← Тараджим

Тараджим · id 7487

احتساب الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله)

مرفت بنت كامل بن عبد الله أسرة

Полный текст (517 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

بِرَبِّ النَّاسِ, مَلِكِ النَّاسِ, إِلَهِ النَّاسِ﴾ ١. وكما يقال رب العالمين وإله المرسلين وعند الإفراد يجتعان كما في قول القائل: من ربك, مثاله الفقير والمسكين نوعان في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ ٢ ونوع واحد في قوله ﷺ : " افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم" ٣. إذا ثبت هذا فقول المكلين للرجل في القبر: من ربك؟ معناه من إلهك لأن الربوبية التي أقر بها المشركون ما يمتحن أحد بها, وكذلك قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ ٤ وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً﴾ ٥ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ ٦ فالربوبية في هذا هي الألوهية ليست قسيمة لها عند الاقتران, فينبغي التفطن لهذه المسألة"٧اهـ. كما احتسب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ على محمد

стр. 282

ابن عباد١ مطوع ثرمدا٢ في إقراره بالفرق بين توحيد الربوبية والألوهية بالقول المجرد عن العمل قائلا: " قولك إن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ قد أقروا بتوحيد الربوبية, ثم أوردت الأدلة الواضحة على ذلك, وإنما قاتلهم رسول الله ﷺ عند٣ توحيد الألوهية, ولم يدخل الرجل في الإسلام بتوحيد الربوبية إلا انضم إليه توحيد الألوهية فهذا كلام من أحسن الكلام وأبينه تفصيلا, ولكن العام٤ لما وجهنا إليه إبراهيم كتبوا له علماء سدير مكاتبة وبعثها لنا هي عندنا الآن ولم يذكروا فيها إلا توحيد الربوبية, فإذا كنت تعرف هذا فلأي شيء ما أخبرت إبراهيم ونصحته إن هؤلاء ما عرفوا التوحيد, وإنهم منكرون دين الإسلام, ... لأن كثيرا ممن واجهناه وقرأ علينا يتعلم هذا ويعرفه بلسانه فإذا وقعت المسألة لم يعرفها بل إذا قال له بعض المشركين نحن نعرف أن رسول الله ﷺ لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا وأن النافع الضار هو الله يقول جزاك الله خيرا. ويظن أن هذا هو التوحيد ونحن نعلمه أكثر من سنة أن هذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون. فالله الله٥ في التفطن لهذه المسألة فإنها الفارقة بين الكفر والإسلام. ولو أن رجلا قال: شروط الصلاة تسعة ثم سردها كلها فإذا رأى رجلا يصلي عريانا بلا حاجة أو على غير وضوء أو لغير القبلة لم يدر أن صلاته فاسدة لم يكن

стр. 283

قد عرف شروط الصلاة ولو سردها بلسانه, ولو قال الأركان أربعة عشر ثم سردها كلها ثم رأى من لا يقرأ الفاتحة ومن لا يركع ومن لا يجلس للتشهد ولم يفطن أن صلاته باطلة لم يكن قد عرف الأركان ولو سردها. فالله الله في التفطن لهذه المسألة"١.

стр. 284

المطلب الرابع: احتسابه بإزالة الأوثان: لم يقف احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في توحيد الألوهية عند درجة الإنكار باللسان والقلم فحسب, بل تجاوزه إلى درجة الإنكار باليد لما تحقق له شرط الاستطاعة, فالإنكار باليد لا يجب إلا مع الاستطاعة, كما سبقت الإشارة إليه١ كذلك لم يشرع الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في إزالة الأوثان التي ألفها الناس وتعلقوا بها من دون الله إلا بعد أن تعاضد مع الأمير عثمان بن معمر ﵀ مستمدا قوته من قوته وهيبته من هيبته, وهذا من فقه الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بقواعد إنكار المنكر. ويذكر المؤرخ ابن بشير ﵀ في تاريخه قصة كانت سببا مباشرا لانتقال الإمام محمد بن عبد الوهاب من حريملاء إلى العيينة ومن ثم التعاضد مع أمير عثمان بن معمر ٢ الذي كان خير عون له بعد الله في قيامه بالحسبة وإليك نصها: " ... كان رؤساء أهل حريملاء قبيلتين, أصلهما قبيلة واحدة, وهم رؤساء وكل منهم يدعي القول وليس للأخرى على الثانية قول ولا للبلد رئيس يزع الجميع وكان في البلد عبيد لإحدى القبيلتين يقال لهم

стр. 285

الحميان١. كثير تعديهم وفسقهم. فأراد الشيخ أن يمنعوا من الفساد وينفذ فيهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهمَّ العبيد أن يفتكوا بالشيخ ويقتلوه بالليل سرا. فلما تسوروا عليه جدار علم بهم أناس فصاحوا بهم فهربوا. فانتقل الشيخ بعدها إلى العيينة ورئيسها يومئذ عثمان بن حمد بن معمر. فتلقاه بالقبال٢ وأكرمه وتزوج فيها الجوهرة بنت عبد الله بن معمر٣. وعرض على عثمان ما قام به ودعا إليه وقرر٤ له التوحيد وحاوله على نصرته٥ وقال: " إني أرجوإن أنت قمت بنصر لا إله إلا الله أن يظهرك الله تعالى وتملك نجدا وأعرابها, فساعده عثمان على ذلك, فأعلن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وتبعه أناس من أهل العيينة"٦اهـ. ولقد مر معنا آنفا كيف فشا الشرك بين الناس متمثلا في عدة صور منها: ١-التبرك ببعض الأشجار كشجرة قريوه والذيب والطرفية والفحال. ٢-بناء القباب على بعض القبور كقبة قبر زيد بن الخطاب وقبة قبر أبي طالب٧. ولن تكون العودة إلى الحياة الأولى حيث التوحيد والعزة.

стр. 286

الحقة إلا بهدم هذه الأشياء المبتدعة والخرافات١ لذلك كان هدف الإمام محمد بن عبد الوهاب الأول القضاء على كل ما ينافي التوحيد من مظاهر الشرك الوثنية٢ فشمر ﵀ عن ساعديه بعد أن تعاضد مع أمير العيينة عثمان بن معمر وأشهر احتسابه على المنكرات الشركية لإزالة الأوثان ومظاهر الشرك التي كانت على نوعين:

стр. 287

الفرع الأول: قطع الأشجار المعظمة المتبرك بها: قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: " لا يجوز إبقاء مواضع الشرك بعد القدرة على إبطالها يوما واحدا فإنها شعائر الكفر, وهي أعظم المنكرات"١. عن أبي واقد الليثي٢ ﵀: " أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى حنين مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم, قالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط, فقال النبي ﷺ : سبحان الله هذا كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ٣ والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان

стр. 288

قبكلم" ١. واستشهد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بكلام الطرطوشي٢ بعد أن ساق حديث أبي واقد الليثي الذي عزاه الطرطوشي للبخاري٣ قائلا: " فانظر رحمكم الله أينما وجدتم سدرة يقصدها الناس, وينوطون بها الخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها"٤. ومن فضل الله تعالى ورحمته أن غيب عن عقول وأعين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم الشجرة التي تمت تحتها بيعة الرضوان. عن سعيد بن المسيب ﵀ عن أبيه ﵁ قال: " لقد رأيت الشجرة

стр. 289

ثم أتيتها بعد فلم أعرفها قال محمود ١ ثم أنسيتها بعد"٢. وعن طارق بن عبد الرحمن قال انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان, فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان في من بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها, فقال سعيد: " إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها وعلمتموها انتم؟ فأنتم أعلم"٣. وعن ابن عمر ﵄ قال: " رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها, كانت رحمة من الله"٤. وعن سعيد بن المسيب ﵀ عن أبيه ﵁ أنه كان ممن بايع تحت الشجرة فرجعنا إليها العام المقبل فعميت علينا"٥. بينما جاء في الأثر عن عبد الله بن عون٦ عن نافع قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان فيصلون عندها, قال: فبلغ ذلك عمر بن

стр. 290

الخطاب ﵁ فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت١. ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ أن الحكمة من خفاء تلك الشجرة هي: "أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير, فلو بقيت لما أمن تعظيم الجهال لها حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر كما نراه الآن وشاهداً في ما هو دونها, وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: " كانت رحمة من الله" أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى"٢اهـ. وقال الإمام ابن القيم ﵀: " فمن الأنصاب ما قد نصبه الشيطان للمشركين من شجرة أو عمود أو وثن أو قبر أو خشبة أو عين ونحو ذلك والواجب هدم ذلك كله ومحو أثره"٣. وذلك سداً لذريعة الشرك وحماية لجناب التوحيد. لهذا نجد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بادر بكل بسالة إلى

стр. 291

قطع دابر الشرك المجسد في الأشجار التي كان يتبرك بها كثير من الناس. قال المؤرخ ابن غنام ﵀: " أمر الشيخ محمد الأمير عثمان بهدم القبب ... وقطع الأشجار التي كانت الخلق لها في كل ساعة منتابة فبادر عثمان لذلك وامتثل, وخرج الشيخ معه وجماعتهم على عجل وخرجوا بالمعاول والكل للأجر آمل ... وخر ما في العارض من مُعبدات الأشجار كشجرة قريوه وأبي دجانة والذيب فلم يكن أحد إلى التبرك بهما١ ينيب ولم تسألها من لم تتزوج مثل العادات زوجا حبيب٢ وليس هذا في تلك الأزمان بغريب وليس وقوع أقبح منه بعجيب, وكان الشيخ رحمه الله تعالى هو الذي باشر قطع شجرة الذيب بيده مع بعض أصحابه فنال من ربه جزيل أجره وثوابه, وقطع شجرة قريره ثنيان بن سعود ومشاري بن سعود وأحمد بن سويلم وجماعة سواهم فأدركوا من الفوز مناهم"٣أهـ. وقال ابن بشر ﵀: " وكان فيها٤ أشجار تعظم وتعلق عليها فبعث إليها سرا من يقطعها بأجرة من ماله, فقطعت, وفي البلد شجرة هي أعظمهن عندهم, وذكر لي أن الشيخ خرج إليها بنفسه سرا يريد قطعها فوجد عندها راعي غنم أهل البلد فأراد ان يمنعها منه أو أنه خاف أن ينم عليه, فأعطاه

стр. 292

الشيخ أحد أسلابه١ الذي عليه وخلى بينه وبينها فقطعها"٢اهـ. وكان الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "كلما قطع شجرة من الأشجار التي زعموا أن سر البركة في أغصانها كلما زاد قوة وعزما٣؛ لأن العقيدة الصحيحة الصافية التي تسمو بالنفس عن الأحجار والأشجار والأوثان وعبادة العظماء تربي صاحبها على الشجاعة وعدم الخوف من الموت في سبيل الحق وإنكار المنكر مهما كانت التبعات٤ وكان من نتائج هذا الإنكار العملي لمظاهر الشرك أن أيد الله الإمام محمد بن عبد الوهاب وأظهره. قال ابن بشر ﵀: "ثم صار أمره في ازدياد واجتمع معه عصابة نحو سبيعن رجلا معهم من هو من رؤساء المعامرة٥ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم"٦اهـ.

стр. 293

الفرع الثاني: هدم القباب المبنية على قبور المعظمين: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀:" أما بناء القباب عليها١ فيجب هدمها, ولا علمت أنه يصل إلى الأشرك الأكبر, وكذلك الصلاة عنده قصده لأجل الدعاء فكذلك لا أعلمه يصل إلى ذلك, ولكن هذه الأمور من أسباب حدوث الشرك, فيشتد نكير العلماء لذلك كما صح عنه ﷺ أنه قال:

стр. 294

"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١, وذكر العلماء أنه يجب التغليظ في هذه الأمور لأنه يفتح باب الشرك"٢. من ذلك قول الإمام الشوكاني ﵀: " هذه البدعة قد صارت وسيلة لضلال كثير من الناس لا سيما العوام, فإنهم إذا رأوا القبر وعليه الأبنية الرفيعة والستور الغالية وانضم إلى ذلك إيقاد السرج عليه تسبب عن ذلك الاعتقاد في ذلك الميت ولا يزال الشيطان يرفعه من رتبة إلى رتبة حتى يناديه مع الله سبحانه ويطلب منه ما لا يطلب إلا من الله ولا يقدر عليه سواه فيقع في الشرك"٣اهـ. ويأتي الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بحجج قوية على وجوب هدم القباب المبنية على القبور فقال ﵀: "سؤال الأنبياء والأولياء الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها والسرج والصلاة عندها واتخاذها أعيادا وجعل السدنة والنذور لها فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها النبي ﷺ وحذر منها كما في الحديث عنه ﷺ أنه قال: " لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان" ٤, وهو ﷺ

стр. 295

حمى جناب التوحيد أعظم حماية وسد كل طريق يوصل إلى الشرك فنهى أن يجصص القبر, وأن يبنى عليه كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر١ وثبت فيه أيضا أنه بعث علي بن أبي طالب ﵁ وأمره أن لا يدع قبرا مشرفا إلا سواه ولا تمثال٢ إلا طمسه٣, ولهذا قال غير واحد من العلماء٤: يجب هدم القبب المبنية على القبور لأنها أسست على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم٥. واستجابة لأمر الله ورسوله انطلق الشيخ الإمام الهمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بعزيمة الرجال وثبات الجبال لهدم ما قدر عليه من القباب والمشاهد معلنا للتوحيد الخلص مغيرا لأعظم المنكرات. قال المؤرخ ابن غنام ﵀ في سياق حديثه عن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب والأمير عثمان بن معمر: "أمر الشيخ محمد الأمير عثمان بهدم القبب والمساجد المبنية في الجبيلة على قبور الصحابة ... فبادر عثمان لذلك وامتثل وخرج الشيخ معه وجماعتهم على عجل وخرجوا بالمعاول, والكل للأجر آمل فهدموا تلك المساجد وأزالوا رفيع المشاهد وأزالوا جميع المحظور عن جميع تلك

стр. 296

القبور, وعدلت على السنن المشروع واندرس الأمر الممنوع وهدم رفيع ذلك البناء وبطل ذلك التعظيم والاعتناء وخر شامخ الأحجار ... "١. ويفصل المؤرخ ابن بشر ﵀ في قصة هدم هذه القبة قائلاً: "إن الشيخ أراد أن يهدم قبة قبر زيد بن الخطاب ﵁ التي عند الجبيلة فقال لعثمان٢:"دعنا نهدم هذه القبة التي وضعت على الباطل وضل بها الناس عن الهدى" فقال: دونكها فاهدمها فقال الشيخ: "أخاف من أهل الجبيلة أن يوقعوا بنا ولا أستطيع هدمها إلا وأنت معي" فسار معه عثمان بنحو ستمائة رجل فلما قربوا منها ظهروا عليهم أهل الجبيلة يريدون أن يمنعوها فلما رآهم عثمان علم ما هموا به فتأهب ... فلما رأوا ذلك كفوا عن الحرب وخلوا بينهم وبينها, وذكر لي أن عثمان لما أتاها قال للشيخ نحن لا نتعرضها فقال أعطوني الفأس فهدمها الشيخ بيده حتى ساواها, ثم رجعوا فانتظر تلك الليلة جهال البدو وسفهاؤهم ما يحدث على الشيخ بسبب هدمها فأصبح في أحسن حال"٣ ا. هـ. فكان ذلك نصرا عمليا له ولدعوته أقنع بعض المتشككين في أمره بصحة ما يدعو إليه٤ وهذا وعد من الله لمن نصر دينه قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٥. ويصف لنا ابن غنام ﵀ حال الناس بعد هذا النصر قائلاً:

стр. 297

"فلم يبق وثن في البلدان التي كانت تحت يد عثمان وشاع ذلك واستبان ونعم بذلك أهل الإيمان وصلحوا حالاً من ذلك المكان وانتشر الحق من ذلك الأوان واشتهر الأمر وبان وسارت بذلك الركبان"١ ا. هـ. ولكن سنة الله في خلقه أن يبتلى ويمحص أهل الحق ويصقلوا بالفتن كما يصقل الذهب بالنار لينقى من الشوائب ويزداد لمعاناً!! لذلك قوبل هذا الاحتساب من الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بكثير من النفور الذي وصفه ابن غنام قائلاً: "فأنكرت ذلك قلوب الذين حقت عليهم كلمة العذاب وقالوا مثل ما قال الأولون ذووا الكفر والإعجاب: ﴿أجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢ فأخذوا في رده والإنكار عليه وأتوا بأعظم الأسباب وزجوا الخلق في لجة الضلال والارتياب وضجوا على كلمة الحق بالتكذيب والإكذاب ... – وبهتوا – الشيخ بأنه ساحر ومفتر وكذاب وحكموا بكفره واستحلال دمه وماله وجميع من له من أصحاب: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ ٣ وأشر الناس ... إنكارا عليه وأعطمهم تشنيعا وسعيا بالشر إليه سليمان ابن سحيم وأبوه محمد فقد أنهم٤ في ذلك وأنجد وجد في التحريش

стр. 298

عليه والتحريض, وهيئوا له أسباب الجريض١ وأرسل بذلك إلى الأحساء والحرمين والبصرة فلم ينل من مراده سوى الخزي والعار والحسرة, ولم يحصل من مراده بغير العثرة, ولقد كاد وشنع وعادى وجشر٢ علماء السوء ونادى وكذب عليه وبهت وزور وجد في دحض الهدى وشمر وسعى وفي إبطاله٣ وما قصر وبعث الطروس٤ منزعه بالباطل والمين٥ إلى علماء الحسا والبصرة والحرمين فقاموا معه فورا بالإنكار وأفتوا للحكام والسلاطين والأشرار بأن القائم بدعوة التوحيد ... ليس له في الحق تثبت ولا قرار, وأنه من لظى الجحيم والنار على شفا جرف هار، بل جزم أكثر علماء الأمصار في تلك الأزمان والأعصار بأن هذا المبين لآثار السلف الأخيار المتبع لهدي نبيه المختار من أقبح الضلال والفساق والكفار وأشر الخوارج والفجار, وحسبوا أنهم إذا حرشوا عليه الحكام يجدون في قتله ويجتهدون فيفوزون حينئذ بما كانوا يؤملون, ولقد عرفوا أن الذي جاء به الحق ولكنهم كانوا يكتمون: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ

стр. 299

يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ١ فصنفوا المصنفات في تبديعه وتضليله وتغييره للشرع النبوي وتبديله وعدم معرفته بأسرار العلوم وتجهيله, وسطروا فيها الجزم بكفره وبطلان حجته ودليله وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون, فأطبق أهل الباطل والضلال على قبيح تلك الأقوال وأرهفوا أسنة المقال والكل خاض في الإفك ونال فآب بالخسران والإذلال ورجع ولله الحمد بخيبة الآمال: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ ٢ والذي تول منهم هذا لأمر الكبير, واقتحم لجج موجه الخطير, وشمر فيه أعظم التشمير, وتنادى عليه مع أعوانه لأجل التغيير حسدا وبغيا لفوزه بهذا الفضل الكثير والفخر النابل المنير سليمان ابن سحيم وأبوه محمد من مطاوعة الرياض والموانيس من أهل منيخ٣ وعبد الله بن محمد بن عبد اللطيف ومحمد بن عبد الرحمن بن عفالق فصار كل من هؤلاء معاندا مجادلا مشاقق٤ وحذروا منه جميع الأنام, وأخرجوه بلا شك من حوزة الإسلام وأغروا به الخاص والعام خصوصا السلاطين والحكام وقطعوا لهم أنه رافض شريعة محمد عليه الصلاة

стр. 300

والسلام, وأنه مغير لمنار السنة والأحكام وليس له منها تمسك والتزام ولا بالدين أخذ واعتصام, فليس له ولا لأصحابه عهد ولا ذمام, ولم يكن له قصد ولا مرام إلا تنفير الخواص والعوام, ملأ قلوب الجهال والطغام بما يبديه لهم من ذلك الكلام فيقوموا بالمشاققة على الحكام والولاة ويكونون عليهم عتاة وبما يأمرونهم به في جميع الأحوال عصاة, فهذا غايته ومناه ومنتهى مراده وأقصاه يخوفونهم بهذه الأقاويل ويجلبون لهم أنواع الأباطيل ويحذرونهم منه أنه إن تمكن أمره في البلاد أزال جميع المنكرات والفساد وقطع جميع ما كان من المظالم معتاد, فكانوا بهذا الكلام لهم يغرون وعن طريقه يحذرون وينفرون, وهو ﵀ صابر على ما يقولون محتسب الأجر فيما إليه ينسبون متسل بما كابده وقاساه قبله الموحدون وما لقيه من الابتلاء المؤمنون وما سعى به لهم الضلال والمشركون: ﴿ألم, أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ ١ وهذه سنة الله تعالى في عبادة جارية في جميع الأزمان على مراده, يختبر بها أحبابه المؤمنين ويمتحن بها أحزابه المفلحين: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ٢ فيرفع جل وعلا قدر الصابرين ويعلى مرتبة الصادقين ويخفض منزلة المنافقين, ويفضح بإرادته الفاسقين والكاذبين ويحق عليهم كلمة العذاب أجمعين: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٣ فمضى رحمه

стр. 301

الله تعالى في المناصحة وبذل الجد في الدعوة, والخلق رموا النبال نحوه فصبر متأسيا بسلفه الصالح فكان له بهم أسوة ما كانوا عليه يحزنون: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ, إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ, وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ١ ٢ا. هـ. إلا أن صبره لم يكن إطلاقاً يعني السلبية أو الانهزامية بل كان الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ يناضل عن الحق الذي يعتقده ويدين الله به بكل ثبات ويقين, فأرسل إلى علماء المسلمين بعض الرسائل يفسر فيها عن الحق والحقيقة لما لبسهما بعض الجهال وأدعياء العلم- الذين ذكر بعضهم ابن غنام ﵀ في كلامه السابق- على العوام بسبب هدمه للقباب ومما كتبه محتسبا في ذلك- غفر الله- له رسالته التي قال فيها: "من محمد بن عبد الوهاب إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام نصر الله بهم سيد الانام وتابعي الأئمة الأعلام. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: جرا علينا من الفتنة ما بلغكم وبلغ غيركم وسببه هدم بنيان في أرضنا على قبور الصالحين, فلما كبر هذا على العامة لظنهم أنه تنقيص للصالحين ومع هذا نهيناهم عن دعواهم وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله, فلما أظهرنا هذه المسألة مع ما ذكرنا من هدم البنيان على القبور كبر على العامة جدا, وعاضدهم بعض من يدعي العلم لأسباب أخر, التي لا تخفى على مثلكم أعظمها اتباع هوى العوام من أسباب أخر فأشاعوا عنا أنا نسب الصالحين وأنا على غير جادة العلماء, ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب, وذكروا عنا

стр. 302

أشياء يستحي العاقل من ذكرها, وأنا أخبركم بما نحن عليه خبرا لا أستطيع أن أكذب" بسبب أن مثلكم لا يروج عليه الكذب على أناس متظاهرون١ بمذهبهم عند الخاص والعام لا يروّج, فنحن ولله الحمد٢ متبعون غير مبتدعين, على مذهب الإمام أحمد بن حنبل"٣. كما قال أيضا ﵀ في جملة احتسابه على عبد الله بن سحيم: " العجب من قولك أنا هادم قبور الصحابة, عبارة الإقناع في الجنائز يجب هدم القباب التي على القبور لأنها أسست على معصية الرسول٤ والنبي ﷺ صح عنه أنه بعث عليا لهدم القبور٥ "٦. بمثل هذه القوة والثبات والجرأة في الدفاع عن لحق, يستطيع المحتسب- بإذن الله تعالى- أن يتغلب على ما يعترض طريق احتسابه من معوقات شتى.

стр. 303

الملطلب الخامس: احتسابه على أهل البدع: لا تجتمع السنة والبدعة في آن واحد كما لا يجتمع الليل والنهار سويا, فكلما ازداد المسلم تمسكا بالسنة, ازداد بعدا عن البدعة وإنكار لها. والبدع من أبرز المنكرات العقائدية التي احتسب على أهلها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀, وأولاها في حسبته اهتماما كبيرا, لما ظهر في مجتمعه من صور شتى للبدع والمحدثات. والبدع مفردها بدعة. والبدعة في اللغة: من بدع الشيء يبدعه بدعا وابتدعه: أنشأه وبدأه ... وابتدعت الشيء: اخترعته لا على مثال سابق١. فأصل هذه الكلمة من الاختراع, وهو الشيء الذي يحدث من غير أصل مسبق ولا مثال ولا أُلف مثله عن أهل السنة٢. والبدعة في الشرع هي: طريقة في الدين مخترعة تضاهي- الطريقة- الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه٣. وهكذا فالمراد بالبدعة ما أحدث في الدين مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه, فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه, فليس ببدعة شرعا, وإن كان بدعة لغة٤ مثل جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد٥.

стр. 304

عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه قال خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع١ متفرقون يصلى الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر ﵁ إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل, ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب, ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم, قال عمر ﵁ نعمة البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون, يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله٢. وقد غلب لفظ البدعة على الحدث المكروه في الدين مهما أطلق هذا اللفظ٣ وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفا في الذم٤. والبدعة أنواع: النوع الأول: ما يكون في أصل العبادة بأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع, كأن يحدث صلاة غير مشروعة أو صياما غير مشروع أو أعيادا غير مشروعة كأعياد الموالد وغيرها. النوع الثاني: ما يكون في الزيادة على العبادة المشروعة, كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلا. النوع الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة بأن يؤديها على صفة

стр. 305

غير مشروعة, ذلك كأداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة, وكالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن سنة الرسول ﷺ . النوع الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع, كتخصيص يوم النصف من شعبان, وليلته بصيام وقيام, فإن أصل الصيام والقيام مشروع, ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل١. وقد حارب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ البدع بكافة أنواعها, ويرى أن الاحتساب عليها من أفضل القربات قال ﵀: " ... الأمر بالسنة والنهي عن البدعة أمر بمعروف ونهي عن المنكر, وهو من أفضل الأعمال"٢. كما يرى أنه فعل الخير المعلق به الفلاح, قال ﵀ في سياق تعليقه على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣: " فوالله الذي لا إله إلا هو إن فعل الخير اتباع ما شرع الله, وإبطال٤ من غير حدود الله, والإنكار على من ابتدع في دين الله, هذا هو فعل الخير المعلق به الفلاح خصوصا مع قوله ﷺ : "وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" ٥"٦اهـ.

стр. 306

فهذا الحديث قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها١. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ... الذين الذي يتقرب العباد به إلى الله, لا بد أن يكون الله أمر به وشرعه على ألسنة رسله وأنبيائه, وإلا فالبدع كلها ضلالة, وما عبدت الأوثان إلا بالبدع"٢اهـ. فالإتباع للرسول ﷺ حصن حصين من الابتداع, وفي الأثر عن الزهري ﵀ أنه قال: " الاعتصام بالسنة نجاة"٣. وفيه تحقيق معنى شهادة أن محمدا رسول الله, المكملة لكلمة التوحيد, فإذا كان معنى " لا إله إلا الله"كما مر سابقا- لا معبود بحق إلا الله٤ فإن من معنى " محمدا رسول الله": " لا متبوع بحق إلا رسول الله ﷺ "٥. وقد قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في بيان معناها: " ... ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر, واجتناب ما نهى عنه وزجر, وأن لا يعبد الله إلا بما شرع"٦ وبتحقيق معناها يغلق باب البدع التي قام الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالاحتساب

стр. 307

عليها, والتي منها:

стр. 308

الفرع الأول: بدعة بناء القباب على القبور: وقد سبق ذكر هذه البدعة التي احتسب عليها الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ قريبا١.

стр. 309

الفرع الثاني: بدعة الاحتفال بالمولد النبوي: يحتفل عدد من المسلمين والعلماء المضلين- في كثير من بلاد المسلمين ما عدا بلاد الحرمين حرسها الله- في ربيع الأول من كل سنة مناسبة مولد الرسول محمد ﷺ فمنهم من يقيم هذا الاحتفال في المساجد, ومنهم من يقيمه في البيوت أو الأمكنة المعدة لذلك وبحضرة جموع كثيرة من عوام الناس١. وأول من أحدث هذه البدعة الفاطميون٢ في عهد المعز لدين الله ٣مما يضعف قول السيوطي: بأن أول من أحدث فعل ذلك صاحب إربل٤الملك

стр. 310

المظفر أبو سعيد كوكبري ١ ٢ كما ذكر ابن كثير أنه كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا٣ ولم يذكر أنه أول من احتفل به. وذكر أبو شامة أن أول من فعله بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملاء أحد الصالحين المشهورين وبه اقتدى صاحب إربل٤ وكذلك لم يقل أنه أول من احتفل به. بينما لم يحتفل به البتة الرسول صلى لله عليه وسلم ولا الصحابة ولا التابعون لهم بإحسان. قال السخاوي: إن عمل المولد حدث بعد القرون الثلاثة٥. الأولى المفضلة. ومن ثم فحكمه بدعة منكرة لا أصل لها في الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح٦. قال الإمام الفاكهاني٧ ﵀: " لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا

стр. 311

سنة, ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة, الذين هم القدوة في الدين, المتمسكون بآثار المتقدمين, بل هو بدعة, أحدثها البطالون, وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون"١ ولو كان في هذا خير فكيف غفل عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة والتابعين وتابعيهم٢ وإذا كان هذا الاحتفال ليس معروفا لديهم أو الأئمة الأربعة, فلا شك أنه مردود على قائله آثم فاعله٣ لما روته عائشة ﵂ أن رسول الله صلى لله عليه وسلم قال: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ٤. ويربط الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بين الاحتفال بالمولد النبوي واحتفال النصارى بمولد المسيح ﵇ قائلا: " الأعياد من الشرائع فيجب فيها الإتباع, وما أحدث في المولد إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى, وإما محبة للنبي ﷺ , ويصحب هذه الأعمال من الريا٥ والكبر والاشتغال عن المشروع ما ٦ يفسد حال صاحبها"٧اهـ. والحق أن من يحدث بدعة ويقول من أجل محبة الرسول فما فعله ذاك إلا

стр. 312

محاداة لله وللرسول وبغضا للرسول١. ثم إن غالب الاحتفالات بالمولد- مع كونها بدعة- لا تخلو من اشتمالها على منكرات أخرى كاختلاط النساء بالرجال, واستعمال الأغاني والمعازف, وشرب المسكرات والمخدرات وغير ذلك من الشرور٢ وهذا بكل أسف ما ابتليت به الأمة الإسلامية في زماننا, فكثير من بلدان المسلمين القاصية والدانية – ما خلا بلاد الحرمين حرسها الله- تعلن وتجاهر بهذه البدعة وكأنها سنة من سنن الهدى! فإلى الله المشتكى. ومما يجدر التنبيه إليه هنا أن جل القصائد والمدائح النبوية التي يتغنى بها في المولد لا تخلو من ألفاظ الشرك وعبارات الغلو الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم٣ بقوله: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم, فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله" ٤ مثل قصيدة البردة٥

стр. 313

للبوصيري١ التي حوت من الكفر والشرك ما يندى له الجبين, وقد احتسب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ على شرحها قائلا: " ... وأعجب من ذلك ما رأيت وسمعت ممن يدعي أنه أعلم الناس, ويفسر القرآن ويشرح الحديث بمجلدات ثم يشرح " البردة" ويستحسنها ويذكر في تفسيره وشرحه للحديث أنه شرك, ويموت ما عرف ما خرج من رأسه, هذا هو العجب العجاب"٢اهـ. وعليه فتلك الموالد المشتملة على هذه الأمور الشركية أشد إثما وأعظم ذنبا وأولى بالإنكار وأجدر ألا تكون ممن يؤمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا٣. لذلك جاء احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ على سليمان بن سحيم قويا لما أنكر عليه حضوره المولد وأكله من الطعام المعد له

стр. 314

مع ما فيه من طلب الغوث والمدد من غير الله١.

стр. 315

الفرع الثالث: بدعة التصوف: يرجع أصل المسمى التصوف إلى عدة أمور منها: لباس الصوف, وصوفة القفا١, وأهل الصفة, وأهل الصفاء, والصفوة من خلق الله, والصف المقدم بين يدي الله تعالى٢. والتصوف طريقة كان ابتداؤها الزهد الكلي ثم ترخص المنتسبون إليها بالسماع والرقص فمال إليهم طلاب الآخرة من العوام لما يظهرونه من التزهد, ومال إليهم طلاب الدنيا لما يرون عندهم من الراحة واللعب٣. وللصوفية منهج في العبادة يخالف منهج السلف, فهم يقصرون العبادة على المحبة, ويغالون في أوليائهم وشيوخهم٤ ويغالون بترك الحلال تعبدا ويتنطعون في العبادات٥. ولهم رؤساء ضالون مضلون من أبرزهم ابن عربي الملقب بالشيخ الأكبر,

стр. 316

يعتبر تفسه خاتم الأولياء, وهو رئيس مدرسة وحدة الوجود١ القائلة بأنه لا شيء سوى هذا العالم وأن الإله أمر كلي لا وجود له إلا في ضمن جزئياته٢ فهو عنده يجمع بين النقيضين في ذاته وبين الضدين في صفاته, فهو الوجود الحق وهو العدم الصرف, وهو الخالق وهو المخلوق, وهو عين كل كائن, وصفاته عين صفات كل موجود وكل معلوم, هو المؤمن وهو الكافر, هو الموحد الخالص التوحيد وهو المشرك الأصم الوثنية هو الجماد وهو الحيوان وهو الملاك, وهو الشيطان..تلك هي بعض ذاتيات رب ابن عربي٣ ٤ -العياذ بالله-. ومما حدى بالعلماء الأفذاذ إلى تكفيره٥. وقد استدل الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب- ﵀ بكلام صاحب الإقناع في تكفير الصوفية في معرض احتسابه عليهم فقال: " وقال أيضا في أثناء الباب: ومن اعتقاد أن لأحد طريقا إلى الله غير متابعة محمد ﷺ , أو لا يجب عليه اتباعه أو أن لغيره خروجا عن اتباعه, أو قال أنا محتاج إليه في علم الظاهر دون علم

стр. 317

علم الشريعة دون علم الحقيقة أو قال إن من العلماء من يسعه الخروج عن شريعته كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى كفر في هذا كله١, ولو تعرف من قال هذا الكلام فيه وجزم بكفرهم وعلمت ما هم عليه من الزهد ولعبادة وأنهم عند أكثر أهل زماننا من أعظم الأولياء لقضيت العجب٢". كما احتسب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ على أحد المتأثرين بابن عربي الصوفي في جملة احتسابه على سليمان بن سحيم فقال ﵀: "ولا يخفاك أني عثرت على أوراق عند ابن عزاز٣ فيها إجازات٤ له من عند مشايخه, وشيخ مشايخه رجل يقال له عبد الغني, ويثنون عليه في أوراقهم, ويسمونه العارف بالله, وهذا اشتهر عنه أنه على دين ابن عربي الذي ذكر العلماء أنه أكفر من فرعون, حتى قال ابن المقرئ الشافعي: من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر, فإذا كان إمام دين ابن عربي والداعي إليه هو شيخهم ويثنون عليه أنه العارف بالله فكيف يكون الأمر؟ "٥اهـ. وكذا ابن الفارض٦ رأس من رؤس أهل الاتحاد٧.

стр. 318

وقد رماه بالزندقة نحو من أربعين عالما١. وقد احتسب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب على أتباع ابن عربي وابن الفارض من متصوفة زمانه فقال ﵀: "من أعظم الناس ضلالا متصوفة في معكال٢ وغيره مثل ولد موسى بن جوعان وسلامة بن مانع٣ وغيرهما يتبعون مذهب ابن عربي وابن الفارض, وقد ذكر أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية, وهم أغلظ كفرا من اليهود والنصارى فكل من لم يدخل في دين محمد ﷺ , ويتبرأ من دين الاتحادية فهو كافر بريء من الإسلام, ولا تصح الصلاة خلفه, ولا تقبل شهادته, والعجب كل العجب أن الذي يدعي المعرفة يزعم أنه لا يعرف كلام الله, ولا كلام رسوله بل يدعي أني أعرف كلام المتأخرين مثل الإقناع وغيره وصاحب الإقناع قد ذكر أن من شك في كفر هؤلاء السادة والمشايخ فهو كافر٤, سبحان الله, كيف يفعلون أشياء في كتابهم أن من فعلها كفر, ومع هذا يقولون نحن أهل المعرفة وأهل الصواب وغيرنا صبيان جهال,

стр. 319

والصبيان يقولون اظهروا لنا كتابكم, ويأبون عند إظهاره أما في هذا ما يدل على جهالتهم وضلالتهم؟ "١ اهـ. ويشتد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ للغاية في إنكاره على من ينتحل مذهب ابن عربي وابن الفارض حتى يصل به الإنكار إلى درجة الهجر!. فيقول ﵀: " وأما الاتحادي ابن عربي صاحب الفصوص٢ المخالف للنصوص وابن الفارض الذي لدين الله محارب وبالباطل للحق معارض, فمن تمذهب بمذهبهما فقد اتخذ مع غير الرسول سبيلا, وانتحل طريق المغضوب عليهم والضالين المخالفين لشريعة سيد المرسلين, فإن ابن عربي وابن الفارض ينتحلان نحلا تكفرهما, وقد كفرهم كثير من العلماء العاملين فهؤلاء يقولون كلاما أخشى المقت من الله في ذكره فضلا عمن انتحله, فإن لم يتب إلى الله من انتحل مذهبهما وجب هجره وعزله عن الولاية إن كان ذا ولاية من إمامة أو غيرها, فإن صلاته غير صحيحة لا لنفسه ولا غيره"٣اهـ. وذلك من باب هجر المبتدع, الذي جاءت به الشيعة الإسلامية فيقول ﵀ في شأن هجر أهل البدع: "ورأى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا, وأحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله, وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة"٤اهـ.

стр. 320

وعلل ذلك بقوله ﵀: " هجران أهل البدع والمعاصي الظاهرة وترك السلام عليهم, تحقيرا لهم وزجرا"١. والأصل في هجر المبتدع قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ ٢. قال القرطبي ﵀: "وإذا ثبت تجنب المعاصي كما بينا فتجنب أهل البدع والأهواء أولى"٣.اهـ. وهجر المبتدع من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة وقد كثرت أقوالهم في هذا الباب وإليك واحدا منها: قال الإمام إسماعيل الصابوني٤ ﵀ في سياق بيانه لعقيدة السلف وأصحاب الحديث: ويبغضون أهل البدع, الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه, ولا يحبونهم, ولا يصحبونهم, ولا يسمعون كلامهم, ولا يجالسونهم, ولا يجادلونهم في الدين ولا يناظرونهم, ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضرت, وجرت إليها من
следующие страницы →