Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
رأى أهل هذا الزمن الَّذِي كثرت فيه المعاصي والملاهي وانفتحت فيه الدنيا على كثير من الناس فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن عجيب ما رأيت أنا أن أحدنا إذا ناداه أمير أو وزير أو مساعد أو مدير يبادر ويقوم بسرعة لداعي الدنيا ولا يتأخر ويسمع داعي الله يدعوه إلى الصلاة التي هي الصلة بينه وبين ربه جل وعلا وتقدس فيتثاقل ولا يهتم لها وإن قام بعد التريث فكأنه مكره يدفع إليها دفعا عكس ما عليه السلف الصالح من المبادرة والمرابطة وترك الأعمال فوراً عند ما يسمعون (حي على الصلاة حي على الفلاح) وكثير من المساجد عندهم تجد الصف الأول يتم قبل الأذان وقد ازداد الطين بلة بما حدث عندنا من المنكرات قتالة الأوقات، مفرقة النفوس والأبدان، ومشتت القلوب، وذلك كالتلفزيون والمذياع والفيديو والجرائد والمجلات ومخالطة المنحرفين والفاسقين والمنافقين والكافرين والمجرمين أبعدهم الله.
سَيْرُ الْمَنَايَا إِلَى أَعْمَارِنَا خَبَبُ ... فَمَا تَبِينُ وَلا يَعْتَاقُهَا نَصَبُ
كَيْفَ النَّجَاءُ وَأَيْدِيهَات مُصَمِّمَتٌ ... بِذَبْحِنَا بِمُدِيَّ لَيْسَتَ لَهَا نَصَبُ
وَهَلْ يُؤَمِّلُ نَيْلَ الشَّمْلِ مُلْتَئِمًا ... سَفَرٌ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ رِحْلَةٍ عَجَبُ
وَمَا إِقَامَتُنَا فِي مَنْزِلٍ هَتَفَتْ ... فِيهِ بِنَا مُذْ سَكَنَّا رَبْعَهُ نُوَبُ
وَآذَنْتَنَا وَقَدْ تَمَّتْ عِمَارَتُهُ ... بِأَنَّهُ عَنْ قَرِيبٍ دَاثِرٌ خَرِبُ
أَزْرَتْ بِنَا هَذِهِ الدُّنْيَا فَمَا أَمَلٌ ... إِلا لِرَيْبِ الْمَنَايَا عِنْدَهُ أَرَبُ
هَذَا وَلَيْسَتْ سِهَامُ الْمَوْتِ طَائِشَةٌ ... وَهَلْ تَطِيشُ سِهَامٌ كُلَّهُ نَصَبُ
وَنَحْنُ أَغْرَاضُ أَنْوَاعِ الْبَلأ بِهَا ... قَبْلَ الْمَمَاتِ فَمَرْمِيٌ وَمُرْتَقِبُ
أَيْنَ الَّذِينَ تَنَاهَوْا فِي إِبْتِنَائِهِمُوا ... صَاحَتْ بِهِمْ نَائِبَاتُ الدَّهْرِ فَانْقَلَبُوا
قَالَ ابن القيم ﵀ كل آفة تدخل على العبد فسببها ضياع القلب
стр. 3712
وفساد القلب يعود بضياع حقه من الله تعالى ونقصان درجته ومنزلته عنده.
ولهذا أوصى بعض الشيوخ فَقَالَ احذروا مخالطة من تضيع مخالطته الوقت وتفسد القلب فإن ضاع الوقت وفسد القلب انفرطت على العبد أموره كلها وكان ممن قَالَ الله فيه ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ .
ومن تأمل حال هذا الخلق وجدهم كلهم إلا أقل القليل ممن غفلت قلوبهم عن ذكر الله تعالى الَّذِي به تحيا القلوب وتطمئن واتبعوا أهواءهم وصارت أمورهم ومصالحهم فرطا أي فرطوا فيما ينفعهم ويعود عليهم بمصالحهم، واشتغلوا بما لا ينفعهم بل بما يعود بضررهم عاجلاً وآجلاً.
وهؤلاء قد أمر الله سبحانه رسوله ألا يطيعهم فطاعة الرسول لا تتم إلا بعدم طاعة هؤلاء لأنهم إنما يدعون إلى ما يشاكلهم من أتباع الهوى والغفلة عن ذكر الله.
والغفلة عن ذكر الله والدار الآخرة متى تزوجت بأتباع الهوى تولد بينهما كل شر وكثيراً ما يقترن أحدهما بالآخر ولا يفارقه.
ومن تأمل فساد أحوال العالم عموماً وخصوصاً وجده ناشئاً عن هذين الأصلين فالغفلة تحول بين العبد وبين تصور الحق ومعرفته والعلم به فيكون بذلك من الضالين، وأتباع الهوى يصده عن قصد الحق وإرادته وأتباعه، فيكون من المغضوب عليهم.
وأما المنعم عليهم فهم الَّذِينَ من الله تعالى عليهم بمعرفة الحق علماً وبالانقياد إليه وإيثاره عما سواه عملاً وهؤلاء هم الَّذِينَ على سبيل النجاة ومن سواهم على سبيل الهلاك.
ولهذا أمرنا الله أن نقول كل يوم وليلة عدة مرات ﴿اهدِنَا
стр. 3713
الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ .
فإن العبد مضطر إلى أن يكون عارفاً بما ينفعه في معاشه ومعاده وأن يكون مؤثراً مريداً لما ينفعه مجتنباً لما يضره فبمجموع هذين قد هدى إلى الصراط المستقيم فإن معرفه ذلك سلك سبيل الضالين.
وإن فاته قصده وأتباعه سلك سبيل المغضوب عليهم وبهذا تعرف قدر هذا الدعاء العظيم وشدت الحاجة إليه سعادة الدنيا والآخرة عليه.
وَقَالَ آخر حافظ على الأوقات فإن الوقت رأس المال ولا تضيعها بالفراغ وأملأها بالإفادة أو الاستفادة أو بهما جميعاً واعرف ما يذهب به ليلك ونهارُك وجدد توبتك في كل وقت.
وقسم وقتك ثلاثة قسم لطلب العلم وقسم للعمل الَّذِي تستعين به على مصالح دنياك وآخرتك وقسم لحقوق نفسك وما يلزمك واعتبر بمن مضى وتفكر في منصرف الفريقين بين يدي الله جل وعلا وتقدس فريق في الجنة وفريق في السعير.
واستحضر قرب الله منك كما في الحديث فإن لم تكن تراه فإنه يراك وأكرم الكتبة الحافظين فقد أوصى رسول الله بالجار من الناس الَّذِي بينك وبينه جدار وأحجار فكيف بالجار الكريم الَّذِينَ قَالَ الله فيهم ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ وَقَالَ جل وعلا وتقدس ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ .
فرعاية جواره أحق وإكرام قربه أوجب لأنه أسبق وألصق وليس بينك وبينه جدار ولا أحجار ولا حائل ومع الأسف الشديد أن الأذية لهما لا تفتر على مر الساعات ولكن مقل ومكثر.
شِعْرًا: ... وَوَكَّلَ الله مِنَ الْكِرَامِ ... اثْنَيْنِ حَافِظِينَ لِلأَنَامِ
فَيَكْتُبَانِ كُلَّ أَفْعَالِ الْوَرَى ... كَمَا أَنِّي بِالنَّصِّ مِنْ غَيْرِ امْتِرَا
стр. 3714
قال بعضهم:
تَنَكَّر مَنْ كُنَّا نُسَر بِقُرْ بِهِ ... وَصَارَ زُعَافًا بَعْدَ مَا كَان سَلْسَلا
وَحُقَّ لِجَارٍ لَمْ يُوَافِقْهُ جَارَهُ ... وَلا لا أَمَتْهُ الدّرُ أنْ يتحَوَّلا
آخر: ... كُنْ لَيِّنًا لِلْجَارِ وَأحْفَظْ حَقَّهُ ... كَرَمًا ولا تَكُ لِلْمُجَاوِرِ عَقْرَبا
وَأحْفَظْ أَمَانَتَهُ وكُنْ عِزًا لَهُ ... أَبَدًا وَعَمَّا سَاءهُ فَتَجَنَّبَا
علامة صحة الإرادة أن يكون همُّ المريد رضاءَ ربه واستعداده للقائه وحزنه على وقت في غير مرضاة ربه وأسفه على قربه والأنس به وجماع ذلك أن يصبح ويمسي وليس له هم غيره.
وَقَالَ: أعظم الإضاعات هما أصل كل إضاعة القلب وإضاعة الوقت، فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة وإضاعة الوقت من طويل الأمل.
فاجتمع الفساد كله في أتباع الهوى وطول الأمل والصلاح كله في أتباع الهدى والاستعداد للقاء الله والله المستعان.
الناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين وليس لهم حظٌ عن رحالهم إلا في الجنة أو النار والعاقل يعلم أن السفر مبني على المشقة وركوب الأخطار.
ومن المحال عادة أن يطلب فيها نعيم ولذة وراحة إنما ذلك بعد انتهاء السفر ومن المعلوم أن كل وطأة قدم أو كل آن من آنات السفر غير واقفة ولا المكلف واقف. وقد ثبت أنه مسافر على الحال التي يجب أن يكون المسافر عليها من تهيئة الزاد الموصل وإذا نزل أو نام أو استراح فعلى قدم الاستعداد للسير.
حُكْمُ الْمَنِيَّةِ فِي الْبَرِيَّةِ جَارِ ... مَا هَذِهِ الدُّنَيا بِدَارِ قَرَارِ
جُبلَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنَتَ تُرِيْدُهَا ... صَفْوًا مِنْ الأقْذَارِ والأكْدَارِ
فاقْضُوا مَآرِبَكُمْ عِجَالاً إِنَّمَا ... أَعْمَارُكُمْ سَفَرٌ مِنْ الأسْفَارِ
стр. 3715
قال بعض العلماء: يا إخواني اجتهدوا في العمل فإن يكن الأمر كما نرجوا من رحمة الله وعفوه كانت لنا درجات في الجنة وإن يكن الأمر شديداً كما نخاف ونحاذر لم نقل ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ نقول قد عملنا فلم ينفعنا.
وَقَالَ رجل لمُحَمَّد بن المنكدر الجد الْجد والحذر الحذر فإن يكن الأمر على ما ترجون كان ما قدمتم فضلاً وإن يكن الأمر على غير ذلك لم تلوموا أنفسكم.
وَقَالَ بعضهم لبعض الفقراء مرة وقد رأى عليه أثر الجوع والضر: لم لا تسأل ليعطوك، قَالَ أخاف أن أسالهم فيمنعوني فلا يفلحوا، وقد بلغني عن النبي أنه قَالَ: «لو صدق السائل ما أفلح من منعه» .
المراحل التي يمر بها الخلق ستة:
السفر الأول سفر السلالة من الطين.
السفر الثاني سفر النطفة من الظهر إلى الباطن.
السفر الثالث من البطن إلى الدنيا.
السفر الرابع من الدنيا إلى القبور.
السفر الخامس من القبور إلى العرض للحساب.
السفر السادس من العرض إلى منزل الإقامة.
وقد قطعنا نصف السفر نسأل الله الإعانة والسداد والله أعلم وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وآلِهِ وصحبه وَسَلَّمَ
شِعْرًا:
حَيَاتُكَ فِي الدُّنْيَا قَلِيلٌ بَقَاؤُهَا
وَدُنْيَاكَ يَا هَذَا شَدِيدٌ عَنَاؤُهَا
ولا خَيْرَ فِيهَا غَيْرَ زَادٍ مِنَ التُّقَى
يُنَال بِهِ جَنَّاتُ عَدْنٍ وَمَاؤُهَا
стр. 3716
بَلَى إنَّهَا لِلْمُؤْمِنِينَ مَطِيِّةٌ
عَلَيْهَا بُلُوغُ الْخَيْرِ والشَّرُ دَاؤُهَا
وَمَنْ يَزْرَع التَّقْوَى بِهَا سَوْف يَجْتَنِي
ثِمَارًا مِنَ الفِرْدَوْسِ طَابَ جَنَاؤُهَا
نُؤَمِلُ أنْ نَبْقَى بِهَا غَيْرَ أنَّنَا
عَلَى ثِقةٍ أنَّ الْمَمَاتَ انْتِهَاؤُهَا
فَكُنْ أيُهَا الإنْسَانُ في الْخيْرِ رَاغِبًا
يَلُوحُ مِنَ الطَّاعَاتِ فِيكَ بَهَاؤْهَا
وَجَانِبْ سَبِيلَ الْغَيَ واتْرُكْ مَعَاصِيًا
يُذِيبُكَ مِنَ نَارِ الْجَحِيمِ لَظَاؤُهَا
فَلا بُدَّ يَوْمًا أنْ تَمُوتَ بِمَشْهَدٍ
يُسَاعِدُ مِنْ نَاحَتْ عَلَيْكَ بُكَاؤُهَا
وَتَنْزِلُ قَبْرًا لا أَبَالَكَ مُوحِشًا
تَكُونُ ثَرَى أُمٍ عَلَيْكَ ثَرَاؤُهَا
وَتَبْقَى بِهِ ثَاوٍ إلَى الْحَشْرِ والْجَزَاء
وَنَفْسُكَ يَبْدُو في الْحِسَابِ جَزَاؤُهَا
فَإمَا تَكُونَ النَّفْسُ ثَمَّ سَعِيْدَةٌ
فَطُوبَى وإلا فالضَّرِيعُ غِذَاؤُهَا
يُسَاقُ جَمِيعُ النَّاسِ في مَوْقِفْ القَضَا
وَتُنْشَرُ أَعْمَالٌ يَبِينُ وَبَاؤُهَا
هُنَالِكَ تَبْدُو لِلْعْبَادِ صَحَائِفٌ
стр. 3717
.. فَتُوضَعُ في الْمِيزَانِ والذَّنْبُ دَاؤُهَا
وَكَمْ مِنْ ذَلِيلٍ آخِذٍ بِشِمَالِهِ
صَحِيْفَتَهُ السَّوْدَا الشَّدِيدُ بَلاؤُهَا
وآخِرُ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةَ أَخِذٌ
صَحِيفَتَهُ الْبَيْضَاءَ طَابَ لِقَاؤُهَا
اللَّهُمَّ يا حي يا ذا الجلال والإكرام يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، أجمع بيننا وبين الصدق والنية الصالحة، والإخلاص والخشوع والمراقبة، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فصل) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ خمس من كن فيه سعد في الدنيا والآخرة، أولها أن يذكر لا إله إلا الله محمداً رسول الله وقتاً بعد وقت.
وإذا أبتلى ببلية قَالَ إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإذا أعطي نعمةً قَالَ الحمد لله رب العالمين شكراً للنعمة.
وعن سفيان الثوري أنه قَالَ اختار الفقراء خمساً واختار الأغنياء خمساً اختار الفقراء راحة النفس، وفراغ القلب، وعبودية الرب، وخفة الحساب والدرجة العليا،
وإذا ابتدأ في شيء قَالَ بسم الله الرحمن الرحيم
وإذا أفرط منه ذبناً قَالَ استغفر الله العظيم وأتوب إليه.
واختار الأغنياء تعب النفس وشغل القلب وعبودية الدنيا وشدة الحساب والدرجة السفلي
شِعْرًا: ... يَا سَاكِنَ الدُّنْيَا تَأَهَّبْ ... وانْتَظِرْ يَوْمَ الْفِرَاقْ
وأعِدَّ زَادًا لِلْرَّحِيلِ ... فَسَوفَ يُحْدَى بالرِّفَاقْ
وابِكَ الذُّنُوبَ بِأَدْمُعِ ... تَنْهَلُ مِن سُحْبِ الْمَآقْ
يا مَنْ أضَاعَ زَمَانَهُ ... أرَضِيتَ مَا يَفْنَي بِبَاقْ
آخر: ... ألَيْسَ إلَى الآجَالِ نَهْوىَ وَخَلْفَنَا ... مِن الْمَوتِ حَادٍ لا يُغِبُّ عَجُوْلُ
стр. 3718
.. وَمَنْ نَظَرَ الدُّنْيَا بِعَينٍ حَقِيْقَةً ... تَيَقَنَ أنَّ الْعَسْشَ سَوْفَ يَزُوْلُ
وَمَا هَذِهِ الأيَّامُ إِلا فَوَارِسٌ ... تُطَارِدُنَا وَالنَّائِبَاتُ خُيُولُ
وَقَالَ بعضهم العجلة تحسن في تجهيز الميت، وتزويج البنت إذا بلغت، وقطف الثمرة إذا استوت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا فرط، وإطعام الضيف إذا نزل.
وَقَالَ عثمان ﵁ إن المؤمن في ستة أنواع من الخوف، أحدها من قبل الله تعالى أن يأخذ منه الإيمان، والثاني من قبل الحفظة أن يكتبوا عليه ما يفتضح به يوم القيامة.
والثالث من قبل الشيطان أن يبطل عمله، والرابع من قبل ملك الموت أن يأخذه في غفلة بغتة، والخامس من قبل الدنيا أن يغتر بها وتشغله عن الآخرة، والسادس من قبل الأهل والعيال أن يشتغل بهم فيشغلونه عن ذكر الله تعالى.
وَقَالَ أيضاً أضيع الأشياء عشرة عالم لا يسأل عنه، وعلم لا يعمل به، ورأي صواب لا يقبل، وسلاح لا يستعمل ومسجد لا يصلى فيه، ومصحف لا يقرأ فيه، ومال لا ينفق منه وخيل لا تركب، وعلم الزهد في بطن من يريد الدنيا، وعمر طويل لا يتزود صاحبه فيه لسفره.
وَقَالَ إبراهيم بن أدهم حين سألوه عن قول الله تعالى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وأنا ندعوه فلم يَسْتجِبْ لنا فَقَالَ ماتت قلوبكم من عشرة أشياء، أولها إنكم عرفتم الله ولم تؤدوه حقه، وقرأتم كتاب الله ولم تعملوا به، وادعيتم عداوة إبليس وواليتموه.
وادعيتم حب الرسول وتركتم أثره وسنته، وادعيتم حب الجنة ولم تعملوا لها، وادعيتم خوف النار ولم تنتهوا عن الذنوب، وادعيتم أن الموت حق ولم تستعدوا له، واشتغلتم بعيوب غيركم وتركتم عيوب أنفسكم ‘ وأكلتم رزق الله ولا تشكرونه.
شِعْرًا: ... قَدْ قَلْتُ لِلْنَفْسِ وَبَالَغْتُ ... وَزِدْتُ في الْعُتْبِ وَأَكْثَرْتُ
يا نَفْسُ قَدْ َقَصَّرتِ ما قَدْ كَفَى ... تَيَّقِظي قدْ قَرُبَ الْوَقْتُ
جُدِّي عَسَى أنْ تُدْرِكي مَا مَضَى ... قدْ سَبَقَ النَّاسُ وخُلِّفْتُ
стр. 3719
.. أَنَا الَّذِي قدْ قُلْتُ دَهْرًا غَدًا ... أَتُوبُ مِنْ ذَنْبِي فَمَا تُبْتُ
لَوْ كُنْتُ ذَا عَقْلٍ لَمَا حَلَّ بِي ... نُحْتُ عَلَى نَفْسِي مَا عِشْتُ
وَاحَسْرَتِي يَوْمَ حِسَابِي إِذَا ... وَقَفْتُ لِلْعَرْضِ وَحُوسِبْتُ
وَاخَجْلَتِي إِنْ قِيلَ لِي قَدْ مَضَى ... وَقْتُكَ تَفْرِيطًا وَوُبِّخْتُ
اللَّهُمَّ تَوَفْنَا مُسْلِمينَ وَألْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحْيِنَ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(موعظة) قَالَ بعضهم: يا أيها الناس اعملوا على مهل وكونوا من الله على وجل ولا تغتروا بالأمل ونسيان الأجل ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدَّارة خدَّاعة، قد تزخرفت لكم بغرورها، وفتنتكم بأمانيها، وتزينت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلية، العيون إليها ناظرة، والقلوب عليها كاكفة، والنفوس لها عاشقة، فكم من عاشق لها قتلت.
ولو كانت الدنيا عروساً وجدتها ... بما قتلت أولادها لا تزوج
وكم مطمئن إليها خذلت فانظر إليها بعين الحقيقة فإنها دار كثير بوائقها وذمها خالقها دار نفاد لا دار إخلاد ودار عبور لا دار حبور ودار فناء لا بقاء ودار انصرام لا دار دوام جديدها يبلى وملكها يفنى وعزيزها يذل وكثيرها يقل ودها يموت وخيرها يفوت.
وقد تطابق على ما ذكر دلالات قواطع النقول وصحاح العقول والطعام وقضى به الحس والعيان حتَّى لم يقبل لوضوحه إلى زيادة في العرفان.
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهارُ إلى دليل ولما كانت الدنيا بهاذه الحال التي ذكرت والعظة التي تقدمت جاء في القرآن الكريم من التحذير عن الاغترار بها والركون إليها والاعتماد عليها ما هو أعرف من أن يذكر وأشهر من أن يشهر.
شِعْرًا: ... يَا مُحِبَّ الدُّنْيَا الْغُرُورِ اغْتِرَارَ ... رَاكِبًا فِي طَلابِهَا الأَخْطَارَا
يَبْتَغِي وَصْلَهَا فَتَأْبَى عَلَيْهِ ... وَتَرَى أَنْسَهُ فَتُبْدِي نِفَارَا
стр. 3720
خَابَ مَنْ يَبْتَغِي الْوِصَال لَدَيْهَا ... جَارَةٌ لَمْ تَزَلْ تُسِيءُ الْجِوَارَا
كَمْ مُحِبٍّ أَرَتْهُ أُنْسًا فَلَمَّا ... حَاوَلَ الزَّوْر صَيَّرَتْهُ ازْوِرَارَا
وكذلك جاءت الأحاديث النبوية والآثار الحكيمة فلهذا كان الأيقاظ من أهلها العلماء العقلاء الزهاد.
العاملون بعلمهم الَّذِينَ لا تأخذهم في الله لومة لائم لم يركنوا إلى الدنيا بل اتخذوها مطية إلى الآخرة.
شِعْرًا: ... إِذَا بَكَيْتُ مَا مَضَى مِنْ زَمَنٍ ... فَحُقِّ لِي أَبْكِي وَمَنْ لِي بِالْبُكَا
مَنْ أَبْصَرَ الدُّنْيَا بِعَيْنِ عَقْلِهِ ... أَدْرَكَ أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَت لِلْبَقَا ِ
مَطِيَّةٌ وَارِدَةٌ إِلَى الرَّدَى ... وَإِنْ تَرَاخَى الْعُمْرُ وَامْتَدَّ الْمَدَى
إِنْ هِيَ أَعْطِيَتْ كَانَتْ هَمًّا حَاضِرًا ... أَوْ مُنِعَتْ كَانَ عَذَابًا وَأَذَى
وَالْمَرْءُ رَهْنُ أَمَلٍ مَا يَنْتَهِي ... حَتَّى يُوَافِي أَجَلاً قَدْ انْتَهَى
بخلاف علماء الألسن الَّذِينَ يلبسون للناس جلود الظأن من اللين وقلوبهم قلوب الذئاب الَّذِينَ يتخللون بألسنتهم كما تتخلل البقرة بلسانها. قَالَ بعضهم وأجاد في وصف الدنيا.
أَلا إِنَّمَا الدُّنْيَا كَجِيفَةِ مَيْتَةٍ ... وَطُلابُهَا مِثْلُ الْكِلابِ الْهَوَامِسِ
وَأَعْظَمُهُمْ ذَمًّا لَهَا وَأَشَدُّهُمْ ... بِهَا شَغَفًا قَوْمٌ طِوَال الْقَلانُسِ
وختاماً فاستيقظوا رحمكم الله من غفلتكم وانتبهوا من رقدتكم فبل أن يقال فلان مريضٌ أو ثقِيلٌ أو مدنفٌ ثقِيل فهل من دليل يدل على الدواء لهذا العليل أو هل إلى الطبيب من سبيل.
فتنقل إلى المستشفى وتدعى لك الأطباء ولا يرجى لك الشفاء ثم يقال فلان أوصى ولماله أحصى ثم يقال قد ثقل لسانه وما يقدر على أن يكلم إخوانه.
وها هو في سكرات الموت لا يعرف من عنده من أولاده وإخوانه وجيرانه
стр. 3721
وعرق عند ذلك جبينك وتتالع أنينك وثبت يقينك وارتفعت جفونك وصدقت ظنونك.
وتلجلج وتحير لسانك وبكى أولادك وإخوانك وقِيلَ لك هذا ابنك فلان وهذا أخوك فلان وهذه أمك وهذا أبوك وبصرك شاخص وعيونك غرقى من الدمع ولا تقدر على الكلام.
فتصور نفسك يا مسكين ملقى على الأرض التي خلقت منها جثة تتصاعد روحك والناس من حولك يبكون ولكن دون جدوى لأن قضاء الله وقدره لا بد أن ينزل بِكَ.
ثم ختم على لسانك فلا ينطق ثم حل بِكَ القضاء وانتزعت نفسك من الأعضاء ثم عرج بها إلى السماء فاجتمع عند ذلك أولادك وإخوانك وأحضرت أكفانك وجيء بالنعش والمغسل.
فجردك من الثياب وغسلك وجيء بالكفن فكفنوك وحنطوك فانقطع عوادك واستراح حسادك وانصرف أهلك إلى مالك وبقيت مرتهنًا بأعمالك فيا لها من رحلة ويا له من قدوم.
شِعْرًا: ... فَمَا تَزَوَّدَ مِمَّا كَانَ يَجْمَعُهُ ... سِوَى حَنُوطٍ غَدَاةَ الْبِين فِي خَرَقِ
وَغَيْرَ نَفْحَةِ أَعْوَادٍ تُشَبُّ لَهُ ... وَقَلَّ ذَلِكَ مِنْ زَادٍ لِمُنْطَلِقِ
هذه قصيدة في مدح النَّبِيُّ ﷺ أزلنا ما فيها من الغلو الَّذِي ما تنبه له وتركنا أيضاً التثبيب الَّذِي في أولها.
أَحْمَدُ الْهَادِي إِلَى سُبُلِ الْهُدَى ... كَمْ بَدَى مِنْهُ لآهْلِ الأَرْضِ نُصْحْ
هَاشِمِيٌّ قُرَشِيٌّ طَاهِرٌ ... حَسنَ الأَخْلاقِ زَاكِي الأَصْلِ سَمْحْ ِ
جَاءَ بِالدِّينِ الْحَنيفِيِّ وَقَدْ ... طَبَّقَ الأَرْضُ مِنَ الإِشْرَاكِ جُنْحْ
فَأَرَى النَّاسَ الْهَادِي بَعْدَ الرَّدى ... فَإِذَا الْحَقُّ تَجَلَّى مِنْهُ صُبْحْ
فَآبى مِنْهُمْ كِلابُ كَيْدُهُمْ ... حِينَ خَافُوا أُسْدَ الإِسْلامِ نَبْحْ ِ
ثُمَّ لَمَّا رَامَ تَمْزِيقَ الدُّجَا ... جَاءَهُ مِنْ فَجْرِ نُورِ اللهِ رُمْحْ
فَاِنْجَلَى الشِّرْكُ وَوَلَّى دُبْرَهُ ... وَعَلَتْ لِلَّذينِ آطَامُ وَصُرْحْ
стр. 3722
وَبَدَتْ أَعْلامُ إِسْلامٍ بِهَا ... صَارَ لِلأَصْنَامِ تَكْسِيرٌ وَطَرْحْ
وَبِهِ الرَّحْمَنُ قَدْ أَنْقَذَنا ... مِنْ لَظَى نَارٍ لأَهْلِ الْكُفرِ تَلْحْ
هُوَ خَيْرُ الْخَلْقِ طُرًّا وَبِهِ ... لِلنَّبِيِّينَ جَرَى خَتْمٌ وَفَتْحْ
فَاقَ فِي حِلْمٍ وَحُكْمٍ وَحِجِيِّ ... زَانَهُ صِدْقُ وَصَبْرُ ثُمَّ صَفْحْ
عَزْمُهُ مَاضٍِ وَأَمَّا عِلْمِهِ ... فَهُوَ كَالْبَحْرِ فَلا يُزْرِيهِ نَزْحْ
فَهُوَ فِي يَوْم الْوَغى لَيْثُ عِدِيِّ ... وَهُوَ فِي يَوْمَ النَّدَى غَيْثٌ يَسِحْ
كَفُّهُ عَارِضُ جُودٍ هَاطِلُ ... جَادَ بِالِجُودِ فَلا يَعْرُوهُ شُحْ
وَإِذَا مَا ثَارَ نَفْعُ وَعَدَتْ ... عَادِيَاتُ وَبَدَا مِنْهُنَّ ضَبْحْ
وَلْتَقَى الْبِيضُ وَأَطْرَافُ الْقَنَا ... فِي مَجَالٍ وَحَمَى لِلْبَلِّ نَضْحْ
لَمْ يَكُنْ كَيْدُ الْعِدَى هَائِلُهُ ... أَيَهُولُ الضَّيْغَمَ الْمِقْدَامَ سَرْحْ
كَمْ لَهُ مِنْ مَوْطِنٍ فِيهِ ارْتَوَى ... مِنْ دِمَا أَعْدَائِهِ سَيْفٌ وَرَمْحْ
كُلّ مَنْ حَارَبَهُ دَانَ لَهُ ... بَعْدَ أَنْ يُثْخِنَهُ قَتْلٌ وَجَرْحْ
حَرْبُهُ نَارٌ عَلَى أَعْدَائِهِ ... فَنَجَا مَنْ هُوَ لِلْمُخْتَارِ صُلْحْ
جَاءَهُ الْكُفَّارُ فِي أَحْزَابِهِمْ ... لِيُزِيلُوا شِرْعَةَ الْحَقِّ وَيَمْحْ
فَتَوَلَّوْا هَرَبًا بَلْ خُيَّبَا ... مَا شَفُوا غَيْظًا وَمَا لِلزِّنْدِ قَدحْ
غَنَمٌ بِالنَّطْحِ صَالَتْ وَأَبَى ... جَبَلُ الإِسْلامِ أَنْ يُوهيهِ نَطْحْ
وَلَهُ صَحْبٌ لُيُوثٌ هَمَّهُمْ ... لِدَمِ الْكُفَّارِ فِي الْهَيْجَاءِ سَفْحْ
لَمْ يُلاقُوا أَحَدًا إِلا انْثَنَى ... وَتَوَلَّى وَلَهُ فِي الْعَدْوِ جَمْحْ
فَهُمُ الشُّجَعَانُ إِنْ جَاءَ الضِّيَا ... وَهُمْ الرُّهْبَانُ مَهْمَا جَنَّ جُنْحْ
وَهُمُ الْقَوْمِ إِذَا مَا عَبَسَتْ ... وَاكْفَهَرَّتْ أَوْجُهٌ لِلْحَرْبِ كَلْحْ
لا تَرَى فَخْرًا إِذَا نَالُوا وَلا هُمْ ... جَزعًا إِنْ نَالَهُمْ فِي الْحَرْبِ قَرْحْ
стр. 3723
.. كَمْ سَقُوا حِزْب الْعِدَى كَأْسَ الرَّدَى ... وَهُوَ فِي الذُّوقِ مِنْ الْعَلْقَمِ صَرْحْ
فَهُمُ الأَنْصَارُ لِلدِّينِ لَهُمْ ... أَبَدًا فِي نُصْرَةِ الإِسْلامِ كَدْحْ
بَذَلُوا الأَنْفُسَ وَالأَنْفُسُ مِنْ ... مَا لَهُمْ للهِ مَا ظَنُّوا وَشَحُّوا
حَسْبُهُمْ مِنْ مَالِهِمْ سَابِغَة ... وَجَوَاد ثُمَّ صَمْصَامٌ وَسَمْحْ
فَاغْفِرْ اللَّهُمَّ ذَنْبِي كُلَّهُ ... وَاسْتُرْ الْعَيْبَ فَلا يُبْدِيهِ فَضْحْ
وَأَجِبْ رَبِّي دُعَائِي إِنَّهُ ... لِقَضَاءِ الْحَاجِ مِفْتَاحٌ وَنَجْحْ
وَأَتِمَّ الْحَمْدَ للهِ عَلَى ... فَضْلِهِ وَالْفَضْلُ مِنْ ذِي الْعَرْشِ مَنْحْ
وَصَلَوَاتُ اللهِ مَعْ تَسْلِيمِهِ ... مَا جَرَى فَلْكٌ لَهُ فِي الْبَحْرِ سَبْحْ
أَبَدًا يَهْدِي إِلَى خَيْرِ الْوَرَى ... مَنْ لَهُ فِي كُتُبِ الرَّحْمَنِ مَدْحْ
أَحْمَدُ وَالآلُ وَالصَّحْبُ وَمَنْ ... لَهُمْ يَقْفُوا عَلَى الأَثْرِ وَيَنْحُوا
مَا حَدَى بِالْعِيسِ حَادِيهَا وَمَا ... أَطْرَبَ السَّمْعَ مِنَ السَّاجِعِ صَدْحْ
اللَّهُمَّ وقفنا للاستعداد لما أمامنا وأهدنا سبيل الرشاد ووفقنا للعمل صدح ليوم المعاد وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(موعظة)
قَالَ الله جل ذكره ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَقَالَ جل وعلا ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ وَقَالَ عز من قائل ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ وَقَالَ ﵎ ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ . وَقَالَ تعالى ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ وَقَالَ جل وعلا ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ﴾ وَقَالَ جل وعلا وتقدس ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾ . وكان النَّبِيُّ يتخول أصحابه بالموعظة فالوعظ والتذكير فريضتان واجبتان ماضيتان على أهلهما بكتاب الله وسنة رسوله.
وقد أمر الله الموعظين بالاستماع والإصغاء للموعظة لما فيها من المنافع العظيمة.
стр. 3724
فعلى كل إنسان مهما جل قدره وعظم خطره أن يحرص ويجتهد على استماع الموعظة وقبول النصيحة لأنه إذا فعل ذلك فاز بقسطه الأوفر وحظه الأجزل واستحق من الله البشرى في العاجل والثواب في الآجل ومن عقلاء خلقه الثناء الحسن والمدح والإكرام والدعاء.
فإن الله جل ذكره يقول ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ثم قَالَ ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ .
وقد شبه الله الكفرة المعرضين عن القرآن الَّذِي هو مشتمل على التذكرة الكبري والموعظة العظمي بالحمر قَالَ تعالى ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ فليحذر المسلم أن يتشبه بهم ويعرض عن الموعظة.
وقد جعل الله جل ذكره الخير في الاعتبار والاعتبار بالتفكير وحث عليه في عدة مواضع من كتابه قَالَ تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ .
وَقَالَ جلا وعلا ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وَقَالَ جل وعلا وتقدس ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
وَقَالَ عز من قائل ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ وَقَالَ جل وعلا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
فمن قريب ما يجب أن يفكر فيه اللبيب ويتدبره أن يتذكر أحوال الأمم والقرون الماضية والملوك الأولين الَّذِينَ كانوا من أشد خلق الله وأكثر جمعا وأبين آثاراً وأطول أعماراً بنوا المدائن وجمعوا الخزائن وحفروا الأنهار وعمروا الديار وشيدوا القصور.
ودبروا الأمور وجمعوا الجموع وقادوا الجيوش وساقوا الخيول ودوخوا البلاد وأذلوا العباد ومشوا في الأرض مرحاً واختالوا بما أوتوا فرحاً فأخذهم الله بما كانوا يكسبون لله.
стр. 3725
فأصبحوا بعد العز والمنعة والملك والرفعة والصوت والسطوة والذكر والصولة عظامًا رميمًا ورفاتًا هشيمًا وأصبحت منازلهم خاوية وقصورهم خالية وأجسادهم بالية وأصواتهم هادئة.
تخبرك آثارهم معاينة وتقرع سمعك أخبارهم مجاهرة فلم يصحبهم من الدنيا ما جمعوا ولم يدفع عنهم الردى ما كسبوا ولعلهم ندموا حيث لم تنفعهم الندامة وتلهفوا حيث لا يغني عنهم التلهف شيئاً.
وإن الباقي عما قليل كالفاني والغابر عما قليل كالماضي وما بينهما إلا أنفاس معلومة وأيام معدودة سريعة الانقضاء قريبة الانتهاء.
فليحذر المغتر بملكه والمتمتع بعزة هذه الصرعة وليستعد لهذه الوجبة والينته لهذه الموعظة فإن الله جعلها في أوائل مواعظه.
وكررها في مواضع من كتابه حيث جل وعلا وتقدس يقول ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ .
وَقَالَ تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
وَقَالَ جل وعلا وتقدس ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ .
وعد جل وعلا كثيراً منهم في كتابه ووصفهم وسماهم في خطابه حيث يقول ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبِكَ بِعَادٍ* إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ* وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبِكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبِكَ لَبِالْمِرْصَادِ *﴾ .
стр. 3726
وَقَالَ: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾ . هذا خبر أصدق القائلين وهذا قول حق وقد جعل الله بكل ما شوهد في أيامه وعوين في زمانه ممن رفعوا ثم وضعوا وعلوا ثم صرعوا ودارت عليهم الدوائر ونابتهم النوائب ما في بعضه مقنع لمعتبر وبلاغ لمدكر.
قَالُوا وأشرف أبو الدرداء صاحب رَسُولِ اللهُ ﷺ على أهل حمص فَقَالَ يا أهل حمص أتبنون ما لا تسكنون وتأملون ما لا تدركون وتجمعون ما لا تأكلون.
إن من كان قبلكم بنوا شديدا وأملوا بعيدا وجمعوا كثيرا فأصبحت اليوم مساكنهم قبورا وأملهم غزورا وجمعهم بورا.
وقد قَالَ أحد فصحاء الملوك في خطبته: ألم تروا مصارع من كان قبلكم كيف استدرجتهم الدنيا بزخارفها ونفتهم ثم تركتهم وقد تخلت عنهم فهم في حيرة وظلمة مدلهمة تركوا الآهلين والأولاد والعيال والأموال.
مساكنم القبور وقد خلت منهم الدور وتقطعت منهم الأوصال والصدور وصاروا ترابا باليا وكان الله لهم ناهيا قَالَ تعالى ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ .
(موعظة)
عباد الله سرور المؤمنين يعتبرون القناطر ويأمنون العواثر فذلك يوم عيدهم ومادوا في دار الغرور فلا غبطة ولا سرور.
وأي سرور لمن الموت معقود بناصيته والذنوب راسخة في آنيته والنفس تقوده إلى هواها والدنيا تتزين في عينه بمشتهاها.
والشيطان مستبطن فقار ظهره لا يفتر عن الوسوسة في صدره ونفسه وماله بعرضه للحوادث ولا يدرى في كل نفس ما عليه حادث.
شِعْرًا: ... فِعَالِي قَبِيحٌ وَظَنِّي حَسَنٌ ... وَرَبِّي غَفُورٌ كَثِيرُ الْمِنَنْ
стр. 3727
.. تُبَارِزْ مَوْلاكَ يَا مَنْ عَصَى ... وَتَخْشَى مِنْ الْجَارِ لَمَّا فَطِنْ
رَكِبْتُ الْمَعَاصِي وَشِيبِي مَعِي ... فَوَاللهِ يَا نَفْسُ مَاذَا حَسَنْ
فَقُومِي الدَّيَاجِي لَهُ وَارْغَبِي ... وَقُولِي لَهُ يَا عَظِيمَ الْمَنَنْ
وَقُولِي لَهُ يَا عَظِيمَ الرَّجَا ... إِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْفُ عَنِّي فَمَنْ
آخر: ... إِنِّي بُلِيتُ بِأَرْبَعٍ مَا سُلِّطُوا ... إِلا لأَجْلِ شَقَاوَتِي وَعَنَائِي
إِبلَيْسَ وَالدُّنْيَا وَنَفْسِي وَالْهَوَى ... كَيْفَ الْخَلاصُ وَكُلُّهُمْ أَعْدَائِي
ومن ورائه المغير ومسألة منكر ونكير ويتوسد التراب إلى يوم النشور ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يوم لا يبلغ وصف أهواله ولا شرح أحواله ما لا يسع المؤمن به أن يستقر له قرار ولا يخلد إلى هذه الدار ولا يكون له هم في هذه الدنيا إلا التقرب بأنواع القرب واجتناب الفواحش والريب وإقامة الدين الَّذِي في إقامته النجاة وفي تضييعه العطب العظيم.
يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَوْ عَلِمْتَ بِهَوْلِهِ ... لَفَرَرْتَ مِنْ أَهْلٍ وَمِنْ أَوْطَانِ
يَوْمٌ تَشَقَّقَتِ السَّمَاءُ لِهَوْلِهِ ... وَتَشِيبُ مِنْهُ مَفَارِقُ الْوِلْدَانِ
يَوْمٌ عَبُوسٌ قَمْطَرِيرٌ شَرُّهُ ... فِي الْخَلْقِ مُنْتَشِرٌ عَظِيمُ الشَّانِ
يَوْمٌ يَجِيءُ الْمُتَّقُونَ لِرَبِّهِمِ ... وَفْدًا عَلَى نُجُبٍ مِنَ الْعِقيَاتِ
وَيََجِيءُ فِيهِ الْمُجْرِمُونَ إِلَى لَظَى ... يَتَلَمَّظُونَ تَلَمُّظَ الْعَطْشَانِ
وَالْجَنَّةُ الْعُلْيَا وَنَارُ جَهَنَّمِ ... دَارَانِ لِلْخَصْمَيْنِ دَائِمَتَانِ
اللَّهُمَّ أتمم علينا نعمتك الوافية وارزقنا الإخلاص في أعمالنا والصدق في أقوالنا وعد علينا بإصلاح قلوبنا وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فصل)
стр. 3728
كتب بعضهم إلى أخ له فَقَالَ له: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله سبحانه والعمل بما علمك الله تعالى والمراقبة حيث لا يراك إلا الله والاستعداد لما ليس لأحد فيه حيلة ولا ينتفع بالندم عند نزوله.
شِعْرًا: ... تَفُوزُ بِنَا الْمَنُونَ وَتَسْتَبِدُّ ... وَيَأْخُذُنَا الزَّمَانُ وَلا يَرُدُّ
وَأَنْظُرُ مَاضِيًا فِي عَقْبِ مَاضٍ ... لَقَدْ أَيْقَنْتُ أَنَّ الأَمْرَ جِدُّ
رُوَيدًا بِالْفِرَارِ مِنَ الْمَنَايَا ... فَلَيْسَ يَفُوتُهَا السَّارِي الْمُجِدُّ
فاحسر عن رأسك قناع الغافلين وانتبه من رقدة الموتى وشمر للسباق غداً فإن الدنيا ميدان المسابقين ولا تغتر بمن أظهر النسك وتشاغل بالوصف وترك العمل بالموصوف.
واعلم يا أخي أنه لابد لي ولك من المقام بين يدي الله يسألنا عن الدقيق الخفي والجليل الخافي ولست آمن أن يسألني وإياك عن وسوسة الصدور ولحظات العيون والإصغاء للاستماع.
واعلم أنه لا يجزي من العمل القول ولا من البذل العدة ولا من التوقي التلاوم.
قَالَ نافع خرجت مع ابن عمر في بعض نواحي المدينة ومعه أصحابه فوضعوا سفرة لهم فمر بهم راعي فَقَالَ عبد الله بن عمر يا راعي هلم فأصب من هذه السفرة. فَقَالَ إني صائم فَقَالَ عبد الله في مثل هذا اليوم الشديد حره وأنت بين هذه الشعاب في آثار هذه الغنم وبين هذه الجبال ترعى هذه الغنم وأنت صائم. فَقَالَ الراعي أبادر أيامي فعجب ابن عم وَقَالَ هل لك أن تبيعنا شاة من غنمك نجتزرها نطعمك من لحمها ما تفطر عليه ونعطيك ثمنها.
قَالَ إنها ليست لي إنها لمولاي قَالَ فما عسيت أن يقول مولاك إن قلت أكلها الذئب.
فمضى الراعي وهو رافع إصبعه إلى السماء وهو يقول فأين الله قَالَ فلم يزل ابن عمر يقول الراعي فأين الله فما عدا أن قدم المدينة فبعث إلى سيد الراعي فاشترى منه الراعي والغنم فأعتق الراعي ووهب له الغنم. ودعا قوم رجلاً إلى طعامٍ في يوم قائظ حره فَقَالَ إني صائم فقَالُوا أوفي مثل هذا اليوم قَالَ أفاغبن أيامي.
стр. 3729
ونزل روح بن زنباع منزلاً بين مكة والمدينة في يوم صائف وقرب غداءه راع من جبل فَقَالَ يا راع هلم إلى الغداء قَالَ إني صائم.
قَالَ له روح بن زنباع أو تصوم في هذا الحر الشديد قَالَ الراعي أفأدع أيامي تذهب باطلاً فأنشأ روح يقول:
لَقَدْ ضَنَنْتَ بِأَيَّامِكَ يَا رَاعِي ... إِذْ جَادَ بِهَا رَوْحُ بنُ زِنْبَاعِ
ودعا قوم رجلاً إلى طعام فَقَالَ إني صائم فقَالُوا أفطر وصم غداً قال ومن لي بأن أعيش إلى غد.
وري أن الحسن رأى رجلاً متعبداًً فَقَالَ يا عبد الله ما يمنعك من مجالسة الناس قَالَ شغلني عن الناس قَالَ فما منعك أن تأتي الحسن فَقَالَ ما أشغلني عن الحسن قَالَ فما الَّذِي أشغلك عن الحسن.
قَالَ إني أمسي وأصبح بين ذنب ونعمة فرأيت أن أشغل نفسي بالاستغفار للذنب والشكر لله تعالى على النعمة فَقَالَ أنت عندي أفقه من الحسن.
وَقَالَ بعض العلماء حاثاً على شكر الله جل وعلا فَقَالَ إخواني اشكروا الله على ما أنعم عليكم به من الألسن بكثرة التلاوة لكتاب الله وذكره.
فإن فرطتم في ذلك فاستحيوا من الله أن تخوضوا بالألسن في فنون الآثام فقد ورد عن النبي ? أنه قَالَ: «هل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم» .
فالرجل العاقل المستقيم لا يستخدم لسانه إلا في الحق والخير من ذكر الله والثناء عليه وتلاوة كتابه الكريم والنصح لله ولرسوله وللمؤمنين ولأئمة المسلمين وعامتهم ويجتنب الكذب والافتراء والغيبة والنميمة ويجتنب القبيح وتقبيح الحسن والتملق والنفاق والرياء قَالَ ?: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ كل هذه منِ آفاتِ الِلّسَان» .
ألا واشكروا الله على ما أنعم به عليكم من الأنصار بالنظر إلى الحق بالاعتبار شكراً الله على له فإن رغبتم عن ذلك فراقبوا الله أن تنظروا بالأبصار إلى الحرام
стр. 3730
فتغضبوا الله بنعمه كفعل الكثير من الناس فاتقوا الله عباد الله.
إلا فراقبوه واشكروه على ما أنعم به عليكم من السمع بالاستماع إلى القرآن الكريم وكلام سيد المرسلين والمواعظ الحسنة.
فإن ضيعتم ذلك وفرطتم فيه فاستحيوا من الله أن تنصتوا بأسماعكم إلى الهوى والملاهي والأغاني وجميع المنكرات فإنكم عن جميع ذلك مسؤولون.
واشكروا الله على ما أنعم به عليكم من الأيدي ببسطها إلى الخيرات فإن قصرتم عن ذلك فاستحيوا أن تبسطوها إلى الظلم والأذى كفعل كثير من الناس فإن الظلم ظلمات يوم القيامة قَالَ الله جل وعلا وتقدس ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ ألا فاتقوا الله عباد الله واشكروه على ما أنعم به عليكم من الأرجل بالسعي بها إلى الطاعات فإن قصرتم في ذلك فراقبوا الله ولا تسعوا بها إلى الآثام.
فالرجل المستقيم لا يستخدم سمعه وبصره وجميع حواسه ومشاعره إلا فيما أحل الله له وقد جمع الله كثيراً من صفات المؤمنين المستقيمين وعدهم مفلحين مستحقين للخلود في جنات النعيم في قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ قَالَ الله جل وعلا ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فكيف بِكَ والأكبال في الأقدام والأغلال في الأعناق، قَالَ الله جل وعلا ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ .
إلا فاتقوا الله عباد الله واشكروه على ما أنعم به عليكم من الأقوات فلا تتقووا بها على معاصي الله ألا يا عباد الله فاتقوا الله على ما أنعم به عليكم من اللباس وذلك بأن تبلوه في رضى الله فإن قصرتم عن ذلك فاستحيوا أن تبلوا لباسكم في ما يكره الله.
شِعْرًا: ... عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ ... تَجِدْ نَفْعَهَا يَوْمَ الْحِسَابِ الْمُطَوَّلِ
إلاَ إنَّ تَقْوَى اللهِ خَيْرُ بِضَاعَةٍ ... وَأَفْضَلُ زَادِ الضَّاعِنِ الْمُتَحَّمِلِ
стр. 3731
.. وَلاَ خَيْرَ فِي طُولِ الْحَيَاةِ وعَيْشِهَا ... إذَا أنْتَ مِنْهَا بالتُّقى لَمْ تَزَوَّدِ
ألا فاتقوا الله عباد الله واشكروه على ما وهبكم من الأموال وذلك بأن تبلوها في سبيل الله فإن بخلتم عن ذلك فاستحيوا من الله أن تنفقوا ما وهبكم من المال في معاصيه.
واشكروا الله على نعمته العظمى وهو ما أنعم به عليكم من الإيمان به وبكتبه وملائكته ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
واشكروه على ما أنعم به عليكم من العقل بالتفكير والتدبر واعتقاد حسن النية والاعتبار وشدة الخوف والحزن وسلامة الصدر للعامة.
واشكروا الله على ما أنعم به عليكم من العقل بأن تعظموا الله وتجلوه وتستحيوا منه وتهابوه وتتقوه وتطيعوه على حسب ما عقلتم من عظمته وكبريائه وعظيم قدره .
فإن قصرتم في ذلك فراقبوا الله تعالى ولا تكونوا كالَّذِينَ لا يعظمونه ولا يجلونه ولا يهابونه ويستحيون منه ولا يتقونه ولا يطيعونه ولا يقدرونه حق قدره بل يستهينون بكثير من أمره.
فاتقوا الله عباد الله أن تعودوا بعد العلم جهالاً وبعد المعرفة والفهم ظلالاً ويعود العقل والعلم عليكم وبالا.
وهب الله لنا ولكم القيام بطاعته ووفقنا وإياكم شكر نعمه وحسن عبادته إنه جواد كريم رؤوف رحيم وصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(موعظة)
إن العجب كل العجب من إنسان عاقل أخبر أنه سيسلك طريقاً شائكاً وعراً مليئاً بالمخاوف والمزعجات والمهالك وإن عليه أن يتصور هذه المخاوف والمخاطر والمهالك ويتصور آثارها على مستقبله الأبدي والَّذِي أخبره أصدق القائلين وأوفى الواعدين الَّذِي أحاط بكل شيء علماً.
شِعْرًا: ... أَمَا وَاللهِ لَوْ عَرَفَ الأَنَامُ ... لِمَا خُلِقُوا لَمَا غَفَلُوا وَنَامُوا
стр. 3732
لَقَدْ خُلِقُوا لِمَا لَوْ أَبْصَرَتْهُ ... عُيُونُ قُلُوبِهِمْ سَاحُوا وَهَامُوا
مَمَاتٌ ثُمَّ قَبْرٌ ثُمَّ حَشْرٌ ... وَتَوْبِيخٌ وَأَهْوَالٌ عِظَامُ
لِيَوْمِ الْحَشْرِ قَدْ خُلِّقَتْ رِجَالٌ ... فَصَلُّوا مِنْ مَخَافَتِهِ وَصَامُوا
وَنَحْنُ إِذَا أُمِرْنَا أَوْ نُهِينَا ... كَأَهْلِ الْكَهْفِ أَيْقَاظُ نِيَامُ
ومع ذلك تراه غافلاً لا اهتمام له بذلك منصرفاً عن الابتعاد عن هذه المهالك والمزلات الفظيعة ومشتغلاً بالدنايا والأمور التافهة من شؤون الدنيا الملعونة الملعون ما فيها إلا ذكر الله وما ولاه.
وما أصيب الإنسان بمرض أشد من الغفلة الَّذِي ربما تحول إلى جمود وقسوة ثم إلى لجاج وعناد ثم إلى كفر وجحود نسأل الله تعالى العافية.
ومن أكبر الأدلة على حمق الإنسان وغباوته وجهله أنه يكد ويشقى من أجل مستقبل مهما طال فلن يجاوز الثمانين غالباً وإن تجاوزها فهو كالمعدوم ,
ومع هذا فيهمل إهمالاً كلياً أو جزئياً العمل من أجل مستقبل لا نهاية له مستقبل الأبد الخلود فيا لها من خسارة لا عوض لها ولا جبر منها ولا أمل في تلافيها.
فيا الغافل انتبه واستعد لما أمامك وتصوره تصوراً صحيحاً يظهر أثره في جدك واجتهادك فيما يقربِكَ إلى الله لا يفاجئك الأمر وأنت غافل فيفوتك زمن الإمكان وتندم وتتحسر قَالَ تعالى وتقدس ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ .
وَقَالَ الله جل وعلا ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ﴾ وَقَالَ تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وَقَالَ تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾ وَقَالَ تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ الآيات.
إن الَّذِينَ غمر الإيمان قلوبهم واستحوذت معرفتهم على مشاعرهم ووجدانهم هم الَّذِينَ أيقنوا بلقاء ربهم وسماع الحكم منه في مصائرهم، هؤلاء
стр. 3733
هم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقهم الله ينفقون.
الذين قال الله تعالى مخبرًا عنهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ .
﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ الآية ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ الآيتين.
﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ الآيات. هؤلاء هم الذين رعوا للدين حرمته واحترموا آدميتهم وكرامتهم ووفقهم الله جل وعلا فبنو لأنفسهم صروح المجد الخالد والعز الباقي والسعادة الأبدية.
ولا يبعد أن يكون من هؤلاء المذكورين الموصوفين بالصفات الحميدة القائل: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدون عليه بالسيوف. ومنهم الباكي حين حضرته الوفاة القائل: إني لم أبكي جزعًا من الموت حرصًا على الدنيا ولكن أبكي على عدم قضاء وطري من طاعة ربي وقيام الليل أيام الشتاء. ومنهم الباكي عند ما تفوته تكبيرة الإحرام مع الجماعة ومنهم الذي يمرض إذا فاتته الصلاة مع الجماعة. ومنهم القائل: لم أصل الفريضة منفردًا إلا مرتين وكأني لم أصلهما. مع أنه قارب التسعين سنة.
ومنهم من لم تفته صلاة الجماعة أربعين سنة إلا مرة واحدة حين ماتت والدته اشتغل بتجهيزها.
والقائل حين ما قال له رجل: أراك تكثر من حمد الله وشكره مع أنه ابتلاك ببلاءٍ ما ابتلا أحدًا بمثله الجذام في أطرافك وتمزقت الثياب على جسدك ولا زوجة لك ولا ولد لك ولا دار ولا أهل فما شأنك؟ فقال المبتلي:
стр. 3734
شِعْرًا: ... حَمِدْتُ اللهَ رَبِّي إِذْ هَدَانِي ... إِلَى الإِسْلامِ وَالدِّينِ الْحَنِيفِي
فَيَذْكُرُهُ لِسَانِي كُلَّ وَقْتٍ ... وَيَعْرَفُهُ فُؤَادِي بِاللَّطِيفِ
بينما أبو شريح العابد يمشي جلس فتنع بكسائه وجعل يبكي، فقِيلَ ما يبكيك قَالَ تفكرت في ذهاب عمري وقلة عملي واقتراب أجلي.
وكان بعض الموفقين المحاسبين لأنفسهم يكتل الصلوات الخمس في قرطاس ويدع بين كل صلاتين بياضاً.
وكلما ارتكب خطيئة من كلمة غيبة أو استهزاء أو كذب كذبة أو تكلم فيما لا يعنيه أو نظر إلى ما لايحل نظره إليه أو استمع إلى ما لا يحل الاستماع إليه أو أكل مشتبها أو مشي إلى ما لا يحل أو مد يده إلى ما لا يجوز مدها إليه.
ذكره في هذا البياض ليعتبر ذنوبه ويحصيها حسب قدرته لتضيق المحاسبة مجارى الشيطان والنفس الأمارة بالسوء.
ومقام محاسبة النفس يقلل الكلام فيما لا يعني ويحمل الإنسان على تقليل الذنوب وعلى الإكثار من الطاعات لمقابلة ما صدر منه ولكن هذا الطراز يعز وجوده في زماننا هذا.
نقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قَالَ: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا للعرض الأكبر على الله ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ .
فالمحاسبة تكون بضبط الحواس ورعاية الأوقات وإيثار المهمات وحفظ الأنفاس والحرص على أداء العبادات كاملة وبالأخص الصلاة فيكملها بشروطها المذكورة وأركانها وواجباتها وسننها بخشوع وخضوع وطمأنينة وسكون.
والعبد يحتاج إلى السنن الرواتب لتكميل الفرائض ويحتاج إلى النوافل
стр. 3735
لتكمل السنن ويحتاج إلى الآداب لتكمل النوافل ومن الآداب ترك ما يشغل عن الآخرة. ومن الآداب الإكثار من زاد الآخرة من ذكر الله وما والاه.
شِعْرًا: ... عَلَيْكَ بِذِكْرِ اللهِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ ... فَمَا خَابَ عَبْدٌ لِلْمُهَيْمَنِ يَذْكُرُ
قَالَ بعضهم إن الرجل ليشيل عارضاه في الإسلام وما أكمل لله صلاه قِيلَ وكيف ذاك، قَالَ لا يتم خشوعها وتواضعها وإقباله علي الله فيها.
روي عن بعض أهل العلم في قول الله ﷻ ﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ قَالَ القنوت الخشوع في الركوع والسجود وغض البصر وخفض الجناح من رهبة الله .
وكان العلماء إذا قام أحدهم للصلاة هاب أن يلتفت أو يعبث أو يحدث نفسه بشيء من شئون الدنيا إلا ناسياً.
وبلغنا عن بعض أهل العلم أنه قَالَ: ركعتان خفيفتان مقتصدتان في تفكر وتدبر وتفهم لما يقوله ويفعله خير من قيام ليلة والقلب ساه في أودية الدنيا.
فالواجب على الإنسان إذا كان في الصلاة أن يجعلها همه ويقبل عليها مفرغاً قلبه وفكره من كل ما يشتته ليؤديها كاملة مكملة.
فإنه ليس له منها إلا ما عقل منها من معاني الفاتحة وما يقرأ من القرآن ومعاني الركوع والسجود والقيام بين يدي الله ومعاني العبودية والمناجاة ومعاني التحيات والتكبيرات.
فكم بين رجلين أحدهما قد أشعر قلبه عظمة خالقه الَّذِي هو واقف بين يديه فامتلأ قلبه من هيبته وذلت له عنقه واستحى من ربه أن يقبل على غيره أو يلتفت عنه.
وآخر قد انصرف قلبه إلى الدنيا يفكر فيها ملتفتاً يميناً وشمالاً ولا يفهم ما يخاطب به لأن قلبه ليس حاضراً معه فبين صلاتيهما كما قَالَ بعض أهل العلم.
стр. 3736
إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحد وإن ما بينهما في الفصل كما بين السماء والأرض وذلك أن أحدهما مقبل على الله بقلبه والآخر ساه غافل يفكر في البيوع والخصومات والأماني والخسارات قد ذهب قلبه كل مذهب في أودية الدنيا.
وروي أن بعض الصحابة ﵃ كان يصلي في نخل له فشغل بالنظر إلى النخل فسها في صلاته فاستعظم ذلك وَقَالَ أصابني في مالي فتنة فجعل النخيل في الأرض صدقة في سبيل الله فبلغ ثمن النخيل خمسين ألفاً.
فلو أن الواحد منا إذا فاتته الصلاة مع الجماعة تصدق في عشرة فقط لما فاتتنا الصلاة مع الجماعة وهذا علاج من أحسن العلاجات.
وينبغي استعماله عند ما يصدر كذب أو غيبة أو نظر محرم أو سماع محرم أو نحو ذلك مِمَّا يقوله الإنسان أو يفعله عمداً أو سهواً ليتأدب ويستقيم ويقتدي به والله الموفق.
وَحَصِّنْ عَنْ الْفَحْشَا الْجَوَارِحَ كُلَّهَا ... تَكُنْ لَكَ فِي يَوْمِ الْجَزَا خَيْرَ شُهَّدِ
وَخَالِطْ إِذَا خَالَطْتَ كُلَّ مُوَفَّق ... مِنَ الْعُلَمَا أَهْلُ التُّقَى وَالتَّعَبُّدِ
يُفِيدُكَ مِنْ عِلْمٍ وَيَنْهَاكَ عَنْ هَوَى ... فَصَاحِبُهُ تُهْدَى مِنْ هُدَاهُ وَتَرْشُدِ
نصيحة: يسمو قدر الإنسان وتعلو درجته ومنزلته عند الله جل وعلا وعند خلقه بقدر ما يكون له من استقامة وطهارة قلب وسلامة صدر وحب للخير لجميع المسلمين وبعد عن الشر والأذى وتضحية بالنفس والمال في سبيل الله وما يقرب إلى الله وقد امتدح الله إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام على ما وهبه له من سلامة قلب وعزة نفس وصدق عزيمة وقوة إيمان.
قَالَ تعالى لما ذكر نوحاً ﵇ وأثني عليه أعقبه بذكر الخليل فَقَالَ ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
ومن دعاء إبراهيم ﵇ ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
стр. 3737
اللَّهُمَّ مكن محبة القرآن في قلوبنا ووفقنا لتلاوته آناء الليل والنهار اللَّهُمَّ وارزقنا العمل به والدعوة إليه واجعله حجة لنا وقائداً لنا إلى جنتك وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
فَصْلٌ: وسلامة القلب خلوصه من الشرك وقِيلَ هو القلب الصحيح وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض وقِيلَ هو القلب السالم من البدعة المطمئن إلى السنة انتهى.
قلت والَّذِي أرى أن السلامة الكاملة للقلب هي خلوصه من الشرك والشك والنفاق والرياء وخلوه من الكبر والحقد والحسد والعجب والمكر السيئ والغل والخيلاء.
ونقاؤه من الأمراض التي تكدر الصفو وتشتت الشمل وتخل بالأمن وتقطع الروابط والصلات بين المسلمين وتورث الضغائن والأحقاد وتولد العداوة والبغضاء بين المؤمنين.
وكان ? يقول في دعائه «اللَّهُمَّ إني أسألك قلباً سليماً» فالقلب السليم هو السالم من الآفات والمكروهات كلها وهو القلب الَّذِي ليس فيه سوى محبة الله وخشيته وخشية ما يباعد عنه.
وقد اكتفى إبراهيم ﵊ بذكر سلامة القلب لأن القلب إذا صلح صلح الجسد كله كما في الحديث و‘إذا فسد فسد الجسد كله.
ولأن القلوب إذا سلمت سلمت الجوارح اليد واللسان من الأذى والشرور وسلمت أموال الناس وأرواحهم وأعراضهم وقلت الشرور والجرائم والآثام. وقِيلَ إن لقمان كان عبداً حبشياً فدفع إليه سيده شاة وَقَالَ اذبحها وائتني بأطيب مضغتين منها فأتاه بالقلب واللسان ثم بعد أيام أتاه بشاة أخرى.
وَقَالَ له اذبحها وائتني بأخبث مضغتين منها فأتاه بالقلب واللسان فسأله سيده عن ذلك فَقَالَ هما أطيب شئ إذا طابا وأخبث شئ إذا خبثا.
وذكر العلماء أن صلاح القلب:
стр. 3738
(١) في قراءة القرآن بالتدبر والتفكر فيه وفيما صح عن النبي
(٢) في تقليل الأكل.
(٣) قيام الليل وإحياؤه بالعبادة.
(٤) التضرع عند السحر.
(٥) مجالسة الصالحين.
(٦) الصمت عما لا يعني.
(٧) العزلة عن أهل الجهل والسفه ومن فرطت أعمار.
(٨) ترك الخوض مع الناس فيما لا يعني.
(٩) أكل الحلال وهو رأسها فإنه ينور القلب ويصلحه فتزكوا بذلك الجوارح وتدرأ المفاسد وتكثر المصالح فأكل الحرام والمشتبه يصدي القلب ويظلمه ويقسيه وهو من موانع قبول الدعاء.
وقد قِيلَ يخاف على أكل الحرام والشبهةِ أن لا يقبل له عمل ولا يرفع دعاء لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾
روى عن بعض أهل العلم أن الشيطان يقول خصلة من ابن آدم أريدها ثم أخلي بينه وبين ما يريد من العبادة أجعل كسبه من غير حل إن تزوج تزوج من حرام وإن أفطر أفطر على حرام، وإن حج حج من حرام أهـ.
فالحذر الحذر من الحرام في طلب القوت، فقد ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ?: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّباً، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ وَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ويقول: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذلك.
стр. 3739
وروي عن ابن عباس ﵄ قَالَ: تليت هذه الآية عند رسول الله ?: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ .
فَقَامَ سعد بن أبي وقاص ﵁ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فَقَالَ النَّبِيُّ ?: «يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والَّذِي نفس مُحَمَّد بَيّدِهِ إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه عمل أربعين يوماً، وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به» .
رواه الطبراني في الصغير.
وروي عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: مَنِ اشْتَرَى ثَوْباً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَفِيهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلاةً مَادَامَ عَلَيْهِ، قَالَ: ثُمَّ أَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: صُمَّتَا إِنْ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ? سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ رواه أحمد.
شِعْرًا: ... فَإِيَّاكَ إِيَّاكَ الرِّبَا فَلَدِرْهَمُ ... أَشَدُّ عِقَابًا مِنْ زِنَاكَ بِنُهَّدِ
وَتُمْحَقُ أَمْوَالُ الرِّبَاءِ وَإِنْ نَمَتْ ... وَيَرْبُو قَلِيلُ الْحِلِّ فِي صِدْق مَوْعِدِ
وصلى الله على محمد وآله وسلم
(فَصْلٌ)
قَالَ الله جل وعلا وتقدس ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ .
وَقَالَ عز من قائل ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .
وَقَالَ جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ وَقَالَ ﵎: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ .
وَقَالَ جل وعلا ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ .
شِعْرًا: ... يَا نَفْسُ مَا الْوَقْتُ إِلا مَا عَلِمْتِ فَكَمْ ... أَلَسْتَ حَدَّثَتْنِي أَنِّي أَتُوبُ فَلَمْ
стр. 3740
إِيَّاكِ إيَّاكِ مِنْ سَوْفَ فَكَمْ خَدَعَتْ ... وَأَهْلَكَتْ أُمَمَّا مِنْ قَبْلِهَا وَأُمَمُ
تُوبِي يَكُنْ لَكِ عِنْدَ اللهِ جَاهَ تُقَى ... وَقَدِّمِي مِنْ فِعَالِ الصَّالِحِينَ قَدَمُ
يَا رَاقِدٌ لِلْبَلَى حَثّ الْمَشِيبُ بِهِ ... أَلا فَكُنْ خَائِفًا لا تَقْعُدَنْ وَقُمْ
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ? فيما يَرْوِيه عَنْ رَبِّهِ جل وعلا، أَنَّهُ قَالَ: «وَعِزَّتِي وَجَلالِي لا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ: إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ في الآخرة» رواه ابن حبان في صحيحه.
وَقَالَ إذا قشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة البالية ورقُها.
وَقَالَ الحسن ﵁ إن الرجل ليذنب فما ينساه ولا يزال متخوفاً حتَّى يدخل الجنة وَقَالَ ابن جبير الخشية هي أن تخشى الله حتَّى تحول خشيته بيتك وبين معاصيه.
وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ? قَالَ «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمَعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ رَحْمَتِهِ» . رواه مسلم.
وعنه قَالَ: قرأ رسول الله ?: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ ثم قَالَ " «أتدرون ما أخبارها» . قَالُوا: الله ورسوله أعلم قَالَ: «فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا فهذه أخبارها» . رواه الترمذي وَقَالَ: حديث حسن.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ?: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْراً قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ.
وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْساً فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ
стр. 3741
فَيُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْساً قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤُسٌ قَطُّ وَلاَ رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ» .
وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ? خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، فَقَالَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً» . قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ? وُجُوهَهُمْ ولَهُمْ خَنِينٌ. رواه البخاري ومسلم.
عَنْ أبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ? قَالَ: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الأَمَانِي» . رواه الترمذي.
وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ?: «قاربوا وسددوا واعلموا أنه لن ينجوا أحد منكم بعمله» . قَالُوا: ولا أنت يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة وفضل» . رواه مسلم.
فيا عباد الله من خاف الله جل وعلا في دنياه أمنه الله في أخراه ولو آمن الإنسان حقّاً بالله الواحد الأحد الفرد الصمد وجزم بما بعد الحياة من الجنة والنار وما أعد الله لأهلهما إجمالاً وتفصيلاً.
ولو خاف وعيد الله كما يخاف وعيد أحر الأشرار لما اجترأ يوماً أن يتخطى شريعة الله أو ينتهك محارم الله التي حذره من تخطيها بقوله : ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
فاتق الله أيها المسلم وعظ نفسك في كل وقت بما بعده من الشدائد
стр. 3742
والكروب والعقبات وحاسب نفسك على ما تقترفه وتفعله من السيئات واتخذ من تقوى الله ستراً يقيك من غضب الله وعذابه.
فما أسعد من جعل التقوى رأس ماله وما أرشد من راقب الله في جميع أحواله فيا ويح من نسي الآخرة وأجهد نفسه في طلب الدنيا وكان بها جل اشتغاله.
أما وعظه من رحل من أعمامه وأخواله فالعجب ممن أفصحت له العبر وليس عنده سمع ولا بصر أيبكي فاقد الإلف وينسى نفسه أين مضى رفقاؤنا أين ذهب معارفنا وأصدقاؤنا هذه دورهم فيها سواهم وهذا محبهم فقد نسيهم وجفاهم.
فتفكروا إخواني في الراحلين واعتبروا بالسالفين وتأملوا في البصائر حال الدفين وتأهبوا فأنتم في أثر الماضين.
فيا مطلقاً اذكر قيودهم ويا متحركاً قد عرفت همودهم فخلص نفسك من أسر الذنوب وتأهب لخلاصك فإنك مطلوب وتذكر بقلبِكَ يوم تقلب القلوب.
واحذر حسرات الموت عند انقضاء المدة واحذر تسويف الَّذِينَ ذهبوا وما تأهبوا.
فكأني بِكَ أيها الغافل في لهوه ولعبه الرافل في أثواب غيه وطربه السعي في معصية ربه وغضبه فلم يشعر إلا وقد نزل به من الموت أسباب عطبه.
فدبت الأمراض في جسده وأبدل من لذيذ العيش بمر السقم ونكده وانتزعه المنون من ماله وأهله وولده.
فزود من ماله كفنا واعتاظ عن القصور محلة الأموات وطنا يتمنى الرجعة إلى الدنيا ليجتهد في الأعمال الصالحات فيقال له: هَيْهَاتَ هيهات حيل بينك وبين الأعمال النافعات.
ألم يأتك خبر هذا المصير ألم تسمع قول أصدق القائلين: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ فاحذر أن تكون ممن يمتنون الرجعة فلا يقدرون ولا يجابون.
стр. 3743
أنشد رجل من أهل الزهد هذه الأبيات:
وَيَوْمَ تَرَى الشَّمْسَ قَدْ كُوِّرَتْ ... وَفِيهِ تَرَى الأَرْضَ قَدْ زُلْزِلَتْ
وَفِيهِ تَرَى كُلُّ نَفْسٍ غَدًا ... إِذَا حُشِرَ النَّاسُ مَا قَدَّمَتْ
أَتَرْقُدُ عَيْنَاكَ يَا مُذْنِبًا ... وَأَعْمَالُكَ السُّوءُ قَدْ دُوِّنَتْ
فَإِمَّا سَعِيدٌ إِلَى جَنَّةٍ ... وَكَفَّاهُ بِالنُّورِ قَدْ خُضِّبَتْ
وَإِمَّا شَقِيٌّ كُسِيَ وَجْهَهُ ... سَوَادًا وَكَفَّاهُ قَدْ غُلِّلَتْ
آخر:
صَرَفْتُ إِلَى رَبِّ الأَنَامِ مَطَالِبِي ... وَوَجْهَتُ وَجْهِي نَحْوَهُ وَمَآرَبِّي
إِلَى الْمَلِكِ الأَعْلَى الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهْ ... مَلِيكٌ يُرَجَّى سَيْبُهُ فِي الْمَتَاعِبِ
إِلَى الصَّمَدِ الْبَرِّ الَّذِي فَاضَ جُودُهُ ... وَعَمَّ الْوَرَى طُرًا بِجَزْلِ الْمَوَاهِبِ
مُقِيْلي إِذَا زَلَّتْ بِي النَّعْلُ عَاثِرًا ... وَاسْمَحْ غِفَارٍ وَأَكْرمَ وَاهِبِ
فَمَا زَالَ يُولِينِي الْجَمِيلَ تَلَطُّفًا ... وَيَدْفَعُ عَنِّي فِي صُدُورِ النَّوَائِبِ
وَيَرْزُقُنِي طِفْلاً وَكَهْلاً وَقَبْلَهَا ... جَنِينًا وَيَحْمِينِي وَبِيَّ الْمَكَاسِبِ
إِذَا أَغْلَقَ الأَمْلاكَ دُونِي قُصُورَهُمْ ... وَنَهْنَهَ عَنْ غِشْيَانِهِمْ زَجْرُ حَاجِبِ
فَزِعْتُ إِلَى بَابِ الْمُهَيْمِنِ طَارِقًا ... مُدِلاً أُنَادِي بِاسْمِهِ غَيْرَ هَائِبِ
فَلَمْ أَلْفِ حُجَّابًا وَلَمْ أَخْشَ مِنْعَةً ... وَلَوْ كَانَ سُؤْلِي فَوْقَ هَامِ الْكَوَاكِبِ
كَرِيمٌ يُلَبِّي عَبْدَهُ كُلَّمَا دَعَا ... نَهَارًا وَلَيْلاً فِي الدُّجَى وَالْغَيَاهِبِ
سَأَسْأَلُهُ مَا شِئْتُ إِنَّ يَمِينَهُ ... تَسِحُّ دِفَاقًا بِاللُّهَى وَالرَّغَائِبِ
فَحَسْبِي رَبَّي فِي الْهَزَاهِزِ مَلْجَأً ... وَحِرْزًا إِذَا خِيفَتْ سِهَام النَّوَائِبِ
اللَّهُمَّ هب لنا ما وهبته لعبادك الأخيار وأنظمنا في سلك المقربين والأبرار وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا اللَّهُمَّ يا حي يا قيوم يا من لا تأخذه سنة ولا نوم مكن محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وأعنا على القيام
стр. 3744
بطاعتك والانتهاء عن معصيتك اللَّهُمَّ افتح لدعائنا باب القبول والإجابة فإنا ندعوك دعاء من كثرت ذنوبه وتصرمت آماله وبقيت آثامه وانسلبت دمعته وانقطعت مدته دعاء من ما لكسره جابراً إلا أنت يا أرحم الراحمين وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ) : عن إبراهيم التيمي قَالَ: ينبغي لمن لا يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار لأن أهل الجنة قَالُوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن يكون من أهل الجنة لأنهم قَالُوا: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ .
وعن الفضيل بن عياض قَالَ: قِيلَ لسليمان التيمي أنت وأنت أي يثنون عليه قَالَ: لا تقولوا هكذا فإني لا أدري ما يبدو لي من ربي سمعت الله يقول: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ وإني أخشى أن يبدو لي من الله ما أكن أحتسب.
وعن عكرمة عن مُحَمَّد بن المنكدر أنه جزع عند الموت فقِيلَ له: لم تجزع فَقَالَ: أخشى آية من كتاب الله قَالَ الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ وإني أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب.
قلت: وفيه آيات أخرى ينبغي أن تكون نصب عيني العاقل اللبيب وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ، قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾ وقوله: ﴿ن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ .
وَقَالَ عبد الأعلى التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا ذكر الموت والوقوف بين يدي الله .
وعن أبي إسحاق قَالَ: أوى أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل إلى فراشه فَقَالَ: يا ليت أمي لم تلدني فقالت له امرأته: أبا ميسرة أليس الله قد أحسن إليك هداك للإسلام وفعل بِكَ كذا قَالَ: بلى ولكن الله أخبرنا أنا واردون على النار ولم يبين لنا أنا صادرون عنها.
стр. 3745
شِعْرًا: ... هَلِ الْوَقْتُ إِلا مَا عَرَفْنَا وَأَدْرَكَنَا ... فَجَائِعُهُ تَبْقَى وَلَذَّاتُهُ تَفْنَى
إِذَا أَمْكَنَتْ فِيهِ مَسَرَّةُ سَاعَةٍ ... تَوَلَّتْ كَمَرِّ الطَّرْفِ وَاسْتَخْلَفَتْ حُزْنَا
إِلَى تُبَعَاتٍ فِي الْمَعَادِ وَمَوْقِفٌ ... نَوَدُّ لَدَيْهِ أَنَّنَا لَمْ نَكُنْ كُنَّا
حَصَلْنَا عَلَى هَمٍّ وَإِثْمٍ وَحَسْرَةٍ ... وَفَاتَ الَّذِي كُنَّا فَلَذَّ بِهِ عَنَّا
كَأَنَّ الَّذِي كُنَّا نُسَرُّ بِكَوْنِهِ ... إِذَا حَقَّقَتْهُ النَّفْسُ لَفْظٌ بِلا مَعْنَى
وَقَالَ الحسن: إن المؤمن يصبح حزيناً وينقلب باليقين في الحزن ويكفيه ما يكفى العنيزة الكف من التمر والشربة من الماء.
وَقَالَ حبيب بن أبي ثابت ما استرقت من أحد شيئاً أحب إلى من نفسي أقول لها أمهلي حتَّى يجيء من حيث أحب.
شِعْرًا: ... إِذَا رُمْتَ أَنْ تَسْتَقْرِضَ الْمَالَ مُنْفِقًا ... عَلَى شَهَوَاتِ النَّفْسِ فِي زَمَنِ الْعُسْرِ
فَسَلْ نَفْسَكَ الإِنْفَاقَ مِنْ كِنْزِ صَبْرِهَا ... عَلَيْكَ وَإِنْضَارًا إِلَى زَمَنِ الْيُسْرِ
فَإِنْ فَعَلْتَ كُنْتَ الْغَنِيَّ وَإِنْ أَبَتْ ... فَكُلُّ مَنُوعُ بَعْدَهَا وَاسِعُ الْعُذْرِ
وَقَالَ الثوري: ما ضرهم ما أصابهم في الدنيا جبر الله لهم كل مصيبة بالجنة. وسأل رجل سفيان الثوري فلم يكن معه ما يعطيه فبكى سفيان فَقَالَ له مسعر بن كدام: ما يبكيك قَالَ: وأي مصيبة أعظم من أن يؤمل فيك رجل خيراً فلا يصيبه عندك.
وبكى ثابت حتَّى كادت عينه تذهب فجاؤا برجل يعالجها فَقَالَ الرجل: أعالجها على أن تعطيني قَالَ: وأي شيء. قَالَ: على أن لا تبكي قَالَ: فما خيرهما إن لم تبكيا وأبى أن يعالجها.
وكان شقيق بن سلمة إذا صلى في بيته ينشج نشيجاً - أي يخشع ويبكي - ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله وأحد يسمعه أو يراه ما فعله – أي يخشى من الرياء. والله أعلم وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
وَقَالَ بعضهم يخاطب نفسه ويوبخها على تفريطها وإهمالها:
стр. 3746
يَا نَفْسُ هَذَا الَّذِي تَأْتِينَهُ عَجَبٌ
عِلْمٌ وَعَقْلٌ وَلا نُسْكٌ وَلا أَدَبُ
وَصَفُ النِّفَاقِ كَمَا فِي النَّصِّ نَسْمَعُهُ
عِلْمُ اللِّسَانِ وَجَهْلُ الْقَلْبِ وَالسَّبَبُ
حُبُّ الْمَتَاعِ وَحُبُّ الْجَاهِ فَانْتَبِهِي
مِنْ قَبْلُ تُطْوَى عَلَيْكَ الصُّحُفُ وَالْكُتُبُ
وَتَصْبَحِينَ بِقَبْرٍ لا أَنِيسَ بِهِ
الأَهْلُ وَالصَّحْبُ لَمَّا أَلْحَدُوا ذَهَبُوا
وَخَلَّفُوكِ وَمَا أَسْلَفْتِ مِنْ عَمَلٍ
الْمَالُ مُسْتَأْخِرٌ وَالْكَسْبُ مُصْطَحَبُ
وَاسْتَيْقِنِي أَنَّ بَعْدَ الْمَوْتِ مُجْتَمِعًا
لِلْعَالَمِينَ فَتَأْتِي الْعُجْمُ وَالْعَرَبُ
وَالْخَلْقُ طُرًا وَيَجْزِيهِمْ بِمَا عَمِلُوا
فِي يَوْمِ لا يَنْفَعُ الأَمْوَالُ وَالْحَسَبُ
وَأَخْشَى رُجُوعًا إِلَى عَدْلٍ تَوَعَدَ مَِنْ
لا يَتَّقِيهِ بِنَارٍ حَشْوُهَا الْغَضَبُ
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالأَحْجَارُ حَامِيَةٌ
لا تَنْطَفِي أَبَدَ الآبَادِ تَلْتَهِبُ
وَالْبُعْدِ عَنْ جَنَّةِ الْخُلْدِ الَّتِي حُشَيَتْ
بِالطَّيِّبَاتِ وَلا مَوْتٌ وَلا نَصَبُ
فِيهَا الْفَوَاكِهُ وَالأَنْهَارُ جَارِيَةٌ
стр. 3747
.. وَالنُّورُ وَالْحُورُ وَالْوِلْدَانُ وَالْقُبَبُ
وَهَذِهِ الدَّارُ دَارٌ لا بَقَاءَ لَهَا
لا يَفْتِنَنَّكِ مِنْهَا الْوَرَقُ وَالذَّهَبُ
وَالأَهْلُ وَالْمَالُ وَالْمَرْكُوبُ تَرْكَبُهُ
وَالثَّوْبُ تَلْبَسُهُ فَالْكُلُّ يَنْقَلِبُ
لا بَارَكَ اللهُ فِي الدُّنْيَا سِوَى عَوَضٍ
مِنْهَا يُعَدُّ إِذَا مَا عُدَّتِ الْقُرُبُ
يُرِيدُ صَاحِبُهُ وَجْهَ الإِلَهِ بِهِ
دُونَ الرِّيَا إِنَّهُ التَّلْبِيسُ وَالْكَذِبُ
لا يَقْبَلُ اللهُ أَعْمَالاً يُرِيدُ بِهَا
عُمَّالُهَا غَيْرَ وَجْهِ اللهِ فَاجْتَنِبُوا
تَمَّتْ وَصَلُّوا عَلَى الْمُخْتَارِ سَيِّدِنَا
وَالآلُ وَالصَّحْبُ قَوْمٌ حُبُّهُمْ يَجِبُ
ومِمَّا أشير فيه إلى بعض المعجزات التي وردت في القرآن ما يلي:
هُوَ اللهُ مَنْ أَعْطَى هُدَاهُ وَصَحَّ مِنْ
هَوَاهُ أَرَاهُ الْخَارِقَاتِ بِحِكْمَةِ
بِذَاكَ عَلَى الطُّوفَانِ نُوحٌ وَقَدْ نَجَا
بِهِ مَنْ نَجَا فِي قَوْمِهِ فِي السَّفِينَةِ
وَغَاضَ لَهُ مَا فَاضَ عَنْهُ اسْتِجَابَةٌ
وَجَدَّ إِلَى الْجُودِي بِهَا وَاسْتَقَرَّتِ
وَسَارَ وَمَتْنُ الرِّيحِ تَحْتَ بِسَاطِهِ
стр. 3748
.. سُلَيْمَانُ بِالْجَيْشَيْنِ فَوْقَ البَسْطَةِ
وَقَبْلَ ارْتِدَادِ الطَّرْفِ أُحْضِرَ مِنْ سَبَا
لَهُ عَرْشُ بِلْقِيسٍ بِغَيْرِ مَشَّقَةِ
وَأَخْمَدَ لإِبْرَاهِيمَ نَارَ عَدُوِّهِ
وَفِي لُطْفِهِ عَادَتْ لَهُ رَوْضَ جَنَّةِ
وَلَمَّا دَعَا الأَطْيَارَ فِي رَأْسِ شَاهِقٍ
وَقَدْ قُطِّعَتْ جَاءَتْهُ غَيْرَ عَصِيَّةِ
وَفِي يَدِهِ مُوسَى عَصَاهُ تَلَقَّفَتْ
مِنَ السِّحْرِ أَهْوَالاً عَلَى النَّفْسِ شَقَّةِ
وَمِنْ حَجَرٍ أَجْرَى عُيُونًا بِضَرْبَة
بِهَا دَائِمًا سَقَّتْ وَلِلْبَحْرِ شَقَّتِ
وَيُوسُفُ إِذْ أَلْقَى الْبَشِيرُ قَمِيصَهُ
عَلَى وَجْهِ يَعْقُوبٍ عَلَيْهِ بِأَوْبَةِ
رَآهُ بِعَيْنٍ قَبْلَ مَقْدَمِهِ بَكَى
عَلَيْهِ بِهَا شَوْقًا إِلَيْهِ فَكَفَّتِ
وَفِي آلِ إِسْرَائِيلَ مَائِدَةُ السَّمَا
لِعِيسَى بنِ مَرْيَمْ أُنْزِلَتْ ثُمَّ مُدَّتِ
وَمِنْ أَلَمٍ أَبْرَى وَمِنْ وَضَحٍ غَدَا
شَفَى وَأَعَادَ الطَّيْرَ طَيْرًا بِنَفْخَةِ
وَصَحَّ بِأَخْبَارِ التَّوَاتُرِ أَنَّهُ
أَمَاتَ وَأَحْيَا بِالدُّعَا رَبَّ مَيِّتِ
стр. 3749
.. وَأَبْعَدُ مِنْ هَذَا عَنْ السِّحْرِ أَنَّهُ
رَضِيعٌ يُنَادِي بِاللِّسَانِ الْفَصِيحَةِ
يُنَزِّهُ عَنْ رَيْبِ الظُّنُونِ عَفِيفَةً
مُبَرَّأَةً مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَرِيبَةِ
وَقَالَ لأَهْلِ السَّبْتِ كُونُوا إِلَهُنَا
قُرُودًا فَكَانُوا عِبْرَةً أَيَّ عِبْرَةِ
وَصَرَّعَ أَهْلَ الْفِيلِ مِنْ دُونِ بَيْتِهِ
بِطَيْرِ أَبَابِيلٍ صِغَارٍ ضَعِيفَةِ
وَأَحْرَقَ رَوْضَ الْجَنَّتَيْنُ عُقُوبَةً
بِكَافٍ وَنُونٍ عِبْرَةً لِلْبَرِيَّةِ
وَقَالَ يوسف بن مُحَمَّد الصرصري ﵀:
مُحَمَّدٌ الْمَبْعُوثُ لِلْخَلْقِ رَحْمَةً
يُشَيِّدُ مَا أَوْهَى الضَّلالُ وَيُصْلِحُ
لَئِنْ سَبَّحَتْ صُمُّ الْجِبَالِ مُجِيبَةً
لِدَاوُدَ أَوْ لانَ الْحَدِيدُ الْمُصَفَّحُ
فَإِنَّ الصُّخُورَ الصُّمَّ لانَتْ بِكَفِّهِ
وَإِنَّ الْحَصَى فِي كَفِّهِ لَيُسَبِّحُ
وَإِنْ كَانَ مُوسَى أَنْبَعَ الْمَاءَ مِنَ الْحَصَى
فَمِنْ كَفِّهِ قَدْ أَصْبَحَ الْمَاءُ يَطْفَحُ
وَإِنْ كَانَتْ الرِّيحُ الرُّخَاءُ مُطِيعَةً
سُلَيْمَانَ لا تَأْلُو تَرُوحُ وَتَسْرَحُ
стр. 3750
.. فَإِنَّ الصَّبَا كَانَتْ لِنَصْرِ نَبِيِّنَا
بِرُعْبٍ عَلَى شَهْرٍ بِهِ الْخَصْمُ يَكْلَحُ
أُوتِيَ الْمُلْكَ الْعَظِيمَ وَسُخِّرَتْ
لَهُ الْجِنُّ تَشْفِي مَا رِضِيهِ وَتَلْدَحُ
فَإِنَّ مَفَاتِيحَ الْكُنُوزِ بِأَسْرِهَا
أَتَتْهُ فَرَدَّ الزَّاهِدُ الْمُتَرَجِّحُ
وَإِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ أُعْطِيَ خُلَّةً
وَمُوسَى بِتَكْلِيمٍ عَلَى الطُّورِ يُمْنَحُ
فَهَذَا حَبِيبٌ بَلْ خَلِيلٌ مُكَلَّمٌ
وَخُصِّصَ بِالرُّؤْيَا وَبِالْحَقِّ أَشْرَحُ
وَخُصِّصَ بِالْحُوضِ الْعَظِيمِ وَباللِّوَا
وَيَشْفَعُ لِلْعَاصِينَ وَالنَّارُ تَلْفَحُ
وَبِالْمَقْعَدِ الأَعْلَى الْمُقَرَّبِ عِنْدَهُ
عَطَاءٌ بِبُشْرَاهُ أُقِرُّ وَأَفْرَحُ
وَبِالرُّتْبَةِ الْعُلْيَا الْوَسِيلَةِ دُونَهَا
مَرَاتِبُ أَرْبَابِ الْمَوَاهِبُ تَلْمَحُ
وَفِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ أَوَّلُ دَاخِلٍ
لَهُ سَائِرُ الأَبْوَابِ بِالْخَيْرِ تُفْتَحُ
اللَّهُمَّ وفقنا لأتباع الهدى وجنبنا أسباب الهلاك والشقا وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
следующие страницы →