← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

يَا نَفْسُ هَذَا الَّذِي تَأْتِينَهُ عَجَبٌ عِلْمٌ وَعَقْلٌ وَلا نُسْكٌ وَلا أَدَبُ وَصَفُ النِّفَاقِ كَمَا فِي النَّصِّ نَسْمَعُهُ عِلْمُ اللِّسَانِ وَجَهْلُ الْقَلْبِ وَالسَّبَبُ حُبُّ الْمَتَاعِ وَحُبُّ الْجَاهِ فَانْتَبِهِي مِنْ قَبْلُ تُطْوَى عَلَيْكَ الصُّحُفُ وَالْكُتُبُ وَتَصْبَحِينَ بِقَبْرٍ لا أَنِيسَ بِهِ الأَهْلُ وَالصَّحْبُ لَمَّا أَلْحَدُوا ذَهَبُوا وَخَلَّفُوكِ وَمَا أَسْلَفْتِ مِنْ عَمَلٍ الْمَالُ مُسْتَأْخِرٌ وَالْكَسْبُ مُصْطَحَبُ وَاسْتَيْقِنِي أَنَّ بَعْدَ الْمَوْتِ مُجْتَمِعًا لِلْعَالَمِينَ فَتَأْتِي الْعُجْمُ وَالْعَرَبُ وَالْخَلْقُ طُرًا وَيَجْزِيهِمْ بِمَا عَمِلُوا فِي يَوْمِ لا يَنْفَعُ الأَمْوَالُ وَالْحَسَبُ وَأَخْشَى رُجُوعًا إِلَى عَدْلٍ تَوَعَدَ مَِنْ لا يَتَّقِيهِ بِنَارٍ حَشْوُهَا الْغَضَبُ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالأَحْجَارُ حَامِيَةٌ لا تَنْطَفِي أَبَدَ الآبَادِ تَلْتَهِبُ وَالْبُعْدِ عَنْ جَنَّةِ الْخُلْدِ الَّتِي حُشَيَتْ بِالطَّيِّبَاتِ وَلا مَوْتٌ وَلا نَصَبُ فِيهَا الْفَوَاكِهُ وَالأَنْهَارُ جَارِيَةٌ

стр. 3747

.. وَالنُّورُ وَالْحُورُ وَالْوِلْدَانُ وَالْقُبَبُ وَهَذِهِ الدَّارُ دَارٌ لا بَقَاءَ لَهَا لا يَفْتِنَنَّكِ مِنْهَا الْوَرَقُ وَالذَّهَبُ وَالأَهْلُ وَالْمَالُ وَالْمَرْكُوبُ تَرْكَبُهُ وَالثَّوْبُ تَلْبَسُهُ فَالْكُلُّ يَنْقَلِبُ لا بَارَكَ اللهُ فِي الدُّنْيَا سِوَى عَوَضٍ مِنْهَا يُعَدُّ إِذَا مَا عُدَّتِ الْقُرُبُ يُرِيدُ صَاحِبُهُ وَجْهَ الإِلَهِ بِهِ دُونَ الرِّيَا إِنَّهُ التَّلْبِيسُ وَالْكَذِبُ لا يَقْبَلُ اللهُ أَعْمَالاً يُرِيدُ بِهَا عُمَّالُهَا غَيْرَ وَجْهِ اللهِ فَاجْتَنِبُوا تَمَّتْ وَصَلُّوا عَلَى الْمُخْتَارِ سَيِّدِنَا وَالآلُ وَالصَّحْبُ قَوْمٌ حُبُّهُمْ يَجِبُ ومِمَّا أشير فيه إلى بعض المعجزات التي وردت في القرآن ما يلي: هُوَ اللهُ مَنْ أَعْطَى هُدَاهُ وَصَحَّ مِنْ هَوَاهُ أَرَاهُ الْخَارِقَاتِ بِحِكْمَةِ بِذَاكَ عَلَى الطُّوفَانِ نُوحٌ وَقَدْ نَجَا بِهِ مَنْ نَجَا فِي قَوْمِهِ فِي السَّفِينَةِ وَغَاضَ لَهُ مَا فَاضَ عَنْهُ اسْتِجَابَةٌ وَجَدَّ إِلَى الْجُودِي بِهَا وَاسْتَقَرَّتِ وَسَارَ وَمَتْنُ الرِّيحِ تَحْتَ بِسَاطِهِ

стр. 3748

.. سُلَيْمَانُ بِالْجَيْشَيْنِ فَوْقَ البَسْطَةِ وَقَبْلَ ارْتِدَادِ الطَّرْفِ أُحْضِرَ مِنْ سَبَا لَهُ عَرْشُ بِلْقِيسٍ بِغَيْرِ مَشَّقَةِ وَأَخْمَدَ لإِبْرَاهِيمَ نَارَ عَدُوِّهِ وَفِي لُطْفِهِ عَادَتْ لَهُ رَوْضَ جَنَّةِ وَلَمَّا دَعَا الأَطْيَارَ فِي رَأْسِ شَاهِقٍ وَقَدْ قُطِّعَتْ جَاءَتْهُ غَيْرَ عَصِيَّةِ وَفِي يَدِهِ مُوسَى عَصَاهُ تَلَقَّفَتْ مِنَ السِّحْرِ أَهْوَالاً عَلَى النَّفْسِ شَقَّةِ وَمِنْ حَجَرٍ أَجْرَى عُيُونًا بِضَرْبَة بِهَا دَائِمًا سَقَّتْ وَلِلْبَحْرِ شَقَّتِ وَيُوسُفُ إِذْ أَلْقَى الْبَشِيرُ قَمِيصَهُ عَلَى وَجْهِ يَعْقُوبٍ عَلَيْهِ بِأَوْبَةِ رَآهُ بِعَيْنٍ قَبْلَ مَقْدَمِهِ بَكَى عَلَيْهِ بِهَا شَوْقًا إِلَيْهِ فَكَفَّتِ وَفِي آلِ إِسْرَائِيلَ مَائِدَةُ السَّمَا لِعِيسَى بنِ مَرْيَمْ أُنْزِلَتْ ثُمَّ مُدَّتِ وَمِنْ أَلَمٍ أَبْرَى وَمِنْ وَضَحٍ غَدَا شَفَى وَأَعَادَ الطَّيْرَ طَيْرًا بِنَفْخَةِ وَصَحَّ بِأَخْبَارِ التَّوَاتُرِ أَنَّهُ أَمَاتَ وَأَحْيَا بِالدُّعَا رَبَّ مَيِّتِ

стр. 3749

.. وَأَبْعَدُ مِنْ هَذَا عَنْ السِّحْرِ أَنَّهُ رَضِيعٌ يُنَادِي بِاللِّسَانِ الْفَصِيحَةِ يُنَزِّهُ عَنْ رَيْبِ الظُّنُونِ عَفِيفَةً مُبَرَّأَةً مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَرِيبَةِ وَقَالَ لأَهْلِ السَّبْتِ كُونُوا إِلَهُنَا قُرُودًا فَكَانُوا عِبْرَةً أَيَّ عِبْرَةِ وَصَرَّعَ أَهْلَ الْفِيلِ مِنْ دُونِ بَيْتِهِ بِطَيْرِ أَبَابِيلٍ صِغَارٍ ضَعِيفَةِ وَأَحْرَقَ رَوْضَ الْجَنَّتَيْنُ عُقُوبَةً بِكَافٍ وَنُونٍ عِبْرَةً لِلْبَرِيَّةِ وَقَالَ يوسف بن مُحَمَّد الصرصري ﵀: مُحَمَّدٌ الْمَبْعُوثُ لِلْخَلْقِ رَحْمَةً يُشَيِّدُ مَا أَوْهَى الضَّلالُ وَيُصْلِحُ لَئِنْ سَبَّحَتْ صُمُّ الْجِبَالِ مُجِيبَةً لِدَاوُدَ أَوْ لانَ الْحَدِيدُ الْمُصَفَّحُ فَإِنَّ الصُّخُورَ الصُّمَّ لانَتْ بِكَفِّهِ وَإِنَّ الْحَصَى فِي كَفِّهِ لَيُسَبِّحُ وَإِنْ كَانَ مُوسَى أَنْبَعَ الْمَاءَ مِنَ الْحَصَى فَمِنْ كَفِّهِ قَدْ أَصْبَحَ الْمَاءُ يَطْفَحُ وَإِنْ كَانَتْ الرِّيحُ الرُّخَاءُ مُطِيعَةً سُلَيْمَانَ لا تَأْلُو تَرُوحُ وَتَسْرَحُ

стр. 3750

.. فَإِنَّ الصَّبَا كَانَتْ لِنَصْرِ نَبِيِّنَا بِرُعْبٍ عَلَى شَهْرٍ بِهِ الْخَصْمُ يَكْلَحُ أُوتِيَ الْمُلْكَ الْعَظِيمَ وَسُخِّرَتْ لَهُ الْجِنُّ تَشْفِي مَا رِضِيهِ وَتَلْدَحُ فَإِنَّ مَفَاتِيحَ الْكُنُوزِ بِأَسْرِهَا أَتَتْهُ فَرَدَّ الزَّاهِدُ الْمُتَرَجِّحُ وَإِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ أُعْطِيَ خُلَّةً وَمُوسَى بِتَكْلِيمٍ عَلَى الطُّورِ يُمْنَحُ فَهَذَا حَبِيبٌ بَلْ خَلِيلٌ مُكَلَّمٌ وَخُصِّصَ بِالرُّؤْيَا وَبِالْحَقِّ أَشْرَحُ وَخُصِّصَ بِالْحُوضِ الْعَظِيمِ وَباللِّوَا وَيَشْفَعُ لِلْعَاصِينَ وَالنَّارُ تَلْفَحُ وَبِالْمَقْعَدِ الأَعْلَى الْمُقَرَّبِ عِنْدَهُ عَطَاءٌ بِبُشْرَاهُ أُقِرُّ وَأَفْرَحُ وَبِالرُّتْبَةِ الْعُلْيَا الْوَسِيلَةِ دُونَهَا مَرَاتِبُ أَرْبَابِ الْمَوَاهِبُ تَلْمَحُ وَفِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ أَوَّلُ دَاخِلٍ لَهُ سَائِرُ الأَبْوَابِ بِالْخَيْرِ تُفْتَحُ اللَّهُمَّ وفقنا لأتباع الهدى وجنبنا أسباب الهلاك والشقا وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

стр. 3751

(قصص رائعة) عن بِلاَلُ بن رباح قَالَ: مَا كَانَ لرَسُولِ اللهُ ? شَيْءٌ إلا أَنَا الَّذِي كُنْتُ ألِي ذَلِكَ مِنْهُ مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ الإِنْسَانُ الْمُسْلِمُ فَرَآهُ عَائلاً يَأْمُرُنِي فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَقْرِضُ فَأَشْتَرِي الْبُرْدَةَ وَالشَّيْءَ فَأَكْسُوهُ وَأُطْعِمُهُ، حتَّى اعْتَرَضَنِي رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: يَا بِلاَلُ إِنَّ نَدِي عِنْدِي سَعَةً فَلاَ تَسْتَقْرِضْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ مِنِّى فَفَعَلْتُ. فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ تَوَضَّأتُ ثُمَّ قُمْتُ لأُؤَذِّنَ بِالصَّلاَةِ فَإِذَا الْمُشْرِكُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ التُّجَّارِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: يَا حَبَشِي،ُّ قُلْتُ: يَا لَبَّيْهُ؛ فَتَجَهَّمَنِي، وَقَالَ قَوْلاً غَلِيظاً - أَو غَلِيظاً قَالَ: أَتَدْرِى كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الشَّهْرِ؟ قُلْتُ: قَرِيبٌ. قَالَ: إِنَّمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَرْبَعُ لَيَالٍ، فَآخُذُكَ بِالَّذِي لِي عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَمْ أُعْطِكَ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ مِنْ كَرَامَتِكَ وَلاَ مِنْ كَرَامَةِ صَاحِبِكَ، وإنما أَعْطَيْتُكَ لِتَصيَر َ لِي عَبْداً فَأَرُدُّكَ تَرْعَى في الْغَنَمَ كَمَا كُنْتَ قَبْلَ ذَلِكَ فَأَخَذَني فِي نَفْسِي مَا يَأْخُذُ فِي أَنْفُسِ النَّاسِ، فَانْطَلَقْتُ فناَديْتُ بِالصَّلاَةِ، حتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الْعَتَمَةَ، رَجَعَ رَسُولِ اللهُ ? إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنَّ الْمُشْرِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ أَنِّي كُنْتُ أَتَدَيَّنُ مِنْهُ قَدْ قَالَ كَذَا وَكَذَا، وَلَيْسَ عِنْدَكَ مَا تَقْضِى عَنِّي وَلاَ عِنْدِي وَهُوَ فَاضِحِي، فَأْذَنْ لِي أَنْ آتِيَ إِلَى بَعْضِ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ قَدْ أَسْلَمُوا حتَّى يَرْزُقَ اللَّهُ رَسُولَهِ ? مَا يَقْضِي عَنِّى. فَخَرَجْتُ حتَّى أَتَيْتُ مَنْزِلِي فَجَعَلْتُ سَيْفِي وَجِرَابِي وَرُمْحِي وَنَعْلِي عِنْدَ رَأْسِي، فَاسْتَقْبَلْتُ بِوَجْهِيََ الأُفُقَ فَكُلَّمَا نِمْتُ انْتَبَهْتُ، فَإِذَا رَأَيْتُ عَلَيَّ لَيْلاً نِمْتُ حتَّى انْشَقَّ عَمُودُ الصُّبْحِ الأَوَّلِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْطَلِقَ. فَإِذَا إِنْسَانٌ يَدْعُو: يَا بِلاَلُ أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ? فَانْطَلَقْتُ حتَّى آتِيهِ، فَإِذَا أَرْبَعُ رَكَائِبَ عَلَيْهِنَّ أَحْمَالُهُنَّ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَاسْتَأْذَنْتُ فَقَالَ لِي رَسُولَ اللَّهِ ?: «أَبْشِرْ، فَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ بِقَضَاءِ دينكَ» . فَحَمِدْتُ اللَّهَ. وَقَالَ: «أَلَمْ تَمُرَّ عَلَى الرَّكَائِبِ الْمُنَاخَاتِ الأَرْبَعِ؟» قُلْتُ: بَلَى قَالَ: «فَإِنَّ لَكَ رِقَابَهُنَّ وَمَا عَلَيْهِنَّ» . فإِذَا عَلَيْهِنَّ كِسْوَةٌ وَطَعَامٌ أَهْدَاهُنَّ لَهُ عَظِيمُ فَدَكَ - «فَاقْبِضْهُنَّ إِلَيْكَ

стр. 3752

، ثُمَّ اقْضِ دَيْنَكَ» . فَفَعَلْتُ فَحَطَطْتُ عَنْهُنَّ أَحْمَالَهُنَّ ثُمَّ عَقَلْتُهُنَّ، ثُمَّ عَمَدْتُ إِلَى تَأْذِينِ صَلاَةِ الصُّبْحِ، حتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ? خَرَجْتُ إِلَى الْبَقِيعِ، فَجَعَلْتُ إِصْبَعَيَّ فِي أُذُنَيَّ فقُلْتُ: مَنْ كَانَ يَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ ? دَيْناً فَلْيَحْضُرْ. فَمَا زِلْتُ أَبِيعُ وَأَقْضِي وَأُعَرِّضُ حتَّى لَمْ يَبْقَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ? دَيْنٌ فِي الأَرْضِ حتَّى فَضَلَ عِنْدِي أُوقِيَّتَاْنِ أَوْ أُوقِيَّةٌ وَنِصْفٌ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَقَدْ ذَهَبَ عَامَّةُ النَّهَارِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ? قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ لِي: «مَا فَعَلَ مَا قِبَلَكَ؟» قُلْتُ: قَدْ قَضَى اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ? فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ قَالَ: «فَضَلَ شَيْءٌ؟» قُلْتُ: نَعَمْ دِينَارَانِ، قَالَ: «انْظُرْ أَنْ تُرِيحَنِي مِنْهَما، فَلَسْتُ بِدَاخِلٍ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِي حتَّى تُرِيحَنِي مِنْهمَا» . فَلَمْ يَأْتِنَا أحَدُ، فَبَاتَ فِي الْمَسْجِدِ حتَّى أَصْبَحَ، وَظَلَّ فِي الْمَسْجِدِ الْيَوْمَ الثَّانِيَ حتَّى كَانَ فِي آخِرِ النَّهَارِ جَاءَ رَاكِبَانِ، فَانْطَلَقْتُ بِهِمَا فَكَسَوْتُهُمَا وَأَطْعَمْتُهُمَا، حتَّى إِذَا صَلَّى الْعَتَمَةَ دَعَانِي، فَقَالَ: «مَا فَعَلَ الَّذِي قِبَلَكَ؟» . قُلْتُ: قَدْ أَرَاحَكَ اللَّهُ مِنْهُ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ شَفَقاً مِنْ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ وَعِنْدَهُ ذَلِكَ ثُمَّ اتَّبَعْتُهُ حتَّى جَاءَ أَزْوَاجَهُ فَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ امْرَأَةٍ حتَّى أَتَى فِي مَبِيتَهُ. اللَّهُمَّ طهر قلوبنا من النفاق وعملنا من الرياء وألسننا من الكذب وأعيننا من الخيانة وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) عن عبد الله بن عمر قَالَ: بعثت رَسُولِ اللهُ ? جيشاً فيهم رجل يقال له «حدير» ، وكانت تلك السنة قد أصابتهم سنة من قلة الطعام؛ فزودهم رَسُولِ اللهُ ? ونسي أن يزود حديراً. فخرج حدير صابراً وهو في آخر الركب يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول: نعم الزاد هو يا رب؛ فهو يرددها، وهو في آخر الركب.

стр. 3753

فجاء جبريل إلى النبي ? فَقَالَ له: إن ربي أرسلني إليك يخبرك أنك زودت أصحابَكَ ونسيت أن تزود حديراً، وهو في آخر الركب يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ويقول: نعم الزاد هو يا رب؛ فكلامه ذلك له نور يوم القيامة ما بين السماء والأرض، فابعث إليه بزاد، فدعا النبي ? رجلاً، فدفع إليه زاد وأمره إذا انتهى إليه حفظ عليه ما يقول، وإذا دفع إليه الزاد حفظ عليه ما يقول. ويقول له: إن رَسُولَ اللهِ ? يقرئك السلام ورحمة الله، ويخبرك أنه كان نسي أن يزودك، وأن ربي ﵎ أرسل إلى جبريل يذكرني بِكَ، فذكره جبريل وأعلمه مكانك. فانتهى إليه وهو يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول: نعم الزاد هذا يا رب؛فدنا منه، ثم قَالَ له: إن رَسُولَ الله ? يقرئك السلام ورحمة الله. وقد أرسلني أليك بزادٍ معي، ويقول: إني إنما نسيتك، فأرسل إلى جبريل من السماء يذكرني بِكَ؛ فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي ? ثم قَالَ: الحمد لله رب العامين، ذكرني ربي من فوق سبع سموات، ومن فوق عرشه، ورحم جوعي وضعفي. يا رب كما لم تنس حديراً فاجعل حديراً لا ينساك؛ فحفظ ما قَالَ، ورجع إلى النبي ? فأخبره بما سمع منه حين أتاه، وبما قَالَ حين أخبره، فَقَالَ رَسُولِ اللهُ: أما أنك لو رفعت رأسك إلى السماء لرأيت لكلامه ذلك نوراً ساطعاً ما بين السماء والأرض. والله أعلم وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد آلِهِ وَسَلَّمَ. اللَّهُمَّ يا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أيقظنا من نوم الغفلة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة ووفقنا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا وذنوبنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عليه ضمائرنا وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح

стр. 3754

والمعائب التي تعلمها منا وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) عن محمود بن لبيد قَالَ: أصيب أكحل سعد يوم الخندق فثقل ‘ حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة، وكانت تداوي الجرحى، فكان النبي ? إذا مر به يقول: كيف أمسيت؟ وإذا أصبح قَالَ: كيف أصبحت؟ فيخبره. حتَّى كانت الليلة التي نقله قومه فيها؛ فاحتملوه إلى بني الأشهل، إلى منازلهم، وجاء رَسُولِ اللهُ ? كما كان يسأل عنه، وقَالُوا: قد انطلقوا به. فخرج رَسُولُ اللهُ ? وخرجنا معه، فأسرع المشي حتَّى تقطعت شسوع نعالنا، وسقطت أرديتنا عن أعناقنا، قشكا ذلك إليه أصحابه: يَا رَسُولَ اللهِ، أتعبتنا في المشي. فَقَالَ: أني أخاف أن تسبقنا الملائكة إليه فتغسله كما غسلت حنظلة فانتهى رَسُولُ اللهُ ? إلى البيت وهو يغسل وأمه تبكيه، وهي تقول: وَيْلَ أُمِّ سَعْدٍ سَعْدًا ... حَزَامَةً وَجِدَّا فَقَالَ رَسُولُ اللهُ ?: كل نائحة تكذب إلا أم سعد. ثم خرج به، فَقَالَ له القوم – أو من شاء الله منهم – يَا رَسُولَ اللهِ، ما حملنا ميتاً أخف علينا من سعد. فَقَالَ: ما يمنعكم من أن يخف عليكم، وقد هبط من الملائكة كذا وكذا، قد سمى عدة كثيرة لم أحفظها، لم يهبطوا قط قبل يومهم، قد حملوه معكم. عن الحجاج بن علاط قَالَ قلت لرَسُولِ الله: يَا رَسُولَ اللهِ، إن لي بمكة مالاً عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة ... ومالاً متفرقاً في تجار أهل مكة، فأذن يَا رَسُولَ اللهِ؛ (فأذن لي) ، قلت إنه لا بد لي يَا رَسُولَ اللهِ من أن أقول، قَالَ: قل.

стр. 3755

فخرجت حتَّى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالاً من قريش يتسمعون الأخبار، ويسألون عن أمر رَسُولِ اللهُ ? وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر، وقد عرفوا أنها قرية الحجاز، ريفاً ومنعة ورجالاً، فهم يتحسسون الأخبار، ويسألون الركبان. فلما رأوني قَالُوا: الحجاج بن علاط - ولم يكونوا علموا بإسلامي - عنده والله الخبر، أخبرنا يا أبا مُحَمَّد، فإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر، وهي يهود وريف الحجاز. قلت: قد بلغني ذلك، وعندي من الخبر ما يسركم، فالتبطوا بجنبي ناقتي يقولون: إيه يا حجاج! قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وقتل أصحابه قتلاً لم تسمعوا بمثله قط، وأسر مُحَمَّد أسراً. وقَالُوا: لا نقتله حتَّى نبعث به إل أهل مكة، فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم؛ فقاموا وصاحوا بمكة، وقَالُوا: قد جاءكم الخبر، وهذا مُحَمَّد، إنما تنظرون أن يقدم به عليكم، فيقتل بين أظهركم. قلت: أعينوني على جمع مالي بمكة وعلى غرمائي،فإني أريد أن أقدم خيبر، فأصيب مَن فَلَّ مُحَمَّدٌ وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هنالك؛ فقاموا، فجمعوا لي مالي كأحث جمع سمعت به. وجئت صاحبتي فقلت: ما لي، وقد كان لي عندها مال موضوع لعلي الحق بخيبر، فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التجار. فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر، وجاءه عني، أقبل حتَّى وقف إلى جنبي وأنا في خيمة من خيام التجار. فَقَالَ: يا حجاج، ما هذا الخبر الَّذِي جئت به؟ فقلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قَالَ: نعم قلت: فاستأجر عني حتَّى ألقاك على خلاء، فإني في جمع مالي كما ترى، فانصرف عني حتَّى أفرغ.

стр. 3756

حتَّى إذا فرغت من جمع كل شيء كان لي بمكة، وأجمعت الخروج لقيت العباس، فقلت: أحفظ علي حديثي يا أبا الفضل – فإني أخشى الطلب – ثلاثاً ثم قل ما شئت، قَالَ: أفعل قلت: فإني والله لقد تركت ابن أخيك عروساً على بنت ملكهم. ولقد افتتح خيبر وانتثلَ ما فيها، وصارت له ولأصحابه، فَقَالَ: ما تقول يا حجاج؟ قلت: إي والله، فاكتم عني، ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي، فرقاً من أن أغلب عليه. فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك، فهو والله ما تحب. حتَّى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له، وتخلق وأخذ عصاه ثم خرج حتَّى أتي الكعبة، فطاف بها. فلما رأوه قَالُوا: يا أبا الفضل، هذا والله التجلد لحر المصيبة، قَالَ: كلا، والله الَّذِي خلفتم به، لقد افتتح مُحَمَّد خيبر وترك عروساً على بنت ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها فأصبحت له ولأصحابه. قَالُوا: من جاءك بهذا الخبر؟ قَالَ: الَّذِي جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلماً، فأخذ ماله، فانطلق ليلحق بمُحَمَّد وأصحابه، فيكون معه، قَالُوا: يا لعباد الله! انفلت عدو الله، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن؛ ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك. والله أعلم وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) عن أنس بن مالك قَالَ: أعرس رسول الله ?، ببعض نسائه فصنعت أم سليم حيساً ثم حطته في تور، فقالت: اذهب إلى رسول الله ? وأخبره أن هذا منا له قليل. والناس يومئذ في جهد فجئت به فقلت: يَا رَسُولَ اللهِ بعثت بهذا أم سليم إليك وهي تقرئك

стр. 3757

السلام وتقول: إن هذا منا له قليل، فنظر إليه ثم قَالَ: ضعه فوضعته في ناحية البيت، ثم قَالَ: اذهب فادع لي فلاناً وفلاناً فسمى رجالاً كثيراً. قَالَ: ومن لقيت من المسلمين فدعوت من قَالَ لي، ومن لقيت من المسلمين فجئت والبيت والصفة والحجرة ملاء من الناس فَقَالَ لي رسول الله ? جيء به؛ فجئت به إليه فوضع يده عليه ودعا وَقَالَ: ما شاء الله. ثم قَالَ: ليتحلق عشرة ويسموا وليأكل كل إنسان مِمَّا يليه، فجعلوا يسمون ويأكلون حتَّى أكلوا كلهم، فَقَالَ لي رسول الله ? ارفعه فجئت فأخذت التور، فنظرت فيه فلا أدري أهو حين وضعت أكثر أم حين رفعته! وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله ? وزوج رسول الله ? التي دخل بها معهم مولية وجهها إلى الحائط، فأطالوا الحديث فشقوا على رسول الله ? وكان أشد الناس حياء، ولو أعلموا كان ذلك عليهم عزيزاً، فَقَامَ رسول الله ? فسلم على حجره وعلى نسائه، فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه ابتدروا الباب، فخرجوا. وجاء رسول الله ? حتَّى أرخى الستر، ودخل البيت وأنا في الحجرة، فمكث رسول الله ? في بيته يسيراً وأنزل الله عليه القرآن فخرج وهو يقرأ هذا الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً إِن تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ فقرأهن علي قبل الناس وأنا أحدث الناس بهن عهداً اللَّهُمَّ مكن محبتك في قلوبنا وقوها ونور قلوبنا بنور الإيمان وثبتنا

стр. 3758

على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وزحزحنا عن النار وأدخلنا الجنة دار القرار ومتعنا بالنظر إلى وجهك يا أكرم الأكرمين وأرحم الرحمين وصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) عن عبد الله بن عباس قَالَ: خرج أبو بكر بالهاجرة، فسمع بذلك عمر فخرج فإذا هو بأبي بكر، فَقَالَ يا أبا بكر، ما أخرجك هذه الساعة؟ فَقَالَ: أخرجني والله ما أجد في بطوننا من حاق الجوع. فَقَالَ: وأنا والله ما أخرجني غيره، فبينما هما كذلك إذ خرج عليهما رسول الله ? فَقَالَ: ما أخرجكما هذه الساعة؟ فقالا: أخرجنا ما نجد في بطوننا من حاق الجوع. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ وأنا والَّذِي نفسي بَيّدِهِ ما أخرجني غيره فقاموا فانطلقوا حتَّى أتوا باب أبي أيوب الأنصاري وكان أبو أيوب ذكر لرسول الله ? طعاما أو لبنا فأبطأ يومئذ فلم يأت لحينه فأطعمه أهله، وانطلق إلى نخله يعمل فيه. فلما أتوا باب أبي أيوب خرجت امرأته فقالت: مرحبا برسول الله ? وبمن معه فَقَالَ لها رسول الله ? فأين أبو أيوب؟ فقالت: يأتيك يا نبي الله الساعة. فرجع رسول الله ? فبصر به أبو أيوب - وهو يعمل في نخل له - فجاء يشتد حتَّى أدرك رسول الله ? فَقَالَ: مرحبا بنبي الله وبمن معه. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، ليس بالحين الَّذِي كنت تجيئني فيه، فرده، فجاء إلى عذق النخل فقطعه، فَقَالَ له رسول الله ?: ما أردت إلى هذا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أحببت أن تأكل من رطبه وبسره وثمره وتذنوبه، ولأذبحن لك مع هذا. فَقَالَ: إن ذبحت، فلا تذبحن ذات در، فأخذ عناقاً له، أو جدياً؛

стр. 3759

فذبحه، وَقَالَ لامرأته: اختبزي وأطبخ أنا، فأنت أعلم بالخبز فعمد إلى نصف الجدي فطبخه، وشوى نصفه. فلما أدرك بالطعام وضع بين يدي رسول الله ? وأصحابه، فأخذ رسول الله ? من الجدي فوضعه على رغيف، ثم قَالَ: يا أبا أيوب أبلغ بهذا فاطمة فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام. فلما أكلوا وشبعوا قَالَ النبي ? خبز ولحم وبسر وتمر ورطب، ودمعت عيناه، ثم قَالَ: هذا من النعيم الَّذِي تسألون عنه يوم القيامة، فكبر ذلك على أصحابه، فَقَالَ رسول الله ? إذا أصبتم مثل هذا، وضربتم بأيديكم فقولوا: بسم الله وبركة الله، فإذا شبعتم فقولوا: الحمد لله الَّذِي أشبعنا وأروانا، وأنعم وأفضل، فإن هذا كفاف بهذا. وكان رسول الله ? لا يأتي إليه أحد معروفاً إلا أحب أن يجازيه؛ فَقَالَ لأبي أيوب: ائتنا غداً فلم يسمع، فَقَالَ له عمر إن رسول الله ? يأمرك أن تأتيه، فلما أتاه أعطاه وليدة، فَقَالَ: يا أبا أيوب، استوص بهذه خيراً فإنا لم نر إلا خيراً ما دامت عندنا؛ فلما جاء بها أبو أيوب قَالَ: ما أجد لوصية رسول الله ? شيئاً خيراً من أن أعتقها؛ فأعتقها. والله أعلم وصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وسلم. فَهَا سُنَّةُ الْمَعْصُومِ خَيْرَةِ خَلْقِهِ ... شَكَتْ بِلِسَانِ الْحَالِ طُولَ جِفَاهَا فَنَسْأَلُ رَبُّ الْعَرْشِ تَيِسِيرَ مُخْلِص ... يُزِيلُ ظَلامًا قَدْ طَمَا وَعَلاهَا فَتَى قَدْ جَنَى مِنْ كُلِّ فَنٍ ثِمَارَهُ ... وَأَمَّ إِلَى هَامِ الْعُلَى فَعَلاهَا قَرِيبٌ إِلَى أَهْلِ الشَّرِيعَةِ وَالتُّقَى ... وَيَبْعُد عَمَّنْ يَرْتَضِي بِسِوَاهَا عَفِيفٌ عَن الأَمْوَالِ إِلا بِحَقِّهَا ... وَعَنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا يُطِيلُ جِفَاهَا يُوَالِي وَيُدْنِي أَهْلَ سُنَّةَ أَحْمَدِ ... بَعِيدٌ لِمَنْ يَهْدِي بِغَيْرِ هُدَاهَا يَحُفُّ بِهِ قَوْمٌ عَلَى كُلِّ سَابِحٍ ... مُنَاهُمْ مُنَاوَاةُ الْعِدَى وَلِقَاهَا

стр. 3760

يَقُودُ أُسُودًا فِي الْحَرْبِ ضَيَاغِمًا ... تَعُدُّ الْمَنَايَا فِي الْحُرُوبِ مُنَاهَا وَيَعْرُوهُمُوا عِنْدَ الْمُلاقَاتِ هِزِّةً ... وَيُسْكِرُهُمْ دَمْعُ الْعِدَا وَدِمَاهَا وَيَطْرِبُهُمْ هَزُّ الْقَنَا بِأَكُفِّهِمْ ... وَوَقْعُ الْعَوَالِي فِي صُدُورِ عِدَاهَا وَلا جَمَعُوا مَالاً وَلا كَسَبُوا لَهُمْ ... مَسَاكِنَ لا يَرْضَى الإِلَهُ بَنَاهَا وَمَا قَصَدُوا مِنْ سَفْكِهِمْ لِدَمِ الْعِدَى ... وَضَرْبِ طَلاهَا بِالطِّلا لِرَدَهَا سِوَى أَنَّهُمْ يُحْيُونَ شِرْعَةِ أَحْمَدٍ ... وَيُعْلُونَ مِنْهَا مَا وَهَى لِعُلاهَا وَلا هَمَّهُمْ جَمْعُ الْحُطَامِ فَزَخْرَفُوا ... قُصُورًا وَلا بَاهَوْا بِرَفْعِ بِنَاهَا وَلا قَصْدَهُمْ مِمَّنْ أَبَادُوهُ بِالْقَنَا ... وَتَطْوِيقِهِمْ بِالسَّيْفِ بيضَ طَلاهَا سِوَى رَفْعُ أَعْلامِ الشَّرِيعَةِ فِي الْوَرَى ... وَيَنْفُونَ عَنْهَا بَاطِلاً بِدَوَاهَا سَيَنْجَابُ عَنْهَا بِالصَّوَارِمِ مَا دَجَا ... فَيُشْرِقُ فِي الآفَاقِ نُورُ سَنَاهَا وَتَنْفُذُ فِي الطَّاغِي سِهَامُ قَسِيِّهِمْ ... فَتَظْهَرُ أَحْكَامُ الْهُدَى بِهُدَاهَا فَيَا مَنْ لَهُمْ فِي الدِّينِ أَقْصَرُ هِمَّةٍ ... إِلَى كَمْ تُمَنُّوَن النُّفُوسَ مُنَاهَا نَرَى كُلَّ يَوْمٍ مُنْكَرَاتٍ فَظِيعَةً ... وَلا نَتَحَامَى عَارَهَا وَعَرَاهَا وَمَا حَصَلَ الإِنْصَافُ مِنْ كُلِّ ظَالِمٍ ... فَحَيَّ هَلا يَا مَنْ يُرِيدُ حِمَاهَا تَعَالَوْا بِنَا نُحْيِي رِيَاضًا مِنَ الْعُلَى ... وَنَرْفَعُ أَعْلامَ الْهُدَى وَذُرَاهَا وَفُكُّوا عَنِ الأَفْكَارِ أَقْيَادَ شُغْلِهَا ... لِتَنْظُرَ فِي عُقْبَى مَآلِ عُلاهَا فَمَا اللهُ عَمَّا تَعْمَلُونَ بِغَافِلٍ ... سَيَجْزِي الْعِدَى يَوْمَ الْجَزَا بِجَزَاهَا فَفِي الذِّكْرِ أَخْبَارٌ بِسُوءِ مَآلِهِمْ ... إِذَا رَامَهَا مَنْ شَاءَهَا سَيَرَاهَا بِرَبِّكُمُوا رُدُّوا سَلامِي عَلَى أَمْرِي ... عَنْ السُّنَّةِ الْغَرَا أَمَاطَ قَذَاهَا خَلِيلَيَّ هَلْ مِنْ سَامِعٍ لِشَكِّيَّتِي ... إِذَا بُحْتُ بِالشَّكْوَى يَبُلُّ صَدَاهَا فَإِنْ تَجِدَاهُ فَاكْشِفَا عَنْ نِقَابِهَا ... وَإِلا فَبِالْكُفْءِ الْكَرِيمِ عِدَاهَا

стр. 3761

أَلَمْ تَسْمَعُوا تَجْرِيفَ سُنَّةِ أَحْمَدٍ ... وَسَومِ الأَعَادِي فِي مُرُوجِ حِمَاهَا إِذَا قِيلَ قَالَ اللهُ وَرَسُولُهُ ... يَقُولُونَ قَالَ الأَكْثَرُونَ سِوَاهَا بِلادٌ جَبِينَاهَا وَسُسْنَا أُمُورَهَا ... فَنَحْنُ كَمَنْ قَدْ سَاسَهَا وَجَبَاهَا وَإِنْ قِيلَ مَا شَأْنُ الْمَزَامِيرِ وَالْغِنَا ... بَلِ الظُّلْمُ قَالُوا كَيْ نُخِيفَ عِدَاهَا وَآذَانُهُمْ صُمُّ عَنِ الْحَقِّ وَالْهُدَى ... وَأَبْصَارُهُمْ قَدْ طَالَ عَنْهُ عَمَاهَا فَصَدُّوا وَمَا رَدُّوا شَرِيدًا وَهَدَّمُوا ... قَوَاعِدَ خَيْرُ الْمُرْسَلِينَ بَنَاهَا فَتَبًّا لَهَا تَبًّا وَسُحْقًا لِفِرْقَةٍ ... جَمِيعُ الضَّلالاتِ اشْتَرَتْ بِهُدَاهَا وَبُعْدًا لَهَا بُعْدًا وَتَبًّا لَهَا وَمَنْ ... يُحَاوِلُ مِنْهَا فِي الْجَهَالَةِ جَاهَا فَغَوْثَاهُ وَاغَوْثَاهُ هَلْ مِنْ مُثَابِرٍ ... يُزِيلُ قَذَاهَا سَيْفُهُ وَشَجَاهَا إذَا سُلَّ مِنْ نُورِ الشَّرِيعَةِ صَارِمًا ... عَلَى ظُلْمَةٍ لِلْظَّالِمِينَ جَلاهَا فَيَا لِلْعُقُولِ السَّامِيَاتِ إلَى الْعُلا ... وَيَا مَنْ مَنَحْتُمْ أنْفُسًا وَهُدَاهَا ألَسْنَا نَرَى في كُلِّ يَوْمٍ مَنَاكِرًا ... فَنُعْرِضُ لا نَنْهَى وَلا نَتَنَاهَا وَمَا كَانَ مِنَّا صَادِمٌ لِمُشَاغِبْ ... أَدَارَ مِنْ الْحَرْبِ الضَّرُوسِ رَحَاهَا فَحيِّ هَلا نُحْيِي مِنَ الْوَحْيِ سُنَّةً ... وَقَدْ سَنْحَتْ عَيْنٌ تُطِيلُ كَرَاهَا وَهُبُّوْا فَقَدْ طَالَ الْمَنامُ وَشَمِّرُوْا ... لِنَسْبَحْ في غَمْرَاتِها وَحَلاهَا فَقَدْ وَعَدَ الرَّحْمَنُ نُصْرَةَ دِيْنِهِ ... وَلَكِنْ قَضَى أنْ لِلأُمُورِ مَدَاهَا وَأَنْزَلَ في التَّنْزِيلِ أَخْبَارَ مَنْ طَغَى ... وَكَمْ ضُمِّنَتْ (طَسْ) مِنْه وَ (طَاهَا) فَيَالَ عِبَادِ اللهِ هَلْ مِنْ مُحَقِّقٍ ... عَلَى شِرْعَةِ الْمُخْتَارِ رَدَّ رُوَاهَا خَلِيلِي هَلا قَدْ وَجَدْتُمْ مُهَذَّبًا ... إِذَا بَُثَّتِ الشَّكْوَى إِلَيهِ وَعَاهَا فَإِنْ تَجِدَاهُ فَالْمَرَامُ وَجَدْتُمَا ... وَإِلا فَصُونَا وَجْهَهَا وَقَفَاهَا فَوَا حَزَنًا مِنْ هَجْرِ سُنَّةِ أَحْمَدٍ ... بِغَيْرِ تَحَاشٍ وَانْتِهَاكِ حِمَاهَا

стр. 3762

.. إِذَا قِيلَ مَا هَذِي الْمَقَايِسُ وَالْهَوَى ... يَقُولُونَ عَادَاتٌ وَنَحْنُ نَرَاهَا وَمُلْكٌ وَأَرَاض قَدْ جَبَيْنَا خَرَاجَهَا ... كَمَا سَاسَهَا مِنْ قَبْلَنَا وَجَبَاهَا وَإِنْ قِيلَ مَا شَأْنُ الْمَظَالِمِ جَهْرَةً ... يَقُولُونَ إِرْهَابُ فَقُلْتُ بَلاهَا قُلُوبٌ لَهُمْ لا تَعْقِلُ الْحَقَّ بَلْ وَلا ... تَلِينُ لِذِكْرِ اللهِ عِنْدَ قَسَاهَا اللهُمَّ أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنك سميع الدعاء. اللهُمَّ مكن محبتك في قلوبنا وقوها ونور قلوبنا بنور الإيمان وألهمنا ذكرك وشكرك بحضور قلب واجعلنا هداة مهتدين وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. عن عبد الله بن وابصة العبسي عن أبيه عن جده قَالَ: جاءنا رسول الله ? في منازلنا بمنى، ونحن نازلون بإزاء الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، وهو على راحلته مردفاً خلفه زيد بن حارثة. فدعانا؛ فوقف ما استجبنا له ولا خير لنا، وقد كنا سمعنا به وبدعائه في المواسم، فوقف علينا يدعونا فلم نستجب له، وكان معنا ميسرة بن مسروق العبسي. فَقَالَ لنا: أحلف بالله لو قد صدقنا هذا الرجل وحملناه حتَّى نحل به وسط بلادنا لكان الرأي، فأحلف بالله ليظهرن أمره حتى يبلغ كل مبلغ. فَقَالَ القوم: دعنا منك لا تعرضنا لما لا قبل لنا به. وطمع رسول الله ? في ميسرة، فكلمه؛ فَقَالَ ميسرة: ما أحسن كلامك وأنوره ولكن قومي يخالفونني وإنما الرجل بقومه، فإذا لم يعضدوه، فالعدى أبعد. فانصرف رَسُولِ اللهُ ? وخرج القوم صادرين إل أهليهم؛ فَقَالَ لهم ميسرة: ميلوا نأتي فدك؛ فإن بها يهوداً نسائلهم عن هذا الرجل؛ فمالوا إلى يهود، فأخرجوا سفراً لهم فوضعوه. ثم درسوا ذكر رَسُولِ اللهُ ? النبي الأمي العربي، يركب الحمار، ويجتزي بالكسرة، ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بالجعد، ولا بالبسط، في عينيه حمرة، مشرق

стр. 3763

اللون، فإن كان هو الَّذِي دعاكم، فأجيبوه، وادخلوا في دينه فإنا نحسده ولا نتبعه وإنا منه في مواطن بلاء عظيم، ولا يبقى أحد من العرب إلا اتبعه، وإلا قاتله فكونوا ممن يتبعه. فَقَالَ ميسرة: يا قوم ألا إن هذا الأمر بين، فَقَالَ القوم: نرجع إلى الموسم ونلقاه، فرجعوا إلى بلادهم، وأبى ذلك عليهم رجالهم، فلم يتبعه أحد منهم، فلما قدم رَسُولِ اللهُ ? المدينة مهاجراً وحج حجة الوداع لقيه ميسرة فعرفه. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ما زلت حريصاً على إتباعك من يوم أنخت بنا، حتَّى كان ما كان، وأبى الله إلا ما ترى من تأخر إسلامي، وقد مات عامة النفر الَّذِينَ كانوا معي، فأين مدخلهم يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهُ ? كل من مات على غير دين الإسلام فهو في النار. فَقَالَ: الحمد لله الَّذِي أنقذني؛ فأسلم وحسن إسلامه، وكان له عند أبي بكر مكان. اللهُمَّ وفقنا لسلوك مناهج المتقين وخصنا بالتوفيق المبين واجعلنا بفضلك من عبادك المخلصين الَّذِينَ لا خوف عليهم ولا هم يخزنون وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. عَنْ أَبِى مُوسَى الأشْعَري قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ? أَسْأَلُهُ لَهُمُ الْحُمْلاَنَ، إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ فَقَالَ: «وَاللهِ لاَ أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ» . وَوَافَقْتُهُ، وَهْوَ غَضْبَانُ وَلاَ أَشْعُرُ. فَرَجَعْتُ حَزِيناً مِنْ مَنْعِ رَسُولِ اللهِ ? وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ رَسُولِ اللهِ ? قَدْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرْتُهُمُ الَّذِي قَالَ رَسُولِ اللهِ ?، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلاَّ سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلاَلاً يُنَادِى أَيْ عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ. فَأَجَبْتُهُ.

стр. 3764

فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللهِ ? يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْت رَسُولَ اللهِ ?، قَالَ: «خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ - لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ - فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ. فَقُلْ: إِنَّ اللهَ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلاَءِ فَارْكَبُوهُنَّ» . فَانْطَلَقْتُ إِلى أصْحابي بِهِنَّ، فَقُلْتُ: إِنَّ رسول الله ? يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلاَءِ. وَلَكِنِّي وَاللهِ لاَ أَدَعُكُمْ حتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللهِ ? حينَ سَألْتُهُ لكُمْ، ومَنْعَهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ ثُمَّ إعْطاءَهُ إَّيايَ بَعْدَ ذَلِكَ، لاَ تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئاً لَمْ يَقُلْهُ. فَقَالُوا لِي: والله إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ؛ فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ حتَّى أَتَوُا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ? مَنْعَهُ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ، فَحَدَّثُوهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى. وعن كعب بن مالك قَالَ: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفُقِّهْنا ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا فلما توجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة. قَالَ البراء لنا: يا هؤلاء إني قد رأيت رأياً، فوالله ما أدري أتوافقونني عليه، أم لا؟ قلنا: وما ذاك؟ قَالَ: قد رأيت أن لا أدع هذه البنية مني بظهر - يعني الكعبة - وأن أصلي إليها. فقلنا: والله ما بلغنا أن نبيناً ? يصلي إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه، فَقَالَ: إني لمصل إليها فقلنا له: لكنا لا نفعل، فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى إلى الكعبة، حتَّى قدمنا مكة. وقد كنا قد عتبنا عليه ما صنع، وأبى إلا الإقامة على ذلك فلما قدمنا مكة قال لي: يا ابن أخي، انطلق بنا إلى رسول الله ? حتَّى نسأله عما صنعت في سفري هذا، فإنه والله لقد وقع فِي نَفْسِي منه شيء، لما رأيت من خلافكم إياي فيه.

стр. 3765

فخرجنا نسأل عن رسول الله ? وكنا لا نعرفه لم نره قبل ذلك، فلقينا رجلاً من أهل مكة، فسألناه عن رسول الله ? فَقَالَ: هل تعرفانه؟ قلنا: لا. قَالَ: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟ قلنا: نعم - وقد كنا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجراً - قَالَ: فإذ دخلتما المسجد؛ فهو الرجل الجالس مع العباس. قَالَ: فدخلنا المسجد، فإذا العباس جالس، ورسول الله ? جالس معه، فسلمنا، ثم جلسنا إليه. فَقَالَ رسول الله ? للعباس: ((هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل» ؟ قَالَ: نعم، هذا البراء بن معرور، سيد قومه، وهذا كعب بن مالك؛ فوالله ما أنسى قول رسول الله ?: ((الشاعر)) ؟ قَالَ: نعم. فَقَالَ له البراء بن معرور: يا نبي الله، إني خرجت في سفري هذا، وقد هداني الله للإسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتَّى وقع فِي نَفْسِي من ذلك شيء؛ فما ترى يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها؛ فرجع البراء إلى قبلة رسول الله ? وصلى معنا. إلى الشام وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتَّى مات، وليس ذلك كما قَالُوا، نحن أعلم به منهم. والله أعلم وصلى الله على مُحَمَّد اللهُمَّ اسلك بنا سبيل الأبرار، واجعلنا من عبادك المصطفين الأخبار، وامنن علينا بالعفو والعتق من النار، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. فَصْلٌ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ? فِي سَاعَةٍ لاَ يَخْرُجُ فِيهَا، وَلاَ يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: «مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ» ؟ فَقَالَ: خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ ? وَأَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ.

стр. 3766

فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ؛ فَقَالَ: «مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ» ؟ قَالَ: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ ?: «وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ» . فَانْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِى الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ الأَنْصَارِىِّ - وَكَانَ رَجُلاً كَثِيرَ النَّخْلِ والشَّجَرِ وَالشَّاءِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ - فَلَمْ يَجِدُوهُ. فَقَالُوا لاِمْرَأَتِهِ أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ فَقَالَتِ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ يَزْعَبُهَا، فَوَضَعَهَا ثُمَّ جَاءَ يَلْتَزِمُ النَّبِيَّ ? وَيُفَدِّيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ. ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَتِهِ، فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطاً، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ فَجَاءَ بِقِنْوٍ، فَوَضَعَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ?: «أَفَلاَ تَنَقيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ» . فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوا - أَوْ قَالَ تَخَيَّرُوا - مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ. فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ?: «وَالَّذِي نَفْسِي بَيّدِهِ مِنَ هَذا النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ظِلٌّ بَارِدٌ طَيِّبٌ، وَمَاءٌ بَارِدٌ» . فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ ِيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَاماً فَقَالَ النَّبيُّ ?: «لاَ تَذْبَحَنَّ لنا ذَاتَ دَرٍّ» . فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقاً - أَوْ جَدْياً - فَأَتَاهُمْ بِهَا فَأَكَلُوا. فَقَالَ النَّبِيُّ ? «هَلْ لَكَ خَادِمٌ؟» . قَالَ: لاَ، قَالَ: «فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَائْتِنَا» . فَأُتِيَ النَّبِيُّ ? بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ، فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ، فَقَالَ النَّبيُّ ?: «اخْتَرْ مِنْهُمَا» . فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ اخْتَرْ لِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ?: «إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هَذَا، فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّى، وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفاً» . فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ إِلَى امْرَأَتِهِ: فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ?. فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ? إِلاَّ أَنْ تَعْتِقَهُ، قَالَ: فَهُوَ عَتِيقٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ?: «إِنَّ اللهَ تعالى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً وَلاَ خَلِيفَةً إِلا وَلَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَبِطَانَةٌ لاَ تَأْلُوهُ خَبَالاً وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ» . والله أعلم وصلى الله على مُحَمَّد وأله وسلم. اللهُمَّ إنا نسألك رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا،

стр. 3767

وتلم بها شعثنا، وترفع بها شاهدنا، وتحفظ بها غائبنا، وتزكى بها أعمالنا، وتلهمنا بها رشدنا، وتعصمنا بها كل سوء يا أرحم الراحمين. اللهُمَّ ارزقنا من فضلك، وأكفنا شر خلقك، وأحفظ علينا ديننا وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ? خَيْبَرَ قَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلاَطٍ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي بِمَكَّةَ مَالاً وَإِنَّ لِي بِهَا أَهْلاً وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ آتِيَهُمْ أفَأَنَا فِي حِلٍّ إِنْ أَنَا نِلْتُ مِنْكَ أو قُلتُ شَيْئاً. فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ? أَنْ يَقُولَ مَا شَاءَ، فَأَتَى امْرَأَتَهُ حِينَ قَدِمَ فَقَالَ: اجْمَعِي لِي مَا كَانَ عِنْدَكِ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِىَ مِنْ غَنَائِمِ مُحَمَّد وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ قَدِ اسْتُبِيحُوا وَأُصِيبَتْ أَمْوَالُهُمْ. وَفَشَى ذَلِكَ بِمَكَّةَ فَانْقَمَعَ الْمُسْلِمُونَ وَأَظْهَرَ الْمُشْرِكُونَ فَرَحاً وَسُرُوراً. وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَعَقِرَ وَجَعَلَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ ... فَأَخَذَ ابْناً لَهُ يُقَالَ لَهُ قُثَمٌ وَاسْتَلْقَي، وَوَضَعَهُ عَلَى صَدْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: حِبِّي قُثَمْ شَبِيهُ ذِي الأَنْفِ الأَشَمْ ... نَبِيِّ ذِي النِّعَمْ يَزْعُم مَنْ زَعَمْ ثُمَّ أَرْسَلَ غُلاَماً لَهُ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ عِلاَطٍ، فَقَالَ وَيْلَكَ جِئْتَ بِهِ! وَمَاذَا تَقُولُ؟ فَمَا وَعَدَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتَ بِهِ فَقَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلاَطٍ: اقْرَأْ عَلَى أَبِي الْفَضْلِ السَّلاَمَ، وَقُلْ لَهُ فَلْيَخْلُ لِي فِي بَعْضِ بُيُوتِهِ لآتِيَهُ فَإِنَّ الْخَبَرَ عَلَى مَا يَسُرُّهُ. فَجَاءَ غُلاَمُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ بَابَ الدَّارِ قَالَ: أَبْشِرْ يَا أَبَا الْفَضْلِ، فَوَثَبَ الْعَبَّاسُ فَرَحاً حتَّى قَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ الْحَجَّاجُ فَأَعْتَقَهُ. ثُمَّ جَاءَهُ الْحَجَّاجُ فَأَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ? قَدِ افْتَتَحَ خَيْبَرَ وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ، وَجَرَتْ سِهَامُ اللهِ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَاصْطَفَى رَسُولُ اللهِ ? صَفِيَّةَ بِنْتَ

стр. 3768

حُيَىٍّ وَاتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ، وَخَيَّرَهَا أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ، أَوْ تَلْحَقَ بِأَهْلِهَا، فَاخْتَارَتْ أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ. وَلَكِنِّى جِئْتُ لِمَالٍ كَانَ هَا هُنَا أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَهُ فَأَذْهَبَ بِهِ، فَاسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ? فَأَذِنَ لِي أَنْ أَقُولَ مَا شِئْتُ فَأخْفِ عَنِّى ثَلاَثاً، ثُمَّ اذْكُرْ مَا بَدَا لَكَ فَجَمَعَتِ امْرَأَتُهُ مَا كَانَ عِنْدَهَا مِنْ حُلِىٍّ أَوْ مَتَاعٍ فَجَمَعْتهُ ودَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ انْشَمَرَ بِهِ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاَث أَتَى الْعَبَّاسُ امْرَأَةَ الْحَجَّاجِ فَقَالَ: مَا فَعَلَ زَوْجُكِ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَتْ: لاَ يَحْزُنْكَ اللهُ يَا أَبَا الْفَضْلِ لَقَدْ شَقَّ عَلَيْنَا الَّذِي بَلَغَكَ، قَالَ: أَجَلْ فَلاَ يُحْزِنُنِي اللهُ ولَمْ يَكُنْ بِحَمْدِ اللهِ إِلا مَا أَحْبَبْنَا، فَتَحَ اللهُ خَيْبَرَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ? وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ اللهِ وَاصْطَفَى رَسُولُ اللهِ ? صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ. فَإِنْ كَانَت لَكِ حَاجَةً فِي زَوْجِكِ فَالْحَقِي بِهِ، قَالَتْ: أَظُنُّكَ وَاللهِ صَادِقاً؟ قَالَ: فَإِنِّي لصَادِقٌ، وَالأَمْرُ عَلَى مَا أُخْبِرُتكِ، ثُمَّ ذَهَبَ حتَّى أَتَى مَجْلِسَ قُرَيْشٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ إِذَا مَرَّ بِهِمْ: لاَ يُصِيبِكَ إِلا خَيْرٌ يَا أَبَا الْفَضْلِ. قَالَ: لَمْ يُصِبْنِي إِلاَّ خَيْرٌ بِحَمْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ عِلاَطٍ أَنَّ خَيْبَرَ فَتَحَهَا اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ? وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ اللهِ، وَاصْطَفَى صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ سَأَلَنِي أَنْ أُخْفِىَ عَنهُ ثَلاَثاً، وَإِنَّمَا جَاءَ لِيَأْخُذَ مَالَهُ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ شَيْءٍ هَا هُنَا ثُمَّ يَذْهَبُ. فَرَدَّ اللهُ الْكَآبَةَ الَّتِي كَانَتْ بالْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ مَنْ كَانَ دَخَلَ بَيْتَهُ مُكْتَئِباً حتَّى أَتَى الْعَبَّاسَ فَأَخْبَرَهُمْ الخبر، فَسُرَّ الْمُسْلِمُونَ، وَرَدَّ مَا كَانَ مَنْ كآبةٍ أو غَيْظٍ وَحُزْنٍ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. والله أعلم اللهُمَّ اسلك بنا سبيل عبادك الأبرار ووفقنا للتوبة والاستغفار واحطط عنا ثقل الأوزار يا عزيز يا غفار وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ

стр. 3769

يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) عن جرير بن عبد الله البجلي قَالَ: رجل مع أبي موسى الأشعري، وكان صوت ونكاية في العدو، فغنموا مغنماً فأعطاه أبو موسى بعض سهمه، فأبى أن يقبله إلا جميعاً، فجلده أبو موسى عشرين سوطاً، وحلقه، فجمع الرجل شعره، ثم ترحل إلى عمر بن الخطاب، حتَّى قدم عليه. فدخل على عمر بن الخطاب، وكنت أقرب الناس من عمر، فأدخل على عمر شعره، ثم ضرب به صدر عمر بن الخطاب، ثم قَالَ: أما والله لولا النار؛ فَقَالَ عمر: صدق والله لولا النار. فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، إني كنت ذا صوت ونكاية، فأخبره بأمره، وَقَالَ: ضربني أبو موسى عشرين سوطاً، وحلق رأسي، وهو يرى أنه لا يقتص منه. فَقَالَ عمر – رضوان الله عليه -: لأن يكون الناس كلهم على صرامة هذا أحب لي من جميع ما أفاء الله علينا. فكتب عمر إلى أبي موسى: سلام عَلَيْكَ، أما بعد؛ فإن فلاناً أخبرني بكذا وكذا، فإن كنت فعلت ذاك في ملأ من الناس، فعزمت عَلَيْكَ لما قعدت له في ملأ من الناس حتَّى يقتص منك. فقدم الرجل، فَقَالَ له الناس: اعف عنه، فَقَالَ: لا والله لا أدعه لأحد من الناس، فلما قعد أبو موسى ليقتص منه رفع الرجل رأسه إلى السماء ثم قَالَ: اللهُمَّ إني قد عفوت عنه. والله أعلم وصَلَّى اللهُ وَعَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وسلم. (فَصْلٌ) عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ حتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أَهْلُ الأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ.

стр. 3770

فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لِيَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ. فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لأَمْرٍ وَلاَ نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ? وَلاَ نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ. فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي. ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِيَ الأَنْصَارَ؛ فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلاَفِهِمْ. فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي. ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ. فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ رَجُلاَنِ فَقَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلاَ تُقْدِمْهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ. فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ابْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَاراً مِنْ قَدَرِ اللهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ - وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلاَفَهُ - نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ. أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطْتَ وَادِياً لَهُ عِدْوَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: خَصْبَةٌ، وَالأُخْرَى: جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ. فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ مُتَغَيِّباً فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْماً؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ? يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ» . فَحَمِدَ اللهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثُمَّ انْصَرَفَ. والله أعلم وصَلَّى اللهُ وَعَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وسلم. اللهُمَّ حبب إلينا الإيمانَ وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ اللهُمَّ انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، ووفقنا للعمل بما فهمتنا، اللهُمَّ إن كنا مقصرين في حفظ حقك، والوفاء بعهدك، فأنت

стр. 3771

تعلم صدقنا في رجاء رفدك، وخالص ودك، اللهُمَّ أنت أعلم بنا منا، فبكمال جودك تجاوز عنا، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) عن أنس بن مالك: كنا عند عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - إذ جاءه رجل من أهل مصر، فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، هذا مقام العائذ بِكَ، قَالَ: وما لك؟ قَالَ: أجرى عمرو بن العاص بمصر الخيل فأقبلت فرسي، فلما رآها الناس قام مُحَمَّد بن عمرو فَقَالَ: فرسي ورب الكعبة؛ فلما دنا مني عرفته، فقلت: فرسي ورب الكعبة فَقَامَ إلي فضربني بالسوط، ويقول: خذها وأنا ابن الأكرمين. فوالله ما زاده عمر على أن قَالَ له: اجلس، ثم كتب إلى عمرو إذا جاءك كتابي هذا فأقبل، وأقبل معك بابنك مُحَمَّد؛ فدعا عمرو ابنه فَقَالَ: أأحدثت حدثاً؟ أجنيت جناية؟ قَالَ: لا، قَالَ: فما بال عمر يكتب فيك. فقدم على عمر؛ فو الله إنا عند عمر حتَّى إذا نحن بعمرو وقد أقبل في إزار ورداء، فجعل عمر يلتفت هل يرى ابنه، فإذا هو خلف أبيه، فَقَالَ: أين المصري؟ فَقَالَ: ها أنا ذا،قَالَ: دونك الدرة فاضرب ابن الأكرمين، اضرب ابن الأكرمين، فضربه حتَّى أثخنه. ثم قَالَ: أحلها على صلعة عمرو! فو الله ما ضربكَ إلا بفضل سلطانه فَقَالَ: يا أمير المؤمنين قد ضربت من ضربني، قَالَ: أما والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه حتَّى تكون أنت الَّذِي تدعه، أيا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحراراً ثم التفت إلى المصري، فَقَالَ: أنصرف راشداً، فإن رابكَ ريب فاكتب إلى. كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص – عام الرمادة -: (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى العاصي ابن العاصي،

стр. 3772

سلام عَلَيْكَ، أما بعد: أفتراني هالكاً ومن قبلي وتعيش أنت ومن قبلك؟ فيا غوثاه -) . فكتب إليه عمرو بن العاص: (بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من عمرو بن العاص، سلام عَلَيْكَ؛ فإني أحمد إليك الله الَّذِي لا إله إلا هو، أما بعد: (فقد) أتاك الغوث فلبث، لأبعثن إليك بعيراً أولها عندك وآخرها عندي) . فلما قدم أول الطعام كلم عمر بن الخطاب الزبير بن العوام فَقَالَ له: تعترض للعير فتميلها إلى أهل البادية فتقسمها بينهم؛ فو الله لعلك لا تكون أصبت بعد صحبتك رسول الله شيئاً أفضل منه؛ فأبي الزبير واعتل. وأقبل رجل من أصحاب النبي ? فَقَالَ عمر: لكن هذا لا يأبي؛ فكلمه عمر ففعل وخرج، فَقَالَ له عمر: أما لقيت من الطعام فمل به إلى أهل البادية. فأما الظروف فاجعلها لحُفاً يلبسونها، وأما الإبل فأنحرها لهم يأكلون من لحومها، ويحملون من ودكها، ولا تنتظر أن يقولوا ننتظر بها الحيا، وأما الدقيق فيصطنعون ويحرزون حتَّى أمر الله لهم بالفرج. وكان عمر يصنع الطعام وينادي مناديه: من أحب أن يحضر طعاماً فيأكل فليفعل، ومن أحب أن يأخذ ما يكفيه وأهله فليأت، فليأخذه. اللهُمَّ توفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) عن عبد الله بن عمر قَالَ: قدمت رفقة من التجار، فنزلوا المصلى فَقَالَ عمر لعبد الرحمن بن عوف: هل لك أن نحرسهم الليلة من السرق؟ (قَالَ: نعم) ، فباتا يحرسانهم ويصليان ما كتب الله لهما، فسمع عمر بكاء

стр. 3773

صبي فتوجه نحوه فَقَالَ لأمه: اتقي الله وأحسني إلى صبيك. ثم عاد مكانه، فسمع بكاءه فأتى أمه فَقَالَ (لها مثل ذلك، ثم عاد إلى مكانه، فلما كان آخر الليل سمع بكاء الصبي فأتي إلى أمه فَقَالَ لها:) ويحك، إني لأراك أم سوء، مالي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة (من البكاء) ؟ قالت: يا عبد الله قد أبرمتني منذ الليلة، إني أريغه عن الفطام فيأبي، قَالَ: ولم؟ قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للفطم، قَالَ: وكم له؟ قالت: كذا وكذا شهراً، قَالَ ويحك لا تعجليه (عن الفطام) . فصلى الفجر وما يستبين الناس قراءته من غلبة البكاء، فلما سلم قَالَ: يا بؤساً لعمر، كم قتل من أولاد المسلمين! ثم أمر منادياً؛ فنادى: ألا، لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، وكتب بذلك إلى الآفاق، إنا نفرض لكل مولود في الإسلام. وعن أسلم العدوي مولى عمر قَالَ: بينما أنا مع عمر بن الخطاب وهو يعس بالمدينة إذا أعيا فاتكا على جانب جدار في جوف الليل، وإذا امرأة تقول لابنتها: يا بنتاه قومي إلى ذلك فامذقيه بالماء. قَالَ لها: يا بنية قومي إلى اللبن فامذقية بالماء فإنه بموضع لا يراك عمر، ولا منادي عمر، فقالت الصبية لأمها: يا أمتاه، الله ما كنت لأطيعه في الملأ، وأعصيه في الخلاء، وعمر يسمع ذلك كله، فَقَالَ: يا أسلم علم الباب، واعرف الموضع، ثم مضى في عسسه. فلما أصبح قَالَ: يا أسلم امض إلى الموضع فانظر من القائلة ومن المقول لها، وهل لهم من بعل، فأتيت الموضع فنظرت فإذا الجارية أيم لا

стр. 3774

بعل لها، وأذا تيكَ أمها ليس لها بعل. فأتيت عمر وأخبرته، فدعي عمر ولده فجمعهم، فَقَالَ: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة فأزوجه، لو كان بأبيكم حركة إلى النساء ما سبقه منكم أحد إلى هذه الجارية. فَقَالَ عبد الله: لي زوجة، وَقَالَ عبد الرحمن: لي زوجة، وَقَالَ عاصم: يا أبتاه، لا زوجة لي، فزوجني، فبعث إلى الجارية، فزوجها من عاصم؛ فولدت له بنتاً، وولدت البنت عمرَ بن عبد العزيز – ﵀ – والله أعلم اللهُمَّ وفقنا لمحبتك ومحبة رسلك وأوليائك وعبادك الصالحين وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ? فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ? فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ إِلاَّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ غَيْرَ أَنِّى تَخَلَّفْتُ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبِ أَحَداً تَخَلَّفَ عَنْهَا إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ? وَالْمُسْلِمُونَ يُرِيدُون عِيرَ قُرَيْشٍ جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ. وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ? لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا على الإسْلاَمِ وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا. وكَانَ مِنْ خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ? فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى، وَلاَ أَيْسَرَ مِنِّى حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَاللهِ مَا اجْتَمَعَتْ قَبْلَهَا رَاحِلَتَينِ قَطُّ حتَّى جَمَعْتُهُمَا تِلْكَ الْغَزْوَةَ. وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ? يُرِيدُ غَزْوَةَ إِلاَّ وَرَّي بِغَيْرِهَا حتَّى كَانَتْ تِلْك

стр. 3775

الْغَزْوَةُ غَزَاهَا رَسُولُ اللهِ ? فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَراً بَعِيداً وَمَفَازاً، وأسْتَقْبَلَ عَدُوّاً كَثِيراً فَجَلاَّ لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهَمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزُوِّهِمْ، وَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِم الَّذِي يُرِيدُ. وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ? كَثِيرٌ لاَ يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ، يُرِيدُ بذلك الدِّيوَانَ، قَالَ كَعْبٌ: فَقل رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلاَّ ظَنَّ أَنْ ذلِك سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْىٌّ مِنَ اللهِ وَغَزَا رَسُولُ اللهِ ? تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلاَلُ فَأنا إلَيْهَا أصْعَرُ فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللهِ ? وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئاً، وَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَرَدْتُ، وَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ. فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ? وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئاً، ثُمَّ غَدَوْتُ فرَجَعْتُ، وَلَمْ أَقْضِ شَيْئاً فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ. فياَلَيْتَنِي فَعَلْتُ، ثم َلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ وَطَفِقْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ? يَحْزَنَنِي أَنِّى لاَ أَرَى لي أسْوَةً إِلاَّ رَجُلاً مَغْمُوصاً عَلَيْهِ فيَ النِّفَاقِ أَوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ. وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ ? حتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ: «مَا فَعَلَ كَعْبٌ بْنُ مَالِك؟» . فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ يَا رَسُولَ اللهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ والَنْظُرُ فِي عِطْفَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَمَا قُلْتَ، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَلِمْنَا إِلاَّ خَيْراً، فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ? فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ، فَرَأىِ رَجُلاً مُبَيَّضَّاً يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ?: كُنْ أبا خَيْثَمَةَ، فَإذَا هُوَ أبُو خَيْثَمَةَ الأنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِينَ لَمَزَهُ المُنافقُونَ.

стр. 3776

قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ? قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلاً مِنْ تَبُوكَ حَضَرَنِي بَثَّي فطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ بِمَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَداً وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْىٍ مِنْ أَهْلِي. فَلَمَّا قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ? قَدْ َظَلَّ قَادِماً رَاحَ عَنِّى الْبَاطِلُ حتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لاَ أنْجُوَ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَداً فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ وَأصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ? قَادِماً، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَ الْمُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلاً، فَقَبِلَ مِنْهُمْ عَلاَنِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَوَكِلُ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللهِ جِئْتُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَ» . فَجِئْتُ أَمْشِى حتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لي: «مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنِ قِد ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنِّي وَاللهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنيْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلاً. وَلَكِنْ وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَىَّ وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَىَّ فِيهِ إِنِّي لأَرْجُو فيه عُقْبَي الله . وفي رواية: عَفْوَ اللهِ. وَاللهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٌ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلاَ أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. قَالَ: رَسُولُ اللهِ ?: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حتَّى يَقْضِىَ اللهُ فِيكَ» . فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، فَاتَّبَعُونِي. فَقَالُوا: وَاللهِ مَا عَلِمْنَاكَ أَذْنَبْتَ ذَنْباً قَبْلَ هَذَا، لَقَدْ عَجَزْتَ في أَنْ لاَ تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ? بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافَِيكَ ذَنْبِكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ ? لَكَ، فَوَ اللهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ? فَأُكَذِّبَ نَفْسِي.

стр. 3777

قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُم: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلاَنِ قَالاَ مِثْلَ مَا قُلْتَ، وَقِيلَ لَهُمَا مَا قِيلَ لَكَ. قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَامْرِىُّ، وَهِلاَلُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُُّ قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْراً فِيهِمَا أُسْوَةٌ، قَالَ فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي قَالَ: وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ? المُسْلمِينَ عَنْ كَلاَمِنَا أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ. قَالَ: فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، أوْ قَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا حتَّى تَنَكَّرَتْ لي فِي نَفْسِي الأَرْضُ، فَمَا هِي بِالأرْضَِ الَّتِي أَعْرِفُ فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَاىَ، فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ. وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلاَةَ، وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ فَلا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِى رَسُولَ اللهِ ? وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَأُسَلِّمُ فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلاَمِ أَمْ لاَ؟ . ثُمَّ أُصَلِّى قَرِيباً مِنْهُ فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلاَتِي نَظَرَ إِلَىَّ، فَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي حتَّى إِذَا طَالَ عَلَىَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِى قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَىَّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَ اللهِ مَا رَدَّ عَلَىَّ السَّلاَمَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ أَنْشُدُكَ اللهَ هَلْ تَعْلَمُنِ أنَّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ، فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَاي،َ وَتَوَلَّيْتُ حتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ. فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِى في سُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إلى حتَّى جَاءَنِي، فدَفَعَ إِلَىَّ كِتَاباً مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، وَكُنْتُ

стр. 3778

كَاتِباً فَقَرَأتُهُ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلاَ مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِيكَ. قَالَ: فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهَا: وَهَذَه أَيْضاً مِنَ الْبَلاَءِ فَتَيَمَّمْتُ بِهِ التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُا حتَّى إِذَا مَضَتْ لَنَا أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الْخَمْسِينَ، وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، وَإِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ ? يَأتِينِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ? يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ. قَالَ: فَقُلْتُ: أُطَلِّقْهَا؟ أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لاَ بَلِ اعْتَزِلْهَا فَلاَ تَقْرَبْهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ حتَّى يَقْضِىَ اللهُ هَذَا الأَمْرَ. قَالَ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلاَلِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللهِ ? فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: «لاَ وَلَكِنْ لاَ يَقْرَبَنَّكِ» . قَالَتْ: إِنَّهُ وَاللهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ، وَوَالله مَا زَالَ يَبْكِى مُنذْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِه هَذَا. قَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللهِ ? فِقد إذن لأمْرَأَة هِلاَلِ بْنِ أُمَيَّةَ تَخْدُمُهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ لاَ أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ? وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ? إِذا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا؟ وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ. قَالَ: فَلَبِثْتُ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، فكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى عَنْ كَلاَمِنَا. قَالَ: ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاَةَ الصبَّحِ صَباحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا. فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِة الَّتِي ذَكَرَ اللهُ مِنَّا قَدْ ضَاقَتْ عَلَىَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَىَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ بِأعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ! أَبْشِرْ.

стр. 3779

قَالَ فَخَرَرْتُ سَاجِداً، وَعَلِمْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجُ، قَالَ: وَأَذِنَ رَسُولُ اللهِ ? النَّاس بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاَةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونِنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَىَّ فَرَساً، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ مِنْ قِبَلِي، وَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ. فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعَتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبُشارَته وَاللهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ أيَمَّمُ رَسُولَ اللهِ ?. فَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجاً فَوْجاً يُهَنِّئُونِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: وَلِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْكَ حتَّى دَخَلْنا الْمَسْجِدَ فَإذَا رَسُولِ اللهِ ? حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَرْوِلُ حتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، والله مَا قَامَ إِلَىَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ. فَكَانَ كَعْبٌ لاَيَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولُ اللهِ ?، قَالَ: وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ، قَالَ: «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» . قَالَ فقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّه ِ؟ قَالَ: «بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ،» . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ? إِذَا سُرَّ اسْتَنَار وَجْهُهُ حتَّى كَأَنَّ وَجْهُهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ. قَالَ: وَكَنَّا نَعْرَفُ ذَلِكَ. قَالَ: فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِه؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» . قَالَ: فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. قَالَ وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا نَجَّانِي الله بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لاَ أُحَدِّثَ إِلاَّ صِدْقاً مَا بَقِيتُ، فَوَاللهِ مَا أَعْلَمْتُ أَحَداً أبْلاَهُ اللهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنذْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لرَسُولَ اللهِ ? إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللهُ فِيمَا بَقِىَ.

стр. 3780

قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ حتَّى بلغ ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ حتَّى بلغ ﴿اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ لله﴾ . قَالَ كَعْبٌ: وَاللهِ مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَىَّ مِنْ نِعْمَةٍ قط بَعْدَ إذْ هَدَانِي لِلإِسْلاَمِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لرَسُولَ اللهِ ? أَنْ لاَ أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوهُ، إِنَّ اللهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ فَقَالَ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ . قَالَ كَعْبٌ: كُنَّا خَلفْنَا أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ? حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللهِ ? أَمْرَنَا حتَّى قَضَى اللهُ تعالى فِيهِ بِذَلِكَ. قَالَ اللهُ ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَه مَا خَلفَنَا عَنِ الْغَزْوِ وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إلَيْه فَقَبِلَ مِنْهُ. رواه البخاري ومسلم، واللفظ له، ورواه أبو داود والنسائي بنحوه مفرّقاً مختصراً، وروى الترمذي قطعة من أوله، ثم قَالَ وذكر الحديث. اللهُمَّ وفقنا لما وفقت إليه القوم وأيقظنا من سنة الغفلة والنوم وارزقنا الاستعداد لذلك اليوم الَّذِي يربح فيه المتقون اللهُمَّ وعاملنا بإحسانك وجد علينا بفضلك وامتنانك واجعلنا من عبادك الَّذِينَ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون اللهُمَّ ارحم ذلنا بين يديك واجعل رغبتنا فيما لديك، ولا تحرمنا بذنوبنا، ولا تطردنا بعيوبنا، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

стр. 3781

قال بعضهم: إِنَّ أُولِي الْعِلْمِ بِمَا فِي الْفِتَنْ ... تَهَيَّبُوهَا مِنْ قَدِيْمِ الزَّمَنْ فَاسْتَعْصَمُوا الله وَكَانَ التُّقَى ... أَوْفَى لَهُم فِيْهَا مِنْ أوفى الْجُنَنْ وَاِجتَمَعوا في حُسنِ تَوفيقِهِ ... وَاِفتَرَقوا في كُلِّ سَعيٍ حَسَنْ فَعالِمٌ مُستَجِدٌ عامِلٌ ... يَسْلُكُ بِالنَّاسِ سَواءَ السُّنَنْ يَْنثُرُ مِنْ فِيهِ لَهُمْ جَوهَرًا ... مِنْ عِلْمِهِ لَيْسَ لَهُ مِنْ ثَمَنْ يَقْسِمُهُ طُلابُهُ بَيْنَهُمْ ... قِسْمَةَ تَعْدِيلٍ بِقَدْرِ الْفِطَنْ وَبُهْمَةٌ مُخْتَرِطٌ سَيْفَهُ ... يُغْمِدُهُ فِي هَامِ أَهْلِ الْوَثَنْ يَلْبَسُ مِنْ إِيمَانِهِ لأمْةً ... فَضْفَاضَةً يَغْنَى بِهَا عَنْ مِجَّنْ وَحَابِسٌ فِي بَيْتِهِ نَفْسَهُ ... مُعْتَزِلٌ مُسْتَمْسِكٌ بِالسُّنَنْ يَأْخُذُ مِنْ دُنْيَاهُ قُوتًا لَهُ ... مُقْتَنِعًا مِثْلَ عِذَارِ الرَّسَنْ قَدْ جَعَلَ الْبَيْتَ كَقَبْرٍ لَهُ ... وَبُرْدُهُ فِيهِ لَهُ كَالْمَفَنْ فَهُوَ خَفِيفُ الظَّهْرِ لَكِنَّهُ ... أَثْقَلُ فِي مِيزَانِهِ مِنْ حَضَنْ وَهَارِبٌ شُحًّا عَلَى دِينِهِ ... إِلَى الْبَرَارِي وَرُؤوسِ الْقُنَنْ يَأْنَسُ بِالْوِحْدَةِ فِي بِيدِهَا ... أَكْثَرَ مِنْ تَأْنِيسِهِ بِالسَّكَنْ لا يَرْهَبُ الأُسَدَ وَمَنْ لَمْ يَخُنْ ... سَيِّدَهُ فِي عَهْدِهِ لَمْ يُخَنْ وَتَائِبٌ مِنْ ذَنْبِهِ مُشْفِقٌ ... يَبْكِي بُكَاءَ الْوَاكِفَاتِ الْهُتُنْ تَخَالُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ ... فِي ظُلَمِ اللَّيْلِ كَمِثْلِ الْغُصُنْ إِنْ مَهَّدَ النَّاسُ لِدُنْيَاهُمُ ... شَمَّرَ فِي تَمْهِيدِهِ لِلْجَنَنْ كَأَنَّمَا الأَرْضُ لَهُ أَيْكَةٌ ... وَهُوَ بِهَا قُمْرِيَّةٌ فِي فَنَنْ وَصَامِتٌ فِي قَلْبِهِ مِقْوَلٌ ... بِالذِّكْرِ للهِ طَوِيلٌ لَسِنْ

стр. 3782

.. تَرَاهُ كَالأَبْلَهِ فِي ظَاهِرٍ ... وَهُوَ مِنْ أذْكَى النَّاسِ فِيمَا يَظُنْ قَدْ نَوَّرَ اللهُ لَهُ قَلْبَهُ ... بِالذِّكْرِ فِي السِّرِّ لَهُ وَالْعَلَنْ فَإِنْ يَبِنْ بِالْفِكْرِ عَنْ صَحْبِهِ ... فَجِسْمُهُ بَيْنَهُمُ لَمْ يَبِنْ وَإِنْ لَغَوا جَلِيسٌ لَهُمْ ... لَمْ يَلِجِ اللَّغْوُ لَهُ فِي أُذُنْ فِي مَلَكُوتِ اللهِ سُبْحَانَهُ ... تَجُولُ أَلْبَابُ لُبَابِ الْفِطَنْ فَهُمْ خُصُوصُ اللهِ فِي أَرْضِهِ ... حَقًّا بِهِمْ تُدْرَأُ عَنَّا الْمِحَنْ سَمَوا بِفَضْلِ اللهِ نَحْوَ الَّتِي ... مَنْ حَلَّ فِي جِيرَتِهَا قَدْ أَمِنْ وَنَزَّهُوا الأَنْفُسَ عَنْ مَنْزِلٍ ... نَازِلُهُ مُسْتَوْفِزٌ لِلظَّعَنْ وَسَمَّروا الْخَيْلَ لِيَوْمٍ بِهِ ... يُنْكَبَ مَنْ يَرْكَبُ فَوْقَ الْهُجُنْ فَلَيْتَنِي كُنْتُ لَهُمْ خَادِمًا ... وَلَيْتَنِي إِذْ لَمْ أَكُنْ لَمْ أَكُنْ وَمَنْ سِوَاهُمْ فَرِجَالٌ رَجَوا ... أَنْ يَعْبُرُوا الْبَحْرَ بِغَيْرِ السُّفُنْ وَإِنَّمَا قَصَّرَ بِي عَنْهُمُ ... حُبِّي لِدَارٍ مُلِئَتْ بِالْفِتَنْ لا غَارَتِ الدُّنْيَا وَلا أَنْجَدَتْ ... فَالْعَاقِلُ الْحُرُّ بِهَا مُمْتَحَنْ تَمِيلُ لِلأَحْمَقِ مِنْ أَهْلِهَا ... وَهِيَ عَلَى عَاقِلِهِمْ تَضْطَغِنْ يَا عَجَبًا مِنْ غَفْلَتِي بَعْدَ أَنْ ... نَادَانِيَ الشَّيْبُ أَلا فَارْحَلَنْ! وَأَدْرِكِ الْفَائِتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ ... يَفْجَأَكَ الْمَوْتُ فَلا تُنْظَرَنْ أَقْبَحُ مَنْ تَرْمُقُهُ مُقْلَةٌ ... مُبْصِرَةٌ شَيْخٌ خَليِعُ الرَّسَنْ تَقْتَادُهُ الدَّهْرَ دَوَاعِي الْهَوَى ... إِلَى الصِّبَا مِثْلَ اقْتِيَادِ الْبُدُنْ يَأْمُلُ آمَالَ فَتَىً يَافِعٍ ... كَأَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْخٍ يَفَنْ لَيْسَ جَمَالُ الشَّيْخِ إلا التَّقَى ... وَالْمََحْوُ لِلْسُّوءِ بِفِعْلٍ حَسَنْ شُغِلْتُ بِالْوَصْفِ وَلَوْ أَنَّنِيْ ... أُشْغَلُ بِالْمَوْصُوْفِ كُنْتُ الفَطِنْ

стр. 3783

.. وَلَمْ أَبِعْ رُشْدًا بِغَيٍّ وَلَمْ ... أَرْضَ بِعَقْلِي مِثْلَ هَذا الغَبَنْ إِنّا إِلَى اللهِ لَقَدْ حَاقَ بِي ... مَا يُورِثُ الْخِزْيَ غَدًا وَالْحَزَنْ وَالْحَمْدُ للهِ فَفِي كَفِّهِ ... مَنْحٌ لِمَنْ شَاءَ وَفِيهَا الْمِنَنْ وَهْوَ الَّذِي أَرْجُو فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ... عِنْدَ رَجَائِي فِيهِ طَوْلاً فَمَنْ؟ اللهُمَّ احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين واحفظنا بالإسلام راقدين، ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين، اللهُمَّ قو إيماننا بفهم آياتك، وارزقنا العمل بها، وزدنا علماً ينفعنا، وأصلح نياتنا، ووفقنا لذكرك وشكرك، وارزقنا حبِكَ، وحب من يحبِكَ، وحب العمل الَّذِي يقربنا إلى حبِكَ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. وبعد فقد رأيت أنه من المناسب أن أختم هذا الكتاب على كثير من الأحكام والآداب الشرعية وأسأل الله الحي القيوم العلي العظيم القوي العزيز الحكيم ذا الجلال والإكرام الواحد الأحَد الفرد الصَّمَد الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ أن ينفع بها نفعاً عاماً من قرأها ومن سمعها ومن حضرها وأن يفتح لنا ولإخواننا المسلمين باب القبول والإجابة اللهُمَّ صَلَّى اللهُ وَعَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ آمين يا رب العالمين. من منظومة الآداب لابن عبد القوي ﵀: بِحَمْدِكَ ذِي الإكْرَامِ مَا رُمْتُ أبْتَدِي كَثِيرًا كََمَا تَرْضَى بِغَيْرِ تَحَدُّدِ وَصَلِّ عَلَى خَيْرِ الأَنَامِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ مِنْ كُلِّ هَادٍ وَمُهْتَدِي

стр. 3784

وَبَعْدُ فَإِنِّي سَوْفَ أُنْظِمُ جُمْلَةٌ مِن الأَدَبِ الْمَأْثُورِ عَنْ خَيْرِ مُرْشِدِ مِن السُّنَّةِ الْغَرَّاءِ أَوْ مِنْ كِتَابِ مَنْ تَقَدَّسَ عَنْ قَوْلِ الْغُواةِ وَجُحَّدِ ومِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ عُلَمَائِنَا أَئِمَّةِ أَهْلِ السِّلْمِ مِنْ كُلِّ أَمْجَدِ لَعَلَّ إِلَهَ الْعَرْشِ يَنْفَعُنَا بِهِ وَيُنْزِلُنَا فِي الْحَشْرِ فِي خَيْرِ مَقْعَدِ الأمن لَهُ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ رَغْبَةٌ لِيُصْغِ بِقَلْبٍ حَاضِرٍ مُتَرَصِّدِ وَيَقْبَلَ نُصْحًا مِنْ شَفِيقٍ عَلَى الْوَرَى حَرِيصٍ عَلَى زَجْرِ الأَنَامِ عَنِ الرَّدِيِ فَعِنْدِيَ مِن عِلْمِ الْحَدِيثِ أَمَانَةٌ سَأَبْذُلُهَا جُهْدِي فَأَهْدِي وَأَهْتَدِي أَلا كُلُّ مَنْ رَامَ السَّلامَةَ فَلْيَصُنْ جَوَارِحَهُ عَنْ مَا نَهَى اللهُ يَهْتَدِي يَكُبُ الْفَتَى فِي النَّارِ حَصْدُ لِسَانِهِ وَإِرْسَالُ طَرْفِ الْمَرْءِ أنْكَى فَقَيِّدِ وَطَرْفُ الْفَتَى يَا صَاحِ رَائِدُ فَرْجِهِ وَمُتْعِبُهُ فَاغْضُضْهُ ما اسْطَعْتَ تَهْتَدِي وَيَحْرُمُ بُهْتٌ واغْتِيَابٌ نَمِيْمَةٌ

стр. 3785

.. وإِفْشَاءُ سِرٍ ثُمَّ لَعْنُ مُقَيَّدِ وَفُحْشٌ وَمَكْر وَالْبِذَا وَخَدِيعَةٌ وسُخْرِيًّةٌ والهُزْؤُ وَالْكِذْبَ قَيِّدِ بِغَيْرِ خِدَاعِ الْكَافِرِينَ بِحَرْبِهِم وَللعرْس أَوْ إِصْلاحِ أَهْلِ التَّنَكُّدِ وَيَحْرُمُ مِزْمَارٌ وَشُبَّابَةٌ وَمَا يُضَاهِيهِمَا مِنْ آلَةِ اللَّهْوِ والرَّدي وَلَوْ لَمْ يُقَارِنْهَا غِنَاءٌ جَمِيعُهَا فَمنْهَا ذَوُو الأَوْتَارِ دُونَ تَقَيُّدِ وَلا بَأْسَ بالشِّعْرِ الْمُبَاحَِ وَحِفْظِهِ وَصَنْعَتِهِ مَنْ رَدَّ ذَلِكَ يَعْتَدِي فَقَدْ سَمَعَ الْمُخْتَارُ شِعْر َصَحَابَةٍ وَتَشْبِيبِهُمِ مِن غَيْرِ تَعِيِينِ خُرَّدِ وَحَظْرَ الْهِجَا والْمَدْحِ بالزُّورِ وَالْخَنَا وَتَشْبِيبِهِ بِالأَجْنَبِيَّاتِ أَكِّدِ وَوَصْفِ الزِّنَا وَالْخَمْرِ وَالْمُرْدِ وَالنِّسَا الْـ ـفَتِيَّاتِ أَوْ نَوْحِ التَّسَخُّطِ مُورَدِ وَأَوْجِبْ عَن الْمَحْضُورِ كَفَّ جَوَارِحٍ وَنَدْبٌ عَنِ الْمَكْرُوهِ غَيْرَ مُشَدِّدِ وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ يَا فَتَى عَنِ الْمُنْكَرِ اجْعَلْ فَرْضَ عَيْنٍ تُسَدَّدِ
следующие страницы →