Полный текст (3 875 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
رَجَاءَنَا فِيمَا تَمْنَّيْنَاهُ وأُمّلْنا يَا مَنْ يَمْلِكُ حَوَائِجَ السَّائِلِينَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ضَمَائِرِ الصَّامِتِينِ أَذِقْنَا بَرْدَ عَفْوِكَ وَحَلاوَةَ مَغْفِرِتكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
١- زكاةُ الفِطِر ومَا وَرَدَ مِنْ الآثار في شَرْعِيَّتِهَا:
زكاةُ الفطِر واجِبةٌ بالفِطْرِ مِن رَمَضَانَ لِمَا رَوَى ابنُ عُمَرَ ﵄: (أن رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ في رَمَضَانَ عَلَى النَّاس صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أو صَاعًا مِنْ أَقِطٍٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ وأنثَى من المسلمين) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وعنهُ: (أن رَسُولَ الله ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الفطرِ أنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ الناسِ إلى الصلاة) .
وعنْ أبي سعيدِ الْخُدْري: كُنَّا نُخْرِّجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعام، أو صَاعًا من تَمْرٍ، أو صاعًا من أَقِطٍ، أو صاعًا مِن زَبِيبْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ سَعِيدُ بنُ الْمُسَيَّبْ وَعُمرُ بنُ عبدِ العزيز - رَحِمَهُمَا الله - في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ : هُوَ زكاةُ الْفِطْر.
وَأُضِيفَتْ هَذِهِ الزكاةُ إلى الفطرِ لأنَّهَا تَجِبُ بالفِطْرِ مِنْ رَمَضَان وهذِهِ يُرَادُ بها الصدقةُ عن البدنِ والنفسِ وَمَصْرَفُهَا كَزكاةِ الْمَالِ لِعُمُومُ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء ... ﴾ الآية.
ولا يَمْنَعُ وُجُوبَهَا دَيْنٌ إِلا مَعَ طَلَبْ، وَهِيَ وَاجِبةً عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكرٍ وأنْثى مِن المسلمين، فَضُلَ لَهُ عَنْ قوتِهِ، وَمَنْ تَلْزَمُهْ مَئُونَتِهِ يَوْمَ
стр. 457
العيدِ وَلَيْلَتِهِ صَاعُ لأنَّ النَّفقةَ أَهَمُّ فَيجِبُ البَدَاءَةُ بِهَا لقولِه ﷺ : «ابْدأ بِنَفْسِكْ» . رَوَاهُ مُسْلمْ.
وفي رِوَاية: «.... وابْدأ بِمَنْ تَعُولْ» . رواه الترمذي.
وَيُعْتَبَرُ كونُ ذلكَ الصاعُ فاضلاً عمَّا يَحْتَاجُهُ لِنَفْسِهْ، وَمَنْ تَلْزمُهُ مَئُونَتِهِ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَدَابةٍ وَثِيَابٍ بِذْلة ونَحوِهِ، وَكُتُبٍ يَحْتَاجُهَا لِنظْرٍ لأنَّ هَذِهِ حَوَائِجُ أصليةٌ يَحْتَاجُ إليها كالنفقةِ، وتَلْزَمُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ مَنْ يَمُونُهُ مِن المسلمِينْ كزوجةٍ وعبدٍ وولدٍ لِعُمُومِ حَدِيثِ ابنِ عُمرَ ﵄: (أَمرَ رَسُول الله ﷺ بصدقةِ الفطرِ عن الصغيرِ والكبيرِ مِمَّنْ تَمُونُون) . رواه الدَّارقُطْنِي.
فَإِنْ لَمْ يَجْدهُ لِجميعهِمْ بدأ بِنَفْسِهْ، فَزَوَجَتِهِ، فَرَقِيقِهِ، فَأمّهِ، فَأبِيهِ، فَوَلَدِهِ، فأقْرَبَ في مِيراثٍ، وَيُقْرعُ مَعَ الاسْتواءِ.
أَمَّا دَليلُ البدّاءةِ بالنفسِ فَلِحَدِيثِ: «ابْدأ بِنفسكَ، ثُمَّ مَنْ تَعُولُ» .
وَأَمَّا الزَّوْجَةِ فلوجُوب نَفَقَتِهَا في حَالَهِ اليُسْرِ وَالعُسْرِ لأنِّهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ.
وَأَمَّا الرَّقِيقِ فلوجُوبِ نَفَقَتِهِ مَعَ الإعْسَارِ بِخلافِ الأَقَارِبِ لأنَّها صِلةٌ تَجبُ مَعَ اليَسَارِ دُونَ الإِعْسَارِ.
وَأَمَّا الأُمَ فلقِولِه ﷺ للأَعرابِّي حِيَنَ قَالَ لَهُ: مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّكَ» . قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ» . قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ» . قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أَبُوكَ» . ولأنَّها ضَعِيفةٌ عن الكَسْبِ.
стр. 458
وَأَمَّا الأَبِّ فَلَمَا سَبقْ وَحَدِيثْ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ» .
وَأَمَّا الوَلدِ فَلِقُرْبِهِ وَوُجُوبِ نَفَقَتِهِ في الْجُمْلَةِ.
وَأَمَّا الأَقربِ في الْمِيرَاثِ فلأنهُ أولى مِنْ غَيْرِهِ كَالْمِيرَاُث.
وَتُسْتَحَبُّ عَنْ الجَنِين لِفِعْلِ عُثْمَانَ ﵁ وَعَنْ أَبِي قُلابَةَ قَالَ: (يُعْجِبُهُمْ أَنْ يُعْطُوا زَكَاةَ الفطرِ عن الصغيرِ والكبيرِ حَتَّى عَنْ الْحَمْلِ في بَطْنِ أمِهِ) . رواهُ أبو بَكْرَ.
ولا تَجِبْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِر: (كل من نَحْفَظُ عنهُ لا يُوجِبُهَا عَنْ الْجَنِينْ، وَتَجِبُ عَلَى اليتيم، وَيُخْرِجَ عنهُ وَليهُ مِنْ مَالِهِ) .
وَلا يَلْزَمُ الزَوجَ فِطرةُ زَوْجَةٍ نَاشِزٍ وَقْتَ الوجُوبِ، ولا تَلْزمُ الزوجَ فِطرةَ مَنْ لا تَلْزمهُ نَفْقَتُهَا كَغْيِر المدْخُولِ بِهَا إِذَا لَمْ تُسَلُّمْ إليه والصغيرةِ التِي لا يُمْكِنُ الاسْتِمْتَاعُ بِهَا.
وَمَنْ لَزِمَ غَيْرَهُ فطِرْتُهُ كَالزَّوْجَةِ، فأخرج عن نَفسِهِ بَغْير إذنِ مَنْ وَجَبتُ عَلَيْهِ أَجْزأَ. وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمِ.
٢- فَصْلُ في وقتِ وجوبٍ صَدَقَةِ الفطرِ، والأفضل مِنْه:
وَتَجِبُ زكاةُ الفِطِر بغُرُوبِ شَمْسِ لَيْلَةِ الفِطْرِ لِقَولِ ابن عباس ﵄: (فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ طُهْرةً لِلصَّائِمِ من اللَّغْوِ والرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينَ) . رواه أبو داود، والحاكم وقَالَ: على شرطِ البخاري فأضافَ الصدقةَ إلى الفطرِ فكَانَتْ وَاجِبَةً بِهِ لأنَّ الإِضَافَةَ تَقْتَضِي الاخْتِصَاصَ.
стр. 459
وأَوَّلْ فِطْرٍ يَقَعُ مِنْ جَمِيعِ رَمَضَانَ بِمَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الفِطْرِ، فَمْن أَسْلَمَ بَعْد الغُروبْ أَوْ تَزَوَّجَ بَعدَ الغُروبِ فَلا فِطرةَ وإنْ وُجِدَ ذلكَ قَبْلُ بَأَنْ أَسلمَ أو تَزَوَّجَ، أَوْ وُلِدَ لَهُ ولد، أَوْ مَلَكَ عَبْدًا، أَوْ أَيْسَر قَبْلَ الغُروبِ وَجَبَتِ الفِطْرَةُ لِوُجُودِ السَّبَبَ فالاعْتِبَارُ بِحَالِ الوُجُوبِ.
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الغُرُوبِ هُوَ، أَوْ زَوْجَتَهِ، أَوْ رَقِيقُهُ، أَوْ قريبُه وَنَحوه، أَوْ أَعْسَرَ، أَوْ أبَانَ الزَّوجةَ، أَوْ أعتقَ العبدَ، أوْ بَاعَهُ أو وَهَبَهُ لَمْ تَجِبِ الفِطْرَةُ لِمَا تَقَدَّمْ.
وَلا تَسْقُطُ الفِطْرَةُ بَعْد وُجُوبِهَا بِموتٍ وَلا غِيْرُه، وَالأَفْضَلُ إِخْرَاجُهَا يومَ العيدِ قَبْلَ الصَّلاة لِمَا فِي الْمُتَّفَقِ عليهِ مِنْ حَدِيث ابنِ عُمر ﵄ مرفوعًا، وفي آخرِه: «وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ» .
وفي حديثِ ابن عباسٍ ﵄: (مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصلاةِ فَهِيَ زكاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَن أَدَّاهَا بَعْدَ الصلاةِ فَهِيَ صَدَقةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ) .
وَتُكْرَهُ بَعْدَهَا خُرُوجَا مِن الْخِلافِ وِلِقَولِهِ ﷺ : «أَغْنُوهُم عَنِ الطَّلبِ فِي هَذَا اليومِ» . رواه سعيدُ بنُ منصور.
فإذا أَخَّرَهَا بَعَدَ الصَّلاةِ لَمْ يَحْصُلِ الاغْنَاءِ لَهُمْ في هَذَا اليومِ كُلِّهِ.
ويَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِ العِيدِ مَعَ القُدْرَةِ، لأَنَّهُ تَأْخِيرٌ لِلْحَقِّ الوَاجبِ عَنْ وَقْتِهِ، وكان ﵊ يَقْسِمُهَا بَيْنَ مُسْتَحِقِيهَا بَعدَ الصَّلاةِ فَدَلَّ على أَنَّ الأَمْرَ بِتَقْدِيمِهَا عَلَى الصَّلاةِ لِلاسْتِحْبَابِ.
стр. 460
وَيَقْضِيهَا مِنْ أَخَّرَهَا لأَنَّهُ حَقٌّ مَالِي وَجَبَ، فلا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ كَالدَّيْنِ، وَتُجْزِي قَبْلَ العِيدِ بَيوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيِّنِ لِقَولِ ابنِ عُمَرَ ﵄: (كَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بَيَوْمٍ أَوْ يَوَمَينِ) . رواه البخاري.
وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلى جَمِيعِهم فَيَكُونُ إِجْمَاعًا، وَلأَنَّ ذَلِكَ لا يُخِلُّ بالْمَقْصُودِ، إذْ الظَّاهِرُ بَقَاؤُهَا أَوْ بَعْضُهَا إِلى يَومِ العيدِ.
وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فَطْرَةُ غَيْرِهِ أَخْرَجَهَا مَعْ فِطْرَتِهِ مَكَانَ نَفْسِهِ، لأَنَّها طُهْرَةً لَهُ، وَفِطْرةُ مَنْ بَعْضُهُ حَرٌ وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ، وَفَطْرَةِ قنٍّ مُشْتَرَك. وَفطْرَةٍ مَنْ لَهُ أَكْثَرُ منِ وَارثِ أَوْ مُلْحَقٌ بَأَكْثَرَ منِ وَاحد تُقُسَّطُ وَمَن عَجَز مِنْهُمْ لَمْ يَلْزَمِ الآخرَ سِوَى قِسْطِهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمِ.
(فَصْلٌ)
٣- الوَاجِبُ في الفِطْرَةِ:
الواجِبُ عَلى كُلِّ شَخْصٍ صَاعُ بُرٍ، أَوْ مِثْلُ مَكِيلِهِ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ زَبِيبٍ، أَوْ أَقطٍ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: (كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ، إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أقط) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَيُجزي دَقيقُ البُرِّ وَالشَّعِيرِ إِذَا كَانَ بِوَزْنِ الْحَبِّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِزِيَادَةٍ تَفَرَّدَ بِهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ: إِنْ أَحَدًا لَمْ يَذْكُرْهُ فِيهِ قَالَ: بَلْ هُوَ فِيهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي.
قَالَ الْمَجْدُ: بَلْ هُوَ أَوْلَى بَالأَجْزَاءِ لأَنَّهُ كَفَى مُئُونَتَهُ كَتَمرٍ مَنْزُوعٍ نَوَاهُ وَيُخْرُجُ مَعْ عَدْمِ ذَلِكَ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ حَبٍّ يُقْتَاتٍ كَذُرَّةٍ وَدُخنٍ وَباَقِلاءَ لأَنَّهُ أشْبَهُ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَكَانَ أَوْلَى.
стр. 461
وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْجَمَاعَةٌ فِطْرَهُمْ لِوَاحِدٍ، وَأَنْ يُعْطِيَ الوَاحِدُ فِطْرَتَهُ لِجَمَاعَةٍ.
وَلا يُجْزِي إِخْرَاجُ القِيمَةِ لأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
وَيَحْرُمُ عَلَى الشَّخْصِ شِرَاءُ زَكَاتِهِ وَصَدَقَتِهِ مِمَّنْ صَارَتْ إِلَيْهِ لِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁: (لا تَشْتِره ولا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحَسَمًا لِمَادّة اسْتِرْجَاعِ شَيْءٍ مِنْهَا حَيَاءً، أَوْ طَمْعًا فِي مِثْلِهَا، أَوْ خَوْفًا أَنْ لا يُعْطِيَهُ بَعْدُ فَإِنْ عَادَتْ إِلَيْهِ بِإرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ أَخَذَهَا مِنْ دِينِهِ مِنْ غَيْرِ شرَطٍْ وَلا مُوَاطَأَةٍ طَابَتْ بِلا كَرَاهَةٍ لِعَدْمِ الْمَانِعِ وَلِحَدِيثِ بُرَيْرَة ﵂ أَنَّ النَّبِي ﷺ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إلا البُخَاريُّ، وَالنَّسَائِي.
وَيُجْزِي إخْرَاجُ صَاعٍ مَجْموعٍ مِنْ تَمْرٍ وَزَبِيبٍ وَبُرٍّ وَشَعِيرٍ وَأَقط كَمَا لَوْ كَانَ خَالِصًا مِنْ أَحَدَهَا.
وَلا يُجْزِي مُخْتَلِطُّ بَأكْثَرِ مِمَّا لا يُجْزِي.
وَلا يُجْزِي إخْرَاجُ مَعِيبٍ كَمُسَوِّسٍ، وَمَبْلُولٍ، وَقَدِيمٍ تَغَيَّرَ طَعْمُهْ.
وَالأَفْضَلُ تَمْرٌ لِفِعْلِ ابنِ عُمَرْ، قَالَ نَافِعُ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُعْطِي التَّمْرَ إلا عَامًا وَاحِدًا أَعْوَزَ التَّمْرُ فَأَعْطَى شَعِيرًا. رواهُ أَحْمَدُ، والبُخَارِي.
стр. 462
وقَالَ لَهُ أَبُو مَجْلَز: إِنَّ اللهَ قَدْ أَوْسَعْ. وَالْبُرُّ أَفْضَلْ فقَالَ: إِنَّ أَصْحَابِي سَلَكُوا طَرِيقًا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُسْلُكَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ جَمَاعَةَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يُخْرِجُونَ التَّمُر وَلأَنَّهُ قُوتُ وَأَقْرَبُ تَنَاوُلاً وَأَقَلُّ كُلْفَةِ وَيَلِيهِ فِي الأَفْضَلِيَّةِ الزّبِيبُ لأَنَّ فِيهِ قَوْتًا وَحَلاوَةً وَقِلّةَ كُلْفَةِ، ثُمَّ البُرُّ لأَنَّ الْقِيَاسَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْكُلْ لكِنْ تُركَ اقْتِدَاءً بالصَّحَابَةِ فِي التَّمْرِ وَمَا شَارَكَهُ فِي الْمَعْنَى وَهُوَ الزَّبِيبُ ثُمَّ الأَنْفَعُ فِي الاقتِياتِ وَدَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِير، ثُمَّ شَعِيره ثُمَّ دَقِيقُ شَعِيرْ، ثُمَّ سَوْيقُهُمَا، ثُمَّ أقِطْ، والأفضَلُ أَنْ لا يُنْقَصَ مُعْطَى مِنْ فِطَرةٍ عَنْ مُدُّ بُرٍ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ لِيُغْنِيَهُ عَنِ السُّؤالِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ :
«أَغْنُوهُمْ عَنْ السُّؤَالِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ» . وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ الْمُطْلَقُ وَهُوَ الذي لَمْ يُقَيَّدُ بَأَدْبَارِ الصَّلَواتْ والْجَهْرُ بِهِ فِي لَيْلَتَيْ العِيدَيْنِ إِلى فَرَاغِ الْخُطْبَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ وَعَنْ عَليَّ ﵁: أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ حَتَّى يُسْمِعَ أَهَلَ الطَّرِيق وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إِلهَ إِلا اللهُ، الله أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدِ. وَفِي كُلِّ عَشْرِ ذِي الْحِجّةِ.
قَالَ البُخَارِيُّ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلى السُّوقِ في أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهمَا، وَالتَّكْبِيرُ الْمُقَيّدُ في الأضْحَى عَقِبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ صَلاهَا فِي جَمَاعَةِ مِنْ صَلاةِ الفَجْرِ يَوم عَرَفَة إِلى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِحَدِيثِ جَابِر أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ يَوْمَ عَرَفَةَ ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ» . وَمَدَّ التَّكْبِيرَ إلى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيق. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي بِمَعْنَاهُ إِلا الْمُحْرِم فَيُكَبَّرُ مِنْ صَلاةِ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ إلى آخرِ أيامِ التشريق.
стр. 463
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْمُتَّقِينَ الأبْرَارِ وَأَسْكِنَّا مَعْهمُ في دَارِ القَرارِ اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا بِحُسْن الإِقْبَالِ عَلَيْكَ وَالإِصْغَاءِ إِلَيْكَ وَوَفِّقْنَا لِلتَّعَاوُنِ فِي طَاعَتِكَ وَالْمُبَادَرَةِ إِلى خِدْمَتكَ وَحُسْن الآداب في مُعَامَلَتِكَ وَالتَّسْلِيم لأَمْرِكَ وَالرِّضَا بِقَضَائِكَ وَالصَّبْر على بَلائِكَ وَالشُّكْر لِنَعْمَائِكَ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ نَفْسًا مُطْمَئِنَّةٌ تُؤمِنُ بِلِقَائِكَ وَتَرْضَى بِقَضَائِكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ باسْمِكَ الطَّاهِرِ الطَّيبِ الْمُبَارَكِ الأَحَبِّ إليك الذي إذا دُعِيتَ بِهِ أَجَبْتَ وَإِذَا سُئِلْتَ بِهِ أَعْطَيْتَ وَإِذَا اسْتُرْحَمْتَ بِهِ رَحِمْتَ، وَإِذَا استفرجْتَ بِهِ فَرَّجَتْ أَنَ تَغْفِرَ سَيَّئاتنا وتُبدلها لَنَا بِحَسَنَاتِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) : الْحَمْدُ للهِ غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ البَشِيرُ النَّذِيرُ ﷺ أولي الْجِدِّ في العبادَةِ والتشْمِيرِ.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى الرَّحِيلِ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَحْسَنَ فَعَلَيْهِ بالتَّمَامِ، وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرَّطَ فِيهِ فَلْيَخْتِمْهُ بالْحُسْنَى، فَالعَمَلُ بَالْخِتَامِ، وَبَادِرُوا رَحِمَكُمْ اللهُ أَوْقَاتَ شَهْركُم الباقِيَةَ وَاسْتَدْرِكُوا مَا مَضَى مِنْهُ بالْحَسْرَةِ وَالنَّدَمِ واخْتِمُوُه بالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ والرُّجُوعِ إِلى صَالِحِ العملْ.
عِبَادَ اللهُ كَمْ أُنَاسٍ صَلُّوا فِي هَذَا الشَّهْرِ صَلاةَ التَّرَاوِيحِ وَأَوْقَدُوا فِي الْمَسَاجِدِ طَلَبًا للأَجْرِ الْمَصَابِيحِ وَنَسَخُوا بِإِحْسَانِهمْ كُلَّ فِعْلٍ قَبِيحٍ، وَقَبْلَ التَّمَامِ سَكَنُوا الضَّرِيحَ، وَلَمْ يَنْفَعُهُمْ الْمَالُ والآمَالُ لِمَا نُقِلُوا، رَحَلُوا عَنِ الدُّنْيَا قِدْمًا قِدْمًا وَنُقِضَ مَا بَنَوْهُ هَدْمًا هَدْمَا أَدَارَتْ عَلَيْهِمْ الْمَنُونُ رَحَاهَا وَأَحَلَّتْ وُجُوهَهُمْ في الثَّرَى فَمَحَاهَا.
стр. 464
وَهَذَا حَالُكَ عَنْ قَرِيبِ فَتَيَقَّظْ يَا قَلِيلَ الزَّادِ، وَحَادِي رَحِيلِهِ قَدْ حَدَى تَأَهَّبْ لِلتَّلفِ وَتَهَيَّأ لِلرَّدَى ذَهَبَ عَنْكَ شَهْرُ الصِّيَامِ وَوَدَّعَكَ وَسَارَتْ فِيهِ قَوَافِلُ الصَّالِحِيَن وَجَهْلُكَ مَنَعَكَ والتَّوْبِيخُ مُتَوَفَّرٌ فَمَا أَرْجَعَكَ وَلا أَزْعَجَكَ وَأَنْتَ تُؤَمِّلُ مَنَازِلَ العَامِلِينَ بَأفْعَالِ الغَافِلِينَ فَمَا أَطْعَمَكَ.
يَا مَنْ أَصْبَحَ سَاعِيًا إِلى مَا يَضُرَّهُ سَتَعْلَمُ مَنْ يَأَتِي غَدًا حَزِينًا مُتَنَدِّمًا كَمْ مِنْ صَائِمٍ يَفْضَحُهُ الْحِسَابُ وَالعَرْضِ، وَكَمْ مِنْ عَاصٍ فِي هَذَا الشَّهْرُ تَسْتَغِيثُ مِنْهُ الأَرْضُ فَيَالَيْتَ شِعْرِي مِنْ الْمَقْبُولِ مِنَّا فَنُهَنِّيهِ عَلَى تَوْفِيقِ اللهِ لَهُ بِحُسْنِ عَمَلِهِ، وَيَا لَيْتَ شِْعْرِي مِنْ الْمَطْرُودُ فَنُعَزِّيهِ بِسوءِ عَمَلِهِ، فَيَا أَيُّهَا الْمَقْبُولُ هَنِيئًا لَكَ بِثَوابِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ وَرَحْمَتِهِ وَغُفْرَانِهِ وَقَبُولِهِ وَإِحْسَانِهِ وَعَفْوِهِ وَامْتِنَانِهِ.
وَيَا أَيُّهَا الْمَطْرُودُ بإصْرَارِهِ، وَطُغْيَانِهِ وَظُلْمِهِ وَغَفْلَتِهِ وَخُسْرَانِهِ وَتَمَادِيهِ فِي عِصْيَانِهِ لَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيبَتُكَ وَخَسِرْتَ تِجَارَتكَ وَطَالَتُ نَدَامَتُكَ فَيَا لَهَا مِنْ خُسَارَةٍ لا تُشْبِهُهَا خَسَارَةً للهِ دُرَُّ أَقْوَامٍ حَرَسُوا بَالتُّقَى أَوْقَاتَهُمْ وَتَدَرْعُوا دُرُوعَ الْمُرَاقَبَةِ فِي صَبْرِهِمْ وَجَمَعُوا بَيْنَ الصِّدْقِ وَالإِخْلاصِ فِي ذِكْرِهِمْ صَبَرُوا بَاليَقِينِ عَلَى ظَمَأِ الْهَوَاجِرِ وَبَسَطُوا أَقْدَامَهُمْ عَلَى بِسَاطِ الدّيَاجِر وَعَمِلُوا لِيَوْمٍ فِيهِ القُلُوبُ لدَى الْحَنَاجِرِ.
أَقْبَلُوا على خِدْمَةِ رَبِّهِمْ إقْبَالَ عَالِمْ وَمَا سَلَكُوا إلا الطريقَ السَّالِمُ تَذَكَّرُوا ذُنُوبَهُمْ القَدَائِمَ فَجَدَّدُوا التَّوْبَةَ بِصِدْقِ العَزَائِمْ وَعَدُّوا التَّقْصِيرَ مِنْ العَظَائِمِ وَبَدَّلُوا الْمُهْجَ الكِرَائِمَ فَإِذَا أَجَنَّ اللَّيْلُ فَسَاجِدُ وَقَائِمُ، وَلا يَخَافُونَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لائِم، أَيْنَ أَنْتَ وَهُمْ؟ فَهَلْ تَرَى السَّاهِرَ كَالنَّائِمْ؟ كَلا وَلا الْمُفْطِرَ كالصَّائِمْ.
قَالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: مَنْ أَرَادَ اللهُ بِهِ خَيْرًا فَتَحَ لَهُ بَابَ الذُّلِّ
стр. 465
والانْكِسَارِ وَدَوَامِ اللجُوءِ إِلى اللهِ تَعَالى وَالافْتِقَارِ إليه وَرُؤْيَةِ عُيُوبِ نَفْسِهِ وَجَهْلِهَا وَعُدْوَانِهَا وَمُشَاهَدَةِ فَضْلِ رَبِّهِ وَإِحْسَانِهِ وَرَحْمَتِهِ وَجُودِهِ وَبِرِّهِ وَغِنَاهُ وَحَمْدِهِ. فالعارفُ: سَائِرُ إلى اللهِ تَعَالى بَيْنَ هَذَيْنِ الْجِنَاحَيْنِ لا يُمْكِنَهُ أنْ يَسِيرَ إلا بِهِمَا فَمَتَى فَاتَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَهُوَ كالطَّيْرِ الذي فُقِدَ أَحَدُ جِنَاحَيْهِ.
وقَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّةِ ﵀: العَارِفُ يَسِيرُ إلى اللهِ بَيْنَ مُشَاهَدَةِ الْمِنَّةِ وَمُطَالَعَةِ عَيْبِ النَّفْسِ وَالعَمَلِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ﵁: «سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ العَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنَعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ» . فَجَمَعَ فِي قولِهِ ﷺ : «أَبُوءُ لَكَ بِنَعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي» . بَيْنَ مُشَاهَدَةِ الْمِنَّةِ وَمُطَالَعَةِ عَيْبِ النَّفْسِ وَالْعَمَلِ.
فَمُشَاهَدَةُ الْمِنَّةِ تُوجِبُ الْمَحَبَّةَ وَالْحَمْدَ والشُّكْرَ لِوَلِيّ النِّعَمِ وَالإِحْسَانِ وَمُطَالَعَة عَيْبِ النَّفْسِ وَالْعَمَلِ تُوجِبُ لَهُ الذُّلَّ وَالاِنْكِسَارَ وَالافْتِقَارَ وَالتَّوْبَةَ فِي كُلِّ وقت وَأَنْ لا يَرَى نَفْسَهُ إِلا مُفْلِسًا وَأَقْرَبُ بَابٍ يَدْخُلُ مِنْهُ العَبْدُ عَلَى الله تعالى هُوَ بَابُ الإِفْلاسِ فَلا يَرَى لِنَفْسِهِ حَالاً وَلا مَقَامًا وَلا سَبَبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَلا وَسِيلَة مِنْهُ يَمُنُّ بِها.
بَلْ يَدْخُلُ عَلَى اللهِ مِنْ بَابِ الافْتِقَارِ الصَّرْفِ وَالإِفْلاسِ الْمَحْضِ دُخُولَ مِنْ كَسَرَ الفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ قَلْبَهُ حَتَّى وَصَلَتُ تِلْكَ الكَسْرَةُ إلى سُوَيْدَائِهِ فَانْصَدَعَ وَشَمَلَتْهُ الكَسْرَةُ مِنْ كُلِّ جِهَاتِهِ وَشَهِدَ ضَرُورَتَهُ إلى رَبِّهِ وَكَمَالَ فَاقَتِهِ وَفَقْرِهِ إِلَيْهِ وَأَنَّ فِي كُلِّ ذَرَةٍ مِنْ ذَرَّاتِهِ الظَّاهِرَةِ فَاقةٌ تَامةٌ وَضَرُورَةً إلى رَبِّهِ ﵎ وَأَنَّهُ إِنْ تَخَلَّى عَنْهُ طَرْفَةَ عين هَلَكَ
стр. 466
وَخَسِرَ خسارَةَ لا تُجْبَرُ إلا أَنْ يَعُودَ إلى الله تعالى وَيَتَدَارَكَهُ بِرَحْمَتِهِ. انْتَهَى.
شِعْرًا:
يا رَبِّ عَفوَكَ عَن ذي تَوبَةٍ وَجلٍ ... كَأَنَّهُ مِن حذارِ النَّارِ مَجنونُ
قَد كانَ قَدَّمَ أَعمالاً مَقارِفَةً ... أَيّامَ لَيسَ لَهُ عَقلٌ وَلا دينُ
آخر ... دَعِ البُكَاءَ عَلى الأطْلالِ وَالدَّارِ
وَاذْكُرْ لِمَنْ بَانَ مِنْ خِلِّ وَمِنْ جَارِ
وَأَذْرِ الدُّمُوعَ نَحِيبًا وَابْكِ مِنْ أَسَفٍ
عَلَى فِرَاقِ لِيَالٍ ذَاتَ أَنْوَارِ
عَلَى لَيَالٍ لِشَهْرِ الصَّوْمِ مَا جُعِلَتْ
إِلا لِتَمْحِيصِ آثَامِ وَأَوْزَارِ
يَا لائِمِي في البُكَاءِ زِدْنِي بِهِ كَلَفًا
وَاسْمَعْ غَرِيبَ أَحَادِيثِي وَأَخْبَارِي
مَا كَانَ أَحْسَنَنَا وَالشَّمْلُ مُجْتَمِعٌ
مِنَّا الْمُصَلِّي وَمِنَّا القَانِتُ الْقَارِي
وَفِي التَّرَاوِيحِ للرَّاحَاتِ جَامِعَةٌ
فِيهَا الْمَصَابِيحُ تَزْهُو مِثْلَ أَزْهَارِي
فِي لَيْلِهِ لَيْلَةُ القَدْرِ التِي شَرُفَتْ
حَقًّا عَلَى كُلِّ شَهْرٍ ذَاتَ أَسْرَارِ
تَتَنَزَّلُ الرُّوحُ وَالأَمْلاكُ قَاطِبَةً
بِإِذْنِ رَبٍّ غَفُورٍ خالقٍ بَارِي
شَهْرٌ بِهِ يُعْتِقُ اللهُ العُصَاةَ وَقَدْ
أَشْفُوا عَلَى جُرُفٍ مِنْ خُطَّةِ النَّارِ
стр. 467
نَرْجُوا الإِلَهَ مُحِبَ العَفْوِ يَعْتِقُنَا
وَيَحْفَظُ الكُلَّ مِنْ شَرٍّ وَأَكْدَارِ
وَيَشْمَلُ العَفْوُ وَالرِّضْوَانِ أَجْمَعْنَا
بِفَضْلِكَ الْجَمِّ لا تَهْتِكْ لأَسْتَارِ
فَابْكُوا عَلَى مَا مَضَى فِي الشَّهْرِ وَاغْتَنِمُوا
مَا قَدْ بَقِي فَهُو حَقٌّ عَنْكُمُ جَارِي
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَانْصُرْ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ وَاجْعَلْ كَلِمَتِكَ هَيِ العُلْيَا إِلى يَوْمِ الدِّينِ وَاخْذِلْ الكَفَرَةَ وَأَعْوَانَهُمْ وَالْمُلْحِدِينَ وَالْمُبْتَدِعِينَ وَأَصْلِحْ مَنْ فِي صَلاحِهِ صَلاحُ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِكْ مَنْ كَانَ فِي هَلاكِهِ هَلاكٌ للإسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَوَلِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ خِيَارَهُمْ يَا رَبَّ العَالَمِينِ وَلَمَّ شَعْثَهُم واجْمَعْ شَمْلَهُمْ وَوَحِّدْ كَلِمَتَهُمْ وَانْصُرْهُمْ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ وَاَحْفَظْ بِلادَنَا مِنْ الفَسَقَةِ وَالْمُجْرِمِينِ وَأَصْلِحْ أَوْلادَنَا وَاشْفِ مَرْضَانَا وَعَافِ مُبْتَلانَا وَارْحَمْ مَوْتَانَا وَخُذْ بَأَيْدِنَا إِلى كُلِّ خَيْرٍ وَاعْصِمْنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَاحْفَظْنَا مِنْ كُلِّ ضُرّ واغْفِرْ اللَّهُمَّ للمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ إِنَّكَ قَرِيبٌ مُجِيبٍ اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلا إِلى النَّارِ مَصِيرَنَا وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا بِذُنُوبِنَا مَنْ لا يُخَافُكَ فِينَا وَلا يَرْحَمْنَا وَلا تُؤاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا وَلا تَسْلِبْ نِعْمَتَكَ عَنَّا وَكُنْ مَعَنَا حَيْثُمَا كُنَّا يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) : وَيَبْحَثُ فِي:
١- مَا وَرَدَ مِنْ الْحَثِّ عَلَى قِرَاءَةِ القُرْآنِ الْكَرِيمِ.
٢- مَا جَاءَ فِي فَصْلِ حَمْلِ القُرْآنِ وَتِلاوَتِهِ.
٣- مَا وَرَدَ فِي فَصْلِ تَدَبُّرِ القُرْآنِ وتَفَهُّمِهِ.
٤- مَا وَرَدَ فِي اسْتِحْبَابِ تَرْتِيلِ القرآنِ الْكَرِيمِ.
стр. 468
٥- مَا وَرَدَ فِي بَيَانِ عِظَمِ بَعْضِ السِّوَر.
٦- اسْتِحْبَابُ تَحْسِينِ الصَّوْتِ في التِّلاوَة.
٧- يَنْبَغِي الْخُشُوعُ والْخَشْيَةُ وَالبُكَاءُ عِنْدَ تِلاوَةِ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى.
٨- مَا وَرَدَ فِي تَعَاهُدِ الْقُرْآنِ وَالتَّرْهِيبِ مِنْ نِسْيَانِهِ.
١- مَا وَرَدَ مِنْ الْحَثِّ عَلَى قِرَاءَةِ القُرْآنِ الْكَرِيمِ:
يُسْتَحَبُّ حِفْظُ القُرْآنِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، وَالإِكْثَارُ مِنْ تِلاوَتِهِ كُلَّ وَقْتُ لأَنَّ تِلاوَتَهُ مِنْ أَفْضَلِ العِبَادَاتِ وَأَعْظَمِ القُرُبَاتِ وَأَجَلِّ الطَّاعَاتِ وَفِيهَا أَجْرٌ عَظِيمٌ وَثَوَابُ جَسِيمٌ مِنْ الْمَوْلَى الكَرِيمْ وَلاسِيَّمَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ الله تَعَالى آمِرًا رَسُولَهُ ﷺ بِتِلاوَةِ كِتَابِهِ العَزِيزِ وإبْلاغِهِ إلى النَّاسِ: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ﴾ .
وَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الذين يَتْلُونَ كِتَابِهِ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ مِنْ إِقَامِ الصَّلاةِ وَالإِنْفَاقُ مِمَّا رَزَقَهُمْ اللهُ تَعَالى فِي الأَوْقَاتِ الْمَشْرُوعَةِ لَيْلاً وَنَهَارًا سِرًّا وَعَلانِيَّةً فقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ .
وَعَنْ عُثْمَانٍ بنِ عَفَّانٍ ﵁ عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» . رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَمُسْلِم.
٢- مَا جَاءَ فِي فَضْلِ حَمْلِ القُرْآن:
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُولِ اللهُ ﷺ : «الذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَة،
стр. 469
وَالذي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُوَ يَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌ لَهُ أَجْرَانِ» . رَوَاهُ البُخَارِي.
وَعَنْ أََبِي أُمَامَةَ البَاهِليُّ - رَضِيَ اللهُ تَعَالى عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولِ اللهُ ﷺ يَقُولُ: «اقْرَءُوا القرآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمْ.
وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهُ ﷺ : «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَاقْرَءُوهُ فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لَمَنْ تَعَلَّمَهُ فَقَرأَهُ وَقَامَ بِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوٍّ مِسْكًا تَفُوحُ رِيحُهُ فِي كُلَّ مَكَانٍ وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ فَرَقَدَ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ أُوكِي عَلَى مِسْكٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِي، وَالنَّسَائِي، وَابْنُ مَاجَة.
وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشعَرِي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهُ ﷺ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنُ الذي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الأَتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنُ الذي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ لا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الذي يَقْرَأُ القُرْآن مَثَلُ الرَِّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِق الذي لا يَقْرَأ القُرْآنَ كَمَثِلِ الحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحُ وَطَعُمْهَا مُرٌّ» . رَوَاهُ البُخَارِي، وَمُسْلِم.
وَعَنْ ابن عُمر ﵄ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: «لا حَسَدَ إلا في اثْنَتينِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللهُ القرآنْ فَهُوَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٍ تَعَلَّمَ عِلْمًا فَهُوَ يُعَلِّمُ النَّاسَ مِنْهُ» . رَوَاهُ البُخَارِي، وَمُسْلِم.
وَعَنْ ابن عباس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الذي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنْ القُرْآنِ كالبَيْتِ الْخَرب» . رواهُ الترمذي، وقَالَ: حديثٌ حَسَنْ.
стр. 470
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولِ اللهُ ﷺ قَالَ: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ من بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَغَشَيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدِهِ» . أخرج البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَرْبُوطة عِنْدَهُ إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ فَقَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ وَسَكَنَتِ الْفَرَسُ فَقَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ فَانْصَرَفَ.
وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ فَلَمَّا أَخَذَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى يَرَاهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: «اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ» . قَالَ: فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ فَخَرَجَتْ حَتَّى لاَ أَرَاهَا. قَالَ «وَتَدْرُونَ مَا ذَاكَ» ؟ قَلْتُ: لاَ. قَالَ: «تِلْكَ الْمَلاَئِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لاَ تَتَوَارَى» .
فالْعَاقِلُ مَنْ يُكْثِرُ تَلاوتهُ وَاسْتِذْكَارِهِ للاهْتِدَاءِ بِهَدْيهِ وَالاسْتِرْشَادِ بِمَواعِظِهِ وَالاعْتِبَارِ بِقَصَصِهِ وَالالْتِقَاطِ مِنْ دُرَرِهِ وَحِكَمِهِ وَالاسْتِضَاءَةِ بِنُورِهِ كَيْفَ لا وَهُوَ أَسَاسُ الفَصَاحَةِ وَيَنْبُوعُ البلاغَةِ وَالبَرَاعَةِ فَتَجِدُ الْخَطِيبَ الْمُصْقِعَ وَالشَّاعِرَ البَلِيغَ يَقْتَبِسَانِ مِنْ آيَاتِهِ وَيَسْتَمِدَّانِ مِنْ عُذُوبَةِ أَلْفَاظِهِ وَمَعَانِيهِ مَا يُزَيْنَانِ بِهِ كَلامَهُمَا وَيُحَسِّنَانِ بِهِ مَقَامَهَُا.
شِعْرًا:
سَأَصْرِفُ وَقْتِي فِي قَرَاءَةِ مَا أَتَى ... عَنْ اللهِ مَعْ مَا جَاءَنَا مِنْ رَسُوله
فَإِنَّ الْهُدَى وَالْفَوْزَ وَالْخَيْرَ كُلَّهُ ... بِمَا جَاءَ عَنْ رَبِّ العِبَادِ وَرُسْلِهِ
وَهُوَ أَسَاسُ الشَّرِيعَةِ الإِسْلامَيةِ وَمِنْهُ تُسْتَمَدَّ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةُ وَالْمَسَائِلُ الفقْهيةُ وَالْحَقُّ أنهُ عِمَادُنَا فِي أَمْر دِينِنَا وَدُنْيَانَا.
стр. 471
القُرْآنُ أَصْلُ أُصُولِ الدين قَاطِبَةً ... فَكُنْ هُدِيتَ بِهِ مُسْتَمْسِكًا وَثِقَا
قَالَ يحيى بن أكثم: كان للمأمون وهو أمير إذْ ذَاكَ مجلس نظر فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب الوجه طيب الرائحة قال: فتكلم فأحسن الكلام والعبارة.
فلما تقوض المجلس دعاه المأمون فقَالَ له: إسْرَائيلِي؟ قال: نعم. قال: أَسْلِمْ حتى أفعل بك وأصنع ووعده فقال: ديني ودين آبائي وانصرف.
قال: فلما كان بعد سنة جاء مُسْلِمًا فتكلم على الفقه فأحسن الكلام فلما تفوض المجلس دعاه المأمون وقال: أَلَسْتَ صَاحِبَنا بالأمس؟ قَالَ: بلى.
قال: فما كان سَبَبُ إسلامك؟ قال: انصَرفْتُ مِن حَضْرتِكَ فأحْبَبْتُ أن أمْتَحِنَ هذه الأديانَ وأنت تراني حَسَنُ الخط فَعَمَدْتُ إلى التوراة فكتبتُ ثلاثَ نُسَخ فَزِدْتُ فِيهَا وَنَقَصْتُ وأدْخَلْتُها الكَنِيسَةَ فاشتريت مني. (المعنى مَا بَارَتْ تَصَرَّفَت وَطَافَت ما حُقِّقَ فيها ولا انتبه لِتَحْرِيفِهَا) .
وعمدت إلى الإنجيل فكتبتُ ثلاث نسخ فَزِدْتُ فيها وَنَقَصْتُ وأدخلُتها البَيَعَةَ فاشتريت مني.
وعمدت إلى القرآن فَعَمِلْتُ ثلاثَ نسخ وَزِدْتُ فِيها وَنَقَصْتُ وأدْخَلْتُهَا الوَرَّاقِيَن فَتَصَفَّحُوهَا.
فلما وَجَدُوا فيها الزِّيَادَةِ وَالنُقِصانَ رَمُوا بها فلم يَشْتَرُوهَا فَعَلمْتُ أنَّ هذا كتابٌ مَحْفُوظ فكان هذا سَبَبُ إسلامي.
قال يحيى بنُ أكثم: فَحَجَبْتُ تِلكَ السنةَ فَلَقِيتُ سُفيانَ بن عُيَيْنَةَ فَذكرتُ له الخَبَر فقال لي: مِصْدَاقُ هذا في كتاب الله قال: قُلْتُ في أيِّ مَوْضعٍ؟ قال: في قوله تعالى في التوراة والإنجيل: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللهِ﴾ فَجَعَلَ حِفْظَهُ إليهم فَضَاع وقال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فحفظه الله جل وعلا علينا فلم يضع.
стр. 472
شِعْرًا:
عَلَيْكَ بِقَوْلِ اللهِ حِفْظًا فَإِنَّهُ ... هُوَ الذُّخْرُ فِي يَومٍ تَشِيبُ الذَّوَائِبْ
وَقَولِ رسول الله أيضًا فإنَّه ... بِهِ مَعْ كِتَابِ الله تُؤْتى الْمَطَالِبُ
وفَّقَنَا اللهُ وَجِميعَ المسلمِينَ لِلتَّمَسُّكِ بكِتَابِهِ والْمُسَارَعَةِ إلى امْتِثَالِ أَمْرِهِ واجْتِنَاب نَهْيه والوُقُوفِ عِنْدَ حَدَّهِ والتَّفكر في أمثالِهِ وَمُعْجِزهْ والتَّبصَّرُ في نُور حِكمهِ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
وَعَنْ عَبْدُ اللهِ بِنْ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولِ اللهُ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانَ يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا وَيْلَهُ!» .
وَفِي رِوَايَة: «يَا وَيْلي! أُمِرَ ابنُ آدمَ بالسِّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةِ وَأُمِرْتُ بالسجودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النارُ» . رَوَاهُ مُسْلِمُ، وَأَبُو دَاود.
وَعَنْ النَّوَاسِ بِنْ سِمْعَان ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يُؤْتَى بالقرآنِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الذين كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا تَقْدُمُهُ سُورَةُ البَقَرةِ، وَآلِ عمرانَ» وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولِ اللهُ ﷺ ثَلاثةَ أَمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ قَالَ: «كَأَنَّهَما غَمَامَتَاِن أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَوَانِ بَيْنَهُمَا شَرَقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فُرْقَانٌ مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍ يُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهما» . رواه مسلم.
وَعَنْ عَبْدُ اللهِ بن مَسْعُودٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهُ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتابِ اللهِ تَعَالى فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا لا أَقُولُ: ألَم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلامٌ حَرْف، وَمِيمٌ حَرْفٌ» . رواه أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي.
стр. 473
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَوْصِنِي قَالَ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ فَإِنَّهُ رَأْسُ الأَمْرِ كُلِّهِ» . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ زِدْنِي، قَالَ: «عَلَيْكَ بِتَلاوَةِ القُرْآنَ فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي الأرْضِ، وَذُخْرٌ لك في السماء» . رواه ابن حبان.
شعرًا:
مَنْ يُرِدْ مُلْكَ الْجِنَانِ ... فَلْيَدَعِ عَنْهُ التَّوَانِي
وَليَقُمْ في ظَلَمَةِ الْـ ... لَيْلِ إلى نُورِ القُرْآنِ
وَليَصِلْ صَوْمًا بِصَوْمٍ ... إِنَّ هَذَا الْعَيْشَ فَانِ
إِنَّمَا العَيْشَ جِوَرُ الْـ ... ـلَهِ فِي دَارِ الأَمَانِ
آخر:
اقْطَعْ زَمَانِكَ بالْقُرْآنِ تَفْهَمُهُ ... وَمَا أَتَى عَنْ رَسُولِ الله مِنْ كَلمِ
وَاتْرُكْ مَجَالِسَ قَومٍ لَيْسَ عِنْدَهُمْ ... سِوَى الْمَآثِمِ مِنْ فِعْلٍ وَمِنْ كَلِمِ
آخر:
إِذَا شِئْتَ أَنْ تُخْطَى بِجَنَّةِ رَبِّنَا ... وَتَفُوزَ بالفَضْلِ العَظِيمِ الدَّائِمِ
فَاعْمَلْ بِمَا قَالَ الإِلهُ وَقَوْلِ مَنْ ... خَتَمَ الإِلهُ بِهِ النُّبُوةَ فَاعْلَمِ
وَعَنْ عَبْدُ اللهِ بِنْ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولِ اللهُ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَقَدْ اسْتَدْرَجَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ جَنْبَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يُوحَى إِلِيْهِ، لا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ القُرْآنِ أَنْ يَجِدَ مَعَ مَنْ وَجَدَ، وَلا يَجْهَلَ مَعَ مَنْ جَهِلَ وَفِي جَوْفِه كلامُ اللهِ» . رواه الحاكم.
وروى عن علي بن أَبي طالبٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَاسْتَظْهَرَهُ فَأَحَلَّ حَلالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ أَدْخَلَهُ اللهَ الْجَنَّةَ وَشَفَّعَهُ فِي عَشْرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّهمُ قَدْ وَجَبَتْ لَهُمْ النارُ» . رواه ابن ماجة، والترمذي.
وعن أبي ذَرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهُ ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍ لأَنْ تَغْدُوَ فَتَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ الله خيرٌ لَكَ مِنْ أَنْ
стр. 474
تُصَلِّي مائَةَ رَكْعَةٍ، وَلأَنْ تَغْدُوا فَتَتَعَلَّمَ بَابًا مِنْ العِلْمِ عُمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْمَل بِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُصَلِّي أَلَفَ رَكْعَةٍ» . رواه ابن ماجة.
اللَّهُمَّ اهْدِنَا إلى سَوَاءِ السَّبِيلْ وَوَفِّقْنَا لِلْفِقْهِ في دِينَكَ القَوِيمِ وَاجْعَلْنَا مِنْ العَامِلينَ بِهِ قَوْلاً وَفِعْلاً الدَّاعينَ إليه، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ تَدَبُّرِ القُرْآنِ وتَفَهُّمِهِ
يُسْتَحَبُ التَّعَوُذَ لِمَنْ أَرَادَ الشُّرُوعَ في القِرَاءَةِ بَأَن يَقُولَ: (أُعُوذُ بِاللهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) لِقَولِهِ تَعَالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ .
وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ يَقُولُونَ: أعوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العليمِ مِنْ الشيطانِ الرَّجِيمِ، فَإِنْ قَطَعَ القِرَاءَة قَطَعَ تَرْكٍ عَلَى أَنْ لا يَعُودَ قَرِيبًا إِلَيْهَا أَعَادَ التَّعَوُذَ الأَوَّلَ، وَإِنْ تَرَكَهُ قَبْل القِرَاءَةِ فَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا ثُمَّ يَقْرَأُ لأَنَّ وَقْتَهَا قَبْلَ القِرَاءَةِ للاسْتِحْبَابِ فَلا يَسْقُطُ تَرْكَهَا إِذًا وَلأَنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي ذَلِكَ.
فَإِذَا شَرَعَ فِي القِرَاءَةِ فَلَيَكُنْ شَأْنُهُ التَّدْبُرَ وَلِيَحْذَرْ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ بَعْضِ الْهَمَجِ يَقْرَأَ القُرْآنَ وَعُيُونُهُ تَجُولُ فِيمَا حَوْلَهُ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ يَتَلاعَبُ بالقُرْآنِ وَلا يَهْتَمُ لَهُ قَالَ تَعَالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ، وَقَالَ تَعَالى في مَعْرَضِ الإِنْكَارِ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ .
فالمؤمنُ العاقلُ المُحُب للهِ وَرَسولِهِ تِلاوةُ القرآنِ وَتَفَهُّمُهُ عِنده أَلَذُّ الأَشْيَاءِ وَأَنْفَعَهَا لِقَلْبِهِ.
стр. 475
ولا يَملُ من تِلاوته ولا يقنعُ بتلاوته دُونَ أن يَطْلُبَ فَهْمَ مَعَاني ما أرادَ الله من تَعْظِيمِهِ وَتَبْجِيلِهِ وَتَقْدِيسِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَأَمْرِهِِ وَنَهْيِهِ وَإِرْشَادِهِ وَآدَابِهِ وَوَعَدِهِ وَوَعِيدِهِ.
وَيَعْلَم أنه لا ينال مَنَافِعَ آخِرَتِهِ وَلا الفَوْزَ بِهَا وَالنَّجَاةَ مِنْ هُلْكَتِهَا إِلا بإتباع القرآن الدَّال على كل نَجاة والْمُنْجِي لَهُ مِن كُلِّ هَلَكَةٍ.
قَالَ الله جل وعلا: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ الآية أَنْزَلَهُ اللهُ جَلَّ وَعَلا عَلَى عباده لِيُعُرِّفَهُم بِهِ نَفْسَه وَيُذَكِّرهُمْ بِهِ أَيَادِيَهُ وَيُنَبِّههم به من رَقدَاتِ الغَافِلين.
وَيُحْيِيَ قُلُوبَهُم ويُنَوِّرَ أَبْصَارَهُم وَيَشْفِي صُدُورَهُم وَيزُيلَ جَهْلَهَا وَيُنْفِي شُكُوكَهَا وَدَنَسَهَا وَزَيْفَهَا وَيُوضِحَ سَبِيلَ الْهُدَى وَيكْشِفَ بِهِ العَمَى وَالشُّبُهَاتِ.
وَيُزيلَ نوازعَ الشَّيْطَانِ وَوَسَاوسَ الصُّدُورِ وَيُغْنِي بِهِ مِنْ فِهْمَهُ وَيَنْعَمَ بِهِ مَنْ كَرَّرَ تِلاوَتَهَ وَيَرْضَى بِهِ عَمَّنْ اتَّبَعَهُ.
هُوَ صِرَاطُ اللهِ الْمُسْتَقِيم الذي مَن سَلَكَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ أَوْقَفَهُ على الرغائب وَسَلَّمَهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَهَالِكِ وَخَفَّفَ عَنْهُ أَهْوَالَ يومِ العَرْضِ والنُّشُورِ. وَأَوْرَدَهُ رِيَاضَ جَنَّاتِ النعيم.
هُوَ حَبْلُ اللهِ الْمَتِين الذي لا انقطاعَ لَهُ مَن تَمَسَّكَ بِهِ نَجَا قال الله جل وعلا وتقدس لرسوله ﷺ : ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ .
ومَن أَعْرضَ عنه عَطِبَ قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ .
стр. 476
ومَن ابتغى الهدى مِن غيره ضَل، ومَن فَهِمَهُ نَطَقَ بالحكم، وجَرَى على لسانه بحسنِ الموعظة، وكان مِن العلماء بالله جل وعلا.
ومَن عقل عن الله جَلَّ ذِكْرُه ما قال فقد اسْتَغْنَى به عن كل شيء وعَزَّ بِهِ مِنْ كلِ ذُل.
لا تَتَغَيَّر حَلاوَتُهُ ولا تُخْلِقُ جِدَّتُه في قلوب المؤمنين به على كثرة الترداد والتكرارِ لتلاوته.
لأنه كلام الحي القيوم، وكل كلام غير القرآن والأحاديث الصحيحة التي جاءت عن النبي ﷺ فإنها تُمَلُّ من كَثْرة تَرْدَادها.
أما القرآنُ وما صح عن النبي ﷺ فإنَّ المؤمِن كُلَّ مَا كرره ازْدَادَ رَغْبةً وَنَشاطًا وَمَحَبَّةً لِلَكَلامِ وَلِمَنْ تَكَلَّم بِهِ وَهَذا مَوجُودٌ عندَنا في فِطَرِنَا فإنا نَسْمَعُ الكَلامَ مِمَّنْ نُحِبُّ مِنْ الْخَلْقِ. ومن نُعَظِّمُ قَدْرَهُ فَتَرْتَاحُ لِذَلِكَ قُلُوبُنَا.
فكيفَ بكلام ربنا رب العالمين الذي خَلَقَنَا وَرَزَقَنَا وَأَعْطَانَا وَآوَانَا وَعَافَانَا وَهَدَانَا.
شِعْرًا:
جَمِيعُ الكُتْبِ يُدْركُ مَنْ قَرَاهَا ... فُتُورٌ أَوْ كَلالٌ أَوْ سَآمَةْ
سِوَى القُرآن فَافْهَمْ وَاسْتَمِعْ لِي ... وَقَوْلِ الْمُصْطَفَى يَا ذَا الشَّهَامَةْ
وقد تكلم به حَقِيقة، وأنزله على محمد ﷺ مع الأَمِين مِنْ ملائكته. فالواجب علينا الإصغاءُ وَالتَّفَهُّمُ لِمَا يُتْلَى مِنْ كَلام رَبَّنَا جَلَّ وَعَلا وتقدس.
وَأَنْتَ تعلم أَنَّهُ إِذَا كَان لِلذِّي يُحَدِّثُكَ عِنْدَكَ قَدْرٌ أَصْغَيْتَ إلى حَدِيْثِهِ باسْتِمَاعِ ما يَقُولُ وَتَفْهُم مَعَانِي مَا يَصِفُ.
ولو كان يَحْكِيهِ لَكَ عن حَاكِي لَفَعَلْتَ ذَلِكَ حُبًّا مِنْكَ لِقَائِلِهِ وَتَعْظِيمًا لِلْمُتَكَلِّم بهِ.
стр. 477
ولو أطلعَهُ اللهُ على قَلْبَكِ وَأَنْتَ غافلٌ مُتَشَاغِلٌ عَنْهُ لا تُلْقِي لَهُ بَالَكَ وَلا تَفْهَمِ عَنْهُ قَوْلَه.
لأبْغَضَكَ وَعَلِمَ إِنَّكَ مُسْتَهِينٌ بِهِ سَاهٍ عَنْ حَدِيثهِ وَلا تَهْتَمَّ بِهِ وَلَمْ تَعْبَأ بِفَهْمِ قوله لِقِلَّةِ قَدْرِهِ وَقَدْرِ حَدِيثِهِ عِندَكَ.
وَلو كَانَ عَنِدَكَ قَدْرٌ لأَصْغَيْتَ لِحَدِيثِهِ وَلَمْ تَلهَ عَنْ تَفَهُّمِهِ وَإِنَّمَا لَهَوْتَ عَنْ حَدِيثِ مِنْ حَدَّثَكَ مِنْ الْخَلْقِ لأَنَّهُ غَابَ عَنْهُمْ عِلْمُ ضَمِيرَكَ.
وَلَوْ كَانَ بَادِيًا وَظَاهِرًا لَهُمْ مَا فِيهِ لأَحْضَرْتَ عَقْلَكَ إِلَيْهم وإليهم وإلى كَلامِهم وَحَدِيثهم، وَلَمْ تَرْضَ لَهُم بالاستماعِ دُونَ الفَهْمِ لَهُ، ولا بالفَهْمِ له دُونَ تَحْبُّبِهمْ عَلَى قَدْرِ حَدِيثِهمِ.
لِتُعْلمَهُم أنَّكَ قد فِهَمْتَ عَنْهُمْ ولم تَرْضَ لَهُم بالجَوابَ دُون أَنْ تُوَافِقَهم فَتُعَظِّمَ ما عَظَّمُوا وَتَسْتَحَسَّنَ مَا اسْتَحْسَنُوا وَتَسْتَقْبِحَ مَا اسْتَقْبَحُوا.
هَذَا وَأَكْثَرُ حَدِيثهم لَغْوٌ وَلَهْوٌ وَليس فيه مَنْفَعَةَ ولا دُنْيَا وَلا حَقَّ لهم يُؤكدُوهُ عَلَيْكَ بِقَوْلِهم ولا يَرْضَون عَنْكَ بِفَهْمِهِ وَلا تُحِبُّ لَهُمْ أَنْ يَسْخَطُوا عَلَيْكَ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَفْهَمُه وَتَقُومُ به.
فكيف بالرب العظيم الكريم الذي سَهَّلَ لَكَ مُنَاجَاتَه، وَلَمْ يتكلم به لَغْو ولا قالَهُ لَهْوًا وَلَعِبًا ولا عَبْثًا، ولا خَاطب به سَهْوًا ولا تَفَكُّهَا تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا.
وَإِنَّمَا تَكَلَّم بِهِ مُخَاطِبُهُ قَصْدًا وَإِرَادَةً وتوكِيدًا لِلْحُجَّة عليكَ وعلى خَلْقِهِ إعْذَارًا إِلَيْهِمْ وَإِنْذَارًا.
فَعَرَّفَنَا بِهِ أَنْ لا إِلَه غَيْرُهُ وَأَمَرَنَا بِمَا يَرْضَى بِهِ عَنَّا وَيُقَرِّبُنَا مِنْهُ ويُوجِبُ لَنَا جِوَارَهُ والقُرْبَ مِنْهُ وَالنَّظَر إِلِيه.
стр. 478
ويُوجِبُ لَنَا بِهِ إِنْ رَكِبْنَا مَا يَسْخِطُهُ عَذَابَهُ الأَلِيمْ في خُلُودَ الأَبَدَ الذي لا انقطاعَ لَهُ وَلا زَوَالَ وَلا رَاحَة.
وَنَدَبَنَا فيه إلى الأَخْلاقِ الكَريمة والمنازِلِ الشَّريفَةِ وَقَدْ قَالَ أَصْدقُ القائلين وَأوفى الواعدين إنَّ مَا أَنْزَلَه مِن كَلامه شِفَاءٌ لِمَا في الصُّدُور وَهُدىً ورحمةِ للمؤمنين.
فما أَحَقُّ مِن غَفَل عن فَهْمِ كِتابهِ أنْ يَسْتَحِي مِن رَبِّهِ ويأَسَفْ عَلَى مَا مَضَى مِن عُمُرهِ وَمَرَضِ قَلْبِهِ وَهو لا يَزْدَادُ إِلا سُقْمًا وَمَرَضًا وذلك لِقَلةِ مُبَالاتِهِ.
تَرَكَ طَلبَ شِفَائِهِ بِمَا قَالَ الله وتدَبُّرِ ما تكلم به خَالِقُه ومَولاه وَقَدْ رآه مَولاهُ وهو يَعْتَنِي بِفَهم كِتابِ مَخْلُوقٍ وَحَدِيثهِ.
وَلَيْسَ فِي كِتَابِ هذا المخلوق وَحَدِيثِهِ إِيَّاهُ خُلُودُ الأَبَدِ فِي النَّعِيم ولا النَّجَاةُ مِنْ العَذَابِ الأليم الذي لا يَنْقَطِعُ.
بل رُبَّمَا أَن فيه ما الاشتغالُ به ضَرَرٌ عليه وَمَسْخَطَةٌ لِرَبه أَوْ لَعَلَّ فِيهِ مَا الاسْتِغْنَاءُ بِغَيرهِ أَولى أو حَاجَة لا قَدْرَ لَهَا أَوْ خبَرٌ تَافِه.
أَوْ حَاجَةٌ بكُلْفَةٍ لا يأْمَلُ لَهَا مُكَافَأةً ولا يحَثُهُ عَلَى القِيَام بِهَا إلا خَوفُ عَذْلِهِ وَلَوْمِهِ.
فَكيفَ تَكُونُ حَالُنا عند ربنا ﵎ وقد عَلِم مِنَّا أَنَّنَا قَلِيلٌ تَعْظِيمُنَا لَهُ.
ونَحْن لا نَعْبَأ بفَهْم كلامه وتَدَبُّر قوله فيما خاطب به كما نَعْبَأ بفهم كُتْبِ عَبِيده وحَدِيثهم الذين لا يَملكونَ لَنَا وَلا لأَنْفُسِهم ضَرًا وَلا نَفْعًا وَلا مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا.
стр. 479
فَتَبَارَكَ مَنْ يَمْلِكُ ذلك كُلَّهُ إلى أن قال ﵀: فغدًا نَقْدَمُ على الله فَنَلْقَاهُ وَيُسَائِلُنَا عَنْ كتابه الذي أنزل إلينا مُخَاطِبًا لَنَا به وكيفَ فهِمنا عنه وكيفَ عَمِلْنَا بِهِ وَهَلْ أَجْللناهُ وَرَهِبْنَاهُ وَهَلْ قُمنا بِحَقِّهِ الذي أَمَرَنَا بهِ وَجَانبنا ما نهانا عنه.
ألم تَسْمَع مَسَائِلَهُ الجن والإنس جميعًا يوم القيامة بِمَا أَقَامَ عليهم به الحجة في الدنيا من تلاوة آياته عليهم من رُسُلِهِ وأنه قَطَعَ بذلك عُذْرَهُم وَأدْحَضَ به حُجَّتَهُم.
فقال جَل وعلا يَوْمَ العَرْضِ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ ، وقال جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ انتهى باختصار وتصرف يسير.
شِعْرًا:
يا رَبِّ إِن عَظُمَن ذُنوبي كَثرَةً ... فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ
إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلا مُحسِنٌ ... فَمَن ذَا الذِي يَرْجُو وَيَدْعُو المُجرِمُ
أَدعوكَ رَبِّ كَما أَمَرتَ تَضَرُّعًا ... فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ
مَالِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ إِلا الرَّجَا ... وَجَمِيلُ عَفْوِكَ ثُمَّ إِنِّي مُسْلِمُ
اللَّهُمَّ رَغِّبْنَا فِيمَا يَبْقَى، وَزَهِّدْنَا فِيمَا يَفْنَى، وَهَبْ لَنَا اليَقِينَ الذي لا تَسْكُنُ النُّفُوسُ إِلا إِلَيْهِ، وَلا يَعَوَّلُ فِي الدِّينِ إِلا عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِعِزِّكَ الذِي لا يُرَامْ ومُلْكِكَ الذِي لا يُضَامْ وَبِنُورِكَ الذِي مَلأَ أَرْكَانَ عَرْشِكَ أَنْ تَكْفِينَا شَرَّ مَا أَهْمَّنَا وَمَا لا نَهْتَمُ بِهِ وَأَنْ تُعِيذَنَا مِنْ شُرُورُ أَنْفُسْنَا وَمِنْ سَيَّئَات أَعْمَالِنَا،
стр. 480
اللَّهُمَّ يا عليمُ يا حَلِيمُ يَا قَوِيُ يَا عَزِيزُ يَا ذَا المنِ وَالعَطَا وَالعِزِ والكَبْرِيَا يَا مَنْ تَعْنُوا لَهُ الوُجُوه وَتَخْشَعُ لَهُ الأَصْوَاتْ، وَقِّفْنَا لِصَالِحِ الأَعْمَالِ وَاكْفِنَا بِحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَبِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكْ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
٤- مَا وَرَدَ فِي اسْتِحْبَابِ تَرْتِيلِ القُرْآنِ الكَرِيم:
وَيُسْتَحَبُّ لِقَارِئِ القُرْآنِ أَنْ يُرَتِّلَ قِرَاءَتَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ .
وَثَبَتَ عَنْ أمّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّها تَنْعَتُ قِرَاءَةَ مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرفًا. رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا» . رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي.
وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ: كَانَتْ مَدًّا مَدًّا. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، يَمُدُّ بِـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ ، وَيَمُدُّ بِـ ﴿الرَّحْمَنِ﴾ ، وَيَمُدُّ بِـ ﴿الرَّحِيمِ﴾ . رواه البخاري.
وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ يُرَجِّعُ فِي قِرَاءتِهِ. رواه البخاري، ومسلم.
وَقَدْ رَوَى أَبُو ذَرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَامَ لَيْلَةً بِآيةٍ
стр. 481
يُرَدِّدُهَا: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ وَقَامَ تَمِيمٌ الدَّارِي بآيةِ: ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ وَقَالَ أَبُو سُلَيْمانَ: إِنِّي لأَقِيمُ فِي الآيةِ أَرْبَعَ لَيَالٍ أَوْ خَمْسَ. وَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ: مِنْ خَتَم القُرْآنَ نَهَارًا غُفِرَ لَهُ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَمَن خَتَمَه لَيْلاً غُفِرَ لَهُ تِلكَ اللَّيْلِ. وَعَنْ طَلْحَةَ بن مُصَرِّفٍ قَالَ: مَنْ خَتَمَ القُرْآنَ فِي أَيِّ سَاعةٍ مِنْ النَّهَارِ كَانَتَ صَلَّتْ عليه الملائكةُ حَتَّى يُمْسِي أَوْ أي سَاعَةٍ مِنْ لَيل كَانَتْ صَلَّتْ عليه الْمَلائكةُ حَتَّى يُصْبحُ.
اللَّهُمَّ نَوّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَأَعِنَّا عَلَى أَنْفُسِنَا وَالشَّيْطَان وَأيِّسْهُ مِنَّا كَمَا أَيَّسْتَهُ مِنْ رَحْمَتِكَ يَا رَحْمَنَ وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(موعظة) : قَالَ ابن القَيْم ﵀: عَشَرَةُ أَشْيَاء ضَائِعَةٌ لا يُنْتَفَعُ بِهَا: عِلْمٌ لا يُعْمَلُ بِهِ، وَعَمَلٌ لا إِخْلاصَ فِيهِ وَلا إقْتِدَاءَ فِيهِ بِكِتَابِ اللهِ وَسنةِ رَسولِهِ ﷺ فَإِنَّهُ لا يُوَفَّقُ لَهُمَا إِذَا لَمْ يُخْلِصِ العَمَلَ، وَمَالٌ لا يُنْفَقُ مِنْهَ فَلا يُسْتَمْتِعُ بِهِ جَامِعُهُ في الدُّنْيَا وَلا يُقَدِّمُهُ أَمَامَهُ لآخِرَتِهِ، وَقَلْبٌ فَارِغٌ مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ وَالشَّوْقِ إلى لِقَائِهِ وَالأُنْسِ بِهِ، وَبَدَنٌ مُعَطَّلٌ مِنْ طَاعَةِ الله وَخَدْمَتِهِ، وَمَحَبَّةُ لا تَتَقَيّدُ بِرَضَا الْمَحْبُوب وامتثالِ أوامِرِهِ.
وَوَقْتٌ مُعَطَلٌ مِنْ اسْتِدْرَاكِ فَارِطٍ وَاغْتِنَامُ بِرٍ وَقُرْبَةٍ، وَفِكْرٌ يَجُولُ فِيمَا لا يَنْفَعُ وَخِدْمَةُ مَنْ لا يُقَرِّبُكَ خِدْمَتُهُ إِلى اللهِ وَلا تَعُودُ عَلَيْكَ بِصَلاحِ دُنْيَاكَ، وَخَوْفُكَ وَرَجاَؤُكَ مِمَّنْ نَاصِيَتُهُ بيدِ اللهِ وَهُوَ أَسِيرٌ في قَبْضَتِهِ وَلا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَلا مَوْتًا وَلا حَياةً وَلا نُشُورًا.
وَأَعْظَمُ هذِهِ الإِضَاعَاتِ: إِضَاعَةُ القَلْبِ، وَإِضَاعَةُ الوَقْتِ. فَإِضَاعَةُ القَلْب عن الله مِن إِيَثار الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَة، وإضَاعَةُ الوَقْتِ مِنْ طُولِ
стр. 482
الأمل، فَاجْتَمَعَ الفَسَادُ كَلُّهُ في إتِّبَاعِ الْهَوَى وَطُولِ الأَمَلِ وَالصَّلاحِ كُلُّهُ فِي إِتِّبَاعِ الْهُدَى وَالاسْتِعْدَادِ لِلقَاءِ اللهِ.
إلى أنْ قال: وللهِ عَلَى عَبْدِهِ أَمْرٌ أَمَرَهُ بِهِ وَقَضَاءٌ يَقْضِيهِ عَلَيْهِ وَنِعَمٌ يُنْعَمُ بِهَا عَلَيْهِ فَلا يَنْفَكُ مِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ والقَضَاء نوعانِ إِمَّا مَصَائِبُ وَإِمَّا مَعَائِبُ وَلَهُ عَلَيْهِ عُبُودَيَّةَ في هَذِهِ الْمَرَاتِب كُلِّهَا فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِليهِ مِنْ عَرَفَ عَبُودَيتَهُ في هَذِهِ الْمَرَاتِبَ كُلِّهَا وَوَفَّاهَا حَقَّهَا فَهَذَا أَقَرَبُ الْخَلْقِ إِلَيْهِ وَأَبْعَدُهُمْ مِنْهُ مِنْ جَهْلَ عُبُودَيَتَهُ فَعَطَلهَا عِلْمًا وَعَمَلاً.
اللَّهُمَّ ثَبتنَا على قَولِكَ الثابِت في الحَيَاة وفي الآخِرَة وآتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابِ النَّارِ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ افْتَحْ لِدُعَائِنَا بَابَ القَبُولِ وَالإِجَابَةِ وَوَفِّقْنَا لِلتَّوْبَة النَّصُوحِ وَالإِنَابَةِ وَثَبَّتْ مَحَبَّتكَ في قُلُوبِنَا تَثْبِيتَ الْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ وَألْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَثَبِّتْنَا عَلَى قَوْلِكَ الثَّابِتَ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
٥- مَا وَرَدَ فِي عِظَمِ فَضْلِ بَعْضِ السُّورِ:
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» . قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: « ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وعن عبد الله بن عُمَر ﵁ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لم
стр. 483
يَفْقَهْ مَن قَرَأَ القُرآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاثٍ» . رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي.
وَعَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلا يَسْتَطِيعَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأ أَلْفَ آيَةٍ فِي كُلّ يَوْمِ» ؟ قَالُوا: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْرَأَ أَلْفَ آيَةٍ كُلَّ يَوْمِ؟ قَالَ: «أَمَا يَسْتَطِيعُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ألْهَاكُمْ التَّكَاثُرْ» . رَوَاهُ البَيْهَقِي.
وَقَالَتْ عَائِشَةَ ﵂: (وَلا أَعْلَمُ نَبِيَ اللهِ ﷺ قَرَأَ القُرْآنَ في لَيْلَةٍ ... ) . الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ ابن مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: (لا تَنْثِروُهُ نَثْرَ الرّمْلِ ولا تَهُذّوهُ هَذّا الشَّعْر قِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ وَحَرِّكُوا بِهِ القُلُوبَ وَلا يَكُنْ هَمُّ أَحَدُكُمْ آخَرَ السُّورَةِ) . رَوَاهُ البَغوي.
وَعَنْ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (لأَنْ أَقْرَأَ سُورَة أُرَتِّلهَا أحبُّ إِليَّ مِنْ القُرْآنِ كُلَّه) . وَقَدْ نُهي عَنْ الإِفْرَاطِ في الإِسْرَاعِ وَيُسَمَّى (الْهَذْرَمَةَ) فَثَبَتَ عَنِ ابن مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لَهُ: اقْرَأُ الْمُفَصّلَ في رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودْ: كَهَذَا الشِّعْر، إِنَّ قَوْمًا يَقْرَؤوُنَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيهِمْ وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ نَفَعْ) . رواهُ البخارِي، وَمُسْلِم.
قَالَ ابنُ القَيّم ﵀: إِذَا أَرَدتَ الانْتِفَاعَ بالقُرْآنِ فَاجْمَعْ قَلْبَكَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ وَسَمَاعِهِ وَأَلْقِ سَمْعَكَ وَاحْضَرْ حُضُورَ مَنْ يُخَاطِبَهُ بِهِ مَنْ يَتَكَلَّم بِهِ مِنْهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ خِطَابٌ مِنْهُ لِكَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، قَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ وَذَلِكَ أَنْ تَمَامَ التَّأْثِيرَ لَمَّا كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى مُؤَثّرٍ مُقْتَضِي وَمحل قابلٍ وَشُرِطَ لِحُصُولِ الأثر انْتِفَاءُ الْمَانع الذي يَمْنَعُ مِنْهُ تَضَمَّنَتِ الآية بَيَانِ ذَلِكَ كُلِّهِ بَأَوْجَزِ لَفْظِ وَأَبْيَنهِ عَلَى الْمُرَادْ.
стр. 484
وَقَالَ شَيْخُ الإِسْلام: وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنّ أَفْضَلَ القِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّلاةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ حَالَ الرجل فالقراءةُ بِتَدَبُّرٍ أَفْضَلُ مِنْ القِرَاءَةِ بِلا تَدَبّرٍ، وَالصَّلاةُ بِخُشُوعٍ وَحُضُورِ قَلْبِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلاةِ بِدُونِ ذَلِكَ.
٦- اسْتِحْبَابُ تَحْسِينِ الصَّوْتِ في التِّلاوَةْ:
يُسْتَحَبّ لِقَارِئ القُرْآنِ أَنْ يُحْسِّنَ صَوْتَهُ بِالقِرَاءَةِ، لأَنَّ تَحْسِينَ الصّوتِ بالقِرَاءَةِ مُعِينٌ عَلَى حُضُورِ الْقَلْبِ وَخُشُوعِهِ وَبَاعِثٌ عَلَى حُسْنِ الاسْتِمَاعِ وَالإِصْغَاءِ إِلى القُرْآنِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ» . رواهُ البخاري. وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ كَمَا أَذِنَ لِنَبِيٍ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالقُرآنِ وَيَجْهَرُ بِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
شِعْرًا:
وَلَيْسَ فَتَى الفِتْيَانِ مَنْ كَانَ هَمُّهُ ... جَرَائِدَ يَقْرأها وَتَلْفَاز يَنْظُرُ
وَلَكِنْ فَتَى الفِتْيَانِ مَنْ كَانَ هَمَّهٌ ... قِرَاءةُ القُرْآنِ وَلِلْقَلْبِ يَحْظِرُ
آخر:
اصْرِفْ هُمُومَكَ لِلْقُرْآنِ تَفَهَمَهُ ... وَاعْمَلْ بِهِ كَيْ تَنَالَ الأَجْرَ وَالشَّرَفَا
قَالَ جُمهُورُ العُلماءِ: مَعْنَى (لَمْ يَتَغَنَّ) ، أَيْ لَمْ يُحْسِّنْ صَوْتَهُ. وَعَنْ البَراءِ بِنْ عَازِب ﵁ أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ: «زَيّنُوا القُرْآنَ بأصْوَاتِكُمْ» . رواهُ أحمدُ، وأبُو دَاودَ، وابن ماجة، والدَّارِمي.
وعنه أيضًا قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: «حَسِّنُوا القرآن بَأصْوَاتِكُم فَإِنَّ الصَّوتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ القرآنَ حُسْنًا» . رواه الدارمي.
وَرَوَى مُسْلَمٌ في صَحِيحَهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِي - رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُ - قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأبي موسى: «لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقَرَاءَتكَ
стр. 485
البَارحَة، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِير آلِ داودْ» . قال العلماءُ: الْمُرادُ بالْمِزْمَارِ هُنَا: الصَّوتُ الْحَسَنُ.
اللَّهُمَّ قَابِلَ سَيْئَاتِنَا بِإحْسَانِكَ، وَاسْتُرْ خَطِيئَتِنَا بِغُفْرَانِكَ وَأذْهِبْ ظُلْمَةَ ظُلْمِنَا بِنُورِ رِضْوَانِكَ وَاقْهَر عَدُوَّنَا بِعِزِّ سُلْطَانِكَ فَمَا تَعَوَّدَنَا مِنْكَ إِلا الْجَمِيلْ، اللَّهُمَّ اسْلكْ بِنَا مَسْلَكَ الصَّادِقِينِ الأَبْرَارَ وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الْمُصْطَفِينَ الأخْيَارِ وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فصل)
٧- يَنْبَغِي الْخُشُوعُ وَالْخَشْيَةُ وَالبُكَاءُ عِنْدَ تِلاوَةِ كِتَابِ اللهِ تعالى:
وَيُسْتَحَبُّ البكاءُ عِنْدَ تلاوَةِ القرآن، وَهُوَ صِفَةُ العَارِفِينَ وَشِعَارُ عِبادِ اللهِ الصالحين، قَالَ اللهُ تَعَالَى في وَصفِ الخاشِعينَ مِنْ عِبادِه عِنْدَ تلاوةِ كِتَابِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ سورةَ الإِسْرَاء.
شِعْرًا:
وَكُلُّ تِلاوَةٍ فَتُمَلُّ إِلا ... كَلامُ اللهِ مَعَ قَوْلِ الرَّسُولِ
وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالى الأَنْبِيَاءَ الْمُكْرَمِينَ وَخَوَاصَّ الْمُرْسَلِين، وَذَكَرَ فَضَائِلَهُمْ وَمَرَاتِبَهُمْ أَخْبَرَ إِنَّهُمْ كَانُوَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن (خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً) ، وَقَال اللهُ تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ. وَآثَارٌ لِلسَّلَف فَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ
стр. 486
عَنْ النَّبِي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «اقْرَءُوا القُرْآنَ وَابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكُوا» . وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بن مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رسول الله ﷺ : «اقْرَأْ عَلَيَّ» . قُلْتُ: أأقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ ! قَالَ: «فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» . فَقَرَأْتُ مِنْ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلى هَذِهِ الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا﴾ ، قَالَ: «حَسْبُكَ الآنَ» . فالْتَفَتُ إَلِيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ مُطْرِفِ بن عَبْدُ اللهِ بن الشَّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمُرْجَلِ مِن البُكاءِ. أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إلا ابنَ ماجة، وصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّان.
وَلَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعَهُ قِيلَ لَهُ: الصَّلاةَ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرِ فَلْيُصَلِّ بالناسِ» . قَالَتْ عَائِشَةَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقيقٌ إِذَا قَرَأ غَلَبهُ البُكاء، قَالَ: «مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
شِعْرًا:
وَأَهوى مِنَ الفِتيانِ كُلَّ مُحَافِظٍ ... عَلَى طَاعَةِ الرَّحْمَن في كُلِّ سَاعَةِ
وَيَتْلُو كِتَابَ اللهِ سِرًا وَجَهْرَةً ... وَبِاللَّيْلِ قَوَّامًا بِسَجْدٍ وَرَكْعَةِ
آخر:
يُحْيِي اللَّيَالِي إِذَا الْمَغْرُورُ أَغْفَلَهَا ... كَأَنَّ شُهْبَ الدَّيَاجِي أَعْيُنٌ نُجُلُ
آخر:
إِذا شامَ الفَتى بَرقَ المَعالي ... فَأَهوَنُ فائِتٍ طيبُ الرُقادِ
آخر:
وَباَدِرِ الَّلْيَل بِدَرْسِ العُلوم ... فَإِنَّمَا اللَّيْلُ نهار الأَرِيبْ
وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ الصُّبْحَ فَقَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ فَبَكَى حَتَّى سَالَتْ دُمُوعُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ كَانَ في صَلاةِ العِشَاءِ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ بَكَى حَتَّى سَمِعُوا بُكَاءَهُ مِنْ وَرَاءِ الصُّفُوفِ.
стр. 487
وَقَرَأَ عُمَرَ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِالنَّاسِ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَاللَّيْل إِذَا يَغْشَى فَلَمَّا بَلَغَ: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ خَنَقَتْهُ العَبْرَةُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَنْفُذَهَا فَرَجَعَ حَتَّى إِذَا بَلَغَهَا خَنَقَتْهُ العِبْرَةُ فَلَمْ يَسْتَطِع أَنْ يَنْفُذَهَا فَقَرَأَ غَيْرَهَا.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَالُ العُلَمَاءِ فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرِهُمَا عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى التَّيْمِي أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مَنْ أُوتِيَ مِنْ الِعْلِمِ مَا لا يَبْكِيهِ لَخَلِيقٌ أَنْ قَدْ أُوتِيَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لا يَنْفَعَهُ، لأَنَّ اللهَ تَعَالى نَعَتَ أَهْلَ العِلْمِ فَقَالَ: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ وَقَالَ ﷺ : «لا يَلِجُ النَّارِ مَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ» . الْحَدِيثِ رواه الترمذي. وقال ﷺ : «عَيْنَانِ لا تَمَسَّهُمَا النَّارِ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرِسُ فِي سَبِيلِ اللهِ» . رواه الترمذي.
وَيُسْتَحَبُّ إِذَا مَرَّ بآيةِ رَحْمَةٍ أَنْ يَسْأَلَ اللهَ مِنْ فَضْلِهِ وَإِذَا مَرَّ بآيةِ عَذَابٍ أَنْ يَسْتَعِيذَ باللهِ مِنْ الشَّرِّ أَوْ مِنْ العَذَابِ أَوْ يَقُولَ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ العَافِيَةِ) أَوْ يَقُولَ: (أَسْأَلُكَ الْمُعَافَاةِ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ) أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَإِذَا مَرَّ بِآيةِ تَنْزِيهِ نَزَّهَ اللهَ تَعالى فَقَال: أَوْ: ﵎ أَوْ: (جَلَّتْ عَظَمَةُ رَبَّنَا) فَقَدْ صَحَّ عَنْ حُذَيْفَةَ بن اليَمَانِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النبيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ البَقَرَةِ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ المائِةْ ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى، ثُمَّ افْتَتَحَ آلِ عِمْرَانِ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا يَقْرُأَ مُتَرَسِّلاً إِذَا مَرَّ فِيهَا بِتَسْبِيحِ سََبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤالِ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِتَعْوَّذِ تَعَوَّذْ ثُمَّ رَكَعَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
(موعظة) : عِبَادَ اللهِ إِنَّ مِنْ تَعْظِيمِ رَبِّنَا جَلَّ وَعَلا تَعْظِيمَ كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَذَلِكَ مِنْ أُصُولِ الإِيمَانِ فَمَنِ اسْتَخَفَّ بِكِتَابِ اللهِ أَوْ آيَةٍ مِنْهُ أَوْ اسْتَخَفَّ بِرُسُلِهِ خَسِرَ كُلَّ الْخُسْرَانِ. عِبَادَ اللهِ أَيْنَ الغِيرَةُ الدِّينِيَّةُ كُلَّ يَوْمٍ نَجِدُ الكُتَبَ
стр. 488
التِي تَحْتَوِي عَلَى التَّوْحِيدِ وَعَلى الآيَاتِ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَعَلَى الأحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ مُلْقَاتٍ مَعَ القَمَائِمِ وَفِي الْحُفَرِ القَذِرَةِ تُدَاسُ بِالنِّعَالِ وَتُلَوَّثُ بالأَقْذَارِ تُلَوَّثُ تَلْوِيثًا مِنْهُ العَوَاظِفُ الإِيمَانِيَّةِ أَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْمُنْكَرَاتِ لِمَاذَا لا تُصَانُ وَتُرْفَعُ أَوْ تُقْبَرُ في مَحِّلٍ طَاهِرٍ.
قُولُوا لِمَنْ يُلْقِيهَا وَلِمَنْ يَقْدِرُ عَلى مِنْعِهِمْ مِنْ إِلْقَائِهَا: اتَّقُوا اللهَ هَذِهِ حَالَةٌ وَاللهِ تُؤْلِمَ النُّفوسَ، وَتُشْمِتُ بِنَا الأَعْدَاءِ قُولُوا لَهُمْ: كَيْفَ تَسْمَح نُفُوسُكُمْ تَلْقُونَهَا هَذَا الإلْقَاءِ الْحَقِيرَ وَكَذَلِكَ كُتُبُ فَقْهٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا آيَاتٌ وَلا أَحَادِيثٌ يَنْبَغِي احْتِرَامِهَا وَرَفْعُهَا.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي التَّنْبِيهِ عَلَى بَعْضِ الكُتُبِ التِي جُمِعَ وَالعِيَاذُ باللهِ بِهَا مَعَ الآيَاتِ القُرْآنِيةِ والأحاديثِ النبويةِ صُوَرٌ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ وَقَدْ تَكُونُ فَوْقَ الآيَةِ خُصُوصًا إِذَا أطْبِقَ الكِتَابُ وَهَذَا وَاللهِ اسْتَهَانَةٌ عَظِيمَةٌ وَاسْتِخْفَافٌ بالآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ وَالكُتُبِ الدِّينِّيةِ لا يَجُوزُ السّكوتُ عَلَى هَذِهِ الْحَالةِ الْمُزْرِيَةِ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ هُو عَدَمُ وَضْع الآيَاتِ وَالأحَادِيثِ فِي الْجَرَائِدِ بَلْ يُشَارُ إِلى مَحَلاتِهَا وَأَرْقَامِهَا لأَنَّ الْجَرَائِدَ صَارَتْ قِسْمٌ كبيرٌ مِنْ قِمَامَةِ الْمَحِلاتِ وَفِيهَا صُورُ ذَواتِ الأَرْوَاحِ وَهَذِهِ حَالَةُ مُخِيفَة إِنْ دَامَتْ مَعَ مَا انْتَشَرَ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ والْمَعَاصِي التِي مَلأتِ البرِّ والبَحْرَ يُخْشَى أَنْ تُحِيطَ بِهِمْ عُقُوبَتُهَا.
نَسْأَلُ الله أَنْ يُنَجِّينَا مِنْ عُقُوبَتِهَا وَأَنْ يُوقِضَ وَلاتَنَا وَيُنَبِّهَهَمْ لإِزَالتِهَا وَتَطْهيرِ الأَرْضِ مِنْهَا إِنَّهُ القَادِرُ عَلَى ذَلِكَ وَلا أَرَى مَخْلِصًا لِلإنْسَانِ الذِي قَدْ ابْتُلِيَ بِشِراءِ الْجَرِيدَةِ حَمَّالَةِ الْكَذِبِ قَتَّالةِ الَوْقتِ إلا أَنَّهُ يُحْرِقُهَا مِنْ حِينَ يَخْلَصُ مِنْ قِرَاءتِهَا لِيَسْلَمَ مِنْ بَاقِي شُرُورِهَا وَأَوْزَارِهَا.
стр. 489
وَسَوْفَ يُنَاقَشُ عَنْهَا يَومَ القِيامَةِ عَنْ الوَقْتِ الذِي ضَيَّعَهُ فِيهَا وَالْمَالُ الذي أَنْفَقهُ فِيهَا وَمَا حَصَلَ بِسَبَبِهِ عَلَى الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ التِي فِيهَا مِنْ الاسْتِهَانَةِ وَالامْتِهَانِ وَإِخْرَاجِ الْمَلائِكَةِ عَنْ الْمَحَلِّ التِي وَضَعَهَا فِيهِ إِذَا كَانَ فِيهَا صُوَرِ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ حَيْثُ أَنَّ الْمَلائِكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ:
شِعْرًا:
أَلا ارْعِوَاءَ لِمَنْ كَانَتْ إِقَامَتُهُ
عِنْدَ الْمَذَايِيعِ وَالتَّلْفَازِ وَالطَّربِ
مُضَيِّعًا فِيهَا عُمْرًا مَا لَهُ عِوَضٌ
إِذَا تَصْرَّمَ وَقْتٌ مِنْهُ لَمْ يَؤُبِ
أَيَحْسِبُ العُمْرَ مَرْدُودًا تَصَرّمُهُ
هَيْهَاتَ أَنْ يَرْجِعَ الْمَاضِي مِنْ الْحُقُبِ
أَمْ يَحْسَبُ العُمْرَ مَا وَلَّتْ أَوَائِلُهُ
يَنَالُ بَعْدَ ذَهَابِ الْعُمْرِ بِالذَّهَبِ
فَبَادِرِ العُمْرَ قَبْلَ الفَوْتِ مُغْتَنِمًا ِ
مَا دُمْتُ حَيًّا فَإِنَّ الْمُوتَ فِي الطَّلَبِ
وَأَحْرِصْ وَبَادِرْ إِذَا مَا أَمْكَنَتْ فُرَصٌ
في كَسْبِ مَا تُحْمَدَنْ عُقْبَاهُ عَنْ رَغَبِ
مِنْ نَفْعِ ذِي فَاقَةٍ أَوْ غَوْثِ ذِي لَهَفٍ
أَوْ فِعْلِ بِرِّ وَإِصْلاحٍ لِذي شَغَبِ
فالْعُمْرُ مُنْصَرِمٌ وَالوَقتُ مُغْتَنَمٌ
وَالدَّهْرُ ذُو غَيْرَ فَأجْهَدْ بِهِ تُصِبِ
стр. 490
فاعْمَلْ بِقَوْلِي وَلا تَجْنَحْ إِلى فَدَمٍ
مُخَادِعِ مُدَّعٍ لِلْعِلْمِ وَالأَدَبِ
يَرَى السَّعَادَةَ فِي كَسْبِ الْحُطَامِ وَلَوْ
حَوَاهُ مَعَ نَصَبٍ مِنْ سُوءِ مُكْتَسَبِ
فَالرَّأْيُ مَا قُلْتُهُ فَاعْمَلْ بِهِ عَجَلاً
وَلا تَصِخْ نَحْوَ فَدْمٍ غَيْرِ ذِي حَدَبِ
فَغَفْلَةُ الْمَرْءَ مَعَ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ
عَنْ وَاضِحٍ بَيْنَ مِنْ أَعْجَب العَجَبِ
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ مَحَبَّتَكَ فِي قُلُوبِنَا وَقَوِّهَا وَارْزُقْنَا مَحَبَّةُ أَوْلِيَائِكَ وَأَصْفِيَائِكَ، وَاجْمَعْنَا وَإِيَّاهُمْ فِي دَارِ كَرَامَتِكَ يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ وَأَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا لِكِتَابِكَ مِنَ التَّالِينَ وَلَكَ بِهِ مِنْ العَامِلِينَ وَبِمَا صَرَّفْتَ فِيهِ مِنْ الآيَاتِ مُنْتَفِعين وإلى لَذِيذِ خِطَابِهِ مُسْتَمِعينَ وَلأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ خَاضِعِينَ وبالأعمالِ مُخْلِصِينَ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فصل) : وقال مُحمدُ بن الحسين: يَنْبَغِي لِمَنْ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآن وَفَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَحْمِلْهُ.
وَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ القُرْآنِ وَأَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتِهِ.
وَمِمَّن وَعَدَهُ اللهُ مِنْ الفَضْل العظيم.
وَمِمَّن قَالَ اللهُ : ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ قِيلَ: يَعْملون به حَقَّ العَمَل.
وَمِمَّنْ قَالَ النَّبِيِّ ﷺ : «الذي يَقْرأ القُرْآن وهو مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرةِ الكرام
стр. 491
البَرَرَةِ وَالذِي يَقْرَأ القرآن وهو يَتَتَعْتَعُ فيه عليه شاقٌ لَهُ أجْرَان» . رواه البخاري.
وقال بِشْرُ بنُ الحارث الزاهدُ المعروف سَمِعْتُ عيسى بن يُونُسَ يَقُولُ: إذا خَتَمَ العَبْدُ القرآن قَبَّل الملَكَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ.
فَيَنْبَغِي لِلإنسان الموفق أنْ يَجْعَلَ القُرآنَ كَلامَ رَبِّ العزَّةِ وَالْجَلالِ رَبِيعًا لِقَلْبهِ يَعْمُرُ بِهِ مَا خَرَّبَ مِنْ قَلْبِهِ يَحْرِصُ كُلَّ الْحِرْصِ على تِلاوَتِهِ وَتَفَهُّمِهِ وَالعَمَل به.
فَيَتَأَدَّبُ بآدابهِ وَيَتَخَلَّقُ بِأخْلاقِ شَرِيفَةٍ يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ سَائِرِ الناس مِمَّنْ لا يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ.
فَأَوَّلَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعْمِل تَقْوَى اللهِ فِي السِّرِ وَالعَلانِيَةِ بِاسْتِعْمَالِ الوَرَعَ فِي مَطْعَمِهِ، وَمَشْرَبِهِ، وَمَلْبَسِهِ، وَمَسْكَنِهِ، ومُعَامَلَتِهِ، وَبَيْعِهِ، وَشِرَائِهِ.
وَأَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ وَفَسَادَ أَهْلِهِ، فَيَحْذَرهم عَلى دِينِهِ مُقْبِلاً عَلَى شَأنه مُهْتَمًا بإصْلاحِ مَا فَسَدَ مِنْ أَمْرِهِ، حَافِظًا لِلسَانِهِ، مُمَيّزًا لِكَلامِهِ.
إِنْ تَكلَّمَ تَكَلَّمَ بِعِلْم إِذَا رَأَى الكلامَ صَوَابًا يَخَافُ مِنْ لِسَانِهِ أَشَدَّ مِمَّا يَخَافُ مِنْ عَدّوِهِ قَالَ ﷺ : «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» .
وَقَالَ ﷺ : «مَنْ وُقِيَ شَرَّ قَبْقَبِهِ وَذَبْذَبِهِ وَلَقْلَقِهِ فقد وَجَبَتْ لَهُ الجنة»
أخرجه الديلمي من حَديث أنس ﵁.
القَبْقَبُ: البطن، والذَّبَذبُ: الفرج، وَاللَّقْلَقُ: اللِّسَان.
وَأَنْ يَكُونَ قَلِيلَ الضَّحِك مِمَّا يَضْحَكُ منه النَّاسُ لِسُوءِ عَاقِبَةِ الضَّحِكِ، فَإِنْ سُرَّ بِشَيْءٍ مِمَّا يُوَافِقُ الحَقَ تَبَسَّمَ.
وَيَتَجَنَّبُ كثرة المزاح (لأَنَّهُ فِي الغَالب لِلْعَدَاوَةِ مِفْتَاح) فَإِنْ مَزَحَ قَالَ حَقًّا، بَاسِطَ الوَجْهِ طَيْبَ الكَلامِ، لا يَمْدَحُ نَفْسَهِ بِمَا فِيهِ فَكَيْفَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ.
стр. 492
وَمَا حَسَنٌ أَنْ يَمْدَحَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ ... وَلَكِنَّ أَخْلاقًا تَذُمُّ وَتَمْدَحُ
آخر:
(وَدَعْوَةَ الْمَرْءِ تُطْفِئ نُورَ بَهْجَتِهِ ... هَذَا بِحَقٍّ فَكَيْفَ الْمُدَّعِي زَللا)
وَأَنْ يَحْذَرَ نَفْسَهُ أَنْ تَغْلِبَهُ عَلَى مَا تَهْوَى مِمَّا يُسْخِطُ مَوْلاه.
وَلا يَغْتَابُ أَحَدًا، وَلا يُحَقِّرُ أَحَدًا، وَلا يَسُبُّ أَحَدًا، وَلا يَشْمُتُ بِمُصِيبَةٍ، وَلا يَبْغِي على أحَد، وَلا يَحْسِدُ أَحَدًا، وَلا يُسِيءُ الظَّنَّ إِلا بِمَنْ يَسْتَحِقَ ذَلِكَ.
وَيَجْعَلَ الكتاب والسُنَّة والفِقْهَ فِيهما دَلِيلَهُ إِلى كُلَّ خُلُقٍ حَسَن جَمِيل وَأَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِجَوَارِحِهِ عَمَّا نَهَى اللهُ عَنْهُ.
إِنْ مَشَى بِعِلْمٍ وَإِنْ قَعَدَ بِعِلْم، حَافِظًا لِلِسَانِهُ وَيده عما لا يعْنِيه، ولا يَجْهَل فَإِن جُهل عليه حَلُم.
وَلا يَظْلِمُ، وَإِنْ ظُلِمَ عَفَا عَمَلاً بقوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ ولا يَبْغِي وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ، يَكْظِم غَيْظَهُ لِيُرضِي رَبَّهُ (وَيغِيظَ عَدُّوهُ الذي لا يَأْلُو جُهْدًا في السَّعِي في هَلاكِهِ) .
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، نَسْأَلُكَ أَنْ تَكْفِينَا مَا أَهْمَّنَا وَمَا لا نَهْتَمُّ بِهِ، وَأَنْ تَرْزُقَنَا الاسْتَعْدَادِ لِمَا أَمَامَنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ الْمُتَّقِينَ الأبْرَارِ وَأَسْكِنَّا مَعَهمُ في دَارِ القَرَارَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا بِحُسْن الإقْبَالِ عَلَيْكَ وَالإِصْغَاءِ إِلَيْكَ وَوَفَّقَنَا لِلتَّعَاوُنِ فِي طَاعَتِكَ والْمُبَادَرَةِ إلى خِدْمَتكَ وَحُسْن الآدَاب في مُعَامَلَتِكَ وَالتَّسْلِيم لأَمْرِك والرِّضَا بِقَضَائِكَ والصَّبْر عَلى بَلائِك والشّكْر لِنَعْمَائِكَ، اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإيمَانِ وَثَبِّتْهَا عَلَى قَوْلِكَ الثَّابِتْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وَألْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ يَا أَكْرَامَ الأَكْرَمِينَ وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 493
(فصل) : وَقَالَ ﵀: وَأَنْ يَكُونُ (أَيْ مِنْ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنِ وَفَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنَ لَمْ يَحْمِلْهُ) مُتَوَاضِعًا في نَفْسِهِ إِذَا قِيلَ لَهُ الْحَقَّ قَبِلَهُ مِن صَغِيرٍ أَوْ كَبِير يَطْلُبُ الرّفْعَة مِن اللهِ لا مِن المخلُوقين.
مَاقِتٌ لِلْكِبْرِ خَائفِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ، لا يَتَأَكَّلُ بالقُرْآنِ ولا يُحِبُّ أَنْ يَقْضِي بِهِ الْحَوَائِجَ.
وَلا يَسْعَى إِلى أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، وَلا يُجَالِسُ بِهِ الأَغْنِياءَ لِيُكْرمُوه.
إِنْ كَسَبَ النَّاسُ مِن الدنيا الكَثِيرِ بَلا فِقْهٍ وَلا بَصِيرَةٍ كَسَبَ هُو القَلِيل بِفِقْهٍ وَعِلْمٍ.
إِنَّ لََبِسَ النَّاسُ اللَّيِّنَ الفَاخِرَ لَبِسَ هُوَ مِنْ الْحَلالِ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ، إِنْ وُسّعَ عَلَيْهِ وَسَّعَ، وَإِنْ أُمْسِكَ عَلَيْهِ أَمْسَك.
يَقْنَعُ بالقَلِيل فَيْكَفِيهِ، وَيَحْذَرُ عَلَى نَفْسِهِ مِن الدُّنْيَا مَا يُطْغِيه، يَتْبَعُ وَاجِبَاتَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.
يَأَكُلُ الطَّعَامِ بِعْلمٍ، وَيَشْرَبُ بِعِلْمٍ، وَيَلْبَسُ بِعِلْمٍ، وَيُجَامِعُ أَهْلَهُ بِعِلْمٍ، وَيَصْطَحِبُ الإِخْوَانَ بِعِلْمٍ، وَيَزْوُرهُم بِعِلْمٍ، وَيَسْتَأَذِنُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ، وَيُجَاورُ جَارَهُ بِعلم.
يُلْزِمُ نَفْسَهِ بِرَّ وَالِدَيْهِ فَيخَفِضْ لَهُمَا جَنَاحَهُ، وَيَخْفَضُ لِصَوْتِهَما صَوْتَه وَيَبْذِلُ لَهُمَا مَالَهُ، وَيَنْظُرُ إِلِيْهِمَا بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ والوَقَارِ، يَدْعُو لَهُمَا بالرَّحْمَةِ وَالبَقَاءِ وَيَشْكرُ لَهُمَا عِنْدَ الكِبر، ولا يضجر منهما، ولا يَحْقِرُهُمَا.
إِنْ اسْتَعَانَا بِهِ عَلَى مَعْصِيَةٍ لَمْ يُطعْهُمَا لِقَوْلِهِ ﷺ : «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» .
وَإِنْ اسْتَعَانَا بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ أَعَانَهُمَا وَيَرْفُقُ بِهِمَا فِي مَعْصِيَتهِ إِيَّاهُمَا حَيْثُ لَمْ يُعِنهمَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
وَيَكُونُ ذَلِكَ بحُسْنِ الأَدَب لِيَرْجِعَا عَنْ قَبِيحِ مَا أَرَادَ مِمَّا لا يَحْسُنُ بِهِمَا فِعْلُه.
стр. 494
ويَصِلُ رَحِمَهُ، وَيَكْرَهُ القَطِيعَةِ، وَمِنْ قَطَعَهُ لَمْ يَقْطَعَهُ، وَمَنْ عَصَى اللهَ فِيهِ أَطَاعَ اللهَ فِيهِ، يَصْحَبُ الْمُؤْمِنِينَ بِعِلمٍ، وَيُجَالِسُهُم بِعلمٍ، ومَن صَحِبَهُ نَفَعَهُ.
حَسَنُ الْمُجَالَسَةِ لِمَنْ جَالَسَ، إِنْ عَلَّمَ غَيْرَهُ رَفقَ بِهِ، وَلا يُعَنِّفُ مَن أَخْطَأَ وَلا يُخْجِلُهُ.
رَفِيقٌ فِي أُمُوره صَبُورٌ عَلَى تَعْلِيم الْخَيْر، يَأْنَسُ بِهِ الْمُتَعَلِّمُ، وَيَفْرحُ بِهِ الْمُجَالِسُ، مُجَالَسَتُهُ تُفِيدُ خَيْرًا.
مُؤدِّبٌ لِمَنْ جَالَسَهُ بآدَابِ القُرآن والسُّنَّةِ إِنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ، فالقُرْآنُ والسُّنَّةُ مُؤدِّبَانِ لَهُ.
يَحْزَنُ بِعِلْمٍ وَيَبْكِي بِعِلْم، وَيَتصَدَّقُ بِعِلم، وَيَصُومُ بِعِلم، ويحجُّ بِعِلْمٍ، ويُجَاهِدُ بِعِلم.
وَيَكْتَسِبْ بعلمٍ، ويُنفِقُ بِعلمٍ، وَيَنبَسِطُ في الأُمُورِ بِعِلْمٍ، وَينقبض عَنْها بعِلمٍ.
قَدْ أَدَّبَهُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ يَتَصَفَحُ القُرْآنَ لِيُؤدِّبَ بِهِ نَفْسَهُ، وَلا يَرْضَى مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا فَرضَ اللهُ عليه بِجَهْلٍ.
قَدْ جَعَلَ العِلْمَ والفِقْهَ دَلِيلَهُ إِلى كل خيرَ إذا دَرَسَ القُرْآنَ فَبِحُضُورِ فِهْمٍ وَعَقْل.
همَّتُهُ إِيقَاعُ الفَهْمِ لِمَا ألْزَمَهُ اللهُ مِنْ إتِّبَاع ما أَمَرَ وَالانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى.
لَيْسَ هِمَّتُهُ مَتَى أَخْتِمُ السُّورَةَ، هِمَّتُهُ مَتَى أسْتَغْنِي بالله عن غَيرِهِ، مَتَى أكُونُ مِنْ الْمُتَّقِين.
مَتَى أَكُونُ مِنْ المحسنين، مَتَى أَكُونُ مِنْ الْمُتَوَكِّلِين، مَتَى أَكُونُ مِنْ الْخَاشِعِينَ، مَتَى أَكُونُ مِنْ الصَّابِرِينَ.
стр. 495
مَتَى أَكُونُ مِنْ الصَّادِقِين، مَتَى أَكُونُ مِنْ الْخَائِفِينَ، مَتَى أَكُونُ مِن الرَّاجين، مَتَى أَزْهَدُ في الدنيا، مَتَى أَرْغَبُ في الآخرة.
مَتَى أَتُوبُ مِنَ الذُّنُوبِ، مَتَى أَعْرِفُ النِّعَمَ المُتَوَاتِرَةِ، مَتَى أَشْكُرُ اللهِ عَلَيْهَا، مَتَى أَحْفَظُ لِسَانِي.
مَتَى أَسْتَحِي مِنْ اللهِ حَقَّ الحَيَاء، مَتَى أشْتَغِلُ بَعْيبي، مَتَى أُصْلِحُ مَا فَسَدَ مِنْ أَمْرِي، مَتَى أُحَاسِبُ نَفْسِي.
مَتَى أَتَزَوَّدُ لَيْوَمِ مَعَادِي، مَتَى أَكُونُ عن اللهِ رَاضِيَا، مَتَى أَكُونُ بِلَقَائِهِ وَاثِقًا، مَتَى أَكُونُ بَزَجْرِ القُرْآنِ مُتَّعِظًا، مَتَى أَنْصَحُ للهِ.
مَتَى أَخْلِصُ له عَمَلي، مَتَى أُقِصِّرُ أَمَلِي، مَتَى أَتَأَهَّبُ لِيَوْمِ مَوْتِي وَقَدْ غُيِّبَ عَنِّي أَجَلي.
مَتَى أَعْمُر قَبْرِي، مَتَى أَفكِّرُ في الموقفِ وَشِدَّتِهِ، مَتَى أَفَكِّرُ فِي خَلْوَتِي مَعَ رَبِّي.
مَتَى أَحْذَرِ مِمَّا حَذَّرني منه ربي من نار حَرُّهَا شَدِيدٌ وَقَعْرُهَا بَعِيد لا يَمُوتُ أَهْلُها فَيَسْتَرِيحُوا وَلا تُقَال عَثْرتُهم، ولا تُرْحَمُ عَبْرتهم.
طَعَامُهُم الزقُومُ وشرابُهم الحَميم، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ ، وقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ الآية.
نَدِمُوا حَيْث لا يَنْفعُ النَّدمُ وَعضُّوا عَلَى الأيْدِي أَسَفًا على تَقْصِيرهم في طَاعَةَ اللهِ وَرَكُونهمِ لِمَعاصي الله.
فقال قائلٌ منهم: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ ، وقال قائل: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ .
وقال قائل: ﴿أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ .
وقال قائل: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ .
следующие страницы →