← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

البَرَرَةِ وَالذِي يَقْرَأ القرآن وهو يَتَتَعْتَعُ فيه عليه شاقٌ لَهُ أجْرَان» . رواه البخاري. وقال بِشْرُ بنُ الحارث الزاهدُ المعروف سَمِعْتُ عيسى بن يُونُسَ يَقُولُ: إذا خَتَمَ العَبْدُ القرآن قَبَّل الملَكَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. فَيَنْبَغِي لِلإنسان الموفق أنْ يَجْعَلَ القُرآنَ كَلامَ رَبِّ العزَّةِ وَالْجَلالِ رَبِيعًا لِقَلْبهِ يَعْمُرُ بِهِ مَا خَرَّبَ مِنْ قَلْبِهِ يَحْرِصُ كُلَّ الْحِرْصِ على تِلاوَتِهِ وَتَفَهُّمِهِ وَالعَمَل به. فَيَتَأَدَّبُ بآدابهِ وَيَتَخَلَّقُ بِأخْلاقِ شَرِيفَةٍ يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ سَائِرِ الناس مِمَّنْ لا يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ. فَأَوَّلَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعْمِل تَقْوَى اللهِ فِي السِّرِ وَالعَلانِيَةِ بِاسْتِعْمَالِ الوَرَعَ فِي مَطْعَمِهِ، وَمَشْرَبِهِ، وَمَلْبَسِهِ، وَمَسْكَنِهِ، ومُعَامَلَتِهِ، وَبَيْعِهِ، وَشِرَائِهِ. وَأَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ وَفَسَادَ أَهْلِهِ، فَيَحْذَرهم عَلى دِينِهِ مُقْبِلاً عَلَى شَأنه مُهْتَمًا بإصْلاحِ مَا فَسَدَ مِنْ أَمْرِهِ، حَافِظًا لِلسَانِهِ، مُمَيّزًا لِكَلامِهِ. إِنْ تَكلَّمَ تَكَلَّمَ بِعِلْم إِذَا رَأَى الكلامَ صَوَابًا يَخَافُ مِنْ لِسَانِهِ أَشَدَّ مِمَّا يَخَافُ مِنْ عَدّوِهِ قَالَ ﷺ : «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» . وَقَالَ ﷺ : «مَنْ وُقِيَ شَرَّ قَبْقَبِهِ وَذَبْذَبِهِ وَلَقْلَقِهِ فقد وَجَبَتْ لَهُ الجنة» أخرجه الديلمي من حَديث أنس ﵁. القَبْقَبُ: البطن، والذَّبَذبُ: الفرج، وَاللَّقْلَقُ: اللِّسَان. وَأَنْ يَكُونَ قَلِيلَ الضَّحِك مِمَّا يَضْحَكُ منه النَّاسُ لِسُوءِ عَاقِبَةِ الضَّحِكِ، فَإِنْ سُرَّ بِشَيْءٍ مِمَّا يُوَافِقُ الحَقَ تَبَسَّمَ. وَيَتَجَنَّبُ كثرة المزاح (لأَنَّهُ فِي الغَالب لِلْعَدَاوَةِ مِفْتَاح) فَإِنْ مَزَحَ قَالَ حَقًّا، بَاسِطَ الوَجْهِ طَيْبَ الكَلامِ، لا يَمْدَحُ نَفْسَهِ بِمَا فِيهِ فَكَيْفَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ.

стр. 492

وَمَا حَسَنٌ أَنْ يَمْدَحَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ ... وَلَكِنَّ أَخْلاقًا تَذُمُّ وَتَمْدَحُ آخر: (وَدَعْوَةَ الْمَرْءِ تُطْفِئ نُورَ بَهْجَتِهِ ... هَذَا بِحَقٍّ فَكَيْفَ الْمُدَّعِي زَللا) وَأَنْ يَحْذَرَ نَفْسَهُ أَنْ تَغْلِبَهُ عَلَى مَا تَهْوَى مِمَّا يُسْخِطُ مَوْلاه. وَلا يَغْتَابُ أَحَدًا، وَلا يُحَقِّرُ أَحَدًا، وَلا يَسُبُّ أَحَدًا، وَلا يَشْمُتُ بِمُصِيبَةٍ، وَلا يَبْغِي على أحَد، وَلا يَحْسِدُ أَحَدًا، وَلا يُسِيءُ الظَّنَّ إِلا بِمَنْ يَسْتَحِقَ ذَلِكَ. وَيَجْعَلَ الكتاب والسُنَّة والفِقْهَ فِيهما دَلِيلَهُ إِلى كُلَّ خُلُقٍ حَسَن جَمِيل وَأَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِجَوَارِحِهِ عَمَّا نَهَى اللهُ عَنْهُ. إِنْ مَشَى بِعِلْمٍ وَإِنْ قَعَدَ بِعِلْم، حَافِظًا لِلِسَانِهُ وَيده عما لا يعْنِيه، ولا يَجْهَل فَإِن جُهل عليه حَلُم. وَلا يَظْلِمُ، وَإِنْ ظُلِمَ عَفَا عَمَلاً بقوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ ولا يَبْغِي وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ، يَكْظِم غَيْظَهُ لِيُرضِي رَبَّهُ (وَيغِيظَ عَدُّوهُ الذي لا يَأْلُو جُهْدًا في السَّعِي في هَلاكِهِ) . اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، نَسْأَلُكَ أَنْ تَكْفِينَا مَا أَهْمَّنَا وَمَا لا نَهْتَمُّ بِهِ، وَأَنْ تَرْزُقَنَا الاسْتَعْدَادِ لِمَا أَمَامَنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ الْمُتَّقِينَ الأبْرَارِ وَأَسْكِنَّا مَعَهمُ في دَارِ القَرَارَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا بِحُسْن الإقْبَالِ عَلَيْكَ وَالإِصْغَاءِ إِلَيْكَ وَوَفَّقَنَا لِلتَّعَاوُنِ فِي طَاعَتِكَ والْمُبَادَرَةِ إلى خِدْمَتكَ وَحُسْن الآدَاب في مُعَامَلَتِكَ وَالتَّسْلِيم لأَمْرِك والرِّضَا بِقَضَائِكَ والصَّبْر عَلى بَلائِك والشّكْر لِنَعْمَائِكَ، اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإيمَانِ وَثَبِّتْهَا عَلَى قَوْلِكَ الثَّابِتْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وَألْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ يَا أَكْرَامَ الأَكْرَمِينَ وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

стр. 493

(فصل) : وَقَالَ ﵀: وَأَنْ يَكُونُ (أَيْ مِنْ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنِ وَفَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنَ لَمْ يَحْمِلْهُ) مُتَوَاضِعًا في نَفْسِهِ إِذَا قِيلَ لَهُ الْحَقَّ قَبِلَهُ مِن صَغِيرٍ أَوْ كَبِير يَطْلُبُ الرّفْعَة مِن اللهِ لا مِن المخلُوقين. مَاقِتٌ لِلْكِبْرِ خَائفِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ، لا يَتَأَكَّلُ بالقُرْآنِ ولا يُحِبُّ أَنْ يَقْضِي بِهِ الْحَوَائِجَ. وَلا يَسْعَى إِلى أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، وَلا يُجَالِسُ بِهِ الأَغْنِياءَ لِيُكْرمُوه. إِنْ كَسَبَ النَّاسُ مِن الدنيا الكَثِيرِ بَلا فِقْهٍ وَلا بَصِيرَةٍ كَسَبَ هُو القَلِيل بِفِقْهٍ وَعِلْمٍ. إِنَّ لََبِسَ النَّاسُ اللَّيِّنَ الفَاخِرَ لَبِسَ هُوَ مِنْ الْحَلالِ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ، إِنْ وُسّعَ عَلَيْهِ وَسَّعَ، وَإِنْ أُمْسِكَ عَلَيْهِ أَمْسَك. يَقْنَعُ بالقَلِيل فَيْكَفِيهِ، وَيَحْذَرُ عَلَى نَفْسِهِ مِن الدُّنْيَا مَا يُطْغِيه، يَتْبَعُ وَاجِبَاتَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. يَأَكُلُ الطَّعَامِ بِعْلمٍ، وَيَشْرَبُ بِعِلْمٍ، وَيَلْبَسُ بِعِلْمٍ، وَيُجَامِعُ أَهْلَهُ بِعِلْمٍ، وَيَصْطَحِبُ الإِخْوَانَ بِعِلْمٍ، وَيَزْوُرهُم بِعِلْمٍ، وَيَسْتَأَذِنُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ، وَيُجَاورُ جَارَهُ بِعلم. يُلْزِمُ نَفْسَهِ بِرَّ وَالِدَيْهِ فَيخَفِضْ لَهُمَا جَنَاحَهُ، وَيَخْفَضُ لِصَوْتِهَما صَوْتَه وَيَبْذِلُ لَهُمَا مَالَهُ، وَيَنْظُرُ إِلِيْهِمَا بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ والوَقَارِ، يَدْعُو لَهُمَا بالرَّحْمَةِ وَالبَقَاءِ وَيَشْكرُ لَهُمَا عِنْدَ الكِبر، ولا يضجر منهما، ولا يَحْقِرُهُمَا. إِنْ اسْتَعَانَا بِهِ عَلَى مَعْصِيَةٍ لَمْ يُطعْهُمَا لِقَوْلِهِ ﷺ : «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» . وَإِنْ اسْتَعَانَا بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ أَعَانَهُمَا وَيَرْفُقُ بِهِمَا فِي مَعْصِيَتهِ إِيَّاهُمَا حَيْثُ لَمْ يُعِنهمَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ. وَيَكُونُ ذَلِكَ بحُسْنِ الأَدَب لِيَرْجِعَا عَنْ قَبِيحِ مَا أَرَادَ مِمَّا لا يَحْسُنُ بِهِمَا فِعْلُه.

стр. 494

ويَصِلُ رَحِمَهُ، وَيَكْرَهُ القَطِيعَةِ، وَمِنْ قَطَعَهُ لَمْ يَقْطَعَهُ، وَمَنْ عَصَى اللهَ فِيهِ أَطَاعَ اللهَ فِيهِ، يَصْحَبُ الْمُؤْمِنِينَ بِعِلمٍ، وَيُجَالِسُهُم بِعلمٍ، ومَن صَحِبَهُ نَفَعَهُ. حَسَنُ الْمُجَالَسَةِ لِمَنْ جَالَسَ، إِنْ عَلَّمَ غَيْرَهُ رَفقَ بِهِ، وَلا يُعَنِّفُ مَن أَخْطَأَ وَلا يُخْجِلُهُ. رَفِيقٌ فِي أُمُوره صَبُورٌ عَلَى تَعْلِيم الْخَيْر، يَأْنَسُ بِهِ الْمُتَعَلِّمُ، وَيَفْرحُ بِهِ الْمُجَالِسُ، مُجَالَسَتُهُ تُفِيدُ خَيْرًا. مُؤدِّبٌ لِمَنْ جَالَسَهُ بآدَابِ القُرآن والسُّنَّةِ إِنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ، فالقُرْآنُ والسُّنَّةُ مُؤدِّبَانِ لَهُ. يَحْزَنُ بِعِلْمٍ وَيَبْكِي بِعِلْم، وَيَتصَدَّقُ بِعِلم، وَيَصُومُ بِعِلم، ويحجُّ بِعِلْمٍ، ويُجَاهِدُ بِعِلم. وَيَكْتَسِبْ بعلمٍ، ويُنفِقُ بِعلمٍ، وَيَنبَسِطُ في الأُمُورِ بِعِلْمٍ، وَينقبض عَنْها بعِلمٍ. قَدْ أَدَّبَهُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ يَتَصَفَحُ القُرْآنَ لِيُؤدِّبَ بِهِ نَفْسَهُ، وَلا يَرْضَى مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا فَرضَ اللهُ عليه بِجَهْلٍ. قَدْ جَعَلَ العِلْمَ والفِقْهَ دَلِيلَهُ إِلى كل خيرَ إذا دَرَسَ القُرْآنَ فَبِحُضُورِ فِهْمٍ وَعَقْل. همَّتُهُ إِيقَاعُ الفَهْمِ لِمَا ألْزَمَهُ اللهُ مِنْ إتِّبَاع ما أَمَرَ وَالانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى. لَيْسَ هِمَّتُهُ مَتَى أَخْتِمُ السُّورَةَ، هِمَّتُهُ مَتَى أسْتَغْنِي بالله عن غَيرِهِ، مَتَى أكُونُ مِنْ الْمُتَّقِين. مَتَى أَكُونُ مِنْ المحسنين، مَتَى أَكُونُ مِنْ الْمُتَوَكِّلِين، مَتَى أَكُونُ مِنْ الْخَاشِعِينَ، مَتَى أَكُونُ مِنْ الصَّابِرِينَ.

стр. 495

مَتَى أَكُونُ مِنْ الصَّادِقِين، مَتَى أَكُونُ مِنْ الْخَائِفِينَ، مَتَى أَكُونُ مِن الرَّاجين، مَتَى أَزْهَدُ في الدنيا، مَتَى أَرْغَبُ في الآخرة. مَتَى أَتُوبُ مِنَ الذُّنُوبِ، مَتَى أَعْرِفُ النِّعَمَ المُتَوَاتِرَةِ، مَتَى أَشْكُرُ اللهِ عَلَيْهَا، مَتَى أَحْفَظُ لِسَانِي. مَتَى أَسْتَحِي مِنْ اللهِ حَقَّ الحَيَاء، مَتَى أشْتَغِلُ بَعْيبي، مَتَى أُصْلِحُ مَا فَسَدَ مِنْ أَمْرِي، مَتَى أُحَاسِبُ نَفْسِي. مَتَى أَتَزَوَّدُ لَيْوَمِ مَعَادِي، مَتَى أَكُونُ عن اللهِ رَاضِيَا، مَتَى أَكُونُ بِلَقَائِهِ وَاثِقًا، مَتَى أَكُونُ بَزَجْرِ القُرْآنِ مُتَّعِظًا، مَتَى أَنْصَحُ للهِ. مَتَى أَخْلِصُ له عَمَلي، مَتَى أُقِصِّرُ أَمَلِي، مَتَى أَتَأَهَّبُ لِيَوْمِ مَوْتِي وَقَدْ غُيِّبَ عَنِّي أَجَلي. مَتَى أَعْمُر قَبْرِي، مَتَى أَفكِّرُ في الموقفِ وَشِدَّتِهِ، مَتَى أَفَكِّرُ فِي خَلْوَتِي مَعَ رَبِّي. مَتَى أَحْذَرِ مِمَّا حَذَّرني منه ربي من نار حَرُّهَا شَدِيدٌ وَقَعْرُهَا بَعِيد لا يَمُوتُ أَهْلُها فَيَسْتَرِيحُوا وَلا تُقَال عَثْرتُهم، ولا تُرْحَمُ عَبْرتهم. طَعَامُهُم الزقُومُ وشرابُهم الحَميم، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ ، وقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ الآية. نَدِمُوا حَيْث لا يَنْفعُ النَّدمُ وَعضُّوا عَلَى الأيْدِي أَسَفًا على تَقْصِيرهم في طَاعَةَ اللهِ وَرَكُونهمِ لِمَعاصي الله. فقال قائلٌ منهم: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ ، وقال قائل: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ . وقال قائل: ﴿أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ . وقال قائل: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ .

стр. 496

وقال قائل: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً﴾ . شِعْرًا: أمَا سَمِعْتَ بَأكْبَادٍ لَهُمْ صَعَدْت ... خَوْفًا مِنْ النَّارِ فَانْحَطَّتْ إِلى النَّارِ أمَا سَمِعْتَ بِضَيْقٍ في مَكَانِهِمُوا ... وَلا فِرَارَ لَهُمْ مِنْ صَالِي النَّارِ أمَا سَمِعْتَ بِحِيَّاتٍ تَدِبُّ بِهَا ... إِلِيْهُمُوا خُلِقَتْ مِنْ مَارَجِ النَّارِ فِيهَا إِلَهِي بَأَحْكَامٍ وَمَا سَبَقَتْ ... بِهِ قَدِيمًا مِنْ الجناتِ والنَّارِ أَدْعُوكَ أَنْ تَحْمِي الَعَبْدَ الضَّعِيفَ فما ... لِلْعَبْدِ مِنْ جَسَدٍ يَقْوَى عَلَى النَّارِ وَالشَّمْسُ مَا لِي عَلَيْهَا قَطُّ مِنْ جَلدٍ ... فَكَيْفَ يَصْبُر ذُو ضَعْفٍ عَلَى النَّارِ اللَّهُمَّ اخْتِمْ بالأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ أَعْمَارِنَا وَحَقِّقْ بِفَضْلِكَ آمَالِنَا وَسَهِّلْ لِبُلُوغِ رِضَاكَ سُبُلَنَا وَحَسِّنْ في جَمِيعِ الأَحْوَالِ أَعْمَالِنَا يَا مُنْقِذُ الغَرْقَى وَيَا مُنْجِي الْهَلْكَى وَيَا دَائِمَ الإِحْسَانِ أَذِقْنَا بُرْدَ عَفْوِكَ وَأَنِلْنَا مِنْ كَرَمِكَ وَجُودِكَ مَا تَقَرُّ بِهِ عُيُونَنَا مِنْ رُؤْيَتِكَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فصل) : وقال رحمَهُ اللهُ تَعَالى: فَأَمَّا مَن قَرَأَ القُرْآنِ لِلدُّنْيَا، فَإِنَّ مِن أَخْلاقِهِ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِحُرُوفِ القُرْآن مُضَيِّعًا لِحُدُودِهِ مُتُعَظِّمًا في نَفْسِهِ مُتكَبِّرًا عَلَى غَيْرِهِ. قَد اتَّخَذَ القُرْآنَ بِضَاعَةً يَتَأَكَّلُ بِهِ الأَغْنِيَاءِ، وَيَسْتَقْضِي بِهِ الْحَوَائج، يُعْظِّمُ أبْنَاءَ الدُّنْيَا، وَيحْقِّرُ الفُقَرَاءِ. إِنْ عَلَّمَ الغَنِيِّ رَفَقَ بِهِ طَمْعًا في دُنْيَاه، وإِنْ عَلَّمَ الفَقِيرَ زَجَرَهُ وَعَنَّفَهُ لأَنَّهُ لا دُنْيَا لَهُ يَطْمَعُ فِيهَا.

стр. 497

يسْتَخْدُم به الفُقَراءَ، وَيَتْيهُ بِهِ عَلَى الأَغْنِيَاء إنْ كَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ لِلْمُلُوكِ وَيُصَلِّي بِهِمْ طَمَعًا في دُنْيَاهُم. وَإِنْ سَأَلَهُ الفُقَراءُ الصَّلاةَ بِهمِ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِقِلَّةِ الدنيا في أيديهم وَإِنَّما طَلَبُهُ الدنيا حَيْثُ كَانَتْ رَبَضَ عِنْدَهَا. يَفْخَرَ على الناسِ بالقرآن وَيَحْتَجُّ عَلَى مَنْ دُونِهُ فِي الْحِفْظِ بِفَضْلِ مَا مَعَهُ مِنْ القِرَاءَاتِ. فَتَرَاهُ تَائِهًا مُتَكَبّرًا كَثِيرَ الكَلامِ يَعِيبُ كُلِّ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ كَحِفْظِهِ. وَمَنْ عَلِم أَنَّهُ يَحْفَظُ كَحِفْظِهِ طَلَبَ عَيْبَه، مُتَكبَرًا في جَلْسَتِهِ، مُتَعَاظِمًا في تَعْلِيمِهِ لِغَيْرِهِ، لَيْسَ لِلْخُشُوعِ فِي قَلْبِهِ مَوْضِعٌ، كَثِيرُ الضَّحِكِ والخَوض فيما لا يَعْنِيهِ. يَشْتَغِلُ عَمَّنْ يأخُذُ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ مَنْ جَالَسَهُ. هو إلى اسْتَمَاع حَدِيثِ جَلِيسِهِ أَصْغَى مِنْهُ إِلَى اسْتِمَاعِ مَن يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَمِعَ لَهُ. يُوري أنَّهُ لَمْ يَسْتَمِعْ حَافِظًا فَهُوَ إِلى كَلامِ النَّاسِ أَشْهَى مِنْهُ إلى كلام الله . لا يَخْشَعُ عند اسْتِمَاعِ القُرْآن، ولا يَبْكِي وَلا يَحْزَنْ وَلا يَأْخُذُ نَفْسَه بالفِكر فيما يُتْلَى عَليه وقد نُدِبَ إلى ذلك. رَاغِبٌ في الدنيا وما قَرَّبَ مِنْهَا لَهَا يَغْضَبُ وَيَرْضَى إِنْ قَصَّرَ رَجُلٌ فِي حَقِّهِ قَالَ أَهْلُ القرآن: لا يُقَصَّرُ في حُقُوقِهِم وَأهْل القرآن تُقْضَى حَوَائِجُهُم. يَسْتَقْضِي من الناس حَقَ نَفْسِهِ وَلا يَسْتَقْضِي مِنْ نَفْسِهِ مَا للهِ عَليها يَغْضَبُ عَلى غَيْرِهِ ولا يَغْضَبُ على نَفْسِهِ للهِ. لا يُبَالِى مَنْ أَيْنَ اكْتَسَبَ مِنْ حَرَامٍ أَوْ مِنْ حَلال قد عَظُمَتِ الدنيا في قلبه إن فاته شيءٌ منها لا يَحِلُ لَهُ أَخْذُهُ حَزنَ على فَوْتِهِ.

стр. 498

لا يَتَأَدَّبُ بآدابِ القُرْآنِ ولا يَزْجُزُ نَفْسَهُ عَنْ الوَعْدِ وَالوَعِيد لاهٍ غَافِل عَمَّا يَتْلُو أَوْ يُتْلَى عَليه. همَّتُهُ حِفْظُ الحُرُوفِ إِنْ أَخْطَأَ في حَرْفٍ سَاءَهُ ذلك لِئلا يَنْقُصُ جَاهُهُ عِنْدَ المَخْلُوقِينْ فَتَنْقُصُ رُتْبَتُهُ عندهم. فَتَرَاهُ مَحْزُونًا مَغْمُومًا بِذَلِكَ وَمَا قَدْ ضَيَّعَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهُ مِمَّا أَمَرَ اللهُ بِهِ فِي القُرْآنِ أَوْ نَهَى عَنْهُ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ. أخْلاقُهُ في كثير من أموره أخْلاقُ الجُهَّالِ الذين لا يَعْلَمُون لا يأخُذُ نَفْسَهُ بالعَمل بما أوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ فِي القُرْآن إذا سَمِعَ اللهَ قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ . فَكَان من الواجب عليه أن يُلْزمَ نَفْسَهُ طَلَبَ العِلْمِ لِمَعْرَفَةِ مَا نَهى عنه النبي ﷺ فينتهِي عنه إلى أن قال رحمه الله تعالى: فأَمَّا العَاقِلُ إِذَا تَلَى القُرآن اسْتَعْرَضَ القُرآنَ فَكَان كَالمرآة يَرَى بِهَا مَا حَسُنَ مِن فِعْلِهِ وَمَا قَبُحَ مِنْهُ. فَمَا حَذَّرَهُ مَوْلاهُ حَذِرَهُ وَمَا خَوَّفَهُ بِهِ مِنْ عِقَابِهِ خَافَهُ وَمَا رَغَّبَهُ فِيهِ مَوْلاهُ رَغِبَ فِيهِ وَرَجَاهُ. فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ أَوْ مَا قَارَبَ هَذِهِ الصِّفَةِ فَقَدْ تَلاهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ وَرَعَاهُ حَقَّ رِعَايتِهِ وَكَانَ لَهُ القُرْآنُ شَاهِدًا وَشَفِيعًا وَأَنِيسا وَحِرْزَا. ومَنْ كانَ هَذا وصْفه نَفَعَ نَفْسَهُ وَنَفَعَ أَهْلَهُ وعَاد على وَالِدَيْهِ وعَلى ولَدِهِ كُلُّ خَيْرٍ في الدنيا والآخرة. انتهى كلامه باخْتِصَار وتصَرُّف يسير. فَطُوبَى لِمَنْ أَرْضَى الإِلَهَ مُسَارعًا ... إلى سُبُلٍ تَهْدِيه لِلرِّحْلَةِ الأُخْرَى وَقَامَ وَصَلَّى فِي الدَّيَاجِي وَدَمْعُهُ ... عَلى خَدِّهِ تَجْرِي بِمُقْلَتِهِ العَبْرَا وَأَخْلَصَ للهِ الَعِظيمِ قِيامَهُ ... وَرَاقَبَهُ سِرًا وَرَاقَبَهُ جَهْرَا وأَحْيَا لَيَالِي عُمْرِهِ بِقِيَامِهِ ... إلى رَبِّهِ في اللَّيْلِ وَامْتَثَلَ الأَمْرَا

стр. 499

فَذَاكَ بِحَمْدِ اللهِ في طَيْب عيشَةٍ ... يَفُوزُ بِهَا صَومًا وَيُحْظَى بِهَا فِطْرَا اللَّهُمَّ قَابِلْ سَيِّئَاتِنَا بِإحْسَانِكَ، وَاسْتُر خَطِيئَتِنَا بِغُفْرَانِكَ وَاذْهبْ ظُلَمَةَ ظُلْمِنَا بِنُور رِضْوَانِكْ، وَاقْهَر عَدُوَّنَا بِعِزِّ سُلْطَانِكَ، فَمَا تَعُودَنَا مِنْكَ إِلا الْجَمِيل، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) : ٨- مَا وَرَدَ فِي تَعَاهُدِ القُرْآنِ الكريمْ، والتَّرْهِيبِ مِنْ نِسْيَانِهِ، واَلإعْرَاضِ عَنْه: يُسَنُّ خَتْمُهُ في كُلِّ أُسْبُوع لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَبْدِ اللهِ بن عَمْرو ﵂: «وَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ لَيَالٍ وَلاَ تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بن حَنْبَل - رَحِمَهمَا الله - كَانَ أَبِي يَخْتِمُ القُرآنَ في النَّهَارِ فِي كُلِّ أُسْبُوع، يَقْرأُ كُلَّ يَوْمِ سُبْعًا لا يكادُ يَتْرَكَهُ نَظَرًا لِقَوْلِهِ ﷺ لَعَبدِ اللهِ بن عَمْرو ﵄: «واقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ» . وَإِنْ قَرَأَ فِي ثَلاثٍ فَحَسَنْ، لِمَا وَرَدَ عَنْ عَبدِ اللهِ بن عَمْرو ﵄ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي قُوَّةً، قَالَ: «اقْرَأْ في كُلِّ ثَلاثٍ» . رواهُ أبُو داودْ. ولا بَأسَ فِيمَا دُونَها أَحْيَانًا، وَفِي الأَوْقَات الفَاضِلِةِ كَرَمَضَانَ، خُصُوصًا اللَّيَالِي التِي تُطْلَبُ فِيهَا لَيْلَةُ القدر. وَيَنْبَغِي لِقَارِئِ القُرْآنِ أنْ يَتَعَّهدَهُ بالْحِفْظِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى تِلاوَتِهِ، وَلَيْحَذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ هُجْرَانِهِ وَتَرْكِ التَّعَهُّدِ لَهُ، فَيَتَعَّرضَ بِذَلِك لِنِسْيَانِهِ وَتَرْكِ العَمَلِ بِهِ الذِي هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ. قالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: هَجْرُ الْقُرْآنِ أَنْوَاع:

стр. 500

أَحَدُهُمَا: هَجْرُ سَمَاعِهِ، والإيمانِ بِهِ، وَالإِصْغَاءِ إِلَيْهِ. والثَّاني: هَجْرُ العَمَلِ بِهِ والوُقُوفِ عِندَ حَلالِهِ وَحَرَامِهِ، وَإِنْ قَرَأَهُ وَآمَنَ بِهِ. شِعْرًا: لا شَيْءَ مِثْلَ كَلامَ اللهِ تَحْفَظُهُ ... حِفْظًا قَوِيًّا وَتَعْمَلْ فِيهِ مُجْتَهِدَا وَالثَّالثْ: هَجْرُ تَحْكِيمِهِ وَالتَّحَاكُمْ إِلَيْهِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ وَاعْتِقَادِ أَنَّهُ لا يُفِيدُ اليَقِينِ وَأَنَّ أَدَلَّتَهُ لَفْظِيةَ لا تُحَصِّلُ العِلمَ. والرَّابِعْ: هَجْرُ الاسْتِشْفَاءِ وَالتَّدَاوِي بِهِ في جَمِيعِ أَمْرَاضِ القُلُوبِ وَأَدْوَائِهَا، فَيَطْلُب شِفَاءَ دَائِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَيَهْجُرُ التَّدَاوِي بِهِ. وَالْخَامِسُ: هَجْر تَدَبُّرِهِ وَتَفَهُّمِهِ وَمَعْرِفَةِ مَا أَرَادَ الْمُتَكَلِّمِ مِنْهُ. وَكُلُّ هَذَا دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ . وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمِدْ ﵁ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةْ: أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ رَأَى رَجُلاً مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلاً قَائِمًا بِيَدِهِ فَهْرٌ أَوْ صَخْرَةٌ فَيَشْدَخُ بِهَا رَأْسَهُ: فَيَتَدَهْدَهْ، فَإِذَا ذَهَبَ لِيَأْخُذَهُ عَادَ رَأْسَهُ كَمَا كَانَ فَيَصْنَعُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ لَهُ: رَجُلٌ أَتَاهُ اللهُ القُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بَاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَل بِهِ بِالنَّهَارْ، فَهُوَ يَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ إِلى يومِ القِيامَ. وَفي حدِيثِ عَمْرو بن شُعَيْب مَرْفُوعًا: «يُمَثَّلُ القُرآنُ يَومَ القِيَامَةِ رَجُلاً فَيُؤْتَى بالرَّجُلِ قَدْ حَمَلَهُ فَخَالَفَ أَمْرَهُ فَيَتَمَثَّلُ لَهُ خَصْمًا، فَيقُولُ: يَا رَبْ، حَمَّلْتَهُ إِيَّاي فَبِئْسَ حَامِلٌ تَعَدَّى حُدُودِي، وَضَيَّعَ فَرَائِضِي، وَرَكَبَ مَعْصِيَتِي وَتَرَكَ طَاعَتِي، فَمَا يَزَالُ يَقْذِفُ عَلَيْهِ بالْحُجَجِ حَتَّى يُقَالُ

стр. 501

شَأنَكَ بِهِ فَيأخُذُ بِيَدِهِ فَمَا يُرْسِلَهُ حَتَّى يُكِبَّهُ على مِنْخِرِهِ في النَّارِ» . الحديث. شِعْرًا: ثلاثَةُ أَسْفَارٍ هَنِيئًا لِمَنْ لَهَا ... يُلازِمُهَا حِفْظًا وَدَرْسًا وَيَفْهَمُ كِتَابَ إِلهِ الْخَلْقِ ﷻ ... كَذَاكَ البُخَارِي ثُمَّ يَتْلُوهُ مِسْلِمُ وَعَنْ سَعْدِ بِنْ عُبَادَةِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «مَا مِنْ امْرِئِ يَقْرَأُ القرآن ثُمَّ يَنْسَاهُ إلا لَقِيَ اللهَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَجْذَمْ» . رواهُ أبو داود. وَعَنْ أَبِي مَوْسىَ الأَشْعَرِي ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «تَعَاهَدُوا هَذَا القُرْآنْ - فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه - لَهُوْ أَشَدَّ تَفَلُّتًا مِنْ الإِبْلِ مِنْ عُقُلِهَا» . رَوَاهُ البخاري، ومسلم. وَعَنْ ابن عُمَرَ ﵄ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ القُرآنِ كَمَثَلِ الإِبلِ الْمُعَلَّقَةْ إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ أَطَلْقَهَا ذَهَبَتْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عباس ﵄ تَكَفَّلَ الله لِمَنْ قَرَأ القُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أَنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيَا وَلا يَشْقَى في الآخرة، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ . أ. هـ. وَرَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «عُرضَتْ عَلَيَّ أَجُورَ أُمَّتِي حَتَّى القِذَاةَ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ المسجدِ وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبَ أمتي فلمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَة منِ القرآنِ أَوْ آيَةٍ أَوُتيِهَا الرَّجُلَ ثُمَّ نَسِيَهَا» . وَيَا لِلأَسفِ اسْتَبْدَلُوا الْخَبِيثَ بالطَّيِّبِ أَكَبَّوا عَلَى الجَرَائِدِ وَالمَجَّلاتِ وَالكُتُبِ الْخَلِيعَاتِ بَدَل تِلاوَةِ كِتَابِ الله فَلا حَوْلَ ولا قُوةَ إلا باللهِ العَلي العظيم، وهو حَسْبُنَا ونَعْمَ الوَكِيل.

стр. 502

شِعْرًا: قَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ حَتَّى ... لَمْ أَجِدْ شَخْصًا أَمِينَا وَانْتَهَتْ حَالِي إِلى أَن ... صِرْتُ في البَيْتِ حَزِينَا أَمْدَحُ الوَحْدَةَ حِينًا ... وَأَذُّمُ الْجَمْعَ حِينَا إِنَّمَا السَّالِمُ مَنْ لَمْ ... يَتَّخِذْ خَلْقًا قَرِينَا وَفِي الْحَدِيثِ الذي رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَغَيْرُه عَنْ عَلَيَّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنٌ» . قُلْتُ: فمَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لاَ تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسُنُ، وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلاَ تَشْبَعُ مِنْهُ العُلَماءُ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. (فَصْلٌ) : إِذَا فَهِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ القُرْآنِ قَدْ بُيِّنَ فِيهِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ العِبَادِ مِنْ أَصُولِ الدِّينِ وَفُروعِهِ وأحكام الدَّارِينِ حَتَّى أَنَّهُ تَعَالى يُثَنِّي الأُمُورَ الكِبَارَ التِي يَحْتَاجُ القَلْبُ لِمُرُورِهَا عَلَيْهِ كُلَّ وَقِتِ وَإِعَادَتِهَا فِي كُلِّ سَاعَةِ بَألفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَدلةٍ مُتَنَزِّعَةٍ لِتَسْتَقِرَّ في القلوبْ. قَالَ تَعَالى لِرَسُولِهِ ﷺ : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ ، وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ فَفِيهِ بَيَانُ الحلالِ والحرامِ وَالثَّوَابِ والعِقَابِ وَهُدىً مِنْ الضَّلالَةِ، رَحْمَةً لِمَنْ صَدَّقَ بِهِ وَعَمِلَ فِيهِ وَحَكَّمَهُ في الدَّقِيقِ وَالجَلِيلِ وَالوَيْلُ لِمَنْ رَجَعَ إلى القَوَانِينِ وَتَرَكَهُ فَكُلُّ حُكْمٍ سِوَى حُكْمِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ مَرْدُودُ، وَكُلُّ حَاكِمٍ بَغْيِرِ حُكْمِهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ فَهُو طَاغُوتُ

стр. 503

كَافِرِ باللهِ وَمَا أكْثَرَهم في هذا الزَمَنِ الْمُحَكِّمِينَ لِلْقَوَانِينِ الوَضْعِيَّةِ وَالأَنْظِمَةِ الْحَالِيَّةِ. قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وَهَذَا عَامٌ شَامِلٌ فَمَا مِنْ قَضِيَّةٍ إِلا وَللهِ فِيهَا حُكْم، قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ وَقَالَ تَعَالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ فَهَذِه الآيةُ الْجَلِيلَةُ القَدْرِ عَظِيمَةُ الموقِعْ كَبِيرَةُ الفَائِدَةِ حَسَنَةُ الْمَغْزَى اخْتَارَهَا الرَّبُّ لِيَخْتِمَ بِهَا كِتَابَهُ الكَرِيمَ وَوَحْيَهُ المعْجِزَ وَأَحْكَامَ شَرِيعَتِهِ السَّمْحَةِ وَدِينَهُ الْحَنِيفْ. وَمِنْ مَزَايَا هَذِهِ الآيةِ الكَرِيمَةِ التِي انْفَرَدَتْ بِهَا عَمَّا بَقِيَ مِنْ السِّورُ والآياتِ أَنَّ الله أَكْمَلَ بِهَا الدِّينَ بِمَعْرِفَةِ الأَحْكَامِ الشَّرعِيَةِ مِنْ الفَرَائِض وَالسُّنَنِ وَالحُدُودِ وَالأحكامِ وَالحلالِ وَالحرامِ وَلَمْ يَنْزِلُ بَعْدَهَا حَلالٌ وَلا حَرَامٌ وَلا شَيْءٌ مِنَ الفَرَائِض وَأَتمّ بِهَا النّعمَةُ على عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِدَايَتِهِمْ لأَحْكَامِهِ وَتَوْفِيقِهِم لِمَعْرِفَةِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَحَلالِهِ وَحَرَامِهِ وَإنجازِهِ سُبْحَانَهُ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ . فَكَانَ مِنْ تَمَامِ نِعْمَتِهِ أَنْ دَخَلُوا مَكَّةَ آمِنِينَ مُطْمَئِنِينَ لَمْ يُخَالِطُهُمْ أَحَدٌ مِن المشْرِكِينَ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ اخْتَارِ لِهَذِهِ الأُمَّةَ دِينِ الإِسْلامِ وَمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ عَنْ الأَدْيَانِ كُلِّهَا بَيَانًا لِشَرَفِ هَذَا الدِّينِ وَاعْتِنَاءِ بِأَمَّةِ مُحَمَّد ﷺ وَحَسْبُنَا مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . وَهَذَا مَا دَعَا كَعْبُ الأحبارُ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَكَانَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ اليهودِ أَنْ يَقُولَ لِخَلِيفَةِ الْمُسْلِمِينَ عُمُرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁: يَا أَمِيرَ المؤمنينَ آيةٌ في كِتَابِكم تَقْرءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليهودِ نَزَلَتْ لاتَّخَذْنَاهَا عِيَا وَأَقْمَنَا لَهَا مُحْتَفَلاً في كُلِّ عَامِ نُجَدِّدُ ذِكْرَاهَا وَنَتَدَارَسُ فَضَائِلَهَا الكثيرةِ وَذِكْرَيَاتِهَا العَطِرَةِ.

стр. 504

فَيَبْتَدِرُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ قَائِلاً: أيُ آيةِ هِيَ؟ قَالَ كَعْب: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ فَيُجِيبُهُ أَمِيرُ المؤمنينَ بِكُلِّ تَؤُدَةٍ وَسَكِينَةِ قَائِلاً: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ وَالْمَكَانَ الذي نَزَلَت فيهِ على النبيّ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ. وَفِي رِوَايةِ إسحاقَ بنِ قبيصَة: نَزَلَتْ يَوْمَ جُمُعَةٍ يَوْمَ عَرَفَةَ وَكِلاهُمَا بِحَمْدَ اللهِ لَنَا عِيدًا. أ. هـ. وَمِنَ الأدلَةِ على وُجُوبِ الرُّجُوعِ إلى الكِتَابِ وَالسَّنةِ عِندَ التَّحَاكُمِ مَا يَلِي: قَالَ تَعَالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ . وَقَالَ تَعَالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ الآية. وَقَالَ تَعَالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية. وَقَالَ تَعَالى: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ الآية. وَقَالَ ﷺ : «تَرَكْتُكُمْ عَلى الْمَحَجَّةِ البَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ» . وَقَالَ فِيمَا صَحَّ عَنْهُ: «مَا بُعِثَ مِنْ نَبِيَّ إِلا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أَمَّتَهُ على خَيْرِ مَا يَعْلَمَهُ لَهُمْ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ شَرِّ مَا يَعْلَمَهُ لَهُمُ» . وَقَالَ أَبُو ذَرْ: لَقَدْ تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَا طَائُرٌ يُقَلِّبُ جِنَاحَيْهِ في السَّمَاءِ إِلا ذَكَرَ لَنَا مِنْهُ عِلْمًا. وَلا شَكَّ أَنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ كِتَابِ اللهِ وَسَنَّةَ رَسُولِهِ وَاعْتَاضَ عَنْهُمَا بالقَوَانِينِ الوَضْعِيَّةِ أَنَّهُ كافرٌ كُفْرٌ نَاقِلٌ عَنِ الْمِلَّةِ الإِسْلامِيَّةِ وَكَذَا مَنِ اسْتَهْزَأَ بالقُرْآنِ أَوْ طَلَبَ تَنَاقُضَهُ أَوْ دَعْوَى أَنَّهُ مُخْتَلِفٌ أَوْ مُخْتَلِقٌ أَوْ أَثْبَتَ شَيْئًا نَفَاهُ القُرْآنُ أَوْ نَفَا مَا أَثْبَتَهُ القُرْآنُ فَقَدْ كَفَرَ. قَالَ تَعَالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾ ،

стр. 505

وَلا خِلافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ مَنْ جَحَدَ مِنْ القُرْآنِ سُورَةً أَوْ آيَةً أَوْ كَلِمَةً أَوْ حَرْفًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ أَنَّهُ كَافِرٌ، وَقَالَ عَلِيٌّ: مَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنْهُ فَقَدْ كَفَرَ بِهِ كُلِّهِ. وَكَذَا مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَسَعُهُ الْخُروجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، كَمَا وَسِعَ الخَضْرُ الخروجُ عن شَرِيعَةِ مُوسى، أَوْ زَعَمَ أَنَّ هَدْيَ غَيْرِ مُحَمَّدٍ أَفْضَلُ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَوْ أَحْسَنْ؛ أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ لا يَسَعُ النَّاسَ في مِثْلِ هَذِهِ العُصُورِ إلا الخِروجُ عن الشريعةِ، وَأَنَّهَا كَانَتْ كافيةٌ في الزَّمَانِ الأَوَّلِ فَقَطْ وَأَمَّا في هَذِهِ الأزْمِنَةِ فَالشَّرِيعَةِ لا تُسَايِرُ الزَّمَنَ ولا بُدَّ مِنْ تَنْظِيمِ قَوَانِينِ بِمَا يُنَاسِبُ الزَّمَنُ، فَلا شَكَّ أَنَّ هَذا الاعْتِقَادِ إِذَا صَدَرَ مِنْ إِنْسَانٍ فَإِنَّهُ قَدْ اسْتَهَانَ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ وَتَنَقَّصَهُمَا وَلا شَكَّ في كُفْرِهِ وَخُروجِهِ مِنْ الدِّينِ الإسْلامِي بالكُلِّيَّةِ. وَكَذَلِكَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُحْتَاج لِلشَّرِيعَةِ فِي عِلْمِ الظَّاهِرِ دَوُنَ البَاطِنْ، أَوْ فِي عِلْمِ البَاطِنِ فَقَطْ أَوْ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ دُونَ عِلْمِ الْحَقِيقَةِ أَوْ أَنَّ هَذِهِ الشَّرَائِعِ غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ بِدِينِ مُحَمَّدٍ، أَوْ اسْتَهَانَ بِدِينِ الإِسْلامِ، أَوْ تَنَقَّصَهُ أَوْ هَزَلَ بِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ شَرَائِعِهِ أَوْ بِمَنْ جَاءَ بِهِ وَكَذَلِكَ أَلْحَقَ بَعْضُ العُلَمَاءِ الاسْتِهَانَةِ بِحَمَلَِتهِ لأَجْلِ حَمْلِهِ فَهَذِهِ الأمورُ كُلُّهَا كُفْر. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ . اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَا وَفَّقْتَ إِلَيْهِ القَوْم وَأَيْقِظْنَا مِنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ وَالنَّوْم وَارْزُقْنَا الاسْتِعْدَادَ لِذَلِكَ اليَوْمِ الذِي يَرْبَحُ فِيهِ الْمُتَّقُونَ، اللَّهُمَّ عَامِلْنَا بِإحْسَانِكَ وَجُدْ عَلَيْنَا بِفَضْلِكَ وَامْتِنَانِكَ وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ ذُلَّنَا بَيْنَ يَدَيْكَ وَاجْعَلْ رَغْبَتَنَا فِيمَا لَدَيْكَ وَلا تَحْرِمْنَا بِذُنُوبِنَا، وَلا تَطْرُدْنَا بِعُيوبِنَا، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ

стр. 506

مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فصل) وَقَالَ فِي تَحْذِيرِ أَهْلِ الإِيمَانِ عَنِ الحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ بَعْدَ سِيَاقِهِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ الآيتين. ثُمَّ لَوْ لَمْ يَكُنْ في القُرْآنِ الْمَجِيدِ فِي الزِّجْرِ عَنِ إتِّبَاعَ القَوَانِينِ البَشَرِيَّةِ غَيْرُ هَذِهِ الآيةِ الكَرِيمَةِ لَكَفَتْ العَاقِلَ اللَّبِيبَ الذي أُوتِيَ رُشْدَهُ وَأَهَمَّهُ صَلاحُ قَلْبِهِ عَنْ تَطَلُّبِ غَيْرِهَا فَكِيفَ وَالقُرْآنِ كُلَّهُ يَدْعُو إِلى تَحْكِيمِ مَا أَنْزَلَ اللهُ وَعَدَمِ تَحْكِيمِ مَا عَدَاهُ، إِمَّا تَصْرِيحًا وَإِمَّا تَلْوِيحًا وَلَهُ جَاهَدَ وَيُجَاهِدُ مِنْ عِبَادِ اللهِ الْمُتَّقِينَ مِنْ لَدُنْ بُعِثَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﵌ إلى يومِ تَقُومُ السَّاعَةِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لا تَزَالُ طَائِفَةُ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرَّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلا خِلافُ مَن خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأتِيَ أَمْرُ اللهِ» . وَأَنَّهُ قَالَ: «لا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلى ضَلالَةٍ» . فعَلَمِنْاَ بِذَلِكَ أَنَّ مِنَ الْمُمْتَنِعُ بِالسَّمْعِ أَنْ يَتَمَالأ العَالَمُ كُلَّهُمْ شَرْقًا مِنْ أُمَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى إتِّبَاعِ القَوَانِينِ البَشَرِيَّةِ وَعَدَمِ الْمُبَالاةِ بالْحُكْمِ الشَّرْعِي بَلْ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ وَلَوْ وَاحدٌ يُنْكِرُ عَلَى هَؤلاءِ الكُلِّ إِمَّا بِلِسَانِهِ إِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَفْتِكُوا بِهِ وَإِمَّا بِقَلْبِهِ وَظَنَّ الفَتْكَ بِهِ كَمَا قَدْ كَانَ أَيَّامَ الاسْتِبْدَادِ. وَالغَرَضُ بَيَانُ أَنَّ طَائِفَةً عَلَى الْحَقِّ لا تَزَالُ تُقَاتِلُ وَتُجَاهِدُ عَلَى تَحْكِيمِ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِاللِّسَانِ وَالبَيَانِ وَالبَدَنِ وَالسِّنَانِ وَالمالِ وَكلِّ مُمْكِنٍ لِنَوْعِ الإِنْسَانِ وَأَنَّ بِهِ يتِمُّ نِظَامُ العَدْلِ وَالْمُلْكِ وَالدِّينِ وَالدُّنْيَا وَبِهِ يَسْتَقِيمُ أَمْرُ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ وَتَكْمُلَ لَهُمُ الرَّاحَةُ وَالأَمْنُ وَالْحُرِّيَةُ التَّامَةُ وَالسِّيَاسَةُ العَامةُ لِجَمِيعِ الْمِلَلِ والرِّعَايَا الْمُخْتَلِفَةِ الأَصْنَافِ وَالألْسِنَةِ وَالأَمزِحَةِ.

стр. 507

وَمَنْ شَكَّ فِي هَذَا فَلْيَنْظُرِ الفَرْقَ بَيْنَ حَالِ الإِسْلامِ في هذه القُرُونِ الْمُتَأَخّرَةِ التِي عُطَّلَتْ فِيهَا حُدُودُ الشَّريعَةِ وَأَحْكَامُهَا وَحَالِهِ فِي القُرُونِ الْمُتَقَدِّمَةَ التِي مَا كَانَتْ عَلَى شَيءٍ أَحْفَظُ مِنْهَا عَلَى أَحْكامِ الشَّريعَةِ وَأَرْعَى لَهَا يَجِدِ الْفَرقَ كَمَا بَيْنَ الثَّرَى وَالثُّرَيَّا، وَكَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: نَزَلُوا بِمَكَّةَ في قِبَائِلِ هَاشِمٍ ... وَنَزَلْتُ بِالْبَيْدَاءِ أَبْعَدَ مَنْزِل أَلا تَرَى أَنَّ الصَّحَابَةِ ﵃ بَعْدَ وَفَاةِ نَبِيِّهَمْ ﷺ فَتَحُوا مَا فَتَحُوا مِنْ أَقَالِيم البُلْدَانِ وَنَشَرُوا الإِسْلامَ وَالإيمان والقُرآنِ في مُدَّةِ نَحْوِ مائِةِ سَنَةٍ مَعَ قِلَِّة عَدَدِ الْمُسْلِمِين وَعُدَدِهِمْ وَضِيقِ ذَاتِ يدِهمْ وَنَحْنُ مَعَ كَثْرَةِ عُدَدِنَا وَوَفْرَةِ عَدَدِنَا وَهَائِلِ ثَرْوَتِنَا وَطَائِلِ قَوَّتِنَا لا نَزْدَادُ إلا ضُعْفًا وَتَقَهْقُرًا إلى الوَرَى وَذُلاً وَحَقَارَةً في عيُونِ الأَعْدَاءِ ذَلِكَ لأَن مَنْ لا يَنْصُرُ دِينَ الله لا يَنْصُرُهُ اللهُ قَالَ اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ فَرَتَّب نَصْرَهم على نَصْرِهِ بِإقَامَةِ طَاعَتهِ وَطَاعَةِ رَسُولِه. وَقَالَ شَيْخُ الإِسْلامَ ﵀ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ . فَمَنْ لَمْ يَلْتَزِمُ تَحْكِيمِ اللهِ وَرَسُولِهِ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهم فَقَدْ أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ بِنَفْسِهِ أَنْ لا يُؤْمِنُوا. وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُلْتَزِمًا لِحُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِكَنْ عَصَى وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَهذَا بِمَنْزِلَةِ أَمْثَالِهِ مِنْ العُصَاة فَمَنْ لَمْ يَلْتَزِمُ حُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ فَهُوَ كَافرُ وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى الأُمَّةِ في كلِّ مَا تَنَازَعَا فِيهِ مِنْ الأُمُورِ الاعْتِقَادِيَّةِ وَالعَمَليّةِ. فالأُمُورُ الْمُشْتَرِكَةُ بَيْنَ الأُمَّةِ لا يُحْكَمُ فِيهَا إِلا بالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَيْسَ لأحَدٍ

стр. 508

أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِقَوْلِ عَالِم ولا أَمِيرٍ ولا شَيخٍ ولا مَلِكٍ وَحُكَّامُ المسلمينَ في الأمُورِ المُعَيَّنَةِ لا يَحْكُمونَ في الأمورِ الكُلِّيَةِ وَإِذَا حَكمَوا في الْمُعِينَاتِ فَعَليهِمْ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا في كِتَابِ اللهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِمَا في سُنَّة َرسولِ اللهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا اجْتَهَدَ الْحَاكمُ بِرأيه. انتهى. لأَنَّهُ ﷺ لِمَا بَعَثَ مُعَاذًا إلى اليمنِ قَالَ: «بِمَ تَحْكُمْ» ؟ قَالَ بِكِتَابِ اللهِ «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ» ؟ قَالَ: بِسنةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ» ؟ قَالَ: أجْتَهِدُ رَأَيِي. قَالَ: «الْحَمْدُ اللهِ الذي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ الله ﷺ » . وفي كِتَابِ عُمْرَ بِنْ عَبْدِ العزيزِ إلى عُرْوَة كَتَبْتَ إليَّ تَسْأَلَنِي عَنْ القضاءِ بَيْنَ النَّاسِ وَإِنَّ رَأَسَ القَضَاءِ إِتَّبَاعُ مَا فِي كِتَابِ اللهِ ثُمَّ القَضَاءُ بِسُنَّةِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ثُمَّ بِحُكمِ أَئِمَّة الْهُدَى ثُمَّ اسْتِشَارَةِ ذَوِي العلمِ وَالرَّأيِ وَذُكِرَ عَنْ سُفْيَانَ ابنُ عُيَينَةِ قَالَ: كَانَ ابنُ شُبْرَمَةَ يَقُولَ: مَا في القَضَاءِِ شَفَاعَةٌ لِمُخَاصِمٍ ... عِنْد اللَّبِيبِ ولا الفَقِيهِ العَالِمِ هَوِنْ عَلَيَّ إِذَا قَضَيْتُ بِسُنَّةٍ ... أَوْ بالكِتَابِ بِرَغْمِ أَنْفِ الرَّاغِمِ وَقَضَيْتُ فِيمَا لَمْ أَجِدْ أَثَرًا بِهِ ... بِنَظَائِرِ مَعْرُوفَةٍ وَمَعَالِمٍ وَعَنْ بن وَهْبِ قَالَ: قَالَ مَالِكُ: الْحُكْمُ حُكْمَانِ حُكْمٌ جَاءَ بِهِ كِتَابَ اللهَ، وَحُكْمُ أَحْكَمَتَّهُ السُّنَة، قَالَ: وَمُجْتَهِدٌ رَأْيَهُ فَلَعَلَّهُ يُوَفقْ. وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀ عَلى قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ الآية: فَأَقْسَمَ سُبْحَانَه بَأَجلِّ مُقْسَمٍ بِهِ وَهُو بِنَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ لا يَثْبُتُ لَهُمُ إيمَانَ ولا يَكُونُونَ مِنْ أَهْلِِهِ حَتَّى يُحَكِّمُوا الرَّسُولَ ﷺ في جميعِ مَوَارِدِ النِّزَاعِ في جميعِ أَبْوَابِ الدِّينَ فَإِنَّ لَفْظَةَ (مَا) مِنْ صِيغِ العُمُوم تَقْتَضِي نَفْيَ الإِيمَانِ أَوْ يُوجَدَ تَحْكِيمُهُ في جميعِ مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ. وَلَمْ يَقْتَصِر عَلَى هَذا حَتَّى ضَمَّ إليه انْشِرَاحُ صُدِورِهم بِحُكْمِهِ حَيْثُ لا

стр. 509

يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهم حَرَجًا وَهُو الضيقُ وَالحَصْرُ مِنْ حُكْمِه بَلْ يَقْبَلُوا حُكْمَهُ بالانْشِرَاحِ وَيُقَابِلُوهُ بِالتَّسْلِيمِ لا أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَهُ على إغْمَاضِ وَيَشْرَبُونَ عَلى قَذَيّ فَإِنَّ هَذَا مُنَافٍ للإيمَان بَلْ لا بدُ أَنْ يَكُونَ أَخْذُهُ بِقُبولٍ وَرِضَا وانْشِرَاحِ صُدُورٍ. وَمَتَى أَرَادَ العَبْدُ أَنْ يَعْلَم هَذَا فَلْيَنْظُر في حالِهِ وَيُطَالِعُهُ في قَلْبِهِ عِنْدَ وُرُودِ حُكْمِهِ عَلَى خِلافِ هَواهُ وَغَرضِهِ فَسُبْحَانَ اللهِ كَمْ مِنْ حَزَازَةِ فِي نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ كَثِيرٍ النُّصُوصِ وَبِودِّهِمْ أَنْ لَوْ لَمْ يَرِدْوَكَمْ مِنْ حَرَارَةٍ في أَكْبَادِهِم مِنْهَا وَكَمْ مَنْ شَجَى فِي حُلُوقِهِم مِنْهَا وَمِنْ مُوْرِدَهَا سَتَبْدُوا لَهَمْ تِلَكَ السَّرَائِرُ بالذي يَسُوءُ وَيُخْزِي يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرِ. ثُمَّ لَمْ يَقْتَصرُ سُبْحَانَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى ضَمَّ إليهِ قَوْلَه تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ فذكرَ الفِعْلَ مُؤَكَّدًا بِمَصْدَرِهِ القَائِم مَقَامَ ذِكْرُهِ مَرَّتِين وَهُوَ الخُضُوعُ لَهُ والانقيادُ لِمَا حَكَمَ بِهِ طَوْعًا وَرِضًا وَتَسْلِيمًا لا قَهْرًا وَمُصَابَرَةً كَمَا يُسْلِمُ المقهُورُ لِمَنْ قَهَرَهُ كُرْهًا بَلْ تَسْلِيمَ عَبْدٍ مُطِيعٍ لِمَوْلاهُ وَسَيِّدِِهِ الذِي هُوَ أَحَبُّ شيء إليهِ يَعْلَمُ أنّ سَعَادَتَهُ وَفَلاحهَ في تَسْلِيمهِ إِلَيْهِ وَيَعْلَمُ بأنَّهُ أَوْلى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَأَبَرَّ بِهِ مِنْهَا وأرْحَمُ بِهِ مِنْهَا وَأَنْصَحَ لَهُ مِنْهَا وَأَعْلَمُ بِمَصَالِحِهِ مِنْهَا وَأَقْدَرَ على تَخْلِيصِهَا. وَأمَّلْ لِهَذَا الْمَعْنَى المذكُورِ في الآيةِ بوجُوهٍ عَدِيدَةٍ مِنْ التَّأَكِيدِ أولها تصديرُها بالقسم يَتضَّمَّن الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُه: لا يظمنون، وثانيها: تأكيده بنفس القسم، وثالثها: تأكيده بالمُقْسَمِ بِهِ وَهُوَ إقْسَامهُ بِنَفْسِهِ لا بشيَءٍ من مَخْلُوقَاتِهِ، ورَابعًا: تأكِيدُه بانتِفاءِ الحَرَجِ وَهُوَ وُجُودُ التَّسْلِيم، وخامُسُها: تأكيدُ الفِعْل بالْمَصْدَرِ ومَا هَذا إلا لِشِدَّة الحاجةِ إلى هذا الأمْرِ العَظِيمِ وَأَنَّهُ مِمَّا يُعْتَنَى بِهِ وَيُقَرَّرُ في نُفُوسِ العِبَادِ. وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمِ.

стр. 510

(فصل) وَقال ﵀: لَمَّا أَعْرَض النَّاسُ عَنْ تَحْكِيمِ الكِتَابِ وَالسُّنةِ وَالْمُحَاكَمَةِ إِلَيْهِمَا وَاعْتَقَدُوا عَدَمَ الاكْتِفَاءِ بِهِمَا وَعَدلوا إلى الآرَاءِ وَالقياسِ وَالاسْتِحْسَانِ وَأَقْوَالِ أَهْلِ الآرَاءِ عَرَضَ لَهَمْ مِنْ ذَلِكَ فَسَادٌ في فِطَرِهِمْ وَظُلْمَةٌ في قُلُوبِهم وَكَدَرٍ في أفْهَامِهِمْ وَمَحْقٍ في عُقُولِهِم فَعَمَّتْهمُ هَذِهِ الأُمُورُ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمْ حَتَّى رَبَّى فِيهَا الصَّغِيرُ وَهَرِمَ عَلَيْهَا الكَبِيرُ فَلَمْ يَرَوْهَا مُنْكَرًا. فَجَاءَتهمْ دَوْلَةٌ أُخْرَى أَقَامَتْ فِيهَا البِدَعَ مَقَامَ السُّنَن، والْهَوى مَقَامَ الرُّشْدِ، وَالضَّلالَ مَقَامَ الْهِدَايَةِ، والْمُنْكَرَ مَقَامَ الْمَعْرُوفِ، وَالْجَهْلَ مَقَامَ العِلْمِ، وَالرِّيَاءِ مَقَاَم النَّصِيحَةِ، وَالظُلْمَ مَقامَ العَدْلِ، فَصَارَتْ الدَّولَةُ وَالْغَلَبَةُ لِهَذِهِ الأُمُور وَأَهْلُها هُمُ الْمُشَارُ إليهم. فَإِذَا رَأَيْتَ هَذِهِ الأُمُورَ قَدْ أَقْبَلَت وَرَايَاتِهَا قَدْ نُصِبَتْ وَجُيُوشَهَا قَدْ رَكِبَت فَبْطنُ الأَرْضِ واللهِ خَيْرٌ مِنْ ظَهْرها وَقُلل الجبالِ خَيْرٌ مِنْ السُّهولِ وَمُخَالَطَة الوَحْش أسْلَمُ مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ. اقْشَعْرَّتِ الأَرْضُ وَأظْلَمَتِ السَّمَاءُ وَظَهَرَ الفَسَادُ في البرِّ وَالبَحْرِ مِنْ ظُلْمِ الفَجَرَةِ، وَذَهَبَتْ البَرَكَاتُ وَقلّتِ الْخَيْرَاتُ، وَهَزلَتِ الوحْشُ وَتَكَدَّرْتِ الْحَيَاةُ مِنْ فِسْقِ الظَّلَمةِ وَبَكَى ضُوءُ النَّهَارِ وَظُلْةُ اللَّيْل مِنْ الأَعْمَالِ الْخَبِيثَةِ والأَفْعَالِ الفَظِيعَةِ، وَشَكَا الكِرَامُ الكَتابُونَ وَالْمُعَقَّباتُ إلى رَبِّهم مِنْ كَثْرَةِ الفَواحِشِ وَغَلَبَةِ الْمُنْكَرَاتِ وَالقَبَائِحْ. وَهَذَا وَالله مُنْذِرُ بِسَيْلِ عَذَابٍ قَدْ انْعَقَدَ غَمَامُهُ وَمُؤذِنٌ بَلِيْلِ قَدْ ادْلَهَمَّ ظَلامُهُ فَاعْزِلوا عَنْ طَرِيق هذا السَّيلُ بِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ مَا دَامتِ التَّوبَةُ مُمْكِنَةٌ وَبَابُها مَفْتُوحًا وَكَأَنَّكُمُ بِالْبَابِ وَقَدْ أَغُلِقُ وَبالرَّهْنِ وَقَدْ غَلِقَ وَبِالْجِنَاحِ وَقَدْ عَلِقَ وَسَيَعْلَمُ الذِين ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون.

стр. 511

وَقَالْ: واللهِ مَا خَوْفِي الذُّنُوبَ فَإِنَّها ... لَعَلَى سَبِيلِ الْعَفْوِ وَالغُفْرَانِ لَكِنَّمَا أَخْشَى انْسِلاخَ القَلْبِ مِنْ ... تَحْكِيمِ هَذَا الوحْي والقُرْآنِ وَرِضَا بآرَاءَ الرِّجَالِ وَخُرْصِهَا ... لا كَانَ ذَاكَ بِمِنَّةِ الْمَنَّانِ فَبأيّ وَجْهٍ أَلْتَقِي رَبِّي إِذَا ... أَعْرَضْتُ عَنْ ذَا الوَحْي طُولَ زَمَانِ وَعَزْلتُهُ عَمَّا أُرِيدُ لأَجْلِهِ ... عَزْلاً حَقِيقِيًا بلا كِتْمَانِ اللَّهُمَّ ألْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَوَفِّقْنَا لِلْقِيَامِ بِحَقِّكَ وَبَارِكْ لَنَا فِي الْحلال مِنْ رِزْقَكَ وَلا تَفْضَحْنَا بَيْنَ خَلْقِكَ، يَا خَيْرَ مَنْ دَعَاهُ دَاعٍ وَأَفْضَلَ مَنْ رَجَاهُ رَاجٍ، يَا قَاضِيَ الْحَاجَاتِ وَمُجِيب الدّعَواتِ هَبْ لَنَا مَا سَأَلْنَاهُ وَحَقِّقْ رَجَاءَنَا فِيمَا تَمَنَّيْنَاهُ يَا مِنْ يَمْلِكُ حَوائِجَ السَّائِلين وَيَعْلَمُ مَا فِي ضَمَائِر الصَّامِتِينَ أَذِقْنَا بِرْدَ عَفْوِكَ وَحَلاوَةَ مَغْفِرَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ. (فصل في ذكر طرق مما حدث في بعض السنين من الأزبية والأمراض) أْجْدَبَتِ الأَرضُ في سنةِ ثماني عشرة فكانت الريحُ تسقِي تُرابًا كالرماد فسُمِّي عامَ الرمادة وجعلتِ الوحُوشُ تَأْوِي إلى الإنس، فآلىَ عُمَرُ ألا يذوق سمنًا ولا لبنًا ولا لحمًا حتى يحيى الناسُ واستسقَى بالعباس فَسُقُوا. وفيها كان طاعون عَمَواسٍ مات فيه أبُو عُبيدةَ، ومُعَاذُ، وأَنسُ وفي سنة أربع وستين وقع طاعون بالبصرة وماتَتْ أُمُ أمِيرِهِم فما وَجَدُوا من يَحْمِلَها. وفي سنة ست وتسعين كان طاعون الجارفُ هَلكَ في ثلاثة أيامٍ سَبْعُونَ ألْفًا وماتَ فيه لأَنَسٍ ثَمَانُون ولَدًَا وكانَ يموتُ أهلُ الدارِ فَيُطَيَّنُ البابُ عليهم. وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة ماتَ أول يوم في الطاعون سَبْعُونَ ألْفًا في الثاني نَيِّفٌ وسبعون ألفًا وفي الثالث خمد الناس. وفي سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة ذُبِحَ الأطفالُ وأُكِلَتُ الجيفُ وبيعَ العَقَارُ بِرُغْفَان واشْتَرى لِمُعِزِّ الدَّوْلَة كَرُّ بِعَشْرِينَ أَلفٍ دَرهم.

стр. 512

وفي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة أصابَ أهل البصرةِ حَرٌّ فكانوا يتساقطون مَوْتَى في الطُّرقَاتِ. وفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة عَمَّ القُحْفُط فأُكِلتِ الميتةُ وبلغ المكوك من برز البقلة سَبْعَ دَنَانِير، والسفر جَلَةُ، والرمانةُ دِينَارًا، والخيارةُ واللينوفرةُ دينارًا، وَوَرَدَ الخبرُ من مِصر بأن ثلاثةً مِن اللُّصُوص نَقَبُوا دَارًا فوُجِدُوا عندَ الصباح مَوْتَى أحَدُهم على بابِ النقبِ، والثاني على رَأْسِ الدَّرَجَةِ، والثالثُ على الثياب الْمُكَوَّرَةِ. وفي السنة التي تليها وقعَ وَبَاءٌ فكان تُحْفَرُ زِيبةٍ لِعَشْرِينَ وَثَلاثِينِ فَيُلْقَونَ فِيها وتابَ الناسُ كُلُّهم وَأَرَاقُوا الخمورَ وَلزِمُوا المساجدَ. وفي سنة ستٍ وخمسينَ وأرْبِعِمِائةٍ وَقَعَ الوَبَاءُ وَبَلَغَ الرطلُ من التمرِ الهِندي أربعةَ دَنانير وفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة اشتد الجُوعُ والوَبَاءُ بِمِصْرِ حتى أَكلَ النَّاسُ بَعضُهم بَعْضًا وبيع اللَّوزُ وَالسُّكَّر بِوَزْنِ الدَّرَاهِم والبيضةُ بِعَشْرَةِ قَراريط وَخَرَجَ وَزِيرُ صَاحِب مَصْر إليه فنزلَ عَنْ بَغْلَتِهِ فأخَذَهَا ثَلاثَة فأَكَلُوها فَصُلَبُوا فأَصْبَحَ الناسُ لا يَرَوْنَ إلا عِظَامَهُمَ تَحْتَ خَشَبِهِم وَقَدْ أُكِلُوا، وَفِي سَنة أربع وستين وأربعمِائة وقعَ الموتُ في الدوابِ حَتَّى إِنَّ رَاعِيًا قامَ الغنمِ وَقْتَ الصباحِ لِيَسُوقَهَا فَوَجَدوهَا كُلَّها مَوْتَى. ذكر ذلك ابن الجوزي ﵀. وفي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائةٍ وَقَعَ غَلاءٌ شَدِيدِ ببغداد حتى أَكَلُوا الميتةَ وَالسَّنَانيرَ والكلابَ، وَكَان مِن النَّاس مَنْ يَسْرِقُ الأولادَ فَيَشْوِيهِم ويأَكْلُهُم. وَكَثُرَ الوَبَاءُ في الناس حتى كان لا يَدْفُنُ أحَدٌ أَحَدًا بَلْ يُتْركُونَ على الطرق فَيَأَكلُ كَثِيرًا منهم الكلاب. وبِيعَةُ الدُّور بالخُبْزِ وانْتَجَع الناسُ إلى البَصْرة فكان منهم من ماتَ في الطريق.

стр. 513

وذَكَرَ ﵀ أن في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة في جماد الأولى غَلَتِ الأسعارُ ببغداد جِدًا وكَثُرت الأمطارُ حَتى تهدم البناء ومات كَثيرٌ مِن الناس تحتَ الهدم وتَعَطَّلَت أكثرُ المساجد مِن قلة الناس. وَنَقَضَتْ قيمةُ العقار حتى بيع منه بالدرهم ما يُسَاوي الدينار وخَلَت الدُّور وكان الدَّلالُون يُعْطُونَ مَنْ يَسْكنُها أُجْرَةً لَيَحْفَظَها مِن الداخلين إليها ليُخَرِّبُوهَا. وكَثُرَتِ الكَبَسَاتُ مِن اللَّصُوص بالليل حتى كان الناس يَتَحَارسُون وكُثرتِ الفِتنُ مِن كُلِّ جِهة فإِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ. أ. هـ. وفي سنة ثلاثٍ وثلاثين وخمسمائة كانت زَلْزَلَةٌ عظيمةٌ بمدينةِ جَبْرَتْ فماتَ بِسَبَبِهَا مائتا ألف وثلاثون ألفًا وصَار مكانها ماءً أسودَ عَشَرَةَ فَرَاسِخَ فِي مثلها. وزُلْزلَ أَهلُ حَلَب في لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ثَمانينَ مَرَّة فوضعَ السلطانُ مَحْمُودُ مُكُوسًا كثيرةً على الناس وكَثُرِت الأدعيةُ لَهُ. قال: وفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة كانت زلزلةٌ عظيمةٌ بالشام هَلَكَ بسببها خَلْقٌ كثير لا يَعلَمُهم إلا الله. وتَهدَّمَ أكثرُ حَلَب وحَماة وشِيرز وحِمص وكَفَر طَابَ وَحِصْن الأكراد والْمَعَرَّة وقَامِيَة واللاذقِيَّة وأنطاكية وطَرَابُلس. قال: وقال ابنُ الجوزي: وأما قَامِية فَسَاخَت قَلْعَتُهَا، وتل حران انقسم قسمين فأبْدَى نَوَاوِيسَ وبُيوت كثيرة في وسطه. وتَهَدَّمَتْ أَسْوَارُ أكثرِ مُدُنِ الشَّامِ حتى أن مَكْتبًا مِن مدينة حَماة انْهدم على مَن فِيهِ مِنْ الصغار فَهَلَكُوا عن آخِرهم. وفي سنة أربع وعشرين ومائتين زلزلة فرغانة فمات فيها خمسة عشر ألفًا. وفي السنة التي تليها رجفت الأهوازُ وَتَصَدَّعَتِ الجبالُ وهَرَبَ أَهْلُ البلد إلى البحر والسفن ودامت ستة عشر يومًا.

стр. 514

وفي السنة التي تليها مطر أهل تيما مطرًا وبردًا كالبيض فقتل به ٣٧٠ إنسانًا. وسمع في ذلك صوت يقول: ارحم عبادك، اعف عن عبادك. ونظروا إلى أثر قَدِمٍ طولها ذراعٌ بلا أصابع وعَرْضُهَا شِبْرٌ وبين الخطوتين خمسة أذرع أو ستة. فاتبعوا الصوت فجعلوا يسمعون صوتًا ولا يرون شخصًا. وفي سنة ٢٣٣ رجفت دمشق رجفة انقضت منها البيوت وسقطت على من فيها فمات خلق كثير. وأنكفأت قرية في الغوطة على أهلها فلم ينج منهم إلا رجل واحد. وزلزلت أنطاكية فمات منها عشرون ألفًا. وفي السنة التي تليها هبت ريح شديدة لم يعهد مثلها فاتصلت نيفًا وخمسين يومًا. وشملت بغداد والبصرة والكوفة وواسط وعبادان والأهواز، ثم ذهبت إلى همدان فأحرقت الزرع، ثم ذهبت إلى الموصل فمنعت الناس من السعي وتعطلت الأسواق، وزلزلت هراة فوقعت الدور. وذكروا أشياء كثيرة غريبة عجيبة يطول ذكرها اقتصرنا منها على هذا الطرف اليسير الذي ربما يكون سببًا للاعتبار والتيقظ والرجوع إلى الله. نسأل الله الحي القيوم العلي العظيم الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد أن يوقظ قلوبنا ويستر عيوبنا ويغفر ذنوبنا ويثبتنا على قوله الثابت في الحياة الدنيا والآخرة إنه سميع قريب على كل شيء قدير. شِعْرًا: صَرَفْتُ إلى رَبِّ الأَنَامِ مَطَالِبِي ... وَوَجَّهْتُ وَجْهِي نَحْوَهُ وَمَآرِبِي إلى الْمَلِكِ الأَعْلَى الذِي لَيْسَ فَوْقَهُ ... مَلِيكٌ يُرَجَّى سَيْبُهُ في الْمَتَاعِبِ إلى الصَّمَدِ البَرِّ الذِي فَاضَ جُودُهُ ... وَعَمَّ الوَرَى طُرًا بِجَزْلِ الْمَوَاهِبِ مُقِيلفْي إِذَا زَلَّتْ بِي النَّعْلُ عَاثِرًا ... وَأَسْمَحَ غَفَّارٍ وَأَكْرَمْ وَاهِبِ فَمَا زَالَ يُولِينِي الْجَمِيلَ تَلَطُّفًا ... وَيَدْفَعُ عَنِّي فِي صُدُورِ النَّوَائِبِ وَيَرْزُقْنِي طِفْلاً وَكَهْلاً وَقَبْلَهَا ... جَنِينًا وَيَحْمِينِي وِبِيَّ الْمَكَاسِبِ

стр. 515

إِذَا أَغْلَقَ الأَمْلاكُ دُونِي قُصُورَهُمْ ... وَنَهْنَهَ عَنْ غِشيانِهِمْ زَخْرُ حَاجِبِ فَزِعْتُ إلى بَابِ الْمُهَيمِنِ طَارِقًا ... مُدِلاً أُنَادِي باسْمِهِ غَيْرَ هَائِبِ فَلَمْ أَلَفِ حُجَّابًا وَلَمْ أَخْشَ مِنْعَةً ... وَلَوْ كَانَ سُؤلِي فَوْقَ هَامِ الكَوَاكِبِ كَرِيمٌ يُلَبِّي عَبْدَهُ كُلَّمَا دَعَا ... نَهَارًا وَلَيْلاً في الدُّجَى وَالغَيَاهِبِ سَأسْألَهُ مَا شِئْتُ إِنَّ يَمِينَهُ ... تَسِحُّ دِفَاقًا بِاللُّهَيِّ وَالرَّغَائِبِ فَحَسْبِي رَبِّي الْهَرَّاهِزِ مَلْجًأ ... وَحِرْزًا إِذَا خِيفَتْ سِهَامُ النَّوَائِبِ اللَّهُمَّ انْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا وَعَلِّمْنَا مَا يَنْفَعْنَا وَوَفِّقْنَا لِلْعَمَلِ بِمَا فَهَّمْتَنَا اللَّهُمَّ إِنْ كُنَّا مُقَصِّرينَ فِي حِفْظِ حَقِّكَ وَالوَفَاءِ بِعَهْدِكَ فَأَنْتَ تَعْلَمُ صِدْقَنَا فِي رَجَاءِ رِفْدِكَ، وَخَالِص وُدِّكَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَمُ بِنَا مِنَّا فَبِكَمَالِ جُودِكَ تَجَاوَزْ عَنَّا، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ وَفِقنا لِمَا وَفَّقْتَ إِلَيْهِ القَوْم وأيْقِظْنَا مِن سِنةِ الغَفْلَةِ وَالنَّوْم وَارزِقْنَا الاستعدادَ لذَلِكَ اليَوْم الذي يَرْبَحُ فيه المُتَّقُونَ، اللَّهُمَّ وعامِلنَا بإِحْسَانِكَ وَجُدْ علينا بِفَضْلِكَ وامْتِنَانِكَ واجعلنا مِن عِبادِكَ الذين لا خَوفٌ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنُون، اللَّهُمَّ ارحَمْ ذُلَّنَا بَيْنَ يَدَيْكَ واجعلْ رَغْبَتَنَا فِيما لَدَيْكَ، ولا تَحرِمِنَا بِذُنوبنا، ولا تَطْرُدْنَا بعُيوبِنا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْياءِ مِنْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فصل) وقَالَ الشَّيخُ مُحَمَّدٌ بن إبْرَاهِيمَ في رَدّه على مُحَكِّمِي القَوَانِين: إنَّ مِنَ الكُفْر الأكْبَرَ الْمُسْتَبِينِ تَنْزيلُ القَانُونِ اللَّعِينِ مَنْزِلَةَ مَا نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِ محمدِ ﷺ لِيَكُونَ مِنْ الْمُنْذِرِين بلسانٍ عَربي مبينٍ في الحُكْمِ بِهِ بَيْنَ العالمين والرَّدِ إلَيْهِ عِنْدَ تَنَازُع المتنازعين مَنَاقَضَةً وَمُعَانَدَةً لِقَوْلِ الله : ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ .

стр. 516

وَقَدْ نَفى اللهُ الإيمانَ عَنْ مَنْ لَمْ يُحَكِّمُ النَّبِيَ ﷺ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهِمْ نَفْيًا مُؤكَّدًا بِتَكَرُّرِ أَدَاةَ النَّفْيِ وَبِالقَسَم قالَ تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ . قَالَ: وَتَأَمَّلْ مَا في الآية الأولى وَهِيَ قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية، كَيْفَ ذَكَرَ النَّكِرَةَ وَهِيَ قَوْلُه: ﴿شَيْءٍ﴾ في سِيَاق الشَّرطِ وَهو قوله جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ﴾ المفيدُ العُمُومِ فِيمَا يُتَصَوَّرُ التَّنَازُع فيه جِنْسًا وَقَدْرًا. ثُمَّ تَأَمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ ذَلِكَ شَرْطًا في حُصُولِ الإيمانِ بِاللهِ واليومِ الآخر بقولهِ: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ثُمَّ قَالَ جَلَّ شَأْنه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ فَشَيْءُ يُطْلِقُ اللهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَيْرٌ لا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ شَرٌّ أَبَدًا بَلْ هُوَ خَيْرٌ مَحْضٌ عَاجِلاً وَآجِلاً. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ، أي: عَاقِبةً في الدُّنْيَا والآخرةِ فَيُفِيدُ أَنَّ الرَّدَ إلى غَيْرَ الرَّسُولِ ﷺ عِنْدَ التَّنَازُع شَرٌّ مَحْضٌ وَأسْوأ عَاقِبةً في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ عَكْسَ مَا يَقُولُهُ الْمُنَافِقُونَ: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ وَقَوْلِهِمْ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ . وَلِهَذَا رَدَّ اللهُ عليهم قَائِلاً: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ وَعَكْسُ مَا يَقُولُهُ القَانُونِيُّونَ مِنْ حُكْمِهِم عَلَى القَانُونِ بِحَاجَة العَالَم بَلْ ضَرُورَتِهم إلى التَّحَاكُمْ إِلَيْهِ وَهَذَا سُوءُ ظَن صِرْفٌ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ وَمَحْضُ اسْتنِقاصٍ لِبَيان الله ورَسوله والحكم عليه بعدم الكِفَايَةِ للنَّاسِ عِنْدَ التَّنَازِعُ وَسُوءِ العَاقِبَةِ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ إِن هَذَا لازِمٌ لَهُمْ. قالَ: وَقَدْ نَفَى اللهُ الإيمانَ عَنْ مَنْ أَرَادَ التحاكُم إلى غَيرِ مَا جَاء بهِ الرَّسولُ ﷺ -

стр. 517

مِنْ المنافقينَ كَمَا قالَ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ . فإنَّ قَوْله: (يَزْعُمُونَ تَكْذِيبِ لَهُمْ فِيمَا ادَّعَوهُ مِنْ الإيمَانِ) فَإِنَّهُ لا يَجْتَمِعُ التَّحَاكُمِ إلى غَيرِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُ ﷺ مَعَ الإِيمَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَصْلاً بَلْ أَحَدهُمَا يُنَافِي الآخَرَ وَالطَّاغُوتُ مُشْتَقٌ مِنْ الطُّغْيَانِ وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الحَدِّ فَكُلُّ مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ أَوْ حَاكَمَ إلَى غَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِي ﷺ فَقَدْ حَكَمَ بالطَّاغُوتِ وَحَاكَمَ إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ حَقَّ كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَكُونَ إلى خِلافِهِ فَقَدْ طَغَى وَجَاوَزَ حَدَّهُ حُكْمًا أَوْ تَحْكِيمًا فَصَارَ بِذَلِكَ طَاغُوتًا لِتَجَاوُزِهِ حَدّه. قَالْ: وَتَأَمَّلْ قَوْلُهُ : ﴿وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ تَعْرِفُ مِنْهُن مُعَاندةَ القَانُونِيّينَ وَإِرَادَتَهُمْ خِلافَ مُرادِ اللهِ مِنْهُم حَوْلَ هَذَا الصَّدَدِ فَالْمُرَادُ مِنْهُمْ شَرْعًا وَالذِي تُعِبِّدوا بِهِ هُوَ الكُفْرُ بالطَّاغِوتِ لا تَحْكِيمُهْ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ . ثُمَّ تَأَمَّلْ قَوْلِهُ: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ كَيْفَ دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ ضَلالٌ وَهَؤلاِء القَانُونِيُّون يَرْوَنَه مِن الْهُدى كَمَا دَلّتِ الآيَةُ على أَنَّهُ مِنْ إِرَادَةِ الشَّيْطَانِ هِيَ عَكْسُ مَا يَتَصَوَّرَهُ القَانُونِيُّونَ فَتَكُونُ عَلَى زَعمِهم مُرَادَاتُ الشَّيْطَانِ هِيَ صَلاحُ الإِنْسَانَ وَمُرَادُ الرَّحْمَنِ وَمَا بَعَثَ بِهِ سَيِّدَ وَلَدِ عَدْنَانَ مَعْزولاً مِنْ هَذَا الوصفِ وَمُنَحَّىً عن هَذَا الشَّأن. وَقَدْ قَالَ تَعَالى مُنْكِرًا عَلَى هَذَا الضَّرْبَ مِنَ النَّاسِ وَمُقَرِّرًا ابْتِغَاءَهم أَحْكَامَ الْجَاهِليةِ وَمُوَضِّحًا أَنَّهُ لا حُكْمَ أَحْسَنُ مِنْ حُكمِهِ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الآيةُ الكريمة وَكَيفَ دَلَّتْ أَنْ قِسْمَةَ الْحُكْمِ ثُنَائِيَّةْ وَأَنَّهُ لَيْسَ

стр. 518

بَعْدَ حَكْمِ اللهِ تَعَالى إلا حُكْمَ الْجَاهِليةَ الْمُوضِّحُ أَنَّ القَانُونِيُّينَ في زُمْرَةِ أَهْلِ الْجَاهِلَيةَ شَاءوُا أَمْ أَبَوا بَلْ هُمْ أَسْوَأُ حَالاً مِنْهُمْ وَأَكْذَبُ مِنْهُم مَقَالاً ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِليةِ لا تَنَافُسَ لَدَيْهم حَولَ هَذَا الصَّدَدْ. وَأَمَّا القَانُونِيُّونَ فَمُتَنَاقِضُونَ حَيْثُ يَزْعُمُونَ الإِيمَانَ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسولُ ﷺ وَيُنَاقِضُونَ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً، وَقَدْ قَالَ اللهُ في أمْثَالِ هَؤُلاءِ: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ . ثُمَّ انْظُر كَيْفَ رَدَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكريمةُ على القَانُونِيَّينَ ما زَعَمُوُهُ مِنْ حُسْنِ زُبَالةِ أَذْهَانِهِمْ وَنُحَاتَةِ أَفْكَارِهِمْ بِقَوْلِهِ : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . قَال الحَافِظُ بن كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِين الآية: يُنْكِرُ تَعَالى عَلى مَنْ خَرَجَ مِنْ حُكْمِ اللهِ الْمُشْتَمِلُ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ النَّاهِي عَنْ كُلِّ شَرٍّ وَعَدلَ إلى مَا سِوَاهُ في الآرَاءِ وَالأَهْوَاءِ وَالاصْطِلاحَاتِ التِي وَضَعَها الرِّجَالُ بِلا مُسْتَنَدٍ مِنْ شَرِيعَةِ اللهِ كَمَا كَانَ أَهْلُ الجاهِليةَ يَحْكُمونَ بِهِ مِنَ الضَّلالاتِ وَالْجَهَالاتِ مِمَّا يَضَعُونَهُ بآرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ وَكَمَا يَحْكُمُ بِهِ التَّتَارُ مِنْ السِّيَاسَاتِ الْمَلَكِيّةِ التِي يُقَدّمُونَها عَلَى الْحُكْمِ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّة رَسُولِهِ ﷺ . فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ يَجِبُ قِتَالَهُ حَتَّى يَرْجَعُ إلى حُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ فَلا يُحَكِّمُ سِوَاهُ في قَلِيلٍ وَلا كَثيرٍ قَالَ تَعَالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ وَعَنْ حُكْمِ اللهِ يَعْدِلُونُ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ، أيْ: وَمَنَ أَعْدَلُ مِن اللهِ في حُكْمِهِ لِمَنْ عَقَلَ مِنْ اللهِ شَرْعَهُ وآمَنَ بِهِ وَأَيقَنَ وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ وَأَرْحَمُ مِنْ الوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا فَإِنَّهُ تَعَالى العَالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ العَادِلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ،

стр. 519

﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . فَانْظُرْ كَيْفَ سَجَّلَ تَعَالى عَلَى الحَاكِمِينَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهِ بالْكُفْرِ وَالظُّلْمِ وَالفِسْقِ وَمِنَ الْمُمْتَنَعِ أَنْ يُسَمِّي اللهُ سُبْحَانَهُ الحاكِمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ كَافِرًا وَلا يَكُونُ كَافِرًا بَلْ هُوَ كَافر مُطْلَقًا إِمَّا كُفْرُ عَمَلٍ وَإِمَّا كُفْرُ اعْتِقَاد. وَمَا جَاءَ عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ في تَفْسِير هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الحَاكِمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ كَافِرٌ إِمَّا كُفْرُ اعْتِقَادٍ نَاقِلٍ عَنْ الْمِلَّةِ وَإِمَّا كُفْرُ عَمَلٍ لا يَنْقُلِ عَنْ الْمِلَّةِ. قَالَ: وَهَذِهِ الْمَحَاكِمُ الآن في كَثِيرٍ من أَمْصَارِ الإسْلامِ مُهَيَّأةٌ مَفْتُوحَةُ الأبْوَابِ وَالنَّاسُ إليها أَسْرَابٍ إثْرَ أَسْرَابٍ يَحْكُم حُكَّامُهَا بَيْنَهُمْ فِيمَا يُخَالِف حُكْمَ الكِتَابِ وَالسُّنةِ مِنْ أَحْكَامِ ذَلِكَ القَانُونِ وَتُلْزِمُهُمْ بِهِ وَتَحْتمهُ عَلَيْهم فأيُّ كُفْرٍ فَوقَ هَذا الكُفْرِ وَأيُّ مُنَاقَضَةٍ لِلشَّهَادَةِ بَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسَولُ الله بعدَ هَذِهِ الْمُنَاقَضَةِ نَسْأَلُ الله العِصْمَةَ عَنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي وَأَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى قَوْلِهِ الثَّابِتُ في الحياة الدُّنْيَا وفي الآخِرَةِ. أهـ. وَمِمَّا قِيلَ فِي الحَثِّ عَلَى التَمَسُّكِ بِالقُرآنِ الكَرِيمِ مَا قَالَهُ الصَّنْعَاني: وَلَيْسَ اغْتِرَابُ الدِّينِ إلا كَمَا تَرَى ... فَهَلْ بَعْدَ هَذا الاغْتِرَابُ إِيَابُ وَلَمْ يَبْقَ لِلرَّاجِي سَلامَةَ دَينِهِ ... سِوَى عُزْلَةٍ فِيهَا الْجَلِيسُ كِتَابُ كِتَابٌ حَوَى كُلَّ العُلومِ وَكُلَّمَا ... حَوَاهُ مِنْ العلمِ الشَّريفِ صَوابُ فَإِنْ رُمْتَ تَارِيخًا رَأَيْتُ عَجَائِبًا ... تَرَى آدَماً إذْ كَانَ وَهُوَ تُرَابُ وَلاقِيتَ هَابِيلاً قَتِيلَ شَقِيقَهِ ... يُوَارِيهِ لَمَّا أَنْ رَآهُ غُرَابُ وَتَنْظُرُ نُوحًا وَهُوَ في الفُلْكِ قَدْ طَغَى ... عَلَى الأَرْضِ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ عُبَابُ وَإِنْ شِئْتَ كُلَّ الأَنْبِيَاءِ وَقَوْمَهُمْ ... وما قَالَ كُلُّ مِنْهُمُوا وَأَجَابُوا وَجَنَّاتِ عَدْنٍ حُورَهَا وَنَعِيمَا ... وَنَارًا بِهَا لِلْمُشْرِكِينِ عَذَابُ

стр. 520

فَتِلْكَ لأَرْبَابِ التُّقَاءِ وَهَذِهِ ... لِكُلِّ شَقِي قَدْ حَوَاه عِقَابُ وَإِنْ تُرِدِ الوَعْظَ الذِي إِنْ عَقَلْتَه ... فَإِنَّ دُموعَ العَينِ عَنْهُ جَوَابُ تَجِدْهُ وَمَا تَهْوَاهُ مِنْ كُلِّ مَشْرَبٍ ... وَلِلرُّوحَ مِنْهُ مَطْعَمٌ وَشَرَابُ وَإِنْ رُمْتَ إبْرَازَ الأَدِلَّةِ في الذِي ... تُرِيدُ فَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ تُجَابُ تَدُلُّ عَلَى التَّوْحِيدِ فِيهِ قَوَاطِعٌ ... بِهَا قُطِّعَتْ لِلْمُلْحِدِينَ رِقَابُ وَمَا مَطْلَبٌ إِلا وَفِيهِ دَلِيلُهُ ... وَلَيْسَ عَلَيْهِ لِلذَّكِي حِجَابُ وَفِيهِ الدَّوَاءُ مِنْ كُلَّ دَاءٍ فَثِقْ بِهِ ... فَوَالله ما عَنْهُ يَنُوبُ كِتَابُ يُرِيكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَغَيْرُه ... مَفَاوِزُ جَهْلٍ كُلَّهَا وَشِعَابُ يَزِيدُ عَلى مَرِّ الجَدِيدِينِ جِدَّةً ... فَأَلْفَاظُهُ مَهْمَا تَلَوتَ عَذَابُ وَآيَاتِهِ فِي كُلِّ حِينٍ طَرِيَّةٌ ... وَتَبْلَغُ أَقْصَى العُمْرِ وَهِيَ كِعَابُ وَفِيهِ هُدَىً لِلْعَالَمِينَ وَرَحْمَةٌ ... وَفِيهِ عُلُومٌ جَمَّةٌ وَثَوَابُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا لِكِتَابِكَ مِنْ التَّالِينِ وَلكَ بِهِ مِنْ العاملينَ وَبِمَا صَرَّفْتَ فِيهِ مِنْ الآيات مُنْتَفِعينِ وَإلى لَذِيذِ خِطَابِه مُسْتَمِعينَ وَلأوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ خَاضِعين وَالأَعْمَالِ مُخْلِصِين، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) فِي فَضَائِلِ ذِكْرِ اللهِ يُسْتَحَبُّ الإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالى فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَلاسَيَّمَا في رَمَضَانَ قَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ، وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ، وقال: ﴿وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ ، وقال: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾ الآية، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ . وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَلِمَتَانِ

стр. 521

خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. شِعْرًا: اذْكُرْ إِلَه العَالَمِينَ جَهْرًا ... فَإِنْ خَشِيتَ سُمْعَةً فَسِرَّا وَاخْتَرْ مِنْ الأَذْكَارِ مَا قَدْ أُثِرَا ... عن النَّبِيّ الْمُصْطَفَى وَاشْتَهَرَا وَادْعُ لَدَى الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ ... بِمَا دَعَى الْمُخْتَارُ مِنْ دُعَاءِ فَكُلُ مَأْثُورٍ مِنْ الأَذْكَارِ ... أَوْ مِنْ دُعَاءٍ صَحَّ في الأخبارِ فَاحْرِصْ عليه والْزَمْ الْمُتَابَعَةْ ... فَإِنَّها مِنْ الْمَزَايَا النَّافعَةْ وَسِرْ عَلَى نَهْجِ النَّبِيّ وَسَيْرِهِ ... وَلا تُتَابِعْ مِنْ رَضِي بِغَيْرِهِ وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : «لأَنْ أَقُولُ سُبْحَانَ اللهِ وَالحمدُ للهِ، وَلا إله إلا الله، واللهُ أَكْبَرْ، أَحَبَّ إلي مِمَّا طَلَعْت عليهِ الشَّمْسَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وعنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ. فِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلةٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِي وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بَأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ» . وقال: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» . مُتَّفُقٌ عَلَيْهِ. شِعْرًا: ما أَنعَمَ العيشَةَ لَو أَنَّ الفَتى ... يُلْهَمُ تَسْبِيحًا لِخَلاقِ الوَرَى وَقَدْ تَحَلّى بِالسَّخَاءِ والتُّقَى ... لَيَقْتَدِي مَنْ قَصْدُهُ سُبلُ الْهُدَى وَعَنْ أَبِي أَيْوُبِ الأنْصَارِي ﵁ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مِرَاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» . مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ.

стр. 522

وَعَنْ أَبِى ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلاَ أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ» ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ الْكَلاَمِ إِلَى اللهِ. فَقَالَ: «إِنَّ أَحَبَّ الْكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَبَّحَ اللهَ مِائَةً بِالْغَدَاةِ وَمِائَةً بِالْعَشِيِّ كَانَ كَمَنْ حَجَّ مِائَةَ حَجَّةٍ، وَمَنْ حَمِدَ اللَّهَ مِائَةً بِالْغَدَاةِ وَمِائَةً بِالْعَشِيِّ كَانَ كَمَنْ حَمَلَ عَلَى مِائَةِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . أَوْ قَالَ: «غَزَا مِائَةَ غَزْوَةٍ، وَمَنْ هَلَّلَ اللهَ مِائَةً بِالْغَدَاةِ وَمِائَةً بِالْعَشِيِّ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ مِائَةَ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَمَنْ كَبَّرَ اللهَ مِائَةً بِالْغَدَاةِ وَمِائَةً بِالْعَشِيِّ لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَحَدٌ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَتَى بِهِ إِلاَّ مَنْ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَى مَا قَالَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذي، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَلِيٌ أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَ رَقِيقٌ فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَذَهَبْنَا نَقُومُ فَقَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمَا» . فَجَاءَ وَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي فَقَالَ: «أَلاَ أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا، إِذَا أَخَذْتُمَا مَضْجِعَكُمَا فَسَبِّحَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ» . وَجَاءَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَقَرَأَ ثَلاَثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِي وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِى كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ» . حَسَّنَهُ التِّرِمذي وغرَّبه. شِعْرًا: الذّكْرُ بالْمَأثِور نِعْمَ القُرْبَةَ ... وَرُتْبَةُ الذَّاكِرِ أَعْلَى رُتْبَةْ لأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الرَّغَائِبِ ... كَمَا عَلِمْتَ بَعْدَ فِعْلِ الوَاجِبِ

стр. 523

وَأَفْضَلُ الذِّكْر كَلامُ الله ... كَمَا أَتَانَا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَبَعْدُ هَذَا الذِّكِرِ بالْمَأثُورِ ... عَنِ النَّبِيّ الْمُصْطَفَى البَشِيرِ كَالْحَمْدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ ... كَمَا أَتَى فِي الْخَبَر الْمَشْهُورِ أَمَا لَدَى الإِطْلاقِ فَالتَّهْلِيلِ ... أَفْضَلُ مَا قَدْ قُلْتَ أَوْ تَقُولُ كَذَاكَ الاسْتِغْفَار ثُمَّ الْحَوْقَلَة ... كَمَا رَوَتْهُ السُّنَّةُ الْمُفَضَّلَةْ فاذْكُرْ إِلهَ العَالَمِينَ دَائِمًا ... وَدُمْ عَلَى أَذْكَارِهِ مُلازِمًا وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. (فَصْلٌ) وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: (جُمْدَانُ) فَقَالَ: «سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ» . قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ: «يَقُولُ اللهُ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. عَلَيكَ بِذِكرِ اللَهِ في كُلِّ سَاعَةٍ ... تجد نَفْعَهُ يوم الجزاءِ مَوَفَّرَا وَعَنْ أَبِى مُوسَى الأشعري ﵁ قَالَ: رسول الله ﷺ : «يَا عَبْدَ اللهِ ابْنَ قَيْسٍ أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 524

شِعْرًا: لَو قيلَ لي ما تَمَنّى قُلتُ مُبْتَدِرًا ... دَوَامَ ذِكْرً لِخلاقَ السَّمَاوَاتِ وَأَن أُلازِم في الدُنيا لِطَاعَتِهِ ... وَأنْ أَوَفّقْ لإِتْقَانِ الْعِبَادَاتِ آخر: وَعُدَّ مِن الرحمن فَضْلاً وَنِعْمَةً ... عَلَيْكَ إِذَا مَا جُزْتَ عُمْرَ مُحَمَّدِ وَأَكْثِرْ مِنْ التَّهْلِيلِ في كُلّ سَاعَةٍ ... فَإِنَّك لا تَدْرِي مَتَى العُمْرُ يَنْفَدُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إِنَّ الله تعالى يَقُولُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا ذَكَرَنِي، وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» . رَوَاهُ البُخَارِي. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ ﵁ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ. قَالَ: «لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَحَسَّنَهُ، وابن ماجة، وصححه ابن حبان، والحاكم. وَرَوَى عُمَرُ بن الخطابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ذَاكِرُ الله في رَمَضَانَ مَغْفُورٌ لَهُ، وسائلُ الله فِيهِ لا يَخِيبُ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِي في (الأَوْسَطِ) ، والبيهقي، والأصبهاني. وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «البَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ: لا إِلهَ إلا اللهُ، وسبحانُ اللهِ، واللهُ أكْبَرُ، والْحَمْدُ للهِ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ» . أخرجه النسائي، وصححه ابن حبان، والحاكم. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلا أَخبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكَمْ مِنْ إنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرَقِ، وَخَيْرٌ لَكم مِنْ أَنْ تلْقُوا عَدُوَّكُم فَتَضْرُبُوا أَعْنَاقَكُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُْم» ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «ذِكُرُ اللهِ» . وعَنْ عَبْدِ الله بن بُسْرٍ قال: جَاءَ أَعْرَابِي إلى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: أَيُّ الناس خَيْرٌ؟ فَقَالَ: «طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» . قَالَ: يَا رَسُولَ الله أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْ تُفَارِقَ الدُّنْيَا وَلِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْر الله» .

стр. 525

شِعْرًا: إِذَا أَلْهِمَ الإنْسَان ذِكرا لِرَّبِهِ ... وَكَانَ بَأَرْكَانَ العِبَادَاتِ آتِيَا فَذَاكَ الفَتَى لا مَنْ يَكُونَ مُضَيِّعًا ... لأَمْرِ الذي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ عَالِيَا آخر: فَوَائِدُ في ذِكْرِ الإِلَهِ كَثِيرَةٌ ... وَإِنْ كَانَ مَنْ يَعْبَأ بِهِنَّ قَلِيلُ فَكُنْ يَا أَخَا اللبُّ الكَرِيمِ مُحَافِظًا ... عَلَيْهَا تَفُزْ بَالأجْرِ وَهُوَ جَزِيلُ آخر: ... لا يَبْلَغُ الْمَجْدَ أَقْوَامٌ وَإِنْ كَرَمُوا ... حَتَّى يُطِعُوا لِخَلاقِ السَّمَاوَاتِ وَيَسْتَقِيمُوَا عَلَى مَا يَرْتَضِيهِ لَهُمْ ... وَيُكْثِرُوا ذِكْرَهُ في كُلِّ أَوْقَاتِ وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. (فَصْلٌ) : قال ابنُ القَيم ﵀: قراءة القُرْآنِ أفضلُ مِن الذِّكْرُ وَالذِّكْرُ أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ، هَذَا مِنْ حَيْثُ النَّظَرِ لِكُلِّ مِنْهُمَا مُجَرَّدًا وَقَدْ يَعْرُضُ لِلْمَفْضُولِ مَا يَجْعَلَهُ أَوْلَى بَلْ يُعَيَّنُهُ فَلا يَجُوزُ أَنْ يَعْدَلَ عَنْه إلى الفَاضِلِ وهذَا كَالتَّسْبِيحِ في الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنَّهُ أَفْضَل مِنْ قِرَاءَةِ القرْآنِ فِيهِمَا بَلْ مَنْهِيٌّ عَنْهَا نَهَي تَحْرِيمٍ أَوْ كَرَاهَةٍ. لما ورد عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِى بَكْرٍ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ، أَلاَ وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» . رواه أحمد، ومسلم، والنسائي، وأبو داوُد. وكذا التسبيحُ والتحميدُ في مَحَلِهِمَا أَفْضَلُ من القِرَاءَةِ وَكَذَا التَّشهدُ وَكذلكَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي واهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ أَفْضَلُ من القراءَةِ وكذلك الذكُر عقِبَ السَّلام من الصلاةِ ذِكْرُ التَّهْلِيلِ والتسبيحِ والتكبيرِ والتحميدِ أَفْضَلُ من الاشتغالِ عنه بالقِرَاءَةِ.

стр. 526

وَكَذَلِكَ إِجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ وَالقَولُ كَمَا يَقُولُ أَفْضَلُ مِنْ القِرَاءَةِ وَإِنْ كَانَ فَضْلُ القُرْآنِ عَلى كُلِ كَلامٍ كَفَضْلِ اللهِ تَعَالى عَلَى خَلْقِهِ لَكِن لِكُلِ مَقَامٍ مَقَالٍ مَتَى فَاتَ مَقَالَهُ فِيهِ وَعَدَلَ عَنْه إلى غيرِهِ اخْتَلَّتْ الْحَكِمةُ وَفُقِدَتِ الْمَصْلَحَةُ مِنْهُ. عَلَيْكَ بِذِكْرِ الله دَوْمًا فَإِنَّهُ ... بِهِ يَطْمَئِنُّ القَلْبُ فألْزَمْهُ تَسْعَدِ آخر: جَمْعُ الكُتْبِ يُدْرِك مَنْ قَرَاهَا ... مَلالٌ أَوْ فُتُورٌ أَوْ سَآمَةْ سِوَى القُرْآنِ فَافْهَمْ وَاسْتَمِعْ لِي ... وَقَولِ الْمُصْطَفَى يَا ذَا الشَّهَامَةْ وَهَكَذَا الأَذْكَارُ الْمُقَيَّدَةُ بِمَحَالٍ مَخْصُوصَةٍ أَفْضَلُ مِنْ القِرَاءَةِ الْمُطْلَقَةُ، وَالقِرَاءَةُ الْمُطْلَقَةُ أَفْضَلُ مِن الأَذْكَارِ الْمُقَيَّدَةِ بِمَحَالٍ مَخْصُوصَةٍ وَالقِرَاءَةُ الْمُطْلَقَةُ أَفْضَلُ مِن الأَذْكَارِ الْمُطْلَقَةِ، اللَّهُمَّ إِلا أَنْ يَعْرُضَ لِلْعَبْدِ مَا يَجْعَلَ الذِّكْرَ أَوْ الدُّعَاءِ أَنْفَعَ لَهُ مِنْ القُرْآنِ مِثَالُهُ أَنْ يَتَفَكَّرَ في ذُنُوبِهِ فَيُحْدِثُ لَهُ تَوْبَةً مِنْ اسْتِغْفَارٍ أَوْ يَعْرُضُ لَهُ مَا يَخَافُ أذَاهُ مِنْ شَيَاطِين الإنْسِ وَالْجِنِ فَيَعْدِلَ إِلى الأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ التِي تُحَصِّنُهُ وَتَحُوطُه. وَكَذَلِكَ أَيْضًا قَدْ يَعْرِضُ لِلْعَبْدِ حَاجَةٌ ضَرُورِيَّةٌ إِذَا اشْتَغَلَ عَنْ سُؤَالِهَا بِقَرَاءً وَذَكْرٍ لَمْ يَحْضُرْ قَلْبُهُ فِيهَا وَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى سُؤَالِهَا وَالدُّعَاءِ إِلَيْهَا اجْتَمَعَ قَلْبُهُ كُلُهُ عَلَى اللهِ تَعَالى وَأَحْدَثَ لَهُ تَضَرُّعًا وَخُشُوعًا وَابْتِهَالاً فَهَذَا قَدْ يَكُونُ اشْتِغَالُهُ بالدُّعَاءِ وَالْحَالَةِ هَذِهِ أَنْفَعُ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ القِرَاءَةِ وَالذِّكِرْ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ أَجْرًا. شِعْرًا: وَمَن يُنْفِقُ السَّاعَاتِ في ذِكْرِ رَبِّهِ ... يَعِيشُ حَمِيدًا وَهُوَ في الْحَشْرِ مُكْرَمُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إن للهِ مَلائكةٌ يَطُوفُونَ في الطُّرُق يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللهِ تَنَادُوا: هَلِمُّوا إلى حَاجَتِكُمْ. قَالَ: فَيَحُفُونَهُم بأجنِحَتِهِم إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْأَلُهُم رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلمُ بِهِم مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالَ: يَقُولونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ

стр. 527

ويُمَجِّدُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْن؟ قَالَ: فَيَقُولُون: لا واللهِ ما رَأَوْكَ قَالَ: فَيَقُولُ: كَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي. قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا. قَالَ: فَيَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونَ؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ. قَالَ: فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لا وَاللهِ يَا رَبُّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا. قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا لَكَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً. قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِن النارِ. قَالَ: فَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لا واللهِ يَا رَبُّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يَقُول: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوَا أَشَدَّ فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً. قَالَ: فَيَقُولُ: فأُشْهِدُكُمْ أَنِّي غَفَرْتُ لَهُمْ. قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلائِكَةِ: فِيهِمْ فُلانٌ لَيْسَ مِنْهم إِنَّما جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لا يَشْقَى جَلِيسُهُمْ» . وَلِذَلِكَ حَثَّ ﷺ على الْجُلُوسِ في مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَشَبَّهَهُ بِرَوْضَةِ الْجَنَّةِ. وَرَوَى التِّرمذُي عَنْ أَنَسِ ﵁ قال: قال رَسُولَ اللهِ ﷺ : «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا» . قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «حِلَقُ الذِّكْرِ» . وروى أبو داود عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لاَ يَذْكُرُونَ اللهَ فِيهِ إِلاَّ قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً» . وروى مسلم عَنْ حَنْظَلَةَ بن الربيع الأَسَدِي قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ، قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا. قَالَ: أَبُو بَكْرٍ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ ذَلك. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى

стр. 528

رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ وَتُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِى الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِى طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً» . ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. قَالَ أَحَدُ العُلَمَاءِ: إِذَا حَصَلَ الأُنْسِ بِذِكْرِ اللهِ انْقَطَعَ عَنْ ذِكْرِ مَا سِوَى اللهِ ومَا سِوَى الله هُوَ الذِي يُفَارِقُ عِنْدَ الْمَوْتَ فَلا يَبْقَى مَعَهُ في القَبْرِ أَهْلٌ، وَلا مَالٌ، وَلا وَلَدٌ، ولا وِلايَةٌ، وَلا يَبْقَى إِلا عَمَلُهُ الصَّالِحُ ذِكْرُ الله وَمَا وَلاهُ. فَإِنْ كَانَ قَدْ أَنِسَ تَمَتَّعَ بِهِ وَتَلَذَّذَ بِانْقِطَاعِ العَوَائِقِ الصَّارَفَةِ عَنْهُ إِذْ ضَرُورَاتُ الحَاجَاتِ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنْ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ولا يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ عَائِقٌ فَكَأَنَّهُ جُلِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحْبُوبِهِ فَعَظُمَتْ غِبْطَتُهُ وَتَخَلَّصَ مِنْ السِّجْنِ الذي كان مَمْنُوعًا بِهِ عَمَّا أُنْسُهُ. وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعَتِي أَحْبِبْ مَا أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ» . أَرَادَ بِهِ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَفْنِى بالموتِ في حَقِّهِ فَكُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ. أهـ. اللَّهُمَّ ألْهِمْنَا مَا أَلْهَمْتَ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، وَأَيْقِظْنَا مِنْ رُقْدَةِ الغَافِلِينَ إِنَّكَ أَكْرَمُ مُنْعِمٍ وَأَعَزُّ مُعِين، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ الإِيمَانَ هَادِمًا لِلسيئات كَمَا جَعَلْتَ الكُفْرَ عَادِمًا للحَسَنَاتِ وَوَفِّقْنَا للأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ تَوَكَّلَ عَلْيَكَ فَكَفيتَهُ، واسْتَهْدَاكَ فَهَدَيْتَهُ وَدَعَاكَ فَأحَبْتَهُ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

стр. 529

(نصيحة) اسْمَعْ يَا مُضَيَّعَ الزَّمَانَ فِيمَا يَنْقُصُ الإِيمَان مُعْرضًا عن الأرباح وَمُتَعَرِضٌ للخُسْران لقد سُرَّ بِفِعْلِكَ الشامِتْ. يَا مَنْ يَفْرحُ بالعِيدِ لِتَحْسِين لِبَاسِهِ، وَيُوقِنُ بالموتِ وما اسْتَعَدَّ لِبَأسهِ ويَغْتَر بإخوانهِ وَأَقْرانِه وَجُلاسِه، وكأنه قد أمِنَ سُرْعَةَ اخْتِلاسِهْ. يَا غَافِلاً قَدْ طُلِبْ، وَيَا مُخَاصِمًا قَد غُلِبْ، ويا واثقًا قد سُلِبْ، إيَّاكَ والدُّنْيَا فما الدُّنْيَا بدَائِمة، لَقَدْ أبانَتْ لِلنَّوَاظِرِ عُيُوبَها وَكَشَفَتْ لِلْبصَائِرِ غُيُوبَها وَعَدَّدَتْ عَلَى المَسَامِهِ ذُنُوبَها، وَمَا مَرَّتْ حتى أَمَرَّتْ مَشْرُوبَهَا. فلذاتُها مِثْلُ لمعَانِ البَرْق وَمُصِيبَتُهَا وَاسِعَةُ الْخَرْق، سَوَّتْ عَوَاقِبُهَا بَيْنَ سُلطانِ الغرب والشرق فما نجا منها ذو عَدَدْ ولا سلم فيها صاحبُ عُدَدْ مَزَّقَت الكُلَّ بكَفِّ البُدَدْ ثم وَلَّتْ فما أَلْوَتْ على أَحَدْ. قال ﷺ : «سبعة يُظِِلِّهُمْ الله في ظِلِّه» منهم: «رجل دَعَتْه امرأةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ وجمال فقال: إنِّي أخافُ الله» . اسْمَعْ يَا مَنْ أَجَابَ عَجُوزًا هَتْمَا عَمْيَا صَمًّا جَرْبَا سَودَاءَ شَوهَاء مُقْعَدة على مَزْبَلَةَ ولكن غَلَبَتْ عَليكَ مَحَبَّتُهَا عُرضَتْ على النبي ﷺ بطحاء مكة ذَهَبَا فَأبَى أَنْ يَقْبَلهَا. مَا هذه الدنيا بدَارِ مَسَرَةٍ ... فَتَخَوَّفِي مَكْرًا لَهَا وَخِدَاعَا بَيْنَا الفَتَى فيهَا يُسَرُّ بِنَفْسِهِ ... وَبِمَالِهِ يَسْتَمْتِعُ اسْتِمْتَاعَا حَتَّى سَقَتْهُ مِنْ الْمَنِيَّةِ شَرْبةً ... وَحَمَتْهُ فيه بعدَ ذَاكَ رَضَاعَا فَغَدًا بِمَا كَسَبَتْ يَداهُ رَهِينَةً ... لا يَسْتَطِيعُ لِمَا عَرَتْهُ دِفَاعَا لَوْ كَانَ يَنْطِقُ قال مِنْ تَحْتَ الثرى ... فلْيُحْسِنِ العمَلَ الفَتَى مَا اسْتَطَاعَا اللَّهُمَّ اجْعَلِ الإِيمَانَ هادِمًا لِلسيئات، كَمَا جَعَلْتَ الكُفْرَ هَادِمًا

стр. 530

لِلْحَسَنَاتِ وَوَفِّقْنَا للأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ تَوَكَّلَ عَلَيْكَ فَكَفيْتَهُ واسْتَهْدَاكَ فَهَدَيْتَهُ وَدَعَاكَ فَأجَبْتَهُ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فصل في فوائِدِ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى) قال ابنُ القيم ﵀: وفي ذِكرِ اللهِ أَكْثَرُ مِنْ مائةِ فَائِدَةٍ يرْضِي الرَّحْمَنَ وَيَطْرُد الشَّيْطَانَ وَيُزِيلُ الْهَمَّ وَيَجْلِبُ الرزقَ وَيَكْسِبُ الْمَهَابَةَ وَالْحَلاوَةَ وَيُورِثُ مَحَبَّةَ اللهِ التي هِيَ رُوحُ الإسْلامِ. وَيُورِثُ الْمَعْرِفَةَ وَالإِنَابَةَ وَالقُرْبَ وَحَيَاةَ القَلْبِ وَذِكْرُ اللهِ لِلْعَبْدِ هُوَ قُوتُ القَلْبِ وَرُوحُهُ وَيَجْلِي صَدَاهُ وَيَحُطُ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ وَيُحْدِثُ الأُنْسَ وَيُزِيلُ الوَحْشَةَ. وَيُذَكِّرُ بِصَاحِبِهِ وَيُنْجِي مِنْ عَذَابِ اللهِ وَيُوجِبُ تَنَزُّلَ السَّكِينَةَ وَغَشَيَانَ الرَّحْمَةِ وَحُفُوفَ الْمَلائِكَةِ بالذاكِرِ وَيَشْغَلُ عن الكَلامِ الضَّارِ وَيُسْعِدُ الذاكِرَ وَيُسْعِدُ بِهِ جَلِيسَهُ مِنَ الْحَسْرَةِ يَوْمِ القِيَامَةِ وَهو مَعَ البُكَاءِ سَبَبُ لإِظلالِ اللهِ العبدَ يَوْمَ الْحَشْرِ الأَكْبَرِ في ظِلِ عَرْشِهِ. وَأَنَّهُ سَبَبٌ لِعَطَاءِ الله لِلذَّاكِرِ أَفْضَلُ مَا يُعْطِي السَّائِلِينَ، وَأَنَّهُ أَيْسَرُ العِبَادَاتِ وَهُوَ مِنْ أَجَلِّهَا وَأَفْضَلِهَا؛ وَأَنَّهُ غِرَاسُ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ العَطَاءَ وَالفضل الذِي رُبِّبَ عليه لم يُرَتَّبْ على غَيْرِهِ، وَأَن دَوَامَ الذِكْرِ لِلرَّبِّ ﵎ يُوجِبُ الأَمَانَ مِنْ نِسْيَانِهِ الذِي هو سَبَبُ شَقَاءِ العَبْدِ في مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ. شِعْرًا: لا شَيْء مِثْلَ كَلامِ اللهِ تَحْفَظُهُ ... حِفْظًا رَصِينًا وَتَعْمَلْ فِيهِ مُجْتَهِدًا شِعْرًا: لَوْ يَعْلَم العَبْدُ مَا فِي الذِّكْرِ مِنْ شَرَفٍ ... أَمْضَى الْحَيَاةَ بِتَسْبِيحٍ وَتَهْلِيلِ آخر: ... ما أَنعَمَ الْعِيشَةَ لَو أَنَّ الفَتَى ... يُلْهَمْ تَسْبِيحًا لِخَلاقِ الوَرَى
следующие страницы →