يعتبر تفسه خاتم الأولياء, وهو رئيس مدرسة وحدة الوجود١ القائلة بأنه لا شيء سوى هذا العالم وأن الإله أمر كلي لا وجود له إلا في ضمن جزئياته٢ فهو عنده يجمع بين النقيضين في ذاته وبين الضدين في صفاته, فهو الوجود الحق وهو العدم الصرف, وهو الخالق وهو المخلوق, وهو عين كل كائن, وصفاته عين صفات كل موجود وكل معلوم, هو المؤمن وهو الكافر, هو الموحد الخالص التوحيد وهو المشرك الأصم الوثنية هو الجماد وهو الحيوان وهو الملاك, وهو الشيطان..تلك هي بعض ذاتيات رب ابن عربي٣ ٤ -العياذ بالله-.
ومما حدى بالعلماء الأفذاذ إلى تكفيره٥.
وقد استدل الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب- ﵀ بكلام صاحب الإقناع في تكفير الصوفية في معرض احتسابه عليهم فقال: " وقال أيضا في أثناء الباب: ومن اعتقاد أن لأحد طريقا إلى الله غير متابعة محمد ﷺ , أو لا يجب عليه اتباعه أو أن لغيره خروجا عن اتباعه, أو قال أنا محتاج إليه في علم الظاهر دون علم
стр. 317
علم الشريعة دون علم الحقيقة أو قال إن من العلماء من يسعه الخروج عن شريعته كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى كفر في هذا كله١, ولو تعرف من قال هذا الكلام فيه وجزم بكفرهم وعلمت ما هم عليه من الزهد ولعبادة وأنهم عند أكثر أهل زماننا من أعظم الأولياء لقضيت العجب٢".
كما احتسب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ على أحد المتأثرين بابن عربي الصوفي في جملة احتسابه على سليمان بن سحيم فقال ﵀:
"ولا يخفاك أني عثرت على أوراق عند ابن عزاز٣ فيها إجازات٤ له من عند مشايخه, وشيخ مشايخه رجل يقال له عبد الغني, ويثنون عليه في أوراقهم, ويسمونه العارف بالله, وهذا اشتهر عنه أنه على دين ابن عربي الذي ذكر العلماء أنه أكفر من فرعون, حتى قال ابن المقرئ الشافعي: من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر, فإذا كان إمام دين ابن عربي والداعي إليه هو شيخهم ويثنون عليه أنه العارف بالله فكيف يكون الأمر؟ "٥اهـ.
وكذا ابن الفارض٦ رأس من رؤس أهل الاتحاد٧.
стр. 318
وقد رماه بالزندقة نحو من أربعين عالما١.
وقد احتسب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب على أتباع ابن عربي وابن الفارض من متصوفة زمانه فقال ﵀:
"من أعظم الناس ضلالا متصوفة في معكال٢ وغيره مثل ولد موسى بن جوعان وسلامة بن مانع٣ وغيرهما يتبعون مذهب ابن عربي وابن الفارض, وقد ذكر أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية, وهم أغلظ كفرا من اليهود والنصارى فكل من لم يدخل في دين محمد ﷺ , ويتبرأ من دين الاتحادية فهو كافر بريء من الإسلام, ولا تصح الصلاة خلفه, ولا تقبل شهادته, والعجب كل العجب أن الذي يدعي المعرفة يزعم أنه لا يعرف كلام الله, ولا كلام رسوله بل يدعي أني أعرف كلام المتأخرين مثل الإقناع وغيره وصاحب الإقناع قد ذكر أن من شك في كفر هؤلاء السادة والمشايخ فهو كافر٤, سبحان الله, كيف يفعلون أشياء في كتابهم أن من فعلها كفر, ومع هذا يقولون نحن أهل المعرفة وأهل الصواب وغيرنا صبيان جهال,
стр. 319
والصبيان يقولون اظهروا لنا كتابكم, ويأبون عند إظهاره أما في هذا ما يدل على جهالتهم وضلالتهم؟ "١ اهـ.
ويشتد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ للغاية في إنكاره على من ينتحل مذهب ابن عربي وابن الفارض حتى يصل به الإنكار إلى درجة الهجر!.
فيقول ﵀:
" وأما الاتحادي ابن عربي صاحب الفصوص٢ المخالف للنصوص وابن الفارض الذي لدين الله محارب وبالباطل للحق معارض, فمن تمذهب بمذهبهما فقد اتخذ مع غير الرسول سبيلا, وانتحل طريق المغضوب عليهم والضالين المخالفين لشريعة سيد المرسلين, فإن ابن عربي وابن الفارض ينتحلان نحلا تكفرهما, وقد كفرهم كثير من العلماء العاملين فهؤلاء يقولون كلاما أخشى المقت من الله في ذكره فضلا عمن انتحله, فإن لم يتب إلى الله من انتحل مذهبهما وجب هجره وعزله عن الولاية إن كان ذا ولاية من إمامة أو غيرها, فإن صلاته غير صحيحة لا لنفسه ولا غيره"٣اهـ.
وذلك من باب هجر المبتدع, الذي جاءت به الشيعة الإسلامية فيقول ﵀ في شأن هجر أهل البدع:
"ورأى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا, وأحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله, وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة"٤اهـ.
стр. 320
وعلل ذلك بقوله ﵀: " هجران أهل البدع والمعاصي الظاهرة وترك السلام عليهم, تحقيرا لهم وزجرا"١.
والأصل في هجر المبتدع قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ ٢.
قال القرطبي ﵀: "وإذا ثبت تجنب المعاصي كما بينا فتجنب أهل البدع والأهواء أولى"٣.اهـ.
وهجر المبتدع من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة وقد كثرت أقوالهم في هذا الباب وإليك واحدا منها:
قال الإمام إسماعيل الصابوني٤ ﵀ في سياق بيانه لعقيدة السلف وأصحاب الحديث: ويبغضون أهل البدع, الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه, ولا يحبونهم, ولا يصحبونهم, ولا يسمعون كلامهم, ولا يجالسونهم, ولا يجادلونهم في الدين ولا يناظرونهم, ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضرت, وجرت إليها من
стр. 321
الوسواس والخطرات الفاسدة ما جرت"١ اهـ.
وآثار السلف في هذا الباب مستفيضة أذكر بعضا منها على سبيل المثال:
قال يحيى بن أبي كثير٢ ﵀: " إذا رأيت المبتدع في طريق فخذ في غيره"٣.
وقال إسحاق ابن إبراهيم بن هانئ النيسابوري ﵀: سألت أبا عبد الله – أحمد بن حنبل- عن رجل مبتدع, داعية يدعو إلى بدعة, أيجالس؟ قال: لا يجالس ولا يكلم, لعله أن يرجع"٤.
ويذكر النووي ﵀ أن هجران أهل البدع والفسوق ومنابذي السنة مع العلم يجوز دائما والنهي عن الهجران فوق ثلاثة أيام٥ إنما هو في من هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا, أما أهل البدع ونحوهم فهجرانهم دائما٦.
ولا يقطع الهجر إلا رجوع المبتدع وتوبته عن بدعته.
стр. 322
قال الخطابي١ ﵀: " تحريم الهجرة بين المسلمين أكثر إنما هو فيما تكون بينمهما من قبل عتب موجدة, أو لتقصير يقع في حقوق العشرة ونحوها, دون ما كان من ذلك في حق الدين, فإن هجرة أهل الأهواء والبدعة دائمة على مر الأوقات والأزمان, وما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق"٢اهـ.
وقد جمع بعضهم أسماء من كان يزجر بالهجر من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وذكر منهم: عثمان بن عفان, وسعد بن أبي وقاص, وعبد الرحمن بن عوف, وعائشة أم المؤمنين, وحفصة أم المؤمنين, وعمار بن ياسر ﵁, وسعيد ابن المسيب, وطاووسا ووهب بن منبه, والحسن البصري, وابن سيرين, وسفيان الثوري ﵏, وخلقا إلى أن ختم بالنووي, فإنه كان يزجر بالهجر ويراه٣.
وقد عزا الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ تشديد السلف في معاداة أهل البدع والضلالة إلى أمرين:
"الأول: غلظ البدعة في الدين في نفسها, فهي عندهم أجل من الكبائر٤, ويعاملون أهلها بأغلظ مما يعاملون به أهل الكبائر, كما تجد في قلوب الناس أن الرافضي عندهم ولو كان عالما عابدا أبغض وأشد ذنبا من السني المجاهر بالكبائر.
стр. 323
الثاني: أن البدع تجر إلى الردة الصريحة, كما وجد من كثير من أهل البدع"١ اهـ.
وموضوع هجر المبتدع يجب أن يفهم ضمن منهج أهل السنة والجماعة بمراعاة مقاصده وأحكامه وضوابطه الشرعية المبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد٢ فإن الشرع الشريف يزن الواقعات والأحوال الداخلة تحت قاعدته العامة " الولاء والبراء" بميزان قسط وقسطاس مستقيم, وسطا عدلا بين جانبي الإفراط والتفريط, فلا تزيد عن حدها ولا تنتقص عنه, فتلتقى العقوبة للمبتدع بالهجر مع مقدار بدعته باعتبارات مختلفة, وما يحف بذلك من أحوال تنزل على قاعدة رعاية المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها٣, فإذا كانت البدعة مكفرة وجب هجره, وإذا كانت دون ذلك فإننا نتوقف في هجره إن كان في هجره مصلحة فعلناه, وإن لم يكن فيه مصلحة اجتنبناه٤, فإن هجر المسلم شأنه خطير, عن أبي خراش السلمي٥ ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: " من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه" ٦.
стр. 324
وفي ذلك يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀:
و" ... ما صح عن العلماء من أنه لا يكفر أهل القبلة, فمحمول على من لم تكن بدعته مكفرة, لأنهم اتفقت كلمتهم على تكفير من كانت بدعته مكفرة"١ اهـ.
ويقول الشاطبي٢ ﵀ مفرقا بين البدعة المكفرة وغيرها: " الاختلاف من جهة كونها كفرا وعدمه فظاهر ... لأن ما هو كفر جزاؤه التخليد في العذاب – عافانا الله- وليس كذلك ما لم يبلغ حكم سائر الكبائر مع الكفر في المعاصي, فلا بدعة أعظم وزرا من بدعة تخرج عن الإسلام, كما أنه لا ذنب أعظم من ذنب يخرج عن الإسلام"٣اهـ.
لذلك يجزم الإمام أحمد بن حنبل بوجوب الهجر في هذه الحال فقال: " ويجب هجر من كفر, أو فسق ببدعته, أو دعا إلى بدعة مضللة, أو مفسقة, على من عجز عن الرد عليه, أو خاف الاغترار به والتأذي, دون غيره, وقيل يجب هجره مطلقا وهو ظاهر كلام أحمد ﵁ السابق, وقطع ابن عقيل به في معتقده, قال: ليكون ذلك كسرا له واستصلاحا"٤ اهـ.
والصوفية من أكفر المبتدعة فهم أولى بالهجر من غيرهم, ولقد حذر منهم السلف الصالح.
عن عبد الرحمن بن مهدي وذكر الصوفية, فقال: " لا تجالسوهم, ولا
стр. 325
أصحاب الكلام عليكم بأصحاب القماطر١ فإنما هم بمنزلة المعادن مثل الغواص هذا يخرج درة, وهذا يخرج قطعة ذهب"٢.
وقال ابن عقيل: ما على الشريعة أضر من المتكلمين والمتصوفين, فهؤلاء يفسدون العقول بتوهمات شبهات العقول, وهؤلاء يفسدون الأعمال, ويهدمون قوانين الأديان, قال: وقد خبرت طريق الفريقين غاية هؤلاء الشك, وغاية هؤلاء الشطح, والمتكلمون عندي خير من الصوفية لأن المتكلمين قد يردون الشك, والصوفية يوهمون التشبيه والإشكال والثقة بالأشخاص الضلال٣ اهـ.
على الرغم مما لدى المعتزلة من الزيغ والضلال والانحراف عن منهاج أهل السنة والجماعة والإحداث في دين رب العالمين, إلا أن بدعة الصوفية الكفرية القائلة بالحلول والاتحاد أشد وبالا وأعظم ضلالا.
ومثلما اشتد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في إنكاره على الصوفية ومن تأثير بأفكارهم الهدامة ينبغي على المسلمين عامة ورجال الحسبة بصفة خاصة أن يشتدوا في الإنكار عليهم وعلى غيرهم من المبتدعة, كل حسب استطاعته, والله المستعان.
стр. 326
المطلب السادس: احتسابه على الموالاة والمعاداة:
الموالاة والمعاداة من أهم القضايا العقدية التي احتسب فيها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀.
وهما كلمتان متضادتان في المعنى:
فالموالاة لغة: مصدر من ولي, والي: القرب والدنو..والولي: ضد العدو, والموالاة ضد المعاداة, والولاية: النصرة١.
والولي: الصديق والنصير....
قال ابن الأعرابي: الولي: التابع المحب, وتولاه: اتخذه وليا, وأنه لبين الولاة والولية والتولي والولاء والولاية واللاية.
والموالاة: المتابعة, وتوليت فلانا أي أتبعته, ورضيت به والتولي الاتباع٢.
والمعاداة لغة: مصدر من العدو ضد الولي..يقال عدو بين العداوة والمعاداة.. وتعادى القوم تباعدوا٣.
وعاديت الشيء: باعدته, وعديت له: أبغضته, وتعاديت عنه أي تجافيت.
لا يعادني أي: لا يجافيني..وتعادى ما بينهم: اختلف٤.
ويوازن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بين المعنين قائلا: " أصل الموالاة هي المحبة, كما أن أصل المعاداة البغض فإن التحاب يوجب التقارب
стр. 327
والاتفاق.. والتباغض يوجب العداوة والاختلاف"١اهـ.
كما قال ابن القيم ﵀: " الولاية تنافي البراءة فلا تجتمع البراءة والولاية أبدا, والولاية إعتزاز فلا تجتمع هي وإذلال الكفر أبدا.. والولاية صلة فلا تجامع معاداة الكافر أبداً"٢ اهـ.
وأصل الولاء القرب والتقارب بين أهل الإيمان بقلوبهم وإن تباعدت أبدانهم٣.
أما عن معنى الموالاة والمعاداة في الشرع: فيقول الشيخ سليمان بن عبد الله ابن محمد بن عبد الوهاب٤ ﵀: " الموالاة٥ - في الله- التي هي لازم الحب: النصرة والإكرام والاحترام , والكون مع المحبين باطنا وظاهرا.
والمعاداة فيه: أي إظهار العداء بالفعل كالجهاد لأعداء لله والبراءة منهم والبعد عنهم باطنا وظاهرا"٦اهـ.
ويذكر أهل العلم أن من أصول العقيدة الإسلامية أنه يجب على كل مسلم
стр. 328
يدين بهذه العقيدة أن يوالي أهلها ويعادي أعداءها, فيحب أهل التوحيد والإخلاص ويوالهم, ويبغض أهل الإشراك ويعاديهم١.
والأدلة على ذلك كثيرة منها قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٤.
ومما يجب التنبيه عليه أن الموالاة ليست مرادفة للتولي المشار إليه في الآية السابقة بل بينهما اختلاف, وفي ذلك يقول الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف٥ ﵀: " التولي كفر يخرج من الملة وهو كالذب عنهم وإعانتهم بالمال والبدن والرأي, والموالاة كبيرة من كبائر الذنوب كبل الدواء أو بري القلم أو
стр. 329
التبشش لهم لو رفع السوط لهم"١.
ويقول الشيخ سليمان بن سحمان في قصديته" المسماة بحماقة وجهالة":
وأصل بلاء القوم حيث تورطوا ... هو الجهل في حكم الموالاة عن زلل
فما فرقوا بين التولي وحكمه ... وبين الموالاة التي هي في العمل
أخف ومنها ما يكفر فعله ... ومنها يكون دون ذلك في الخلل٢
ويذكر أهل العلم أن موالاة الكفار من سمات المنافقين٣:
فإذا كان الأمر كذلك فهذا كاف في تحريمها٤.
ويقول الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ مبينا حكم موالاة أعداء الإسلام:
"من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب٥, ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم"٦.
قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ
стр. 330
وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١.
بل إن هذا الفعل مناف للإيمان مضاد له, ولا يجتمع هو والإيمان كما لا يجتمع الماء والنار في تصور البشر٢.
لذلك يربط الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في احتسابه بهذا الخصوص بين الموالاة والمعاداة في الله وبين تحقيق كلمة لا إله إلا الله قائلا:
" المراد قولها٣ مع معرفتها بالقلب, ومحبتها ومحبة أهلها, ويبغض من خالفها ومعادته"٤.
وينكر ﵀ متعجبا على من: " عرفها٥ من وجه, وعاداها وأهلها من وجه, وأعجب منه من أحبها وانتسب إلى أهلها, ولم يفرق بين أوليائها وأعدائها, يا سبحان الله العظيم أتكون طائفتان مختلفتين٦ في دين الله, وكلهم على الحق كلا والله"٧. اهـ.
стр. 331
وإذا كانت البغضاء متعلقة بالقلب, فإنها لا تنفع حتى تظهر آثارها وتتبين علاماتها, ولا تكون كذلك حتى تقترن بالعدواة والمقاطعة, فحينئذ تكون العداوة والبغضاء ظاهرتين, وأما إذا وجدت الموالاة والمواصلة, فإن ذلك يدل على عدم البغضاء١, وهل يتم الدين ويقام علم الجهاد وعلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله والموالاة في الله والمعاداة في الله؟ ٢.
وفي ذلك يقول الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀:
"الإنسان لا يستقيم له إسلام- ولو وحد لله وترك الشرك- إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض"٣.
ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة, ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء لم يكن هناك فرقان بين الحق والباطل, ولا بين المؤمنين والكفار, ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان٤.
والولاء للمؤمنين يكون بمحبتهم لإيمانهم, ونصرتهم, والنصح لهم, والدعاء لهم, والسلام عليهم, وزيارة مريضهم, وتشييع ميتهم, وإعانتهم, والرحمة بهم, وغير ذلك.
والبراءة من الكفار تكون ببغضهم- دينا- ومفارقتهم, وعدم الركون إليهم,
стр. 332
أو الإعجاب بهم, والحذر من التشبه بهم, وتحقيق مخالفتهم شرعا, وجهادهم بالمال واللسان والسنان, نحو ذلك من مقتضيات العداوة في الله١.
وذلك بعيدا عن حظوظ النفس ونزغات الهوى التي تعمى عن الحق وتصم بدافع من الشيطان.
ويوصي الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ المسلمين بموالاة أهل لا إله إلا الله ومعاداة من حارب التوحيد وأهله قائلا:
" فالله الله يا إخواني, تمسكوا بأصل دينكم , وأوله وآخره, وأسه ورأسه شهادة أن لا إله إلا الله, واعرفوا معناها وأحبوها وأحبوا أهلها واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين, واكفروا بالطواغيت وعادوهم, وأبغضوهم, وأبغضوا من أحبهم, أو جادل عنهم , أو لم يكفرهم"٢.
وما أحوجنا في هذا الزمن الذي تميعت فيه قضايا التوحيد! إلى الأخذ بوصية الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب النفيسة والعمل بها.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ممحصا للقضية: المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك, والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك, فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله, فيكون الحب لأوليائه, والبغض لأعدائه والإكرام لأوليائه, والإهانة لأعدائه, والثواب لأوليائه, والعقاب لأعدائه"٣اهـ.
стр. 333
وهنا تبرز المفاضلة الإيمانية وترتفي بمن يحقق الموالاة والمعاداة لله وحده دون سواه حتى تصل به إلى القمة.
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر ﵁: "أي عرى الإيمان- اظنه قال: أوثق-؟ " قال: الله ورسوله أعلم, قال ﷺ : " الموالاة في الله والمعاداة في الله, والحب في الله والبغض في الله" ١, والباعث الحقيقي لتلك الموالاة والمعاداة محبة الله , فمتى وجدت محبته في القلب تحمل المؤمن حينئذ وتقبل تكاليف هذه المحبة ولوازم عبادته لله تعالى٢.
وإذا أشرب القلب بالإيمان وتحقق بالتوحيد, ولم يبق فيه محبة لغير الله ومحبة ما لا يحبه الله ولا كراهية لغير ما يكرهه الله٣.
أما من يوالي أعداء الله أو يعادي أولياءه فقد توعده الله بالوعيد الشديد.
قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ, وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ٤.
ففي الآية الكريمة دلالة على أن من اتخذ من دون الله ورسوله أولياء, ويوالي لهم ويعادي لهم, ويرضى لهم, ويغضب لهم, فإن أعماله كلها باطلة يراها يوم
стр. 334
القيامة حسرات عليه مع كثرتها وشدة تعبه فيها ونصبه, إذ لم يجرد موالاته ومعاداته, ومحبته وبغضه, وانتصاره وإيثاره لله ورسوله, فأبطل الله ذلك العمل كله وقطع تلك الأسباب, فينقطع يوم القيامة كل سبب وصله ووسيلة ومودة وموالاة كانت لغير الله تعالى١.
وقد حذر الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ من مغبة معاداة التوحيد وأهله وموالاة الشرك وأهله قائلا:
"وأنا أنصحكم لله وانخاكم ٢ لا تضيعوا حظكم من الله, وتحبون دين النصارى على دين نبيكم فما ظنكم بمن واجه الله وهو يعلم من قلبه أنه عرف التوحيد دينه ودين رسوله وهو يبغضه ويبغض من اتبعه, ويعرف أن دعوة غيره هو الشرك, ويحبه ويحب من اتبعه أتظنون أن الله يغفر لهذا"٣اهـ.
فليت شعري لو أن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ موجود بين ظهرانينا تراه ماذا سيقول عن أعياد الميلاد, ورأس السنة, والكنائس المشيدة في بعض البلاد الإسلامية الأخرى, والأضرحة التي يطاف حولها ويدعى أصحابها جهارا في تلك البلاد؟ فإلى الله المشتكى.
стр. 335
المطلب السابع: احتسابه على السحر والتنجيم والكهانة:
الفرع الأول: السحر:
تعريف السحر لغة: الأخذ, وكل ما لطف مأخذه١.
وأصل السحر: صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره, والسحر خديعة, والسحر الفساد٢.
تعريف السحر اصطلاحا: هو: عزائم ورقى وعقد تؤثر في الأبدان, والقلوب فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه, ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه٣.
هناك تعريف آخر هو: عقد ورقى وكلام يتكلم به, أو يكتبه, أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور, أو قلبه, أو عقله٤.
وهو عمل يتقرب به إلى الشيطان٥ لأنه اتفاق بين ساحر وشيطان على أن يقوم الساحر بفعل المحرمات أو الشركيات مقابل مساعدة الشيطان له وطاعته فيما يطلب منه ٦ والعياذ بالله.
стр. 336
الأدلة على ثبوت السحر:
والسحر حقيقة ثابتة, قال القرطبي ﵀: "ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة. وذهب عامة المعتزلة إلى أن السحر لا حقيقة له, وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به, وأنه ضرب من الخفة والشعوذة"١.
والأدلة على حقيقته ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع, أذكر منها:
أولا: الدليل على حقيقة من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ٢.
فلقد دلت الآية الكريمة على تعلم السحر, ولو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه ولا أخبر تعالى أنهم يعلمون الناس, فدل أنه حقيقة٣.
стр. 337
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ ١ جاء في الصحيح: ﴿النَّفَّاثَات﴾ : "السواحر, تسحرون تعمون"٢.
وقال ابن القيم ﵀: " هن السواحر اللاتي يعقدون الخيوط وينفثن على كل عقدة حتى تنعقد ما يردن من السحر"٣.
ثانيا: الدليل على حقيقته من السنة:
حديث عائشة ﵂: " سحر رسول الله ﷺ رجل من بني رزيق يقال له لبيد بن الأعصم حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي لكنه دعا ودعا, ثم قال يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيه فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي, والآخر عند رجلي, فقال أحدهما لصحابه: ما وجع الرجل؟ فقال مطبوب٤ قال من طبه؟ قال لبيد بن الأعصم, قال في أي شيء؟ قال في مشط ومشاطة, وجف طلع نخلة ذكر, قال وأين هو؟ قال في بئر ذروان٥, فأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه فقال يا عائشة كأن ماءها نقاعة الحناء أو كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين, قلت يا رسول الله أفلا أستخرجه؟ قال قد عافاني الله فكرهت أن أثوِّر على الناس فيه شراً
стр. 338
فأمر بها فدفنت" ١.
ففي الحديث دلالة واضحة على حقيقة وجود السحر لتأثيره على الرسول ﷺ .
سأل إسحاق الكوسج٢ الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله: السحر حق؟ قال بلى أليس قد سحر النبي٣.
فدل هذا الأثر الملموس للسحر على أنه حقيقة.
ثالثا: حقيقته من الإجماع:
قال ابن هبيرة٤ ﵀: "وأجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة فإنه قال لا حقيقة له"٥.
وكذلك المعتزلة فإنهم أنكروا حقيقة السحر, قال المتولي الشافعي٦ ﵀:
стр. 339
"وأنكرت المعتزلة ذلك, قالوا لا أصل له"١.
وقال إسماعيل الصابوني في جملة بيانه لمعتقد السلف: " ويشهدون أن في الدنيا سحرا وسحرة إلا أنهم لا يضرون أحدا إلا بإذن الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٢, والمقصود بالإذن هنا هو الإذن الكوني القدري أي أن السحرة لا يضرون أحدا إلا بمشيئة الله تعالى وتقديره, وليس المراد الإذن الديني الشرعي"٣اهـ.
وقال المتولي الشافعي: "مذهب أهل الحق أن السحرة حق ومعناه أنه موجود ... , والدليل عليه قصة هاروت وماروت, وهو ظاهر في نص القرآن. والدليل عليه اتفاق أهل التفسير على أن نزول المعوذتين في سحر لبيد بن أعصم لرسول الله ﷺ ... والدليل عليه إجماع الفقهاء على السحر واختلافهم في أحكامه حتى تكلموا في وجوب القصاص على من قتل بالسحر, فدل ذلك على أنه موجود"٤.
حكم السحر والأدلة عليه:
أما عن حكم السحر فقد نقله الإمام محمد بن عبد الوهاب عن " الإقناع" قائلا: " ويحرم تعلم السحر وتعليمه وفعله ... ويكفر بتعلمه وفعله سواء اعتقد حرمته أو إباحته"٥.
стр. 340
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "السحر محرم بالكتاب والسنة والإجماع"١.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ....﴾ ٢.
ومن السنة حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " اجتنبوا السبع الموبقات٣ قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله, والسحر, وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق, وأكل الربا, وأكل مال اليتيم, والتولي يوم الزحف, وقذف المحصنات الغافلات" ٤.
في الحديث الشريف: نهى ﷺ عن السبع المهلكات من الذنوب وثانيها السحر فدل على تحريمه, واقترانه بالشرك يدل على عظم العقوبة. والله أعلم.
وذكر الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب أن السحر من خصال الجاهلية٥.
وقد حكم أهل العلم بتكفير الساحر.
قال الذهبي: "الساحر لا بد وأن يكفر"٦اهـ.
لذلك نجد الفقهاء ﵏ بوبوا للسحر في كتاب حكم المرتد, مما حدى بالشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب إلى تصنيفه ضمن نواقض الإسلام العشرة قال ﵀: السابع: السحر, ومنه الصرف والعطف, فمن فعله أو رضي به كفر والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ
стр. 341
فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ١ ٢.
ولخطورة السحر وتعاطيه احتسب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بشدة على سليمان بن سحيم بسبب كتابته لشيء من السحر فقال ﵀:
"إنك تكتب في حجبك طلاسم, وقد ذكر في " الإقناع"٣ أنها من السحر, والسحر يكفر صاحبه فكيف تفهم التوحيد وأنت تكتب الطلاسم؟ وإن جحدت فهذا خط يدك موجود"٤.
ومن هذا المنطلق حكم الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ عليه وعلى أبيه بالكفر بسبب اشتغالهما بالسحر فقال ﵀:
"وأنا أذكر لك كلام صاحب " الإقناع" أنه مكفرك ومكفر أباك في غير موضع من كتابه- إلى أن قال- أنه ذكر أن السحر يكفر بتعلمه وتعليمه والطلاسم من جملة السحر٥ ... وهي دينك ودين ودين أبيك, فأما أن تتبرؤوا من دينكم هذا٦, وإلا فأجيبوا عن كلام صاحب الإقناع وكلامنا"٧.
ثم يخفف ﵀ من حدته مع ابن سحيم للتوازن كفتي الشدة واللين في حسبته فيقول:
"فتأمل هذا الكلام, ثم تأمل ما جرى في الناس خصوصا الصرف والعطف
стр. 342
تعرف أن الكفر ليس ببعيد وعليك بتأمل هذا الباب في الإقناع وشرحه وتأمله جيدا, وقف عند المواضع المشكلة, وذاكر فيها كما تفعل في باب الوقف والإجارة يتبين لك إن شاء الله أمر عظيم"١.
عقوبة الساحر:
ويذكر الإمام الشوكاني ﵀ أن العلة الموجبة للحكم بالكفر على الساحر ليست إلا الاعتقاد أن الساحر مشارك لله تعالى في علم الغيب٢.
من هنا يرى أهل العلم أن عقوبة الساحر القتل.
قال الخلال ﵀: سألت أبا عبد الله- يعني أحمد بن حنبل ﵀ ما الحكم في السحر ومن سحر؟ ٣.
قال: الحكم في الساحر إذا عرف السحر القتل.
وقال الإمام مالك ﵀: " الساحر الذي يعمل السحر, ولم يعمل ذلك له غيره وهو مثل الذي قال الله ﵎ في كتابه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ٤ فأرى أن يقتل ذلك إذا عمل ذلك هو نفسه"٥اهـ.
стр. 343
وجاء في الإنصاف: " يكفر ويقتل هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب"١.
وذلك لقول وفعل الصحابة رضوان الله عليهم.
عن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " حد الساحر ضربة بالسيف" ٢.
وعن عبد الله بن أحمد رحمهما الله قال: حدثني أبي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو وسمعه بجالة٣ يقول: كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف
стр. 344
فأتانا كتاب عمر ﵁ قبل موته بسنة قال: اقتلوا كل ساحر وربما قال سفيان وساحرة, فقتلنا ثلاث سواحر١.
قال ابن قدامة: هذا اشتهر فلم ينكر فكان إجماعا٢.
وذكر السنامي أن رجلا يتخذ لعبة ليفرق بين المرأة وزوجها بتلك اللعبة, قالوا هو مرتد يحكم بردته ويقتل إذا كان يعتقد لها أثرا ويعتقد التفريق من اللعبة لأنه كافر. والساحر إذا تاب قبل ان يؤخذ تقبل توبته وإن أخذ ثم تاب لم تقبل توبته٣, هذا في إسقاط الحد عند التوبة, أما فيما بينه وبين الله فلا أحد يحول بينه وبين التوبة إن كانت صادقة٤ والله أعلم.
стр. 345
الفرع الثاني: التنجيم:
التنجيم لغة: فهو من نجم الشيء, وينجم نجوما: ظهر وطلع٥.
стр. 346
وفي الاصطلاح: الاستدلال بالأحوال الفلكية على حوادث الأرضية١.
والمنجم: هو الذي ينظر في النجوم يحسب مواقيتها وسيرها٢, بمعنى أن يربط المنجم ما يقع في الأرض, أو ما سيقع فيها بالنجوم بحركتها, وطلوعها, وغروبها, واقترانها, وافتراقها وما أشبه ذلك٣.
فيستدل مثلا باقتران النجم الفلاني بالنجم الفلاني على أنه سيحدث كذا وكذا.
ويستدل بولادة إنسان في هذا النجم أنه سيكون سعيدا.
وفي النجم الآخر بأنه سيكون شقيا٤ وبهذا نجد أن معنى التنجيم يتضمن معنى العرافة.
قال ابن أبي العز الحنفي٥ ﵀ " المنجم يدخل في اسم " العراف" عند بعض العلماء , وعند بعضهم هو في معناه"٦.
والتنجيم مما ينافي التوحيد ويوقع في الشرك لأنه ينسب الحوادث إلى غير من أحدثها وهو الله سبحانه٧.
стр. 347
ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن اعتقاد المعتقد بأن نجما من النجوم السبعة هو المتولي لسعده ونحسه اعتقاد فاسد, وإن اعتقد أنه هو المدبر له فهو كافر١.
والتنجيم شعبة من السحر:
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد" ٢.
يقول الشيخ الخطابي ﵀ معلقا على الحديث: " علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي تقع وستقع في مستقبل الزمان كإخبارهم بأوقات هبوب الرياح, ومجيء المطر, وظهور الحر والبرد وتغيير الأسعار وما كان في معانيها من الأمور, يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها وباجتماعها وافتراقها, ويدعون لها تأثيرا في السفليات , وأنها تتعرف على أحكامها وتجري على قضايا موجباتها, وهذا منهم تحكم على الغيب وتعاط لعلم استأثر الله سبحانه به لا يعلم الغيب أحد سواه, فأما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والحس كالذي يعرف به الزوال ويعلم به جهة القبلة فإنه غير داخل فيما نهى عنه"٣ ا. هـ.
وإذا كان النظر في النجوم من باب التيسير لمعرفة منازل القمر لتحديد أوقات الصلاة والمطر فلا بأس به كما هو رأي أحمد وإسحاق بن راهويه٤.
стр. 348
ويقول فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله: "هناك نوع آخر من التنجيم وهو أن الإنسان يستدل بطلوع النجوم على الأوقات, والأزمنة, والفصول, فهذا لا بأس به ولا حرج فيه, مثل أن نقول إذا دخل نجم فلان فإنه يكون قد دخل موسم الأمطار أو قد دخل وقت نضوج الثمار وما أشبه ذلك, فهذا لا بأي به ولا حرج فيه"١ والله تعالى أعلم. وفي الأثر روي عن عمر ﵁ أنه قال: تعلموا من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق ثم أمسكوا"٢.
стр. 349
الفرع الثالث: الكهانة ونحوها:
أما الكهانة فتعريفها في اللغة:
من كهن يكهن ويكْهُنُ وكَهُنَ كهانة, وتكهن وتكهنا: قضى له بالغيب١.
وللكاهن عدة تعريفات منها:
١-هو الذي يتعاطى الخبر من الكائنات في مستقبل الزمان ويدعى ومعرفة الأسرار٢.
٢- هو الذي له رئي من الجن, يأتيه بأخبار٣.
٣-هو الذي يأخذ من مسترق السمع٤.
стр. 350
وبينه وبين الساحر فرق.
وذكر الإمام أحمد ﵀ الفرق بين الساحر والكاهن فقال: الكاهن يدعي الغيب, والساحر يعقد ويفعل١.
وتكذيب الكهنة من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة.
برهان ذلك حديث معاوية بن الحكم السلمي٢ ﵁ قال: " قلت يا رسول الله: أمورا كنا نصنعها في الجاهلية, كنا نأتي الكهان قال: فلا تأتوا الكهان ... " ٣ الحديث.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من أتى كاهنا فصدقه يما يقول أو أتى امرأة حائضا , أو أتى امرأة من دبرها فقد برئ مما نزل على محمد" ٤.
وفي رواية: "من أتى حائضا, أو امرأة في دبرها, أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد" ٥.
فلهذا أكد أهل العلم في معتقدهم على تكذيب الكهنة.
قال الإمام الطحاوي ﵀: " ولا نصدق كاهنا ولا عرافا, ولا من
стр. 351
يدعى شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة"١.
قال العلامة البابرتي ٢ ﵀: أما تذكيب الكاهن والعراف فلأن الإطلاع على الغيب مما استأثر الله به نفسه لا يطلع عليه أحد إلا من ارتضاه الله تعالى من أنبيائه بالوحي إليهم على ما قال تعالى: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ٣, والكاهن والعراف ليسا من الأنبياء فلا نصدقها"٤.
وحماية لجناب التوحيد حرم الشارع إتيان الكهان حتى لا تقع الفتنة بتصديقهم.
ويقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله: "وأما سؤال العرافين والمشعوذين والمنجمين وأشباههم ممن يتعاطى الأخبار عن المغيبات فهو منكر لا يجوز وتصديقهم أشد وأنكر بل هو من شعب الكفر"٥.
قال الإمام البغوي: " ... العراف هو الذي يدعي معرفة الامور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها كالمسروق من الذي سرقها٦ ومكان الضالة وتتهم المرأة بالزنى فيقول: من صاحبها ونحو ذلك من الأمور"٧اهـ.
стр. 352
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [العرّاف] اسم عام للكاهن والمنجم والرمَّال ونحوهم ممن يتكلم في تقدم المعرفة بهذه الطرق) ؟ ١ ا. هـ.
وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ٢.
وعن صفية ﵂ عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة" ٣.
ففي هذا الحديث بيان ذكر عقوبة من أتى العرَّاف المتضمن للكاهن وغيره وهي: عدم قبول صلاته لمدة أربعين ليلة، بينما عقوبته في حديث أبي هريرة المتقدم إخراجه من دائرة الإسلام كُلية (كفر بما أنزل على محمد ﷺ .
ولا تعارض بين الحديثين على قول من يقول هو كفر دون كفر٤ أما من يقول بظاهر الحديث فيكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان لاعتقاده أنَّه يعلم الغيب٥.
ويقول الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين حفظه الله: (العلاقة بين التنجيم والكهانة أنَّ الكل مبني على الوهم والدجل، وأكل أموال الناس بالباطل، وإدخال الهموم والغموم عليهم) ٦.
стр. 353
ولما شاع بين الناس إتيان السحرة والكهان الذين يزعمون أنَّ كشفهم عن المُغيَّب من الكرامات! قام الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالاحتساب على أولئك الدجالين قائلاً:
[ما يفعله كثير من أتباع إبليس وأتباع المنجمين والسحرة والكهان ممن ينتسب إلى الفقر١ وكثير ممن ينتسب إلى العلم من هذه الخوارق التي يوهمون بها الناس ويشبهونها بمعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، ومرادهم أكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله حتى إنَّ بعض أنواعها يعتقد فيه من يدعي العلم أنَّه من العلم الموروث عن الأنبياء من علم الأسماء وهو من الجبت والطاغوت] ٢.
ووصف ﵀ هذه الأفعال بأنَّها تشبُّه بأهل الجاهلية فقال ﵀:
[وهذه الخصلة الجاهلية موجودة اليوم في كثير من الناس، لاسيما من انتسب إلى الصالحين وهو عنهم بمراحل، فيتعاطى الأعمال السحرية من إمساك الحيات وضرب السلاح والدخول في النيران وغير ذلك مما وردت الشريعة بإبطاله، فأعرضوا ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما ألقاه إليهم شياطينهم وادعوا أنَّ ذلك من الكرامات مع أنَّ الكرامة لا تصدر عن فاسق، ومن يتعاطى تلك الأعمال فسقهم ظاهر للعيان] ٣ ا. هـ.
هكذا احتسب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ على السحر
стр. 354
والشعوذة والكهانة وما يلحق بها، وللمحتسبين فيه أسوة حسنة، فقضية السحر وما يلحق بها من تنجيم وكهانة وعرافة وغيرها من أخطر القضايا العقائدية التي يجب أن يُوليها رجال الحسبة اهتمامهم في الإنكار والتغيير.
وقد أكّد سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله على ولاة الأمور وأهل الحسبة وغيرهم ممن لهم قدرة وسلطان بالإنكار على من يأتي إلى السحرة والكهان والعرافين ونحوهم، ومنع من يتعاطى شيئاً من ذلك في الأسواق وغيرها، والإنكار عليهم أشد الإنكار١.
стр. 355
المطلب الثامن: احتسابه على التمائم والرقى:
الفرع الأول: التمائم:
...
المطلب الثامن: احتسابه على التمائم والرقى:
آخر قضية عقائدية أُوردها في احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب هي قضية التمائم والرقى.
الفرع الأول: التمائم:
والتمائم في اللغة جمع تميمة وهي: عوذة تعلق على الإنسان١.
والتمائم في الاصطلاح: خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام٢.
أجملها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في قوله:
[التمائم شيء يُعلق على الأولاد يتقون به العين] ٣.
وقد فسّرها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بقوله: (إنَّ فيها ما يكون من أسماء الشياطين، أو العظام، أو الخرز، أو المسامير، أو الطلاسم وهي الحروف المقطعة، أو أشباه ذلك) ٤.
حكم تعليق التمائم:
ذكر العلماء تحريم تعليق التميمة أو الخرزة أو الخيط ونحوه٥.
وذلك لورود عدة أحاديث تتضمن الوعيد لفاعلها منها: