← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسِ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاَثٍ فَلْيَفْعَلْ» . رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلا التٍّرْمِذِي. وَثَبَتَ عَنْ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ الوِتْرَ رَكْعَةٌ مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرِ، وَعُمَرُ، وَعَائِشَةُ ﵃ وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ أَهْلِ العِلْمِ: مَالِكٍ، وَالشَّافِعِي وَغَيْرِهِمْ - رَحِمَهُم اللهُ تَعَالَى. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى مَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ) . وِفِي لَفْظٍ: كَانَ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةٍ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ. وَأَدْنَى الكَمَالِ فِي الوِتْرِ ثَلاثُ رَكَعَاتٍ بِسَلامَيْنِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللهِ بِنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبي ﷺ عَنِ الوِتْرِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «افْصِلْ بَيْنَ الوِاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ» . رَوَاهُ الأَثْرَمُ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ بِيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ بِالتَّسْلِيمِ في الوِتْرِ، حَتَّى أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِبِعْضِ حَاجَتِهِ. رَوَاهُ البُخَارِي. وَيَجُوزُ سَرْدُ الثَّلاثِ بِسَلامٍ وَاحِدٍ، فَلا يَجْلِسْ إلا فِي آخِرِهِنَّ، وَتَجُوزُ كَمَغْرِبِ. وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الإِمَامِ رَكْعَةً مِنَ الثَّلاثِ فَإِنْ كَانَ الإِمَامُ يُسَلِّمُ مِن كُلِّ اثْنَتَيْنِ أَجْزَأَ لأَنَّ أَقَلَّ الوِتْرِ رَكْعَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الإِمَامُ يُسَلِّم مِنْ كُلِّ اثْنَتَينِ قَضَى، لِحَدِيثِ: «مَا أَدْرَكْتُمُوهُ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكم فَاقضُوا» . وَلأنَّ القَضَاءِ يَحْكِي الأَدَاءَ.

стр. 422

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِتَدَبُّرِ كِتَابِكَ وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ وَجَمْعِ الفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَوَاعِدَ الإِيمَانِ فِي قُلُوبِنَا وَشَيِّدْ فِيهَا بُنْيَانَهُ وَوَطِّدْ فِيهَا أَرْكَانَهُ وَأَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ، وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، وَفِي الثَّالِثَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: (كَانَ النبي ﷺ يُوتِرُ بِثَلاثٍ لا يَفْصِلُ فِيهِنَّ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنِّسَائِي. وَعَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنِّسَائِي، وَزَادَ: وَلا يُسَلِّمُ إلا فِي آخِرِهِنَّ، وَلأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِي عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ، وَفِيهِ كُلُّ سُورَةٍ في رَكْعَةٍ، وَفِي الأَخِيرَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالمعَوِّذَتَينِ. والسُّنَّةُ لِمَنْ أَوْتَرَ بِمَا زَادَ عَلى رَكْعَةٍ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبي ﷺ كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالوِتْرِ، وَيُسِنُّ فِعْلُ الرَّكْعَةِ عَقِبَ الشَّفْعِ بَلا تَأْخِيرٍ لَهَا عَنْهُ، وَإْنَ صَلَّى الإِحْدَى عَشْرَةَ كُلَّهَا بِسَلامٍ وَاحِدٍ بَأَنْ سَرَدَ عَشْرًا وَتَشَهَّدَ

стр. 423

التَّشَهُّدَ الأوَّلَ، ثُمَّ قَامَ فَأَتَى بِالرَّكْعَةِ حَازَ، أَوْ سَرَدَ الجَمِيعِ وَلَمْ يَجْلِسَ إِلا فِي الأَخِيرَةْ جَازَ لَكِنْ الصِّفَةُ الأُولَى أَوْلَى لأَنَّهَا فِعْلُهُ ﷺ . ٤- عدد ركعاتها: يَجُوزُ الوِتْرُ بِخَمْسٍ وَبِسَبْعٍ وَبِتِسْعٍ، فَإِنْ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ سَرَدَ تَمَامًا وَجَلَسَ وَتَشَهَّدَ التَّشَهُّد الأوَّلَ وَلَمْ يُسَلِّم، ثُمَّ إِذَا صَلَّى التَّاسِعَةَ وَتَشَهَّدَ سَلَّمَ، لِمَا وَرَدَ عَنْ سَعِيدِ بْنَ هِشَامِ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ؟ قلتُ: يَا أُمَّ الْمُؤمِنينَ أَنْبِئيني عَنْ وَتْرِ رَسُول اللهِ ﷺ ، فقالت: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَبُولُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّى تِسْعَ رَكَعَاتٍ لاَ يَجْلِسُ فِيهَا إِلاَّ فِي الثَّامِنَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمَّ يَنْهَضُ وَلاَ يُسَلِّمُ فَيُصَلِّى التَّاسِعَةَ ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا فَيُسْمِعُنَا ثُمَّ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَأَنْ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ أَوْ بِخَمْسٍ لَمْ يَجْلِسْ إِلا فِي آخِرِِهَا لِمَا وَرَدَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبْعٍ وَبِخَمْسٍ لا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ سَلامٌ وَلا كَلامٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنِّسَائِي، وَابْنُ مَاجَة. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ ولاَ يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ فِي آخِرِهِنَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. واللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.

стр. 424

فصل في دعاء القنوت في الوتر: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْنُتَ في الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ لأَنَّهُ صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَنْ عَمْرُو، وَعَلي: أَنَّهُمَا كَانَا يَقْنُتَانِ بَعْدَ الرُّكُوعِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَثْرَمُ. وَلَوْ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيِهِ ثُمَّ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ جَازَ لِحَديث أبي بن كَعْبٍ: أَنَّ النَّبي ﷺ كَانَ يَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَرَوَى الأَثْرَمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ في الوِتْرِ، وَكَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ القِرَاءَةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَنَتَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ابْنِ الخَطِيبِ: وَالقُنُوتُ: الدَّعَاءُ وَهُوَ مَا رُوِي عَنْ عُمَرَ ﵁: أَنَّهُ قَنَتَ فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَهْدِيكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ وَنَتُوبُ إِلَيْكَ، وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ، وَنُثْنِي عَلَيْكَ الخَيْرَ كُلَّهُ وَنَشْكُرُكَ وَلا نَكْفُرَكَ وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُكَ. اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ إِنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بِالكُفَّارِ مُلْحِقٌ. وَرَوَى الحَسَنُ بنُ عَلِي ﵄ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولَ اللهِ ﷺ كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ في قُنُوتِ الوِتْرِ وَهُنَّ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شِرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإْنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ إِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ» . وَعَنْ عَلِي بِنْ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي وِتْرِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِي أَعُوذُ بِرَِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكِ، لا نُحْصِي ثََنَاءٌ عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا

стр. 425

أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» . رَوَاهُ الخَمْسَةُ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبي ﷺ ، لِحَدِيثِ الحَسَنِ بِنْ عَلِي ﵁ وَفي آخِرِهِ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ. رَوَاهُ النِّسَائِي. وَعَنْ عُمَرَ: (الدُّعَاءُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّي عَلَى نَبِيَّكَ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِي. ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ هُنَا، وَخَارِجَ الصَّلاةِ إِذَا دَعَا. لِعُمُومِ حَدِيثَ ابنِ عُمَرَ ﵄: كَانَ النبي ﷺ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ، لا يَحُطُّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِي. وَلِقَوْلِهِ ﷺ في حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «فَإِذَا فَرَغْتَ فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَة. وَيُؤَمِّنُ المُنْفَرِدُ الضَّمِيرَ، وَإِذَا سَلَّمَ مِنَ الوِتْرِ سُنَّ قَوْلُهُ: «سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ» - ثَلاثَ مَرَّاتٍ - يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي الثَّالِثَةِ، لِمَا رَوَى أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذِا سَلَّمَ فِي الوِتْرِ قَالَ: «سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ» . وَزَادَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ يُطِيلُ في آخِرِهِنَّ. وَفِي رِوَايةٍ لِلنِّسَائِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِنْ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ: «سُبْحَانَ الملكِ القُدُّوسِ» ثَلاثًا، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالثَّالِثَةِ. وَصَلِّ بِشَهْرِ الصَّوْمِ عَشْرِينَ رَكْعَةً ... تَرَوِايحَ فِي جَمْعٍ وَبِالوِتْرِ شَيِّدِ وَقُمْ بَعْدَهَا وَاشْفَعْ هُدِيتَ بِرَكْعَةٍ ... لِتُوتِرَ إِمَّا شِئْتَ بَعْدَ التَّجَهُّدِ وَأَفْضَلُ نَفْلِ المَرْءِ لَيْلاً بِبَيْتِهِ ... فَقُمْ تِلْوَ نِصْفٍ مِثْلِ دَاوُدَ فَاسْجُدِ وَإِنْ شِئْتَ اجْهَرْ فِيهَ مَا لَمْ تَخَفْ أَذَى ... لإِبْعَادِ شَيْطَانٍ وَإِيقَاظِ رُقَّدِ وَخُذْ قَدْرَ طَوْقِ النَّفْسِ لا تَسْأَمَنَّهُ ... وَقِلْ تَسْتَعِنْ بِالنَّوْمِ عِنْدَ التَّجَهُّدِ

стр. 426

فَإِنْ لَمْ تُصَلِّ فَاذْكُرِ اللهِ جَاهِدًا ... وَتُبْ وَاسْتَقِلْ مِمَّا جَنَيْتَ وَسَدِّدِ فَلا خَيْرَ فِي عَبْدٍ نَؤُومٍ إِلَى الضُّحَى ... أَمَا يَسْتَحِي مَوْلاً رَقِيبًا بِمَرْصَدِ يُنَادِيهُ هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَ سُؤْلَهُ ... وَمُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرْ لَهُ وَيُؤَيَّدِ اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا تَوْفِيقًا يَقِينًا عَنْ مَعَاصِيكَ وَأَرْشِدْنَا إِلَى السَّعْي فَيمَا يُرْضِيكَ وَأَجِرْنَا يَا مَوْلانَا مِنْ خِزْيِكَ وَعَذَابِكَ وَهْبَ لَنَا مَا وَهَبْتَهُ لأَوْلِيَائِكَ وَأَحْبَابِكَ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ انْظِمْنَا فِي سِلْكِ حِزْبِكَ المُفْلِحِينَ، وَاجْعَلنا مِنْ عِبَادِكَ المُخْلَصِينْ وَأَمِّنَا يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ يَوْمَ الدِّينْ، وَاحْشُرْنَا مَعَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) : وَيَبْحَثُ فِي: ١- مَا وَرَدَ مِنَ الحَثِّ عَلَى الاجْتِهَادِ فِي العَشْرِ الأَخِيرِ مِنْ رَمَضَان، وَالحَثِّ عَلَى القِيَامِ عُمُومًا. ٢- مَا وَرَدَ في فَضْلِ هَذَا العَشْرِ الأَخِيرِ، وَالحَثِّ عَلَى القِيَامِ عُمُومًا. ٣ - مَا وَرَدَ في لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ الفَضْلِ وَذِكْرِ عَلامَتِهَا. ١- مَا وَرَدَ مِنَ الحَثِّ عَلَى الاجْتِهَادِ في العَشْرِ الأَخِيرَةِ مِنْ رَمَضَانَ: يُسْتَحَبُّ الاجْتِهَادُ وَالحِرْصُ عَلَى مُدَاوَمَةِ القَيَامِ في العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَان وَإِحْيَاؤُهَا بِالعِبَادِةِ وَاعْتِزَالُ النِّسَاءِ وَأَمْرُ الأَهْلِ بِالاسْتِكْثَارِ مِنَ الطَّاعَةِ فِيهَا، لِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الأوَاخِرُ أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَشَدَّ الْمِئْزَرَ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 427

وَعْنَهَا قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي العَشْرِ الأَوِاخِرِ مِنْهُ مَالا يَجْتَهْدُ فِي غَيْرِهِ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِي مِنْ حَدِيثِ عَلِي ﵁: (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يُوقِظُ أَهْلَهُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ يُطِيقُ الصَلاةَ) . وَفِي التِّرمِذِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: (لَمْ يَكُن النَّبي ﷺ إِذَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ عَشْرَةُ أَيَّامٍ يَدَعُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ يُطِيقُ القِيَام إِلا أَقَامَهُ) . ٢- مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ هَذَا العَشْرِ الأَخِيرِ: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إِلا ابْن مَاجَة. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُّوٌ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. قَالَ ابنُ جَرِيرٍ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَغْتَسِلُ، وَيَتَطَيَّبُ فِي اللَّيَالِي التِّي تَكُونُ أَرْجَى لِلَيْلَةِ القَدْرِ. وَرُوِيَ عَنْ أَنْسٍ ﵁ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَيْلَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ اغْتَسَلَ وَتَطَيَّبَ وَلَبِسَ حُلَّةً وَأْزَرَارًا وَرِدَاءً، فَإِذَا أَصْبَحَ طَوَاهُمَا فَلْمَ يَلْبَسْهُمَا إِلَى مِثلِهَا مِنْ قَابِلَ. وَقَالَ حَمَّادُ بنُ سَلََمَةَ: كَانَ ثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ يَلْبِسَانِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِمَا

стр. 428

وَيَتَطَيَّبَانِ وَيُطَيِّبَانِ المَسْجِدَ بِالنُّضُوحِ وَالدُّخْنَةٍ فِي اللَّيْلَةِ التي تُرْجَى فِيهَا لَيْلَةُ القَدْرِ فَيُسْتَحَبُّ فِي اللَّيَالِي التي تُرْجَى فِيهَا لَيْلَة القَدْرِ التَّنَظُّفُ وَالتَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُّنِ بِالغُسْلِ وَالطِّيبِ وَاللبَاسِ الحَسَن كَمَا شُرِعَ ذَلِكَ فِي الجُمَعِ وَالأَعْيَادِ، وَكَذَلِكَ يُشْرِعُ أَخْذَ الزِّينَةِ مِنَ الثِّيَابِ في سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: (اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُتَزَيَّنَ لَهُ) . وَرُوِيَ عَنْهُ مَرْفُوعًا عَنِ النَّبي ﷺ : «وَلا يَكْمُلُ التَّزَينُ الظَّاهِرُ إِلا بِتَزْيينِ البَاطِنِ بِالتَّوْبَةِ وَالإِنَابَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَتَطْهِيرِهِ مِنْ أَدْنَاسِ الذُّنُوبِ، وَاللهُ سُبْحَانُهُ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَجْسَامِكُمْ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» . شِعْرًا: إِذَا صَدَرَتْ مِنْكَ الذُّنُوبِ فَدَاوِهَا ... بِرَفْعِ يَِد فِي اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ مُظْلِمُ وَلا تَقْنَطَنَّ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّمَا ... قُنُوطُكَ مِنْهَا مِنْ خَطَايَاكَ أَعْظَمُ فَرَحْمَتُهُ لِلْمُحْسِنِينَ كَرَامَةٌ ... وَرَحْمَتُهُ لِلْمُذْنِبِينَ تَكَرُّمُ آخر: عَلَيْكَ بِإِخْلاصِ العِبَادَةِ لِلَّذِي ... لَهُ نِعَمٌ لا تَنْحَصِي وَفضَائِلُ فَمَنْ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيُزَيّنْ ظَاهِرَهُ بِاللِّبَاسِ، وَبَاطِنَهُ بِلِبَاسِ التَّقْوَى، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ . عِبَادَ اللهِ: إِنَّ عَشْرَكُمْ هَذَا هُوَ العَشْرُ الأَخِيرُ، وَفِيهِ الخَيْراتُ وَالأجُورُ الكَثِيرَةُ تَكْمُلَ فِيهَ الفَضَائِلُ، وَتَتِمُّ فِيهِ المَفَاخِرُ، وَيَطَّلَعُ عَلَى عِبَادِهِ الرَّبُ العَظِيمُ الغَافِرُ وَيُنِيلُهُمْ الثَّوَابَ الجَزِيلَ الوَافِرَ فِيهِ تَزْكُو الأَعْمَالُ وَتَنَالُ الآمَالُ، وَقَدْ ذَكَرَ جَلَّ وَعَلا مِنْ مَحَاسِنِ أَهْلِ الإِيمَانِ، أَنَّهُم تَتَجَافى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ، عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَل عَنِ النبي صَلَّى

стр. 429

اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ ، قَالَ: هِيَ قِيَامُ العَبْدِ أَوَّلَ اللَّيْلِ. وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النّبي ﷺ قَالَ: «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَين: رَجُلٌ ثَارَ مِن وَطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بِيْنِ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلاتِهِ رَغبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي» . الحَدِيث. وَقَالَ الحَسَنُ، وَمُجَاهِدُ، وُمالِكُ، وَالأَوْزَاعِي وَغَيرُهُم: (إِنَّ المُرَادَ بِالتَّجَافِي القِيَامُ لِصَلاةِ النَّوَافِلِ بِاللَّيْلِ) ، وِفِي آيَةِ سُورَةِ الذَّارِيَاتِ أَخْبَرَ جَلَّ وَعَلا أَنَّهُم كَانُوا يَنَامُونَ القَلِيلَ مِنَ اللَّيْلِ وَيَتَهَجَّدُونَ مُعْظَمَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ . قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: مَا تَأْتِي عَلَيْهِمْ لَيْلةٌ يَنَامُوا حَتَّى يُصْبِحُوا إِلا يُصَلُّونَ فِيهَا شَيْئًا، إِمَّا مِنْ أَوَّلِهَا أَوْ مِنْ أَوْسَطْهَا. وَقَالَ الحَسَنُ: كَابَدُوا قِيَامَ اللَّيلِ فَلا يَنَامُوا مِنَ اللَّيْلِ إِلا قَلِيلَهُ. شِعْرًا: خُضُوعٌ وَخَوْفٌ وَاحْتِشَامٌ وَذِلَّةٌ ... وَهَذَا لِمَنْ يَرُجو النَّجَاةَ قَلِيلُ فَهَلْ لِي مِن الأَحْزَانِ حَظُّ مُوَفَّرٌ ... وَهَلْ لِي إِلَى طُولِ البُكَاءِ سَبِيلُ لَعَلِّي أَنْ أُحْظَى بِقُرْبٍ وَلَذَّةٍ ... وَيَحْصُلُ لِي بَعْدَ الفِرَاقِ وُصُولُ آخر: يَا عَاشِقَ العَيْشِ فِي الدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا ... هَلْ أَخْلَدِ النَّاسَ مَا حَازَوْا وَمَا عَمَرُوا عَلَيْكَ بِاللَّيْلَ فِي الأَذْكَارِ تُعمرهُ ... وَدَعْ مَلذَّاتِهِ الأخْرَى لِمَنْ كَفَرُوا لَغَمْسَة في جِنَانِ الخُلْدِ خَاطِفَةً ... تُنْسِيكَ مَا مَرَّ مِنْ بُؤْسٍ لَهُ خَطَرُ آخر: ... وَأَهْوَى مِنَ الفِتْيَانِ كُلَّ مُوَحَّدٍ ... يُلازِمَ ذِكْرَ اللهِ يَهوى التَّعَبُّدَا نَفَى النَّومَ عَنْ عَيْنَيْهِ نَفْسٌ تَقِيَّةٌ ... لَهَا فِي ظَلامِ اللَّيْلِ طُولُ تَهَجَّدِ وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمِ.

стр. 430

فصل وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُم، وَهُوَ قُرْبُكُم مِنْ رَبِّكم وَمَغْفِرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإِثْمِ» . وَقَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: كَانَ الأَحْنَفُ بنُ قَيسٍ يَقُولُ: عَرَضْتُ عَمَلِي عَلَى عَمَلِ أَهْل الجَنَّةِ، فَإِذَا قَوْمٌ قَدْ بَايَنُونُا بَوْناً بَعِيدَا، وَإِذَا قَوْمٌ لا تُبْلَغُ أَعْمَالُهُمْ، كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَعَرضْتُ عَمَلِي عَلَى عَمِلِ أَهْلِ النَّارِ، فَإِذَا قَوْمٌ لا خَيْرَ فِيهِمْ مُكَذِّبُون بِكِتَابِ اللهِ وَلرُسُلِ اللهِ، مُكَذِّبُون بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، فَقْدَ وَجَدْتُ مِن خَيْرِنَا مَنْزِلةٌ قَوْماً خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِنْ زَيْدٍ بِنْ أَسْلَمَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِِي تَمِيمٍ لأَبِي: يَا أَبَا أُسَامَةَ صِفَة لا أَجْدُهَا فِينَا، ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى قَوْمًا فَقَالَ: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ وَنَحْنُ واللهِ قَلِيلاً مَا نَقُومُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي ﵁: طُوبَى لَمَنْ رَقَدَ إِذَا نَعَسَ، وَاتَّقَى اللهُ إِذَا اسْتَيْقَظَ. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنِ سَلامٍ ﵁: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المدينةَ انْجَفَلَ النَّاسُ عَنْهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ انْجَفَلَ، فَلَمَّا رَأَيْتُ وَجْهَهُ ﷺ عَرِفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّاب، فَكَانَ أَوَّلَ مَا سَمِعْتُ مَنْهُ ﷺ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَأَفْشُوا السَّلامِ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةْ بِسَلامٍ» . لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ ... كَانَتْ بَدِيهَتُهُ تَأْتِيكَ يَا الخَبَرَ اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَثَبِّتْ مَحَبَّتَكَ فِيهَا وَقَوِّهَا وَأَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَارْزُقْنَا حُبَّ أَوْلِيَائِكَ وَبُغْضَ أَعْدِائِكَ وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي

стр. 431

الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. موعظة إِخْوَانِي: إِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ كَمَا عَلِمْتُمْ فِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ وَثَوَابٌ جَزِيلٌ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ جَلَّ وَعَلا، وَهُوَ مِنْ أَثْقَلِ شَيْءٍ عَلَى النَّفْسِ وَلا سِيَّمَا بَعْدَ أَنْ يَرْقُدَ الإِنْسَانُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ خَفِيفًا بِالاعْتِيَادِ، وَتْوطِينِ النَّفْسِ وَتَمْرِينِهِا عَلَيْهِ وَالمُدَاوَمَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى المَشَقَّةِ وَالمُجَاهَدَةْ في الابْتِدَاءِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْشَرِحُ وَيَنْفَتِحُ بَابُ الأُنْسِ بِاللهِ وَتَلَذُّ لَهُ المُنَاجَاةُ وَالخَلْوَةُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَشْبَعُ الإِنْسان مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، فَضْلاً عَنْ أَنْ يَسْتَثْقِلَهُ أَوْ يَكْسَلَ عَنْهُ كَمَا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ. قَالَ بَعْضُهُم: أَهْلُ اللَّيْلِ فِي لَيْلِهِم أَلَذُّ مِنْ أَهْلِ اللَّهْوِ فِي لَهْوِهِمْ وَيَا بُعْدَ مَا بَيْنَ الحَالَتَينَ، فَسُبْحَانَ مَنْ وَفَّقَ أَقْوَامًا فَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِالنَّوَافِل، وَأَبْعَدَ بِحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ آخَرِينَ فَهُمْ عَنْ مَا يَنْفَعهم فِي حَاضِرِهم وَمَآلِهِم غَافِلُونَ. شِعْرًا: ذُنُوبُكَ يَا مَغْرُورُ تُحْصَى وَتُحْسَبُ وَتَجْمَعُ فِي لَوْحٍ حَفِيظٍ وَتُكْتَبُ وَقَلْبُكَ فِي سَهْوٍ وَلَهْوٍ وَغَفْلَةٍ وَأَنْتَ عَلَى الدُّنْيَا حَرِيصٌ مُعَذَّبُ تُبَاهِي بِجَمْعِ المَالِ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ وَتَسْعَى حَثِيثًا فِي المَعَاصِي وَتُذْنِبُ أَمَا تَذْكُرُ المَوْتَ المُفَاجِيكَ فِي غَدٍ أَمَا أَنْتَ مِن بَعْدِ السَّلامَةِ تَعْطَبُ

стр. 432

أَمَا تَذْكُرُ القَبْرَ الوَحِيشَ وَلَحْدَهُ بِهِ الجِسْمُ مِنْ بَعْدِ العَمَارَةِ يَخْرُبُ أَمَا تَذْكُرُ اليَوْمَ الطَّوِيلَ وَهُوَ لَهُ وِمِيزَانَ قَسْطٍ لِلْوَفَاءِ سَيُنْصَبُ تُرُوحُ وَتَغْدُو فِي مَرَاحِكَ لاهِيًا وَسَوْفَ بِأَشْرَاكِ المَنِيَّةِ تَنْشَبُ تُعَالِجُ نَزْعَ الرُّوحِ مِنْ كُلِّ مَفْصِلٍ فَلا رَاحِمٍ يُنْجِى وَلا ثَمَّ مَهْرَبُ وَغُمضَتِ العَيْنَانِ بَعْدَ خُرُوجِهَا وَبُسِّطَتْ الرِّجْلانِ وَالرَّأْسُ يُعْصَبُ وَقَامُوا سِرَاعًا فِي جِهَازَكَ أَحْضَرُوا حَنُوطًا وَأَكْفَانًا وَلِلْمَاءِ قَرَّبُوا وَغَاِسُلَك المَحْزُونُ تَبْكِي عُيُونُهُ بِدَمْعٍ غَزِيرٍ وَاكِفٍ يَتَصَبَّبُ وَكُلُّ حَبِيبٍ لُبُّهُ مُتَحَرِّقٌ يُحَرِّكُ كَفَّيْهِ عَلَيْكَ وَيَنْدُبُ وَقَدْ نَشَرُوا الأَكْفَانَ مِنْ بَعْدِ طَيِّهَا وَقَدْ بَخَّرُوا مَنْشُورَهُنَّ وَطَيَّبُوا وَأَلْقُوكَ فِيمَا بَيْنَهُنَّ وَأَدْرَجُوا عَلَيْكَ مَثَانِي طَيِّهُنَّ وَعَصَّبُوا وَفِي حُفْرَةٍ أَلْقَوْكَ حَيْرانَ مُفْرَدًا تَضُمَّكَ بَيِدَاءٌ مِنَ الأَرْضِ سَبْسَبُ إِذَا كَانَ هَذَا حَالُنَا بَعْدَ مَوْتِنَا فَكَيْف يَطِيبُ اليَومَ أَكْلٌ وَمَشْرَبُ؟!

стр. 433

وَكَيْفَ يَطِيبُ العَيْشُ وَالقَبْرُ مَسْكنٌ بِهِ ظُلُمَاتٌ غَيْهَبٌ ثُمَّ غَيْهَبُ وَهَوْلٌ وَدِيدَانٌ وَرَوْعٌ وَوَحْشَةٌ وَكُلُّ جَدِيدٍ سَوْفَ يَبْلَى وَيذْهَبُ فَيَا نَفْسُ خَافِي اللهَ وَارْجِي ثَوَابَهُ فَهَادِمُ لَذَّاتِ الفَتَى سَوْفَ يَقْرُبُ وَقُولِي إِلَهِي أَوْلِنِي مِنْكَ رَحْمَةً وَعَفْوًا فَإِنَّ اللهَ لِلذَّنْبِ يُذْهِبُ وَلا تُحْرِقَنْ جِسْمِي بِنَارِكَ سَيِّدِي فَجِسْمِي ضَعِيفٌ وَالرَّجَا مِنْكَ أَقْرَبُ فَمَا لِي إَلا أَنْتَ يَا خَالِقَ الوَرَى عَلَيْكَ اتِّكَالِِي أَنْتَ لِلْخَلْقِ مَهْرَبُ وَصَلِّي إَلَهِي كُلَّمَا ذَرَّ شَارِقٌ عَلَى أَحْمَدَ المُخْتَارِ مَا لاحَ كَوْكَبُ اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّكِ بَعْدَ اليَقِينِ، وَمِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَمِنْ شَدَائِدِ يَوْمِ الدِّينِ، وَنَسْأَلكَ رِضَاكَ وَالجَنَّةَ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ سَخَطِكَ واَلنَّارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا إِذَا عَرِقَ الجَبِينُ وَاشْتَدَّ الكَرْبُ وَالأَنِينُ، اللَّهُمَّ عَافِنَا مِنْ مَكْرِكَ وَزَيِّنَّا بِذِكْرَكَ وَاسْتَعْمِلْنَا بَأَمْرِكَ وَلا تَهْتِكَ عَلَيْنَا جَمِيلَ سِتْرِكَ وَامْنُن عَلَيْنَا بِلُطْفِكَ وَبِرِّكَ وَأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ، اللَّهُمَّ سَلَّمْنَا مِنْ عَذَابِكَ وَآمِنَّا مِنْ عَقَابِكَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.

стр. 434

ليلة القدر فضائلها وعلاماتها عن ابن عمر ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيًا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ - أَوْ قَالَ -: تَحَرُّوهَا لَيْلةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ» . يَعْنِي لَيْلَةَ القَدْرِ. رواه أحمد بإسناد صحيح. وعن ابن عباس ﵄: أَنَّ رَجُلاً أَتَى نَبِيَّ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنِّي شَيْخُ كَبِيرٌ عَلِيلٌ يَشُقُّ عَلَيّ القِيامُ فَأْمُرْنِي بِلَيلةٍ لَعَلَّ اللهَ يُوَفِقُنِي فيِهَا لِلَيْلةِ القَدْرِ، فَقَالَ: «عَلَيْكَ بالسَّابِعَةِ» رواه أحمد. وَعَنْ زِرِّ بِن حُبَيْشٍ قَالَ: سَمِعْتُ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ يَقُولُ: وَقِيلَ لَهُ إِنَّ عَبْدَ اللهِ بن مَسْعُودٍ ﵁ يقولُ: مَنْ قَامَ السَّنَةَ أَصَابَ لَيْلَةَ القَدْرِ، فَقَالَ أُبَيّ: واللهِ الذي لا إله إلا هُو إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ يَحْلِفُ مَا يَسْتَثْنِي، وَاللهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَيَّ لَيْلَةٍ هِيَ، هِيَ اللَّيْلَةُ التي أَمَرَنَا رَسولُ اللهِ ﷺ بِقِيَامِهَا هِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعْشرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ في صَبِيحَةِ يَوْمِهَا لا شُعَاعَ لَهَا. رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي وصححه. وَرَوَى البُخَارِيُّ عن أبي سَعِيدٍ ﵁ – قَالَ: اعْتَكَفْنَا مَعَ النَّبِيّ ﷺ العَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضانَ، فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا وَقَالَ: «إِنِّي رَأَيْتُ لَيْلَةَ القَدْرِ ثم أنسِيتُهَا أَوْ نَسَيْتُهَا، فالتَمسُوهَا في العَشْرِ الأوَاخِرِ في الوِتْرِ، إني رَأَيْت ُأَنِّي أَسْجُدُ في مَاءٍ وَطِينٍ فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلْيَرْجِعْ» . فَرَجَعْنَا وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حتى سَالَ

стр. 435

سَقْفُ الْمَسْجِدِ وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ - وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْجُدُ في الْمَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِينِ فِي جَبْهَتِهِ. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بن أَنِيس: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ القَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا وَإِذَا بِي أَسْجُدُ صَبِيحَتهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ» . قَالَ: فَمُطِرْنَا في لَيْلَةِ ثلاثٍ وَعِشْرِينَ فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَانْصَرفَ، وَإنَّ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ. رواه أحمد، ومسلم وزاد. وَعن أبي بكرةَ: أنه سَمِعَ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقُول: «التَمِسُوهَا في تِسْعٍ بَقِينَ أَوْ سَبْعٍ بَقِينَ، أَوْ خَمْسٍ بَقِينَ، أَوْ ثَلاثٍ بَقِينَ، أَوْ آخرَ لَيْلةٍ» . قَالَ: وَكَانَ أُبُو بَكْرَةَ يُصَلِّي في العِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ صَلاتَهُ في سَائِرِ السَّنَةِ فَإِذَا دَخَلَ العَشْرُ اجْتَهد. رواه أحمد، والترمذي وصححه. وعن أبي نَضْرَةَ عن أبي سعيدٍ في حديث لَهُ: أَنَّ النَّبِي ﷺ خَرَجَ على الناس فَقال: «يا أيُّهَا النَّاسُ إنها كانَتْ أُبِينَت لي ليلةُ القَدْرِ، وَإني خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُم بِهَا فَجَاءَ رَجُلانِ يَحْتَقَّانِ مَعْهُمَا الشَّيْطَانُ فَنَسِيتُهَا، فالتَمِسُوهَا في العَشْرِ الأواخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، التَمِسُوهَا في التَّاسِعَةِ، وَالْخَامِسَةِ، وَالسَّابِعَةِ» . قَالَ: قُلْتُ يَا أَبَا سَعِيدٍ: إنكم أَعْلَمُ بِالعَدَدِ مِنَّا، فقال! أَجَل نَحْنُ أَحَقُ بِذَلِكَ مِنْكُمْ، قَالَ: قُلْتُ: مَا التَّاسعةُ، والسابعةُ، والخامسةُ؟ قَالَ: إِذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ فَالتِي تَلِيهَا اثْنَانِ وَعِشْرُونَ فَهِيَ التَّاسِعَةُ، فإذا مَضَتْ ثَلاثٌ وَعِشْرُونَ فَالتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ، فإذا مَضَتْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَالتِي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ. رواه أحمد، ومسلم.

стр. 436

وعن ابن عباس ﵁: أنَّ النبيَ ﷺ قال: «التَمِسُوهَا في العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ القَدْرِ في تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى» . رواه أحمد، والبخاري، وأبو داود. وَفِي رِوَايَة: قال رسول الله ﷺ : «هِي فِي العَشْر الأخِيرِ، سَبْعٌ يَمْضِينَ، أَوْ تِسْعٌ يَبْقِينَ، يَعْنِي لَيْلَةَ القَدرِ» . رواه البخاري. وعن ابن عُمَرَ ﵄ – أَنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِي ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي المنامِ في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فقال رسول الله ﷺ : «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيًا فَلْيَتْحَرَّهَا في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ» . وَلِمُسْلِمٍ قَالَ: أُرِيَ رَجُلٌ أّنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فقال النبي ﷺ : «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَاطْلُبُوهَا في الوِتْرِ مِنْهَا» . وعن عائشة ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «تَحَرُّوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِن رمضان» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالبُخَارِيُّ. وَعَنْ عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ القَدْرِ فَتَلاحَى رَجُلانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ فَتَلاحَى فلانٌ وَفلانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ فَالتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ» . رَوَاهُ البخاري.

стр. 437

وَعن عبدِ الله بن أُنَيْسٍ ﵁ قال: قُلْتُ يَا رسولَ اللهِ، إنَّ لِي بَادِيةً أَكُونُ فيها وأنا أُصَلِّي فِيهَا بِحَمْدِ اللهِ، فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ أَنْزِلُها إِلى هَذَا الْمَسْجِدِ فَقَالَ: «انْزِلْ ثَلاثَ وَعِشْرِين» . رواه أبو داود. قِيلَ لابْنِهِ: كَيْفَ كَانَ أَبُوكَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ إِذَا صَلَّى العَصْرَ فَلا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلا لِحَاجَةٍ حَتَّى يُصَلِّي الصُّبْحَ، فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ، وَجَدَ دَابَّتَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَلَحِقَ بِبَادِيَتِهِ. قَالَ البَغَوِي: وَفِي الْجُمْلَةِ: أَبْهَمَ اللهُ هذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ لِيَجْتَهِدُوا بِالعِبَادَة لَيَالِي رَمَضَانَ طَمَعًا في إِدْرَاكِهَا، كَمَا أَخْفَى سَاعَةَ الإِجَابَةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَأَخْفَى الصَّلاةَ الوُسْطَى في الصلواتِ، الْخَمْسِ، واسْمَهُ الأَعْظَمَ فِي الأَسْمَاءِ، وَرِضَاهُ في الطَّاعاتِ لِيَرْغَبُوا في جَمِيعِهَا وَسَخَطَهُ فِي الْمَعَاصِي لِيَنْتَهُوا عَنْ جَمِيعِهَا وَأَخْفَى قِيَامَ السَّاعَةِ لِيَجْتَهِدُوا في الطاعاتِ حَذَرًا مِن قِيَامِهَا. إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَعَلِمْتَ مَا وَرَدَ مِنْ الحَثِ عَلَيْهَا، فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُوَفَّقٍ مُرِيدٍ لِلْكَمَالِ وَالسَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ أَنْ يَبْذِلَ وُسْعَهُ وَيَسْتَفْرِغَ جُهْدَهُ فِي إِحْيَاءِ لَيَالِي العَشْرِ الأَخِيرِ وَقِيَامِهَا لَعَلَّهُ أَنْ يُصَادِفَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْجَلِيلَةَ التِي اخْتَصَّ اللهُ تَعَالى بِهَا هَذِهِ الأُمَّةَ، وَآتَاهُمْ فِيهَا مِنْ الفَضْلِ مَا لا يَحْصُرُهُ العَدَدُ. فَيَا عِبَادَ اللهِ إِنَّ هَذَا عَشْرُ. شَهْرٍ. مُبَارَكِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ وَهُوَ سَبَبٌ لِمَحْوِ الذُّنُوبِ وَالآثامِ، وَفِيهِ يَتَوَفَّرُ جَزِيلُ الشُّكْرِ وَالإِنْعَامِ، فَاعْتَذِرُوا فِيهِ إلى الْمَوْلَى الكَرِيمِ، وَأَقْبَلُوا بِقُلُوبِكُمْ إِلَيْهِ وَقِفُوا بِالْخُضُوعِ لَدَيْهِ، وَانْكَسِرُوا بَيْنَ يَدِيْهِ فَإِنَّهُ رَحِيم كريم.

стр. 438

عِبَادَ اللهِ: إِنَّكُمْ الآنَ في رَمَضَانَ، وَهُوَ وَحْدَهُ عُمُرٌ طَوِيلٌ لِمَنْ رَامَ الثَّوَابَ الجَزِيلَ، فَإِنَّ فِي لَيَالِيْهِ لَيْلَةً وَاحِدةً خَيْرًا مِن أَلفِ شَهْرٍ، قَالَ الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فاجْتَهِدُوا رَحِمَكُم اللهُ بِإخْلاصِ الأَعْمَالِ للهِ جَلَّ وَعَلا وَبَادِرُوا بِالتَّوْبَةِ وِالاستغفارِ وَالابتهالِ إِلَى ذِي الجلالِ وَالإِكرامِ. واعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ أَنَّ المَوْتَى في قُبُورِهِمْ يَتَحَسَّرُونَ عَلَى زِيَادَةٍ فِي أَعْمَالِهِم بِتَسْبِيحَةٍ أَوْ تَحْمِيدَةٍ أَوْ رَكْعَةٍ، رُئِيَ بَعْضُهُمْ فِي المَنَامِ فَقَالَ: مَا عِنْدَنَا أَكْثَرَ مِنَ النَّدَامةِ، وَمَا عِندكُم أَكْثَرَ مِنَ الغْفَلَةِ، وَرُئِيَ بَعْضُهُم فََقَالَ: قَدِمْنَا عَلَى أَمْرٍ عَظْيمْ نَعْلَمْ وَلا نَعْمَل، وأنتم تَعْلَمُونَ وَلا تَعْمَلُون واللهِ لَتَسْبِيحَةٌ أَوْ تَسْبِيحَتَانِ، أَوْ رَكْعَةٌ أَوْ رَكْعَتَانِ فِي صَحِيفَةِ أَحَدِنَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وفي الترمذي: مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ إِلا نَدِمَ، إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أن لا يكونَ ازْدَادَ، وَإن كان مُسِيئًا نَدِمَ أَن لا يَكونَ اسْتَعْتَبَ. يا أيُّها العَبْدُ قُمْ لِلَّهِ مُجْتَهِدًا وَانْهَضْ كَما نَهَضَتْ مِنْ قَبْلِكَ السُّعَدَا هَذِي لَيالِي الرِّضَا وَافَتْ وَأَنْتَ عَلَى فِعْلِ القَبِيحِ مُصِرًّا مَا جَلَوْتَ صَدَا قُمْ فَاغْتَنِمْ لَيْلَةً تَحْيَا النُّفُوسُ بِهَا وَمِثْلُهَا لَمْ يَكُنْ في فَضْلِهَا أَبَدَا طُوبَى لِمَنْ مَرَّةً فِي العُمْرِ أَدْرَكَهَا وَنَالَ مِنْهَا الذي يَبْغِيهِ مُجْتَهِدَا

стр. 439

فَلَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ قَالَ خَالِقُنَا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ هَنِيئًا مَنْ لَهَا شَهِدَا وَيَنْزِلُ الرُّوحُ فِيها والملائِكُ مِنْ عِنْدَ المُهَيْمِنِ لا نُحْصِي لَهُم عَدَدَا يا فَوْزَ عَبْدٍ حُظِي فِيها فَوَفَّقَهُ رَبِّي قَبُولاً فَعَاشَ عِيشَةَ السُّعَدَا وَفَازَ بِالأَمْنِ وَالغُفَرَانِ مُغْتَبِطًا وَنَالَ مَا يَرْتَجِي مِنْ رَبِّهِ أَبَدَا فَاطلبْ مِن الله إنْ وَافَيْتَهَا سَحَرًا جَنَّاتِ عَدْنٍ تَكُنْ مِنْ جُمْلَة السُّعَدا وَابكِ ونحْ وَتَضرعْ فِي الدُّجَا أَسَفًا عَلَى كَبَائِرَ لا تُحْصِي لَهَا عَدَدَا ثُمَّ الصَّلاة على المُخْتَارِ مَا طَلُعَتْ شَمْسٌ وَمَا سَارَ سَارٍ فِي الفَلا وَحَدَا اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَا وَفَّقْتَ إليه القَوْم وأَيْقِضْنَا من سِنة الغَفْلَةِ والنَّوم وارزقْنَا الاستعدادَ لِذَلِكَ اليَوْمِ الذي يَرْبَحُ فيه المُتَّقُونَ، اللَّهُمَّ وعامِلنَا بإحْسَانِكَ وَجُدْ علينا بِفَضْلِكَ وامْتِنانِكَ واجعلنا من عِبادِكَ الذينَ لا خَوفٌ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنُون. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلَك التَّوبَةَ وَدَوامَها، وَنَعُوذُ بِكَ مِن المَعْصِيَةِ وأَسْبَابها، اللَّهُمَّ أفِضِ علينا مِن بَحْرِ كَرَمِكَ وَعَوْنِك حَتَى نَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا على السّلامَةِ مِن وَبَالِها وَارْأُفْ بِنَا رَأْفَةَ الحَبِيبِ بِحَبِيبِهِ عِنْدَ الشّدَائِدِ وَنُزُولِها، وارْحَمْنا مِن هُمُومِ الدّنْيَا وَغُمومِها بالرَّوْحِ والرّيْحانِ إِلى الجنةِ وَنَعِيمِها، اللَّهُمَّ ارحَمْ ذُلَّنَا بَيْنَ يَدَيْكَ واجعلْ رَغْبَتَنَا فِيما لَدَيْكَ، ولا تحرمنا بِذُنوبنا، ولا تَطْرُدْنَا بعُيوبنا،

стр. 440

وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. موعظة خَطَبَ أَحَدُ الصَّالِحِينَ فَقَالَ: أَيُّهَا اللاهِي المَغْرُورِ بِنَفْسِهِ كَأَنِي بِكَ وَقَدْ أَتَاكَ رَسُولُ رَبِّكَ لا يَقْرَعُ لَكَ بَابًا وَلا يَهَابُ صَحَابًا وَلا يَقْبَلُ مِنْكَ بَدِيلاً وَلا يَأْخُذُ مِنْكَ كَفِيلاً وَلا يَرْحَمُ لَكَ صَغِيرًا وَلا يُوَقِّرُ فِيكَ كَبِيرًا حَتَّى يُؤَدِّيكَ إِلَى قَبْرٍ مُظْلِمَةٍ أَرْجَاؤُهُ كَفِعْلِهِ بِالأُمَمِ الخَالِيَةْ وَالقُرُونِ المَاضِيَةِ. أَيْنَ مَنْ سَعَى وَاجْتَهَدَ وَجَمَعَ وَعَدَّدَ وَبَنَى وَشَيَّدَ، وَزَخْرَفَ وَنجَّدَ، وبالقليل لَمْ يَقْنَعْ، وَبالكثير لَمْ يُمَتَّعْ. أَيْنَ مَنْ شَيَّدَ القُصُورَ، وَنَسَى القُبُورَ، أَيْنَ مَنْ قَادَ الجُنُودَ ونشر البُنُودَ، أَضْحُوا رُفَاتًا تَحْتَ أَطْبَاقَ الثَّرى وَأَنْتُم عن قَرِيبٍ بكأسهِمِ شَارِبُون ولِسَبِيلِهم سَالِكُونَ. يُحَوَّلُ عَن قَريبٍ مِن قُصورٍ ... مُزَخرَفَةٍ إِلى بَيتِ التُرابِ فَيُسْلَمَ فيهِ مَهجوراً فَريداً ... أَحاطَ بِهِ شُحوبُ الاِغتِرابِ وَهَولُ الحَشرِ أَفظَعُ كُلِّ أَمرٍ ... إِذا دُعِيَ اِبنُ آدَمَ لِلحِسابِ وَأَلفى كُلَّ صالِحَةٍ أَتاها ... وَسَيِّئَةٍ جَناها في الكِتابِ لَقَد آنَ التَزَوُّدُ إِن عَقِلنا ... وَأَخذُ الحَظِّ مِن باقي الشَبابِ آخر: قَدْ نَادَتِ الدُّنْيَا عَلَى نَفْسِهَا ... لَوْ كانَ في العَالَمِ مَنْ يَسْمَعُ كَمْ وَاثِقٍ بالعُمْرِ أَفْنَيْتُهُ ... وَجَامِعٍ بَدَّدْتُ مَا يَجْمَعُ آخر: وَالعُمْرُ أَنْفَسُ مَا الإِنْسَان مُنْفِقُهُ ... فَاجْعَلْهُ فِي طَاعَةِ الرَّحْمِنِ مَصْرُوفَا

стр. 441

قال ابن الجوزي ﵀: ينبغي للإنسان أن يعرف شرفَ زمانِهِ، وقدر وَقتهِ، فلا يضيع منه لحظةً في غير قربه. ويُقَدّمُ الأفضلَ فالأفضلَ مِن القول والعمل. ولتكن نيتُهُ في الخير قائمةً مِن غير فُتور. (وقد كان جماعة من السلف يُبَادِرون اللحظات) فَنُقل عن عامر ابن عبد قيس: أَنَّ رَجُلاً قال له: (كَلّمْنِي) فقال له: (أَمْسِكِ الشمسَ) . ودخلوا على بعض السلف عند موتهِ، وهو يُصلي، فقيل له، فقال: (الآن تُطوىَ صَحِيفَتِي) . فإذا علم الإنسان أنه وإن بالغ في الجد بأن الموتَ يقطعه عن العمل، عَمِلَ في حَيَاتِهِ مَا يَدُومُ لَهُ أَجْرُهُ بَعدَ مَوتِهِ. فإن كان له شيء في الدنيا، وقَّف وَقْفًا، وغرسَ غرسًا، وأجرى نهرًا، ويَسْعَى في تحصيل ذُريةٍ تذكر الله بعدهُ، فيكون لَهُ أَجر، أو أن يصنف كتابًا في العلم. فإن تَصنيفُ العالم ولدُهُ المخلد وأن يكون عاملاً بالخير عالمًا فيه فينقلُ مِن فِعْلِهِ ما يقتدي به الغيرُ فذلك الذي لم يمتْ. واللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وِسَلَّمَ. تَذَكَّر وَلا تَنْسَ المَعادَ وَلا تَكُن كَأَنَّكَ مُخْلىً لِلمَلاعِبِ مُمْرَجُ وَلا تَنْسَ إِذْ أَنْتَ المُوَلْوَلُ حَوْلَهُ وَنَفْسُكَ مِنْ بَيْنِ الجَوانِحِ تَخْرُجُ وَلا تَنْسَ إِذ أَنْتَ المُسَجَّى بِثَوبِهِ وَإِذ أَنتَ في كَربِ السِّيَاقِ تُحَشْرجُ

стр. 442

وَلا تَنْسَ إِذْ أَنْتَ المُعَزَّى قَرِيبُه وَإِذْ أَنْتَ في بَيْضٍ مِنَ الرَّيْطِ مُدْرَجُ وَلا تَنْسَ إِذْ يَهْدِيكَ قَوْمٌ إِلَى الثَّرَى إِذَا مَا هَدَوْكَاهُ انْثَنَوْا لَمْ يُعَرِّجُوا وَلا تَنْسَ إِذْ قَبْرٌ وَإِذْ مِنْ تُرَابِهِ عَلَيكَ بِهِ رَدْمٌ وَلِبْنٌ مُشَرَّجُ وَلا تَنْسَ إِذْ تُكْسَى غَدًا مِنْهُ وَحْشَةً مَجَالِسُ فيهِنَّ العَناكِبُ تَنْسِجُ وَلا بُدَّ مِنْ بَيْتِ انْقِطَاعٍ وَوَحْدَةٍ وَإِنْ سَرَّكَ البَيْتُ العَتِيقُ المُدَبَّجُ أَلا رُبَّ ذي طِمْرٍ غَدًا في كَرَامَةٍ وَمَلكٍ بِتِيجَانِ الهَوانِ مُتَوَّجُ لَعَمْرُكَ مَا الدُّنْيَا بِدارِ إِقامَةٍ وَإِنْ زَخْرَفَ الغَاوُونَ فِيهَا وَزَبْرَجُوا اللَّهُمَّ طَيِّبْنَا لِلَقَائِكْ، وَأَهِّلْنَا لَوَلائِكَ وَأَدْخِلْنَا مَعَ المَرْحُومِينَ مِنْ أَوْلِيَائِكَ، وَتَوفَّنَا مُسْلِمِينَ وَأَلْحِقْنِا بِالصَّالِحِينَ. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، وَتِلاوَةِ كِتَابك، واجْعَلْنَا مِنْ حِزْبِكَ المُفْلِحِينَ، وَأَيِّدْنَا بِجُنْدِكِ المَنْصُورِينِ، وَارْزُقْنَا مُرَافَقَةَ الذينَ أَنْعَمْتَ عليهم من النبيينَ والصِّدِيقين والشهداء والصَّالحين. اللَّهُمَّ يَا فَالِقَ الحَبِّ وَالنَّوَى، يا مُنْشِئَ الأَجْسَادِ بَعْدَ البَلَى يَا مُؤْوي المُنْقَطِعِينَ إِلَيْهِ، يَا كَافِي المُتَوكِّلِينَ عَليه، انْقطَعَ الرِّجَاءُ إِلا مِنْكَ، وَخَابَتِ الظُّنُونُ إلا فِيكَ، وَضَعُفَ الاعْتِمَادُ إلا عَلَيْكَ، نَسْأَلُكُ أَنْ تُمْطِرَ مَحْلَ قُلُوبِنَا

стр. 443

مِنْ سَحَائِبَ بِرَّكَ وَإِحْسَانِكَ وَأَنْ توفقنا لِمُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِم مَغْفِرَتِكَ إِنَّكَ جَوادٌ كريم رَؤوفٌ رَحِيم. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. فصل في ذكر بعض الأدعية الواردة عباد الله اغتنموا هذه الأوقات الشريفة وأكثروا فيها من الدعاء فإن الدعاء له أثر عظيم وموقع جسيم. وهو مخ العبادة ولا سيما إذا كان بقلب حاضر وصادفا إخباتًا وخشوعًا وانكسارًا وتضرعًا ورقة وخشية واستقبل القبلة حال دعائه وكان على طهارة. وجدد توبة وأكثر من الاستغفار وبدأ بحمد الله وتنزيهه وتمجيده وتقديسه والثناء عليه وشكره ثم صلى على النبي ﷺ بعد ذلك. ودعا بدعاء مشروع باسم من أسماء الله الحسنى مناسب لمطلوبه. فإن كان يريد علمًا قال: يا عليم علمني. وإن كان يطلب رحمة قال: يا رحمن ارحمني. وإن كان يطلب رزقًا قال: يا رزاق ارزقني ونحو ذلك. ولم يمنع من الدعاء مانع كأكل الحرام وقطيعة رحم وعقوق ونحو ذلك. وتحرَّى أوقات الإجابة وأتى بأسبابها وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره والانتهاء عن ما نهى عنه. فالله أصدق القائلين وأوفى الواعدين قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ . وقال عز من قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ .

стр. 444

وقال جل وعلا: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ . وقال ﵎: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ . وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ . ومن أوقات إجابة الدعاء إذا اجتمعت الشروط وانتفت الموانع ثلث الليل الأخير. ويوم الجمعة عند صعود الإمام المنبر أو في آخر ساعة من يومها وعند الآذان. وبين الآذان والإقامة. وعند نزول الغيث. وعند فطر الصائم. وعشية عرفة. وفي حالة السجود. وفي ليلة القدر. وفي أدبار الصلوات. وفي أدبار النوافل. وعند ختم القرآن. وعند البكاء والخشية من الله. وفي جَوْفِ الليل. وعِنْدَ دعاءِ المُسْلم لأَخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ. وَبَعْدَ زَوَالَ الشَّمسِ عَن كَبِدِ السَّمَاءِ.

стр. 445

قال بعضهم: قالوا شرُوطُ الدُّعاءِ المُسْتَجَابِ لَنَا ... عَشْرٌ بِهَا بَشِّرِ الدَّاعِي بِأَفْلاحِ طَهَارَةٌ وَصَلاةٌ مَعْهُمَا نَدَمٌ ... وَقْتٌ خُشُوعٌ وَحُسْنُ الظَّنِ يَا صَاحِ وَحِلُّ قُوتٍ وَلا يُدْعَى بِمَعْصِيَةٍ ... وَاسْمٌ يُنَاسِبُ مَقْرُونٌ بألْحَاحِ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) : في الأَدِلَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال في ثلثِ الليلِ الأخِير: «إِنَّها ساعةٌ مَشْهُودَةُ وَالدُّعَاءُ فيها مُسْتَجَاب» . أخرجه الحاكمِ، والترمذي. وعن ابن عمر قال: نادى رَجُلٌ رسول اللهِ ﷺ أَيُّ الليلِ أَجْوَب دعوةً. قال: «جَوْف الليلِ الأخِيرِ» . أخرجه البزار، والطبراني بسند صحيح. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ذَكَرَ يومَ الجمعةِ. فقال: «فيه ساعةٌ لا يُوافِقُهَا عبد مسلمٌ وهو قَائِمُ يُصَلِّي يَسْألُ الله شَيْئًا إلا أعطَاهُ» . أخرجه الشيخان. وعن عثمان بن أبي العاص الثَّقَفِي أن النبي ﷺ قال: «تُفْتَحُ أبوابُ السماء نصِفَ الليل فينادي مُنَادٍ: هَلْ مِنْ دَاع فَيُسْتَجَابَ له، هَلْ مِنْ سائل فَيُعْطَى، هَلْ مِنْ مَكْرُوبٍ فَيُفَرَّجَ عَنْهُ، فَلا يَبْقَى مُسْلم فَيَدْعُو بِدَعْوَة إلا اسْتَجَابَ لَهُ إلا زَانِيَةً تَسْعَى بفرجها أو عَشَّارًا» . أخرجه الطبراني بسند صحيح.

стр. 446

وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثُ ساعات لِلْعَبْدِ الْمُسْلِمِ ما دَعَا فيهن إلا اسْتُجِيبَ لَهُ ما لم يَسْأَلْ قَطِيعَةَ رَحمِ أَوْ مَأْثمًا» . وعن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ كان يَقُول: «دَعْوَةُ الْمُسْلِمِ لأخِيهِ بِظهر الغَيْبَ مُسْتَجَابَةٌ عِند رَأَسِهِ مَلَكُ مُوكَلٌ كُلَما دَعَى لأخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الملكُ الْمُوكلُ به: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْل» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. حِينَ يَؤَذَّنُ لِلصَّلاة حتى يسكت وحينَ يَلْتَقِي الصَّفَان حتى يحكم اللهُ بينهما وحينَ يَنزلُ المطرُ حتى يسكن. أخرجه أبو نُعَيْم في الحلية. وعن سهل بن سعد: أن النبي ﷺ كان إذا مالت الشمس عن كبد السماء قَدْرَ شِرَاكٍ قامَ فَصَلَّى أربعَ ركعات قلتُ: يا رسول الله ما هذه الصلاة. قال: «مَن صَلاهُنَّ فقد أحْيَا لَيْلَتَه هذه ساعة تُفْتَح فيها أبوابُ السَّمَاءِ وَيُسْتَجَابُ فِيهَا الدعاء» . أخرجه أبو نعيم في الحلية. وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فاءَتِ الأفْيَاءُ وَهَبَّتِ الأَرواحُ فارْفَعُوا إلى الله حَوَائِجَكُم فَإِنَّها سَاعَةُ الأَوَّابِينَ» . أخرجه أبو نعيم في الحلية. وعن عطاء قال: (ثلاثُ خِلالٍ تُفْتَحُ عِندهُنَّ أَبْوابُ السَّماء فَتَحَرَّوْا الدُّعاءَ عندهن: عند الأذانِ، وعند نُزُولِ الغَيث، وعندَ التقاءِ الزَّحْفَين) . أخرجه سعيد بن منصور. وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «لِلصَّائِمِ عند فِطْرِهِ دعوةٌ مُسْتَجَابَة» . أخرجه النسائي.

стр. 447

وعن أبي هريرة عن النَّبِيَّ ﷺ قال: «ثلاثٌ حَقٌّ على الله أن لا يَرُدُّ لهم دعوة الصائم حتى يُفْطِر، والمظلومُ حتى يَنْتَصِر، والمسافر حتى يرجع» . أخرجه البزار. وعن عبد المطلب بن عبد الله بن حَنْطَت أن النبي ﷺ قال: «مِن أفضل الدعاء الدعَاء يوم عرفة» . أخرجه سعيد بن منصور في سننه. وعن جابر قال: سمعت رسول ﷺ يقول: «إن في الليل لساعة لا يوافقها رَجُلٌ مسلم يسأل الله خَيْرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إِيَّاهُ وذلك كُلَّ لَيْلَةٍ» . أخرجه مسلم. وعن سهل بن سعد مرفوعًا قال: «سَاعَتَانِ تُفْتَح لَهُمَا أبوابُ السماء وقَلَّ دَاعٍ تُردُّ دَعْوته: حين يحضر النداء، والصف في سبيل الله» . أخرجه البخاري في الأدب. وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «اثْنَتَانِ لا تُرَدَّان: الدعاء عند النداء، وحينَ البأس حينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُم بَعْضًا» . أي يَنْشَب بَعْضُهم بِبَعْضٍ في الحَرْب. أخرجه الحاكم في المستدرك. وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «الدُّعَاءُ مُسْتَجَابٌ مَا بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ» . أخرجه أبو داود، والترمذي، والحاكم. وعن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نَادَى المنادى فُتَّحَتِ أبواب السماء واسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ فَمَنْ نَزَلَ بِهِ كَرْبٌ أَوْ شدةٌ فَلْيَتَحَرَّ الْمُنَادِي فَيُجِيبُه. ثم يقول: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ الصاَّدقةِ المستجابة المستجاب لها دعوة الحق وكلمة التقوى أحْينَا وأمِتْنَا عليها واجْعَلْنَا مِنْ خِيَار أهلها أحياءً وأمواتا ثم يسأل الله حاجَتهَ» . أخرجه الحاكم.

стр. 448

عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «لِلصَّائِمِ عند فِطْهرهِ دعوةٌ مستجابة» . أخرجه النسائي. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إني نُهِيتُ أن أقرأَ القرآن رَاكعًا وسَاجِدًا، فأما الركوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الربَّ وأما السجودُ فاجْتَهدُوا فِيهِ مِن الدعاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لكم» . أخرجه مسلم. وعن عبادة بن الصَّامِتِ أن رسول الله ﷺ قَالَ يَوْمًا وَحَضَر رَمَضَانُ: «أتاكم شهرُ بَركَةٍ فِيهِ تَنزلُ الرحمةُ وَتُحَطُ الْخَطَايَا وَيُسْتَجَابُ الدُّعَاء» . وأخرج في الأوسط عن عمرَ بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : «ذَاكرُ الله في رمضان مغفورٌ لَهُ، وسَائلُ الله فيه لا يَخِيب» . أخرجه الطبراني. ورُوِي أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء. ورُوِي مَن صلى فريضة فله دعوة مستجابة. ومَن ختم القرآن فله دعوة مُستجابة. وعن رَبِيعَة بن وقاص أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثُ مواطن لا تُرَدُّ فيها دعوةُ عَبد، رجلٌ يكون في بَرِيَّةٍ حَيْثُ لا يراه إلا اللهُ. ورجلٌ يكون معه فِئَةٌ فيفر عنه أصحابهُ فَيَثْبُتُ. ورجلٌ يَقُومُ مِن آخر الليل» . أخرجه أبو نعيم في أخبار الصحابة. وعن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا فُتِحَ على العبد الدُّعَاءُ فَلْيَدْعُ رَبَّهُ فإن الله تعالى يستجيب» . أخرجه الترمذي. وعن خالد الحذَّاء قال: (كان عيسى ﵇ يقول: إذا وجدتم قَشْعَرِيرَةً ودمعة فادعوا عند ذلك) . أخرجه أحمد في الزهد.

стр. 449

ورُوِي: (اغْتَنِمُوا الدعاء عند الرِّقَّةِ فَإِنَّها رَحْمَة) . ورُوِي: (الدعاء بين الأذان والإقامة مستجاب) . ورُوِي: (عند أذَان المؤذن يستجاب الدعاء، فإذا كان الإقامة لا ترد دعوته) . وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له إلى الله حاجة فليدع بها دُبُرَ صلاة مفروضة» . أخرجه بن عساكر. وعن أنس عن النبي ﷺ قال: «مع كل ختمة دعوة مستجابة» . وأخرجه من وجه آخر بلفظ آخر: «عند ختم القرآن دعوة مستجابة وشجرة في الجنة» . أخرجه البيهقي في شعيب الإيمان. فعليكُم عِبَادَ اللهِ بالاجتهادِ بالدعاءِ، وَعَلَيْكُمْ بِجَوامِعِ الدُّعَاءِ التي تَجْمَعُ خيرَ الدُّنْيَا وَالآخرةِ، وفي الصحيحين: كان أَكْثَرُ دُعَاءِ النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ آتِنَا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» . ومِن دعائهِ ﷺ إذا سَافَرَ: (أنه كانَ يَتَعَوَّذُ مِن وَعْثَاءِ السَّفرِ وكآبةِ الْمَنْظَرِ، والحَورِ بَعْدَ الكَوْرِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسَوءِ الْمَنْظَرِ في الأَهْلِ وَالْمَالِ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ومِن مَا وَرَدَ عن أبي بكرةَ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «دَعَوَاتِ الْمَكْرُوبِ اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فلا تَكِلْنِي إِلى نَفْسِي طَرْفةَ عَيْنٍ وأصلِحْ لي شَأْنِي كُلَّهُ لا إلهَ إِلا أَنْتَ» . رواه أبو داود. وعن أبي سَعِيد الخُدَري قال: قال رَجُلٌ لَزِمَتْنِي هُمُومٌ وَدُيُونٌ يا رسولَ اللهِ، قَالَ: «أَفَلا أُعَلِّمُكَ كَلامًا إِذَا قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللهُ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دِينَكَ» . قَالَ: قُلْتُ بَلَى، قَالَ: «قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ العَجْزِ وَالكَسَلِ، وَأَعُوذُ

стр. 450

بِكَ مِن البُخْلِ والْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ» . قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي. رواه أبو داود. وَمِنْ دُعَائِهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى والعَفَافَ وَالغِنَى، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ وَفَجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَلْمٍ لا يَنْفَعْ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعْ، وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعْ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجَابُ لَها» . وقالت أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِي ﷺ ((يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)) . وَمِنْ دُعَائِهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ» . وَقَالَ ﷺ : «تَعَوّذُوا بِاللهِ مِنْ جَهْدِ البَلاءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ القَضَاءِ وَشَمَاتَةِ الأعداءِ» . وَمِنْ دُعَائِهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا» . وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْ ابن عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : كَانَ يَقُولْ: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لا إِله إلا أَنْتَ أَنْ تُضِلِّنِي، أَنْتَ الْحَيّ الذي لا يَمُوت وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُون» . واللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

стр. 451

فصل: وَمِنْ دُعَائِهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الفَقْرِ وَالقِلَّةِ وَالذِّلّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَُظْلِمَ وَأُظْلَمْ» . وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنْ خَمْس: مِنَ الْجُبْنِ، وَالبُخْلِ، وَسُوءِ العُمُرْ، وَفِتْنَةِ الصّدْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ) . رواهُ أبو داودَ، والنَّسَائِي. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رسولَ الله ﷺ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الِّشَقاقِ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الأَخْلاقِ» . رواهُ أبو دَاود. وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَتْ البِطَانَة» . رَواهُ أبُو داودَ، والنِّسائي، وابن مَاجَةَ. وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ البَرَصِ وَالْجُذَامِ وَالْجُنُونِ وَمِنَ سِيّءِ الأَسْقَامِ» . رواهُ أبُو داودَ، والنِّسَائي. وَعَنْ قُطْبَةَ بِنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللهُ تَعَالى عَنْهُ - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولْ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكِرَاتِ الأَخْلاقِ وَالأَعْمَالِ وَالأَهْوَاءِ وَالأَدْوَاءِ» . رواه الترمذي. وَعَنْ شُتَيْرَ بْنَ شَكَل بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ عَلِّمْنِي تَعَوِيذًا أَتَعَوَّذُ بِهِ قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي وَشَرِّ بَصَرِي وَشَرِّ لِسَانِي وَشَرِّ قَلْبِي وَشَرِّ عَيْنِي» . رواهُ أبو داودَ، والترمذي، والنِّسَائِي.

стр. 452

وَعَنْ أَبِى الْيَسَرِ أَنَّ رَسُولِ اللهُ ﷺ كَانَ يَدْعُو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَدْمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي، وَمِنَ الْغَرَقِ، وَالْحَرَقِ، وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا» . رواه أبو داود، والنسائي. ومن دعائه ﷺ : «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي وَخَطئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، ومَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا عَلّمهُ ﷺ الصّدِيقَ قَالَ له: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أنسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولِ اللهُ ﷺ قَالَ: «إلْظوا بِيَا ذَا الجلالِ والإكرامْ» . أيْ: الزَمُوا هذِهِ وَألِحُّوا بِهَا وَدَاوِمُوا عَلَيْهَا. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمَغْرَمِ وَالْمَأثَمِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النارِ وَفِتْنَةِ النَّارِ وَفَتْنَةِ القَبْرِ وَعَذَابِ القَبْرِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الغِنَى وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الفَقْرِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَالِ اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَاي بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالبَرَدِ وَنَقِّ قَلْبِي كَمَا يُنَقَّى الثوبُ الأبيضُ مِن الدَّنَسْ وباعدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَبْدُ اللهِ بن يَزِيدِ الْخَطْمِي عَنْ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 453

وَسَلَّمَ أنَّهُ كَانَ يَقُولُ في دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حَبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعْنِي حُبُّه عِنْدَكَ اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوةً لِي فِيمَا تُحِبّ، اللَّهُمَّ مَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا فِيمَا تُحِبُّ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِي. شِعْرًا: إِلَهُ الوَرَى حَتْمٌ عَلَى النَّاسِ حَمْدُهُ ... لِمَا جَادَ مِنْ فَضْلٍ عَلَيْهِمْ بِلا مَنِّ آخر: فلو كان يَسْتَغْنِي عَنْ الشُّكْرِ مَاجِدٌ ... لِعَزَّةِ نَفْسٍ أَوْ عُلوٍ مَكَانَ لَمَا أَمَرَ الله العِبَادَ بِشُكْرِهِ ... فَقَالَ اشكرُوا لِي أَيُّهَا الثَّقَلانِ وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كانَ مِنْ دُعَاءِ دَاودَ يَقُول: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ حُبُّكَ وَحُبِّ مَنْ يُحِبُّكَ والعَمَلُ الذي يُبَلِّغْنِي حُبُّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبُّكَ أَحَبَّ إِليَّ مِنْ نَفْسِي وَمَالِي وَأَهْلِي وَمِنْ الْمَاءِ البَارِدِ» . الْحَديثْ رَوَاهُ التِّرْمِذِي. وَعَنْ أُمِّ مَعْبَدٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقول: «اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي مِنَ النِّفَاقِ وَعَمِلِي مِن الرِّيَاءِ وَلِسَانِي مِنَ الكَذِبِ وَعَيْنِي مِن الْخِيَانَةِ فَإِنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْينِ وَمَا تُخْفِي الصُّدورْ» . رواه البَيْهَقِي في الدَّعَواتِ الكبير. وَعَنْ عَبْدُ اللهِ بِنْ عُمْرو قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولْ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الصِّحَةَ والْعِفِّةَ وَالأَمَانَةَ وَحُسْنَ الْخُلقْ والرِّضَى بَالقَدَرْ» . رواهُ البيهقِي في الدَّعَواتِ الكبيرْ. جاء عن معقل بن يسار عن النبي ﷺ قَالَ: «من قَالَ حينَ يُصبحُ ثلاثَ مراتٍ أَعُوذُ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاثَ آياتٍ من آخرِ سورةِ الحشرِ وكَلَّ الله بهِ سَبْعِينَ ألفَ مَلَكٍ يُصَلُون عليه حتى يُمْسِي وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ اليوم ماتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتلكَ المنزلةِ» . حَسَّنَةُ وغربَه الترمذي.

стр. 454

اللَّهُمَّ أعذْنَا بِمَعافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَبِرَضَاكَ مِنْ سَخْطِكَ واحْفَظ جَوارِحَنَا مِنْ مُخَالَفَة أمْرك وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. مَوْعِظَة عِبَادَ اللهِ إِن النَّاسَ في هَذَا الزَّمَنْ لَمْ يَعْرِفُوا رَبَّهُمْ الْمَعْرِفَةَ التِي تَليقُ بِجَلالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَلَوْ عَرَفُوهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ لَمْ يَكُونُوا بَهِذِهِ الْحَال لأنَّهُ مِنْ كَانْ باللهِ أَعْرَفْ كَانَ مِنْهُ أَخْوَفْ إِنَّ العَارِفَ باللهِ يَخْشَاهُ فَتَعْقلُهُ هَذِهِ الْخَشْيَةِ بإِذْن اللهِ عَمَّا لا يَنْبَغِي مِنْ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ . العارِفُ بِاللهِ لا يَجْرَؤُ أَنْ يُحَرّكَ لِسَانَهُ بِكَلِمَةٍ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ أَفْعَالٍ أَوْ أَقْوالٍ كالغيبةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالكَذِبِ وَالْقَذْفِ والْفِسْقِ وَالسُّخْرِيَةِ والاسْتِهْزاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلا يَسْتَعْمِلُ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ في عَمَلٍ لَيْسَ بِحَلالِ بَلْ يَكُفُّ بَصَرَهُ وَسَمْعَهُ وَيَدَهُ وَرِجْلهُ عَنْ الْمُحَرَّمَاتْ لأنَّهُ يُؤمِنُ حَقَّ الإيمانِ بأنّ اللهَ جَلَّ وَعَلا مَهْمَا تَخَفَّى وَتَسَتَّرَ العَبْدُ عَنْهُ فإنَّهُ يَرَاهُ. وَالْعَارِفُ باللهِ لا يَنْطَوِي عَلَى رَذِيلَةٍ كَالْكِبْرِ والْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَسُوءِ الظَّنِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الرَّذَائِلِ الْمَمْقُوتَاتِ لأنَّهُ يُصَدَّقُ أَنَّ اللهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء في الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَأَنَّهُ يَعْلَمُ مَا تُكِنّهُ الصُّدورُ، كَمَا يَعْلَمُ العلانِيَة، فَلا يَسْتريحُ العَارِفُ حَتَّى يَكُونَ باطِنُهُ كَظَاهِرِهِ مُطَهّرًا مِنْ كُلِّ فَحْشَاءٍ وَكذلك لا تَسْمَعُ مِنْ فَمِ العَارِفِ عِنْدَ نُزُولِ الْمَصَائِبِ وَالبَلايَا وَالشَّدَائِدِ إلا الْحَسَنَ الْجميلٌ فَلا يَغْضَبُ لِمَوْتِ عزيزٍ أَوْ فَقْدِ مَالٍ أَوْ مَرَضٍ شَدِيدٍ طَوِيلٍ لأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنْ غَضَبَهُ وَتَسَخُّطُهُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ أَجْرَهُ وَلا يَرُدَّ مَا فَاتَ كَمَا قِيل:

стр. 455

لا تَلقَ وَقْتَكَ إِلا غَيرَ مُكتَرِثٍ ... مادامَ يَصحَبُ فيهِ روحَكَ البَدَنُ فَما يَدومُ سُرورُ ما سُرِرتَ بِهِ ... وَلا يَرُدُّ عَلَيكَ الفائِتَ الحَزَنُ وَلا يَيْأَسُ العَارِفُ مِنْ زَوَالِ شِدّةٍ مَهْمَا اسْتَحْكَمَتْ فَإِنَّ الْفَرَجَ بِيَدِ اللهِ الذي قَالَ وَقَوْلُهُ الْحَقْ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ ولا يَيْأَسُ مِنْ حُصُولِ خَيْرٍ مَهْمَا سَمَا وَابْتَعَدَ لأنَّهُ يُؤْمِنُ أَنَّ الأَمْرَ بِيَدِ مَنْ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ: كُنْ فَكَانَ وَإِنْ بَدَا مُحَالاً في نَظَرِ الْجُهَلاءِ وَلا يَقْنَطُ العَارِفُ وَلا يُقَنِّطُ مُؤْمِنًا مِنْ رَحْمَةِ الله التي وَسِعَتْ كُلِّ شَيءٍ وَإِنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ أَمْثَالَ الْجَبَالِ وَالرِّمَالِ وَلا يُؤَمِّنُ العَارِفُ مُسْتَقِيمًا مِنْ العَذَابِ مَهْمَا كَانَ العَمَلُ مِنْ الصَّالِحَاتْ لأنَّهُ يَغْفِرُ الذّنُوب جَمِيعًا وَأَنَّهُ لََهُ الْحُجّةُ الْبَالِغَةُ وَأَنْ القُلُوبِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ جَلِّ وَعَلا فَلا تَغْفَل عَنْ ذَلِكَ وَإنْ أَهْمَلَهُ الكَثِيرُ مِنْ النَّاسِ. قَالَ أَحَدُ العُلِمَاء: الغمُومُ ثَلاثةٌ: غَمُّ الطَّاعةِ أَنْ لا تُقْبَل، وَغَمُّ الْمَعْصِيةِ أَنْ لا تَغْفَرْ، وَغَمُّ الْمَعْرِفَةِ أَنْ تُسْلبَ. عَلَيكَ مِنَ الأُمورِ بِما يُؤَدّي ... إِلى سُنَنِ السَلامَةِ وَالخَلاصِ وَما تَرجو النَجاةَ بِهِ وَشيكاً ... وَفَوزاً يَومَ يُؤخَذُ بِالنَواصي فَلَيسَ تَنالُ عَفوَ اللَهِ إِلا ... بِتَطهيرِ النُفوسِ مِنَ المَعاصي وَبِرِّ المُؤمِنينَ بِكُلِّ رِفقٍ ... وَنُصحٍ لِلأَداني وَالأَقاصي وَإِن تَشدُد يَدًا بِالخَيرِ تُفلِح ... وَإِن تَعدِل فَما لَكَ مِن مَناصِ آخر: اغْتَنِمْ في الْفَرَاغِ فَضْلَ رُكُوعٍ ... فَعَسَى أَنْ يكُون مَوْتُكَ بَغْتَةْ كَم صَحيحٍ رَأَيْتَ مِنْ غَيْرِ سُقْمٍ ... ذَهَبَتْ نَفْسُهُ الْعَزِيزَةُ فَلْتَةْ اللَّهُمَّ أَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكَرِكَ وَارْزُقْنَا الاسْتَقَامَةَ طَوْعَ أَمْرِكْ وَتَفْضَّلْ عَلَيْنَا بَعَافِيَتكَ وَجِزيلِ عَفْوِكَ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَلْهِمْنَا الْقِيَامِ بِحَقِّكْ وَبَارِكْ لِنَا فِي الْحَلالِ مِنْ رِزْقِكْ، وَلا تَفْضَحْنَا بَيْنَ خَلْقِكْ، يَا خَيْرَ مَنْ دَعَاهُ دَاعٍ وَأَفْضَلَ مَن رَجَاهُ رَاجٍ يا قَاضِيَ الْحَاجَاتِ وَيَا مُجِيبَ الدَّعَوَاتِ هَبْ لَنَا مَا سَأَلَنَاهُ وَحَقَّقْ

стр. 456

رَجَاءَنَا فِيمَا تَمْنَّيْنَاهُ وأُمّلْنا يَا مَنْ يَمْلِكُ حَوَائِجَ السَّائِلِينَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ضَمَائِرِ الصَّامِتِينِ أَذِقْنَا بَرْدَ عَفْوِكَ وَحَلاوَةَ مَغْفِرِتكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) ١- زكاةُ الفِطِر ومَا وَرَدَ مِنْ الآثار في شَرْعِيَّتِهَا: زكاةُ الفطِر واجِبةٌ بالفِطْرِ مِن رَمَضَانَ لِمَا رَوَى ابنُ عُمَرَ ﵄: (أن رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ في رَمَضَانَ عَلَى النَّاس صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أو صَاعًا مِنْ أَقِطٍٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ وأنثَى من المسلمين) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وعنهُ: (أن رَسُولَ الله ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الفطرِ أنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ الناسِ إلى الصلاة) . وعنْ أبي سعيدِ الْخُدْري: كُنَّا نُخْرِّجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعام، أو صَاعًا من تَمْرٍ، أو صاعًا من أَقِطٍ، أو صاعًا مِن زَبِيبْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ سَعِيدُ بنُ الْمُسَيَّبْ وَعُمرُ بنُ عبدِ العزيز - رَحِمَهُمَا الله - في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ : هُوَ زكاةُ الْفِطْر. وَأُضِيفَتْ هَذِهِ الزكاةُ إلى الفطرِ لأنَّهَا تَجِبُ بالفِطْرِ مِنْ رَمَضَان وهذِهِ يُرَادُ بها الصدقةُ عن البدنِ والنفسِ وَمَصْرَفُهَا كَزكاةِ الْمَالِ لِعُمُومُ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء ... ﴾ الآية. ولا يَمْنَعُ وُجُوبَهَا دَيْنٌ إِلا مَعَ طَلَبْ، وَهِيَ وَاجِبةً عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكرٍ وأنْثى مِن المسلمين، فَضُلَ لَهُ عَنْ قوتِهِ، وَمَنْ تَلْزَمُهْ مَئُونَتِهِ يَوْمَ

стр. 457

العيدِ وَلَيْلَتِهِ صَاعُ لأنَّ النَّفقةَ أَهَمُّ فَيجِبُ البَدَاءَةُ بِهَا لقولِه ﷺ : «ابْدأ بِنَفْسِكْ» . رَوَاهُ مُسْلمْ. وفي رِوَاية: «.... وابْدأ بِمَنْ تَعُولْ» . رواه الترمذي. وَيُعْتَبَرُ كونُ ذلكَ الصاعُ فاضلاً عمَّا يَحْتَاجُهُ لِنَفْسِهْ، وَمَنْ تَلْزمُهُ مَئُونَتِهِ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَدَابةٍ وَثِيَابٍ بِذْلة ونَحوِهِ، وَكُتُبٍ يَحْتَاجُهَا لِنظْرٍ لأنَّ هَذِهِ حَوَائِجُ أصليةٌ يَحْتَاجُ إليها كالنفقةِ، وتَلْزَمُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ مَنْ يَمُونُهُ مِن المسلمِينْ كزوجةٍ وعبدٍ وولدٍ لِعُمُومِ حَدِيثِ ابنِ عُمرَ ﵄: (أَمرَ رَسُول الله ﷺ بصدقةِ الفطرِ عن الصغيرِ والكبيرِ مِمَّنْ تَمُونُون) . رواه الدَّارقُطْنِي. فَإِنْ لَمْ يَجْدهُ لِجميعهِمْ بدأ بِنَفْسِهْ، فَزَوَجَتِهِ، فَرَقِيقِهِ، فَأمّهِ، فَأبِيهِ، فَوَلَدِهِ، فأقْرَبَ في مِيراثٍ، وَيُقْرعُ مَعَ الاسْتواءِ. أَمَّا دَليلُ البدّاءةِ بالنفسِ فَلِحَدِيثِ: «ابْدأ بِنفسكَ، ثُمَّ مَنْ تَعُولُ» . وَأَمَّا الزَّوْجَةِ فلوجُوب نَفَقَتِهَا في حَالَهِ اليُسْرِ وَالعُسْرِ لأنِّهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ. وَأَمَّا الرَّقِيقِ فلوجُوبِ نَفَقَتِهِ مَعَ الإعْسَارِ بِخلافِ الأَقَارِبِ لأنَّها صِلةٌ تَجبُ مَعَ اليَسَارِ دُونَ الإِعْسَارِ. وَأَمَّا الأُمَ فلقِولِه ﷺ للأَعرابِّي حِيَنَ قَالَ لَهُ: مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّكَ» . قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ» . قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ» . قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أَبُوكَ» . ولأنَّها ضَعِيفةٌ عن الكَسْبِ.

стр. 458

وَأَمَّا الأَبِّ فَلَمَا سَبقْ وَحَدِيثْ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ» . وَأَمَّا الوَلدِ فَلِقُرْبِهِ وَوُجُوبِ نَفَقَتِهِ في الْجُمْلَةِ. وَأَمَّا الأَقربِ في الْمِيرَاثِ فلأنهُ أولى مِنْ غَيْرِهِ كَالْمِيرَاُث. وَتُسْتَحَبُّ عَنْ الجَنِين لِفِعْلِ عُثْمَانَ ﵁ وَعَنْ أَبِي قُلابَةَ قَالَ: (يُعْجِبُهُمْ أَنْ يُعْطُوا زَكَاةَ الفطرِ عن الصغيرِ والكبيرِ حَتَّى عَنْ الْحَمْلِ في بَطْنِ أمِهِ) . رواهُ أبو بَكْرَ. ولا تَجِبْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِر: (كل من نَحْفَظُ عنهُ لا يُوجِبُهَا عَنْ الْجَنِينْ، وَتَجِبُ عَلَى اليتيم، وَيُخْرِجَ عنهُ وَليهُ مِنْ مَالِهِ) . وَلا يَلْزَمُ الزَوجَ فِطرةُ زَوْجَةٍ نَاشِزٍ وَقْتَ الوجُوبِ، ولا تَلْزمُ الزوجَ فِطرةَ مَنْ لا تَلْزمهُ نَفْقَتُهَا كَغْيِر المدْخُولِ بِهَا إِذَا لَمْ تُسَلُّمْ إليه والصغيرةِ التِي لا يُمْكِنُ الاسْتِمْتَاعُ بِهَا. وَمَنْ لَزِمَ غَيْرَهُ فطِرْتُهُ كَالزَّوْجَةِ، فأخرج عن نَفسِهِ بَغْير إذنِ مَنْ وَجَبتُ عَلَيْهِ أَجْزأَ. وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمِ. ٢- فَصْلُ في وقتِ وجوبٍ صَدَقَةِ الفطرِ، والأفضل مِنْه: وَتَجِبُ زكاةُ الفِطِر بغُرُوبِ شَمْسِ لَيْلَةِ الفِطْرِ لِقَولِ ابن عباس ﵄: (فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ طُهْرةً لِلصَّائِمِ من اللَّغْوِ والرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينَ) . رواه أبو داود، والحاكم وقَالَ: على شرطِ البخاري فأضافَ الصدقةَ إلى الفطرِ فكَانَتْ وَاجِبَةً بِهِ لأنَّ الإِضَافَةَ تَقْتَضِي الاخْتِصَاصَ.

стр. 459

وأَوَّلْ فِطْرٍ يَقَعُ مِنْ جَمِيعِ رَمَضَانَ بِمَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الفِطْرِ، فَمْن أَسْلَمَ بَعْد الغُروبْ أَوْ تَزَوَّجَ بَعدَ الغُروبِ فَلا فِطرةَ وإنْ وُجِدَ ذلكَ قَبْلُ بَأَنْ أَسلمَ أو تَزَوَّجَ، أَوْ وُلِدَ لَهُ ولد، أَوْ مَلَكَ عَبْدًا، أَوْ أَيْسَر قَبْلَ الغُروبِ وَجَبَتِ الفِطْرَةُ لِوُجُودِ السَّبَبَ فالاعْتِبَارُ بِحَالِ الوُجُوبِ. وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الغُرُوبِ هُوَ، أَوْ زَوْجَتَهِ، أَوْ رَقِيقُهُ، أَوْ قريبُه وَنَحوه، أَوْ أَعْسَرَ، أَوْ أبَانَ الزَّوجةَ، أَوْ أعتقَ العبدَ، أوْ بَاعَهُ أو وَهَبَهُ لَمْ تَجِبِ الفِطْرَةُ لِمَا تَقَدَّمْ. وَلا تَسْقُطُ الفِطْرَةُ بَعْد وُجُوبِهَا بِموتٍ وَلا غِيْرُه، وَالأَفْضَلُ إِخْرَاجُهَا يومَ العيدِ قَبْلَ الصَّلاة لِمَا فِي الْمُتَّفَقِ عليهِ مِنْ حَدِيث ابنِ عُمر ﵄ مرفوعًا، وفي آخرِه: «وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ» . وفي حديثِ ابن عباسٍ ﵄: (مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصلاةِ فَهِيَ زكاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَن أَدَّاهَا بَعْدَ الصلاةِ فَهِيَ صَدَقةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ) . وَتُكْرَهُ بَعْدَهَا خُرُوجَا مِن الْخِلافِ وِلِقَولِهِ ﷺ : «أَغْنُوهُم عَنِ الطَّلبِ فِي هَذَا اليومِ» . رواه سعيدُ بنُ منصور. فإذا أَخَّرَهَا بَعَدَ الصَّلاةِ لَمْ يَحْصُلِ الاغْنَاءِ لَهُمْ في هَذَا اليومِ كُلِّهِ. ويَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِ العِيدِ مَعَ القُدْرَةِ، لأَنَّهُ تَأْخِيرٌ لِلْحَقِّ الوَاجبِ عَنْ وَقْتِهِ، وكان ﵊ يَقْسِمُهَا بَيْنَ مُسْتَحِقِيهَا بَعدَ الصَّلاةِ فَدَلَّ على أَنَّ الأَمْرَ بِتَقْدِيمِهَا عَلَى الصَّلاةِ لِلاسْتِحْبَابِ.

стр. 460

وَيَقْضِيهَا مِنْ أَخَّرَهَا لأَنَّهُ حَقٌّ مَالِي وَجَبَ، فلا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ كَالدَّيْنِ، وَتُجْزِي قَبْلَ العِيدِ بَيوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيِّنِ لِقَولِ ابنِ عُمَرَ ﵄: (كَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بَيَوْمٍ أَوْ يَوَمَينِ) . رواه البخاري. وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلى جَمِيعِهم فَيَكُونُ إِجْمَاعًا، وَلأَنَّ ذَلِكَ لا يُخِلُّ بالْمَقْصُودِ، إذْ الظَّاهِرُ بَقَاؤُهَا أَوْ بَعْضُهَا إِلى يَومِ العيدِ. وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فَطْرَةُ غَيْرِهِ أَخْرَجَهَا مَعْ فِطْرَتِهِ مَكَانَ نَفْسِهِ، لأَنَّها طُهْرَةً لَهُ، وَفِطْرةُ مَنْ بَعْضُهُ حَرٌ وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ، وَفَطْرَةِ قنٍّ مُشْتَرَك. وَفطْرَةٍ مَنْ لَهُ أَكْثَرُ منِ وَارثِ أَوْ مُلْحَقٌ بَأَكْثَرَ منِ وَاحد تُقُسَّطُ وَمَن عَجَز مِنْهُمْ لَمْ يَلْزَمِ الآخرَ سِوَى قِسْطِهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمِ. (فَصْلٌ) ٣- الوَاجِبُ في الفِطْرَةِ: الواجِبُ عَلى كُلِّ شَخْصٍ صَاعُ بُرٍ، أَوْ مِثْلُ مَكِيلِهِ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ زَبِيبٍ، أَوْ أَقطٍ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: (كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ، إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أقط) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُجزي دَقيقُ البُرِّ وَالشَّعِيرِ إِذَا كَانَ بِوَزْنِ الْحَبِّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِزِيَادَةٍ تَفَرَّدَ بِهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ: إِنْ أَحَدًا لَمْ يَذْكُرْهُ فِيهِ قَالَ: بَلْ هُوَ فِيهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي. قَالَ الْمَجْدُ: بَلْ هُوَ أَوْلَى بَالأَجْزَاءِ لأَنَّهُ كَفَى مُئُونَتَهُ كَتَمرٍ مَنْزُوعٍ نَوَاهُ وَيُخْرُجُ مَعْ عَدْمِ ذَلِكَ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ حَبٍّ يُقْتَاتٍ كَذُرَّةٍ وَدُخنٍ وَباَقِلاءَ لأَنَّهُ أشْبَهُ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَكَانَ أَوْلَى.
следующие страницы →