رياء ولا سمعة, ويجتنب في رياسته منافسة الخلق, ومفاخرة أبناء الجنس١, وعليه أن يتجرد من حظوظ النفس الأمارة بالسوء من طلب الشهرة وطلب المنزلة في قلوب العامة أو الطمع في تحصيل وظيفة دنيوية, أو شيء من حطام الدنيا الفانيسة أو أن يظهر فضله في دينه أو علمه أو عمله أو عقله على من يأمره وينهاه, ونحو ذلك مما يزينه الشيطان ويكيد به الإنسان ليبطل عمله ويفسد سعيه٢ لينشر الله تعالى عليه رداء القبول علم التوفيق, ويقذف له في القلوب مهابة وجلالا ومبادرة إلى قبول قوله بالسمع والطاعة٣.
وقد نبه الإمام محمد بن عبد الوهاب على أهمية الإخلاص فقال ﵀ في المسألة الثانية من مسائل باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله:
"التنبيه على الإخلاص: لأن كثيرا لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه"٤.
وأبرز ما يدل على يده٥ فإن الآمر بالمعروف إذا لم يفطن لهذا الجانب فإنه على خطر عظيم لأن الشيطان حريص على أن يفسد عليه عمله٦.
стр. 142
ولخطورة القضية نجد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ يحتسب على من يقدح في نية من ظهرت منه غيرة على دين الله فقام بالإنكار على المنافقين ضمن رسالته التي أرسلها إلى عبد الله بن سويلم١ الذي غضب على ابن عمه أحمد حين اشتد على المنافقين وإليك بعضا منها:
" بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن سويلم سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فقد ذكر لي ابن زيدان٢ أنك يا عبد الله زعل٣ على أحمد بعض الزعل لما تكلم في بعض المنافقين, ولا يخفاك أن بعض الأمور كما قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ ٤ وذلك أنى لا أعرف شيئا يتقرب به إلى الله أفضل من لزوم طريقة رسول الله ﷺ في حال الغربة, فإن انضاف إلى ذلك الجهاد عليها للكفار والمنافقين كان ذلك تمام الإيمان, فإن أراد أحد من المؤمنين أن يجاهد فأتاه بعض إخوانه فذكر له أن أمرك للدنيا٥ أخاف أن يكون هذا من جنس الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات٦ فأنتم تأملوا تفسير الآية ثم نزلوه على هذه الواقعة"٧.
كما بين ﵀ الأسلوب الأمثل في الاحتساب على من يخشى عليه
стр. 143
الإخلال بالإخلاص ضمن الرسالة نفسها فقال:
"فإذا خاف أحد منكم من بعض إخوانه قصدا سيئا فلينصحه برفق وإخلاص لدين الله وترك والقصد الفاسد ولا يفل عزمه عن الجهاد ولا يتكلم فيه بالظن السيء وينسبه إلى ما لا يليق"١.
وهذا الاحتساب منه ﵀ له ثمرته اليانعة في الدعوة, لأن اتهام الإنسان المقبل بحماس على الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نيته قد يصيب همته بشيء من التراخي والفتور, وربما أدى به الحال إلى الإحباط وهذا جل ما يتمناه الشيطان أعاذنا الله منه.
كما أن النوايا أسرار خفية لا يعلمها إلا الله , والشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بكلامه السابق يضع ضابطا جوهريا في قضية الحكم على الآخرين, وهو عدم الحكم على نوايا والسرائر بأي حال من الأحوال لأن علمها عند الله .
стр. 144
المطلب الثاني: العلم والعمل:
العلم بعد الإخلاص أهم ما ينبغي على المحتسب أن يتزود به, فهو المصباح الذي يضيء الطريق لحامله فيبصر من خلال ضوئه طريق الخير وطريق الشر.
قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
قال الحافظ ابن كثير ﵀: "أي: وليعلم الذين أوتوا العلم النافع الذي يفرقون به بين الحق والباطل, والمؤمنون بالله ورسوله أن ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك"٢اهـ.
وليس العلم غاية في حد ذاته إنما هو وسيلة مثلى للغاية الحقيقية من خلق الإنسان وهي عبادة الله , فالعلم يورث الإيمان والإخبات والخضوع كما في الآية السابقة ويروث الخشية في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٣ لذلك وجب طلب ذلك العلم.
قال ﷺ : "طلب العلم فريضة على كل مسلم" ٤.
стр. 145
وبعد أن أدركنا أهمية طلب العلم الشرعي بوجه عام ننتقل إلى خصوصة ذلك بالنسبة للمحتسب, وهو ما أكد عليه الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في بعض رسائله حيث قال في رسالته التي كتبها إلى أحمد بن محمد بن سويلم١ وثنيان بن سعود٢.
" الإنسان لا يجوز له الإنكار إلا بعد المعرفة, فأول درجات الإنكار معرفتك أن هذا مخالف لأمر الله"٣.
ويتأكد وجوب الطلب لمن يتربص به الخصوم قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀:
"وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ٤ فإذا عرفت ذلك وعرفت أن الطريق إلى الله لابد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية﴾ ٥ فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير ذلك لك سلاحا تقاتل به هؤلاء الشياطين"٦.
стр. 146
لما كان احتساب الجاهل يفسد أكثر مما يصلح فقد حذر الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب من الاحتساب بغير علم في رسالته التي أرسلها إلى مطاوعة١ أهل الدرعية عند ما كان في بلد العيينة فقال:
" ومتى لم تتبين لكم المسألة لم يحل لكم الإنكار على من أفتى أو عمل حتى يتبين لكم خطؤه, بل الواجب السكوت والتوقف, فإذا تحققتم الخطأ بينتموه"٢.
وقال ﵀ في رسالته إلى إخوانه من أهل سدير بسبب أمر جرى بين أهل الحوطة من بلدان سدير٣, والتي قرر فيها قاعدة أساسية في الاحتساب:
" وأهل العلم يقولون الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحتاج إلى ثلاث: أن يعرف ما يأمر به, وينهى عنه, ويكون رفيقاً فيما يأمر به وينهى عنه, صابرا على ما جاء من الأذى, وأنتم محتاجون للحرص على فهم هذا والعمل به فإنَّ الخلل إنَّما يدخل على صاحب الدِّين من قلة العمل بهذا أو قلة فهمه"٤.
وقال ﵀:
"وفي الحديث: من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فينبغي أن يكون عليماً فيما يأمر به, عليما فيما ينهى عنه رفيقاً فيما يأمر به, رفيقاً فيما ينهى عنه, حليماً يما يأمر به حليماً فيما ينهى عنه"٥.
وهذه القاعدة بعينها قد أصلها بعض علماء السلف ﵏.
стр. 147
عن أبي الربيع قال: " دخلت على سفيان- أي الثوري- بالبصرة فقلت: يا أبا عبد الله إني أكون مع هؤلاء المحتسبة, فندخل على الحنينين١, ونتسلق عليهم الحيطان, قال: أليس لهم أبواب؟ قلت: بلى, ولكن ندخل عليهم كيلا يفروا, فأنكر ذلك إنكارا شديدا, وعاب فعلنا فقال رجل: من أدخل هذا؟ قلت: إنما دخلت إلى الطبيب أخبره بدائي, فانتفض سفيان قال: إنما هلكنا إذ نحن سقمى فسمونا أطباء, ثم قال: لا يأمر بالمعروف, ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما أمر, رفيق بما ينهى, عدل بما يأمر, عدل بما ينهى, عالم بما يأمر, عالم بما ينهى"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
"فلابد من هذه الثلاثة العلم والرفق والصبر, والعلم قبل الأمر والنهي, والرفق معه, والصبر بعده, وإن كان كل من الثلاثة مستصحبا في هذه الأحوال, وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعا ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد٣: " لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من
стр. 148
كان فقهيا فيما يأمر به, فقيها فيما ينهى عنه, رفيقا فيما يأمر به, رفيقا فيما ينهى عنه, حليما فيما يأمربه حليما فيما ينهى عنه"١ اهـ.
ورفعه ﵀ في موضع آخر قائلا: " كما جاء في الحديث: " ينبغي لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر أن يكون فقيها فيما يأمر به, فقيها فيما ينهى عنه, رفيقا فيما يأمر به, رفيقا فيما ينهى عنه حليما فيما يأمر به حليما فيما ينهى عنه"٢ فالفقه قبل الأمر ليعرف المعروف وينكر المنكر, والرفق عند الأمر ليسلك أقرب الطرق إلى تحصيل المقصود, والحلم بعد الأمر ليصبر على أذى المأمور المنهي, فإنه كثيرا ما يحصل له الأذى بذلك"٣.
يتضح لنا مما سبق شدة تأثر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بمن سبقه من العلماء خاصة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀, حيث إن ما قرره من قواعد نظرية في صفات المحتسب ما هي إلا امتداد لما قعده أهل العلم من قبله.
واشتراط العلم في المحتسب أمر في غاية الأهمية, لأنه إن كان جاهلا بالأمر المحتسب فيه فقد يأمر بما ليس بمعروف, وينهى عما ليس بمنكر٤ فيفسد من
стр. 149
حيث أراد الإصلاح وفي ذلك يقول ابن حزم: " لا يجوز أن يدعو إلى الخير إلا من علمه ولا يمكن أن يأمر بالمعروف إلا من عرفه, ولا يقدر على إنكار المنكر إلا من ميزه"١ ا. هـ.
والعلم بحسب أهميته على درجات:
أولا: أهم ما على المحتسب تعلمه التوحيد الذي بتعلمه والعمل به وتعليمه تتحقق الغاية من خلق الإنسان المتضمن لها لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢, فهو أول ما دعت إليه الرسل قاطبة وأمرت به أقوامها قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣.
وهو أهم ما بدأ به مجدد التوحيد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب حيث ذكر ﵀ أنَّ معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤: "شدة الحاجة إلى تعلم التوحيد, فإذا كان الأنبياء يحتاجون إلى ذلك ويحرصون عليه فكيف بغيرهم؟ ففيها رد على الجهال الذين يعتقدون أنهم عرفوه فلا يحتاجون إلى تعلمه"٥.
ولقد أكد على ذلك في بعض رسائله كرسالته التي أرسلها إلى من تصل إليه من أهل العلم الصابرين حيث قال ﵀:
стр. 150
" ... فلا تغفلوا عن طلب التوحيد وتعلمه واستعمال كتاب الله وإجالة الفكر فيه"١.
وقال ﵀ محتسبا على عبد الرحمن بن ربيعة مطوع أهل ثادق٢:
"فإن استقمت على التوحيد وتبينت فيه ودعوت الناس إليه وجاهرت بعداوة هؤلاء خصوصا ابن يحيى لأنه من أنجسهم وأعظمهم كفرا وصبرت على الأذى في ذلك فأنت أخونا وحبيبنا وذلك محل المذاكرة في المسائل التي ذكرت, فإن بان الصواب معك وجب علينا الرجوع إليك, وإن لم تستقم على التوحيد علماً وعملا ومجاهدة فليس هذا محل المراجعة في المسائل, والله أعلم"٣.
كما قال ﵀ أيضا في رسالة جوابية لرجل لم يذكر اسمه في المصادر:
"وإن كانت نفسك عليك عزيزة ولا ترضى لها بالهلاك فالتفت لما تضمنت أركان الإسلام من العلم والعمل خصوصا الشهادتين من النفي والإثبات, وذلك ثابت من كلام الله ورسوله"٤.
وجاء في احتسابه ﵀ على مطاوعة أهل الدرعية ما نصه:
"وإن لم تعلموا وكانت المسألة من الواجبات مثل التوحيد فالواجب عليكم
стр. 151
أن تطلبوا وتحرصوا حتى تفهموا حكم الله ورسوله في تلك المسألة"١.
ثانيا: كذلك يجب على المحتسب أن يهتم بطلب العلم الشرعي في الفروع من العبادات والمعاملات.
"فإن الفقه في الدين من الأمور الضرورية للمحتسب في عمله"٢.
وذلك ليستطيع أن يميز بين المعروف والمنكر, حتى يأمر بالأول وينهى عن الثاني٣.
فلا يتأتى عليه الاحتساب حتى يكون لديه " علم بالمنكرات الظاهرة" ٤ وبأدلتها الشرعية, فلا يحكم على أمر بأنه منكر إلا إذا قام عليه دليل من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ , أو إجماع المسلمين٥ فكما أن من يعالج المريض يحتاج إلى فهم بالمرض والدواء أن يكون طبيبا جيدا٦ فكذلك المحتسب يحتاج إلى علم وفهم بأمراض المجتمع وانحرافاته فلا بد من العلم بالأمور الآتية:
١-أصل الداء والمرض, ٢-طبيعته وأعراضه, ٣-الدواء الناجح لعلاجه, وبذلك يستطيع أن يحدد الداء والدواء ليصل إلى الغاية المرجوة
стр. 152
لأقصر طريق١, بإذن الله.
ثالثا: من لوازم الاحتساب أيضا أن يتعلم المحتسب كيفية الاحتساب, وهذا ما أشار إليه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في حديثه عن الرفق في الأمر الآنف الذكر٢, كما يتعلم مواقع الحسبة وحدودها ومجالاتها وموانعها ليقتصر على حد الشرع فيها٣, فإن إلمامه بالمحيط والظروف والأوضاع الفكرية والاجتماعية التي تحيط بمجال عمله, يمكنه من ممارسته عملية التغير وانتهاج الأسلوب والطريقة المناسبة٤, وأهم ما على المحتسب معرفته قبيل احتسابه حال المحتسب عليه "المأمور والمنهي"٥.
ومما تجدر الإشارة إليه أن على المحتسب التثبت في الرواية فلا يروي حديثا إلا وقد ثبت لديه صحة نسبته للرسول ﷺ حتى لا يتخبط في احتسابه من حيث لا يشعر فيأمر بخلاف السنة أو ينهى عن بعضها والعياذ بالله.
ولقد احتسب الشيخ محمد بن عبد الوهاب على محمد بن عباد٦ لما
стр. 153
استدل بحديث: "اطلبوا العلم ولو من الصين" ١ قائلا:
"جزمك بأن النبي ﷺ قال: اطلبوا العلم ولو في الصين: فلا ينبغي أن يجزم الإنسان على رسول الله ﷺ بما لا يعلم صحته, وهو من القول بلا علم, فلو أنك قلت روي, أو ذكر فلان, أو ذكر في الكتاب الفلاني لكان هذا مناسبا, أما الجزم بالأحاديث التي لا تصح فلا يجوز, فتفطن لهذه المسألة فما أكثر من يقع فيها"٢.
وبالجملة فإنه لا بد للآمر بالمعروف والناهي عن املنكر أن يطلب العلم ويلحق بركاب العلماء حتى يجد النور ساطعا في كل فج يسلكه, وحتى يعضد أمره ونهيه بالأدلة الشرعية مما يجعل الحجة معه ومن ثم يكون لأمره ونهيه تأثير في المجتمع٣ بإذن الله.
وتمام العلم العمل به فلا قيمة للعلم بلا عمل ولا قيمة للعمل بدون علم.
стр. 154
قال الإمام الحسن البصري ﵀: " إذا كنت آمرا بالمعروف فكن من أأخذ الناس به إلا هلكت
وإذا كنت ممن ينهى عن المنكر فكن من أنكر الناس به وإلا هلكت"١.
وقد أجمل الإمام ابن الجوزي ﵀ هذا المعنى بعبارة بليغة قال فيها:
"من لم يعمل بعلمه لم يدر ما معه حامل المسك إذا كان مزكوما فلا حظ له فيما حمل"٢.
ولقد نوه الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ إلى هذا المعنى بقوله: "وأن يكون مطابقا للأمر"٣ أي أن يكون فعل المحتسب مطابقا لأمره حتى إذا وافته المنية وهو في حال إصلاح نفسه, كان خيرا له من أن يموت وهو ساع لإصلاح غيره دون نفسه فيحاسب على ترك واجبات وفرائض٤.
والوعيد في هذا الباب معلوم بالكتاب والسنة قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٥.
فدلت الآية الكريمة على زجر من يأمر الناس بالخير وينسى نفسه من ذلك والله أعلم.
стр. 155
ولكن هذا لا يعني أن يتقاعس المحتسب عن احتسابه إذا رأى في نفسه قصورا فذلك من كيد الشيطان له ليصرفه عن طريق الخير الذي يسلكه.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية السابقة:
" فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب, لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف. وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها, وهذا ضعيف, وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية, فإنه لا حجة لهم فيها, والصحيح أن العالم يأمر بالمعروف, وإن لم يفعله, وينهى عن المنكر وإن ارتكبه ولكنه- والحالة هذه- مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية, لعلمه بها ومخالفته على بصيرة, فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم, لهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على ذلك"١ اهـ.
عن أبي وائل٢: قال: قيل لأسامة لو أتيت فلانا٣ فكلمته, قال: إنكم لترون أني لا أكلمه, إلا أسمعكم إني أكلمه في السر دون أن أفتح باباً لا أكون أول من فتحه ولا أقول لرجل أن كان عليَّ أميراً إنه خير الناس بعد شيء سمعته من رسول الله ﷺ قالوا وما سمعته يقول؟ قال سمعته يقول: " يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق٤ أقتابه٥ في النار فيدور كما يدور
стр. 156
الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما شأنك, أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قال كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن النكر وآتيه"١.
ففي الحديث دلالة على هول العقوبة التي تنتظر الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا لم يعمل بعلمه والله أعلم.
وقد نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ قول أحد أهل العلم ولم يسمه: " يجب الأمر بالمعروف لمن قدر عليه ولم يخف على نفسه منه ضرراً ولو كان الآمر متلبسا بالمعصية, لأنه في الجملة يؤجر على الأمر بالمعروف ولا سيّما إن كان مطاعا, أما إثمه الخاص به فقد يغفره الله وقد يؤاخذ به, وأما من قال: لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة فإن أراد أنه الأولى فجيد وإلا فيستلزم سد باب الأمر إذا لم يكن هناك غيره"٢اهـ.
وقال الفقيه السبكي رحمه الله٣: " لا يشترط في القيام به- أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- أن يكون الآمر ممتثلا في نفسه لأنه تعلق به حقان, حق الكف في نفسه, وحق نهي غيره ولا يسقط حق حقا, وهذا لا ينافي أن الكمال أن يكون الآمر عاملاً بما يأمر به مجتنبا ما نهى عنه ليكون
стр. 157
أدعى بالقبول١ا. هـ.
إذن على المحتسب أن يبادر للعلم والعمل معا بهمة عالية قبل شروعه في الاحتساب, فإن وجد في نفسه خللاً فلا يثنيه ذلك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه من كيد الشيطان ليصده عن هذا الخير العظيم, إنما عليه المبادرة إلى إصلاح نفسه بالتوبة والاستغفار وفعل الطاعات والسير قدما في طريق الإصلاح الوعر بعزم الجبال, إصلاح نفسه وإصلاح الآخرين على حد السواء.
روى الخطيب البغدادي رحمه الله٢ عن أبي برزة ﷺ قال قال رسول الله ﷺ : " مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها" ٣.
وقد ورد في تقسيم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ثمانية أصناف هي:
أولهم: أرباب القلوب والعزائم أخذاً بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ ٤ وهم المقصودون بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٥ وهم الصابرون أخذا بقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ
стр. 158
نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ ١.
وثانيهم: قوم من أهل العلم والعمل متلبسون بكريم الخلق, تاركون لما كره الله, لا تأخذهم في الله لومة لائم, لكن فيهم حدة وصلابة في التعبير,, ففاتهم الرفق الواجب في الأمر والنهي فكانوا دون من قبلهم.
ثالثهم: علماء بما يأمرون, وينهون لكنهم غافلون عن الآفات المفسدة للأمر والنهي, فيغلب عليهم سوء الظن بالمسلمين.
ورابعهم: قوم صلحاء أخيار, ولكنهم لا يعرفون قواعد الأمر والنهي, ومنهم من يكون رفيقا صبورا على الأذى سراً وجهراً, ومنهم من يأمر وينهى بمقتضى الغيرة, ولكنهم لا يصبرون.
وخامسهم: العامة الذين رزقوا حظا من القبول بين الناس يخبطون في الأمر والنهي على غير علم فيفسدون أكثر مما يصلحون.
وسادسهم: وهم في الجهل كسابيقهم إلا أنهم غافلون عن كل ما يأمرون وينهون, مقارفون للمعاصي.
وسابعهم: دون الذين قبلهم وأخس, لأنهم نصبوا أنفسهم للأمر والنهي رياء وسمعة, واكتسابا للمحامد والرفعة, وتزينوا بزي الصالحين, وأخذوا سمتهم وسيلة لنيل مآربهم.
وثامنهم: ليس لهم نية ثابتة صحيحة, فهم يأمرون الضعفاء, ويضعفون عن الأقوياء مع قدرتهم, ويحابى بعضهم الأصحاب وذوي الهيئات لغرض شيطاني
стр. 159
مذموم١.
فمن وفقه الله لبلوغ المرتبة الأولى من تلك الأصناف فجاهد نفسه وزكاها حتى أشربت بالإخلاص والعلم والعمل كان هو المحتسب الأمثل: ﴿ذلك فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ٢.
стр. 160
المطلب الثالث: الحكمة:
قال الله في محكم التنزيل:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١.
الحكمة في اللغة بكسر الحاء وإهمال الكاف وضم الميم: العدل٢.
والحكيم: المتقن للأمور٣.
والحكيم: العالم٤.
أما في الاصطلاح فقد ذكر العلماء لها عدة معان منها:
١-عن ابن عباس ﵄: يعني المعرفة بالقرآن ناسخة, ومنسوخة, ومحكمه ومتشابهه, ومقدمه, ومؤخره, وحلاله وحرامه, وأمثاله.
٢-قال السدي٥: الحكمة النبوة.
٣-قال أبو مالك: الحكمة السنة.
٤-قال أبو العالية٦ الحكمة خشية الله.
стр. 161
٥-قال إبراهيم النخعي١: الحكمة الفهم.
٦-قال زيد بن أسلم٢: الحكمة العقل.
٧-قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة: هو٣ الفقه في دين الله, وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله٤.
٨-قال الراغب الأصفهاني٥: الحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل٦.
٩-قال إسماعيل الهروي: هي وضع الشيء في موضعه٧.
١٠-أما ابن القيم فعرف الحكمة بأنها: فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي٨.
والذي أراه أن الأرجح من هذه الأقوال هو تعريف الإمام ابن القيم والله
стр. 162
تعالى أعلم بالصواب.
هذا فيما يتعلق بمفهوم الحكمة على الإطلاق, أما باعتبار خصوصيتها للمحتسب فهي: معيار ضابط للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتبار حال المأمور والمنهي, والأسلوب المناسب له, في الوقت المناسب.
فليس كل الناس يصلح لهم أسلوب واحد في الاحتساب, وليست جميع المنكرات يصلح لها الاحتساب نفسه في الوقت نفسه, هذا التفاوت يقتضي استخدام المعيار الضابط لذلك كله وهو الحكمة في جميع الأحوال بحيث يستخدم المحتسب الأسلوب المناسب للاحتساب مع من يناسب من الناس في الوقت المناسب.
"فليس من الحكمة استخدام أسلوب واحد في الأمر والنهي مع الكبير والصغير والرجل والمرأة والمثقف والجاهل والأمير والحقير والغضوب والهادئ بل لابد من تنويع أسلوب المخاطبة بما يناسب السن والثقافة والطبيعة النفسية والمركز الاجتماعي لكل فرد"١.
لأن الحكمة تعني الإصابة في الأقوال والأفعال ووضع كل شيء في موضعه٢.
إذن هي لين في وقت اللين فحسب, وشدة في وقت الشدة فحسب٣.
فهي تعني العلم والوعي وتقدير الموقف ثم التفاعل مع الحدث تفاعلا مثمرا٤.
وهذا ما أشار إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسالته
стр. 163
التي أرسلها إلى إخوانه من أهل سدير حيث قال:
" إن بعض أهل الدين ينكر منكرا وهو مصيب لكن يخطئ في تغليظ الأمر إلى شيء يوجب الفرقة بين الإخوان"١.
هذا التغليظ ناتج عن عدم انضباط معيار الحكمة في الاحتساب عند بعض الناس, ولقد وضع ابن القيم ﵀ للحكمة ثلاثة أركان وأضداد فقال:
"الحكمة ثلاثة أركان هي: العلم والحلم والأناة وآفاتها وأضدادها: الجهل والطيش والعجلة, فلا حكمة لجاهل ولا طائش ولا عجول"٢.
ومن حكمة المحتسب أن يجعل لاحتسابه أولويات أساسية يقدم بعضها على بعض حسب الأهمية.
"وسلم الأوليات هذه يتطلب االبدء بأمور العقيدة وتقديم الكليات على الجزئيات"٣.
وهذا نراه جليا في احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب حيث أعطى ﵀ العقيدة جل اهتمامه في الاحتساب لما لها من الأولية والصدارة والأهمية في كيان الامة الإسلامية, ثم تدرج ﵀ في الاحتساب بعدئذ إلى الجوانب الفقهية والسلوكية, مما يؤكد أنه ﵀ كان في احتسابه على جانب كبير من الحكمة, وما ورد في رسالته الجوابية التي أرسلها لعبد الله بن محمد بن عبد اللطيف٤ رداً على رسالته التي أغلظ فيها على الشيخ لما خالف ﵀
стр. 164
بعض ما ألفه الناس في زمانه من الأمور التي تعارض الحق والدليل فقال ﵀:
"فإذا خالفت قول عالم لمن هو أعلم منه أو مثله إذا كان معه الدليل ولم آت بشيء من عند نفسي تكلم بهذا الكلام الشديد فإن سمعتم أني أفتيت بشيء خرجت فيه من إجماع أهل العلم توجه علي القول, وقد بلغني أنكم في هذا الأمر قمتم وقعدتم, فإن كنتم تزعمون أن هذا إنكار للمنكر فياليت قيامكم كان في عظائم بلدكم تضاد أصلي الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله منها وهو أعظمها عبادة الأصنام عندكم من بشر وحجر, هذا يذبح له, وهذا ينذر له, وهذا يطلب إجابة الدعوات وإغاثة اللهفات, وهذا يدعوه المضطر في البر والبحر, وهذا يزعمون أن من التجأ إليه ينفعه في الدنيا والآخرة ولو عصى الله, فإن كنتم تزعمون أن هذا ليس هو عبادة الأصنام والأوثان المذكورة في القرآن فهذا من العجب, فإني لا أعلم أحدا من أهل العلم يختلف في ذلك اللهم إلا أأن يكون وقع فيما وقع فيه اليهود من إيمانهم بالجبت والطاغوت, وإن ادعيتم أنكم لا تقدرون على ذلك, فإن لم يقدروا على الكل قدرتم على البعض١, كيف وبعض الذين أنكروا علي هذا الأمر وادعوا أنهم من أهل العلم ملتبسون بالشرك الأكبر ويدعون إليه, ولو يسمعون إنسانا يجرد التوحيد ألزموه بالكفر والفسوق؟ ولكن نعوذ١ بالله من رضاء الناس بسخط الله"٢ ا. هـ.
ومن حكمة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ استخدامه للهجة العامية في كثير من رسائله لأن كثيرا ممن احتسب عليهم كانوا من العوام فبات من المناسب مخاطبتهم بالأسلوب الذي يفهمونه.
стр. 165
المطلب الرابع: الأناة والتثبت:
الأناة والأنى: الحلم والوقار١.
والحلم بالكسر الأناة٢, والتثبت في الأمور وذلك من شعار العقلاء٣.
والحلم: ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب, وجمعه أحلام٤.
ولقد وصف الله تعالى إبراهيم ﵇ بهذه الصفة مادحا له في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ٥.
وقال الله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ﴾ ٦ أي عقولهم٧.
لذلك قال ﷺ لأشج عبد القيس٨: " إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة" ٩.
قال النووي ﵀: "وأما الحلم فهو العقل, وأما الاناة فهي التثبت وترك العجلة وهي مقصورة وسبب قول النبي ﷺ ذلك له ما جاء في حديث الوفد أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبي ﷺ وأقام الأشج عند رحالهم فجمعها وعقل ناقته ولبس أحسن
стр. 166
ثيابه ثم أقبل إلى النبي ﷺ وأجلسه إلى جانبه ثم قال لهم النبي ﷺ تبايعون على أنفسكم وقومكم فقال القوم نعم فقال الأشج: يا رسول الله إنك لم تزاول الرجل على شيء أشد عليه من دينه نبايعك على أنفسنا ونرسل من يدعوهم فمن اتبعنا كان منا ومن أبي قاتلناه. قال: صدقت إنّ فيك خصلتين ... الحديث, قال القاضي عياض١ ﵀: فالأناة تربصه حتى نظر في مصالحه ولم يعجل, والحلم هذا القول الذي قاله الدال على صحة عقله وجودة نظره للعواقب٢ا. هـ.
ولا يعني التأني في الأمور البلادة والكسل! إنما التفكر والحذر من زلل المستعجل, والرغبة في إصابة العاقل٣.
ولأن المحتسب بأمره ونهيه بخالف المألوف والشهوات الجامحة لدى أصناف المحتسب عليهم, فإنه غالبا ما يكون مرفوضا من قبلهم ممقوتا, مما يدفعهم إلى الإساءة إليه ومعاداته.
لذلك يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون حليما حتى لا يثور ويغضب عندما يجابه بشيء لا يرضيه أو لم يتوقعه, فيفسد أكثر مما يصلح, وحتى لا يثأر فيصبح الموضوع انتقاما للنفس وتشفيا لا إنكارا لرضى الله ورغبة في تصحيح الأوضاع٤.
стр. 167
قال الإمام احمد بن حنبل ﵀ عندما سئل عن كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن لمنكر: " إن أسمعوه ما يكره لا يغضب, فيكون يريد ينتصر لنفسه"١ ا. هـ.
فإن من يتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يحمله على عمله ذلك بغض لمن قام بأمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر أو الحمية والتشفي, كلا بل يحمله على ذلك أمور حميدة منها المحبة للمسلمين والرغبة في إسداء الخير إليهم, ومنعهم مما يؤول بهم إلى عصيان الله واستحقاق العقوبة على تلك المعاصي٢.
قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٣.
ففي الآية دلالة على تأديب المسلمين بالعفو عن المعتدين والتجاوز عن المسيئين.
ومن هذا المنطلق كان شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ حليما على من عاداه كريما مع من جفاه, لم ينتصر لنفسه, بل كان غضبه كله لله تعالى مثال ذلك رسالته لعبد الله بن محمد بن عبد اللطيف التي ورد فيها:
"..فقد وصل إلينا من ناحيتكم مكاتيب فيها إنكار وتغليظ عليّ ولما قيل إنك كتبت معهم وقع في الخاطر بعض الشيء لأن الله سبحانه نشر لك من الذكر الجميل وأنزل في قلوب عباده لك من المحبة ما لم يؤته كثيرا من الناس"٤.
فتأمل كيف يحلم ويدفع السيئة بالحسنة ﵀.
هذا عن الحلم والأناة.
стр. 168
أما التثبت فهو كما سبق من مرادفات الأناة, تثبت في الأمر والرأي, واستثبت: تأني فيه ولم يعجل١.
والتثبت صفة لأهل اليقين من المؤمنين وبسبب هذه الصفة التي فيهم يبين الله لهم الآيات والعلامات في الأمم التي مضت, حتى يستخرجوا العبر التي تقيهم ما وقع به غيرهم من غضب الله تعالى٢.
قال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٣.
ففي الآية الكريمة دلالة على بيان الآيات ووضوحها لأهل اليقين والتثبت.
قال الإمام الطبري ﵀: "وخص الله بذلك القوم الذين يوقنون لأنهم أهل التثبت في الأمور, والطالبون معرفة حقائق الأشياء على يقين وصحة فأخبر جل ثناؤه أنه بين لمن كانت هذه صفته"٤.
وإذا كانت الأناة والتثبت من الصفات الحميدة فإن ضدها وهي العجلة من أقبح الصفات الذميمة.
وقال الإمام ابن القيم ﵀ محللاً لصفة العجلة: " ... فإنها خفة وطيش وحدة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم, وتوجب وضع الأشياء في غير موضعها, وتجلب عليه أنواعا من الشرور وتمنعه أنواعاً من الخير وهي قرين الندامة فقل من استعجل إلا ندم"٥.
стр. 169
وذلك تحرزا من الاندفاع وراء تيار اتهام الناس بالباطل قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ١.
يذكر الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن معنى التبين في الآية هو التثبت٢.
وقد دلت الآية على أن الله تعالى يأمر بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له, لئلا يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر كاذبا أو مخطئا, فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين٣.
فالمندفع غير المتثبت يكون عرضة للندم ولات حين مندم.
قال الكسائي وغيره: التبين التثبت في الأمر٤.
أوصى أعرابي أولاده فقال:" إياكم والعجلة فإن أبي كان يكنيها أم الندم"٥.
فعلى الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن لا يأخذ القول الذي يأتيه عن وجود منكر قولا مسلما بل عليه بالتحري والتثبت حتى لا يأمر إنسانا بمعروف لم يتركه أو ينهاه عن منكر لم يقترفه٦.
فإن الإنسان تكتنفه نوازع الخير ونوازع الشر وربما فكر في عمل منكر
стр. 170
لكنه تراجع عنه١.
ولقد فطن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لهذا الجانب فأكد عليه مرارا في بعض رسائله النفسية فقال ﵀ في رسالته لعبد الله بن محمد ابن عبد اللطيف محتسبا عليه:
"ينبغي للقاضي أعزه الله بطاعته لما ابتلاه الله بهذا المنصب أن يتأدب بالآداب التي ذكرها في كتابه الذي أنزل ليبين للناس ما اختلفوا فيه هدى ورحمة لقوم يوقنون فمن ذلك لا يستخفنه الذين لا يوقنون ويثبت عند سعايات الفساق والمنافقين ولا يعجل"٢.ا. هـ.
وجاء في رسالته التي كتبها إلى أحمد بن محمد بن سويلم وثنيان بن سعود:
"وهذه مسألة جليلة ينبغي التفطن لها وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٣ فالواجب عليهم إذا ذكر لهم عن أحد منكر عدم العجلة فإذا تحققوه أتوا صاحبه ونصحوه فإن تاب ورجع وإلا أنكر عليه وتكلم فيه, فعلى كل حال نبهوهم على مسألتين:
الأولى: عدم العجلة, ولا يتكلمون إلا مع التحقق فإن التزوير كثير.
الثانية: أن النبي ﷺ كان يعرف المنافقين بأعيانهم ويقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله, فإذا ظهر منهم ما يوجب جهادهم جاهدهم"٤ا. هـ.
وقد مر آنفا احتسابه على مطاوعة أهل الدرعية حينما كان في بلدة
стр. 171
العيينة حيث- ذكر لهم- أنه لا يحل لهم الإنكار في حالة عدم التين والتثبت من الخطأ١.
وهكذا..يضع الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ القواعد النظرية للاحتساب واحدة تلو الأخرى وفق ما تلقاه من أصول علمية راسخة.
стр. 172
المطلب الخامس: الرفق:
حد علماء اللغة كلمة الرفق ببعض التعريفات منها:
١-لين الجانب١.
٢-لين الجانب ولطافة الفعل٢.
٣-لين الجانب وهو خلاف الضعف٣.
وقد بوب له البخاري في صحيحه فقال: " باب الرفق في الأمر كله".
موردا فيه حديث عروة بن الزبير رضي الله عنهما٤: " أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليكم, فقالت عائشة ففهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة, قالت: فقال رسول الله ﷺ : مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله, فقلت: يا رسول الله أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ : قد قلت: وعليكم" ٥.
فدل الحديث الشريف على محبة الله للرفق في التعامل مع الناس حتى الأعداء منهم والله أعلم.
стр. 173
قال ابن الأثير ﵀: الرفق: " لين الجانب وهو خلاف العنف: يقال منه رفق يرفُقُ ويرفِق"١ اهـ.
وعن عمرة يعني بنت عبد الرحمن٢ عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: " يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه" ٣.
وعن جرير٤ عن النبي ﷺ قال: "من يحرم الرفق يحرم الخير" ٥.
لذلك دعا ﷺ على من اتصف بضد هذه الصفة ممن ولي من أمور المسلمين شيئاً كما دعا لمن تحلى بالرفق منهم, فعن عبد الرحمن بن شماسة٦ قال: أتيت عائشة أسألها عن شيء فقالت: من أنت؟ فقلت: رجل من أهل مصر فقالت: كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه؟ فقال: ما نقمنا منه شيئا وإن كان ليموت للرجل منا البعير فيعطيه البعير والعبد فيعطيه العبد, ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة فقالت: أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر, أخي, أن أخبرك ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق
стр. 174
بهم فارفق به" ١.
وفي هذه الأحاديث دلالة واضحة على فضل الرفق والحث على التخلق به وذم العنف.
روى الخلال٢ عن أبي عبد الله- أحمد بن حنبل ﵏ أنه سئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كيف ينبغي أن يأمر؟ قال يأمر بالرفق والخضوع٣.
وقال سفيان الثوري ﵀: اؤمر بالمعروف في رفق, فإن قبل منك حمدت الله وإلا أقبلت على نفسك"٤.
ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف ونهيك عن المنكر من غير منكر٥.
ولقد تخلق السلف ﵏ بهذا الخلق العظيم في احتسابهم قال أحمد ابن حنبل ﵀: كان أصحاب ابن مسعود ﵁ إذا أمروا بقوم يرون منهم ما يكرهون يقولون: مهلا رحمكم الله٦.
وقد تقدم ذكر القاعدة المشتركة التي قعدها الإمام سفيان الثوري وقررها
стр. 175
الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله في الرفق والحلم والعلم فلتراجع١.
كما مر آنفا كلام الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ حول الأسلوب الأمثل في الاحتساب على من يخشى عليه الإخلال بالإخلاص والذي ذكر فيه استخدام الرفق٢.
وهكذا.. فإن المحتسب إذا كانت شيمته الرفق ولين القول وطلاقه الوجه وسهولة الأخلاق عند أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فإن ذلك أبلغ في استمالة القلوب٣.
والشواهد على رفق الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالمحتسب عليهم عديدة منها قوله:
"وصل كتابك وسر الخاطر جعلك الله من أئمة المتقين ومن الدعاة إلى دين سيد المرسلين ... "٤.
وقوله ﵀: "وصل الخط أوصلك الله ما يرضيه ... "٥.
وقوله ﵀: " وصل إلينا من ناحيتكم مكاتيب فيها إنكار وتغليظ عليّ ولما قيل إنك كتبت معهم وقع في الخاطر بعض الشيء لأن الله سبحانه نشر لك من الذكر الجميل وأنزل في قلوب عباده لك من المحبة مالم يؤته كثيرا من
стр. 176
الناس لما ذكر عنك من مخالفة من قبلك من حكام السوء, وأيضا لما أعلم منك من محبة الله ورسوله وحسن الفهم واتباع الحق ولو خالفك فيه كبار أئمتكم ... فكنت أحكي لمن يتعلم مني ما منّ الله عليك من حسن الفهم ومحبة الله والدار الآخرة فلأجل هذا لم أظن فيك المسارعة في هذا الأمر لأن الذين قاموا فيه مخطؤن على كل تقدير"١.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن:
هل الرفق يكون دائما؟؟ أو في بعض الأحيان دون بعض؟
إنّ ما ذكر آنفا.. لا يعني أن الرفق هو الأسلوب الوحيد للاحتساب, أو أنه لا يجوز تركه في بعض الأحيان٢ فإنّ المرء قد يداوي أحب الناس إليه بالكي أو ببتر عضو من أعضائه٣ فإذا لم ينفع الرفق تحول المحتسب إلى الشدة٤.
وهذا ما نبه إليه إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ بقوله: " والناس يحتاجون إلى مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجلا مباينا معلنا بالفسق والردي, فيجب نهيه وإعلانه لأنه يقال: ليس لفاسق حرمة, فهذا لا حرمة له"٥.
стр. 177
كذلك في حالة ظهور منكر أو ترك معروف من قبل أشخاص لا يتوقع ذلك منهم, لما عرف من معرفتهم بأمور الدين أو صلاحهم أو ورعهم, فيستخدم معهم أسلوب الشدة والتعنيف كي يكون وقع الإنكار في قلوبهم أبلغ وأشد فيبتعدوا عما صاروا إليه١.
ولقد أجمل ذلك كله الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بقوله:
"إنا نعمل الزين ونغضب٢ الذي يدنا٣ عليه وننهى عن الشين ونؤدب الناس عليه"٤.
هذا التأديب أو هذه الشدة تكون في أضيق الحالات ولنوعية محدودة من أصناف المحتسب عليهم, أما أكثر الناس فالأصل معهم استعمال الرفق.
стр. 178
المطلب السادس: الصبر
الصبر في اللغة: الإمساك في ضيق ... ويضاده الجزع١.
وأصل الصبر: الحبس, وكل من حبس شيئا فقد صبره٢.
وهو في الاصطلاح:
كما عرفه ابن القيم ﵀: " حبس النفس عن الجزع, واللسان عن التشكي, والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما"٣ا. هـ.
" وأما حقيقته فهو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها"٤اهـ.
ولقد ميّز ﵀ بينه وبين القسوة فقال:
" والفرق بين الصبر والقسوة أن الصبر خلق كسبي يتخلق به العبد, وهو حبس النفس عن الجزع والهلع والتشكي, فيحبس النفس عن التسخط واللسان عن الشكوى والجوارح مما لا ينبغي فعله, وهو ثبات القلب على الأحكام القدرية والشرعية, وأما القسوة فيبس في القلب يمنعه من الانفعال, وغلظة تمنعه من التأثر بالنوازل, فلا يتأثر لغلظته وقساوته لا لصبره واحتماله"٥.
قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ
стр. 179
ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ١.
فدلت الآية الكريمة على أهمية اقتران الأمر بالمعروف النهي عن المنكر بالصبر على الأذى في سبيلهما والله أعلم.
وقال ابن القيم ﵀ مقربا معنى الآية: " كقوله يا بني افعل المأمور واجتنب المحظور واصبر على المقدور"٢ ا. هـ.
والمعنى: اصبر على ما أصابك من المحن والبلايا, أو فيما أمرت به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الداعي إلى الحق معرض لإيصال الأذى إليه٣.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر, ولهذا جمع الله سبحانه بين الصبر والشكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ ٤ ٥.
قال الإمام ابن القيم ﵀:
قال غير واحد من السلف: " الصبر نصف الإيمان".
وقال ﵀ أيضا: " الإيمان مبني على ركنين: يقين وصبر, وهما الركنان المذكوران في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ٦ ٧.
стр. 180
فدلت الآية الكريمة على أنهم لما كانوا صابرين على أمره تعالى وترك زواجره وتصديق رسله وأتباعهم فيما جاءوهم به كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمره ويدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر١.
ولا تأتي الإمامة في الدين والتمكين إلا بعد التمحيص والابتلاء, فمن صبر وثبت عند الابتلاء موقنا بنصر الله نال شرف التمكين.
قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀:
"سئل بعضهم أيما الابتلاء أو التمكين؟ فقال: الابتلاء ثم التمكين٢.
وسئل الشافعي ﵀: " أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟ فقال: لا يمكن حتى يبتلى, والله ابتلى أولى العزم من رسله, فلما صبروا مكنهم"٣ا. هـ.
وحول ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الإمامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين"٤.
ويقول الإمام ابن القيم ﵀: " بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين"٥.
ويحلل ذلك فيقول: " فباليقين يعلم حقيقة الأمر والنهي والثواب والعقاب, وبالصبر ينفذ ما أمر به ويكف نفسه عما نهى عنه ولا يحصل له التصديق بالأمر والنهي , إنه من عند الله وبالثواب والعقاب إلا باليقين, ولا يمكنه الدوام