← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

.. يَبْكِي الْجَدِيدُ وَأَنْتَ فِي تَجْدِيدِهِ ... وَجَمِيعُ مَا جَدَّدْتَ مِنْهُ فَبَالِ يَا أَيُّهَا الْبَطِرُ الَّذِي هُوَ فِي غَدٍ ... فِي قَبْرِهِ مُتَفَرَقُ الأَوْصَالِ حَذَفَ الْمُنَىَ عَنْهُ الْمُشَمِّرُ فِي الْهُدَى ... وَأَرَى مُنَاكَ طَوِيلَةَ الأَذْيَالِ وَلَقَلَّ مَا تَلْقَى أَغَرَّ لِنَفْسِهِ ... مِنْ لاعِبٍ مَرَحٍ بِهَا مُخْتَالِ يَا تَاجِرَ الْغَيِّ الْمُضِرَّ بِرُشْدِهِ ... حَتَّى مَتَى بِالْغَيّ أَنْتَ تُغَالِي الْحَمْدُ للهِ الْحَمِيدِ بِمِنِّهِ ... خَسِرَتْ وَلَمْ يَرْبَحْ يَدُ الْبَطَّالِ للهِ يَوْمٌ تَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ ... وَتَشِيبُ مِنْهُ ذَوَائِبُ الأَطْفَالِ يَوَمُ النَّوَازِلِ وَالزَّلازِلِ، وَالْحَوا ... مِلِ فِيهِ إِذْ يَقذِفْنَ بِالأَحْمَالِ يَوْمٌ يَنَادَى فِيهِ كُلُّ مَضَلِّلٍ ... بِمُقَطِّعَاتِ النَّارِ وَالأَغْلالِ لِلْمُتَّقِينَ هُنَاكَ نَزْلُ كَرَامَةٍ ... عَلَتِ الْوُجُوهَ بِنَضْرَةٍ وَجَمَالِ زُمَرٌ أَضَاءَتْ لِلْحِسَابِ وُجُوهُهَا ... فَلَهَا بَرِيقٌ عِنْدَهَا وَتَلالِي وَسَوَابِقٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ جَرَتْ ... خُمْصَ الْبُطُونِ خَفِيفَةَ الأَثْقَالِ مِنْ كُلِّ أَشْعَثَ كَانَ أَغْبَرَ نَاحِلاً ... خَلِقَ الرِّدَاءِ مُرَقَّعَ السِّرْبَالِ حِيَلُ ابنِ آدَمَ فِي الأُمُورِ كَثِيرَةٌ ... وَالْمَوْتُ يَقْطَعُ حِيلَةَ الْمُحْتَالِ نَزَلُوا بِأَكْرَمِ سَيِّدٍ فَأَظَلّهُمْ ... فِي دَارِ مُلْكِ جَلالَةٍ وَظِلالِ وَمِنَ النَّعَاةِ إِلى ابْنِ آدَمَ نَفْسَهُ ... حَرَكُ الْخُطَى وَطُلُوعُ كُلِّ هِلالِ مَا لِي أَرَاكَ لِحُرّ وَجْهِكَ مُخْلِقاً ... أَخْلَقْتِ يَا دُنْيَا وُجُوهَ رِجَالِ قِسْتَ السُّؤَالَ فَكَانَ أَعْظَمَ قِيمَةً ... مِنْ كُلِّ عَارِفَةٍ جَرَتْ بِسُؤُالِ كُنْ بِالسُّؤَالِ أَشَدَّ عَقْدِ ضَنَانَةٍ ... مِمَّنْ يَضِنُّ عَلَيْكَ بِالأَمْوَالِ وَصُنِ الْمَحَامِدَ مَا اسْتَطَعْتَ فَإِنَّهَا ... فِي الْوَزْنِ تَرْجُحُ بَذْلَ كُلِّ نَوَالِ وَلَقَدْ عَجِبْتُ مِنَ الْمُثْمِّرِ مَالَهُ ... نَسِيَ الْمُثَمِّرُ زِينَةَ الإِقْلالِ

стр. 3642

.. وَإِذَا امْرُؤٌ لَبِسَ الشُّكُوكَ بِعَزْمِهِ ... سَلَكَ الطَّرِيقَ عَلَى عُقُودِ ضَلالِ وَإِذَا ادَّعَتْ خُدَعُ الْحَوَادِث قَسْوَةً ... شَهِدَتْ لَهُنَّ مَصَارِعُ الأَبْطَالِ وَإِذَا ابْتُلِيتَ بِبَذْلِ وَجْهِكَ سَائِلاً ... فَابْذُلْهُ لِلْمُتَكَرِّمِ الْمِفْضَالِ وَإِذَا خَشِيتَ تَعَذُّراً فِي بَلْدَةٍ ... فَاشْدُدْ يَدَيْكَ بِعَاجِلِ التِّرْحَالِ وَأَصْبِرْ عَلَى غَيْرِ الزَّمَانِ فَإِنَّمَا ... فَرَجُ الشَّدَائِدِ مِثْلُ حَلِّ عِقَالِ انْتَهَى. ١٦٥- قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ إِلى قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ فَلَمْ يَزدْهُ اللهُ مَالاً وَلا وَلَداً بَعْدَ هَذَا كَمَا أَخْبَرَ، وَصَارَ فِي نُقْصَانٍ مِنْ مَالِهِ وَوَلَدِهِ إِلى أَنْ مَاتَ كَافِراً، وَقَدْ كَانَ عِنْدَ نُزُولِ ذَلِكَ حَيّاً سَلِيماً. ١٦٦- وَمِنْهُمْ النَّضْرُ بنُ الْحَارِثِ بنِ كِلْدَةَ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَكَانَ شَدِيدَ الرَّدِّ عَلَى اللهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، شَدِيدَ الْعَدَاوَةِ، وَالإرْصَادِ، وَقَدْ كَانَ رَحَلَ فِي عَدَاوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلى فَارِسَ، وَطَلَبَ مَا يَكِيدُ بِهِ الإِسْلامَ، فَاشْتَرَى أَخْبَارَ الْعَجَمِ، وَقَدِمَ بِهَا مَكَّةَ يُحَدِّثُ بِهَا قُرَيْشاً وَيَقُولُ: إِنَّ مُحَمَّداً يُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثِ عَادٍ وَثَمُودَ وَأَنَا أُحَدِثُكُمْ بِحَدِيثِ رُسْتُمْ وَاسْفِنْدِيَار، وَأَخْبَارِ الأَكَاسِرَةِ. فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ، وَيَتْرُكُونَ اسْتِمَاعَ كَلامَ اللهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَالَهُ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ. وَقِيلَ: نَزَلَ فِيهِ أَيْضاً غَيْرُهَا وقِيلَ: إِنَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ ذَهَبَتْ بِقُحْفِ رَأْسِهِ وَحَلَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَأْسُورِينَ وَقَالَ: لا أَذُوقُ طَعَاماً وَلا شَرَاباً مَا دُمْتُ فِي أَيْدِيهِمْ فَمَاتَ مِن الضَّرْبَةِ وَصَارَ إِلى

стр. 3643

النَّارِ بَعْدَ أَنْ أَذَاقَهُ اللهُ الْعَذَابَ الْمُهِينَ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ وَكَمَا أَخْبَرَ . اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِلِزُومِ الطَّرِيقِ الَّذِي يُقَرِّبُنَا إِلَيْكَ وَهَبْ لَنَا نُوراً نَهْتَدِي بِهِ إِلَيْكَ وَيَسِّرْ لأَهْلِ مَحَبَّتِكَ وَأَيْقِظْنَا مِنْ غَفَلاتِنَا وَأَلْهِمْنَا رُشْدَنَا وَاسْتُرْنَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ عِبَادِكَ الْمُتَّقِينِ وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فَصْلٌ) ١٦٧- وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿آلَم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَاتُ حِينَ غَلَبَ سَابُورُ مَلِكُ الْفُرْسِ عَلَى بِلادِ الشَّامِ، وَمَا وَالاهَا مِنْ بِلادِ الْجَزِيرَةِ، وَأَقَاصِي بِلادِ الرُّومِ، حَتَّى ألْجَأَهُ إِلى الْقَسْطِنْطِينِيَّةِ، وَحَاصَرَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ عَادَتِ الدَّوْلَةُ إِلى هِرَقَل، كَمَا بَشَّرَ الْقُرْآنُ قَبْلَ سَبْعِ سَنَوَاتٍ، مِنْ انْتِصَارِهِ عَلَى الْفُرْسِ فَوَقَعَ طِبْقَ مَا أَخْبَرَ. فَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ مِن الْقُرْآنِ عَلَى رِسَالَةِ الرَّسُولِ ﷺ . ١٦٨- وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُهُ مَا جَاءَ

стр. 3644

عَنْ آدم ونشأته، وما وسوس به إليه إبليس، وما وقع له من الهبوط إلى الأرض، بعد أن كان في الجنة. ١٦٩- وحدثنا عن نوح أول المرسلين وما لقيه من قومه، من أذى وسخرية، ومدة لبثه فيهم، وما أرشده الله إليه من صنع الفلك وركوبه، وانجائه، ومن مع نوح وهم أصحاب السفينة، ودعوته لابنه، وعصيان ابنه له، وجواب الله له حين ما قَالَ ﴿إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي﴾ وانهمار السماء بالماء، وتفجر الأرض عيوناً، وإغراق الكافرين، ونجاة المؤمنين. ١٧٠- وأخبر القرآن عن موسى ﵇ وما تم له عند ولادته، وما وقع له في مصر، وما حدث له في مدين، وما رآه في جبل الطور، وما كلف به من أعباء الرسالة، وما دار بينه وبين فرعون من حوار، وما جرى من السحرة، وما انتهى إليه أمر فرعون، وملائه وموسى وقومه. ١٧١- وأخبر القرآن عن عيسى. ١٧٢- وأمه ﵉، وما وقع لهما من الخوارق، وما صنعه لهما بنوا إسرائيل من مكائد. ١٧٣- وأخبر عن داود. ١٧٤- وسليمان ﵉ وذكر الإحسان إليهما وما آتاهما من العلم والفهم قَالَ الله تعالى: ﴿وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ فأنعم الله على

стр. 3645

دواد بتسخير الجبال والطير للتسبيح معه وأخبر أنه جل وعلا علمه صنعة الدروع وأخبر أنه أنعم على سليمان بتسخير الريح العاصفة التي تجري بأمره وتسخير الشياطين تغوص في البحار وتعمل له أعمالاً أخرى. ١٧٥- وأخبر عن إبراهيم خليل الرحمن، ومحاجته للملك الجبار، وهو نمرود، البابلي، المعطل، المنكر، لرب العالمين، إلى أن وقف، وانقطعت حجته، واضمحلت شبهته، وأخبر عن طلبه لربه، أن يريه كيف يحيي الموتى، وإجابة الله دعوته، وتلبية طلبته، وعن ما ابتلاه به من ذبح ابنه إسماعيل وأخبر عن ما من عليه به من العلم، والدعوة، والصبر وما أكرمه به من الذرية الصالحة، والنسل الطيب، وأنه جعل صفوة الخلق من نسله. ١٧٦- وأخبر عن يوسف ﵇، وما جرى له مع أخوته ومقدار لبثه في السجن، ومراودة امرأة العزيز له، وظهور براءته، وبيان صدقه، وايثار الله له على إخوته، وما جرى لأبيه يعقوب. ١٧٧- وأخبر عن لوط، وما قاله لقومه، توبيخاً لهم، وجوابهم السخيف له جزاء نصحه، وانجاء الله له، وأهل بيته إلا امرأته، وأخبر عن مجيء الرسل إليه، وأنه ساءه مجيئهم، وذلك لما يتوقعه من اعتداء قومه عليهم وفعلاً جاؤا يهرولون إليه، وأخبر عن ما أوقعه الله بهم من العقوبة العظيمة، جزاء فعلتهم الشنيعة، التي لم يسبقهم بها أحد ١٧٨- وأخبر عن زكريا، وندائه لربه، وآثاره الصالحة ومناقبه

стр. 3646

الجميلة، وتبشير الله له بغلام اسمه يحيى، وطلبه من ربه أن يجعل له آية، يطمئن بها قلبه، وليس شكاً في خبر الله، وإنما هو كما قَالَ الخليل ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ وإجابة الله إلى طلبته، ومنعه من الكلام، ثلث ليالٍ سوياً. ١٧٩- وأخبر عن يحيى ﵇ وأن الله جعله براً بوالديه، ولا يتعالى عن قبول الحق، ووصفه بصفات كلها مناهج للخير، ووسائل الطاعة، أولها قوله تعالى ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ إلى أن ذكر سبحانه جزاءه، على ما قدم من عمل صالح، وأسلف من طاعة ربه. ١٨٠- وأخبر عما أخبر الله به جل وعلا عن مريم ابنه عمران وأنه أنجب منها ولداً من غير أب، ويتقدم الكلام حولها وولدها ﵉، وما لقيا من الابتلاء والامتحان، وما قابلا به ذلك. ١٨١- وأخبر عن يونس ﵇، وإباقه إلى الفلك ومساهمته لأهل الفلك، والتقام الحوت له، وإنه كان من االمسبحين، الَّذِينَ يذكرون الله كثيراً، وعن نبذه في مكان خال لا نبات فيه، وأخبر عن لطفه به ورعايته له، وعنايته به، بانبات شجرة اليقطين، وأنه أرسله ﴿إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ وأنهم آمنوا، ومتعهم الله إلى حين. اللَّهُمَّ عاملنا بلطفك وإحسانك، ووفقنا لطاعتك ومرضاتك وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. عباد الله للعلم الديني آثار جليلة كم جل بها رجل حقير وكلما كان الرجل أعلم بالعلم الديني كان عند الله وعند العقلاء جليل مضى

стр. 3647

السلف الصالح الَّذِينَ يطيب المجلس بذكرهم لقدرهم المنقطع النظير كأنوار رجالاً مثلنا ولكن ببركات ما وهبهم مولاهم من العلم الديني وآثاره الجليلة كانوا خير الناس بعد النبيين كانوا أغنى العالم لأنهم رضوا بقسمة مولانا الحكيم الخبير وكانوا أشجع الناس لأنهم علموا أن الأجل لا يطيله الجبن الذميم فكم من قتلة قرنت بالجبن كما قِيلَ: كَمْ مَخْلَصٍ وَعُلاً فِي خَوْضِ مَهْلَكَةٍ وَقَتْلَةٍ قُرِنَتْ بِالذَّمِّ فِي الْجُبُنِ وكانوا في الحلم والعقل كالجبال الرواسي وكانوا محط رحال الجود والكرم لأنهم يعلمون أن البخيل بعيد من الله بعيد من الناس وإن الَّذِي يرضي بالبخل ويحث عليه إبليس لعنه الله وكانوا يستقبلون البلايا مهما قست بالصبر الجميل لعلمهم أنها تصرف الحكيم الخبير وكانوا يستقبلون النعم بالحمد والشكر لجزمهم أنها لله ومن الله وأنه يزيد الشاكرين ويرضي عن الحامدين وكانوا أبعد الناس عن الشر ولا يحبون أهله لعلمهم أن ذلك يغضب الله وكانوا يحبون الخير لإخوانهم المسلمين وكانوا لا يضمرون حسداً ولا شراً لأحد من إخوانهم المؤمنين لعلمهم أن الله يحيط علماً بما يسرون وما يعلنون وكانوا إذا قَالُوا أو فعلوا يتحرون ما يرضي الله تعالى فيما يقولونه ويفعلونه وكانوا لا يشهدون المنكر والزور بل ينكرون على من يحضرون وكانوا يحنون إلى مجالس الذكر حنين الإلف فارقه الإلف وهكذا كانوا إذا أرادوا أن يتحركوا أو يسكنوا باستشارة العلم الديني يتحركون ويسكنون لهذا كانوا لليوم موضع إعجاب الشرق والغرب ونالوا فوق هذا رضي رب العالمين هكذا كانوا ببركات ما وهبهم الله من العلم الديني أما نحن فقد كنا موضع إعجاب من ناحية أن هدفنا

стр. 3648

في التعليم هو الحطام الفاني لا غير لهذا كان الواحد منا إذا رسب يكاد ينتحر ويقول فات علي سنة محصول رواتبها لا يقل عن خمسة آلاف ولو كان قصده العلم بما جهله وتوجيه عباد الله عندما ينجح كان عنده يتساوى السرعة والبطء لأجل أن يمهر في المعلومات لهذا القصد ماتت الفضائل وانتزعت بركة العلم وفقدت هيبة العالم عند كل أحد وصار كل يفتي وكل يرشح نفسه للفتيا فوراً ولكن الناس الورعين لا يطمئنون إلا إلى النوادر ممن يوثق بدينهم وأمانتهم ويتركون المرائين والمحبين للظهور والشهرة الَّذِينَ ضاعوا وضيعوا عباد الله. وختاماً فلو أننا أحيينا طريقة سلفنا في العلم المطابق للعمل لأصبحنا وقد أحيينا عزهم وشرفهم الدفين ﵀ على تلك الأرواح العاملة بما علمت. شِعْرًا: إِذَا أَنْتَ لَمْ تَبْكِ الْعُلُومَ وَأَهْلَهَا وَقَدْ غَيَّبْتَهَا فِي التُّرَابِ لُحُودُ فَأَنْتَ بَهِيمِيُّ الطِّبَاعِ وَإِنَّمَا قُصَارَاكَ ثَوْبٌ نَاعِمٌ وَثَرِيدُ سَتَبْكِي الْعُلا قَوْمًا تَسَامَوْا لِنَيْلِهَا كَأَنَّ لَهُمْ دَمْعَ الْعُيُونِ هُجُودُ يُعِيدُونَ مِنْهَا مَا تَعَفَّتْ رُسُومُهُ فَتُضْحِي عَلَيْهَا لِلْفِخَارِ بُرُودُ كَفَى غُرْبَةً لِلدِّينِ هَذَا الَّذِي نَرَى فَلَيْسَ عَلَى ذَا الاغْتِرَابِ مَزِيدُ أَلَمْ تَبْقَ فِي أَهْلِ الدِّيَانَةِ هِمَّةٌ ... أَلَمْ يَبْقَ شَخْصٌ لِلطَّغَاةِ يَذُودُ

стр. 3649

اللَّهُمَّ رضنا بفضائك وأعنا على الدنيا بالعفة والزهد والقناعة وعلى الدين بالسمع والطاعة وطهر ألسنتنا من الكذب وقلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء واحفظ أبصارنا من الخيانة فأنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور اللَّهُمَّ ثبتنا على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ووفقنا لما وفقت له عبادك الصالحين من امتثال أو امرك واجتناب نواهيك وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فَصْلٌ) ١٨٢- وأخبر عن صالح ﵇، وإرساله إلى ثمود القبيلة المعروفة، الَّذِينَ يسكنون الحجر، وما حوله، وأنه دعاهم إلى التوحيد، ونهاهم عن الشرك وأنه جاءهم بآية، خارقة من خوارق العادات وهي ناقة شريفة، فاضلة. وأخبر أنه بوأهم في الأرض ومكن لهم فيها وسهل لهم الأسباب الموصلة إلى ما يريدون وأمدهم بالقوة وأنهم قابلوا إخلاص صالح ونصحه بعقر الناقة، والتحدي بالعذاب، وآخر الأمر ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * َأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾ ‘ ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ . ١٨٣- وأخبر عن هود ﵇ وإرساله إلى عاد الأولى في أرض اليمن يدعوهم إلى التوحيد، وينهاهم عن الشرك، وأنهم قابلوا دعوته برميه بالسفاهة، والكذب، واستنكروا التوحيد، واحتجوا عليه بما لا يصلح عقلاً ولا شرعاً أن يكون حجة من تقليد الآباء والأجداد وتحدوه

стр. 3650

بإتيانه بالوعيد، وأجابهم هود علة مقالتهم، وآخر الأمر أنجى الله هوداً والَّذِينَ آمنوا معه، وقطع دابر المكذبين بآيات الله. ١٨٤- وأخبر عن شعيب ﵇ وإرساله إلى مدين وأن لا يبخسوا الناس أشيائهم وأن لا يعثوا في الأرض مفسدين وأن أشرافهم والكبراء منهم قابلوا ذلك بالتهديد باستعمال القوة السبعية ولم يراعوا ديناً، ور ذمةً، ولا حقّاً، بل لتبعوا عقولهم السخيفة، وآخر الأمر أخذتهم الزلزلة الشديدة فأصبحوا في دارهم جاثمين. ١٨٥- وأخبر عن أصحاب الكهف، وأنهم فتية آمنوا بربهم، وأن الله لطف بهم حيث وقفهم للإيمان، وأنهم اعتزلوا قومهم، وآووا إلى الكهف، وبين حالهم بعد أن آووا إلى الكهف وهو أن الشمس تميل عن كهفهم جهة اليمين، وعند الغروب تقرضهم ذات الشمال، فلا تصيبهم الشمس في طلوعها، ولا غروبها، وبين أن هدايتهم، كانت بعناية الله إلى آخر قصتهم. ١٨٦- وأخبر عن أيوب ﵇ ما أصابه الشيطان به، ونداءه لربه واستجابة الله له، وكشف ما به من ضر، وإعطائه أهله، ومثلهم معهم. ١٨٧- وأخبر عن إسماعيل ﵇، وأنه كان صادق الوعد وأنه من وفائه بالوعد لما وعد من نفسه الصبر على ذبح أبيه له، قَالَ ستجدني إن شاء الله صابراً وفي بذلك، ومكن أباه من الذبح، الَّذِي هو أعظم مصيبة تصيب الإنسان، وأنه كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة الخ.

стр. 3651

١٨٨- وأخبر عن إدريس ﵇ وأن الله وصفه بصفات الكمال حيث جمع له بين الصديقية وبين اصطفائه لوحيه وأنه رفعه مكاناً عالياً. ١٨٩- وأخبر عن إسحاق ﵇، وأنه ممن اختارهم الله واصطفاهم، وشرفهم بطاعته، وقواهم على العمل لما يرضيه، وآتاهم البصيرة في الدين قَالَ الله تعالى ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ . ١٩٠- وأخبر عن ذي القرنين، وأنه بلغ المشارق والمغارب، وأن الله أعطاه من كل شيء سببا، وأخبر أنه لما بلغ بين السدين، وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفهمون كلام أتباعه ولا كلام غيرهم، وأنهم أخبروه، عن إفساد يأجوج ومأجوج، وأنهم أرادوا أن يجمعوا له ويجعلوا له خرجاً على أن يسد بينهم وبين يأجوج ومأجوج وأنه قَالَ ما أنا فيه خير مِمَّا تبذلونه وأجابهم إلى طلبهم وهو السد على يأجوج ومأجوج بأن يجعل ردماً. بينهم وبين يأجوج وماجوج. ١٩١- وأخبر عن لقمان وأن الله آتاه الحكمة، وأخبر عن موعظته لابنه، المتضمنة للتحذير من الشرك، والأمر بالإخلاص لله وحده وذكر جل وعلا أمره له بالشكر، وأن شكر الشاكر يعود نفعه عليه، وإن من كفر فالله غني حميد فلا يضر الكفر إلا صاحبه، وأن من وصايا لقمان لابنه الأمر بإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف، والصبر على ما يصيبه، وأن تلك

стр. 3652

الوصايا من الأمور المهمة التي يعزم عليها، ويتحتم على العباد فعلها، ولا محيص منها، ثم حذره من أشياء أخر أولها الكبر إلخ ١٩٢- وأخبر عن الخضر، وما اختص به من العلم، وما جرى بينه وبين موسى، عندما اتصل به، وما جرى لموسى وفتاه، في سفره إلى الخضر، وما تزوداه في السفر، إلى آخر القصة. اللَّهُمَّ يا هادي المضلين ويا راحم المذنبين، ومقِيلَ عثرات العاثرين، نسالك أن تلحقنا بعبادك الصالحين الَّذِينَ أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين يا رب العالمين وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فَصْلٌ) ١٩٣- وأخبر عن أهل القرية، إذ جاءها المرسلون، وما جرى من أهل القرية، من التكذيب للرسل، وما قاله الرسل، وأن أهل القرية حينما توعدوا الرسل وهموا بقتلهم جاء رجل يسعى من أطراف المدينة، لينصح قومه، ويحضهم على اتباع الرسل، ويذب عن الرسل، وأنه أبان لهم أنه ما اختار لهم إلا ما اختار لنفسه، وهذا يشبه مؤمن آل فرعون الَّذِي دافع عن موسى ﵇، وأخبر عن ما حل بأهل القرية، من النكال والعقوبة. ١٩٤- وأخبر عن سبأ، وما أمدهم به من البساتين، والمياه العظيمة والثمار التي بها يتنعمون، ويحصل لهم بها الغبطة، والسرور، وأنهم ظلموا أنفسهم، وكفروا بالله، وبنعمته، فأرسل الله عليهم سيل العرم، وذهب بالبساتين، وأهلك الحرث والنسل، وبدلوا بتلك الجنان، والبساتين الحسنة، بستانين ليس فيهما إلا أشجار تافهة، لا يؤبه لها وَمَا ظْلِمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.

стр. 3653

١٩٥- وأخبر عن قارون وما أوتيه من كنوز، وأن مفاتحه تنوء بالعصبة أولى القوة، وأنه بغى على موسى وقومه، وأن قومه نصحوه، بعدة نصائح، وأنه قابلها بالإباء، وكفران النعمة، وأنه خرج مرة على قومه في زينته، وأخبر عن ما قَالَ له مريدوا الحياة الدنيا، وما قَالَ لهم أولو العلم وذكر مال بطره وأشره، وما حل به من الوبال، والنكال، وهو الخسف به وبداره. وَقَالَ الله تعالى لنبيه ورَسُولُ اللهِ ﷺ ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ وَقَالَ ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ وَقَالَ تعالى ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . وَقَالَ تعالى ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ﴾ الآية. وَقَالَ تعالى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ وَقَالَ ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ . فالنبي ﷺ لم يعلمها عن مشاهدة ولكن أعلمه إياها الَّذِي أحاط بكل شيء علماً الَّذِي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وَقَالَ تعالى: ﴿َلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ﴾ وأخبر النَّبِيُّ ﷺ بأمور غيبية غير ما ذكرنا أعلمه الله بها وفي بعض ما

стр. 3654

ذكرنا كفاية تامة لمن أحب أن يقرأها ويتأملها ليقوى إيمانه بالله ورسله وبما أخبروا به صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. اللَّهُمَّ بارك في أعمارنا وأصلح أعمالنا ونياتنا وذرياتنا وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) وَقَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وسيرة النبي ﷺ من آياته وأخلاقه وأقواله وأفعاله وشريعته من آياته وأمته من آياته وكرامات صالحي أمته من آياته. وذلك يظهر بتدبر سيرته من ولد إلى أن بعث ومن حين بعث إلى أن مات وبتدبر نسبه وبلده وأصله وفصله فإنه كان من أشرف أهل الأرض نسباً من صميم سلالة إبراهيم الَّذِي جعل الله في ذرته النبوة والكتاب. فلم يأت نبي من بعد إبراهيم إلا من ذريته وجعل له ابنين إسماعيل وإسحاق وذكر في التوراة هذا وهذا وبشر في التوراة بما يكون من ولد إسماعيل. ولم يكن في ولد إسماعيل من ظهر فيما بشرت به النبوات غيره ودعا إبراهيم لذرية إسماعيل بأن يبعث فيهم رسولاً منهم ثم هو من قريش صفوة بني إبراهيم من بني هاشم صفوة قريش. ومن مكة أم القرى وبلده البيت الذب بناه إبراهيم ودعا الناس إلى حجه ولم يزل محجوجاً من عهد إبراهيم مذكوراً في كتب الأنبياء بأحسن وصف وكان من أكمل الناس تربية ونشأة لم يزل معروفاً بالصدق والبر والعدل ومكارم الأخلاق وترك الفواحش والظلم وكل وصف مذموم.

стр. 3655

مشهوداً له بذلك عند جميع من يعرفه قبل النبوة وممن آمن به وكفر بعد النبوة لا يعرف له شيء يعاب به لا في أقواله ولا في أفعاله ولا في أخلاقه ولا جربت عليه كذبة قط ولا ظلم ولا فاحشة. وكان خلقه وصورته من أكمل الصور وأتمها وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله وكان أمياً من قوم أميين لا يعرف لا هو ولا هم ما يعرفه أهل الكتاب (التوراة والإنجيل) . ولم يقرأ شيئاً من علوم الناس ولا جالس أهلها ولم يدع بنبوة إلى أن أكمل الله له أربعين سنة فأتى بأمر هو أعجب الأمور وأعظمها وبكلام لم يسمع الأولون والآخرون بنظيره. وأخبر بأمر لم يكن في بلده ولا في قومه من يعرف مثله ولم يعرف قبله ولا بعده لا في مصر من الأمصار ولا في عصر من الأعصار من أتى بمثل ما أتى بمثل ما أتى به ولا من ظهر كظهوره. ولا من أتى من العجائب والآيات بمثل ما أتى به ولا من دعا إلى شريعة أكمل من شريعته، ولا من ظهر دينه على الأديان كلها بالعلم والحجة وباليد والقوة كظهوره. ثم إنه اتبعه الأنبياء وهم الضعفاء من الناس وكذبه أهل الرئاسة وعادوه وسعوا في هلاكه من تبعه بكل طريق كما كان الكفار يفعلون مع الأنبياء وأتباعهم. والَّذِينَ اتبعوه لم يتبعوه لرغبة ولا لرهبة، فإنه لم يكن عنده مال يعطيهم

стр. 3656

ولا جهات يوليهم إياها ولا كان له سيف بل كان السيف والجاه والمال مع أعدائه وقد آذوا أبتاعه بأنواع الأذى وهم صابرون محتسبون لا يرتدون عن دينهم لما خالط قلوبهم حلاوة الإيمان والمعروفة. وكانت مكة يحجها العرب من عهد إبراهيم فتجتمع في الموسم قبائل العرب فيخرج إليهم يبلغهم الرسالة ويدعوهم إلى الله صابراً على ما يلقاه من تكذيب المكذب وجفاء الجافي وإعراض المعرض إلى أن اجتمع بأهل يثرب وكانوا جيران اليهود قد سمعوا أخباره منهم وعرفوه. فلما دعاهم علموا أنه النبي المنتظر الَّذِي تخبرهم به اليهود وكانوا قد سمعوا من أخباره ما عروا به مكانته فإن أمره كان قد انتشر وظهر في بضع عشرة سنة فآمنوا به وبايعوه على هجرته وهجرة أصحابه إلى بلدهم وعلى الجهاد معه فهاجر هو ومن اتبعه إلى المدينة وبها المهاجرون والأنصار ليس فيهم من آمن برغبة دنيوية ولا برهبة إلا قليلاً من الأنصار أسلموا في الظاهر ثم حسن إسلام بعضهم ثم أذن له في الجهاد ثم أمر به. ولم يزل قائماً بأمر الله على أكمل طريقة وأتمها من الصدق والعدل والوفاء لا يحفظ عليه كذبة واحدة ولا ظلم لأحد ولا غدر بأحد، بل كان أصدق الناس وأعدلهم وأبرهم وأوفاهم بالعهد مع اختلاف الأحوال عليه من حرب وسلم وأمن وخوف وغنى وفقر وقلة وكثرة وظهوره على العدو تارة وظهور العدو عليه تارة. وهو على ذلك كله ملازم لأكمل الطرق وأتمها حتَّى ظهرت الدعوة في جميع أرض العرب التي كانت مملوءة من عبادة الأوثان ومن أخبار الكهان

стр. 3657

وطاعة المخلوق في الكفر بالخالق وسفك الدماء المحرمة وقطعة الأرحام لا يعرفون آخرة ولا معاذاً. فصار أعلم أهل الأرض وأدينهم وأعدلهم وأفضلهم وهذه آثار علمهم وعملهم في الأرض وآثار غيرهم يعرف العقلاء فرق مابين الأمرين وهو ﷺ مع ظهور أمره وطاعة الخلق له وتقديمهم له على الأنفس والأموال مات ولم يخلف درهماً ولا ديناراً ولا متاعاً ولا دابة إلا بغلته وسلاحه ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وَسقاً من شعير ابتاعها لأهله. وكان بيدِهِ عقار ينفق منه على أهله والباقي يصرفه في مصالح المسلمين فحكم بأنه لا يورث ولا يأخذ ورثته منه شيئاً وهو في كل وقت يظهر على يديه من الآيات وفنون الكرامات ما يطول وصفه. ويخبرهم بما كان وما يكون ويأمرهم بالمعروف ويناهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويشرع الشريعة شيئاً بعد شيء. أكمل الله دينه الَّذِي بعث به وجاءت شريعته أكمل شريعة لم يبق معروف تعرف العقول أنه معروف إلا أمر به ولا منكر تعرف العقول أنه منكر إلا نهى عنه. لم يأمر بشي فقِيلَ ليته لم يأمر به ولا نهى عن شيء فقِيلَ ليته لم ينه عنه وأحل الطيبات لم يحرم شيئاً منها كما حرم في شرع غيره وحرم الخبائث لم يحل منها شيئاً كما استحله غيره. وجمع محاسن ما عليه الأمم فلا يذكر في التوراة والإنجيل والزبور

стр. 3658

نوع من الخبر عن الله وعن ملائكته وعن اليوم الآخر إلا وقد جاء به على أكمل وجه وأخبر بأشياء ليست في هذه الكتب. وأمته أكمل الأمم في كل فضيلة فإذا قيس علمهم بعلم سائر الأمم ظهر فضل علمهم وإن قيس دينهم وعبادتهم وطاعتهم لله بغيرهم ظهر أنهم أدين من غيرهم وإذا قيس شجاعتهم وجهادهم وصبرهم على المكاره في ذات الله ظهر أنهم أعظم جهاداً وأشجع قلوباً وهذه الفضائل به نالوها ومنه تعلموها وهو الَّذِي أمرهم بها والله أعلم وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وسلم «فصل» وَقَالَ آخر: غير شيخ الإسلام اعلم أن من شاهد أحواله وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصغى إلى سماع أخباره المشتملة على أخلاقه وأفعاله وأحواله وعاداته وسجاياه وسياسته لأصناف الخلق وهدايته إلى ضبطهم وتألفه أصناف الخلق وقوده إياهم إلى طاعته. مع ما يحكي من عجائب أجوبته في مضائق الأسئلة وبدائع تدبيراته في مصالح الخلق ومحاسن إشاراته في تفصيل ظاهر الشرع التي يعجز الفقهاء عن إدراك أوائل دقائقها في طول أعمارهم لم يبق له ريب ولا شك في أن ذلك لم يكن مكتسبا بحيلة تقوم بها القوة البشرية. بل لا يتصور ذلك إلا بالاستمداد من تأييد سماوي وقوة إلهية وأن ذلك كله لا يتصور لكذاب ولا ملبس بل كانت شمائله وأحواله شواهد قاطعة بصدقه حتَّى إن العربي القُحَّ كان يراه فيقول: والله ما هذا وجه كذاب. فكان يشهد له بالصدق بمجرد رؤيته لشمائله فكيف من شاهد أخلاقه ومارس أحواله في جميع مصادره وموارده أهـ. لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ ... كَانَتْ بَدِيهَتُهُ تَأْتِيكَ بِالْخَبَرِ

стр. 3659

اللَّهُمَّ يا من خلق الإنسان ويناه واللسان وآجراه، يا من لا يخيب من دعاه، هب لكل منا ما رجاه، وبلغه من الدارين مناه، اللَّهُمَّ اغفر لنا جميع الزلات، واستر علينا كل الخطيئات وسامحنا يوم السؤال والمناقشات، وانفعنا وجميع المسلمين بما أنزلته من الكلمات يا أرحم الرحمين اللَّهُمَّ ألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا حبِكَ وسهل علينا طاعتك وفرغنا للتفكر في مخلوقاتك واجعل لنا رضاك موئلا وعاقبة وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. إِلَى اللهِ نَشْكُوا قَسْوَةً وَتَوَحّدَا وَنَرْجُوهُ غُفْرَانًا فَرَبُّكَ أَوْحَدُ وَدُونَكَ مِنِّي النُّصْحَ يَا ذَا الْمُوَحَّدُ قُمِ اللَّيْلَ يَا هَذَا لَعَلَّكَ تَرْشُدُ إِلَى كَمْ تَنَامُ اللَّيْلَ وَالْعُمْرُ يَنْفَدُ تَيَقَّظْ وَتُبْ فَاللهُ لِلْخَلْقِ رَاحِمٌ وَإِنِّي لِنَفْسِي نَاصِحٌ وَمُلازِمُ فَقُمْ لا تَنَمْ فَالشَّهْمُ بِاللَّيْلِ قَائِمٌ أَرَاكَ بِطُولِ اللَّيْلِ وَيْحَكَ نَائِمُ وَغَيْرُكَ فِي مِحْرَابِهِ يَتَهَجَّدُ لَقَدْ فَازَ أَقْوَامٌ وَنَحْنُ نُشَاهِدُ أَمَا تَسْتَحِي أَوْ تَرْعَوِي أَوْ تُجَاهِدُ فَلَيْسَ سَوَاءٌ قَائِمٌ ذَا وَرَاقِدُ وَلَوْ عَلِمَ الْبَطَّالُ مَا نَالَ رَاهدُ

стр. 3660

مِنَ الأَجْرِ وَالإِحْسَانِ مَا كَانَ يَرْقُدُ فَكَمْ قَدْ أَكَلْنَا وَالتَّقِيُّونَ صُوَّمُ وَنُمْنَا وَهُمْ بِاللَّيْلِ يَبْكُونَ قُوَّمُ وَلَوْ مُفْلِسٌ يَدْرِي وَهَلْ أَيْنَ خَيَّمُوا لَصَامَ وَقَامَ اللَّيْلَ وَالنَّاسُ نُوَّمُ إِذَا مَا دَنَى مِنْ عَبْدِهِ الْمُتَفَرِّدُ وَأَسْبَلَ فِي الدَّاجِي دُمُوعًا بِعَبْرَةٍ وَتَابَ وَأَبْدَى الْخَوْفَ مِنْ كُلِّ هَيْبَةٍ وَقَامَ وَصَلَّى خَائِفًا فِي مَحَبَّةٍ بِحَزْمٍ وَعَزْمٍ وَاجْتِهَادٍ وَرَغْبَةٍ وَيَعْلَمُ أَنَّ اللهَ ذُو الْعَرْشِ يُعْبَدُ فَحَاذِرْ مِن الدُّنْيَا وَمِنْ لَدْغِ صِلِّهَا فَلَيْسَ لَهَا عَهْدٌ يَفِي لَوْ لِخِلِّهَا فَسَافِرْ وَطَلِّقَهَا ثَلاثًا وَخَلِّهَا وَلَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَدُومُ لأَهْلِهَا لَكَانَ رَسُولُ اللهِ فِيهَا مُخَلَّدُ أَلَمْ يَأْنِ أَنْ نَخْشَعْ وَأَيْنَ التَّهَجُّدُ أَفِي سِنَةٍ كُنَّا أَمِ الْقَلْبُ جَلْمَدُ تَيَقَّظْ أَخِي وَاحْذَرْ وَإِيَّاكَ تَرْفُدُ أَتَرْقُدُ يَا مَغْرُورُ وَالنَّارُ تُوقَدُ

стр. 3661

فَلا حَرُّهَا يَطْفَى وَلا الْجَمْرُ يَخْمُدُ أَمَا لَوْ عَلِمْنَاهَا نَهَضْنَا إِذَا شَظَى نَعُجُّ وَبَعْضُ الْقَوْمِ لِلْبَعْضِ أَيْقَظَا وَلَمْ تَغْتَمِضْ عَيْنًا بِتِذْكَارِنَا اللَّظَى أَلا إِنَّهَا نَارٌ يُقَالُ لَهَا لَظَى فَتَخْمُدُ أَحْيَانًا وَأَحْيَان تُوقَدُ عَلَى الْخَمْسِ تَوْدِيعًا بِجِدٍّ فَصَلِّهَا وَحَافِظْ عَلَى تِلْكَ النَّوَافِلِ كُلِّهَا وَتُبْ عَنْ ذُنُوبٍ لا تَذِلُّ بِذُلِّهَا فَيَا رَاكِبَ الْعِصْيَانِ وَيْحَكَ خَلِّهَا سَتُحْشَرُ عَطْشَانًا وَوَجْهَكَ أَسْوَدُ أَلا إِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي عِلْمِ غَيْبِهِ لَهُمْ كُلُّ خَيْرٍ مِنْ إِلَهِي بِقُرْبِهِ سَمَوْ بِالْهُدَى وَالنَّاسُ مِنْ فَوْقِ تُرْبِهِ فَكَمْ بَيْنَ مَسْرُورٍ بِطَاعَةِ رَبِّهِ وَآخَرُ بِالذَّنْبِ الثَّقِيلِ مُقَيَّدُ إِذَا كُوِّرَتْ شَمْسُ الْعِبَادِ وَأَنْجُم وَقُرِبَتِ النَّارُ الْعَظِيمَةُ تُضْرَمُ وَكُبْكِبَ هَذَا ثُمَّ هَذَا مُسَلَّمٌ فَهَذَا سَعِيد فِي الْجِنَانِ مُنَعَّمُ وَهَذَا شَقِيٌّ فِي الْجَحِيمِ مُخَلَّدُ

стр. 3662

وَقَدْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ مِنْ رَبِّنَا مَضَى وَلا بُدَّ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْحَشْرِ يُمْتَضَى إِلَهِي أَنِلْنِي الْعَفْوَ مِنْكَ مَعَ الرِّضَى إِذَا نُصِبَ الْمِيزَانُ لِلْفَصْلِ وَالْقَضَى وَقَدْ قَامَ خَيْرُ الْعَالَمِينَ مُحَمَّدُ نَبِيَّ الْهُدَى الْمَعْصُوم عَنْ كُلِّ زَلَّةِ شَفِيعَ الْوَرَى أكْرم بِهَا مِنْ فَضِيلَة وَمِلَّتَهُ يَا صَاحِبِي خَيْرُ مِلَّةٍ عَلَيْهِ صَلاةُ اللهِ فِي كُلِّ لَيْلَة مَعِ الآلِ وَالأَصْحَابِ مَا دَارَ فرقد اللَّهُمَّ ثبت قلوبنا على دينك وألهمنا ذكرك وشكرك واختم لنا بخاتمة السعادة وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) وَقَالَ الماوردي ﵀ في ذكر خصائص الرسول ﷺ وفضائله وشرف أخلاقه وشمائله المؤيدة لنبوته والمبرهنة على عموم رسالته: فالكمال المعتبر في البشر يكون من أربعة أوجه: كمال الخلق وكمال الخلق وفضائل الأقوال وفضائل الأعمال. فأما الوجه في كمال خلقه بعد اعتدال صورته فيكون بأربعة أوصاف أحدها: السكينة الباعثة على الهيبة والتعظيم الداعية إلى التقديم والتسليم.

стр. 3663

وكان أعظم مهيب في النفوس حتَّى ارتاعت رسل كسرى من هيبته حين أتوه مع ارتياعهم بصولة الأكاسرة ومكاثرة الملوك الجبابرة. فكان ﷺ في نفوسهم أهيب وفي أعينهم أعظم وإن لم يتعاظم بأهبة ولم يتطاول بسطوة بل كان بالتواضع موصوفاً وبالوطأة – أي السهولة – معروفاً. والثاني: في الطلاقة الموجبة للإخلاص والمحبة الباعثة على المصافاة والمودة. وقد كان صلوات الله عليه محبوباً استحكمت محبة طلاقته في النفوس حتَّى لم يقله مصاحب ولم يتباعد منه مقارب وكان أحب إلى أصحابه من الآباء والأبناء وشرب الماء البارد على الظمأ. والثالث " حسن القبول الجالب لممايلة القلوب حتَّى تسرع إلى طاعته وتذعن بموافقته وقد كان قبول منظره ﷺ مستولياً على القلوب ولذلك استحكمت مصاحبته في النفوس حتَّى لم ينفر منه معاندٌ ولا استوحش منه مباعد إلا من ساقه الحسد إلى شقوته وقاده الحرمان إلى مخالفته. والرابع: ميل النفوس إلى متابعته وانقيادها لموفقته وثباته على شدائده ومصابرته، فما شذ عنه معها من أخلص ولا ند عنه فيها من تخصص. وهذه الأربعة من دواعي السعادة وقوانين الرسالة وقد تكاملت فيه فكمل لما يوازيها واستحق ما يقتضيها.

стр. 3664

وأما الوجه الثاني في كمال أخلاقه فيكون بست خصال: (إحداهن) : رجاحة عقله وصحة وهمه وصد فراسته وقد دل على وفور ذلك فيه صحة رأيه وصواب تدبيره وحسن تألفه. وأنه ما استغفل في مكيدة ولا استعجز في شديدة بل كان يلحظ الأعجاز في المبادئ فيكشف عيوبها ويحل خطوبها وهذا لا ينتظم إلا بأصدق وهم وأوضح جزم. والخصلة الثانية: ثباته في الشدائد وهو مطلوب وصبره على البأساء والضراء وهو مكروب ومحروب ونفسه في اختلاف الأحوال ساكنة لا يخور في شديدة ولا يستكين لعظيمة وقد لقي بمكة من قريش ما يشيب النواصي ويهد الصياصي وهو مع الضعف يصابر صبر المستعلي ويثبت ثبات المستولي. والخصلة الثالثة: زهده في الدنيا وإعراضه عنها وقناعته بالبلاغ منها فلم يمل إلى غضارتها ولم يله لحلاوتها وقد ملك من أقصى الحجاز إلى عذار العراق ومن أقصى اليمن إلى شحر عمان. وهو أزهد الناس فيما يفتني ويدخر وأعرضهم عما يستفاد ويحتكر لم يخلف عيناً ولا ديناً ولا حفر نهراً ولا شيد قصراً ولم يورث ولده وأهله متاعاً ولا مالاً ليصرفهم عن الرغبة في الدنيا كما صرف نفسه عنها فيكونوا على مثل حاله في الزهد فيها. وحقيق بمن كان في الدنيا بهذه الزهادة حتَّى اجتذب أصحابه إليها أن لا يتهم بطلبها ويكذب على الله تعالى في ادعاء الآخرة ويقنع في العاجل

стр. 3665

وقد سلب الآجل بالميسور النزر ورضي بالعيش الكدر. والخصلة الرابعة: تواضعه للناس وهم أتباع وخفض جناحه لهم وهو مطاع يمشي في الأسواق ويجلس على التراب ويمتزج بأصحابه وجلسائه فلا يتميز عنهم إلا بإطراقه وحيائه، فصار بالتواضع متميزاً، وبالتذلل متغززاً. ولقد دخل عليه بعض الأعراب فارتاع من هيبته فَقَالَ خفض عَلَيْكَ فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة وهذا من شرف أخلاقه وكريم شيمه فهي غريزة فطر عليها وجبلة طبع بها لم تنذر فتعد ولم تحصر فتجد. والخصلة الخامسة: حلمه ووقاره عن طيش يهزه أو خرق يستفزه فقد كان أحلم في النفار من كل حليم وأسلم في الخصام من كل سليم. وقد مني بجفوة الأعراب فلم يوجد منه نادرة ولم يحفظ عليه بادرة ولا حليم غيره إلا ذو عثرة ولا وقور سواه إلا ذو هفوة فإن الله تعالى عصمه من نزع الهوى وطيش القدرة لهفوة أو عثرة ليكون بأمته رؤوفاً وعلى الخلق عطوفا قد تناولته قريش بكل كبيرة وقصدته بكل جريرة وهو صبور عليهم ومعرض عنهم. وما تفرد بذلك سفهاؤهم عن حلمائهم ولا أراذلهم دون عظمائهم بل تمالا عليه الجلة والدون، فكلما كانوا عليه من الأمر – ألح كان عنهم أعرض وأصفح حتَّى قهر فعفا، وقدر فغفر. (وَقَالَ لهم) حين ظفر بهم عام الفتح وقد اجتمعوا إليه ما ظنكم بي قَالُوا ابن عم كريم فإن تعف فذاك الظن بِكَ وإن تنقم فقد أسأنا فَقَالَ بل أقول كما قَالَ يوسف لإخوته ﴿لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ .

стр. 3666

وَقَالَ اللَّهُمَّ قد أذقت أول قريش نكالاً فأذق آخرهم توالاً وأتته هند بنت عتبة وقد بقرت بطن عمه حمزة ولاكت كبده فصفح عنها وأعطاها يده لبيعتها. فإن قِيلَ فقد ضرب رقاب بني قريظة صبراً في يوم واحد وهم نحو سبعمائة فأين موضع العفو والصفح قيل إنما فعل ذلك في حقوق الله تعالى. وقد كانت بنو قريظة رضوا بتحكيم سعد بن معاذ عليهم فحكم أن من جرت عليه الموسى قتل ومن لم تجر عليه استرق فَقَالَ رَسُولِ اللهُ ﷺ : هذا حكم الله من فوق سبعة أرقعة، فلم يجز أن يعفو عن حق وجبَ لله تعالى وإنما يختص عفوه بحق نفسه. والخصلة السادسة: حفظه للعهد ووفاؤه بالوعد فإنه ما نقض لمحافظ عهداً ولا أخلف لمراقب وعداً يرى الغدر من كبائر الذنوب والإخلاف من مساويء الشيم فيلتزم فيها الأغلظ ويرتكب فيهما الأصعب حفظاً لعهده ووفاء بوعده حتَّى يبتدئ معاهدوه بنقضه فيجعل الله تعالى له مخرجاً كفعل اليهود من بني قريظة وبني النضير وكفعل قريش بصلح الحديبية فيجعل الله تعالى له في نكثهم الخيرة. فهذه ست خصال تكاملت في خلقه، فضله الله تعالى على جميع خلقه والله أعلم وَصَلَّى اللهُ عَلَى نِبِيّنا مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. (فَصْلٌ) وأما الوجه الثالث في فضائل أقواله فمعتبر بثمان خصال: (إحداهن) : ما أوتي من الحكمة البالغة، وأعطى من العلوم الجمة

стр. 3667

الباهرة، وهو أمي من أمه أمية لم يقرأ كتاباً ولا درس علماً ولا صحب عالماً ولا معلماً فأتى بما بهر العقول وأذهل الفطن من إتقان ما أبان وإحكام ما أظهر فلم يعثر فيه بزلل في قول أو عمل. وقد شرع من تقدم من حكماء الفلاسفة سنناً حملوا الناس على التدين بها حين علموا أنه «لا صلاح للعالم إلا بدين ينقادون له ويعملون به» فما راق لها أثر ولا فاق لها خبر. والخصلة الثانية: حفظه لما أطلعه الله تعالى عليه من قصص الأنبياء مع الأمم وأخبار العالم في الزمن الأقدم حتَّى لم يعزب عنه منها صغير ولا كبير ولا شذ عنه منها قليل ولا كثير. وهو لا يضبطها بكتاب يدرسه ولا يحفظها بعين تحرسه وما ذاك إلا من ذهن صحيح وصدر فسيح وقلب شريح وهذه الثلاثة آلة ما أستودع من الرسالة وحمل من أعباء النبوة فجدير أن يكون بها مبعوثاً وعلى القيام بها محثوثاً والخصلة الثالثة: إحكامه لما شرع بأظهر دليل وبيانه بأوضح تعليل حتَّى لم يخرج منه ما يوجبه معقول ولا دخل فيه ما تدفعه العقول. ولذلك قَالَ ﷺ : «أوتيت جوامع الكلم واختصرت لي الحكمة اختصاراً» لأنه نبه بالقليل على الكثير فكف عن الإطالة وكشف عن الجهالة وما تيسر ذلك إلا وهو عليه معان وإليه مقاد. والخصلة الرابعة: ما أمر به من محاسن الأخلاق ودعا إليه من مستحسن الآداب وحث عليه من صلة الأرحام وندب إليه من التعطف على الضعفاء والأيتام.

стр. 3668

ثم ما نهى عنه من التباغض والتحاسد وكف عنه من التقاطع والتباعد لتكون الفضائل فيهم أكثر ومحاسن الأخلاق بينهم أنشر، ومستحسن الآداب عليهم أظهر وتكون إلى الخير أسرع ومن الشر أمنع. فيتحقق فيهم قول الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ فلزموا أمره واتقوا زواجره فتكامل بهم صلاح دينهم ودنياهم عز بهم الإسلام بعد ضعفه وذل بهم الشرك بعد عزه فصاروا أئمة أبراراً وقادة أخباراً. والخصلة الخامسة: وضوح جوابه إذا سئل وظهور حجاجه إذا جادل لا يحصره عي ولا يقطعه عجز ولا يعارضه خصم في جدال إلا كان جوابه أوضح وحجابه أرجح. والخصلة السادسة: أنه محفوظ اللسان من تحريف في قول واسترسال في خير يكون إلى الكذب منسوبا وللصديق مجانبا فإنه لم يزل مشهوراً بالصدق في خبره فاشياً وكثيراً حتَّى صار بالصدق مرقوماً والأمانة مرسوماً. وكانت قريش بأسرها تتيقن صدقه قبل الإسلام فجهروا بتكذيبه في استدعائهم إليه فمنهم من كذبه حسداً ومنهم من كذَّبه عناداً ومنهم من كذبه استبعاداً أن يكون نبياً أو رسولاً. ولو حفظوا عليه كذبة نادرة في غير الرسالة لجعلوها دليلاً على تكذيبه في الرسالة، ومن لزم الصدق في صغره كان له في الكبر ألزم ومن عصم منه في حق نفسه كان في حقوق الله تعالى أعصم وحسبِكَ بهذا دفعاً لجاحد ورداً لمعاند اللَّهُمَّ قابل سيئاتنا بإحسانك، واستر خطيئتنا بغفرانك وأذهب ظلمة ظلمنا بنور رضوانك، واقهر عدونا بعز سلطانك، فما تعودنا منك

стр. 3669

إلا الجميل، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فصل) والخصلة السابعة: تحرير كلامه في التوخي به إبان حاجته والاقتصار منه على قدر كفايته فلا يسترسل فيه هذرًا ولا يحجم عنه حصراً وهو فيما عدا حالتي الحاجة والكفاية أجمل الناس صمتًا وأحسنهم سمتاً. ولذلك حفظ كلامه حتَّى لم يختل وظهر رونقه حتَّى لم يعتل واستعذبته الأفواه حتَّى بقي محفوظاً في القلوب مدوناً في الكتب فلن يسلم الإكثار من الزلل ولا الهذر من الملل. والخصلة الثامنة: أنه أفصح الناس لساناً وأوضحهم بياناً وأوجزهم كلاماً وأجزلهم ألفاظاً وأصحهم معاني لا يظهر فيه هجنة التكلف ولا يتخلله فيهقة التعسف. وقد دون كثير من جوامع كلمه ومن كلامه الَّذِي لا يشاكل في فصاحته وبلاغته ومع ذلك ف يأتي عليه إحصاء ولا يبلغه استقصاء. ولو مزج كلامه بغيره لتميز بأسلوبه ولظهر فيه آثار التنافر فلم يلتبس حقه من باطله ولبان صدقه من كذبه هذا ولم يكن متعاطياً للبلاغة ولا مخالطاً لأهلها من خطباء أو شعراء أو فصحاء وإنما هو من غرائر طبعه وبداية جبلته وما ذاك إلا لغاية تراد وحادثة تشاد. وأما الوجه الرابع في فضائل أفعاله فمختبر بثمان خصال: (أحداهن) حسن سيراته وصحة سياسته في دين نقل به الأمة عن مألوف وصرفهم به عن معروف أغلى غير معروف فأذعنت به النفوس طوعاً وانقادت خوفاً وطمعاً وشديد عادة منتزعة إلا لمن كان مع التأبيد الإلهي معاناً بحزم صائب وعزم ثاقب.

стр. 3670

وحسبِكَ بما استقرت قواعده على الأبد حتَّى انتقل عن سلف إلى خلف يزداد فيهم حلاوته ويشتد فيهم جدته ويرونه نظاماً لإعصار تنقلب صروفها ويختلف مألوفها أن يكون لمن قام به برهاناً ولمن ارتاب به بياناً. والخصلة الثانية: أن جمع بين رغبة من استمال ورهبة من استطاع حتَّى اجتمع الفريقان على نصرته وقاموا بحقوق دعوته رغباً في عاجل وآجل ورهباً من زائل ونازل، لاختلاف الشيم والطباع في الانقياد الَّذِي لا ينتظم بأحدهما ولا يستديم إلا فلذلك صار الدين بهما مستقراً والصلاح بهما مستمراً. والخصلة الثالثة: أنه عدل فيما شرعه من الدين عن الغلو والتقصير إلة التوسط وخير الأمور أوساطها وليس لما جاوز العدل حظ من رشد ولا نصيب من سداد. والخصلة الرابعة: أنه لم يمل بأصحابه إلى الدنيا ولا إلى رفضها وأمدهم فيها بالاعتداك، وَقَالَ: «خيركم من لم يترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه» وهذا صحيح لأن الانقطاع على أحدهما اختلال والجمع بينهما اعتدال. وَقَالَ ﷺ «نعم المطية الدنيا فارتحلوها تبلغكم الآخرة» وإنما كان كذلك لأن منها يتزود لآخرته. ويستكثر فيها من طاعته وأنه لا يخلو تاركها من أن يكون محروماً مضاعاً أو مرحوماً مراعى وهو في الأول كل وفي مستدل. اللَّهُمَّ اجعل خير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم لقائك، اللَّهُمَّ ثبتنا على قولك الثابت وأيدنا بنصرك وارزقنا من فضلك ونجنا من عذابِكَ يوم تبعث عبادك وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

стр. 3671

(فصل) والخصلة الخامسة: تصديه لمعالم الدين ونوازل الأحكام حتَّى أوضح للأمة ما كلفوه من العبادات وبين لهم ما يحل وما يحرم من مباحاث ومخظورات وفصل لهم ما يجوز ويمتنع من عقود ومناكح ومعاملات. حتَّى احتاج أهل الكتاب في كثير من معاملاتهم ومواريثهم لشرعه ولم يحتج شرعه إلى شرع غيره ثم مهد لشرعته أصولا تدل على الحوادث المغفلة ويستنبط لها الأحكام المعللة فأغنى عن نص ارتفاعه وعن التباس بعد إغفاله ثم أمر الشاهد أن يبلغ الغائب ليعلم بإنذاره ويحتج بإظهاره فَقَالَ ﷺ «بلغوا عني ولا تكذبوا علي فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه إلى منه هو أفقه منه» . فأحكم ما شرع من نص أو تنبيه وعم بما أمر من حاضر وبعيد حتَّى صار لما تحمله من الشرع مؤدياً ولما تقلده من حقوق الأمة موفيًا لئلاً يكون في حقوق الله زلل وذلك في برهه من زمانه لم يستوف تطاول الاستيعاب حتَّى أوجز وأنجز وما ذاك إلا بديع معجز. والخصلة السادسة: انتصابه لجهاد الأعداد وقد أحاطوا بجهاته وأحدقوا بجنباته وهو في قطب مهجور، وعدد محقور فزاد به من قل وعز به من ذل وصار بإثخانه في الأعداء محذورًا وبالرعب منه منصوراً فجمع بين التصدي لشرع الدين حتَّى ظهر وانتشر وبين الانتصاب لجهاد العدو حتَّى قهر وانتصر والجمع بينهما معوز إلا لمن أمده الله بمعونته وأيده بلطفه والمعوز معجز. والخصلة السابعة: ما خُصَّ به من الشجاعة في حروبه والنجدة في

стр. 3672

مصابرة عدوة فإنه لم يشهد حرباً في فزاع إلا صابر حتَّى انجلت عن ظفر أو دفاع وهو في موقفه لم يزل عنه هرباً ولا حاز فيه رغباً. بل ثبت بقلب آمن وجأش ساكن قد ولى عنه أصحابه يوم حنين حتَّى بقي بازاء جمع كثير وجم غفير في تسعةٍ من أهل بيته وأصحابه على بغلة مسبوقة إن طلبت غير مستعدة لهرب ولا طلب وهو ينادي أصحابه ويظهر نفسه ويقول إلى عباد الله «أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب» فعادوا أشدادا وأرسالا وهوازن تراه وتحجم عنه فما هاب حرب من كاثرة ولا انكفأ عن مصاولة من صابره والله أعلم وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وسَلّم. (فصل) وقد عضده الله تعالى بأنجاد وأنجاد فانحازوا وصبر حتَّى أمده الله بنصره وما لهذه الشجاعة من عديل ولقد طرق المدينة فزع فانطلق الناس فتلقوه نحو الصوت فوجدوا رَسُولِ اللهُ ﷺ قد سبقهم إليه فتلقوه عائداً على فرس عري لأبي طلحة الأنصاري وعليه السيف فجعل يقول أيها الناس لم تراعوا لم تراعوا ثم قَالَ لأبي طلحة إنا وجدنا بحراً وكان الفرس يبطئ فما فرس بعد ذلك. وما ذاك إلا عن ثقة من أن الله تعالى سينصره وأن دينه سيظهره تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ وتصديقاً لقول رَسُولِه اللهُ ﷺ «زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» وكفى بهذا قياماً بحفه وشاهداً على صدقه. والخصلة الثامنة: ما منح من السخاء والجود حتَّى جاد بكل موجودٍ

стр. 3673

وآثر بكل مطلوب ومحبوب ومات ودرعه مرهونة عند يهودي على آصع من شعير لطعام أهله. وقد ملك جزيرة العرب فيها ملوك وأفيال لهم خزائن وأموال يقتنونها ذخراً ويتباهون بها فخراً ويستمتعون بها أشراً وبطراً وقد حاز ملك جميعهم فما اقتنى ديناراً ولا درهماً لا يأكل إلا الخشن ولا يلبس إلا الخشن. ويعطي الجزل الخطير ويصل الجم الغفير ويتجرع مرارة الإقلال ويصبر على سغب الاختلال وكان يقول «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن ترك ديناً أو ضياعاً فعليَّ ومن ترك مالاً ترك فلورثته» فهل مثل هذا الكرم والجود كرم وجود أم هل هذا لمثل هذا الإعراض والزهادة إعراض وزهد هيهات. هل يدرك شأو من هذه شذور من فضائله ويسير من محاسنه التي لا يحصى لها عدداً ولا يدرك لها أمداً لم تكمل في غيره فيساويه ولا كذب بها ضد يناويه ولقد جهد كل منافق ومعاند وكل زنديق وملحدٍ أن يزري عليه في قول أو فعل. أو يظفر بهفوة في جد أو هزل فلم يجد إليه سبيلاً ود جهد جهده وجمع كيده. فأي فضل أعظم من فضل شاهده الحسدة والأعداء فلم يجدوا فيه مغمزاً لثالب أو قادح ولا مطعناً لجارح أو فاضح فهو كما قَالَ الشاعر: شَهِدَ الأَنَامُ بِفَضْلِهِ حَتَّى الْعِدَا ... وَالْفَضْلُ مَا شَهِدَتْ الأَعْدَاءُ وقول لآخر: مَحَاسِنُ أَصْنَافِ النَّبِيِّينِ جَمَّةُ ... وَمَا قَصَبَاتُ السَّبْقِ إِلا لأَحْمَدِ

стр. 3674

وبالجملة فآية أخلاقه صلوات الله عليه آية كبرى وعلم من أعلام نبوته العظمى وقد أجملها بعضهم بقوله وآية أخرى لا يعرفها إلا الخاصة ومتى ذكرت الخاصة فالعامة في ذلك مثل الخاصة. وهي الأخلاق والأفعال التي لم تجمتع لبشر قط قبله ولا تجتمع لبشر بعده وذلك أنا لم نر ولم نسمع لأحد قط كصبره ولا كحلمه ولا كوفائه ولا كزهده ولا كجوده ولا كنجدته ولا كصدق لهجته ولا ككرم عشرته ولا كتواضعه ولا كحفظه ولا كصمته إذا صمت ولا كقوله إذا قَالَ ولا كعجيب منشئه ولا كعفوه ولا كدوام طريقته وقله امتنانه. ولم تجد شجاعاً قط إلا وقد جال جولة وَفَرَّ فَرَّةً وانحاز مرة ولا يستطيع منافق ولا زنديق ولا دهري أن يحدث أنه ﷺ جال جولة قط ولا فَرَّ فَرَّةً قَطُ وَلا حَامَ عن غزوة ولا هاب حرباً من مكاثرة. وذلك من أعجب ما آتاه الله نبياً قط مع سائر ما جاء به من الآيات ومن ضروب البرهانات إذ أعداؤه جم غفير وجمعهم كثير فخصمهم حين جادلوه وصابرهم حين عاندوه وكابد من الشدائد ما لم يثبت عليها إلا كل معصوم ولم يسلم منها إلا منصور إلى أن علت كلمته وظهرت دعوته. وكل هذه آيات تنذر بالحق وتلائم الصدق، لأن الله لا يهدي كيد الخائنين ولا يصلح عمل المفسدين، انتهى كلامه. اللَّهُمَّ اسلك بنا مناهج السلامة وعافنا من موجبات الحسرة والندامة ووفقنا للاستعداد لما وعدتنا وأدم لنا إحسانك ولطفك كما عودتنا وأتمم علينا اللَّهُمَّ توفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين الَّذِينَ لا خوف عليهم ولاهم يحزنون وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ،

стр. 3675

اللَّهُمَّ ألحقنا بعبادك الأبرار وآتنا في الدنيا حسنه وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (قصيدة في غربة الإسلام وإهمال نصره) (ممن ينتسب إليه) لَهْفِي عَلَى الإِسْلامِ مِنْ أَشْيَاعِهِ لَهْفِي عَلَى الْقُرْآنِ وَالإِيمَانِ لَهْفِي عَلَيْهِ تَنَكَّرَتْ أَعْلامُهُ إِلا عَلَى الْخِرِّيتِ فِي ذَا الشَّانِ لَهْفِي عَلَيْهِ أَصْبَحَتْ أَنْوَارُهُ مَحْجُوبَةً عَنْ سَالِكٍ حَيْرَانِ لَهْفِي عَلَيْهِ أَصْبَحَتْ أَنْصَارُهُ فِي قِلَّةٍ فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ لَهْفِي عَلَيْهِ أَهْلُهُ فِي غُرْبَةٍ أَضْحَوْا وَهُمْ فِي الأَهْلِ وَالأَوْطَانِ لَهْفِي عَلَيْهِمْ أَصْبَحُوا فِي ضَيْعَةٍ أَنْوَارُهُمْ تَخْفَى عَلَى الْعُمْيَانِ لَهْفِي عَلَيْهِمْ كَمْ لَنَا قَدْ أَخْلَصُوا فِي النُّصْحِ لَوْ كَانَتْ لَنَا أُذُنَانِ لَهْفِي عَلَى مَنْ يَجْلِبُونَ عَلَيْهِمُوا بِالنُّصْحِ كُلِّ أَذَىً وَكُلَّ هَوَانِ

стр. 3676

لَهْفِي عَلَى مَنْ هُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى مَا بَيْنَنَا لَوْ تُبْصِرُ الْعَيْنَانِ لَهْفِي عَلَيْهِمْ أُوجِدُوا فِي أُمَّةٍ قَنِعَتْ مِن الإِسْلامِ بِالْعُنْوَانِ لا يُعْرَفُ الْمَعْرُوفُ فِيمَا بَيْنَنَا وَالنَّكْرُ مَأْلُوفٌ بِلا نُكْرَانِ خَذَلَتْ ذَوِي النُّصْحِ الصَّحِيحِ وَأَصْبَحَتْ عَوْنًا لِكُلِّ مُضَلَّلٍ فَتَّانِ يَا وَيْحَ قَوْمٍ لا يُمَيِّزُ جُلُّهُمْ ذَا الْحَقِّ مِنْ ذِي دَعْوَةِ الْبُطْلانِ فَتَصَدَّرَ الْجُهَّالُ وَالضَّلالُ فِيـ ـهِمْ بِادِّعَاءِ الْعِلْمِ وَالْعِرْفَانِ مِنْ كُلِّ مَنْ يَخْتَالُ فِي فَضَاضِهِ فَدْمٌ ثَقِيلٌ وَاسِعُ الأَرْدَانِ مُتَقَمِّشٌ مِنْ هَذِهِ الأَوْضَاعِ وَالْـ أَرَاءِ إِمَّعَةٌ بِلا فُرْقَانِ يُبْدِي التَّمَشْدُقَ فِي الْمَحَافِلِ كَيْ يُرَى للنَّاسِ ذَا عِلْمٍ وَذَا إِتْقَانِ تَبًّا لَهُ مِنْ جَاهِلٍ مُتَعَالِمٍ مُتَسَلِّطٍ بِوِلايَةِ السُّلْطَانِ رَفَعَتْ خَسِيسَتَهُ الْمَنَاصِبُ فَازْدَرَى

стр. 3677

.. أَهْلَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ وَالإِيمَانِ لَيْسَ التَّرَفُّعُ بِالْمَنَاصِبِ رِفْعَةً بِالْعِلْمِ وَالتَّقْوَى عُلُّو الشَّانِ تَرَكَ الْمَنَابِرَ مَنْ يَقُومُ بِحَقِّهَا مِنْ كُلِّ ذِي لَسْنٍ وَذِي عِرْفَانِ وَنَزَا عَلَيْهَا سَفْلَةٌ يَا لَيْتَهُمْ قَدْ أُدْرِجُوا مِنْ قَبْلُ فِي الأَكْفَانِ خَطَبُوا التَّفَرُّقَ فَوْقَهَا وَلَطَالمَا خُطِبَتْ عَلَيْهَا إِلْفَةُ الإِخْوَانِ كَمْ يَأْمُرُونَ بِمُحْدَثاتٍ فَوْقَهَا تَقْضِي عَلَى سُنَنٍ سُنِنَّ حِسَانِ تَبْكِي الْمَنَابِرُ مِنْهُمُوا وَتَوَدُّ لَوْ تَنْدَكُّ تَحْتَهُمُوا إِلَى الأَرْكَانِ مَا عِنْدَهُمْ بِالأَمْرِ الأَوَّلِ خِبْرَةُ بَلْ نَقْلُ آرَاءٍ أَوْ اسْتِحْسَانِ ثَكِلَتْهُمْ الآبَاءُ إِنَّ حَيَاتَهُمْ مَوْتٌ لِسُنَّةِ خَاتَمِ الأَدْيَانِ جَهِلُوا كِتَابَ اللهِ وَهُوَ نَجَاتُهُمْ وَهُدَى النَّبِي مُبَيِّنِ الْقُرْآنِ وَجَفَوْا مَنَاهِجَ خَيْرِ أَسْلافٍ لَهُمْ فِي التَّعْلِمِ وَالتَّقْوَى وَفِي الإِتْقَانِ

стр. 3678

.. لا يَرْجِعُونَ لآيَةٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ سِيرَةِ الْمَاضِينَ بِالإِحْسَانِ بَلْ يَرْجِعُونَ لِرَأْيِ مَنْ أَلْقَوْا لَهُمْ بِأَزِمَّةِ التَّقْلِيدِ وَالأَرْسَانِ وَكَذَاكَ يَرْجِعُ مَنْ تَصَوَّفَ فِيهِمُوا لذَّوْقِ أَوْ لِتَخَيُّلٍ شَيْطَانِي فَالأَوَّلُونَ أَتَوْا بِأَحْكَامٍ لَنَا فِيهَا مُخَالِفُ سُنَّةٍ وَقُرْآنِ وَالآخَرُونَ أَتُوا لَنَا بِطَرَائِقٍ غَيْرَ الطَّرِيقِ الأَقْوَمِ الْقُرْآنِي وَمُحَصَّلُ الطُّرُقِ الَّتِي جَاءُوا بِهَا أَوْضَاعُ سُوءٍ رَدَّهَا الْوَحْيَانِ وَكَذا رُؤُوسُهُمُ الطُّغَاةُ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَرْفَعُوا رَأْسًا بِذَا الْفُرْقَانِ مَا حَكَّمُوا فِيهِمْ شَرَائِعَ دِينِهِمْ وَالْعَدْلُ فِيهَا قَائِمُ الأَرْكَانِ بَلْ حَكَّمُوا فِي النَّاسِ آراءً لَهُمْ مِنْ وَحْيِ شَيْطَانٍ أَخِي طُغْيَانِ وَيْحَ الشَّرِيعَةِ مِنْ مَشَايِخِ جُبَّةٍ وَاللابِسِينَ لَنَا مُسُوكَ الضَّانِ غَزَوا الْوَرَى بِالزِّيِ وَالسَّمْتِ الَّذِي

стр. 3679

.. يُخْفِي مَخَازِي الْجَهْلِ وَالْعِصْيَانِ وَرُؤُوسُ سُوءٍ لا اهْتِمَامَ بِهِمْ بِدِيـ نٍ قَامَ أَوْ قَدْ خَرَّ لِلأَذْقَانِ وَلَرُبَّمَا أَبْدَوْا عِنَايَتَهُمْ بِهِ بِسِيَاسَةٍ تَخْفَى عَلَى الإِنْسَانِ تَعْسًا لِمَنْ أَضْحَى يُتَابِعُ قَوْلَ مَنْ بَخَسَ الْهُدَى وَمَزِيَّةَ الأَذْهَانِ تَرَكُوا هِدَايَةِ رَبِّهِمْ وَرَسُولِهِمْ هَذَا وَرَبِّكَ غَايَةَ الْخُذْلانِ حُرِمُوا هِدَايَةَ دِينِهِمْ وَعُقُولِهِمْ هَذَا وَرَبِّكَ غَايَةَ الْخُسْرَانِ تَرَكُوا هِدَايَةَ رَبِّهِمْ فَإِذَا بِهِمْ غَرْقَى مِن الآرَاءِ فِي طُوفَانِ وَتَفَرَّقُوا شِيَعًا بِهَا عَنْ نَهْجِهِ مِنْ أَجْلِهَا صَارُوا إِلَى شَنْآنِ كُلٌّ يَرَى رَأْيًا وَيَنْصُرُ قَوْلَهُ وَلَهُ يُعَادِي سَائِرَ الإِخْوَانِ وَلَوْ أَنَّهُمْ عِنْدَ التَّنَازُعِ وُفِقُوا لَتَحَاكَمُوا للهِ دُونَ تَوَانِ وَلأَصْبَحُوا بَعْدَ الْخِصَامِ أَحِبَّةً غَيْظَ الْعِدَا وَمَذَلَّةَ الشَّيْطَانِ

стр. 3680

.. لَكِنَّهُمْ إِذْ آثَرُوا وَادِي تَخَيَّـ ـيَبَ أَصْبَحُوا أَعْدَاءَ هَذَا الشَّانِ فَالْمُقْتَدِي بِالْوَحْيِ فِي أَعْمَالِهِ يَلْقَى الأَذَى مِنْهُمْ وَكُلَّ هَوَانِ لِعُدُولِهِ عَنْ أَخْذِهِ بِمَذَاهِبِ فِي الرَّأْيِ مَا قَامَتْ عَلَى بُرْهَانِ جَعَلُوا مَذَاهِبَهُمْ مُسَيْطَرَةً عَلَى فَهْمِ الْحَدِيثِ وَمَنْزِلِ الْقُرْآنِ ذَادُوا ذَوِي الأَلْبَابِ عَنْ فِقْهِ الْكِتا بِ وَفِقْهِ سُنَّةِ صَاحِبِ التِّبْيَانِ وَغَدَتْ شَرِيعَتُنَا بِمُوجَبِ قَوْلِهِمْ مَنْسُوخَةٌ فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ حَجَبُوا مَحَاسِنَهَا بِتَأْوِيلاتِهِمْ فَغَدَتْ مِن الآرَاءِ فِي خُلْقَانِ وَلَوْ أَنَّهَا بَرَزَتْ مُجَرَّدَةً لَهَا مَ الأَذْكِيَاءُ بِحُسْنِهَا الْفَتَّانِ لَكِنَّهُمْ قَامُوا حَوَائِلَ دُونَهَا كَالأَوْصِيَاءِ لِقَاصِرِ الصِّبْيَانِ مَا عِنْدَهُمْ عِنْدَ التَّنَاظُرِ حُجَّةٌ أَنَّى بِهَا لِمُقَلِّدِ حَيْرَانِ لا يَفْزَعُونَ إِلَى الدَّلِيلِ وَإِنَّمَا
следующие страницы →