← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

لَهْفِي عَلَى مَنْ هُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى مَا بَيْنَنَا لَوْ تُبْصِرُ الْعَيْنَانِ لَهْفِي عَلَيْهِمْ أُوجِدُوا فِي أُمَّةٍ قَنِعَتْ مِن الإِسْلامِ بِالْعُنْوَانِ لا يُعْرَفُ الْمَعْرُوفُ فِيمَا بَيْنَنَا وَالنَّكْرُ مَأْلُوفٌ بِلا نُكْرَانِ خَذَلَتْ ذَوِي النُّصْحِ الصَّحِيحِ وَأَصْبَحَتْ عَوْنًا لِكُلِّ مُضَلَّلٍ فَتَّانِ يَا وَيْحَ قَوْمٍ لا يُمَيِّزُ جُلُّهُمْ ذَا الْحَقِّ مِنْ ذِي دَعْوَةِ الْبُطْلانِ فَتَصَدَّرَ الْجُهَّالُ وَالضَّلالُ فِيـ ـهِمْ بِادِّعَاءِ الْعِلْمِ وَالْعِرْفَانِ مِنْ كُلِّ مَنْ يَخْتَالُ فِي فَضَاضِهِ فَدْمٌ ثَقِيلٌ وَاسِعُ الأَرْدَانِ مُتَقَمِّشٌ مِنْ هَذِهِ الأَوْضَاعِ وَالْـ أَرَاءِ إِمَّعَةٌ بِلا فُرْقَانِ يُبْدِي التَّمَشْدُقَ فِي الْمَحَافِلِ كَيْ يُرَى للنَّاسِ ذَا عِلْمٍ وَذَا إِتْقَانِ تَبًّا لَهُ مِنْ جَاهِلٍ مُتَعَالِمٍ مُتَسَلِّطٍ بِوِلايَةِ السُّلْطَانِ رَفَعَتْ خَسِيسَتَهُ الْمَنَاصِبُ فَازْدَرَى

стр. 3677

.. أَهْلَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ وَالإِيمَانِ لَيْسَ التَّرَفُّعُ بِالْمَنَاصِبِ رِفْعَةً بِالْعِلْمِ وَالتَّقْوَى عُلُّو الشَّانِ تَرَكَ الْمَنَابِرَ مَنْ يَقُومُ بِحَقِّهَا مِنْ كُلِّ ذِي لَسْنٍ وَذِي عِرْفَانِ وَنَزَا عَلَيْهَا سَفْلَةٌ يَا لَيْتَهُمْ قَدْ أُدْرِجُوا مِنْ قَبْلُ فِي الأَكْفَانِ خَطَبُوا التَّفَرُّقَ فَوْقَهَا وَلَطَالمَا خُطِبَتْ عَلَيْهَا إِلْفَةُ الإِخْوَانِ كَمْ يَأْمُرُونَ بِمُحْدَثاتٍ فَوْقَهَا تَقْضِي عَلَى سُنَنٍ سُنِنَّ حِسَانِ تَبْكِي الْمَنَابِرُ مِنْهُمُوا وَتَوَدُّ لَوْ تَنْدَكُّ تَحْتَهُمُوا إِلَى الأَرْكَانِ مَا عِنْدَهُمْ بِالأَمْرِ الأَوَّلِ خِبْرَةُ بَلْ نَقْلُ آرَاءٍ أَوْ اسْتِحْسَانِ ثَكِلَتْهُمْ الآبَاءُ إِنَّ حَيَاتَهُمْ مَوْتٌ لِسُنَّةِ خَاتَمِ الأَدْيَانِ جَهِلُوا كِتَابَ اللهِ وَهُوَ نَجَاتُهُمْ وَهُدَى النَّبِي مُبَيِّنِ الْقُرْآنِ وَجَفَوْا مَنَاهِجَ خَيْرِ أَسْلافٍ لَهُمْ فِي التَّعْلِمِ وَالتَّقْوَى وَفِي الإِتْقَانِ

стр. 3678

.. لا يَرْجِعُونَ لآيَةٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ سِيرَةِ الْمَاضِينَ بِالإِحْسَانِ بَلْ يَرْجِعُونَ لِرَأْيِ مَنْ أَلْقَوْا لَهُمْ بِأَزِمَّةِ التَّقْلِيدِ وَالأَرْسَانِ وَكَذَاكَ يَرْجِعُ مَنْ تَصَوَّفَ فِيهِمُوا لذَّوْقِ أَوْ لِتَخَيُّلٍ شَيْطَانِي فَالأَوَّلُونَ أَتَوْا بِأَحْكَامٍ لَنَا فِيهَا مُخَالِفُ سُنَّةٍ وَقُرْآنِ وَالآخَرُونَ أَتُوا لَنَا بِطَرَائِقٍ غَيْرَ الطَّرِيقِ الأَقْوَمِ الْقُرْآنِي وَمُحَصَّلُ الطُّرُقِ الَّتِي جَاءُوا بِهَا أَوْضَاعُ سُوءٍ رَدَّهَا الْوَحْيَانِ وَكَذا رُؤُوسُهُمُ الطُّغَاةُ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَرْفَعُوا رَأْسًا بِذَا الْفُرْقَانِ مَا حَكَّمُوا فِيهِمْ شَرَائِعَ دِينِهِمْ وَالْعَدْلُ فِيهَا قَائِمُ الأَرْكَانِ بَلْ حَكَّمُوا فِي النَّاسِ آراءً لَهُمْ مِنْ وَحْيِ شَيْطَانٍ أَخِي طُغْيَانِ وَيْحَ الشَّرِيعَةِ مِنْ مَشَايِخِ جُبَّةٍ وَاللابِسِينَ لَنَا مُسُوكَ الضَّانِ غَزَوا الْوَرَى بِالزِّيِ وَالسَّمْتِ الَّذِي

стр. 3679

.. يُخْفِي مَخَازِي الْجَهْلِ وَالْعِصْيَانِ وَرُؤُوسُ سُوءٍ لا اهْتِمَامَ بِهِمْ بِدِيـ نٍ قَامَ أَوْ قَدْ خَرَّ لِلأَذْقَانِ وَلَرُبَّمَا أَبْدَوْا عِنَايَتَهُمْ بِهِ بِسِيَاسَةٍ تَخْفَى عَلَى الإِنْسَانِ تَعْسًا لِمَنْ أَضْحَى يُتَابِعُ قَوْلَ مَنْ بَخَسَ الْهُدَى وَمَزِيَّةَ الأَذْهَانِ تَرَكُوا هِدَايَةِ رَبِّهِمْ وَرَسُولِهِمْ هَذَا وَرَبِّكَ غَايَةَ الْخُذْلانِ حُرِمُوا هِدَايَةَ دِينِهِمْ وَعُقُولِهِمْ هَذَا وَرَبِّكَ غَايَةَ الْخُسْرَانِ تَرَكُوا هِدَايَةَ رَبِّهِمْ فَإِذَا بِهِمْ غَرْقَى مِن الآرَاءِ فِي طُوفَانِ وَتَفَرَّقُوا شِيَعًا بِهَا عَنْ نَهْجِهِ مِنْ أَجْلِهَا صَارُوا إِلَى شَنْآنِ كُلٌّ يَرَى رَأْيًا وَيَنْصُرُ قَوْلَهُ وَلَهُ يُعَادِي سَائِرَ الإِخْوَانِ وَلَوْ أَنَّهُمْ عِنْدَ التَّنَازُعِ وُفِقُوا لَتَحَاكَمُوا للهِ دُونَ تَوَانِ وَلأَصْبَحُوا بَعْدَ الْخِصَامِ أَحِبَّةً غَيْظَ الْعِدَا وَمَذَلَّةَ الشَّيْطَانِ

стр. 3680

.. لَكِنَّهُمْ إِذْ آثَرُوا وَادِي تَخَيَّـ ـيَبَ أَصْبَحُوا أَعْدَاءَ هَذَا الشَّانِ فَالْمُقْتَدِي بِالْوَحْيِ فِي أَعْمَالِهِ يَلْقَى الأَذَى مِنْهُمْ وَكُلَّ هَوَانِ لِعُدُولِهِ عَنْ أَخْذِهِ بِمَذَاهِبِ فِي الرَّأْيِ مَا قَامَتْ عَلَى بُرْهَانِ جَعَلُوا مَذَاهِبَهُمْ مُسَيْطَرَةً عَلَى فَهْمِ الْحَدِيثِ وَمَنْزِلِ الْقُرْآنِ ذَادُوا ذَوِي الأَلْبَابِ عَنْ فِقْهِ الْكِتا بِ وَفِقْهِ سُنَّةِ صَاحِبِ التِّبْيَانِ وَغَدَتْ شَرِيعَتُنَا بِمُوجَبِ قَوْلِهِمْ مَنْسُوخَةٌ فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ حَجَبُوا مَحَاسِنَهَا بِتَأْوِيلاتِهِمْ فَغَدَتْ مِن الآرَاءِ فِي خُلْقَانِ وَلَوْ أَنَّهَا بَرَزَتْ مُجَرَّدَةً لَهَا مَ الأَذْكِيَاءُ بِحُسْنِهَا الْفَتَّانِ لَكِنَّهُمْ قَامُوا حَوَائِلَ دُونَهَا كَالأَوْصِيَاءِ لِقَاصِرِ الصِّبْيَانِ مَا عِنْدَهُمْ عِنْدَ التَّنَاظُرِ حُجَّةٌ أَنَّى بِهَا لِمُقَلِّدِ حَيْرَانِ لا يَفْزَعُونَ إِلَى الدَّلِيلِ وَإِنَّمَا

стр. 3681

.. فِي الْعَجْزِ مَفْزَعُهُمْ إِلَى السُّلْطَانِ لا عُجْبَ إِذْ ضَلُّوا هِدَايَةَ دِينِهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا لِلْجَهْلِ وَالْعِصْيَانِ هَا قَدْ غَلَوْا فِي الأَوْلِيَاءِ وَقُبُورُهُمْ أَضْحَتْ يُحَجُّ لَهَا مِن الْبُلْدَانِ وَبَنَوْا عَلَى تِلْكَ الْقُبُورِ مَسَاجِدًا وَالنَّصُّ جَاءَ لَهُمْ بِلَعْنِ الْبَانِي وَكَذَاكَ قَدْ صَنَعُوا لَهَا الأَقْفَاصَ تُو ضَعُ فَوْقَهَا فِي غَايَةِ الإِتْقَانِ يَكْسُونَهَا بِمَطَارِفٍ مَنْقُوشَةٍ قَدْ كَلَّفَتْهُمْ بَاهِظَ الأَثْمَانِ بَلْ عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ تَلْقَى نُصْبَهُ قَدْ عَمَّمُوهَا عِمَّةَ الشَّيْخَانِ وَلَسَوْفَ إِنْ طَالَ الزَّمَانُ بِهِمْ تَرَى وَلَهَا يَدَانِ تَلِيهِمَا الرِّجْلانِ وَدَعَوْهُمُوا شُفَعَاءَهُمْ أَيْضًا كَمَا قَدْ كَانَ يَزْعُمُ عَابِدُو الأَوْثَانِ وَتَقَرَّبُوا لَهُمُوا بِتَسْيِيبِ السِّوَا ثِبِ وَالنُّذُورِ وَسَائِرِ الْقُرْبَانِ وَتَمَسَّحُوا بِقُبُورِهِمْ وَسُتُورِهِمْ وَكَذَاكَ بِالأَقْفَاصِ وَالْجُدْرَانِ

стр. 3682

.. وَإِذَا رَأَيْتَهُمُوا هُنَاكَ تَرَاهُمُوا مُتَخَشِّعِينَ كَأَخْبَثِ الْعُبْدَانِ مَا عِنْدَهُمْ هَذَا الْخُشُوعُ إِذَا هُمُوا صَلَّوْا لِرَبِّهِمْ الْعَظِيمِ الشَّانِ وَاسْتَنْجَدُوا بِهِمُوا لِمَا قَدْ نَابَهُمْ نَاسِينَ فَاطِرَ هَذِهِ الأَكْوَانِ وَدَعَوْهُمُوا بَرًّا وَبَحْرًا لا كَمَنْ خَصُّوا الدُّعَاءَ بِرَبِّهِمْ فِي الثَّانِي فَهُمُوا بِهَذَا الْوَجْهِ قَدْ زَادُوا عَلَى مَنْ أَشْرَكُوا فِي غَابِرِ الأَزْمَانِ تَرَكُوا دُعَاءَ الْحَيِّ ﷻ لِدُعَاءِ أَمْوَاتٍ بِلا حُسْبَانِ وَإِلَيْهِمُوا جَعَلُوا التَّصَرُّفَ فِي الْوَرَى فَهُمُوا مُغِيثُ السَّائِلِ الْحَيْرَانِ فَكَأَنَّهُمْ أَرْجَى لَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمُوا أَحْنَى مِنَ الرَّحْمَنِ وَكَأَنَّهُمْ وُكَلاؤُهُ فِي خَلْقِهِ سُبْحَانَهُ عَنْ إِفْكِ ذِي بُهْتَانِ وَكَأَنَّهُمْ حُجَّابُ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ هُمْ قَاسِمُوهَا بَيْنَهُمْ بِوِزَانِ يَا قَوْمُ لا غَوْثٌ يَكُونُ مُغِيثُكُمْ

стр. 3683

.. إِنَّ الْمُغِيثَ اللهُ لِلإِنْسَانِ يَا قَوْمُ فَأدْعُو اللهَ لا تَدْعُوا الْوَرَى أَنْتُمْ وَهُمْ بِالْفَقْرِ مَوْسُومَانِ مَا بَالُكُمْ لَمْ تُخْلِصُوا تَوْحِيدَكُمْ تَوْحِيدُكُمْ وَالشِّرْكُ مُقْتَرَنَانِ هَا أَنْتُمُوا أَشْبَهْتُمُوا مَنْ قَبْلَكُمْ فِي شِرْكِهِمْ بِعِبَادَةِ الدَّيَّانِ إِنْ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ لا يُسْمَوْنَهُ بِعِبَادَةِ فَهِيَ اسْمُهُ الْقُرْآنِي مَعْنَى الْعِبَادَةِ ثَابِتٌ مُتَحَقَّقٌ فِي فِعْلِكُمْ شَرْعًا وَعُرْفِ لِسَانِ إِنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ بَلْ مُخُّهَا قَدْ قَالَ ذَا مَنْ جَاءَ بِالْفُرْقَانِ فَإِذَا زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ شُفَعَاؤُكُمْ تَتَوَسَّلُونَ بِهِمْ إِلَى الرَّحْمَنِ فَالْجَاهِلِيَّةُ كَانَ هَذَا زَعْمُهُمْ أَيْضًا وَقَدْ نُسِبُوا إِلَى الْكُفْرَانِ مَا كَانَ أَهْلُ الشِّرْكِ يَعْتَقِدُونَهُمْ خَلَقُوا هُمُوا يَا جَاهِلَ الْقُرْآنِ وَاللهُ مَا شَرَعَ التَّوَسَّلَ لِلْوَرَى إِلا بِطَاعَتِهِ مَعَ الإِيمَانِ

стр. 3684

.. وَالْفِعْلِ لَيْسَ بِطَاعَةٍ حَتَّى يَجِي أَمْرٌ بِهِ شَرْعًا إِلَى الإِنْسَانِ وَالْعَامِلُونَ عَلَى وِفَاقِ الأَمْرِ لا يَعْدُونَهُ بِالزَّيْدِ وَالنُّقْصَانِ وَالْعَامِلُونَ بِمُقْتَضَى أَهْوَائِهِمْ هُمْ مُؤْثِرُونَ لِطَاعَةِ الشَّيْطَانِ هَلْ مَا فَعَلْتُمْ جَاءَكُمْ أَمْرٌ بِهِ مِنْ رَبِّكُمْ عَنْ صَاحِبِ التِّبْيَانِ أَوْ هَلْ أَتَى مِنْ قُدْوَةٍ فِي الدِّينِ مِنْ صَحْبِ النَّبِي وَتَابِعِ الإِحْسَانِ وَهُنَا لَكُمْ عِنْدِي نَصِيحَةُ مُخْلِصٍ لا يَمْتَرِي فِيمَا يَقُولُ اثْنَانِ أَنْ تَأْخُذُوا بِالاحْتِيَاطِ لأَمْرِكُمْ قَبْلَ الْخُلُودِ بِمَوْقِدِ النِّيرَانِ إِنْ كَانَ مَا تَأْتُونَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَالشِّرْكُ مَخْشِيٌّ لَدَى الإتْيَانِ فَالابْتِعَادُ عَنْ الْمَخُوفِ مُقَدَّمٌ عَقْلاً عَلَى الأَقْدَامِ لِلإِنْسَانِ خاتمة ونداء للعلماء يَا مَعْشَرَ الْعُلَمَاءِ لَبُّوا دَعْوَةً تُعْلِي مَقَامَكُوا عَلَى كِيوَانِ

стр. 3685

.. يَا مَعْشَرَ الْعُلَمَاءِ هُبُّوا هَبَّةً قَدْ طَالَ نَوْمَكُو إِلَى ذَا الآنِ يَا مَعْشَرَ الْعُلَمَاءِ قُومُوا قَوْمَةً للهِ تُعْلِي كِلْمَةَ الإِيمَانِ يَا مَعْشَرَ الْعُلَمَاءِ عَزْمَةَ صَادِقٍ مُتَجَرِّدٍ للهِ غَيْرَ جَبَانِ يَا مَعْشَرَ الْعُلَمَاءِ أَنْتُمْ مُلْتَجَا لِلدِّينِ عِنْدَ تَفَاقُمِ الْحَدَثَانِ يَا مَعْشَرَ الْعُلَمَاءِ كُونُوا قُدْوَةً لِلنَّاسِ فِي الإِسْلامِ وَالإِحْسَانِ يَا مَعْشَرَ الْعُلَمَاءِ أَنْتُمْ حُجَّةٌ لِلنَّاسِ فَادْعُوهُمْ إِلَى الْقُرْآنِ يَا مَعْشَرَ الْعُلَمَاءِ إِنَّ سُكُوتَكُمْ مِنْ حُجَّةِ الْجُهَّالِ كُلَّ زَمَانِ يَا مَعْشَرَ الْعُلَمَاءِ لا تَتَخَاذَلُوا وَتَعَاوَنُوا فِي الْحَقِّ لا الْعُدْوَانِ وَتَجَرَّدُوا للهِ مِنْ أَهْوَائِكُمْ وَدَعُوا التَّنَافُسَ فِي الْحُطَامِ الْفَانِي وَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا أَنْ تَنْصُرُوا مُتَعَاضِدِينَ شَرِيعَةَ الرَّحْمَنِ كُونُوا بِحَيْثُ يَكُونُ نَصْبَ عُيُونِكُمْ

стр. 3686

.. نَصْرُ الْكِتَابِ وَسُنَّةُ الإِيمَانِ قَدْ فَرَّقَتْنَا كَثْرَةُ الآرَاءِ إِذْ صِرْنَا نُشَايِعُهَا بِلا بُرْهَانِ وَمِنْ أَجْلِهَا صِرْنَا يُعَادِي بَعْضُنَا بَعْضًا بِلا حَقٍّ وَلا مِيزَانِ وَغَدَتْ أُخُوَّةُ دِينِنَا مَقْطُوعَةً وَالظُّلْمُ مَعْرُوفٌ عَنِ الإِنْسَانِ وَاللهُ أَلَّفَ بَيْنَنَا فِي دِينِهِ وَعَلَى التَّفَرُّقِ عَابَ فِي الْقُرْآنِ عُودُوا بِنَا لِسَمَاحَةِ الدِّينِ الَّذِي كُنَّا بِهِ فِي عِزَّةٍ وَصِيَانِ عُودُوا لِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْهُدَى أَسْلافُكُمْ فِي سَالِفِ الأَزْمَانِ فَإِلَيْكُمُوا تَتَطَلَّعُ الأَنْظَارُ فِي تَوْحِيدِ كِلْمَتِنَا عَلَى الإِيمَانِ فَاللهُ يَنْصُرُ مَنْ يَقُومُ بِنَصْرِهِ وَاللهُ يَخْذُلُ نَاصِرَ الشَّيْطَانِ اللَّهُمَّ وفقنا لسلوك مناهج المتقين، وخصنا بالتوفيق المبين واجعلنا بفضلك من المقربين الَّذِينَ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ اللَّهُمَّ ارزقنا حبِكَ وحب من يحبِكَ وحب العمل الَّذِي يقربنا إلى حبِكَ وألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا للقيام بحقك وخلصنا من حقوق خلقك ورضنا باليسير من رزقك يا خير من دعاه داع وأفضل من رجاه

стр. 3687

راج، يا قاضي الحاجات ومجيب الدعوات هب لنا ماسألناه وحقق رجاءنا فيما تمنيناه يا من يملك حوائج السائلين ويعلم ما في صدور الصامتين أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) وَقَالَ الإمام ابن حزم: رهان ضروري لمن تدبره حسي لا محيد عنه وهو أن النَّبِيُّ ﷺ أتى إلى قوم لقاح لا يطيعون لأحد ولا ينقادون لرئيس نشأ هذا آباؤهم وأجدادهم وأسلافهم منذ ألوف منذ ألوف من الأعوام قد سرى الفخر والعز والنخوة والكبر والظلم والأنفة في طباعهم وهم أعداد عظيمة ملأوا جزيرة العرب وهي نحو شهرين في شهرين قد صارت طباعهم طباع السباع وهم ألوف الألوف قبائل وعشائر يتعصب بعضهم لبعض أبداً فدعاهم بلا مالٍ ولا أتباع – بل خذله قومه إلى أن ينحطوا من ذلك العز إلى غرم الزكاة. ومن الحرية والظلم إلى جزي الأحكام عليهم ومن طول الأيدي يقتل من أحبوا وأخذ مال من أحبوا إلى القصاص من النفس ومن قطع الأعظاء ومن اللطمة من أجل من فيهم لأقل علج فغريب دخل فيهم وإلى إسقاط الأنفة والفخر إلى ضرب الظهور بالسياط وبالنعال إن شربوا خمراً أو قذفوا إنساناً. وإلى الضرب بالسوط والرجم بالحجارة إلى أن يموتوا إن زنوا فانقاد أكثرهم لكل ذلك طوعًا بلا طمع ولا غليبة ولا خوف ما منهم أحد أخذ بغلبة إلا مكة وخيبر فقط وما غزا قط غزوة يقاتل فيها إلا تسع غزوات بعضها له. فصح ضرورة أنهم إنما آمنوا طوعاً لا كرهاً.

стр. 3688

وتبدلت طبائعهم بقدرة الله تعالى من الظلم إلى العدل ومن الجهل إلى العلم ومن الفسق والقسوة إلى العدل العظيم الَّذِي لم يبلغه أكابر الفلاسفة وأسقطوا كلهم أولهم عن آخرهم طلب الثأر وصحب الرجل منهم قاتلَ ابنه وأبيه وأعدى الناس له صحبة الأخوة المتحابين دون خوف يجمعهم ولا رياسة ينفردون بها دون من أسلم من غيرهم ولا مال يتعجلونه فقد علم الناس كيف كانت سيرة أبي بكر وعمر ﵄ وكيف كانت طاعة العرب لهما بلا رزق ولا عطاء ولا غلبة. فهل هذا إلا بغلبة من الله تعالى نفوسهم كما قَالَ ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ ثم بقي ﵊ كذلك بين أظهرهم بلا حارس ولا ديوان جند ولا بيت مال محروساً معصوماً. وَقَالَ ابن حزم ﵀ أيضاً قبل ذلك: كانت العرب بلا خلاف قوماً لقاحاً لا يملكهم أحد كمضر وربيعة وإياد وقضاعة أو ملوكاً في بلادهم يتوارثون الملك كابراً عن كابر كملوك اليمن وعمان وشهر بن آرام ملك صنعا والمنذر بن ساوي ملك البحرين والنجاشي ملك الحبشة وجيفر وعياذ ابني الجلندي وملكي عمان فانقادوا كلهم لظهور الحق وبهوره وآمنوا به ﷺ طوعاً وهم آلاف آلاف وصاروا إخوة كبني أب وأم وانحل كل من أمكنه الانحلال عن ملكه منهم إلى رسله طوعاً بلا خوف غزو ولا إعطاء مالٍ ولا طمع في عز بل كلهم أقوى جيشاً من جيشه وأكثر مالاً وسلاحاً منه وأوسع بلداً من بلده كذي الكلاع وكان ملكاً ابن ملوك متوجين تسجد له جميع رعيته يركب أمامه

стр. 3689

ألف عبد من عبيدِهِ سوى بني عمه من حمير وذي ظليم وذي زود وذي مران وذي عمرو وغيرهم كلهم ملوك متوجون في بلادهم. هذا كله أمر لا يجهله أحد من حملة الأخبار بل هو منقول كنقل كون بلادهم في مواضعها وهكذا كان إسلام جميع العرب أولاهم كالأوس والخزرج ثم سائرهم قبيلة إنما ثبت عندهم من آياته وبهرهم من معجزاته وما اتبعه الأوس والخزرج إلا وهو فريد نابذه قومه حسداً له. إذ كان فقيراً يتيماً أمياً لا يقرأ ولا يكتب نشأ في بلاد الجهل والجاهلية يرعى غنم يتقوت بها فعلمه الله تعالى الحكمة دون معلم وعصمه من كل أراده بلا حرس وبلا حاجب ولا بواب ولا قصر يمتنع فيه على كثرة من أَرَادَ قتله من شجعان العرب وفتاكهم كعامر بن الطفيل وأربد بن جزء وغورث بن الحارث وغيرهم مع أقرار أعدائه بنبوته كمسيلمة وسجاح وطليحة والأسود وهو مكذب لهم فهل بعد هذا برهان أو أنذر الأنصار بالأثرة عليهم بعده وتابعوه على الصبر على ذلك. قام له أصحابه على قدم فمنعهم وأنكر ذلك عليهم وأعلمهم أن القيام لله تعالى لا لخلقه ورضوا بالسجود له فاستعظم ذلك وأنكره إلا لله وحده. ولا شك في أن هذه ليست صفة طالب دنيا قط أصلاً ولا صفة راغب في غلبة ولا بعد صوت بل هذه حقيقة النبوة الخالصة لمن كان له أدني فهم.

стр. 3690

ثم قَالَ الإمام ابن حزم وأيضاً فإن سيرة مُحَمَّد ﷺ لمن تدبرها تقتضي تصديقه ضرورة وتشهد له بأنَّهُ رَسُولِ اللهُ ﷺ حقاً فلو لم تكن له معجزة غير سيرته ﷺ لكفى وذلك أنه ﵊ نشأ كما قلنا في بلاد الجهل لا يقرأ ولا يكتب ولا خرج عن تلك البلاد قط إلا خرجتين. إحداهما إلى الشام وهو صبي مع عمه إلى أول أرض الشام ورجع والأخر أيضاً إلى أول الشام ولم يطل بها البقاء ولا فارق قومه قط ثم أوطأه الله تعالى رقاب العرب كلها فلم تتغير نفسه ولا حالت سيرته إلى أن مات ودرعه مرهونة في شعير لقوت أهله. أصواع ليست بالكثيرة ولم يبت قط في ملكه دينار ولا درهم وكان يأكل على الأرض ما وجد ويخصف نعله بيدِهِ ويرفع ثوبه ويؤثر على نفسه وقتل رجل من أفاضل أصحابه مثل فقده يهد عسكراً قتل بين أظهر أعدائه من اليهود فلم يتسبب إلى دمائهم ولا إلى دم واحد منهم ولا إلى أموالهم بل فداه من عند نفسه بمائة ناقة. وهو في تلك الحال محتاج إلى بعير واحد يتقوى به وهذا أمر لا تسمح به نفس ملك من ملوك الأرض وأهل الدنيا من أصحاب بيوت الأموال بوجه من الوجوه ولا يقتضي هذا أيضاًَ ظاهر السيرة والسياسة فصح يقيناً بلا شك أنه إنما كان متبعاً ما أمر به ربه سواء كان ذلك مضراً به في دنياه غاية الإضرار أو كان غير مضر به وهذا عجيب لمن تدبره.

стр. 3691

ثم حضرته ﷺ المنية وأيقن بالموت وله عم أخو أبيه هو أحب الناس إليه وابن عم هو من أخص الناس به وهو أيضاً زوج ابنته وكلاهما عنده من الفضل والدين والسياسة في الدنيا والبأس والحلم وخلال الخير ما كان كل واحد منهما حقيقاً بسياسة العالم كله فلم يحابهما وهما من أشد الناس محبة فيه وهو من أحب الناس فيهما. إذ كان غيرهما متقدماً لهما في الفضل قاصداً أتباع ما أمر به ﷺ . ولم يورث ورثته ابنته ونساءه وعمه فلساً فما فوقه وهم كلهم أحب الناس إليه وأطوعهم له، وهذه أمور لمن تأملها كافية مغنية في أنه إنما تصرف بأمر الله تعالى له لا بسياسة ولا بهوى فوضح بما ذكرنا ولله الحمد كثيراً أن نبوة مُحَمَّد ﷺ حق وأن شريعته التي أتى بها هي التي وضحت براهينها واضطرت دلائلها إلى تصديقها والقطع على أنها الحق الَّذِي لا حق سواه وأنها دين الله تعالى الَّذِي لا دين له في العالم غيره انتهى كلامه رحمه الله تعالى. هذه قصيدة جميلة أزلنا ما فيها من الغلو وعوضنا عنه ما بين الأقواس: كَأَنَّ نُجُومًا أَوْ مَضَتْ فِي الْغَيَاهِبِ عُيُونُ الأَفَاعِي أَوْ رُؤُوسُ الْعَقَارِبِ إِذَا كَانَ قَلْبُ الْمَرْءِ فِي الأَمْرِ حَائِرًا فَأَضْيَقُ مِنْ تِسْعِينَ رَحْبُ السَّبَاسِبِ وَتَشْغَلُنِي عَنِّي وَعَنْ كُلِّ رَاحَتِي مَصَائِبُ تَقْفُوا مِثْلَهَا فِي الْمَصَائِبِ إِذَا مَا أَتَتْنِي أَزْمَةٌ مُدْلَهِمَّةٌ تُحِيطُ بِنَفْسِي مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ تَطَلَّبَْتُ هَلْ مِنْ نَاصِرٍ أَوْ مُسَاعِدٍ أَلُوذُ بِهِ مِنْ خَوْفِ سُوءِ الْعَوَاقِبِ

стр. 3692

.. (فَلَسْتُ أَرَى إِلا الَّذِي فَلَق النَّوَى هُوَ الْوَاحِدُ الْمُعْطِي كَثِيرُ الْمَوَاهِبِ) (وَمُعْتَصَمُ الْمكْرُوبِ فِي كُلِّ غَمْرَةٍ وَمُنْتَجَعُ الْغُفْرَانِ مِنْ كُلِّ هَائِبِ) (مُجِيبُ دُعَا الْمُضْطَّرِ عِنْدَ دُعَائِهِ وَمُنْقِذُهُ مِنْ مُعْضِلاتِ النَّوَائِبِ) (مُعِيدُ الْوَرَى فِي زَجْرَةٍ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لِفَصْلِ حُقُوقٍ بَيْنَهُمْ وَمَطَالِبِ) فَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَصِيبِ تَرَى الْوَرَى سُكَارَى وَلا سُكْرٌ بِهِمْ مِنْ مَشَارِبِ حُفَاةً عُرَاةً خَاشِعِينَ لِرَبِّهِمْ فَيَا وَيْحَ ذِي ظُلْمٍ رَهِينَ الْمَطَالِبِ فَيَأْتُوا لِنُوحٍ وَالْخَلِيلِ وَآدَمٍ وَمُوسَى وَعِيسَى عِنْدَ تِلْكَ الْمَتَاعِبِ لَعَلَّهُمُ أَنْ يَشْفَعُوا عِنْدَ رَبِّهِمْ لَتَخْلِيصِهِمْ مِنْ مُعْضِلاتِ الْمَصَاعِبِ فَمَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمُوا عِنْدَ هَذِهِ نَبِيٌّ وَلَمْ يُظْفِرْهُمُ بِالْمَآرِبِ هنَاكَ رَسُولُ اللهِ يَأْتِي لِرَبِّهِ لِيَشْفَعْ لِتَخْلِيصِ الْوَرَى مِنْ مَتَاعِبِ

стр. 3693

فَيَرْجِعُ مَسْرُورًا بِنَيْلِ طِلابِهِ أَصَابَ مِنَ الرَّحْمَنِ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ سُلالَةُ إِسْمَاعِيلِ وَالْعِرْقُ نَازِعُ وَأَشْرَفُ بَيْتٍ من لُؤي بن غَالِبِ بَشَارَةُ عِيسَى وَالَّذِي عَنْهُ عَبَّرُوا بِشِدَّةِ بَأْسٍ بِالضَّحُوكِ الْمُحَارِبِ وَمَنْ أَخْبَرُوا عَنْهُ بِأَنْ لَيْسَ خُلْقُهُ بِفَظٍّ وَفِي الأَسْوَاقِ لَيْسَ بِصَاخِبِ وَدَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ بِنَائِهِ بِمَكَّةَ بَيْتًا فِيهِ نَيْلُ الرَّغَائِبِ جَمِيلُ الْمَحْيَا أَبْيَضُ الْوَجْهِ رَبْعَةً جَلِيلُ كَرَادِيسِ أَزَجُ الْحَوَاجِبِ صَبِيحٌ مَلِيحٌ أَدْعَجُ الْعَيْنِ أَشْكَلٌ فَصِيحٌ لَهُ الإِعْجَام لَيْسَ بِشَائِبِ وَأَحْسَنُ خَلْقِ اللهِ خَلْقًا وَخِلْقَةً وَأَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ عِنْدَ النَّوَائِبِ وَأَجْوَدُ خَلْقِ اللهِ صَدْرًا وَنَائِلاً وَأَبْسَطُهُمْ كَفًّا عَلَى كُلِّ طَالِبِ وَأَعْظَمُ حُرٍّ لِلْمَعَالِي نُهُوضُهُ إِلَى الْمَجْدِ سَامٍ لِلْعَظَائِمِ خَاطِبٍ تَرَى أَشْجَعَ الْفُرْسَانِ لاذَ بِظَهْرِهِ

стр. 3694

.. إِذَا احْمَرَّ بَأْسٌ فِي بَئِيسِ الْمَوَاجِبِ وَآذَاهُ قَوْمٌ مِنْ سَفَاهَةِ عَقْلِهِمْ وَلَمْ يَذْهَبُوا مِنْ دِينِهِ بِمَذَاهِبِ فَمَا زَالَ يَدْعُو رَبَّهُ لِهُدَاهُمُ وَإِنْ كَانَ قَدْ قَاسَى أَشَدَّ الْمَتَاعِبِ وَمَا زَالَ يَعْفُو قَادِرًا مِنْ مُسِيئهِمْ كَمَا كَانَ مِنْهُ عِنْدَ جَبْذَةَ جَاذِبِ وَمَا زَالَ طُولَ الْعُمْرِ للهِ مُعْرِضًا عَن الْبَسْطِ فِي الدُّنْيَا وَعَيْشِ الْمَزَارِبِ بَدِيعُ كَمَالٍ فِي الْمَعَالِي فَلا امْرؤٌ يَكُونُ لَهُ مِثْلاً وَلا بِمُقَارِبِ أَتَانَا مُقِيمَ الدِّينِ مِنْ بَعْدِ فَتْرَةٍ وَتَحْرِيفِ أَدْيَانٍ وَطُولِ مَشَاغِبِ فَيَا وَيْلَ قَوْمٍ يُشْرِكُونَ بِرَبِّهِمْ وَفِيهِمْ صُنُوفٌ مِنْ وَخِيمِ الْمَثَالِبِ وَدِينُهُمْ مَا يَفْتَرُونَ بِرَأْيِهِمْ كَتَحْرِيمِ حَامٍ وَاخْتِرَاعِ السَّوَائِبِ وَيَا وَيْلَ قَوْمٍ حَرَّفُوا دِينَ رَبِّهِمْ وَأَفْتَوْا بِمَصْنُوعٍ لِحِفْظِ الْمَنَاصِبِ وَيَا وَيْلَ مَنْ أَطْرَى بِوَصْفِ نَبِيِّهِ فَسَمَّاهُ رَبَّ الْخَلْقِ إِطْرَاءَ خَائِبِ

стр. 3695

.. وَيَا وَيْلَ قَوْمٍ قَدْ أَبَارَ نُفُوسَهُمْ تَكَلُّفُ تَزْوِيقٍ وَحُبُّ الْمَلاعِبِ وَيَا وَيْلَ قَوْمٍ قَدْ أَخَفَّ عُقُولَهُمْ تَجَبُّرُ كِسْرَى وَاصْطِلامُ الضَّرَائِبِ فَأَدْرَكَهُمْ فِي ذَاكَ رَحْمَةُ رَبِّنَا وَقَدْ أَوْجَبُوا مِنْهُ أَشَدَّ الْمَعَائِبِ فَأَرْسَلَ مِنْ عَلْيَا قُرَيْشٍ نَبِيَّهُ وَلَمْ يَكُ فِيمَا قَدْ بَلَوْهُ بِكَاذِبِ وَمِنْ قَبْلَ هَذَا لَمْ يُخَالِطْ مَدَاس الْ يَهُودِ وَلَمْ يَقْرَأَ لَهُمْ خَطَّ كَاتِبِ فَأَوْضَحَ مِنْهَاجَ الْهُدَى لِمَنْ اهْتَدَى وَمَنَّ بِتَعْلِيمٍ عَلَى كُلِ رَاغِبِ وَأَخْبَرَ عَنْ بَدْءِ السَّمَاءِ لَهُمْ وَعَنْ مَقَامٍ مَخُوفٍ بَيْنَ أَيْدِي الْمُحَاسِبِ وَعَنْ حُكْمِ رَبِّ الْعَرْشِ فِيمَا يُعِينُهُمْ وَعَنْ حِكَمٍ تُرْوَى بِحُكْمِ التَّجَارُبِ وَأَبْطَلَ أَصْنَافَ الْخَنَى وَأَبَادَهَا وَأَصْنَافَ بَغْيِ لِلْعُقُوبَةِ جَالِبِ وَبَشَّرَ مَنْ أَعْطَى الرَّسُولَ قِيَادَةً بِجَنَّةِ تَنْعِيمٍ وَحُورٍ كَوَاعِبِ وَأَوْعَدَ مَنْ يَأْبَى عِبَادَةَ رَبِّهِ

стр. 3696

.. عُقُوبَةَ مِيزَانٍ وَعِيشَةَ قَاطِبِ فَأَنْجَى بِهِ مَنْ شَاءَ رَبِّي نَجَاتَهُ وَمَنْ خَابَ فَلْتَنْدِبْهُ شَرُّ النَّوَادِبِ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَ عَبْدَهُ بِحَقٍّ وَلا شَيْءٍ هُنَاكَ بِرَائِبِ وَقَدْ كَانَ نُورُ اللهِ فِينَا لِمُهْتَدٍ وِصِمْصَالمُ تَدْمِيرٍ عَلَى كُلِّ نَاكِبِ وَأَقْوَى دَلِيلٍ عِنْدَ مَنْ تَمَّ عَقْلُهُ عَلَى أَنَّ شُرْبَ الشَّرْعِ أَصْفَى الْمَشَارِبِ تَوَاطُئ عُقُولٍ فِي سَلامَةِ فِكْرِهِ عَلَى كُلِّ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ مَطَالِبِ سَمَاحَةُ شَرْعٍ فِي رَزَانَةِ شِرْعَةٍ وَتَحْقِيقِ حَقٍّ فِي إِشَارَةِ حَاجِبِ مَكَارِمُ أَخْلاقٍ وَإِتْمَامُ نِعْمَةٍ نُبُوة تَأْلِيفٍ وَسُلْطَانُ غَالِبِ نُصَدِّقُ دِينَ الْمُصْطَفَى بِقُلُوبِنَا عَلَى بَيِّنَاتٍ فَهْمُهَا مِنْ غَرَائِبِ بَرَاهِينُ حَقٍّ أَوْضَحَتُ صِدْقَ قَوْلِهِ رَوَاهَا وَيَرْوِي كُلُّ شَبٍ وَشَائِبِ وَمِنْ ذَاكَ كَمْ أَعْطَى الطَّعَامَ لِجَائِعٍ وَكَمْ مَرَّةٍ أَسْقَى الشَّرَابَ لِشَارِبِ

стр. 3697

.. وَكَمْ مِنْ مَرِيضٍ قَدْ شُفِي مِنْ دُعَائِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَشْفَى لِوَجْبَةِ وَاجِبِ وَدَرَّتْ لَهُ شَاةٌ لَدَى أُمِّ مَعْبَدٍ حَلِيبًا وَلا تَسْطَاعُ حَلْبَةَ حَالِبِ وَقَدْ سَاخَ فِي أَرْضِ حِصَانُ سُرَاقَةٍ وَفِيهِ حَدِيثٌ عَنْ بَرَاءِ بنِ عَازِبِ وَقَدْ فَاحَ طِيبًا كَفُّ مِنْ مَسَّ كَفَّهُ وَمَاحَلَ رَأْسًا حَبْسُ شِيبِ الذَّوَائِبِ وَأَلْقَى شَقِيُّ الْقَوْمِ فَرْثَ جَزُورِهِمْ عَلَى ظَهْرِهِ وَالله لَيْسَ بِعَازِبِ فَأَلْقُوا بِبَدْرٍ فِي قَلِيبٍ مُخَبَّثٍ وَعَمَّ جَمِيعَ الْقَوْمِ شُؤْمُ الْمَدَاعِبِ وَأَخْبَرَ أَنْ أَعْطَاهُ مَوْلاهُ نُصْرَةً وَرُعْبًا إِلَى شَهْرٍ مَسِيرَةَ سَارِبِ فَأَوْفَاهُ وَعْدَ الرُّعْبِ وَالنَّصْرِ عَاجِلاً وَأَعْطَى لَهُ فَتْحَ التَّبُوكِ وَمَارِبِ وَأَخْبَرَ عَنْهُ أَنْ سَيَبْلُغُ مُلْكُهُ إِلَى مَا رَأى مِنْ مَشْرِقٍ وَمَغَارِبِ فَأَسْبَلَ رَبُّ الأَرْضِ بَعْدَ نَبِيِّهِ فُتُوحًا تُوَارَى مَالَهَا مِنْ مَنَاكِبِ وَكَلَّمَهُ الأَحْجَارُ وَالْعُجْمُ وَالْحَصَى

стр. 3698

.. وَتَكْلِيمُ هَذَا النُّوعِ لَيْسَ بِرَائِبِ وَحَنَّ لَهُ الْجِذْعُ الْقَدِيمُ تَحَزُّنًا فَإِنَّ فِرَاقَ الْحُبِّ أَدْهَى الْمَصَائِبِ وَأَعْجَبُ تِلْكَ الْبَدْرُ يَنْشَقُ عِنْدَهُ وَمَا هُوَ فِي إِعْجَازِهِ مِنْ عَجَائِبِ وَشَقَّ لَهُ جِبْرِيلُ بَاطِنَ صَدْرِهِ لِغَسْلِ سَوَادٍ بِالسُّوَيْدَاءِ لازِبِ وَأَسْرَى عَلَى مَتْنِ الْبُرَاقِ إِلَى السَّمَا فَيَا خَيْرَ مَرْكُوبٍ وَيَا خَيْرَ رَاكِبِ وَرَاعَتْ بَلِيغُ الآيِ كُلَّ مُجَادِلٍ خَصِيمٍ تَمَادَى فِي مِرَاءِ الْمَطَالِبِ بَرَاعَةُ أُسْلُوبٍ وَعَجْزُ مُعَارِضٍ بَلاغَةُ أَقْوَالِ وَأَخْبَارُ غَائِبِ وَسَمَّاهُ رَبُّ الْخَلْقِ أَسْمَاءَ مِدْحَةٍ تُبَيِّنُ مَا أَعْطَى لَهُ مِنْ مَنَاقِبِ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ أَحْمَدٌ وَمُحَمَّدٌ مُقَفَى وَمِفْضَالٌ يُسَمَّى بِعَاقِبِ إِذَا مَا أَثاَرُوا فِتْنَةً جَاهِلِيَّةً يَقُودُ بِبَحْرٍ زَاخِرٍ مِنْ كَتَائِبِ يَقُومُ لِدَفْعِ الْبَأْسَ أَسْرَعَ قَوْمِهِ بِجَيْشٍ مِن الأَبْطَالِ غُرِّ السَّلاهِبِ

стр. 3699

.. أَشِدَّاءُ لِدَفْعِ الْبَأْسِ مِنْ كُلِّ بَاسِلٍ وَمِنْ كُلَّ قَرْمٍ بِالأَسِنَّةِ لاعِبِ تَوَارُثُ إِقْدَامًا وَنُبْلاً وَجُرْأَةً نُفُوسُهُمْ مِنْ أُمَّهَاتٍ نَجَائِبِ جَزَى اللهُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ جَمِيعًا كَمَا كَانُوا لَهُ خَيْرَ صَاحِبِ وَآلُ رَسُولِ اللهِ لا زَالَ أَمْرُهُمْ قَوِيمًا عَلَى إِرْغَامِ أَنْفِ النَّوَاصِبِ ثَلاثُ خِصَالٍ منْ تَعَاجِيبِ رَبِّنَا نَجَابَةُ أَعْقَابٍ لِوَالِدِ طَالِبِ خِلافَةُ عَبَّاسٍ وَدِينِ نَبِيِّنَا تَزَايدَ فِي الأَقْطَارِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ يُؤيِّدُ دِينَ اللهِ فِي كُلِّ دَوْرَةٍ عَصَائِبُ تَتْلُو مِثْلَهَا مِنْ عَصَائِبِ فَمِنْهُمْ رِجَالٌ يَدْفَعُونَ عَدُوَّهُمْ بِسُمْرِ الْقَنَا وَالْمُرْهَفَاتِ الْقَوَاضِبِ وَمِنْهُمْ رِجَالٌ يَغْلِبُونَ عَدُوَّهُمْ بِأَقْوَى دَلِيلٍ مُفْحِمٍ لِلْمُغَاضِبِ وَمِنْهُمْ رِجَالٌ بَيَّنُوا شَرْعَ رَبِّنَا وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ وَوَاجِبِ وَمِنْهُمْ رِجَالٌ يَدْرُسُونَ كِتَابَهُ

стр. 3700

.. بِتَجْوِيدِ تَرْتِيلِ وَحِفْظِ مَرَاتِبِ وَمِنْهُمْ رِجَالٌ فَسَّرُوهُ بِعِلْمِهِمْ وَهُمْ عَلَّمُونَا مَا بِهِ مِنْ غَرَائِبِ وَمِنْهُمْ رِجَالٌ بِالْحَدِيثِ تَوَلَّعُوا وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ صَحِيحٍ وَذَاهِبِ وَمِنْهُمْ رِجَالٌ مُخْلِصُونَ لِرَبِّهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ خُصْبُ الْبِلادِ الأَجَادِبِ وَمِنْهُمْ رِجَالٌ يُهْتَدَى بِعِظَاتِهِمْ قِيَامٌ إِلَى دِينِ مِنَ اللهِ وَاصِبِ عَلَى اللهِ رَبِّ النَّاسِ حُسْنُ جَزَاءِهِمْ بِمَا لا يُوَافِي عَدُّهُ ذِهْنَ حَاسِبِ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَذْكُرْ جَمَالَ بُثَيْنَةٍ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَغْزِلْ بِحُبِّ الرَّبَائِبِ سَأَذْكُرُ حُبِّي لِلْحَبِيبِ مُحَمَّدٍ إِذَا وَصَفُ الْعُشَّاقِ حُبَّ الْحَبَائِبِ وَيَبْدُو مُحَيَّاهُ لِعَيْنِي فِي الْكَرَى بِنَفْسِي أَفْدِيهِ إِذَا وَالأَقَارِبِ وَتُدْرِكُنِي فِي ذِكْرِهِ قَشْعَرِيرَةٌ مِنَ الْوِجْدِ لا يَحْوِيهِ عِلْمُ الأَجَانِبِ وَأُلْفِي لِرُوحِي عِنْدَ ذَلِكَ هَزَّةً وَأُنْسًا وَرَوْحًا فِيهِ وَثْبَةُ وَاثِبِ

стр. 3701

.. وَإِنَّكَ أَعْلَى الْمُرْسَلِينَ مَكَانَةً وَأَنْتَ لَهُمْ شَمْسُ وَهُمْ كَالثَّوَاقِبِ وَصَلِّ إِلَهِي كَلَّمَا ذَرَّ شَارِقٌ عَلَى خَاتِمِ الرُّسُلِ الْكِرَامِ الأَطَايِبِ اللَّهُمَّ يا من خلق الإنسان في أحسن تقويم وبقدرته التي لا يعجزها شيء يحيي العظام وهي رميم. نسألك أن تهدينا إلى صراطك المستقيم صراط الَّذِينَ أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأن تغفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) ومن الأدلة والبراهين والقرائن الدالة على صدق الرسل كلهم ما ذكره صاحب البرهان القاطع ﵀. فأولها أنهم من أعدل الناس طريقة وأصدقهم لهجة وأكثرهم وقاراً وأقلهم طيشاً. وأزهدهم في المال والجاه وأرفضهم لحب الدعة والراحة. قد خبروا على طول الزمن، واشتدت عليهم المحن، واعتورت أحوالهم طوارق الفتن، وتفاقم في الكناية لهم كيد ذوي الإحن. فما لينت الشدائد منهم صلباً لا فترت المكايد لهم عزماً بل كانوا كسبيكة الذهب وفلذة الياقوت. كلما إزدادت النار لها أكلا إزدادت على طول السبِكَ حسناً، لا حافوا في حكم على عدو ولا شهدوا بغير الحق لصديق. قام نوح عليه ألف سنة إلا خمسين عاماً بين ظهراني قومه وعشيرته وحماته من العدو وملاذه فنابذهم وجانبهم وضللهم وكفرهم، حتَّى كانوا يضربونه ويهينونه ويؤذنه بأنواع الأذى ويمقتونه، ولا يحصل له بذلك غرض دنيوي ولا مقصد عاجل، ولا له في ذلك هوى ولا شهوة. وهذا مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ آلِهِ وَسَلَّمَ عرضت عليه قريش المال والزوجة والجاه والرياسة ويترك ما يدعيه من تسفيه حلوم آبائه، وتعنيف الأَحْيَاءِ وَالْمَيِّتِينَ من عشيرته. فلم يرفع إلى كلامهم رأساً، ولم يلتفت إلى مقالتهم أصلاً وما أحسن البيت المشهور:

стр. 3702

.. وَرَاوَدَتْهُ الْجِبَالُ الشُّمُّ مِنْ ذَهَبٍ ... عَنْ نَفْسِهِ فَأَرَاهَا أَيَّمَا شَمَمِ وكم عسى أن نذكر من فضائل لا تحصى، ومحاسن لا تستقى. وثانيها: معاداتهم لقراباتهم، وأرحامهم الَّذِينَ جبلت الطباع على محبتهم، وعلى رجاء الاستنصار لهم بحيث تركوا مناهج آبائهم التي ولع الطبع بإتباعها وعادوا عشيرتهم التي يتقى من كل عدو بمحاماتها ولقوا في الصبر عنهم الحتوف ووقعوا في الدنيا لذلك في أعظم مخوف. هذا نوح ﵇ ترك ابنه وفلذة كبده وماء سواد عينه وريحانة فؤاده مع الغرقى وأستغفر من دعائه أن لا يهلك مع الهلكى، وهذا إبراهيم ﵇ تبرأ من أبيه لما تبين له أنه عدو لله وعزم على ذبح ولده الَّذِي هو قرة عينه ومزنة غيثه وأحب الناس إليه، وأعزهم عليه. وهذا مُحَمَّد الَّذِي شهد العدو والصديق بأنه أبر الخلق بعامة أمته دع عنك خاصة رحامته، حتَّى إن الله عاتبه على كثرة رحمته فَقَالَ ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ ترك الثناء على أمه وأبيه والذكر لهما والترحم عليهما، وولع بذكر النجاشي وصلى عليه وأثنى علي سلمان الفارسي وأهدى ثمرات الجميل إليه وأمثالهما ممن لم يلتصق عرقه بعرقه، ولم يلتحم نجره بنجره. وقد أجمع الأصدقاء والأعداء والكفرة والبررة على أن الأنبياء ﵈ كانوا أعقل الناس، وأوقر الخلق، أما الْمُسْلِمُونَ فعقائدهم فيها ظاهرة، وأما الكفار فيقولون إنهم بحسن تدبيرهم ولطف دهائهم شرعوا شرائع وإستمالوا خلائق، ودان لهم من الناس عوالم. فكيف ترى هؤلاء العقلاء الحذاق يعادون أرحامهم ويصادقون من لم تتصل وشيجة نسب بينه وبينهم ويتركون ما في موالاة العشيرة من الأنتصار عند الهضم والسلامة من الظلم، ويتحملون مضار عداوتهم، عوضاً من منافع ولا يتهم، لغير غرض يعود عليهم، ولا فائدة ترجع إليهم. وثالثها: إنهم فقراء مساكين تقتحمهم العيون وتزدريهم القلوب ولا يغلب في ظن عاقل ولا فراس حاذق، أن من الفقر صفته والنزاع لجميع من في العالم طلبته يساعد على إثارة الفتن وتهييج الحروب بين البشر، ولا يبلغ إلى أمل، ولا يزكو له عمل.

стр. 3703

كموسى وهرون حين أتيا فرعون لابسين لعباء الصوف ومرقعات المسوح منتقلين من مراعي الغنم إلى معارضات الملوك، مظهرين لمخاشنتهم، مفصحين بالترقع عليهم بغير عدة ولا مال، ولا قوة ولا رجال. فأتياه على هذه الحال التي لا يؤبه لصاحبها ولا تمتلئ عين من النظر إلى من جاء عليها، وجواهر التيجان تلمع على جبينه وأنطاع ضرب الأعناق معدة لمن أغضبه عن شماله ويمينه فأتياه بأعظم ما يوجب ضرب أعناقهما وأكبر ما يجرؤه على قتلهما لا ترتعد لهما فريصة، ولا يخافان من الدنيا نقيصة. وهذا مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ آلِهِ وَسَلَّمَ جاء إلى قريش، وقام في جاهلية العرب، وأنوفهم تعط بالكبر وألْسِنَتُهُمْ لا تَنْطِقُ إلاَّ بالفخر يرون أن يبيد أولهم وآخرهم ويفنى أصاغرهم وأكابرهم على أيسر عار يلم بساحاتهم، وأهون نقص يدنو من أنسابهم فجاء وحيداً من الناصر فقيراً من المال يسب ألهتهم، ويلهب أفئدتهم ويسفه أحلامهم. يتيم قد مات أبواه وأسترضع في غير قومه وكفله من شدة فقر أبيه عمه فبينما هو يتيم مكفول في حجر من هب فخره مهب الجنوب والقبول إذ قام يعيب على كافله دينه ويسفه رأيه، ولا يستريب من شجعان العرب المشاهير أن عارضهم جميعاً، وأنفرد بعداوتهم وحيدًا. ورابعها: حصول أغراضهم كما قَالَ تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وكما ثبت في البخاري من حديث ابن عباس ﴿ثُمَّ تَكُونُ لَهم الْعَاقِبَةُ﴾ وكذلك وقع ولله الحمد. فإن أحداً ممن طلب الدنيا والراحة والملك والرياسة من الفلاسفة والمنجمين والمشعوذين والمرجمين بل من أهل الأموال والعشائر، وأرباب الخدم والعساكر من ملوك حمير والتبابعة والقياصرة والأكاسرة ما بلغ مِمَّا بلغ منه مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ آلِهِ وَسَلَّمَ المعشار، ولا استدام له بعد موته، ما استدام لمُحَمَّد ?.

стр. 3704

وهذا نوح ﵇ الفقير القليل الناصر الَّذِي كان ضرب ويشتم ويهان فلا يجد ملجأ ولا معاذاً ولا منقذاً ولا مجيراً من الخلق نبعت له الأرضون عيوناً والسموات غيوثاً حتَّى كان من عجيب غرق قومه ما كان. ولم يستطيع دفع ما جاء به إنس ولا جان. ومن أدل ذلك على الله الخسف بأهل السبت من اليهود قردة وذلك مِمَّا يحصل به العلم الضروري لمن شاهده أو تواتر له، لأن تحول الصورة إلى صورة أخرى لا يكون بالطبع، ولا تدخل فيه شبهة لأهل الكفر. وخامسها: زهدهم في الدنيا وإطراحهم للأهوى وقلقهم من هول المعاد الأخروي. وتقطع نياط قلوبهم من الخوف للعذاب السرمدي. وهو شيء علم منهم أنه جد لا مزاح فيه ولا هزل وحق لا تصنع فيه ولا تكلف. وكيف والتكلف لا تخفي آثاره. ولا تستمر أحواله. زفراتهم كانت متصعدة، ونيار خوفهم لم تزل متوقدة، ومدامع عيونهم لم تبرح مترقرقة، وعلى وجنات خدودهم متدفقة، وعيونهم غائرة وعزماتهم باترة، وأجسادهم ناحلة، ونفوسهم عن الدنيا مائلة، وشفاههم من ظمأ الهواجر ذابلة، وألسنة أحوالهم في خطاب مولاهم قائلة: وَقَدْ صُمْتُ عَنْ لَذَّاتِ نَفْسِي كُلِّهَا ... وَيَوْمَ لِقَاكُمْ ذَاكَ فِطْرُ صِيَامِي كان عيسى ﵇ دابته رجلاه وسراجه القمر، وفراشه المدر ومتاعه الشجر داره الأرض، ترى خضرة الشجر من شفيف بطنه. لا تنقص الشدائد عقدة عمه عزمه. وكان مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ آلِهِ وَسَلَّمَ يصلي حتَّى تورمت دماه ويسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل فقِيلَ له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبِكَ وما تأخر فَقَالَ: ﴿أَفَلَا أَكُونَ عبدَاً شَكوراً﴾ . ولما أخطأ داود ﵇ كان يبكي وينوح حتَّى نبت العشب من دمعه المسفوح، ونقش خطيئته على كفه وحزن حزن الثكلى على ذنبه. فليت شعري أي غرض يقدر أنه يحصل لهم ويظن أنه أربهم حتَّى قطعوا أعمارهم على هذه الطريقة وأداموا تحملهم لهذه

стр. 3705

الأعباء الثقيله، أطلب العيش في الدنيا ورجاء الظفر بالأهواء، فقد عاش سقط الناس بأيسر من ذلك ونيلت بأهون سعي ملاذ المعايش وقد ملكوها على ما يأتي بيانه فلم يلتفتوا إليها، ورغبوا عنها ولم يرغبوا فيها. وتنزهت عنها شرائف أحوالهم. وأنشد لسان حالهم: تَجَرَّدْ عَنِ الدُّنْيَا فَإِنَّكَ إِنَّمَا ... خَرَجْتَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنْتَ مُجَرَّدُ وسادسها: إن جمعاً منهم تمكنوا من الدنيا واستولوا على ما يحب الناس منها فلم تتغير لهم طريقة، ولم تتحول لهم سجية. ملك سليمان ﵇ ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فخدمته الطير وحشرت له، وحملته الريح على متن الهواء وسخرت له، ودانت له ملوك الإنس. وخضعت له عفاريت الجن، وكان البساط يحمله في أرجاء الأجواء مستقراً على متن الريح الخفاقة والهواء. وكانت الطير تظلة، وكانت الأرض في يده وكانت أو امره مطاعة، والخلائق له طائعة. ومع ذلك كان يأكل من كد يده ويتواضع على عظيم ملكه حتَّى إختار من الحرف أهضمها للنفس وأقمعها لجامع الهوى وهو الخوض أي الحصر الَّذِي يرتفع عنه أكثر السوقة ولا يرتضيه من له أدني عزة. فما تراه يريد بهذا وإلى أي شيء من الدنيا يتوصل به. وسابعها: قوة يقينهم بمواعيد الله وتسليمهم نفوسهم لما أمر الله وإن كان في ظاهره كالجناية على النفس، والإلقاء بها إلى التهلكة كقول نوح وحده لقومه مع كثرتهم وقوتهم «ثم اقضوا إلى ولا تنظرون» ونحو ذلك قَالَ هود وَمِنْ ذَلِكَ إلقاء أم موسى له في البحر وهو طفل. ومنه نهي رَسُولِ اللهُ لأصحابه عن حراسته بعد قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ . وثامنها: أنها ظهرت عليهم خوارق العادات وبواهر المعجزات من غير ممارسة لشيء من علوم الطبائعيين والمرتاضين، والمتفلسفين والمنجمين والمتكهنين المصاحبين للجن والشياطين

стр. 3706

وأخبروا عن الغيوب ووصلوا في خرق العادات إلى مرتبة قصر عنها أهل الدراية في فنون هذه العلوم. هذا الكليم فعل مع السحرة ما فعل حتَّى كانوا هم المقرين له والشاهدين بأن الحق معه، وهم ألوف يحص بخبرهم العلم، ويستحيل تواطؤهم على الكذب وكيف وسيف فرعون على أعناقهم مسلول، ودفع كيده بسوى الله غير مأمول. وهذا عيسى ﵇ أحيا الموتى وأبرأ الأكمة والأبرص وهذا مُحَمَّد جاء بنوع من الإعجاز لا يتصور فيه السحر ولا تعقل فيه التعمية قرآن بلى فشيب الدهر وإعجازه جديد، وهرم شباب الزمان ورنقه إلى مزيد فأسكت به مصاقعة العرب العرباء والمفلقين من البلغاء والفصحاء والشعراء والخطباء قد مضى الآن إحدى وثمان مائة سنة «قلت وهذا بالنظر إلى زمن صاحب الأدلة والبراهين وأما الآن فقد مضي أربعة عشر قرناً» ولم يأت له فيها معارض على أن هذه المدة الطويلة منذ هاجر ﵌ مرت على سحرة الكتابة والخطباء ونقضت عن مهرة البرعة أساة أساليب الكلام إذا أعتل وبناة أساسات البيان إذا أختل: يَرْمُونَ بِالْخَطْبِ الطِّوَالِ وَتَارَةً ... وَحْيَ الْمَلاحِظِ خِيفَةَ الرُّقَبَاءِ فانظر كيف تقضت السني والأعوام وتصرمت الليالي والأيام. ولم يأت أحد من هؤلاء البلغاء بمثل هذا القرآن ولا بسورة من مثله. تصديقاً لما جاء به مُحَمَّد من قوله عز سلطانه ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ أ.هـ. اللَّهُمَّ اسلك بنا سبيل النجاة، وبلغ كلامنا ما أمله ورجاه واجعل لنا عندك أعظم قدر وجاه، ولا تحرمنا من فضلك العظيم يا أكرم الأكرمين. (فَصْلٌ) وَقَالَ في كتاب الأربعين في أصول الدين: واعلم أن الرسل كانت له معجزات كثيرة سوى القرآن والعلماء أو ردوا في ذكرها كتباً وضبط القول فيها أن نقول معجزاته ﵇ قسمان حسية وعقلية. أما الحسية فثلاثة أقسام: أحدها أمور خارجة عن ذاته، وثانيها أمور في ذاته، وثالثها أمور في صفاته:

стр. 3707

أما القسم الأول: وهو الأشياء الخارجة عن ذاته فهو كانشقاق القمر واجتذاب الشجر إليه، وتسليم الحجر عليه، ونبوع الماء من بين أصابعه، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، وحنين الخشب، وشكاية الناقة وشهادة الشاة المشوية، وإظلال السحاب قبل بعثته، وما كان من حال أبي جهل وصخرته حين أَرَادَ أن يضربها على رأسه وما كان من شاة أم معبد حين مسح يده على ضرعها. وأما القسم الثاني: وهو الأحوال العائدة إلى ذاته فهو مثل النور الَّذِي كان ينتقل من أب فأب إلى أن خرج إلى الدنيا، وما كان من الخاتم، وما شوهد من خلقته وصورته التي يحكم علم الفراسة بأنها دالة على نبوته. وأما القسم الثالث: وهو ما يتعلق بصفاته فهي كثيرة ونحن نشير إلى بعضها. فالأول: أن أحداً ما سمع منه لا في مهمات الدين ولا في مهمات الدنيا كذبا البتة ولو صدر عنه الكذب مرة واحدة لاجتهد أعداؤه في تشهيره وإظهاره. الثاني: أنه ما أقدم على فعل قبيح لا قبل النبوة ولا بعدها وإن عظم الخوف مثل يوم أحد ويوم الأحزاب. وهذا يدل على أنه كان قوي القلب بمواعيد الله حيث قَالَ تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وَقَالَ تعالى ﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾ وَقَالَ تعالى ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾ . الرابع: أنه كان عظيم الشفقة والرحمة على أمته قَالَ تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وَقَالَ تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ وَقَالَ تعالى: ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ وَقَالَ تعالى: ﴿عزيز عليه ما عنِتمُ﴾ . الخامس: إنه ﵇ كان في عظم الدرجات في السخاوة. السادس: أنه ما كان للدنيا في قلبه وقع وأن قريشاً عرضوا عليه المال والزوجة والرياسة حتَّى يترك هذه الدعوى فلم يلتفت إليهم. السابع: أنه كان في غاية الفصاحة، كما قَالَ «أوتيت جوامع الكلم» . الثامن: أنه مضى على طريقته المرضية في أول عمره إلى آخره والكذاب المزور لا يمكنه ذلك وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ .

стр. 3708

التاسع: أنه كان َصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ آلِهِ وَسَلَّمَ مع أهل الدنيا والثروة في غاية الترفع ومع الفقراء والمساكين وأهل الدين في غاية التواضع. العاشر: إنه َصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ آلِهِ وَسَلَّمَ كان في كل واحدة من هذه الصفات والأخلاق في الغاية القصوى من الكمال كان مستجمعاً لها بأسرها ولم يتفق ذلك لأخذ من الخلق فكان اجتماعهما في ذاته من أعظم المعجزات. وأما المعجزات العقلية فهي ستة أنواع: النوع الأول: إنه َصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ آلِهِ وَسَلَّمَ إنما ظهر من قبيلة ما كانوا من أهل العلم بل كان بلدة ما كان فيها أحد من العلماء، بل كانت الجهالة غالبة عليهم، ولم ينفق له سفر من تلك البلدة إلا مرتين إلى الشام وكانت مدة تلك المسافرة قليلة ولن يذهب أحد من العلماء والحكماء إلى تلك البلدة حتَّى يقال إنه تعلم من ذلك الحكيم. وإذا خرج من مثل هذه البلدة ومثل هذه القبيلة إنسان من غير أن يمارس شيئاً من العلوم ولا تتلمذ لأحد من العلماء البتة ثم بلغ في معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه هذا المبلغ العظيم الَّذِي عجز جميع الأذكياء من العقلاء عن القرب منه بل أقر الكل بأنه لا يمكن أن يزاد في تقرير الدلائل على ما ورد في القرآن. ثم ذكر قصص الأولين وتواريخ المتقدمين بحيث لم يتمكن أحد من الأعداء أن يقول إنه أخطأ في شيء منها، بل بلغ كلامه في البعد عن الريب والشك إلى أن قَالَ عند مجادلهم إياه ﴿فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ وَقَالَ تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ﴾ . ولم يقدر أحد أن يقول إنه طالع كتاباً ولا تتلمذ لأستاذ وكانت هذه الأحوال ظاهرة معلومة للأصدقاء والأعداء على ما قَالَ: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾

стр. 3709

وكل من له عقل سليم وطبع مستقيم علم أن هذه الأحوال لا تتيسر إلا بالتعليم الإلهي الرباني. النوع الثاني: أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ آلِهِ وَسَلَّمَ كان قبل إظهار دعواه الرسالة والنبوة ما كان يشرع في هذه المسائل الآلهية وما كان يبحث عنها وما جرى على لسانه قط حديث النبوة والرسالة. والَّذِي يدل على صحة قولنا أنه لو اتفق له شروع في هذه الطالب والمباحث قبل إظهار إدعاء النبوة لقال الكفار له إنك أفنيت عمرك في التدبر والتأمل وتحصيل الكلمات حتَّى قدرت الآن على إظهارها. ولما لم يذكر هذا الكلام أحد من الأعداء مع شدة حرصهم على الطعن فيه وفي نبوته علمنا أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ آلِهِ وَسَلَّمَ ما كان شارعاً قبل إظهار النبوة في شيء من هذه العلوم. ومعلوم أن من أنقضي من عمره أربعون سنة ولم يخص في شيء من هذه المطالب العلمية ثم إنه خاض فيها واحدة وأتى بكلام عجز الأولون والآخرون عن معارضته بل أنقضي الآن قريب من ستمائة سنة قلت وهذا بالنظر إلى زمن صاحب كتاب الأربعين في أصول الدين وأما الآن فقد مضى أربعة عشر قرناً وما أحد يمكنه إقامة المعارضة، فصريح العقل بأن هذا لا يكون إلا عللا سبيل الوحي والتننزيل أهـ. شِعْرًا: ... تُغَازِلُنِي الْمَنيَّةُ مِنْ قَرِيبِ ... وَتَلْحَظُنِي مُلاحَظَةَ الرَّقِيبِ وَتَنْشُرُ لِي كِتَابًا فِيهِ طَيِّي ... بِخَطِّ الدَّهْرِ أَسْطُرُهُ مَشِيبِي كِتَابٌ فِي مَعَانِيهِ غُمُوضٌ ... يَلُوحُ لِكُلِّ أَوَّابٍ مُنِيبِ أَرَى الأَعْصَارَ تَعْصِرُ مَاءَ عُودِي ... وَقِدْمًا كُنْتُ رَيَّانَ الْقَضِيبِ أَدَالَ الشَّيْبُ يَا صَاحِ شَبابِي ... فَعُوِّضْتُ الْبَغِيضَ مِنَ الْحَبِيبِ

стр. 3710

وَبَدَّلْتُ التَّثَاقُلَ مِنْ نَشَاطِي ... وَمِنْ حُسْنِ النَّضَارَةِ بِالشُّحُوبِ كَذَاكَ الشَّمْسُ يَعْلُوهَا اصْفِرَارٌ ... إِذَا جَنَحَتْ وَمَالَتْ لِلْغُرُوبِ تُحَارِبُنَا جُنُودٌ لا تُجَاري ... وَلا تُلْقَى بِآسَادِ الْحُرُوبِ هِيَ الأَقْدَارُ وَالآجَالُ تَأْتِي ... فَتَنْزِلُ بِالْمُطَبَّبِ وَالطَّبِيبِ تُفَوِّقُ أَسْهُمًا عَنْ قَوْسِ غَيْبٍ ... وَمَا أَغْرَاضُهَا غَيْرُ الْقُلُوبِ فَأَنّى بِاحْتِرَاسٍ مِنْ جُنُودٍ ... مُؤَيَّدَةٍ تُمَدُّ مِنَ الْغُيُوبِ وَمَا آسَى عَلَى الدُّنْيَا وَلَكِنْ ... عَلَى مَا قَدْ رَكِبْتُ مِنَ الذُّنُوبِ فَيَا لَهْفِي عَلَى طُولِ اغْتِرَارِي ... وَيَا وَيْحِي مِنَ الْيَوْمِ الْعَصِيبِ إِذَا أَنَا لَمْ أَنُحْ نَفْسِي وَأَبْكِي ... عَلَى حَوْبِي بِتَهْتَانٍ سَكُوبِ فَمَنْ هَذا الَّذِي بَعْدِي سَيَبْكِي ... عَلَيْهَا مِنْ بَعِيدٍ أَوْ قَرِيبِ؟ اللَّهُمَّ طهر قلوبنا بالتوبة النصوح من الفساد واجمع قلوبنا على محبتك وخشيتك وأهدنا إلى أقرب الطريق إليك والله أعلم وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد. «فَصْلٌ» (فوائد متنوعة ومواعظ نافعة) قَالَ في الفنون من عجيب ما نقدت من أحوال الناس كثرة ما ناحوا على خراب الديار وموت الأقارب والأسلاف والتحسر على الأرزاق بذم الزمان وأهله وذكر نكد العيش فيه. وقد رأوا من انهدام الإسلام وشعث الأديان وموت السنن وظهور البدع وارتكاب المعاصي وتقضي العمر في الفارغ الَّذِي لا يجدي والقبيح الَّذِي يوبق ويؤذي فلا أجد منهم من ناح على دينه ولا بكى على فارط عمره ولا آسى على فائت دهره. وما أرى لذلك سبباً إلا قلة مبالاتهم بالأديان وعظم الدنيا في عيونهم ضد ما كان عليه السلف الصالح يرضون بالبلاغ وينوحون على الدين، قلت فكيف لو

стр. 3711

رأى أهل هذا الزمن الَّذِي كثرت فيه المعاصي والملاهي وانفتحت فيه الدنيا على كثير من الناس فلا حول ولا قوة إلا بالله. ومن عجيب ما رأيت أنا أن أحدنا إذا ناداه أمير أو وزير أو مساعد أو مدير يبادر ويقوم بسرعة لداعي الدنيا ولا يتأخر ويسمع داعي الله يدعوه إلى الصلاة التي هي الصلة بينه وبين ربه جل وعلا وتقدس فيتثاقل ولا يهتم لها وإن قام بعد التريث فكأنه مكره يدفع إليها دفعا عكس ما عليه السلف الصالح من المبادرة والمرابطة وترك الأعمال فوراً عند ما يسمعون (حي على الصلاة حي على الفلاح) وكثير من المساجد عندهم تجد الصف الأول يتم قبل الأذان وقد ازداد الطين بلة بما حدث عندنا من المنكرات قتالة الأوقات، مفرقة النفوس والأبدان، ومشتت القلوب، وذلك كالتلفزيون والمذياع والفيديو والجرائد والمجلات ومخالطة المنحرفين والفاسقين والمنافقين والكافرين والمجرمين أبعدهم الله. سَيْرُ الْمَنَايَا إِلَى أَعْمَارِنَا خَبَبُ ... فَمَا تَبِينُ وَلا يَعْتَاقُهَا نَصَبُ كَيْفَ النَّجَاءُ وَأَيْدِيهَات مُصَمِّمَتٌ ... بِذَبْحِنَا بِمُدِيَّ لَيْسَتَ لَهَا نَصَبُ وَهَلْ يُؤَمِّلُ نَيْلَ الشَّمْلِ مُلْتَئِمًا ... سَفَرٌ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ رِحْلَةٍ عَجَبُ وَمَا إِقَامَتُنَا فِي مَنْزِلٍ هَتَفَتْ ... فِيهِ بِنَا مُذْ سَكَنَّا رَبْعَهُ نُوَبُ وَآذَنْتَنَا وَقَدْ تَمَّتْ عِمَارَتُهُ ... بِأَنَّهُ عَنْ قَرِيبٍ دَاثِرٌ خَرِبُ أَزْرَتْ بِنَا هَذِهِ الدُّنْيَا فَمَا أَمَلٌ ... إِلا لِرَيْبِ الْمَنَايَا عِنْدَهُ أَرَبُ هَذَا وَلَيْسَتْ سِهَامُ الْمَوْتِ طَائِشَةٌ ... وَهَلْ تَطِيشُ سِهَامٌ كُلَّهُ نَصَبُ وَنَحْنُ أَغْرَاضُ أَنْوَاعِ الْبَلأ بِهَا ... قَبْلَ الْمَمَاتِ فَمَرْمِيٌ وَمُرْتَقِبُ أَيْنَ الَّذِينَ تَنَاهَوْا فِي إِبْتِنَائِهِمُوا ... صَاحَتْ بِهِمْ نَائِبَاتُ الدَّهْرِ فَانْقَلَبُوا قَالَ ابن القيم ﵀ كل آفة تدخل على العبد فسببها ضياع القلب

стр. 3712

وفساد القلب يعود بضياع حقه من الله تعالى ونقصان درجته ومنزلته عنده. ولهذا أوصى بعض الشيوخ فَقَالَ احذروا مخالطة من تضيع مخالطته الوقت وتفسد القلب فإن ضاع الوقت وفسد القلب انفرطت على العبد أموره كلها وكان ممن قَالَ الله فيه ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ . ومن تأمل حال هذا الخلق وجدهم كلهم إلا أقل القليل ممن غفلت قلوبهم عن ذكر الله تعالى الَّذِي به تحيا القلوب وتطمئن واتبعوا أهواءهم وصارت أمورهم ومصالحهم فرطا أي فرطوا فيما ينفعهم ويعود عليهم بمصالحهم، واشتغلوا بما لا ينفعهم بل بما يعود بضررهم عاجلاً وآجلاً. وهؤلاء قد أمر الله سبحانه رسوله ألا يطيعهم فطاعة الرسول لا تتم إلا بعدم طاعة هؤلاء لأنهم إنما يدعون إلى ما يشاكلهم من أتباع الهوى والغفلة عن ذكر الله. والغفلة عن ذكر الله والدار الآخرة متى تزوجت بأتباع الهوى تولد بينهما كل شر وكثيراً ما يقترن أحدهما بالآخر ولا يفارقه. ومن تأمل فساد أحوال العالم عموماً وخصوصاً وجده ناشئاً عن هذين الأصلين فالغفلة تحول بين العبد وبين تصور الحق ومعرفته والعلم به فيكون بذلك من الضالين، وأتباع الهوى يصده عن قصد الحق وإرادته وأتباعه، فيكون من المغضوب عليهم. وأما المنعم عليهم فهم الَّذِينَ من الله تعالى عليهم بمعرفة الحق علماً وبالانقياد إليه وإيثاره عما سواه عملاً وهؤلاء هم الَّذِينَ على سبيل النجاة ومن سواهم على سبيل الهلاك. ولهذا أمرنا الله أن نقول كل يوم وليلة عدة مرات ﴿اهدِنَا

стр. 3713

الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ . فإن العبد مضطر إلى أن يكون عارفاً بما ينفعه في معاشه ومعاده وأن يكون مؤثراً مريداً لما ينفعه مجتنباً لما يضره فبمجموع هذين قد هدى إلى الصراط المستقيم فإن معرفه ذلك سلك سبيل الضالين. وإن فاته قصده وأتباعه سلك سبيل المغضوب عليهم وبهذا تعرف قدر هذا الدعاء العظيم وشدت الحاجة إليه سعادة الدنيا والآخرة عليه. وَقَالَ آخر حافظ على الأوقات فإن الوقت رأس المال ولا تضيعها بالفراغ وأملأها بالإفادة أو الاستفادة أو بهما جميعاً واعرف ما يذهب به ليلك ونهارُك وجدد توبتك في كل وقت. وقسم وقتك ثلاثة قسم لطلب العلم وقسم للعمل الَّذِي تستعين به على مصالح دنياك وآخرتك وقسم لحقوق نفسك وما يلزمك واعتبر بمن مضى وتفكر في منصرف الفريقين بين يدي الله جل وعلا وتقدس فريق في الجنة وفريق في السعير. واستحضر قرب الله منك كما في الحديث فإن لم تكن تراه فإنه يراك وأكرم الكتبة الحافظين فقد أوصى رسول الله بالجار من الناس الَّذِي بينك وبينه جدار وأحجار فكيف بالجار الكريم الَّذِينَ قَالَ الله فيهم ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ وَقَالَ جل وعلا وتقدس ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ . فرعاية جواره أحق وإكرام قربه أوجب لأنه أسبق وألصق وليس بينك وبينه جدار ولا أحجار ولا حائل ومع الأسف الشديد أن الأذية لهما لا تفتر على مر الساعات ولكن مقل ومكثر. شِعْرًا: ... وَوَكَّلَ الله مِنَ الْكِرَامِ ... اثْنَيْنِ حَافِظِينَ لِلأَنَامِ فَيَكْتُبَانِ كُلَّ أَفْعَالِ الْوَرَى ... كَمَا أَنِّي بِالنَّصِّ مِنْ غَيْرِ امْتِرَا

стр. 3714

قال بعضهم: تَنَكَّر مَنْ كُنَّا نُسَر بِقُرْ بِهِ ... وَصَارَ زُعَافًا بَعْدَ مَا كَان سَلْسَلا وَحُقَّ لِجَارٍ لَمْ يُوَافِقْهُ جَارَهُ ... وَلا لا أَمَتْهُ الدّرُ أنْ يتحَوَّلا آخر: ... كُنْ لَيِّنًا لِلْجَارِ وَأحْفَظْ حَقَّهُ ... كَرَمًا ولا تَكُ لِلْمُجَاوِرِ عَقْرَبا وَأحْفَظْ أَمَانَتَهُ وكُنْ عِزًا لَهُ ... أَبَدًا وَعَمَّا سَاءهُ فَتَجَنَّبَا علامة صحة الإرادة أن يكون همُّ المريد رضاءَ ربه واستعداده للقائه وحزنه على وقت في غير مرضاة ربه وأسفه على قربه والأنس به وجماع ذلك أن يصبح ويمسي وليس له هم غيره. وَقَالَ: أعظم الإضاعات هما أصل كل إضاعة القلب وإضاعة الوقت، فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة وإضاعة الوقت من طويل الأمل. فاجتمع الفساد كله في أتباع الهوى وطول الأمل والصلاح كله في أتباع الهدى والاستعداد للقاء الله والله المستعان. الناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين وليس لهم حظٌ عن رحالهم إلا في الجنة أو النار والعاقل يعلم أن السفر مبني على المشقة وركوب الأخطار. ومن المحال عادة أن يطلب فيها نعيم ولذة وراحة إنما ذلك بعد انتهاء السفر ومن المعلوم أن كل وطأة قدم أو كل آن من آنات السفر غير واقفة ولا المكلف واقف. وقد ثبت أنه مسافر على الحال التي يجب أن يكون المسافر عليها من تهيئة الزاد الموصل وإذا نزل أو نام أو استراح فعلى قدم الاستعداد للسير. حُكْمُ الْمَنِيَّةِ فِي الْبَرِيَّةِ جَارِ ... مَا هَذِهِ الدُّنَيا بِدَارِ قَرَارِ جُبلَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنَتَ تُرِيْدُهَا ... صَفْوًا مِنْ الأقْذَارِ والأكْدَارِ فاقْضُوا مَآرِبَكُمْ عِجَالاً إِنَّمَا ... أَعْمَارُكُمْ سَفَرٌ مِنْ الأسْفَارِ

стр. 3715

قال بعض العلماء: يا إخواني اجتهدوا في العمل فإن يكن الأمر كما نرجوا من رحمة الله وعفوه كانت لنا درجات في الجنة وإن يكن الأمر شديداً كما نخاف ونحاذر لم نقل ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ نقول قد عملنا فلم ينفعنا. وَقَالَ رجل لمُحَمَّد بن المنكدر الجد الْجد والحذر الحذر فإن يكن الأمر على ما ترجون كان ما قدمتم فضلاً وإن يكن الأمر على غير ذلك لم تلوموا أنفسكم. وَقَالَ بعضهم لبعض الفقراء مرة وقد رأى عليه أثر الجوع والضر: لم لا تسأل ليعطوك، قَالَ أخاف أن أسالهم فيمنعوني فلا يفلحوا، وقد بلغني عن النبي أنه قَالَ: «لو صدق السائل ما أفلح من منعه» . المراحل التي يمر بها الخلق ستة: السفر الأول سفر السلالة من الطين. السفر الثاني سفر النطفة من الظهر إلى الباطن. السفر الثالث من البطن إلى الدنيا. السفر الرابع من الدنيا إلى القبور. السفر الخامس من القبور إلى العرض للحساب. السفر السادس من العرض إلى منزل الإقامة. وقد قطعنا نصف السفر نسأل الله الإعانة والسداد والله أعلم وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وآلِهِ وصحبه وَسَلَّمَ شِعْرًا: حَيَاتُكَ فِي الدُّنْيَا قَلِيلٌ بَقَاؤُهَا وَدُنْيَاكَ يَا هَذَا شَدِيدٌ عَنَاؤُهَا ولا خَيْرَ فِيهَا غَيْرَ زَادٍ مِنَ التُّقَى يُنَال بِهِ جَنَّاتُ عَدْنٍ وَمَاؤُهَا
следующие страницы →