المذهب – الذي – أوله سفسطة١ وآخره زندقة٢ لأنه في الابتداء يجعل الشيء ونقيضه حقا وبالآخر يخير المجتهدين بين النقيضين عند تعارض الدليلين ويختار من المذاهب أطيبها٣.
وما أشنع ما قاله هؤلاء الجاعلون لحكم الله متعددا بتعداد المجتهدين تابعا لما يصدر عنهم من الاجتهادات, فإن هذه المقالة مع كونها مخالفة للأدب مع الله ومع شريعته المطهرة هي أيضا صادرة عن محض
стр. 212
الرأي١ الذي لم يشهد له دليل ولا عضدته شبهة تقبلها العقول وهي أيضا مخالفة لإجماع الأمة سلفها وخلفها, فإن الصحابة ﵃ ومن بعدهم في كل عصر من العصور ما زالوا يخطئون من خالف في اجتهاده٢ والله أعلم.
وهكذا نجد أن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ينهج في رسمه لطريق الاحتساب منهج أهل العلم خاصة الحنابلة, فلا يقرر قاعدة في فقه إنكار المنكر إلا ولها أصل من الأدلة الشرعية وأقوال العلماء مما يضفي على تلك القواعد حلية المصداقية.
стр. 213
المبحث الثالث: درجات الاحتساب عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀
المطلب الأول: التغيير باليد .
إن القلب المتلألأ بنور الإيمان لا يقنعه القليل من الأعمال, وإذا بدا له منكر ظاهر يستطيع تغييره, فإنه يدفعه بهمة عالية لأقوى درجات الإنكار, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء, وأعلى درجات الإنكار التغيير باليد.
ولما كان الشرك بالله تعالى أعظم المنكرات قاطبة , أعلن الشيخ الإمام محمد ابن عبد الوهاب ﵀ النكير عليه بكل ما أوتي من قوة وعزيمة ونصرة لدين الله وللعقيدة الصحيحة.
فقال ﵀ في معرض حديثه عن فوائد قصة مسجد ضرار١ ضمن اختصاره لكتاب زاد المعاد في هدي خير العباد للإمام ابن القيم ﵀:
" ومنها٢ تحريق أمكنة المعصية كما أحرق مسجد الضرار, وكل مكان مثله فالواجب على الإمام تعطيله, وإما بهدم أو تحريق, وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له, وإذا كان هذا شأن مساجد الضرار, فمشاهد الشرك أحق وأوجب, وكذا بيوت الخمارين, وأرباب المنكرات , وقد حرق عمر ﵁ قرية بكاملها يباع فيها الخمر, وحرق حانوت رويشد وسماه فويسقا, وحرق قصر
стр. 214
سعد لما احتجب فيه عن الرعية, وهم ﷺ بتحريق بيوت تاركي الجمعة والجماعة وإنما منعه من فيها, ممن لا تجب عليهم.
... وعلى هذا فيهدم المسجد الذي بني على قبر كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد, فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر, فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله, وغربته بين الناس كما ترى"١اهـ.
وقال أيضا ﵀:
" لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا, فإنها شعائر الشرك والكفر وهي أعظم المنكرات, فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة, وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور, التي اتخذت أوثانا تعبد من دون الله, والأحجار التي تقصد للتبرك والنذر والتقبيل لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته, وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى, بل أعظم شركا عندها وبها والله المستعان"٢اهـ.
والشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بكلامه السابق يقرر قاعدة أساسية في فقه إنكار المنكر وهي اشتراط القدرة على إزالة المنكر في أولى درجات الإنكار وهي الإنكار باليد, وذلك لحديث رسول الله ﷺ المتقدم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ٣.
стр. 215
وفي رواية الترمذي " ... فلينكره بيده ... " ١.
قال القاضي عياض ﵀: " الحديث أصل في كيفية التغيير فيجب على المغير أن يغير بكل وجه أمكنه زواله به, فالتغيير باليد أن يكسر آلات الباطل وبريق الخمر وينزع الغصب أو يأمر بذلك"٢اهـ.
وفي حديث أبي الهياج الأسدي٣ ﵀ قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁ " أبعثك على ما بعثني رسول الله ﷺ ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته" ٤.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " دخل النبي ﷺ مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ , ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ ٥ "٦.
فدل الحديثان الشريفان على مشروعية إنكار المنكر باليد مع القدرة عليه والله أعلم.
ولقد ضرب الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أروع مثل في سرعة الاستجابة لشرع الله وتغيير المنكر باليد حينما حرم الله تعالى الخمر.
стр. 216
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب من فضيخ١ زهو وتمر فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت, فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها فأهرقتها"٢.
هكذا الإيمان حينما تتشربه القلوب الصافية يجعل المبادرة إلى تغيير المنكر باليد فورية لا تحتمل التسويف والتأخير.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: " خرج رسول الله ﷺ إلى المربد٣ فخرجت معه فكنت عن يمينه وأقبل أبو بكر فتأخرت له فكان عن يمينه وكنت عن يساره ثم أقبل عمر ﵁ فتنحيت له, فكان عن يساره, فأتى رسول الله ﷺ المربد, فإذا بأزقاق٤ على المربد فيها الخمر, قال ابن عمر ﵁: فدعاني رسول الله ﷺ بالمدية٥, قال: وما عرفت المدية إلا يومئذ فأمر بالزقاق فشقت, ثم قال لعنت الخمر وشاربها, وساقيها, بائعها, ومبتاعها,
стр. 217
وحاملها, الحمولة إليه, وعاصرها, ومعتصرها, وآكل ثمنها" ١.
فالتغير باليد لا مندوحة عنه متى وجدت القدرة عليه.
قال المروذي: سألت أبا عبد الله – أحمد بن حنبل- " رحمهما الله" قلت: أمر في السوق فأرى الطبول تباع أكسرها؟ قال: ما أراك تقوى, إن قويت يا أبا بكر- أي فافعل- قلت: أدعى أغسل الميت فأسمع صوت الطبل, قال: إن قدرت على كسره وإلا فاخرج٢.
وقال أيضا ﵀:
قلت لأبي عبد الله: لو رأيت مسكرا مكشوفا في قنينة أو قربة ترى أن تكسر أو تصب؟ قال: تكسره٣.
وقال أبو داود ﵀: سمعت أحمد يسأل عن قوم يلعبون بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهوا, فأخذ الشطرنج فرمى به, قال: قد أحسن, قيل: فليس عليه شيء؟ قال: لا, قيل له: وكذلك إن كسر عودا أوطنبور٤؟ قال: نعم٥.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله قال: أبي سئل عن رجل رأى مثل الطنبور والعود, أو الطبل وما أشبه هذا, ما يصنع به؟ قال: إذا كان مغطى فلا, وإذا كان مكشوفا فاكسره٦.
стр. 218
وبناء على ذلك فإنه يجوز للناهي عن المنكر أن يتلف الأشياء العينية المحرمة مثل الأصنام المعبودة من دون الله بشتى أنواعها وأيا كانت مادتها من خشب أو ذهب أو نحاس, فله تكسيرها وإتلافها, وكذلك آلات اللهو بشتى أنواعها من عود وآلات موسيقية ونحو ذلك, أو الأشرطة التي سجل فيها أغاني خليعة وموسيقى ماجنة ونحو ذلك, أو الصور الخليعة المحرمة, فله طمسها أو تمزيقها وإتلافها, كل ذلك يجوز له تغييره باليد وإتلافه لكن عليه أن ينظر إلى قواعد الشرع قبل الإقدام على ذلك ومراعاة المصلحة لا يخلف ذلك منكرا أكبر منه١.
كما ينضم إلى شرط الاستطاعة شرط آخر وهو ألا يكون الإنكار بالسلاح.
روى الخلال عن صالح- بن احمد بن حنبل ﵏ أن أباه قال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح٢.
وقال القاضي عياض ﵀: " ولا ينكر بسيف إلا مع سلطان"٣ اهـ.
وقال الإمام ابن الجوزي ﵀: " الضرب باليد والرجل وغير ذلك مما ليس فيه اشهار سلاح أو سيف يجوز للآحاد بشرط الضرورة والاقتصار على قدر الحاجة فإن احتاج إلى أعوان يشهرون السلاح فلا بد من إذن السلطان على الصحيح"٤.اهـ.
لأن شهر السلاح بين الناس قد يكون مخرجا إلى الفتنة وآيلا إلى فساد أكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر٥, والله المستعان.
стр. 219
المطلب الثاني: الإنكار باللسان:
اللسان أداة نقل الكلام الذي يدور في عقل الإنسان, وهو من أعظم نعم الله تعالى عليه, ومن تمام شكر هذه النعمة استخدامه في طاعة الله, ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ولإيصال الكلام للمستمعين طريقتان: إما مشافهة باللسان, وإما مكاتبة بالقرطاس والقلم, وكلتا هاتين الوسيلتين تنضويان تحت الدرجة الثانية من ردجات الاحتساب.
وهذه الدرجة في الإنكار هي الأوسع نطاقا في احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀, ولقد استفاضت في مؤلفاته بشكل لا يمكن حصره هنا, ولكن على سبيل المثاللا الحصر أذكر بعضا من أقواله قال ﵀:
"ورأى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن لمنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة"١.
وما توجب الشريعة هو مجمل الضوابط والقواعد التي عقدها أهل العلم في الحسبة على ضوء الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح.
وقال ﵀: " الشيء الذي عندنا زين هو عند الناس زين, والذي عندهم شين هو عندنا شين إلا إنا نعمل بالزين ونغصب٢ الذي يدنا٣ عليه وننهى عن الشين ونؤدب الناس عليه"٤.
стр. 220
ولتوضيح مفهومه عن هذه الدرجة في الحسبة قال في رسالته للسويدي١ عالم العراق:
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الرحمن بن عبد الله سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أما بعد: فقد وصل كتابك وسر الخاطر, جعلك الله من أئمة المتقين ومن الدعاة إلى دين سيد المرسلين, وأخبرك أني ولله الحمد متبع ولست مبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة, لكني بينت للناس إخلاص الدين لله, ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وغيرهم, وعن إشراكهم فيما يعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق لله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل, وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم, وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة, وبينت لهم أن أول من أدخل الشرك في هذه الأمة هم الرافضة الملعونة الذين يدعون عليا وغيره ويطلبون منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات, وأنا صاحب منصب في قريتي, مسموع الكلمة, فأنكر هذا بعض الرؤساء لأنه يخالف عادة نشأوا عليها, وأيضا ألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وغير ذلك من فرائض الله, ونهيتهم عن الربا وشرب
стр. 221
المسكر وأنواع من المنكرات فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه لكونه مستحسنا عند العوام فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد وأنهى عنه من الشرك , ولبسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس"١.
هكذا كان ﵀ يفهم الإنكار باللسان ويبادر إليه تارة باللطف والرفق كما جاء في إحدى رسائله:
"فانظر رحمك الله ما أحدث الناس من عبادة غير الله فتجده في الكتب جعلني الله وإياك ممن يدعوا إلى الله على بصيرة كما قال الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢ " ٣.
وقد ربط شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بين الدعوة والحسبة عند استدلاله بهذه الآية ربطا جميلا فقال ﵀:
" إن الدعوة نفسها أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فإنَّ الداعي طالب مستدع مقتض لما دعى إليه وذلك هو الأمر به إذ الأمر هو طلب الفعل المأمور به واستدعاء له ودعاء إليه , فالدعاء إلى الله الدعاء إلى سبيله, فهو أمر بسبيله, وسيلة تصديقه فيما أخبر, وطاعته فيما أمر"اهـ. ٤.
ومن شواهد رفق الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في إنكاره باللسان قوله لمحمد بن عبد اللطيف في رسالته إليه:
стр. 222
" ... فإني أحبك, وقد دعوت لك في صلاتي وأتمنى من قبل هذه المكاتيب أن يهديك الله لدينه القيم, ولا يمنعني من مكاتبتك إلا ظني أنك لا تقبل وتسلك مسلك الأكثر, ولكن لا مانع لما أعطى الله والله لا يتعاظم شيئا اعطاه, وما أحسنك تكون في آخر هذا الزمان فاروقا لدين الله كعمر ﵁ في أوله"١.
بينما نجده ﵀ تارة أخرى يستخدم التغليظ والتوبيخ مع من لا يجدي معه الرفق واللين كاحتسابه على سليمان بن سحيم ٢ قائلا:
" إنك تقول إني أعرف التوحيد وتقر أن من جعل الصالحين وسائط فهو كافر والناس يشهدون عليك أنك تروح للمولد وتقرأه لهم وتحضرهم وهم ينخون٣ ويندبون مشايخهم ويطلبون منهم الغوث والمدد, وتأكل اللقم من الطعام المعد لذلك, فإذا كنت تعرف أن هذا كفر فكيف تروح لهم وتعاونهم عليه وتحضر كفرهم؟ "٤.
وقوله أيضا في جملة احتسابه على سليمان بن سحيم: " أما مسألة التذكير فكلامك فيها من أعجب العجاب, أنت تقول بدعة حسنة, والنبي ﷺ يقول:
стр. 223
"كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ١, ولم يستثن شيئا تشير علينا به فنصدقك أنت وأبوك لأنكم علماء ونكذب رسول الله, والعجب من نقلك الإجماع فتجمع مع الجهالة المركبة الكذب الصريح والبهتان"٢.
وهكذا نجد أن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ قد استوعب جيدا هذه الدرجة من الإنكار فاستخدم الكلام اللطيف الرقيق في حينه مشافهة أو مكاتبة والغليظ في مجاله الأمر الذي يعكس عمق إلمام الإمام بفقه إنكار المنكر وفق الدرجات التي أصلها حديث أبي سعيد ﵁ السابق: "فإن لم يستطع فبلسانه ... " ٣.
ففي الحديث دلالة على أنَّ من لم يستطع تغيير المنكر بيده لضعفه وعدم قدرته, أو خشيته أو يترتب على تغييره باليد مفسدة أشد فليغيره بلسانه, بالأمر والنهي ويكون بلين ورفق ما لم تدع الحاجة إلى الشدة ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب٤.
قال القاضي عياض: " ... فإن خاف من التغيير باليد مفسدة أشد غير بالقول, فيعظ ويخوف ويندب إلى الخير, ويستحب أن يرفق بالجاهل وذي
стр. 224
العزة الظالم المتقي شره فإنه أدعى للقبول, ولهذا استحب في المغير: أن يكون من أهل الصلاح, فإن القول منه أنفع, ويغلظ على غيرهما"١ بشرط ألا يغلب ظن أن المنهي يزيد عنادا٢ ويبدأ في الإنكار بالأسهل فإن زال وإلا أغلظ, فإن زال وإلا رفعه إلى الإمام٣.
قال المرداوي٤:
وبالأسهل ابدأ ثم زد قدر حاجة ... فإن لم يزل بالنافذ الأمر فاصدد٥
لذلك عقب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في ذيل كتابه الشديد اللهجة الذي أرسله إلى عبد الله بن سحيم موجها كلامه للشخص الذي أرسل معه تلك الرسالة بقوله:
" ... وأنت لا تلمني على هذا الكلام, تراني استدعيته أولا بالملاطفة وصبرت منه على أشياء عظيمة, والآن أشرفت منه على أمور ما ظننتها لا في عقله ولا في دينه, منها أنه كاتب إلى أهل الحسا٦ يعاونهم على سب دين الله ورسوله"٧.
стр. 225
المطلب الثالث: الإنكار بالقلب:
لقد أشار الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ إلي هذه الدرجة النهائية من الإنكار في رسالته لسويدي١ قائلا فيها:
"وأنا أرجوا أن يكرمك الله بنصر دينه ونبيه وذلك بمقتضى الاستطاعة ولو بالقلب والدعاء وقد قال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم" ٢ ٣.
قال الإمام ابن حزم ﵀: "واتفقوا في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلوب"٤ا. هـ.
لقوله ﷺ : " ... فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ٥.
فالحديث الشريف يدل أنه إن لم يستطع الإنكار بلسانه لوجود مانع كخوف فتنة أو خوف على نفس أو عضو أو مال محترم أو شهر سلاح, فبقلبه ينكره وجوبا بأن يكرهه به ويعزم أنه لو قدر بقول أو فعل فعل, وهذا واجب عينيا على كل أحد بخلاف الذي قبله, فأفاد الخبر وجوب تغيير المنكر بكل
стр. 226
طريق ممكن فلا يكفي الوعظ لمن يمكنه إزالته بيده, ولا القلب لمن يمكنه باللسان١, والإنكار بالقلب وهو الكراهية٢ أضعف أعمال الإيمان المتعلقة بإنكار المنكر في ذاته لا بالنظر إلى غير المستطيع فإنه بالنظر إليه هو تمام الوسع والطاقة وليس عليه غيره٣ فلا يكتفي به إلا من لا يستطيع غيره٤.
وفي توضيح معنى قوله ﷺ : "ليس وراء ذلك مثقال حبة خردل من إيمان" ٥ يقول شييخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " مراده أنه لم يبق بعد هذا الإنكار ما يدخل في الإيمان, حتى يفعله المؤمن بل الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان ليس مراده أن من لم ينكر ذلك, لم يكن معه من الإيمان حبة خردل, ولهذا قال: " ليس وراء ذلك" فجعل المؤمنين ثلاث طبقات, وكل منهم فعل الإيمان الذي يجب عليه, لكن الأول لما كان أقدرهم كان الذي يجب عليه أكمل مما يجب على الثاني, وكان ما يجب على الثاني أكمل مما يجب على الآخر, وعلم بذلك أن الناس يتفاضلون في الإيمان الواجب عليهم بحسب استطاعتهم مع بلوغ الخطاب إليهم كلهم"٦ اهـ.
وهنا نكتة حول معنى الحديث ينبغي التفطن لها:
стр. 227
كثير من الناس قد يظن أن الحديث في آخره يعني السلبية إذا ترك كل مسلم المجتمع دون أن يعني بالإصلاح لما فسد به, ولكن ذلك مردود بأن السلبية تعني عدم الاهتمام أصلا بما يجري في المجتمع المسلم, بينما الاستنكار أو الإنكار على ما ظهر من فساد هو أول درجات هذا الاهتمام١ لكن هذا الاهتمام خاضع لمعيار القدرة ويتناسب معه تناسبا طرديا, فكلما زاد معيار القدرة زاد اهتمام المحتسب واشتد في إنكاره, والعكس بالعكس.
يقول الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عن درجات الإنكار: هو باليد مع القدرة, وباللسان عند عدم المكنة, وبالقلب عند خوف الفتنة والعجز عن القيام بالفريضة وهو أضعفها٢.
وسأل إسحاق بن إبراهيم بن هانئ٣ الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله: متى يجب على الرجل الأمر والنهي؟ قال: ليس هذا زمان النهي, إذا غيرت بلسانك, فإن لم تستطع فبقلبك, فهو أضعف الإيمان٤.
قال ابن مسعود ﵁: إنها ستكون هنات وهنات٥ بحسب امرئ إذا رأى
стр. 228
أمرا لا يستطيع له تغييرا أن يعلم الله أن قلبه له كاره١.
وعن أبي الطفيل ﵀ قال: قيل لحذيفة ﵁ ما ميت الأحياء؟ قال: من لم يعرف المعروف بقلبه وينكر المنكر بقلبه٢.
وبكراهية القلب للمنكر تبرأ ذمة المحتسب إن لم يستطع الإنكار باليد أو اللسان.
عن العرس بن عميرة الكندي ﵁ ٣ عن النبي ﷺ قال: " إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها وقال مرة" أنكرها" كان كمن غاب عنها, ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها" ٤.
قال الشيخ أبو الطيب آبادي ﵀ في معنى قوله: " كمن غاب عنها" " أي في عدم لحوق الإثم له, وهذا في من يعجز عن إزالتها بيده ولسانه, والأفضل أن يضيف إلى القلب اللسان فيقول: اللهم هذا منكر لا أرتضيه قاله العزيزي"٥اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: " فمن شهد الخطيئة فكرهها في قلبه كان كمن لم يشهدها إذا عجز عن إنكارها بلسانه ويده, ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها, لأن الرضا بالخطايا من
стр. 229
أقبح المحرمات ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب, وهو فرض على كل مسلم, لا يسقط عن أحد في حال من الأحوال"١اهـ.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما حقيقة الإنكار بالقلب؟ فإن البعض يظن مخطئا أنه ما دام كارها للمنكر فلا بأس عليه بمخالطة فاعله والجلوس معه حال مواقعته للمنكر, أو البقاء في مكان فيه منكر٢ مبررا ذلك الفعل بكراهية قلبه لذلك المنكر, وهذا الفعل مخالف لصريح الكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ ٣.
قال الإمام القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: " ... فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر, لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم والرضا بالكفر كفر"٤.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: لأنكم رضيتم بكفرهم واستهزائهم, والراضي بالمعصية كالفاعل لها, والحاصل أن من حضر مجلسا, يعصى الله به فإنه يتعين عليه الإنكار عليهم, مع قدرة , أو القيام مع عدمها"٥اهـ.
стр. 230
وحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام, ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام بغير إزار, ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر" ١.
فدل على تحريم الجلوس في مكان المنكر بدون إنكار له, وأن من علامات الإنكار بالقلب المتضمن لأقل درجات الإيمان مفارقة مكان المنكر. والله أعلم.
"وأخرج ابن جرير عن هشام بن عروة ﵁ قال: أخذ عمر بن عبد العزيز قوما على شراب, فضربهم وفيهم صائم, فقالوا: إن هذا صائم فتلا: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ ٢ ٣.
وهكذا تعتبر هذه المرحلة الإيمانية النهائية, وهي الكراهة أو الإنكار بالقلب الذي يقتضي مفارقة مكان المنكر, حتمية على كل مسلم ومسلمة, ولا رخصة لأحد في تركها البتة.
ولقد فطن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لهذا فقام في معرض احتسابه على سليمان بن سحيم الذي استخدم فيه التغليظ والتوبيخ كما مر
стр. 231
في المطلب السابق, بتوبيخه له على حضوره للمولد وأكله من الطعام المعد لذلك١ لما في الجلوس في أماكن المنكرات على افتراض كراهية القلب لها من مخالفة لمفهوم الإنكار بالقلب الذي يعني اقتران البغض القلبي للمنكر بالمفارقة الجسدية للمكان الذي يتواجد فيه ذلك المنكر.
стр. 232
الفصل الثاني: الحسبة العملية للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀
المبحث الأول: احتسابه في جوانب العقيدة
المطلب الأول: احتسابه في توحيد الألوهية:
*
...
الفصل الثاني: الحسبة العملية للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀
ويشتمل هذا الفصل على خمسة مباحث:
المبحث الأول: احتسابه في جوانب العقيدة, وفيه ثمانية مطالب:
المطلب الأول: احتسابه في توحيد الألوهية.
المطلب الثاني: احتسابه في توحيد الأسماء والصفات.
المطلب الثالث: احتسابه في توحيد الربوبية.
المطلب الرابع: احتسابه بإزالة الأوثان.
المطلب الخامس: احتسابه على أهل البدع.
المطلب السادس: احتسابه على الموالاة والمعاداة.
المطلب السابع احتسابه على السحر والتنجيم والكهانة.
المطلب الثامن: احتسابه على التمائم والرقى.
المبحث الثاني: احتسابه في العبادات.
المبحث الثالث: احتسابه في المعاملات وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: احتسابه على الوقف على الأولاد.
стр. 233
المطلب الثاني: احتسابه على بعض صور الربا.
المطلب الثالث: احتسابه على الرشوة.
المطلب الرابع: احتسابه على العشور والمكوس.
المبحث الرابع: احتسابه في الحدود وفيه مطلبان:
المطلب الأول: احتسابه برجم المرأة الزانية.
المطلب الثاني: احتسابه بقتال المخالفين للعقيدة الصحيحة.
المبحث الخامس: احتسابه في الآداب وفيه مطلبان:
المطلب الأول: احتسابه في التأدب مع آل البيت.
المطلب الثاني: احتسابه على الغناء.
стр. 234
المبحث الأول: احتسابه في جوانب العقيدة:
المطلب الأول: احتسابه في توحيد الألوهية:
ترتكز عقيدة التوحيد على ثلاثة قواعد أساسية لا تقوم إلا عليها جميعا, أولها وحجر الأساس لها: توحيد الألوهية:
فلا يكون المسلم مسلما إلا بتحقيقه لتوحيد الألوهية الذي من أجله خلق الله الثقلين قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.
تعريف توحيد الألوهية لغة:
التوحيد في اللغة: مصدر وحد يوحد توحيدا٢.
قال الجوهري: الوحدة: الانفراد٣.
والواحد هو: الشيء الذي لا جزء له ألبتة٤.
والإله في اللغة: على وزن فعال بمعنى مفعول لأنه مالوه أي معبود٥ والإلاهة والألوهة والألوهية العبادة٦.
والله: معناه الذي يستحق أن يعبد ٧ وحده دون سواه.
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: الله ذو الألوهية والعبودية على
стр. 235
خلقه أجمعين١.
وعنه ﵄ أنه قرأ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ ٢ قال: عبادتك٣.
وقال ﵄: " والله" معناه الخلق يألهون إليه أي يألهون ويتألهون إليه أي يتضرعون إليه عند الحوائج ونزول الشدائد٤.
تعريف توحيد الألوهية شرعا:
هو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته والتصديق بها ذاتا وصفاتا وأفعالا٥ والتأله له والخضوع والذل والحب والافتقار والتوجه إليه تعالى٦ ونفي العبادة عن كل ما سواه تعالى كائنا من كان٧.
стр. 236
وأصل العبودية في اللغة: الخضوع والذل..يقال طريق معبد١.
وفي الشرع عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية بأنها: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة"٢اهـ.
والعبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت٣.
стр. 237
الفرع الأول: فحوى توحيد الألوهية:
ولقد فهم المشركون فحوى توحيد الألوهية ومغايرته لتوحيد الربوبية لذلك رفضوا دعوة الرسول ﷺ لهم إلى وحدانية الله تعالى مع إقرارهم بربوبيته.
قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: " والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق به والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه فإنه لما قال لهم: "قولوا لا إله إلا الله" قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١.
فإذا عرفت أن الجهال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا
стр. 238
يعرف من تفسير هذه الكلمة١ ما عرفه جهال الكفار, بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني, والحاذق منهم يظن أن معناها: لا يخلق ولا يرزق إلا الله, ولا يدبر الأمر إلا الله فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بلا إله إلا الله"٢.
وهذا حال مشركي هذا الزمن من عباد الأضرحة والقبور, فهم مع يقينهم بأن الله هو الخالق الرازق, إلا أنهم يستعينون بأوليائهم, ويتوسلون بهم, ويسجدون على قبورهم, ويطوفون حولها, إلى غير ذلك من مظاهر الشرك المختلفة٣.
ولقد اهتم الشيخ الإمام الهمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في احتسابه بالإنكار على مظاهر الشرك المناقصة لتوحيد الألوهية بدرجة كبيرة بل إن إنكاره في هذا الجانب هو لب احتسابه ومحوره الأساسي.
قال ﵀: "وأما ما نهينا الناس عنه فنهيناهم عن الشرك الذي قال الله فيه: ﴿إنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٤.
وقوله تعالى لنبيه ﷺ على سبيل التغليظ وإلا فهو منزه هو وإخوانه عن الشرك: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ
стр. 239
مِنَ الْخَاسِرِينَ, بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ١ "٢
ولعل السبب في إعطاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ قضية توحيد الألوهية جل اهتمامه في حسبته يعود إلى أمرين:
الأول: أن البدء بتصحيح العقيدة وإخلاص توحيد العبادة لله وحده لا شريك له هو السبيل الذي سلكه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٤.
فأول ما يقرع به كل رسول أسماع قومه قوله: ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٥.
وهذا هو الذي تضمنه قول: " لا إله إلا الله", فإنما دعت الرسل أممها إلى قول هذه الكلمة واعتقاد معناها لا مجرد نطقها باللسان٦.
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "إن التوحيد الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم إفراد الله بالعبادة كلها ليس فيها حق لملك
стр. 240
مقرب ولا نبي مرسل فضلا عن غيرهم"١اهـ.
لذلك فإن أول واجب يلزم المسلم تعلمه والعمل به هو إفراد الله بالتوحيد, وقد احتسب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب على محمد بن عباد في هذا الجانب فقال ﵀: "قولك أول واجب على كل ذكر وأنثى النظر في الوجود ثم معرفة العقيدة ثم علم التوحيد, وهذا خطأ وهو من علم الكلام الذي أجمع السلف على ذمه, وإنما الذي أتت به الرسل أول واجب هو التوحيد ليس النظر في الوجود ولا معرفة العقيدة كما ذكرته أنت في الأوراق أن كل نبي يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢"٣.
الثاني: أن العصر الذي عاش فيه ﵀ كان يسوده هذا النوع من الشرك, لأن الحالة الدينية المتدهورة التي كانت سائدة في عصره رحمه الله٤ تحتم عليه ذلك.
ومن لوازم احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في توحيد الألوهية احتسابه في كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" فهي أول الأركان ومفتاح الجنان وهي الشجرة الطيبة التي تثمر الأعمال الصالحة قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ, تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ, وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ ٥.
قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "فالكلمة الطيبة هي
стр. 241
التوحيد وهي كالشجرة, والأعمال ثمارها في كل وقت, وكذلك السيئة هي العمل لغير الله, وهذا هو الشرك"١.
وهذا ما ذهب إليه أهل العلم.
ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ قول ابن عباس ﵄ في هذه الآية: "هي شهادة أن لا إله إلا الله"٢.
قال ابن القيم ﵀ معلقا على هذه الآية: "وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب التي فروعها من الأعمال الصالحة كل وقت ... والمقصود أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفا بمعناها وحقيقتها نفيا وإثباتا, ومتصفا بموجبها, قائما قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته, فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل من ها الشاهد"٣اهـ.
стр. 242
الفرع الثاني: معنى كلمة لا إله إلا الله:
قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ موضحا المعنى اللغوي لكلمة لا إله إلا الله:
""لا" هذه النافية للجنس فنفى جميع الآلهة.
و"إلا" حرف استثناء يفيد حصر جميع العبادة على الله .
و"الإله" اسم صفة لكل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود على المعبود بحق وهو الله تعالى وهو الذي يخلق ويرزق ويدبر.
стр. 243
"والتأله" التعبد"١.
وهذا الذي قرره الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ هو الراجح من أقوال النحويين في إعراب "لا إله إلا الله"٢ والتي ضربت صفحا عنها خشية الإطالة.
معنى لا إله إلا الله شرعا:
قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: " معناها: لا معبود بحق إلا الله وحده"٣.
ويربط ﵀ بين التعريفين اللغوي والشرعي فيقول: "وحد النفي من الإثبات" لا إله" نافيا جميع ما يعبد من دون الله "إلا الله" مثبتا العبادة لله وحده لا شريك له في ملكه"٤.
وقد سبقه إلى هذا الإمام الطبري حيث قال ﵀ في تفسير ﴿لا إله إلا الله﴾ : " لا معبود تنبغي أو تصلح له الألوهية, ويجوز لك وللخلق عبادته إلا الله"٥اهـ.
وفي معناها تخلية ثم تحلية. قال القرطبي ﵀ في إيضاح ذلك ضمن تفسيره لها: " نفي وإثبات , أولها كفر وآخرها إيمان, معناه: لا معبود إلا الله"٦.
стр. 244
وفسر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الإله بقوله: " هو الذي تأله القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاءً وإجلالا وإكراما والله له حق لا يشركه فيه غيره فلا يعبد إلا الله, ولا يدعى إلا الله, ولا يخاف إلا الله ولا يطاع إلا الله"١.اهـ.
وقال البقاعي٢: ﴿لا إله إلا الله﴾ : أي انتفاء عظيما أن يكون معبودا بحق الملك الأعظم٣.
وقال ابن رجب: "لإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالا ومحبة وخوفا ورجاء وتوكلا عليه ... وسؤالا منه ودعاءا له ولا يصلح ذلك كله إلا الله "٤.اهـ.
ويجمل ذلك المعنى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بقوله: " والإله المألوه والإلهية عمل من الأعمال, وكونه منفيا عن غير الله ترك من التروك"٥.
وحول معنى " لا إله إلا الله" نكتة لطيفة أوردها الزركشي٦ أذكرها للفائدة: "قول: " لا إله إلا الله" فيه خاصيتان:
إحداهما: أن جميع حروفها جوفية ليس فيها من الحروف الشفهية.
стр. 245
للإشارة إلى الإتيان بها من خالص جوفه وهو القلب لا من الشفتين.
الثانية: أنه ليس فيها حرف معجم١ بل جميعها متجردة عن النقط إشارة إلى التجرد عن كل معبود سوى الله تعالى"٢ والله تعالى أعلم بالحق والصواب.
ولذيوع الجهل بالمعنى الصحيح لكلمة " لا إله إلا الله" اعترض أحد علماء الضلال على احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب لتصحيح معناها عند الناس فرد على ذلك ﵀ قائلا٣:
"أظنك وكثير من أهل الزمان ما يعرف من الآلهة المعبود إلا هبل ويغوث ويعوق ونسرا واللات والعزى ومناة فإن جاد فهمه عرف أن المقامات المعبودة اليوم من البشر والشجر والحجر ونحوها مثل شمسان وإدريس أبو حديدة ونحوهم منها.
هذا ما أثمر به الجهل والغفلة والإعراض عن تعلم دين الله ورسوله, ومع هذا يقول لكم شيطانكم المويس إن بنيات حرمة٤ وعيالهم يعرفون التوحيد فضلا عن رجالهم, وأيضا تعلم معنى لا إله إلا الله بدعة فإن استغربت ذلك
стр. 246
مني فاحضر عندك جماعة واسألهم عما يسألون عنه في القبر هل تراهم يعبرون عنه لفظا وتعبيرا"١.
ومن شدة تواضعه ﵀ أثناء إنكاره للمنكر كان يخبر قومه عن حاله قبل نيله ما من الله عليه به من خير عظيم مقسما بالله تعالى على أنه رغم طلبه للعم وتزوده به لم يكن يعرف حقيقة معنى لا إله إلا الله, حتى مشايخه لم يكن منهم من يعرف معناها٢.
وبهذا يضرب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ المثل الأعلى للمحتسب الناصح الصادق الذي لا تكدر حسبته شائبة كبر أو عجب أو تعالم!!.
وبالنظر فيما سبق التنويه إليه من جهل الناس بمعنى "لا إله إلا الله", والآثار المترتبة على ذلك من صرف العبادة لغير الله من المعبودات من البشر والشجر والحجر, والإشراك بها مع الله جل وعلا, تتضح الحكمة من تصدير الشيخ الإمام حمد بن عبد الوهاب ﵀ لتوحيد الألوهية في احتسابه على غيره من أنواع التوحيد الأخرى والغاية من إيلائه له جل اهتمامه ﵀, والتي سبقت الإشارة إليها قريبا٣.
لأن العلم بمعنى كلمة: "لا إله إلا الله" هو أساس معرفة التوحيد الذي يجب على كل مسلم ومسلمة تحقيقه, فإذا جهل الإنسان المعنى الحقيقي لهذه الكلمة فإن عقيدته وعبادته تكون على خطر عظيم, لا يجلوه عنه إلا بذل الجهد في
стр. 247
تعلم معناها وما يترتب على معرفتها من أمور.
وهذا ما ينبغي للمحتسب أن يسعى إليه في احتسابه, فيأمر الناس بمعرفة المعنى الصحيح لكلمة التوحيد وينهاهم عن كافة المعاني الخاطئة لها.
стр. 248
الفرع الثالث: مقتضى لا إله إلا الله:
إن معنى شهادة أن لا إله إلا الله هو التكلم بها مع المعرفة لمعناها والعمل بمقتضاها باطنا وظاهرا, فلا بد فيه من العلم واليقين والعمل بمدلولها كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ ١ ٢.
ويشير الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب إلى معنى الآية بقوله ﵀:
"العلم لا يسمى علما إلا إذا أثمر وإن لم يثمر فهو جهل ... والعلم هو الذي يستلزم العمل ومعلوم تفاضل الناس في الأعمال تفاضلا لا ينضبط وكل ذلك بسبب تفاضلهم في العلم ... وسرالمسألة العلم بلا إله إلا الله"٣.
وسوف يسأل الله الناس عن عملهم بمقتضاها:
ذكر الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ, عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤: عن ابن عمر, وعن مجاهد, وعن أنس موقوفا: عن لا إله إلا الله٥.
стр. 249
قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: " اعلم ارشدك الله أن الله خلقك لعبادته وأوجب عليك طاعته, ومن أفرض عبادته عليك معرفة لا إله إلا الله علما وقولا وعملا"١.
وقال ﵀: "المراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها"٢.
وقال أيضا ﵀: " إن النطق بها لا ينفع إلا بالمعلم بمقتضاها وهو ترك الشرك"٣.
وهو ما أكد عليه أهل العلم قال ابن رجب ﵀ في هذا الصدد:
" ومن قال: لا إله إلا الله بلسانه ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب فعله قوله, ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى, ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ ٤ ٥ا. هـ.
ولقد احتسب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بشدة على المويس في رسالته إلى عبد الله بن سحيم قائلا:
"قوله عن المشرك لا يقول لا إله إلا الله فيا عجبا من رجل يدعي العلم وجاي من الشام يحمل كتب فلما تكلم إذ٦ أنه لا يعرف الإسلام من الكفر
стр. 250
ولا يعرف الفرق بين أبي بكر الصديق وبين مسيلمة الكذاب, أما علم أن مسيلمة يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويصلي ويصوم, أما علم أن غلاة الرافضة الذين أحرقهم علي يقولونها وكذلك الذين يقذفون عائشة ويكذبون القرآن, وكذلك الذين يزعمون أن جبريل غلط وغير هؤلاء ممن أجمع أهل العلم على كفرهم منهم من ينتسب إلى الإسلام ومنهم من لا ينتسب إليه كاليهود وكلهم يقولون لا إله إلا الله وهذا بين عند من له أقل معرفة بالإسلام من أن يحتاج إلى بيان, وإذا كان المشركون لا يقولونها فما معنى باب حكم المرتد الذي ذكره الفقهاء من كل مذهب؟ هل الذين ذكروهم الفقهاء وجعلوهم مرتدين لا يقولونها هذا الذي ذكر أهل العلم أنهم أكفر من اليهود والنصارى, وقال بعضهم من شك في كفر أتباعه فهو كافر وذكرهم في "الإقناع" في باب حكم المرتد وإمامهم ابن عربي, أيظنهم لا يقولون لا إله إلا الله ١.