهُم أُولَى الطَّائِفَتِين بِالْحَقِّ، آيَتُهُمْ الْمُخَدَّجُ)) . يَعْنِي ذَا الثُّدَيَّةِ، فَكَانَ الأَمْرَ كَمَا أَخْبَرَ ﷺ فَإِنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ وَأَصْحَابَهُ خَرَجُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ بن أبي طالبٍ بَعْدَ حَرْبِ صِفِّينِ. فَقَتَلَهُم عَلِيٌّ ﵁ فِي النَّهْرَوَانِ، وَاسْتَخْرَجَ الْمُخَدَّجَ ذَا الثُّدَيَّة، مِنْ الْمَاءِ مَقْتُولاً، حَتَّى نَظَرَ إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ عَسْكَرِه وَكَانُوا مَا يَقْرُبُ مِنْ سِتِّينَ أَلْفًا، فَكَبَّرَ عَلِيٌّ حِينَ وَجَدَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَةَ شُكْرٍ، وَكَبَّر الْعَسْكَرُ الَّذِي مَعَهُ فَرَحًا وَسُرُورًا بِمَا شَاهَدُوهُ مِنْ خَبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي وَقَع طِبْقَ مَا قَالَ. ١٢٩- وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ ﷺ وَذَلِكَ مَأْخُوذُ مِنْ الْقُرْآنِ، قَالَ تَعَالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ . فَأَخْبَرَ أَنَّ عَمَّهُ أَبَا لَهَبٍ سَيَدْخُلُ النَّارَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ، وَعَاشَا مُدَّةً،

стр. 3618

وَقَدَّرَ اللهُ أَنَّهُمَا مَاتَا عَلَى شِرْكِهِمَا وَلَمْ يُسْلِمَا حَتَّى وَلا ظَاهِرًا وَهَذَا مِنْ دَلائِل النُّبُوَةِ الْبَاهِرَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَتَى بِهِ فِي الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ وَتَحَدَّاهُمْ بِعَشْرِ سُوَرٍ وَبِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ أَبَدًا، وَلَمْ يَقَعَ، وَلَنْ يَقَعَ صَدَقَ اللهُ الْعَظِيم فَهَذَا مِنْ الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَة. ١٣٠- وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ وَهَكَذَا وَقَعَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ مَكَّنَ اللهُ هَذَا الدِّينَ وَأَظْهَرَهُ وَأَعْلاهُ وَنَشَرَهُ فِي الآفَاقِ وَأَنْفَذَهُ وَأَمْضَاهُ. ١٣١- وَقَالَ تَعَالى: ﴿قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ قِيلَ: إِنَّهُمْ فَارِسُ، وَقِيلَ: الرُّومُ، وَقِيلَ: هَوَازِنُ، وَثَقِيفُ، وَغَطَفَانُ، يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَقِيلَ: بَنُو حَنِيفَةَ، قَوْمُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّاب، وَالْمُهِمُّ أَنَّهُ وَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ اللهُ. ١٣٢- وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ﴾ إِلى قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا خَيْبَرَ، أَوْ مَكَّةَ، فَقَدْ فُتِحَتْ وَأخِذَتْ كَمَا وَقَعَ بِهِ الْوَعْدُ سَوَاءً بِسَوَاءٍ.

стр. 3619

١٣٣- وَقَالَ تَعَالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ فَوَقَعَ إِنْجَازُ هَذَا الْوَعْدِ فِي سَنَةِ سَبْعٍ عَامَ عُمْرَةِ الْقَضَاء. ١٣٤- وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ فَوَقَعَ طِبْقَ مَا أَخْبَرَ اللهُ. ١٣٥- وَقَالَ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وَهَكَذَا وَقَعَ فَإِنَّ اللهَ عَوَّضَ مَن أَسْلَمَ مِنْهُمْ بِخَيْرَي الدُّنْيَا وَالآخِرَة. ١٣٦- وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وَهَكَذَا وَقَعَ عَوَضَهُم اللهُ عَمَّا كَانَ يَغْدُو إِلَيْهِمْ مَعَ حُجَاجِ الْمُشْرِكِينَ بِمَا شَرَعَهُ لَهُمْ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَضَربِ الجزية عليهم، وَسَلْبِ أَمْوَالِ مَن قُتِلَ مِنْهُمْ عَلَى كُفْرِهِ، كَمَا وَقَعَ بِكُفَّارِ أَهْلِ الشَّامِ مِن الرُّومِ، وَمَجُوسِ الْفُرْسِ بِالْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْبُلْدَانِ الَّتِي انْتَشَرَ الإِسْلامُ عَلَى أَرْجَائِهَا. ١٣٧- وَقَالَ تَعَالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ الآية. وهكذا وَقَعَ لَمَّا رَجَع ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ كَانَ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَجَعَلُوا يَحْلِفُونَ بِاللهِ، لَقَدْ كَانُوا مَعْذُورِينَ فِي تَخَلُّفِهِمْ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ كَاذِبُونَ،

стр. 3620

فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَجْرِيَ أَحْوَالَهُمْ عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَلا يَفْضَحُهُمْ عَنْدَ النَّاسِ. ١٣٨- وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ وَهَكَذَا وَقَعَ لِمَا اشْتَوَرُوا عَلَيْهِ لِيُثْبِتُوهُ أَوْ يَقْتُلُوهُ أَوْ يُخْرِجُوهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ الْمُهم أَنَّهُ وَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ سوَاَءً بِسَوَاءٍ. اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَحَبَّتِكَ وَمَحَبَّةِ رَسُلِكَ وَأَوْلِيَائِكَ وَعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحّمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. موعظة: عِبَادَ اللهِ لَقَدْ تَغَيَّرَ النَّاسُ الْيَوْمَ فِي أَحْوَالِهِمْ الدِّينِيَّةِ تَغَيِّرًا يُدْهِشُ النَّاظِرِينَ هَذِهِ الصَّلاةُ الَّتِي هِيَ ثَانِي أَرْكَانِ الإِسْلامِ وَهِيَ عَمُودُهُ أَعْرَضَ النَّاسُ عَنْهَا غَيْرَ مُبَالِينَ وَلا نَادِمِينَ جَهِلُوا مَا هِيَ الصَّلاةُ وَأَيُّ قِيمَةٍ قِيمَتُهَا وَمَا مَنْزِلَتُهَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الطَّاعَاتِ وَمَا عَلِمُوا أَنَّهَا الصِّلَةُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ فَهِيَ خَيْر مَوْضُوع وُضِعَ لِلتَّقَرُّبِ إِلى الرَّحْمَن ِوَلِذَلِكَ هِيَ تُطَهِّرُ الْمُصَلِّي الْمُقِيمِ لَهَا مِنْ ذُنُوبِهِ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ فعَلَيْكَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ أَنْ تَحْرِصْ عَلَيْهَا كُلَّ الْحِرْصِ وَأَنْ تَعْتَنِيَ بِهَا كُلَّ الاعْتِنَاءِ وَلا تُضَيّعْ هَذَا الْوَاجِبَ الْعَظِيمَ الَّذِي بِأَدَائِهِ تَكُونُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الْمَوْعُودِينَ بِالْفَوْزِ بِالْمَطْلُوبِ وَالنَّجَاةِ مِنْ الْمَرْهُوبِ. وَبِتَرْكِ هَذَا الْوَاجِبِ تَكُونُ مِنْ الْكَافِرِينَ الْمَوْعُودِينَ فِي الْجَحِيمِ أَبَدَ الآبِدِينَ فَإِذَا حَانَ وَقْتُهَا فَاهْتَمُوا بِهَا وَتَهَيَّئُوا لِمُنَاجَاةِ خَالِقِكم الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وَخُذُوا زِينَتكُمْ مُمْتَثِلينَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وَاعْتَنُوا أَوْلاً بِالطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ مِفْتَاحُهَا ثُمَّ أَدُّوهَا بِخُضُوعٍ وَخُشُوعٍ وَاطْمِئْنَانٍ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ يُصَلُّونَ بِأَجْسَامِهِمْ وَيُحَرِّكُونَ أَلْسِنَتهُمْ وَشِفَاهَهُمْ وَيَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ مُكَبِّرِينَ وَيَحْنُون

стр. 3621

ظُهُورَهُمْ رَاكِعِينَ وَسَاجِدِينَ وَلَكِنَّ قُلُوبَهُمْ لَمْ تَتَحَرَّكْ إِلى اسْتِحْضَارِ عَظَمَةِ مَوْلاهُمْ وَلَمْ تَتَدَبَّرْ مَعَانِي مَا تَلْفُظُ بِهِ أَلْسِنَتُهُمْ لأنَّهَا فِي أَوْدِيَةِ الدُّنْيَا سَارِحَةٌ تُفَكِّرُ فِي الْعِقَارَاتِ وَالْمُدَايَانَاتِ وَالْفُلَلِ وَالْعَمَائِرِ الَّتِي عَنْ قَرِيب سَيُخَلِّفُونَهَا رَغْمَ أُنُوفِهِمْ إِذَا نَظَرْتَ إِلى أَحَدِهِمْ وَهُوَ يُصَلِّي لاهِيًا فِي تَفْكِيرِهِ يَعْبَثُ فِي ثَوْبِهِ تَارَةً وَفِي سَاعَتِهِ تَارَةً وَفِي أَنْفِهِ تَارَةً وَيُنَقِّشُ سِنَّهُ تَارَةً وَبَعْضُهُمْ يَلْمَسُ مَكَانَ لِحْيَتِهِ أَوْ يُصَلِّحُ مَيَازِيبَ غُتْرَتِهِ أَوْ يُقَلِّمُ أَظَفَارَهُ بِأَسْنَانِهِ. وَهَكَذَا حَتَّى يَخْرُج مِنْهَا صِفْرًا مَا مَعَهُ مِنْهَا اللهُ أَعْلَمُ إِلا الْعُشْرِ وَلِهَذَا لَوْ تَأَمَّلْتَ الْمُؤَدِي لَهَا هَكَذَا رَأَيْتَ أَنْ الصَّلاةَ هَذِهِ لَمْ تُؤَثِرْ عَلَيْهِ لا فِي تَتْمِيمِ الْوَاجِبَاتِ وَلا فِي تَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ بَلْ وَلا فِي تَخْفِيفِهَا لأَنَّ الصَّلاةَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي أَقَامَهَا صَاحِبُهَا مِنْ شَأْنِهَا أَنَّهَا تُهَذِّبُ النَّفْسَ وَتُرَقِّقُ الْخُلُقَ وَتَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ. فَإِذَا رَأَيْنَا إِنْسَانًا يُصَلِّي لَكِنَّهُ يَأْكُلُ الرِّبَا وَيَحْضُرُ الْمَلاهِي وَالْمُنْكَرَاتِ أَوْ يَبِيعَهَا أَوْ يَشْتَرِيهَا أَوْ رَأَيْنَاهُ مَعَ السُّفَلِ الَّذِينَ يُلاحِقُونَ النِّسَاءَ فِي الأَسْوَاقِ أَوْ رَأَيْنَاهُ يُجَاهِرُ بِالْمَعَاصِي مِنْ شُرْبِ دُخَّانٍ بَيْنَ النَّاسِ أَوْ يَحْلِقُ لِحَيَتَهُ أَوْ يَحْلِقُ لِحَاءَ النَّاسِ أَوْ يَجْعَلُ خَنَافِسَ أَوْ يَرْتَشِي أَوْ يَحْمِلُ النِّسَاءَ بِدُونِ مَحْرَمٍ أَوْ يَخْلُو بِهِنَّ بِدُونِ مَحْرَمٍ أَوْ يُصَوِّرْ لِذَوَاتِ الأَرْوَاحِ، أَوْ يَبِيعَ الصُّوَرَ أَوْ يَسْخَرُ بِالْمُسْلِمِينَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرَاتِ عَلِمْنَا أَنَّ هَذِهِ الصَّلاةِ الَّتِي يُصَلِّي أَنَّهَا لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنْ الْفَحْشَاءِ والْمُنْكَرِ فَلَمْ يَزْدَدْ مِنْ اللهِ إِلا بُعْدًا، وَرُبَّمَا كَانَ الْمُتَّصِفُ بِشَيْءٍ مِن الصِّفَاتِ السَّابِقَةِ مَعَ صَلاتِهِ أَنَّهُ يَكِيدُ بِهَا النَّاسَ وَيَتَّخِذُهَا أُحْبُولة يَتَصَيَّدُ بِهَا ثَنَاءَ النَّاسِ عَلَيْهِ أَوْ لِلْحُصُولِ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا. قَالَ بَعْضُهُمْ فِي مُصَلٍّ يَتَصَيَّدُ بِصَلاتِهِ الدُّنْيَا:

стр. 3622

ذِئْبٌ رَأَيْتُ مُصَلِّياً فَإِذَا مَرَرْتُ بِهِ رَكَعْ يَدْعُو وَجُلُّ دَعَائِهِ مَا لِلْفَرِيسَةِ لا تَقَعْ عَجِّلْ بِهَا عَجِّلْ بِهَا إِنَّ الْفُؤَادَ قَدِ انْصَدَعْ ويقول الآخر: إِذَا رَامَ كَيْداً بِالصَّلاةِ مُقِيمُهَا فَتَارِكُهَا سَهْواً إِلى اللهِ أَقْرَبُ آخر: ... مَوَاعِظُ الْوَاعِظِ لَنْ تُقْبَلا ... حَتَّى يَعِيَهَا قَلْبُهُ أَوَّلاً يَا قَوم لا أَظْلَمَ مِنْ وَاعِظٍ ... خَالَفَ مَا قَدْ قَالَهُ فِي الْمَلا أَظْهَرَ لِلنَّاسِ إِحْسَانَهُ ... وَبَارَزَ الرَّحْمَنَ لَمَّا خَلا آخر: ... أَظْهَرُوا لِلنَّاسِ زُهْداً ... وَعَلَى الدِّينَارِ دَارُوا لَوْ يُرَى فَوْقَ الثُّرَيَّا ... وَلَهُمْ رِيشٌ لَطَارُوا ١٣٩- وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ قَوْلِ اللهِ تَعَالى: لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ إلى آخر السورةِ هُوَ أَنَّ رَهْطاً مِنْ قُرَيْشٍ مِنْهُمْ الْحَارِثُ بنُ قَيْسٍ السَّهْمِيّ، وَالْعَاصُ بنُ وَائِلٍ، وَالْوَلِيدُ بنُ الْمُغِيرَة، وَالأَسْوَدُ بنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وَالأَسْوَدُ بِنُ الْمُطَّلِبِ بن أُسد، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ هَلُّمَ فَاتّبِعْ دِينَنَا وَنَتَّبِعُ دِينَكَ وَنُشْرِككَ فِي أَمْرِنَا كُلِّهِ تَعْبُدُ آلِهَتَنَا سُنَّةً وَنَعْبُدُ إِلَهَكَ سَنَةً، فَإِنْ كَانَ الَّذِي

стр. 3623

جِئْتَ بِهِ خَيْراً كُنَّا قَدْ شَرَكْنَاكَ فِيهِ وَأَخذنا حَظَّنَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي بِأَيْدِينَا خَيْراً كُنْت قَدْ شَرَكْتَنَا فِيهِ، وَأَخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنْهُ. فَقَالَ: ((مَعَاذَ اللهِ أَنْ أُشْرِكَ بِهِ غَيْرَهُ)) . قَالُوا: فَاسْتَلِمْ بَعْضَ آلِهَتِنَا نُصَدِّقكَ وَنَعْبُد إِلَهَكَ. فَقَالَ: ((لا حَتَّى أَنْظُرْ مَا يَأْتِينِي مِنْ عِنْدِ رَبِّي)) . فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ إِلى آخر السورةِ فَكَانَ كَمَا قَالَ ﷺ فَلَمْ يَتْبَعْهُمْ وَلَمْ يَتْعَبُوهُ فِي عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. ١٤٠- وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَعَدَ ﷺ بِهِ أَصْحَابَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ فِي حَالِ ضَعْفِهِمْ، مِنْ أَنَّ اللهَ سَيَنْصُرُهُمْ وَيُمَكِّنُهُمْ وَيُقَوِّيهِمْ، وَيُظْهِرُهُمْ، فَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، وَيَأْمُرونَ بِالْمَعْرُوفَ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَكُونُ الْعُقْبَى لَهُمْ، وَتَلا بِذَلِكَ الْقُرْآنَ. فَقَالَ عَزَّ مَنْ قَائِلٍ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ إِلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ فَتَمَكَّنَ أَصْحَابُهُ وَخُلَفَاؤُهُ، وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكَاةَ، وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَكَانَتْ الْعُقْبَى لَهُمْ، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُه عَلَيْهِ. ١٤١- وَمِنْ ذَلِكَ إِلْقَاءُ النُّعَاسِ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ أَماناً أَمَّنَهُمْ اللهُ بِهِ مِنْ خَوْفِهِمْ الَّذِي حَصَلَ لَهُمْ مِنْ

стр. 3624

كثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، وَقِلَّةِ عَدَدَهِمْ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ تَعَالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً منْهُ﴾ والآية الأخرى. وَمِنْ ذَلِكَ تَقْلِيلُ الْمُجَاهِدِينَ مَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَعْيُن الْمُشْرِكِينَ وَتَقْلِيلِ الْمُشْرِكِينَ فِي أَعْيُنِ الْمُؤْمِنِينَ لِيُقْدِمَ الْمُؤْمِنُونَ وَيَتَجَرُّؤُا وَيَطْعَمُوا فِيهِمْ ولئلا يَهْرَبَ الْمُشْرِكُونَ قَالَ تَعَالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ . ١٤٢- وَمِنْ ذَلِكَ إِنْزَالُ الْمَطَرِ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ مَعَ النَّبِي ﷺ فَأَطْفَأَ الْغُبَارَ وَتَلَبَّدَتْ بِهِ الأَرْضُ، حَتَّى ثَبَتَتْ الأَقْدَام، وَتَوَضَؤُا مِنْهُ وَسَقَوا الرِّكَابَ، وَمَلَؤُا الأَسْقِيَةَ وَزَالَتْ عَنْهُمْ وَسَوَسَةُ الشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ نَزَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى كَثِيبٍ أَعْفَرَ تَسِيخُ فِيهِ الأَقْدَامُ، وَحَوَافِرُ الدَّوَابِ، وَقَدْ سَبَقَهُمْ الْكُفَّارُ إِلى مَاءِ بَدْرٍ، وَأَصْبَحَ الْمُسْلِمُونَ بَعْضُهُمْ مُحْدِثِينَ، وَبَعْضُهُمْ مُجْنِبِينَ، وَأَصَابَهُمْ الظَّمَأُ، وَوَسْوَسَ إِلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، وَقَالَ: تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَفِيكُمْ نَبِيُّ اللهِ، وَأَنَّكُم أَوْلِيَاءُ اللهِ، وَقَدْ غَلَبَكُمْ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمَاءِ، وَأَنْتُمْ تُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ وَمُحْدِثِينَ فَكَيْفَ تَرْجُونَ أَنْ تَظْهَرُوا عَلَيْهِمْ وَأَصَابَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ ذَلِكَ الْمَطَرِ مَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَرْحَلُوا مَعَهُ. ١٤٣- وَمِنْ ذَلِكَ مَا نَزَلَ فِي رِجَالٍ بِأَعْيَانِهِمْ، مِنْ أَنَّهُمْ يُصِرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ إِلى أَنْ يَمُوتُوا مِنْ ذَلِكَ مَا نَزَلَ فِي أَبِي جَهْلٍ ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَتُوْعِدُنِي يَا مُحَمَّدُ وَاللهِ مَا تَسْتَطِيعُ أَنْتَ وَلا رَبُّكَ أَنْ تَفْعَلَ شَيْئاً وَإِنِّي لأَعَزُّ مَنْ مَشَي بَيْنَ

стр. 3625

جَبَلَيْهَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ صَرَعَهُ اللهُ شَرَّ مَصرَعٍ، وَقَتَلَهُ أَسْوَأَ قَتْلَةٍ، وَكَانَ ﷺ يَقُولُ: ((لِكُلِّ أُمَّةٍ فِرْعَوْناً وَإِنَّ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو جَهْلٍ)) . وَنَزَلَ فِي أَبِي جَهْلٍ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ ذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الْمُفَسِّرِينَ. ١٤٤- وَمِنْهَا قِصَّةُ الْبَكَّاؤُونَ الَّذِينَ اسْتَحْمَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَكَانُوا أَهْلَ حَاجَةٍ فَقَالَ: ((لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ)) . فَتَوَلَّوْا يَبْكُونَ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِن الدَّمْعِ حَزَناً أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ. وَقَامَ عُلَيَّةُ بنُ يَزِيدٍ فَصَلَّى مِنَ اللَّيْلِ وَبَكَى، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَ بِالْجِهَادِ وَرَغَّبْتَ فِيهِ ثُمَّ لَمْ تَجْعَلْ عِنْدِي مَا أَتَقَوَّى بِهِ مَعَ رَسُولِكَ وَلَمْ تَجْعَلْ فِي يَدِ رَسُولِكَ مَا يُحْمِلُنِي عَلَيْهِ وَإِنِّي أَتَصَدَّقُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِكُلِّ مَظْلَمَةٍ أَصَابَنِي فِيهَا مِنْ مَالٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ عِرْضٍ. ثُمَّ أَصْبَحَ مَع النَّاسِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ هَذِهِ اللَّيْلةَ)) ؟ فَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: ((أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ فَلْيَقُمْ)) . فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((أَبْشِرْ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بَيّدِهِ لَقَدْ كُتِبَتْ فِي الزَّكَاةِ الْمُتَقَبَّلَةِ)) . فَفِي هَذَا مُعْجِزَةٌ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ لأَنَّ هَذَا غَيْبٌ أَعْلَمَ اللهُ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ . ١٤٥- وَمِنْهَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁: حَدِّثْنَا عَنْ شَأْنِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: خَرَجْنَا إِلى تَبُوكَ فِي قَيْضٍ شَدِيدٍ فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً وَأَصَابَنَا فِيهِ عَطَشٌ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ رِقَابَنَا سَتَنْقَطِعُ، وَحَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبَهُ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ عَلَى كَبَدِهِ.

стр. 3626

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِيقُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهِ قَدْ عَوَّدَكَ فِي الدُّعَاءِ خَيْراً فَادْعُ اللهَ لَنَا، فَقَالَ: ((أَوَ تُحِبُّ ذَلِكَ)) ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ إِلى السَّمَاءِ فَلَمْ يُرْجِعْهُمَا حَتَّى قَالَتَ السَّمَاءُ - أَيْ آذَنَتْ بِمَطَرٍ - فَأَطللَّتْ ثُمَّ سَكَبَتْ فَمَلَؤُا مَا مَعَهُمْ ثُمَّ ذَهَبْنَا نَنْظُرُ فَلَمْ نَرَهَا جَاوَزَتْ الْعَسْكَرَ. ١٤٦- وَمِنْهَا حِينَمَا ظَلَّتْ نَاقَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَخَرَجَ أَصْحَابُهُ فِي طَلَبِهَا، وَعِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ عَمَارَةُ بنُ حَزْمِ الأنصاري. وَكَانَ فِي رَحْلِهِ زَيْدُ بنُ لُصَيْتٍ الْقَيْنُقَاعِي وَكَانَ مُنَافِقاً، فَقَالَ زَيْدُ بنُ لُصَيْتٍ وَهُوَ فِي رَحْلِ عَمَارَةَ وَعَمَارَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَلَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنْ يُخْبِرَكُمْ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ وَهُوَ لا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعِمَارَةُ عِنْدَهُ: ((إِنَّ رَجُلاً قَالَ: إِنَّّ مُحَمَّداً يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَهُوَ يَزْعُمُ أَنْ يُخْبِرَكُمْ بِخَبَرِ السَّمَاءِ وَهُوَ لا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ، وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَعْلَمُ إِلا مَا أَعْلَمَنِي اللهُ وَقَدْ دَلَّنِي اللهُ عَلَيْهَا وَهِيَ فِي الْوَادِي فِي شِعْبِ كَذَا وَكَذَا قَدْ حَبَسْتَهَا شَجَرةٌ بِزِمَامِهَا فَانْطَلَقُوا حَتَّى تَأْتُوا بِهَا)) . فَذَهَبُوا فَجَاءُوا بِهَا وَقَدْ وَجَدَهَا الْحَارِثُ بنُ خَزْمَةَ الأَشْهَلِي كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ زَيْدٌ لَكَأَنِي لَمْ أُسْلِمْ إِلا الْيَوْمَ فَقَدْ كُنْتُ شَاكاً فِي مُحَمَّدٍ وَقَدْ أَصْبَحْتُ وَأَنَا فِيهِ ذُو بَصِيرَةٍ، أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ. اللَّهُمَّ ثَبِّتْ مَحَبَّتَكَ فِي قُلُوبِنَا وَقَوِّهَا وَثَبِّتْنَا عَلَى قَوْلِكَ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ، وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.

стр. 3627

(فَصْلٌ) ١٤٧- وَمِنْهَا أَنَّهُ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ سَائِراً فَجَعَلَ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الرَّجُلُ فَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللهِ تَخَلَّفَ فُلانٌ فَيَقُولُ: «دَعُوهُ فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللهُ بِكُمْ وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُم اللهُ مِنْهُ» . حَتَّى قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍ وَأَبْطَأَ بِهِ بَعِيرِه فَقَالَ: «دَعُوهُ فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللهُ بِكُمْ وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُم اللهُ مِنْهُ» . وَتَلَوَّمَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى بَعِيرِهِ فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ بَعِيرُهُ - أَيْ انْقَطَعَ - أَخَذَ الْمَتَاعَ مِنْ عَلَيْهِ فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ خَرَجَ يَتْبَعُ أَثْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَاشِياً وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنَازِلَهُ فَنَظَرَ نَاظِرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: يَا رسُولَ اللهِ إِنَّ هَذَا رَجُلٌ يَمْشِي عَلَى الطَّرِيقِ وَحْدَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُنْ أَبَا ذَرٍّ» . فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ الْقَوْمُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ - وَاللهِ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «رَحَمَ اللهُ أَبَا ذَرٍّ يَمْشِي وَحْدَهُ وَيَمُوتُ وَحْدَهُ وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ» . وَقَدْ تَحَقَّقَ قَوْلُهُ ﷺ فَإِنَّ عُثْمَانَ ﵁ لَمَّا نَفَى أَبَا ذَرٍّ نَزَلَ أَبُو ذَرٍّ الرَّبْذَةَ فَأَصَابَهُ بِهَا قَدَرُهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتُهُ وَغُلامُهُ فَأَوْصَاهُمَا أَنْ غَسِّلانِي وَكَفَّنَانِي. ثُمَّ ضَعَانِي عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّ بِكُمْ فَقُولُوا لَهُ: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ فَلَمَّا مَاتَ فَعَلا ذَلِكَ بِهِ ثُمَّ وَضَعَاهُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ. فَأَقْبَلَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ ﵁ وَرَهْطٌ مَعَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ عُمَّاراً فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلا جَنَازَةٌ عَلَى الطَّرِيقِ قَدْ كَادَتْ الإِبْلُ تَطَؤُهَا

стр. 3628

وَقَامَ الْغُلامُ فَقَالَ: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ. فَاسْتَهَلَّ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ يَبْكِي وَيَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَمْشِي وَحْدَكَ وَتَمُوتُ وَحْدَكَ وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ. ثُمَّ نَزَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَوَارَوهُ ثُمَّ حَدَّثَهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَهُ وَمَا قَالَهُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَسِيرِهِ إِلى تَبُوكَ وَاسْمُ أَبِي ذَرٍّ (جُنْدُبُ بنُ جُنَادَةَ) وَمَاتَ فِي سَنَة ٣٢ هـ. وَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ فِي قِصَّةِ وَفَاتِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن الأَشْتَرِ عَنْ أَبِيهِ: عَنْ أُمِّ ذَرٍّ قَالَتْ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا ذَرٍّ الْوَفَاةُ بَكَيْتُ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقُلْتُ: مَا لِي لا أَبْكِي وَأَنْتَ تَمُوتُ بِفَلاةٍ مِنْ الأَرْضِ وَلَيْسِ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُكَ كَفَناً وَلا يَدَانِ لِي فِي تَغْيِيبِكَ. قَالَ: أَبْشِرِي وَلا تَبْكِي فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِنَفَرٍ أَنَا فِيهِمْ: «لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلاةٍ مِنْ الأَرْضِ يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» . وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ النَّفَرِ إِلا وَقَدْ مَاتَ فِي قَرْيَةٍ وَجَمَاعَةٍ فَأَنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ فَوَاللهِ مَا كَذَبْتُ وَلا كُذِبْتُ فَأَبْصِرِي الطَّرِيقَ فَقُلْتُ: أَنَّى وَقَدْ ذَهَبَ الْحَاجُ وَتَقَطَّعَتِ الطُّرُقُ. فَقَالَ: اذْهَبِي فَتَبَصَّرِي قَالَتْ: فَكُنْتُ أَشْتَدُّ إِلى الْكَثِيبِ أَتَبَصَّرُ ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَمَرِّضَهُ فَبَيْنَا أَنَا وَهُوَ كَذَلِكَ إِذَا أَنَا بِرِجَالٍ عَلَى رِحَالِهِمْ كَأَنَّهُمْ الرَّخْمُ تَخِبُّ بِهِمْ رَوَاحِلُهُمْ قَالَتْ: فَأَشَرْتُ إِلَيْهِمْ فَأَسْرَعُوا إِلَيَّ حَتَّى وَقَفُوا عَلَيَّ.

стр. 3629

فَقَالُوا: يَا أَمَةَ اللهِ مَا لَكِ؟ قُلْتُ: امْرُؤٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَمُوتُ قَالُوا: وَمَنْ هُوَ؟ قُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ. قَالُوا: صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَفَدَّوْهُ بِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَأَسْرَعُوا إِلَيْهِ حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُمْ: أَبْشِرُوا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِنَفَرٍ أَنَا فِيهِمْ: «لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلاةٍ مِنْ الأَرْضِ يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» . وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النَّفَر رَجُلٌ إِلا وَقَدْ هَلَكَ فِي جَمَاعَةٍ. وَاللهِ مَا كَذَبْتُ وَلا كُذِبْتُ وَإِنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُنِي كَفَناً لِي أَوْ لامْرَأَتِي لَمْ أُكَفَّنْ إِلا فِي ثَوْبٍ هُوَ لِي أَوْ لَهَا وَإِنِّي أنْشُدُكُمْ اللهَ أَنْ لا يُكَفِّنَنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ كَانَ أَمِيراً أَوْ عَرِيفاً أَوْ بَرِيداً أَوْ نَقِيباً وَلَيْسَ أَحَدٌ إِلا وَقَدْ قَارَفَ بَعْضَ مَا قَالَ إِلا فَتَىً مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: أَنَا أَكفِنُكَ يَا عَمَّ أُكَفِّنُكَ فِي رِدَائِي هَذَا وَفِي ثَوْبَيْنِ فِي عَيْبَتِي مِنْ غَزْلِ أُمِّي قَالَ: فَأَنْتَ تُكَفِّينُنِي فَكَفَّنَهُ الأَنْصَارِيُّ وَقَامُوا عَلَيْهِ وَدَفَّنُوهُ فِي نَفَرٍ كُلُّهُمْ يَمَان فَفِي هَذِهِ مُعْجِزَةٌ. ١٤٨- وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ مِن أَنَّ أَبَا خَيْثَمَةَ رَجَعَ - بَعْدَ مَا سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَيَّاماً إِلى أَهْلِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍ فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ فِي عَرِيشٍ لَهُمَا فِي حَائِطِهِ قَدْ رَشَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا وَبَرَّدَتْ لَهُ فِيهِ مَاءً وَهَيَأتْ لَهُ فِيهِ طَعَاماً. فَلَمَّا دَخَلَ قَامَ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ فَنَظَرَ إِلى امْرَأَتَيْهِ وَمَا صَنَعَتَا لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فِي الضَّحِّ - لَهَبُ الشَّمْسِ وَحَرَارَتُهَا - وَالرِّيحِ وَالْحَرِّ وَأَبُو خَيْثَمَةَ فِي ظِلِّ بَارِدٍ وَطَعَامٍ مُهَيَّأٍ وَامْرَأةٍ

стр. 3630

حَسْنَاء فِي مَآلِهِ مُقِيمٌ مَا هَذَا بِالنَّصَفِ وَالْعَدْلِ. ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ لا أَدخُلَ عَرِيشَ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَتَّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَهيئا لِي زَاداً فَفَعَلَتَا ثُمَّ قَدَّمَ نَاضِحَهُ فَارْتَحَلَهُ - أَيْ أَحْضَرَ جَمَلَهُ فَوَضَعَ عَلَيْهِ الرَّحْلَ وَأَعَدَّهُ لِلسَّفَرِ -. ثُمَّ خَرَجَ فِي طَلَبِ رَسُول اللهِ ﷺ حَتَّى أَدْرَكَهُ حِينَ نَزَلَ تَبُوكَ وَكَانَ عِنْدَمَا أَقْبَلَ قَالَ النَّاسُ: هَذَا رَاكِبٌ عَلَى الطَّرِيقِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ» . فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ وَاللهِ أَبُو خَيْثَمَةَ فَلَمَّا أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ أَقْبَلَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَيْراً وَدَعَا لَهُ بِخَيْرٍ» . وَفِي هَذِهِ مُعْجِزَة. ١٤٩- وَمِنْهَا مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ وَدِيعَةُ بنُ ثَابِتٍ وَمِنْهُمْ مَخْشِيٌّ بنُ حِمْيَرَ قَالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أَتَحْسَبُونَ جِلادَ بَنِي الأَصْفَرِ كَقِتَالِ الْعَرَبِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً وَاللهِ لَكَأَنَّكُمْ غَداً مُقَرَّنِينَ فِي الْحِبَالِ إِرْجَافاً وَإِرْهَاباً لِلْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: مَخْشِيُ وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقَاضَى عَلَى أَنْ يُضْرَبَ كُلُّ مِنَّا مَائِةَ جَلْدَةً وَأَنَّا نَنْقَلِبُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْانٌ لِمَقَالَتِكُمْ هَذِهِ وَقَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِعَمَّارِ بن يَاسِرٍ: «أَدْرِكِ الْقَوْمَ فَإِنَّهُمْ قَدْ احْتَرَقُوا فَسَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ بَلَى قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا» . فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْ عَمَّارٌ فَقَالَ ذَلِكَ لَهُمْ.

стр. 3631

فَأَتَوا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ فَقَالَ وَدِيعَةُ بنُ ثَابِتٍ: كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ . فَقَالَ مَخْشِيُ ابنُ حِمْيَر: يَا رَسُولَ اللهِ قَعَدَ بِي اسْمِي وَاسْمُ أَبِي فَكَانَ الذِي عَفَا عَنْهُ فِي هَذِهِ الآيةِ وَتَسَمَّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ وسأل اللهَ أَنْ يُقْتَلَ شَهِيداً لا يُعْلَمُ بِمَكَانِهِ فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أَثَرٌ، فَفِي هَذِهِ الْقِصَّةَ مُعْجِزَةٌ أَيْضاً. ١٥٠- وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَائِذٍ فِي مَغَازِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَزَلَ تَبُوكَ فِي زَمَانٍ قَلَّ مَاؤُهَا فِيهِ فَاغْتَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَرْفَةً بَيّدِهِ مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ بِهَا فَاهُ ثُمَّ بَصَقَهُ فِيهَا فَفَارَتْ عَيْنُهَا حَتَّى امْتَلأَتْ فَهِيَ كَذَلِكَ حَتَّى السَّاعَةَ. قُلْتُ: فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَيْهَا قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَداً إِنْ شَاءَ اللهُ تَعالَى - عَيْنَ تَبُوكَ وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِىَ النَّهَارُ فَمَنْ جَاءَهَا فَلاَ يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئاً حَتَّى آتِىَ» . قَالَ: فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلاَنِ وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيءٍ مِنْ مَائِهَا فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ «هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئاً» ؟ قَالاَ: نَعَمْ. فَسَبَّهُمَا وَقَالَ لَهُمََا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ غَرَفُوا مِنَ الْعَيْنِ قَلِيلاً قَلِيلاً حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيءٍ ثُمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ كَثِيْرٍ فاسْتَقَى النَّاسُ. فَفِي هَذِهِ مُعْجِزَةٌ واضحة. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ الْعَمَلِ الَّذِي يُقَرِّبُنَا إِلى حُبِّكَ اللَّهُمَّ أَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَوَفِّقْنَا لِشُكْرِكَ وَاحْفَظْنَا مِن الاغْتِرَارِ بِالدُّنْيَا وَالْهَوَى وَالنَّفْس وَعَدُوِّكَ وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ

стр. 3632

الرَّاحِمِينَ إِنَّكَ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. (فَصْلٌ) ١٥١- وَمِنْهَا قِصَّةُ أَبِي رِغَالٍ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: ((هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَعَهُ غُصْناً مِنْ ذَهَبٍ إِنْ رَأَيْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ مَعَهُ)) . فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ. وَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ أَيْضاً. ١٥٢- وَمِنْ ذَلِكَ الْوَعْدُ بِارْجَاعِ النَّبِيُّ ﷺ إلى مَكَّةَ قَالَ اللهُ تَعَالى ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِلى مَكَّةَ وَوَقَعَ طِبْقَ مَا أَخْبَرَ فَيَكُونُ عَلَماً عَلَى نُبُوتهِ ﷺ . ١٥٣- وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿َقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ إلى قوله وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ . ١٥٤- فَفِي هَذِهِ الآيَاتِ إِخْبَارٌ عَنْ غُيُوبٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا تَزْكِيَةُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُبَايِعِينَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَإِعْلانُ الرِّضَا عَنْهُمْ وَهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ. وَلا شَكَّ أَنَّ الأَمْرَ كَمَا قَالَ إِذْ لَوْ كَانَ فِي إِيمَانِ أَحدهم دَخَلٌ لَشَكَّ وَارْتَابَ وَأَعْلَنَ ارْتِدَادَهُ وَكُفْرَهُ وَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ مِنْ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْدِمْ عَلَى هَذَا الإِعْلانِ الْخَطِيرِ إِذْ لا يَعْلَم مَا فِي بُوَاطِنِهِمْ إِلا اللهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الإِخْبَار وَأَنَّهَا أَعلام على نبوته ﷺ . ١٥٥- وَمِنْ ذَلِكَ الإِخْبَارُ بِحَوَادِثَ خَاصَّةٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ فَفِي هَذَا عَلَم عَلَى نُبُوتِهِ ﷺ لأَنَّ هَذِهِ

стр. 3633

أُمُورٌ غَيْبِيَّةٌ أَطْلَعَ اللهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهَا. ١٥٦- وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلى النبيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ فَأَرْسَلَ إِلى بَعْضِ نِسَائِهِ فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلا مَاءٌ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلى أُخْرَى فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ ﷺ : ((مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ ﵀) . فَقَامَ رَجُلٌ مِن الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلى رَحْلِِهِ فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لا إِلا قُوتُ صِبْيَانِي قَالَ: فَعَلِّلِيهِم بِشَيْءٍ فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئي السِّرَاجَ وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ((قَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ)) . فَهَذَا غَيْبٌ مِن الْغُيُوبِ أَعْلَمَ الله نَبِيَّهُ بِهِ فَهُوَ مُعْجِزَةٌ وَاضِحَةٌ. ١٥٧- وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً إلى قوله تعالى وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ . أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابنُ الْمُنْذِر وَابْنُ أَبِي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ﵁ قَالَ: كَانَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَّا يُقَالُ لَهُمْ بَنُو أُبَيْرِقٍ بِشْرٌ وَبُشَيْرٌ وَمُبَشِّرٌ، وَكَانَ بُشَيْرٌ رَجُلاً مُنَافِقاً يَقُولُ الشِّعْرَ

стр. 3634

يَهْجُو بِهِ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ يَنْحَلُهُ لِبَعْضِ الْعَرَبِ ثُمَّ يَقُولُ قَالَ فُلانٌ كَذَا وَكَذا فَإِذَا أسَمعَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالُوا: وَاللهِ مَا يَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ إِلا هَذَا الرَّجُلُ الْخَبِيثُ أَوْ كَمَا قَالَ الرَّجُلُ وَقَالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قَالَهَا قَالَ: وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ حَاجَةٍ وَفَاقَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلَامِ. وَكَانَ النَّاسُ إِنَّمَا طَعَامُهُمْ بِالْمَدِينَةِ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ لَهُ يَسَارٌ فَقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ مِنْ الشَّامِ مِنْ الدَّرْمَكِ ابْتَاعَ الرَّجُلُ مِنْهَا فَخَصَّ بِهَا نَفْسَهُ وَأَمَّا الْعِيَالُ فَإِنَّمَا طَعَامُهُمْ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ. فَقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ مِنْ الشَّامِ فَابْتَاعَ عَمِّي رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلاً مِنْ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ فِي مَشْرَبَةٍ لَهُ وَفِي الْمَشْرَبَةِ سِلاحٌ وَدِرْعٌ وَسَيْفٌ فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَحْتِ الْبَيْتِ فَنُقِبَتْ الْمَشْرَبَةُ وَأُخِذَ الطَّعَامُ وَالسِّلاحُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنَا فِي لَيْلَتِنَا هَذِهِ فَنُقِبَتْ مَشْرَبَتُنَا َفذُهِبَ بِطَعَامِنَا وَسِلَاحِنَا قَالَ: فَتَحَسَّسْنَا فِي الدَّارِ وَسَأَلْنَا فَقِيلَ لَنَا: قَدْ رَأَيْنَا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَلا نَرَى فِيمَا نَرَى إِلا عَلَى بَعْضِ طَعَامِكُمْ. قَالَ: وَكَانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قَالُوا: وَنَحْنُ نَسْأَلُ فِي الدَّارِ وَاللهِ مَا نُرَى صَاحِبَكُمْ إِلا لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ رَجُلٌ مِنَّا لَهُ صَلاحٌ وَإِسْلامٌ. فَلَمَّا سَمِعَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ. وَقَالَ: أَنَا أَسْرِقُ وَاللهِ لَيُخَالِطَنَّكُمْ هَذَا السَّيْفُ أَوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ

стр. 3635

قَالُوا: إِلَيْكَ عَنَّا أَيُّهَا الرَّجُلُ فَمَا أَنْتَ بِصَاحِبِهَا فَسَأَلْنَا فِي الدَّارِ حتَّى لَمْ نَشُكَّ أَنَّهُمْ أَصْحَابُهَا فَقَالَ لِي عَمِّي: يَا ابْنَ أَخِي لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ. قَالَ قَتَادَةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ أَهْلَ بَيْتٍ أَهْلُ جَفَاءٍ عَمَدُوا إِلَى عَمِّي رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ وَأَخَذُوا سِلاحَهُ وَطَعَامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنَا سِلاحَنَا، فَأَمَّا الطَّعَامُ فَلا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((سَآمُرُ فِي ذَلِكَ)) . فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ بَنُو الأُبَيْرِقِ أَتَوْا رَجُلاً مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَيْدُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ فَاجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ عَمَدَا إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلِ إِسْلامٍ وَصَلاحٍ يَرْمُونَهُمْ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلا ثِبْتٍ. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ فَقَالَ: ((عَمَدْتَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلامٌ وَصَلاحٌ تَرْمِهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ ثَبَتٍ وَلا بَيِّنَةٍ)) . قَالَ: فَرَجَعْتُ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ بَعْضِ مَالِي وَلَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ فَأَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي مَا صَنَعْتَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: اللهُ الْمُسْتَعَانُ. فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً﴾ يَعْنِي بَنِي أُبَيْرِقٍ ﴿وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ﴾ مِمَّا قُلْتَ لِقَتَادَةَ ... فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلّى

стр. 3636

اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إِلى رِفَاعَةَ. ١٥٨- وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي تَبْرِئَةِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ مِن الإِفْكِ قَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ . الآية. عَشْرُ آيَاتٍ كُلُّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْن عَائِشَةَ ﵂ حِينَ رَمَاهَا الإِفْكُ وَالْبُهْتَانُ مِنِ الْمُنَافِقِينَ بِمَا قَالُوا مِنْ الْكَذِبِ الْبَحْتِ وَالْفِرْيَةِ الَّتِي غَارَ اللهُ لَهَا وَلِنَبِيِّهِ ﷺ . فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى بَرَاءَتَهَا صِيَانَةً لِعِرْضِ الرَّسُولِ ﷺ بَعْدَ مَا بَقِيَتْ الأَلْسِنَةُ لا يُوحَى إِلَيْهِ كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِي وَمُسْلِم - وَهُوَ حَائِرٌ مُتَرَدِّدٌ فِي أَمْرِ عَائِشَةَ يَسْأَلُ وَيَسْتَشِير. وَالْمُنَافِقُونَ يُشِيعُونَ الْفَاحِشَةَ حَتَّى وَقَعَ فِيهَا مَنْ وَقَعَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ جَاءَهَا الرَّسُولُ ﷺ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا ثُمَّ قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبْرِئُكِ اللهُ وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِري اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ فَإِنْ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ)) . فَوَاللهِ مَا رَامَ مَجْلِسَهُ وَلا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى أَنْزَلَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِن الْبُرَحَاءِ حَتَّى أَنَّهُ لِيَتَحَدُّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنْ

стр. 3637

الْعَرَقِ فِي يَوْمِ شَاتٍ. فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَضْحَكُ فَكَانَ أَوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ لِي: ((يَا عَائِشَةُ احْمِدِي اللهَ فَقَدْ بَرَّأَكِ اللهُ)) . فَقَالَتْ لِي أُمِّي قُومِي إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: لا وَاللهِ لا أَقُومُ إِلَيْهِ وَلا أَحْمَدُ إِلا اللهَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ الآيَاتِ فَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلامِ نُبُوَّتِهِ ﷺ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ وَتَفَهَّمَهُ فَقَدْ كَانَ مَوْقِفُهُ ﷺ مِنْ عَائِشَةَ بَعْدَ إشَاعَةِ الْفِرْيَةِ وَالْبُهْتَانِ مَوْقِفَ التَّرَدُدِ وَالْحَيْرَةِ. ثُمَّ تَحَوَّلَ بَعْدَ الْوَحْي فُجْاءَةً إِلى مَوْقِفِ الثِّقَةِ وَالاطْمِئْنَانِ وَهَذَا التَّحَوُلُ لا يُمْكِنُهُ أَنْ يَكُونَ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاثِقاً بِبَرَائَتِهَا بِإِخْبَارٍ مِن الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ جَلَّ وَعَلا وَتَنَزَهَ وَتَقَدَّسَ. ١٥٩- وَمِنْ ذَلِكَ تَحَدِّي الْيَهُودَ فِي تَمَنِّي الْمَوْتَ مَرَّتَيْن فَقَالَ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ . وَوَجْهُ الدَّلالةِ أَنَّهُ طَلَبَ مِن الْيَهُودِ أَنْ يَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً فَمَا تَمَنَّاهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ وَمُعَارَضَتِهِمْ لَهُ وَكَيْدِهِمْ لَهُ فَقَامَ ذَلِكَ دَلِيلاً صَادِقاً عَلَى نِبُوَّتِهِ وَمُعْجِزَة عَظِيمَة. اللَّهُمَّ اعْصِمْنَا وَارْحَمْنَا عَنِ الرُّكُونِ إِلى عِدَاكَ وَارْزُقْنَا بُغْضَهُمْ وَأَعْوَانَهُمْ وَوَفِّقْنَا لِمَحَبَّتِكَ وَمَحَبَّةِ رُسُلِكَ وَأَوْلِيَائِكَ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ

стр. 3638

وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فَصْلٌ) : قَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ: فَأَخْبَرَ عَن الْيَهُودِ أَنَّهُمْ لَنْ يَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ أَبَدَاً وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ فَلا يَتَمَنَّى الْيَهُودُ الْمَوْتَ أَبَدَاً وَهَذَا دَلِيلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ جِهَةِ إِخْبَارِهِ بَأَنْ لا يَكُونَ أَبَدَاً وَمِنْ جِهَةِ صَرْفِ اللهِ لِدَوَاعِي الْيَهُودِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتَ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ مَقْدُورٌ لَهُمْ وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ الأُمُورِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ وَهُمْ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى تَكْذِيبِهِ لَمْ تَنْبَعِثْ دَوَاعِيهِمْ لإِظْهَارِ تَكْذِيبِهِ بِإِظْهَارِ تَمَنِيَّ الْمَوْتَ. أ. هـ. ١٦٠- وَمِنْ ذَلِكَ الْوَعْدُ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وَهَذَا الإِخْبَارُ إِنَّمَا هُوَ مِن الْغَيْبِ وَوَقَعَ كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ فَحُفِظَ وَتَمَّ وَعْدُ اللهِ بِذَلِكَ. وَلَمْ يَأْتِهِ تَغْيِيرٌ يَعُمُّ جَمِيعَ الْمَصَاحِفِ الْمَوْجُودَةِ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ قَالَ تَعَالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ . ١٦١- وَمِنْ ذَلِكَ الْوَعْدُ بِعِصْمَةِ النَّبِي ﷺ مِن النَّاسِ قَالَ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وَقَدْ حَقَّقَ اللهُ وَعْدَهُ فَحَفِظَ نَبِيَّهُ وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ عَلَى قَتْلِهِ مَعَ كَثْرَةِ الْمُحَاوَلاتِ مِنْ أَعْدَائِهِ فَفِي ذَلِكَ عِلْمٌ مِنْ أَعْلامِ نُبوته معجزة واضحة. ١٦٢- وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قَالَ الْبَغَوِيُّ: أَيْ يَكْفِيكَ شَرَّ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَقَدْ كَفَى بِإِجْلاءِ بَنِي النَّضيرِ وَقَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. أ. هـ.

стр. 3639

وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزاً دَالاً عَلَى صِدْقِهِ حَيْثُ وَقَعَ طِبْقَ مَا أَخْبَرَ. ١٦٣- وَمِنْ ذَلِكَ الْمُبَاهَلَةُ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ . قِيلَ: إِنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ هُوَ أَنَّ الْعَاقِبَ وَالسَّيِّدَ صَاحِبَيْ نَجْرَانَ جَاءَا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَادَلاهُ فِي أَمْرِ عِيسَى ﵇ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى آيَةَ الْمُبَاهَلَةِ وَالْمُبَاهَلَةُ دُعَاءُ اللهِ وَالابْتِهَالُ إِلَيْهِ أَنْ يُنْزِلَ لَعْنَتَهُ عَلَى الْكَاذِبِينَ فَوَاعَدَاهُ عَلَى أَنْ يُلاعِنَاهُ الْغَدَاةَ. فَغَدَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنَ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمَا فَأَبَيَا أَنْ يُجِيبَاهُ وَأَقَرَا لَهُ بِالْخَرَاجِ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَوْ قَالا لأَمْطَرَ عَلَيْهِمْ الْوَادِي نَاراً فَفِي هَذَا عِلْمٌ مِنْ أَعْلامِ نُبُوَّتِهِ فَلَوْلا أَنَّهُمْ عَرَفُوا مِنْ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيل مَا يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ لِمَا أَحْجَمُوا عَنِ الْمُبَاهَلَةِ ثَانِياً وَثُوقُهُ ﷺ بِذَلِكَ. ١٦٤- وَمِنْ ذَلِكَ مَا قِيلَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي الأَخْنَسِ بن شَرِيقٍ ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ * َيحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * َلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ فَمَاتَ عَلَى كُفْرِهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بنِ الْمُغِيرَةِ كَانَ يَغْتَابُ النَّبِيَّ ﷺ وَيَطْعَنُ عَلَيْهِ فِي وَجْهِهِ وَنَزَلَ فِيهِ.

стр. 3640

آخر: يُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا: قَطّعْتُ مِنْكَ حَبَائِل الآمَالِ ... وَحَطَطْتُ عَنْ ظَهَرِ الْمَطي رِحَالي وَيَئسِتُ أَنْ أَبْقَى لِشَيْءٍ نِلْتُ مِمَّا ... فِيكَ يَا دُنْيَا وَأَنْ يَبْقَى لِي فَوَجَدْتُ بَرْدَ الْيَأْسِ بَيْنَ جَوَانِحِي ... وَأَرَحْتُ مِنْ حَلَى وَمِنْ تَرْحَالي وَلَئِنْ يَئِسْتُ لَرُبّ بَرْقَةِ خُلّبِ ... بَرَقَتْ لِذِي طَمَعٍ وَبَرَقْةِ آلِ مَا كَانَ أَشَامَ إِذْ رَجَاؤكِ قَاتِلِي ... وَبَنَاتُ وَعْدِكِ يَعْتَلِجْنَ بِبَالِي فَالآن يَا دُنْيَا عَرَفَتُكِ فَاذْهَبِي ... يَا دَارَ كُلِّ تَشَتتٍ وَزَوَالِ وَالآنَ صَارَ لِي الزَّمَانُ مُؤدِّباً ... فَغَدَا عَلَيَّ وَرَاحَ بِالأَمْثَالِ وَالآنَ أَبْصَرْتُ السَّبِيلَ إِلى الْهُدَى ... وَتَفَرّغَتْ هَمِمِي عَنِ الأَشْغَالِ وَلَقْدَ أَقَامَ لِي الْمَشِيبُ نُعَاتَهُ ... يُفْضِي إِلَيّ بِمِفْرِقٍ وَقَذَالِ وَلَقْدَ رَأَيْتُ الْمَوْتَ يُبْرِقُ سَيْفَهُ ... بِيَدِ الْمَنِيَّةِ حَيْثُ كُنتُ حِيالِي وَلَقْدَ رَأَيْتُ عُرَى الْحَيَاةِ تَخَرَّمَتْ ... وَلَقَدْ تَصَدَّى الْوَارِثُونَ لِمَالِي وَلَقْدَ رَأَيْتُ عَلَى الْفَنَاءِ أَدِلَّةً ... فِيمَا تَنَكَّرَ مِنْ تَصَرَّفِ حَالِي وَإِذَا اعْتَبَرْتُ رَأَيْتُ خَطْبَ حَوَادِثٍ ... يَجْرِينَ بِالأَرْزَاقِ وَالآجَالِ وَإِذَا تَنَاسبتِ الرِّجَالِ فَمَا أَرَى ... نَسَباً يُقَاسُ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ وَإِذَا بَحَثْتُ عَنِ التَّقِيّ وَجَدْتُهُ ... رَجُلاً يُصَدِّقُ قَوْلَهُ بِفَعَالِ وَإِذَا اتَّقَى اللهَ امْرُؤٌ وَأَطَاعَهُ ... فَيَدَاهُ بَيْنَ مَكَارِمٍ وَمَعَالِ وَعَلَى التَّقِيِّ إِذَا تَرَسَّخَ فِي التُّقَى ... تَاجَانِ تَاجُ سَكِينَةٍ وَجَلالِ وَاللَّيْلُ يَذْهَبُ وَالنَّهَارُ تَعَاوُراً ... بِالْخَلْقِ فِي الإِدْبَارِ وَالإِقْبَالِ وَبِحَسْبِ مَنْ تُنْعَى إِلَيْهِ نَفْسُهُ ... مِنْهُ بِأَيَّامٍ خَلَتْ وَلَيَالِ اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ فَأَنْتَ فِي ... عِبَرٍ لَهُنَّ تَدَارُكٌ وَتَوَالِ

стр. 3641

.. يَبْكِي الْجَدِيدُ وَأَنْتَ فِي تَجْدِيدِهِ ... وَجَمِيعُ مَا جَدَّدْتَ مِنْهُ فَبَالِ يَا أَيُّهَا الْبَطِرُ الَّذِي هُوَ فِي غَدٍ ... فِي قَبْرِهِ مُتَفَرَقُ الأَوْصَالِ حَذَفَ الْمُنَىَ عَنْهُ الْمُشَمِّرُ فِي الْهُدَى ... وَأَرَى مُنَاكَ طَوِيلَةَ الأَذْيَالِ وَلَقَلَّ مَا تَلْقَى أَغَرَّ لِنَفْسِهِ ... مِنْ لاعِبٍ مَرَحٍ بِهَا مُخْتَالِ يَا تَاجِرَ الْغَيِّ الْمُضِرَّ بِرُشْدِهِ ... حَتَّى مَتَى بِالْغَيّ أَنْتَ تُغَالِي الْحَمْدُ للهِ الْحَمِيدِ بِمِنِّهِ ... خَسِرَتْ وَلَمْ يَرْبَحْ يَدُ الْبَطَّالِ للهِ يَوْمٌ تَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ ... وَتَشِيبُ مِنْهُ ذَوَائِبُ الأَطْفَالِ يَوَمُ النَّوَازِلِ وَالزَّلازِلِ، وَالْحَوا ... مِلِ فِيهِ إِذْ يَقذِفْنَ بِالأَحْمَالِ يَوْمٌ يَنَادَى فِيهِ كُلُّ مَضَلِّلٍ ... بِمُقَطِّعَاتِ النَّارِ وَالأَغْلالِ لِلْمُتَّقِينَ هُنَاكَ نَزْلُ كَرَامَةٍ ... عَلَتِ الْوُجُوهَ بِنَضْرَةٍ وَجَمَالِ زُمَرٌ أَضَاءَتْ لِلْحِسَابِ وُجُوهُهَا ... فَلَهَا بَرِيقٌ عِنْدَهَا وَتَلالِي وَسَوَابِقٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ جَرَتْ ... خُمْصَ الْبُطُونِ خَفِيفَةَ الأَثْقَالِ مِنْ كُلِّ أَشْعَثَ كَانَ أَغْبَرَ نَاحِلاً ... خَلِقَ الرِّدَاءِ مُرَقَّعَ السِّرْبَالِ حِيَلُ ابنِ آدَمَ فِي الأُمُورِ كَثِيرَةٌ ... وَالْمَوْتُ يَقْطَعُ حِيلَةَ الْمُحْتَالِ نَزَلُوا بِأَكْرَمِ سَيِّدٍ فَأَظَلّهُمْ ... فِي دَارِ مُلْكِ جَلالَةٍ وَظِلالِ وَمِنَ النَّعَاةِ إِلى ابْنِ آدَمَ نَفْسَهُ ... حَرَكُ الْخُطَى وَطُلُوعُ كُلِّ هِلالِ مَا لِي أَرَاكَ لِحُرّ وَجْهِكَ مُخْلِقاً ... أَخْلَقْتِ يَا دُنْيَا وُجُوهَ رِجَالِ قِسْتَ السُّؤَالَ فَكَانَ أَعْظَمَ قِيمَةً ... مِنْ كُلِّ عَارِفَةٍ جَرَتْ بِسُؤُالِ كُنْ بِالسُّؤَالِ أَشَدَّ عَقْدِ ضَنَانَةٍ ... مِمَّنْ يَضِنُّ عَلَيْكَ بِالأَمْوَالِ وَصُنِ الْمَحَامِدَ مَا اسْتَطَعْتَ فَإِنَّهَا ... فِي الْوَزْنِ تَرْجُحُ بَذْلَ كُلِّ نَوَالِ وَلَقَدْ عَجِبْتُ مِنَ الْمُثْمِّرِ مَالَهُ ... نَسِيَ الْمُثَمِّرُ زِينَةَ الإِقْلالِ

стр. 3642

.. وَإِذَا امْرُؤٌ لَبِسَ الشُّكُوكَ بِعَزْمِهِ ... سَلَكَ الطَّرِيقَ عَلَى عُقُودِ ضَلالِ وَإِذَا ادَّعَتْ خُدَعُ الْحَوَادِث قَسْوَةً ... شَهِدَتْ لَهُنَّ مَصَارِعُ الأَبْطَالِ وَإِذَا ابْتُلِيتَ بِبَذْلِ وَجْهِكَ سَائِلاً ... فَابْذُلْهُ لِلْمُتَكَرِّمِ الْمِفْضَالِ وَإِذَا خَشِيتَ تَعَذُّراً فِي بَلْدَةٍ ... فَاشْدُدْ يَدَيْكَ بِعَاجِلِ التِّرْحَالِ وَأَصْبِرْ عَلَى غَيْرِ الزَّمَانِ فَإِنَّمَا ... فَرَجُ الشَّدَائِدِ مِثْلُ حَلِّ عِقَالِ انْتَهَى. ١٦٥- قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ إِلى قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ فَلَمْ يَزدْهُ اللهُ مَالاً وَلا وَلَداً بَعْدَ هَذَا كَمَا أَخْبَرَ، وَصَارَ فِي نُقْصَانٍ مِنْ مَالِهِ وَوَلَدِهِ إِلى أَنْ مَاتَ كَافِراً، وَقَدْ كَانَ عِنْدَ نُزُولِ ذَلِكَ حَيّاً سَلِيماً. ١٦٦- وَمِنْهُمْ النَّضْرُ بنُ الْحَارِثِ بنِ كِلْدَةَ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَكَانَ شَدِيدَ الرَّدِّ عَلَى اللهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، شَدِيدَ الْعَدَاوَةِ، وَالإرْصَادِ، وَقَدْ كَانَ رَحَلَ فِي عَدَاوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلى فَارِسَ، وَطَلَبَ مَا يَكِيدُ بِهِ الإِسْلامَ، فَاشْتَرَى أَخْبَارَ الْعَجَمِ، وَقَدِمَ بِهَا مَكَّةَ يُحَدِّثُ بِهَا قُرَيْشاً وَيَقُولُ: إِنَّ مُحَمَّداً يُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثِ عَادٍ وَثَمُودَ وَأَنَا أُحَدِثُكُمْ بِحَدِيثِ رُسْتُمْ وَاسْفِنْدِيَار، وَأَخْبَارِ الأَكَاسِرَةِ. فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ، وَيَتْرُكُونَ اسْتِمَاعَ كَلامَ اللهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَالَهُ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ. وَقِيلَ: نَزَلَ فِيهِ أَيْضاً غَيْرُهَا وقِيلَ: إِنَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ ذَهَبَتْ بِقُحْفِ رَأْسِهِ وَحَلَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَأْسُورِينَ وَقَالَ: لا أَذُوقُ طَعَاماً وَلا شَرَاباً مَا دُمْتُ فِي أَيْدِيهِمْ فَمَاتَ مِن الضَّرْبَةِ وَصَارَ إِلى

стр. 3643

النَّارِ بَعْدَ أَنْ أَذَاقَهُ اللهُ الْعَذَابَ الْمُهِينَ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ وَكَمَا أَخْبَرَ . اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِلِزُومِ الطَّرِيقِ الَّذِي يُقَرِّبُنَا إِلَيْكَ وَهَبْ لَنَا نُوراً نَهْتَدِي بِهِ إِلَيْكَ وَيَسِّرْ لأَهْلِ مَحَبَّتِكَ وَأَيْقِظْنَا مِنْ غَفَلاتِنَا وَأَلْهِمْنَا رُشْدَنَا وَاسْتُرْنَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ عِبَادِكَ الْمُتَّقِينِ وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فَصْلٌ) ١٦٧- وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿آلَم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَاتُ حِينَ غَلَبَ سَابُورُ مَلِكُ الْفُرْسِ عَلَى بِلادِ الشَّامِ، وَمَا وَالاهَا مِنْ بِلادِ الْجَزِيرَةِ، وَأَقَاصِي بِلادِ الرُّومِ، حَتَّى ألْجَأَهُ إِلى الْقَسْطِنْطِينِيَّةِ، وَحَاصَرَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ عَادَتِ الدَّوْلَةُ إِلى هِرَقَل، كَمَا بَشَّرَ الْقُرْآنُ قَبْلَ سَبْعِ سَنَوَاتٍ، مِنْ انْتِصَارِهِ عَلَى الْفُرْسِ فَوَقَعَ طِبْقَ مَا أَخْبَرَ. فَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ مِن الْقُرْآنِ عَلَى رِسَالَةِ الرَّسُولِ ﷺ . ١٦٨- وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُهُ مَا جَاءَ

стр. 3644

عَنْ آدم ونشأته، وما وسوس به إليه إبليس، وما وقع له من الهبوط إلى الأرض، بعد أن كان في الجنة. ١٦٩- وحدثنا عن نوح أول المرسلين وما لقيه من قومه، من أذى وسخرية، ومدة لبثه فيهم، وما أرشده الله إليه من صنع الفلك وركوبه، وانجائه، ومن مع نوح وهم أصحاب السفينة، ودعوته لابنه، وعصيان ابنه له، وجواب الله له حين ما قَالَ ﴿إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي﴾ وانهمار السماء بالماء، وتفجر الأرض عيوناً، وإغراق الكافرين، ونجاة المؤمنين. ١٧٠- وأخبر القرآن عن موسى ﵇ وما تم له عند ولادته، وما وقع له في مصر، وما حدث له في مدين، وما رآه في جبل الطور، وما كلف به من أعباء الرسالة، وما دار بينه وبين فرعون من حوار، وما جرى من السحرة، وما انتهى إليه أمر فرعون، وملائه وموسى وقومه. ١٧١- وأخبر القرآن عن عيسى. ١٧٢- وأمه ﵉، وما وقع لهما من الخوارق، وما صنعه لهما بنوا إسرائيل من مكائد. ١٧٣- وأخبر عن داود. ١٧٤- وسليمان ﵉ وذكر الإحسان إليهما وما آتاهما من العلم والفهم قَالَ الله تعالى: ﴿وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ فأنعم الله على

стр. 3645

دواد بتسخير الجبال والطير للتسبيح معه وأخبر أنه جل وعلا علمه صنعة الدروع وأخبر أنه أنعم على سليمان بتسخير الريح العاصفة التي تجري بأمره وتسخير الشياطين تغوص في البحار وتعمل له أعمالاً أخرى. ١٧٥- وأخبر عن إبراهيم خليل الرحمن، ومحاجته للملك الجبار، وهو نمرود، البابلي، المعطل، المنكر، لرب العالمين، إلى أن وقف، وانقطعت حجته، واضمحلت شبهته، وأخبر عن طلبه لربه، أن يريه كيف يحيي الموتى، وإجابة الله دعوته، وتلبية طلبته، وعن ما ابتلاه به من ذبح ابنه إسماعيل وأخبر عن ما من عليه به من العلم، والدعوة، والصبر وما أكرمه به من الذرية الصالحة، والنسل الطيب، وأنه جعل صفوة الخلق من نسله. ١٧٦- وأخبر عن يوسف ﵇، وما جرى له مع أخوته ومقدار لبثه في السجن، ومراودة امرأة العزيز له، وظهور براءته، وبيان صدقه، وايثار الله له على إخوته، وما جرى لأبيه يعقوب. ١٧٧- وأخبر عن لوط، وما قاله لقومه، توبيخاً لهم، وجوابهم السخيف له جزاء نصحه، وانجاء الله له، وأهل بيته إلا امرأته، وأخبر عن مجيء الرسل إليه، وأنه ساءه مجيئهم، وذلك لما يتوقعه من اعتداء قومه عليهم وفعلاً جاؤا يهرولون إليه، وأخبر عن ما أوقعه الله بهم من العقوبة العظيمة، جزاء فعلتهم الشنيعة، التي لم يسبقهم بها أحد ١٧٨- وأخبر عن زكريا، وندائه لربه، وآثاره الصالحة ومناقبه
следующие страницы →